← Сира

Сира · id 9896

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

العظمى، وهو القران الكريم اية بينة مستقيمة لا عوج فيه، ولا اختلاف، ولا تناقض، أنزله لإنذار الكافرين والعاصين، وتبشير المؤمنين الصالحين، فقال سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ إلى قوله: إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً «١» ثم أشفق عليه لحزنه على عدم إيمان قومه حزنا يكاد يذهب بنفسه، فقال: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) . ثم شرع في الإجابة عن قصة من سألوه عنهم من شأن الفتية الذين كانوا في الزمن الأول، فقال: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ... (٩) إلى اخر القصة «٢» ، وذكر في أثنائها تعليمه للنبي ذكر المشيئة في كلامه فيما يستقبل، فقال: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ. ثم ذكر شأن الرجل الطواف فقال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إلى اخر القصة «٣» . وكذلك أنزل الله في سؤالهم عن الروح قوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) «٤» .

стр. 317

اية الروح مكية أم مدنية ؟ وهذا الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته يوافقه ما رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه، وقال: إنه صحيح وهو يتفق وكون الاية مكية. ولكن روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود أنه كان مع النبي وقد مرّ على اليهود، وهو متكىء على عسيب نخل، فقال اليهود بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فسكت فلم يرد عليهم، ثم أقام ساعة ينظر قال ابن مسعود: فظننت أنه يوحى إليه، فلما سرّي عنه قال: «ويسألونك عن الروح ... » الاية، وهذا يقتضي أن السائل اليهود، وأن الاية مدنية، فمن ثمّ رجّح بعض العلماء ما في الصحيح وقالوا: إن الاية مدنية وبعض السور المكية فيها بعض الايات المدنية وبالعكس. وذهب بعض العلماء ومنهم ابن كثير إلى تعدد النزول بأن تكون نزلت في مكة بسبب سؤال المشركين له بعد استشارتهم اليهود، ثم نزلت في المدينة بعد لما مر النبي ﷺ على اليهود وسألوه، ولا مانع- كما قال الزركشي وغيره- من تكرر نزول بعض اي القران تعظيما لشأنها، وتذكيرا بها «١» . مجادلة يهود المدينة في اية الروح ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة قال أحبار يهود: يا محمد أرأيت قولك: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» أإيانا تريد، أم قومك؟! قال: «كلّا عنيت» قالوا: فإنك تتلو فيما جاءك، إنا أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء! فقال ﷺ : «إنها في علم الله قليل، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه، فأنزل الله تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك قوله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٢» أي أن التوراة وغيرها من علم الله شيء قليل «٣» .

стр. 318

خصومات، ومجادلات، وتهكمات جلس رسول الله ذات يوم مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم في المجلس وفيه غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ ، فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله حتى أفحمه، ثم تلا عليهم قول الله ﵎: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ «١» جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) «٢» . مقالة ابن الزبعرى وما أنزل الله فيه ثم قام رسول الله ﷺ ، وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي حتى جلس؛ فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب انفا وما قعد «٣» ، وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من الهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدا: أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى! فقال النبي: «إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته» . وهو جواب محكم دقيق «٤» ، فأنزل الله تصديقا لنبيه في ذلك: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا

стр. 319

يَسْمَعُونَ حَسِيسَها «١» وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) «٢» . يعني عيسى ابن مريم، وعزيرا، ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله. فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله، أولئك عن النار مبعدون لا يدخلونها أبدا. ونزل فيما ذكره ابن الزبعرى من أمر عيسى، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ «٣» (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) . أي شديد واللجاجة في الخصومة، ثم بيّن حقيقة أمر عيسى فقال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) «٤» . الأخنس بن شريق الأخنس بن شريق، بن عمرو، بن وهب الثقفي حليف بني زهرة. وكان من أشراف القوم، وممن يستمع منه. وكان يصيب من رسول الله ﷺ ، ويجادله، ويرد عليه «٥» . فأنزل الله فيه:

стр. 320

وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) «١» . وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة ، وقيل: في أبي جهل، وقيل: في الأسود بن عبد يغوث. الوليد بن المغيرة وكان ممن يجادل رسول الله ﷺ وينال منه الوليد بن المغيرة، وكان يقول: أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين؟! فأنزل الله تعالى حكاية لأقوالهم وردا عليهم قوله: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ «٢» عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا «٣» وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) «٤» . تهكم أبي جهل بالقران والنبي: ومن تهكمات أبي جهل وجهالاته أنه لما ذكر الله شجرة الزقوم تخويفا لهم قال: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لو استمكنا منها لنتزقمنها تزقما «٥» فأنزل الله تعالى فيه قوله:

стр. 321

إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ «١» يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) «٢» . وشجرة الزقوم هي التي ذكرها الله في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ «٣» فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (٦٠) «٤» . إنذار أبي جهل رسول الله بسبّ الله ولقي أبو جهل رسول الله ﷺ فقال له: «والله يا محمد لتتركنّ سبّ الهتنا أو لنسنّ إلهك الذي تعبد» فأنزل الله تعالى على نبيه قوله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ... «٥» . فكف رسول الله ﷺ عن سب الهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله تعالى. تهكم العاص بن وائل برسول الله كان خباب بن الأرت صاحب رسول الله قينا بمكة يعمل السيوف، وكان قد باع للعاص بن وائل السهمي سيوفا عملها له حتى كان له عليه مال، فجاءه يتقاضاه، فقال له: يا خباب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب، أو فضة، أو ثياب، أو خدم؟! قال

стр. 322

خباب: بلى. قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقّك، فو الله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب اثر عند الله مني، ولا أعظم حقا في ذلك، فأنزل الله تعالى ردا عليه، وتبكيتا له، وزجرا له وردعا قوله: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) «١» . مجادلة أبيّ بن خلف ومشى أبيّ بن خلف إلى رسول الله ﷺ بعظم بال «٢» قد أرمّت، فقال يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم «٣» ، ثم فتّه بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله، فقال له: «نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك الله النار» فأنزل الله تعالى فيه قوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً» فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) «٥» .

