صدر البيت/ قافيته/ الشاعر/ الصفحة
ومن كاشح/ نحاول/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٥
وثور ومن/ ونازل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٥
وبالبيت/ بغافل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٥
وبالحجر/ والأصائل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٥
وموطىء/ ناعل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٥
كذبتم/ بلابل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٥
كذبتم/ ونناضل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٥
ونسلمه/ والحلائل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٦
وينهض/ الصلاصل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٦
وما ترك/ مواكل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٦
وأبيض/ للأرامل/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٦
ألا كل/ زائل/ لبيد بن ربيعة/ ٣٦٢
تمنى كتاب/ رسل/ حسان بن ثابت/ ٣٧٤
وكبر للرؤيا/ بلابله/ الراعي/ ٤١٢
(م) عفا جانب/ الغمائم/ امنة بنت وهب/ ١٦٦
دعته/ ابن هاشم/ امنة بنت وهب/ ١٦٦
عشية/ التزاحم/ امنة بنت وهب/ ١٦٦
فإن تك/ التراحم/ امنة بنت وهب/ ١٦٦
هذا أخ/ وعمي/ الشيماء بنت الحارث السعدية/ ١٩٥
فديته/ تنمي/ الشيماء بنت الحارث السعدية/ ١٩٥
إن الفضول/ ظالم/ الزبير بن عبد المطلب/ ٢١٤
أمر عليه/ سالم/ الزبير بن عبد المطلب/ ٢١٤
كفاك/ اليتم/ البوصيري/ ٢٤٠
إذا اجتمعت/ وصميمها/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٤
وإن حصلت/ وقديمها/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٤
وإن فخرت/ وكريمها/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٤
تداعت/ حلومها/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٠٤
إن امرا/ المظالما/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٦٣
ولا تقبلنّ/ المواسما/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٦٣
وول/ لازما/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٦٣
стр. 562
صدر البيت/ قافيته/ الشاعر/ الصفحة
وحارب/ يسالما/ أبو طالب بن عبد المطلب/ ٣٦٣
فشككت/ بمحرّم/ عنترة العبسي/ ٤٥٠
وقاية/ الأطم/ البوصيري/ ٤٨١
أبا حكم/ قوائمه/ سراقة بن مالك الجعشمي/ ٤٩٤
علمت/ يقاومه/ سراقة بن مالك الجعشمي/ ٤٩٤
عليك/ معالمه/ سراقة بن مالك الجعشمي/ ٤٩٤
بأمر/ مسالمه/ سراقة بن مالك الجعشمي/ ٤٩٤
(ن) لا يسألون/ برهانا/-/ ٦١
أما الحرام/ فأستبينه/ عبد الله بن عبد المطلب/ ١٦٤
فكيف/ ودينه/ عبد الله بن عبد المطلب/ ١٦٤
فلا ورب/ منحني/ رؤبة بن العجاج/ ٢٥٥
والله/ قرن/ عمرو بن الجموح/ ٤٥٤
أفّ/ الغبن/ عمرو بن الجموح/ ٤٥٥
الحمد لله/ الدّين/ عمرو بن الجموح/ ٤٥٥
هو الذي/ مرتهن/ عمرو بن الجموح/ ٤٥٥
(هـ) وأغض/ مأواها/-/ ٩٦
(ي) إذا لم/ العصيّ/-/ ٩٦
فتملأ/ وريّ/-/ ٩٦
[انتهى فهرس الشعر]
стр. 563
٩- فهرس الموضوعات- الجزء الأول
إهداء/ ٥
مقدمة الكتاب/ ٧
مقدمات تمهيدية لدراسة السيرة/ ١١
منهجي في هذه الدراسة/ ١٣
تاريخ التأليف في السيرة وأشهر كتبها ٢٧، السيرة جزء من الحديث ٢٧، التأليف في السيرة على سبيل الاستقلال ٢٨، منهج هؤلاء المؤلفين ٣٤، كتب ألّفت في السيرة بعد ٣٤، نظم السيرة ٣٦، كتب الموالد ٣٦، كتب جمعت بين التاريخ والسيرة ٣٧.
التأليف في السيرة في العصر الحاضر ٣٨، كتب المستشرقين ٣٨، كتب المسلمين ٣٩، رد بعض أباطيل المستشرقين من غير تأليف في السيرة ٣٩، جهود العلماء المتقدمين ٣٩، عناية الأمة الإسلامية بسيرة نبيها ٤٠.