стр. 323

من أماني المشركين الباطلة واعترض رسول الله ﷺ وهو يطوف بالكعبة الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزّى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا: (يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه) . وهو عرض خبيث ماكر يدل على حيلة واسعة، ولباقة في حسن العرض، وهو يدل على ما كان يتمتاع به القوم من ذكاء، وفطنة، وعقل، ولكن حجبتها العقائد الموروثة، والأوهام الفاسدة، والتقليد لما عليه الاباء، عن الإذعان للحق والخضوع له. وما كانت هذه الحيلة الماكرة لتجوز على النبي، فقد رفضها واستنكرها، فأنزل الله سبحانه تأييسا لهم، وقطعا لأطماعهم: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) «١» . عود إلى سياسة الإيذاء والاستهزاء ولما رأى المشركون أن سياسة الإغراء والملاينة، والمجادلة، والمغالطة لم تجد مع رسول الله ﷺ وقد حدّثناك عن بعضها- عادوا إلى سياسة الإيذاء. فمن ذلك ما كان يؤذي به رسول الله النّضر بن الحارث، وكان من شياطين قريش، وينصب لرسول الله بالعداوة، وكان من أمره ما ذكرنا فيما سبق

стр. 324

من معارضة ما يذكره النبي من قصص الأنبياء والأمم؛ بما كان معه من أساطير تعلمها من بلاد الحيرة عن ملوك فارس، وأحاديث رستم، واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله مجلسا يعلّم ويذكّر، خلفه في مجلسه فحدثهم بما معه، ثم يقول: ما محمد بأحسن حديثا مني، أنا- والله- يا معشر قريش أحسن حديثا منه، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها، وقد أنزل الله في مقالته والرد عليه قوله سبحانه: وَقالُوا أَساطِيرُ «١» الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) «٢» . وقال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) «٣» . وقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً «٤» فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) «٥» . موقف للنضر يكون فيه منصفا للرسول ومن العجيب حقا أن ابن إسحاق روى عن هذا الشيطان والمتمرد على النبوة أنه قال لقريش: «يا معشر قريش إنه- والله- قد نزل بكم أمر ما أتيتم

стр. 325

له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر!! لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة: نفثهم وعقدهم «١» وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، وقد رأينا الكهنة وتخالجهم، وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر؛ وقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه- والله- قد نزل بكم أمر عظيم «٢» . وكأنه كان يرى هذا ويعتقده، ثم انجرف في تيار معاداة الرسول، وغلبت عليه شقوته، فصار يتعقّب الرسول ويقول فيه ما قال!! أمية بن خلف وهمزه للرسول وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة السهمي إذا رأى رسول الله ﷺ همزه، ولمزه، فأنزل الله تعالى فيه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ «٣» (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ «٤» (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ «٥» (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) «٦» .

стр. 326

إغراء أبيّ بن خلف لعقبة بالنيل من الرسول وكان أبيّ بن خلف، والشقي عقبة بن أبي معيط متصافيين حسنا ما بينهما، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله ﷺ وسمع منه، فبلغ ذلك أبيا، فأتى عقبة فقال له: ألم يبلغني أنك جالست محمدا وسمعت منه؟! وجهي من وجهك حرام أن أكلمك- واستغلظ من اليمين- إن أنت جلست إليه، أو سمعت منه، أولم تأته فتتفل في وجهه، ففعل ذلك السفيه الشقي عقبة «١» ، فأنزل الله تعالى فيهما قوله: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩) «٢» . رمي العاص بن وائل الرسول بأنه أبتر وقد بلغ البغض والسّفه ببعض المشركين أن عابوا على رسول الله ﷺ ما لا خيرة له فيه من موت أولاده الذكور، ولا يخلّ بدين، ولا مروءة، ولا رجولة، فمن هؤلاء العاص بن وائل السهمي، كان إذا ذكر رسول الله ﷺ قال: دعوه؛ فإنما هو أبتر لا عقب له، لو مات لا نقطع ذكره، واسترحتم منه، فأنزل الله تعالى سورة الكوثر بيانا لبعض ما رفع الله به ذكر رسوله، وأن شانئه هو الأبتر، قال سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) «٣» .

стр. 327

استهزاؤهم بالرسول ومر رسول الله ﷺ بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزؤوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله عليه مسليا ومواسيا، ومنددا بهم ومنذرا قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) «١» . ولم يعبأ رسول الله ﷺ بكل هذا، بل مضى إلى سبيله يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما زاده الإسراف في الإيذاء والاستهزاء إلا إصرارا على الدعوة. ما نزل بالمسلمين ولا سيما المستضعفين من البلاء والفتنة لا يكاد التاريخ يعرف قوما ابتلوا بألوان البلاء، وفتنوا أشد الفتنة مثل ما عرف ذلك لأصحاب نبينا محمد ﷺ ، فقد عذّبوا عذابا تنوء به الجبال، وأوذوا في سبيل عقيدتهم ودينهم أشد الإيذاء، ولا سيما الأعبد والضعفاء منهم، وليس هذا بعجيب من قوم خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، من أول يوم اعتنقوا فيه الإسلام، وتوالت عليهم ايات الوحي والمواعظ النبوية صباح مساء، وأخذهم النبي ﷺ بأساليبه الحكيمة في التربية والتهذيب، وكان لهم القدوة الحسنة في الثبات والصبر، والتحمل، والاستهانة بكل لأواء الحياة، والامها، ومرّها، في سبيل العقيدة والغاية الشريفة. ولم يكن هؤلاء السادة يبغون من إيمانهم ملكا، أو جاها، أو مالا،

стр. 328

أو سمعة، وإنما كان همهم أن يقوم هذا الدين وينتشر، وتسود العالم شريعة الحق، والعدل، والمساواة، واحترام حقوق الإنسان. ولئن كان وجد في الأمم السابقة من ضربوا مثلا عالية في التضحية والصبر والتحمل في سبيل الإيمان والدين، إلا أنهم لم يكونوا في الكثرة مثل ما كان ذلك في الإسلام، ولم يكن لهم من قوة الإيمان وصلابة الاعتقاد مثل ما كان لأصحاب نبينا محمد. وليس أدل على هذا من أن الحواريين الذين كانوا أخلص الخلصاء لعيسى- ﵊ خانه بعضهم وهو يهوذا الأسخريوطي كما ذكرته كتبهم- ودل عليه اليهود الذين كانوا يطلبونه لقتله، لولا أن رفعه الله إليه وعصمه منهم، ولن تجد مثالا واحدا لهذا في الصحابة- رضوان الله عليهم- على كثرتهم الكاثرة على أصحاب عيسى- ﵇ بل كانوا يفدونه بأنفسهم وأهليهم وأموالهم. وقد كان أبو جهل الفاسق الباغي إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنّبه وأخزاه، وقال له: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهنّ حلمك، ولنفيّلنّ «١» رأيك، ولنضعنّ شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدنّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك. وإن كان ضعيفا ضربه، وأغرى به. وإن في هذه الرواية التي رواها ابن إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ما يعطينا صورة مؤلمة غاية الألم لما كان ينالهم من العذاب، قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم، والله إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه، ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا

стр. 329

له: اللات والعزّى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل «١» ليمر بهم، فيقولون له: أهذا إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده. شكاتهم إلى رسول الله ما يلاقون وفي بعض ساعات الضعف الإنساني كانوا يأتون إلى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- شاكين ما يجدون من شدائد وتعذيب، فيضرب لهم الأمثال، ويعظهم ويذكرهم، فيرجعون راضين مطمئنين صابرين على البلاء. روي عن خباب بن الأرتّ أنه قال: أتيت النبي ﷺ وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد، وهو محمّر وجهه، وقال: «قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه!! وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله- والذئب على غنمه» وفي رواية: «ولكنكم تستعجلون» رواه البخاري ومسلم. إنّ ما وعاه التاريخ الصادق مما كان يلاقيه المسلمون الأوائل من صنوف البلاء والعذاب قد بلغ من الروعة، والجلال، وعزة النظير ما يعتبر عند بعض الناس ضروبا من الخيال، ولكنها الحقيقة التي لا ريب فيها، إن الإنسان ليغضّ الطرف حياء، ويحمر وجهه خجلا حينما يستعرض هذه المواقف البطولية الفذة التي سمت بأصحابها إلى درجات سامقة من السمو الديني والخلقي والنفسي، وإليك طرفا من حديث هؤلاء القوم. المعذّبون في الله فمن هؤلاء السادة الأبطال: بلال بن رباح الحبشي، وكان اسم أمه حمامة، وكان مولاه أمية بن خلف الجمحي قاسي الكبد، غليظ القلب؛ لا ينبض قلبه بقطرة من الرحمة الإنسانية. كان يخرجه إلى بطحاء مكة إذا حميت الشمس في الظهيرة، والرمضاء في هذا الوقت تكاد تنضج اللحم الطري، ثم

стр. 330

يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا- والله- لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. ولكن بلالا لا يعبأ بالالام ولا بالبلاء، ويأبى إلا أن يعلن عن صادق إيمانه، فلا ينفك يردد ويقول: «أحد. أحد» فتمتزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان!! فإذا حلاوة الإيمان تطغى على مرارة العذاب، وكان يقول: «لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها» وقد هانت نفس بلال عليه في الله، فتحمل ما تحمل بقلب مؤمن، ونفس راضية مطمئنة، حتى صار مثلا يحتذى، كلما ذكر المجاهدون والمعذبون. وهان هو على مواليه فكانوا يجعلون في عنقه حبلا، ويدفعون به إلى الصبيان يلعبون به، حتى أثر الحبل في عنقه، فما صرفه ذلك عن دينه، ويسرف أمية بن خلف الطاغية في التنكيل ببلال وسومه سوء العذاب، ويزداد بلال إيمانا واستعذابا لألوان العذاب، حتى مر به الصّديق أبو بكر- ﵁ فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟! «١» فقال له: أنت الذي أفسدته، فأنقذه مما ترى، فقال الصّديق: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به، قال: قد قبلت، فقال: هو لك، فأعطاه سيدنا أبو بكر- ﵁ غلامه ذلك، وأخذ بلالا فأعتقه لوجه الله!! وهذه الأسرة الياسرية: عمار بن ياسر، وأبوه ياسر، وأمه سمية بنت خباط «٢» مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وكان ياسر حليفا له فزوّجه سمية، فولدت له عمارا، فأعتقه، وكان بنو مخزوم يخرجون بهم إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة، ويلبسونهم دروع الحديد المحماة بالنار، فما وهنوا ولا استكانوا، وكان يمر بهم رسول الله ﷺ وهم يعذبون، فما يملك لهم إلا أن يحثهم على الثبات والصبر، فيقول: «صبرا ال ياسر فإن موعدكم الجنة» . ولما اشتكى له عمار قائلا: يا رسول الله بلغ منا العذاب كل مبلغ، فقال له:

стр. 331

«اصبر أبا اليقظان، اللهم لا تعذب من ال ياسر أحدا بالنار» . ومرّ أبو جهل اللعين بسمية، وهي تعذب في الله، فطعنها بحربة في ملمس العفة منها، فماتت، فكانت أول شهيدة في الإسلام! ثم لم يلبث أبوه أن توفي تحت وطأة العذاب!! ويطول العذاب بعمار حتى كان لا يدري ما يقول، فيظهر كلمة الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ويجيء عمار- وهو يبكي- إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: «ما وراءك» ؟ قال: شر يا رسول الله: نلت منك، وذكرت الهتهم بخير، قال: «كيف وجدت قلبك» ؟ قال: «مطمئنا بالإيمان» ، فجعل النبي يمسح عينيه بيده، ويقول له: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» !! ولهج بعض الناس بأن عمارا كفر، ولكن رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى صدع بالحق فقال: «كلا، إن عمارا ملىء إيمانا من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» !! ثم ينزل الوحي بشهادة السماء على صدق إيمان عمار، قال تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) «١» فكانت الاية إعذارا لهؤلاء المعذبين في الله بأن لا حرج عليهم إن جاروا الكفار بطرف اللسان، ما دام القلب عامرا بالإيمان، ورخصة يترخص بها من خاف على نفسه الهلاك. ومن المعذبين في الله عامر بن فهيرة «٢» ، أسلم قديما، وصحب النبي والصدّيق في الهجرة يخدمهما، وشهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا.

стр. 332

ومنهم أبو فكيهة، ذكر ابن إسحاق أنه أسلم يوم أسلم بلال، فعذبه أمية بن خلف حتى اشتراه أبو بكر فأعتقه. ومن المعذّبات في الله، وأظهرن صبرا، وتجلدا، وبطوله: زنّيرة «١» الرومية أمة عمر بن الخطاب، أسلمت قبله، فكان يضربها حتى يفتر، ويشاركه في ضربها أبو جهل، فلا يزيدها ذلك إلا إصرارا على الإسلام، ولما أسلمت أصيب بصرها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزّى، فقالت: كذبوا وبيت الله- ما تضر اللات والعزى، وما تنفعان، ولكن هذا أمر من السماء، وربي قادر على أن يرد عليّ بصري!! فرد الله بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد. وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء وأتباعهم، لو كان ما أتى محمد خيرا وحقا ما سبقونا إليه، أفتسبقنا زنّيرة إلى رشد!! نعم، نعم، يا أبا جهل- ولا كرامة لك- لقد سبقتك زنيرة إلى الرشد؟! وبقي لها الذكر والترضّي عليها ما بقي مسلم على وجه الأرض، وبقي لك اللعن على كل لسان إلى ما شاء الله، لقد ذهبت الأحساب والأنساب، وبقيت التقوى، قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ. ومنهن أم عنيس «٢» أمة لبني زهرة، وكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها، فما استطاع أن يفتنها عن دينها.

стр. 333

وحمامة «١» أم بلال بن رباح كانت تعذب في الله، وجارية بني المؤمل «٢» وهم من بني عدي بن كعب، وكانت قد أسلمت، فكان عمر بن الخطاب يعذبها ويضربها حتى إذا ملّ قال: إني أعتذر إليك بأني لم أتركك إلا ملالة!! فتقول: كذلك فعل الله بك. والنهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار «٣» . ولعلك- أيها القارىء الكريم- امنت معي بعد ما سمعت هذه النماذج البشرية العالية أن التاريخ لا يكاد يعرف قوما استعذبوا العذاب في سبيل الإيمان والعقيدة، وهانت عليهم نفوسهم في الله مثل ما عرف ذلك لأصحاب خاتم الأنبياء محمد، وأني لم أكن مسرفا، ولا مبالغا حينما قلت هذا القول، وأن هؤلاء الرجال والنساء خطّوا صحائف مشرقة في تاريخ الإيمان، والبطولة، والتضحية. فلله هذه النفوس المؤمنة، ما أزكاها، وما أشرفها، وما أخلدها على الدهر. واهب الحريات أما واهب الحريات ومحرر العبيد فهو شيخ الإسلام الوقور، الذي عرف بين قومه بأنه يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب «٤» الحق، لم ينغمس في إثم في جاهليته، أليف مألوف، يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء والأرقاء، أنفق جزا كبيرا من ماله في شراء العبيد، وعتقهم لله وفي الله، قبل أن تنزل التشريعات الإسلامية المحببة في العتق، والواعدة عليه أجزل الثواب، ذلكم المحرر للعبيد هو صدّيق هذه

стр. 334

الأمة، والوزير الأول لرسول الله أبو بكر بن أبي قحافة- ﵁ وأرضاه- ومن هؤلاء السادة الذين أعتقهم: بلال بن رباح: وقد قدّمنا طرفا من قصته، وإذا علمت أن الغلام الذي أعطاه سيدنا أبو بكر كان يسمى: (نسطاس) ويقال: كان صاحب عشرة الاف دينار، وغلمان، وجوار، ومواش- أدركت عظم الفداء الذي فدى به الصديق أبو بكر بلالا، ولا تعجب إذا كان الفاروق عمر قال هذه القولة التي تدل على عظم منزلة الفادي والمفدى: «أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا» يريد بلالا، رواه البخاري في صحيحه. ومن موالي الصديق: أبو فكيهة اشتراه وأعتقه، وعامر بن فهيرة اشتراه وأعتقه لوجه الله. ومن الإماء اللاتي اشتراهنّ وأعتقهن لله: حمامة أم بلال، وأم عنيس وزنّيرة، وجارية بني المؤمل، والنهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما، وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها «١» وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا، وتتوعدهما، فقال الصدّيق: حل «٢» يا أم فلان، فقالت حل. أنت أفسدتهما، فأعتقهما، قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. قال قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها، قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر، ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما. وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف سوى الإسلام بين الصدّيق والجاريتين حتى خاطبتاه خطاب الند للند، لا خطاب المسود للسيد، وتقبّل الصديق- على شرفه وجلالته في الجاهلية والإسلام- منهما ذلك، مع أن له يدا عليهما بالعتق، وكيف صقل الإسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله

стр. 335

الحيوان والطير، ولكنهما أبتا- تفضّلا- إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها!! إنما أريد وجه الله ولم يكن الصدّيق يقصد بعمله محمدة، ولا جاها، ولا دنيا، وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلال والإكرام، لقد قال له أبوه ذات يوم: «يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك، ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر ﵁: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله ، فلا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصديق قرانا يتلى إلى يوم الدين «١» ، قال سبحانه: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١) «٢» . فلله أنت أيها الصدّيق العظيم، فقد حررت العبيد قبل أن يعرف العالم الحديث ذلك ببضعة عشر قرنا!!

стр. 336

الفصل الرّابع أحداث هامّة في العهد المكّي هجرة الحبشة ولما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما كان ينالهم من التعذيب والإهانة- وقد ذكرت لك ذروا منه انفا- وأنه لا يقدر على أن يمنع عنهم ما يصيبهم قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله إلى أرض الحبشة فرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام، وقد روى الواقدي أن خروجهم إليها كان في رجب سنة خمس من البعثة. فكان أول من خرج عثمان بن عفان ومعه زوجه رقية بنت رسول الله، ولما بلغ رسول الله ذلك قال: «صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط ﵇» . ثم خرج أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وزوجه سهلة بنت سهيل بن عمرو، فولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة، وخرج الزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي وزوجه أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، وولدت له بها زينب، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة حليف ال الخطاب وزوجه ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم، ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو،

стр. 337

ابن عبد شمس، بن عبد ود، بن مالك، بن حسل، بن عامر، بن لؤي، ويقال: إنه أول من قدمها، وسهيل بن بيضاء، فكانوا عشرة رجال، وأربع نسوة، وقيل: وخمس نسوة بزيادة أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو زوج أبي سبرة «١» . ثم خرجوا ما بين ماش وراكب حتى انتهوا إلى البحر، فاستأجروا سفينة حملتهم إلى الحبشة بنصف دينار، وخرجت قريش في اثارهم فلم يدركوا منهم أحدا. ويقال: إن قريشا أرسلت في أثرهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدايا وتحف إلى النجاشي ليردهم إلى قومهم فأبى، وردهما خائبين. وأما بعد هجرة الحبشة الثانية فقد أرسلت عمرا وعبد الله بن أبي ربيعة، والمحققون على أن الإرسال إنما كان بعد الهجرة الثانية وهو الصحيح «٢» ، فقد كان المتكلم عن المهاجرين جعفر بن أبي طالب، والصحيح أنه لم يهاجر إلا في الثانية، وسنذكر إن شاء الله تعالى- ما كان من رسولي قريش، وما كان من سيدنا جعفر بين يدي النجاشي في موضعه.

стр. 338

إسلام عمر بن الخطاب «١» هو عمر بن الخطاب، بن نفيل، بن عبد العزّى، بن رياح، بن عبد الله، ابن قرط، بن رزاح «٢» ، بن عدي، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، يجتمع مع النبي ﷺ في كعب، وأمه حنتمة بنت هاشم «٣» بن المغيرة، ابنة عم أبي جهل وأخيه الحارث بن هشام. وكان عمر في جاهليته من أشد الناس إيذاء للمسلمين، وكان رسول الله ﷺ يرى أن في إسلامه أو إسلام أبي جهل كسبا كبيرا للإسلام والمسلمين، فلذلك كان يدعو الله أن يهدي أي الرجلين إلى الإسلام. روى الترمذي وغيره عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ أعزّ الإسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب» ورواه أحمد والترمذي وابن سعد وغيرهم عن ابن عمر عن النبي ﷺ بلفظ: «اللهم أعزّ الإسلام بأحب الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب» وقد استجاب الله الدعاء، فكان أحب الرجلين عمر بن الخطاب. بين يدي إسلام عمر وقد سبقت إسلام عمر مبشرات كانت تشير إلى أن الرجل يفكر في الإسلام، وأن ماله سيكون إليه، فقد روى ابن إسحاق عن أم عبد الله بنت أبي حثمة زوج الصحابي الجليل عامر بن ربيعة، قالت: إنا لنترحل إلى أرض

стр. 339

الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه، قالت: وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا، فقال: إنّه للانطلاق يا أم عبد الله؟ قالت: فقلت: نعم، والله لنخرجنّ في أرض الله، اذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجا ومخرجا، فقال: صحبكم الله! قالت: ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف، وقد أحزنه فيما أرى خروجنا. قالت: فجاء عامر، فقلت له: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر انفا ورقته وحزنه علينا، قال: أطمعت في إسلامه؟ قالت: نعم، فقال: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب!! وذلك لما كان يرى من غلظته وقسوته. سماعه للقران وقد كان للقران الكريم، وإعجازه، وأسلوبه، وحسن تأليفه، وإحكام معناه أكبر الأثر في إسلامه، ومثل عمر في ذوقه الأدبي، وعلمه باللغة وأساليبها، وتذوقه للجيد من الكلام ممن تأسره بلاغة القران وأسرار الإعجاز، روى الإمام أحمد في مسنده عن عمر قال: خرجت أتعرّض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القران!! فقلت: هو شاعر كما قالت قريش «١» ، فقرأ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) . فقلت: كاهن علم ما في نفسي، فقرأ: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) .... إلى اخر السورة، قال عمر: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع «٢» . كما تذكر بعض الروايات أنه جاء ذات يوم يريد جلساءه فلم يجد أحدا، فقال: لو أني ذهبت إلى فلان الخمار لعلي أجد عنده خمرا فأشرب، فلم يجده،

стр. 340

ثم قال: لو أني جئت الكعبة فطفت بالبيت سبعا، فذهب يطوف، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي فقال: لو أني استمعت إلى محمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فاستخفى وراء ستر الكعبة، وما زال يتحرك من وراء الكسوة حتى صار قريبا من النبي قبل قبلته ما يواريه إلا ثياب الكعبة، قال: فلما سمعت القران رقّ له قلبي، فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني هذا حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته ثم انصرف «١» . إسلام أخته فاطمة وزوجها وكانت أخته فاطمة بنت الخطاب قد سبقته إلى الإسلام هي وزوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو ابن ابن عمها، وكانا يخفيان إسلامهما، وكان خبّاب بن الأرت من قدماء المسلمين يختلف إلى فاطمة وزوجها يقرئهما القران. قصده رسول الله لقتله وفي ثورة من ثورات النفس المضطربة، المتحيرة، الناقمة على من يخالفها خرج عمر يوما متوشحا سيفه، يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه قد ذكروا له أنهم في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، منهم الصدّيق، وعلي، وحمزة في اخرين اثروا المقام مع رسول الله، ولم يخرجوا إلى الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله النحّام من بني عدي بن كعب، وكان يخفي إسلامه، فقال: أين تريد يا عمر؟ قال: أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسب الهتها، فأقتله!! فقال له نعيم: لقد غرّتك نفسك يا عمر!! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال ختنك، وابن عمك سعيد بن زيد «٢» ، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد- والله- أسلما. فرجع عمر عامدا إلى أخته وزوجها، وعندهما خباب بن الأرت معه

стр. 341

صحيفة فيها صدر سورة (طه) يقرئهما إياها، فلما سمعوا صوت عمر اختفى خباب في البيت، وأخذت فاطمة الصحيفة، فوضعتها تحت فخذها، وكان عمر قد سمع حينما قرب من البيت قراءة خباب عليهما، فقال: ما هذه الهينمة «١» التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئا. قال: بلى- والله- لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد وبرك عليه، فقامت أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها حتى سال منها الدم، فلما فعل ذلك قالا له: نعم قد أسلمنا، وامنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك!! من لحظات التجلّي الإلهي فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، وارعوى، وأدركته لحظة من لحظات التجلّي الإلهي على خلقه فخشع قلبه، وسكنت جوارحه، وهدأت نفسه، وتحوّلت العرامة والشراسة إلى هدوء وسكينة، فقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأونها انفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد وكان عمر قارئا كاتبا- فلما قال ذلك قالت له أخته: إنما نخشاك عليها، قال: لا تخافي، وحلف لها ليردّنها إليها إذا قرأها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي إنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «٢» ويروى أنه قال: لما قرأت «بسم الله الرحمن الرحيم» ذعرت، ورميت بالصحيفة من يدي، ثم رجعت إلي نفسي فأخذت الصحيفة، وأنه كلما مر باسم من أسماء الله ذعر!!

стр. 342

فلما قرأ صدرا منها حتى بلغ قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) . فقال: ما ينبغي لمن يقول هذا الكلام أن يعبد معه غيره، ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر- والله- إني لأرجو أن يكون الله خصّك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب» فالله الله يا عمر، فقال له: فدلني يا خباب على محمد حتى اتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله فنظر من خلل «١» الباب، فراه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف، فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ : «ائذن له» فأذن له الرجل، ونهض له رسول الله حتى لقيه، فأخذ بمجامع حجزته «٢» ، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه «٣» به جبذة ارتعد منها عمر وجلس، وفي رواية: فما تمالك أن وقع على ركبتيه «٤» ، وقال له: «ما جاء بك يا ابن الخطاب» ؟ فو الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة» «٥» فقال عمر: يا رسول الله جئت لأؤمن بالله ورسوله، وبما جاء من عند

стр. 343

الله، فكبّر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله أن عمر قد أسلم، وكبر المسلمون تكبيرة علم منها أهل مكة أن عمر قد أسلم «١» . استعلان المسلمين بدينهم ولما أسلم عمر قال: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم، وإن حييتم» فقلت: ففيم الخفاء يا رسول الله، علام نخفي ديننا ونحن على الحق، وهم على الباطل؟! فقال: «يا عمر إنا قليل، قد رأيت ما لقينا» فقال: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان. ثم خرج النبي ﷺ هو والمسلمون في صفين: عمر في أحدهما، وحمزة في الاخر، قال حتى دخلنا المسجد الحرام، فنظرت قريش إلينا، فأصابتهم كابة لم يصبهم مثلها قط، فسماه رسول الله ﷺ يومئذ (الفاروق) لأنه فرق بين الحق والباطل. عزّة المسلمين وبإسلام عمر- ﵁ عز الإسلام والمسلمون، وصاروا يغشون الكعبة ويطوفون حولها، ويصلّون لا يخافون قريشا. روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن مسعود قال: «ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر بن الخطاب» «٢» وروى زياد البكّائي بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: «إن إسلام عمر كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر «٣» ، فلما أسلم قاتل حتى صلّى عند الكعبة وصلّينا معه» .

стр. 344

إخباره لأبي جهل بإسلامه ولما أسلم عمر فكر فيمن هو أشد أهل مكة عداوة لرسول الله ﷺ ، فرأى ذلك أبا جهل، قال: فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه، قال: فخرج إلي أبو جهل فقال: مرحبا وأهلا بابن أختي «١» ، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك أني قد امنت بالله وبرسوله محمد، وصدّقت بما جاء به، قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبّحك الله وقبّح ما جئت به. تحدي عمر لقريش وأراد عمر أن يفي بما وعد رسول الله ﷺ من أنه لا يبقى مجلس جلس فيه بالكفر إلا جلس فيه بالإيمان، وأن يناله في الله ما نال المسلمين، فسأل: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه وغدا ابنه عبد الله بن عمر وراءه، وهو غلام يعقل كل ما يرى لينظر ما يفعل، حتى جاءه، فقال له: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد؟! قال ابن عمر: فو الله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتّبعه عمر، واتبعت أبي حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ!! وعمر من خلفه يقول: كذب، ولكني أسلمت، وشهدت ألاإله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم، ونال منه الإعياء فقعد، وأقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، وأحلف بالله لو قد كنّا ثلاثمائة رجل تركناها لكم، أو تركتموها لنا. إجارة العاص بن وائل السهمي له وقد عزّ على قريش أن يجاهرها عمر بالإسلام، ويغشى نواديهم متحديا،

стр. 345

فاجتمعوا إلى داره من كل صوب يريدون قتله، حتى أجاره العاص بن وائل السهمي، روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر، قال: «بينما هو- أي عمر- في الدار خائف، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلة حبر «١» ، وقميص مكفوف بالحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني أن أسلمت!! قال: لا سبيل إليك، بعد أن أمنت «٢» ، فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟! قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه، فكرّ الناس- وفي رواية أخرى- قال: فأنا له جار، فرأيت الناس تصدّعوا عنه، فقلت «٣» من هذا؟ قالوا العاص بن وائل السهمي، فعجبت من عزته» .

стр. 346

الصحيفة الظالمة ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد كثروا وعزّوا بعد إسلام حمزة وعمر ﵄، وأن المهاجرين إلى الحبشة قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، ورأوا الإسلام يفشو في القبائل أجمعوا على أن يقتلوا النبي ﷺ ، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأمرهم فأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم: شعب بني هاشم «١» ، ومنعوه ممن أرادوا قتله، فأجابوه لذلك حتى كفارهم، فعلوا ذلك حمية للرحم والقرابة على عادة أهل الجاهلية في ذلك، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا أبو لهب بن عبد المطلب، فقد انحاز إلى قريش وظاهرهم. فلما رأت قريش ذلك وأجمعوا أمرهم، وائتمروا فيما بينهم على أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم والمطّلب: ألاينكحوا إليهم «٢» ، ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا، ولا يبتاعوا، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا حتى يسلموا رسول الله ﷺ إليهم ليقتلوه. وكتبوه في صحيفة بخط منصور ابن عكرمة في رواية ابن إسحاق، وقال ابن سعد: بخط بغيض بن عامر، وقال ابن هشام: بخط النضر بن الحارث، فدعا رسول الله ﷺ على كاتبها، فشلّت يمينه، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة.

стр. 347

الواصلون لبني هاشم فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جاهدوا، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا مستخفيا ممّن أراد صلتهم من قريش، وكان ممن يصلهم حكيم بن حزام ابن أخي السيدة خديجة ﵂، وهشام بن عمرو العامري وكان أوصلهم لبني هاشم، وذلك أنه ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، ولذلك كان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه، فكان يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطّلب في الشعب ليلا، قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم يضرب على جنبيه، ثم يأتي به قد أوقر برا فيفعل به مثل ذلك. بين حكيم وأبي جهل وفي ذات يوم كان حكيم بن حزام معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته السيدة خديجة ﵂، وهي عند رسول الله ﷺ ومعه في الشعب، فقابله أبو جهل فتعلّق به، وقال له: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟! فو الله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة، فاتفق مجيء أبي البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال لأبي جهل: مالك وله؟! فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم!! فقال له أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟! خلّ سبيل الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من الاخر، فأخذ أبو البختري لحي «١» بعير فضربه به فشجّه، ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله ﷺ وأصحابه، فيشمتوا بهم، ومع كل هذا فقد كان رسول الله ﷺ يدعو قومه ليلا ونهارا، وسرا وجهرا، لا يتقي في ذلك أحدا من الناس. رجوع مهاجري الحبشة وقد كان لما أسلم عمر وأعزّ الله به الإسلام، وتمكن المسلمون من أداء

стр. 348

صلاتهم بالمسجد الحرام حصلت مهادنة بين قريش والمسلمين، ثم لم تلبث قريش أن جن جنونها لما رأت تزايد المسلمين كل يوم وثباتهم على دينهم وعقيدتهم، فعادت إلى ما كانت أولا من ابتلاء للمسلمين وتعذيبهم. وكان نمي إلى المسلمين بالحبشة خبر هذه المهادنة، كما بلغهم إسلام عمر رضي الله تعالى عنه، هذا إلى أنه كانت قد قامت ثورة ضد النجاشي في ملكه «١» ، فخشي المسلمون أن يصاب بهزيمة، وربما يأتي ملك لا يعرف للمسلمين حقهم كما كان النجاشي أصحمة يعرف ذلك. لذلك رأى مهاجرة الحبشة، أو معظمهم الرجوع إلى موطنهم «مكة» «٢» ، فلما وصلوا وجدوا الأمر على غير ما سمعوا، وأن البلاء ما زال قائما، بل وعادت الفتنة إلى أشد مما كانت، فدخل من دخل منهم مكة بجوار أو مستخفيا، ومنهم من عاد من حيث أتى. من دخل في جوار وكان ممن دخل في جوار عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، فقد دخل في جوار الوليد بن المغيرة، ولما رأى عثمان ما فيه أصحاب رسول الله من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان الوليد تألّم وأسف، ولم يسعه ضميره أن يعيش امنا في جوار رجل مشرك وأهل دينه يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبه، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفّت ذمتك قد رددت إليك جوارك، قال له: لم يا ابن أخي؟ لعله اذاك أحد من قومي؟ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد إليّ جواري علانية كما أجرتك علانية،

стр. 349

فانطلقا حتى أتيا المسجد الحرام، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يردّ عليّ جواري. قال: صدق. قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره. ثم انصرف عثمان إلى مجلس من قريش ينشدهم فيه لبيد بن ربيعة الشاعر، فقال لبيد «١» : «ألا كل شيء ما خلا الله باطل» فقال عثمان: صدقت، قال لبيد: «وكل نعيم لا محالة زائل» قال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان، فقام إليه هذا الرجل السفيه فلطم عينه فخضّرها «٢» . وكان الوليد قريبا منهما فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية!! لقد كنت في ذمة منيعة، فقال عثمان: والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله!! فقال له الوليد: هلمّ فعد إلى جوارك إن شئت، فقال: لا، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس. أبو سلمة بن عبد الأسد ودخل أبو سلمة بن عبد الأسد ﵁ في جوار خاله أبي طالب، فسعى إليه جماعة من بني مخزوم فقالوا له: يا أبا طالب لقد منعت ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا؟ قال: إنه استجار بي وهو ابن أختي، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فقام أبو لهب غاضبا وقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه في

стр. 350

جواره من بين قومه!! والله لتنتهن عنه، أو لنقومنّ معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد!! قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة- وكان لهم وليا مناصرا على رسول الله- فأبقوا على ذلك، فلما سمع أبو طالب منه ذلك طمع فيه، ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله ﷺ ، وقال قصيدة يحرّض فيها أبا لهب على نصرته، ونصرة النبي مطلعها: إنّ امرا أبو عتيبة عمه ... لفي روضة ما إن يسام المظالما ومنها: ولا تقبلنّ الدهر ما عشت خطة ... تسبّ بها إما هبطت المواسما وولّ سبيل العجز غيرك منهم ... فإنك لم تخلق على العجز لازما وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى ... أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما ولكنه لم يستجب لأخيه الشيخ أبي طالب، وسار في ركب قريش. «١»

стр. 351

قصة الغرانيق وقد ذكر بعض كتاب السيرة وبعض المفسرين- الذين لا تحقيق عندهم للروايات، ولا يعنون بالتمييز بين الصحيح والضعيف، والغث من السمين عنايتهم بحشد الروايات والإكثار منها- في سبب رجوع مهاجري الحبشة قصة باطلة مختلقة تعرف بقصة الغرانيق، وأنه نزل بسببها قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) ... الايات «١» . وقد انتصر لهذه القصة وطبّل لها وزمّر «السيرموير» وغيره من المبشرين والمستشرقين، وإليك ما روي في هذا قال الحافظ ابن حجر وتبعه السيوطي: أخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ النبي ﷺ بمكة «والنجم» ، فلما بلغ قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ألقى الشيطان على لسانه «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى» فقال المشركون: ما ذكر الهتنا بخير قبل اليوم، فسجدوا وسجد، فنزلت «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته..» الاية وأخرجه البزار

стр. 352

وابن مردويه من طريق اخر عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- فيما أحسب «١» . وقال البزار لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، وبعد أن ذكر الحافظ من خرّج هذه القصة ومنهم ابن إسحاق في سيرته عن محمد بن كعب، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب ... قال: وكلها إما ضعيفة أو منقطعة سوى طريق سعيد بن جبير الأولى. وهذا الطريق وطريقان اخران مرسلان أخرجهما ابن جرير هي معتمد القائلين بأن للقصة أصلا كابن حجر والسيوطي «٢» . بطلان القصة من جهة النقل والعقل وهذه القصة باطلة نقلا وعقلا. أما نقلا فقد طعن فيها كثيرون من المحدثين ومن المحققين الذين جمعوا بين المعقول والمنقول. قال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة «٣» - وقد سئل عن هذه القصة-: إنها من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابا، وقال الإمام البيهقي- وهو من كبار رجالات السنة، وصاحب السنن الكبرى-: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وقال الإمام القاضي عياض في الشفا: «إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، ومن حكيت عنه هذه المقالة من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية.. إلى اخر ما قال «٤» .

стр. 353

وكذا أنكر القصة القاضي أبو بكر بن العربي، وطعن فيها من جهة النقل وأنكرها أيضا الإمام أبو منصور الماتريدي حيث قال: (الصواب أن قوله «تلك الغرانيق العلا» من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين ليرتابوا في صحة الدين) . وقال الحافظ المفسر ابن كثير في تفسيره: قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح والله أعلم «١» . اضطراب الرواية ومما يقلل الثقة بالقصة المزعومة اضطراب الروايات اضطرابا فاحشا، فقائل يقول: كان خارج الصلاة، ومن قائل: إنه كان في الصلاة، واخر يقول: بل حدّث نفسه فسها، ومن قائل: إن الشيطان قالها على لسان النبي، ومن قائل: أعلمهم الشيطان أن النبي قرأها، ومن قائل: إن النبي قال هذا وهو ناعس، ومن قائل: إن الشيطان انتهز سكتة من سكتات النبي في القراءة فقرأها حاكيا صوت النبي. كما رويت «تلك الغرانيق العلا» بألفاظ مختلفة، وليس من شك في أن الاضطراب مما يذهب الثقة بالرواية ويوهنها كما هو مقرر في علم «أصول الحديث» والحق أبلج، والباطل لجلج. القصة لم يخرجها أصحاب الكتاب الصحاح والقصة لم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح ولا أحد من أصحاب الكتاب المعتمدة كالسنن الأربعة ومسند الإمام أحمد، والذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ قرأ النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون، والجن، والإنس» . وفي رواية ابن مسعود «أول سورة أنزلت فيها سجدة «والنجم» قال:

стр. 354

فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا» «١» ، فقد اقتصر البخاري على هذا الجزء الصحيح من القصة، وهو لا يدل على ما زادوه، أما سجود المسلمين فاتّباعا لأمر الله، وائتساء برسول الله، وأما سجود المشركين؛ فلما سمعوه من أسرار البلاغة الفائقة، والفصاحة البالغة، وعيون الكلم الجوامع لأنواع من الوعيد والإنكار، والتهديد والإنذار، وقد كان العربي يسمع القران فيخر له ساجدا، وقد حدثناك عن بعض اثار القران في نفوس المنكرين فضلا عن المصادقين، هذا إلى ما فيه من موافقة الجماعة، والشخص إذا كان في جماعة يندفع إلى موافقتها من غير ما شعور، وقد يكون الأمر على خلاف ما يهوى ويريد، كما تدل على ذلك قواعد علم النفس. اللغة تنكر القصة أيضا ومما يدل على افتعال القصة أيضا ما ذكره الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في رد هذه الفرية: وهو أن وصف العرب لالهتهم «بالغرانيق» لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم إلا ما جاء في «معجم ياقوت» من غير سند، ولا معروف بطريق صحيح، والذي تعرفه اللغة أن الغرنوق، والغرنوق، والغرنيق، والغرنيق اسم لطائر مائي أسود أو أبيض، ومن معانيه الشاب الأبيض الجميل، ويطلق على غير ذلك «٢» ، ولا شيء من معانيه اللغوية يلائم معنى الإلهية والأصنام حتى يطلق عليهما في فصيح الكلام الذي يعرض على أمراء الفصاحة والبيان. تأويل المثبتين للقصة لها وقد حكمت الصنعة الحديثية والقواعد الاصطلاحية على بعض العلماء كالحافظ ابن حجر ومن تبعه كالسيوطي وغيره على أن يقول إن القصة، وإن لم تكن كل طرقها صحيحة، لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلا، وأوّلوها

стр. 355

بما يتفق هو وعصمة النبي ﷺ ، إذ الكل مجمعون على أن ذلك لا يجوز أن يجري على لسان النبي لا عمدا ولا سهوا، وقد نقل الحافظ ابن حجر في ذلك وجوها من التأويلات، ذكر معظمها وردّها كما ردّها من سبقه، ولم يرتض منها إلا هذا التأويل: وهو أن النبي ﷺ كان يرتل القران ترتيلا، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته، فسمعها من دنا، فظنه من قوله، وأشاعها بين الناس قال: وهو الذي ارتضاه عياض وأبو بكر بن العربي واستحسناه «١» . وفي الحق أن الإمامين عياضا وابن العربي ينكران القصة نقلا وعقلا، وإنما ارتضيا هذا التأويل على فرض تسليم الصحة، وهو لون من ألوان الحجاج والتنزل مع الخصم، ومن ثم نرى أنه لا يوجد من علماء الإسلام من يقول بظاهر القصة، وأن القائلين بأن لها أصلا أوّلوها بما يوافق مقام النبوة. ردّي على المثبتين للقصة وإني لأجيب على ما ذكره الحافظ ابن حجر في «الفتح» وتابعه عليه السيوطي وغيره بما يأتي: ١- إن جمهور المحدثين لم يحتجوا بالمرسل، وجعلوه من قسم الضعيف لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الثاني فلا يؤمن أن يكون كذابا، وقد قرر الإمام مسلم هذه الحقيقة في مقدمة صحيحه فقال: «والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة» وقال ابن الصلاح في مقدمته: «وما ذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه اراء جماهير حفاظ الحديث وتداولوه في تصانيفهم، والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما- ﵏ في طائفة «٢» ، أما الشافعي فيحتج به بشروط ذكرها في رسالته، وقد نقلها العراقي في شرح ألفيته وغيره.
следующие страницы →