الباب الأول ٤١ الفصل الأول: موجز لتاريخ العرب قبل الإسلام ٤٣، شبه جزيرة العرب ٤٣، موقع الجزيرة الهام ٤٤، طبيعة جزيرة العرب ٤٤، الحرار ٤٥، الجنس العربي ٤٥، أقسام العرب ٤٦، سكان جزيرة العرب ٤٩، وجود بعض المدنيات والحضارات في جزيرة العرب ٤٩، حضارة سبأ باليمن ٤٩، حضارة عاد بالأحقاف ٥٠، حضارة ثمود بالحجاز ٥١، أقسام شبه جزيرة العرب
٥٣، الحجاز ٥٣، أودية الحجاز ٥٤، الحجاز لم تطأه قدم مغير ٥٤، أشهر مدن الحجاز ٥٥، مكة ٥٥، المدينة ٥٧، الطائف ٥٩، جدة ٥٩، أحوال الجزيرة السياسية والدينية والاجتماعية ٦٠، الأحوال السياسية ٦٠، مم تتكون
стр. 564
القبيلة ٦١، ممالك وحضارات في شبه الجزيرة ٦٢، مملكة سبأ ٦٢، مملكة حمير ٦٥، مملكة الأنباط ٦٧، مملكة الحيرة وغسان ٦٧، الحالة الدينية عند العرب ٦٩، الوثنية ٧٠، نشأة الوثنية ببلاد العرب ٧٠، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ٧٣، عبادة الملائكة والجن ٧٣، إنكار البعث ٧٤، إنكارهم الرسالة ٧٥، الاستقسام بالأزلام ٧٦، التحليل والتحريم ٧٦، اليهودية والنصرانية في جزيرة العرب ٧٩، الحنيفيون ٨٠، الحياة الاجتماعية عند العرب ٨٦، الحياة الأخلاقية عند العرب ٩٤، حالة العرب الاقتصادية ٩٨، مدنية العرب وحضارتهم قبل الإسلام ١٠٣.
الفصل الثاني: الخليل إبراهيم ﵊ ١٠٧، هجرة الخليل إلى بلاد الشام ١٠٨، رحلة الخليل إلى مصر ١٠٩، استيلاد الخليل هاجر ١٠٩، إسكان هاجر وإسماعيل بجبال فاران ١١٠، نبع عين زمزم ١١١، حصول الأنس بجرهم ونشأة مكة ١١١، قصة الذبيح ١١٢، الذبيح إسماعيل لا إسحاق ١١٣، ولادة إسحاق بن إبراهيم ﵉ ١٢٠، بناء البيت العتيق ١٢١، تشريع الحج على لسان إبراهيم ١٢٢، أول من بنى البيت ١٢٥، رواية البخاري في صحيحه ١٢٧، المسجد الحرام ١٣٢، مقام إبراهيم ١٣٣، المسجد الأقصى ١٣٤، التشكيك في قصة إبراهيم وإسماعيل ﵉ ١٣٥، الأشهر الحرم ١٣٧، أسماء الشهور العربية ١٤٠، النسيء ١٤١، أولاد إسماعيل ١٤٤.
الفصل الثالث: ولاة البيت وتاريخ مكة إلى مولد الرسول ﷺ ١٤٥، ولاية الجراهمة ١٤٥، غلبة خزاعة على البيت ١٤٦، طم الجراهمة زمزم ١٤٦، ولاية خزاعة البيت ١٤٦، قصي بن كلاب ١٤٨، ولاية قصي البيت ١٤٨، جعل قصي هذه الماثر لعبد الدار ١٥٠، منازعة بني عبد مناف لبني عبد الدار ١٥٠، ولاية هاشم بن عبد مناف السقاية والرفادة ١٥١، مناوأة أمية بن عبد شمس لعمه هاشم ١٥١، تزوج هاشم من بني النجار ١٥٢، ولاية المطلب الرفادة والسقاية ١٥٢، عبد المطلب في مكة ١٥٢، ولاية عبد المطلب السقاية والرفادة ١٥٣، السقاية بعد عبد المطلب ١٥٣، رؤيا عبد المطلب في شأن زمزم ١٥٥، عثور عبد المطلب على زمزم ١٥٦، تعفية زمزم على جميع الابار ١٥٨، فضل زمزم ١٥٨، نذر عبد المطلب ذبح أحد أولاده ١٦٠، خروج القدح على عبد الله
стр. 565
١٦١، فداء عبد الله بمائة من الإبل ١٦١.
الفصل الرابع: زواج عبد الله بامنة ١٦٣، تعرض بعض النساء لعبد الله ١٦٤، حمل السيدة امنة بالنبي ١٦٥، وفاة عبد الله بن عبد المطلب ١٦٥، رثاء امنة لعبد الله ١٦٦، رؤيا لعبد المطلب ١٦٦، قصة الفيل ١٦٧، المشككون في القصة ١٧٠.
الباب الثاني:
من الميلاد إلى البعثة النبوية ١٧١ الفصل الأول: الميلاد ١٧٣، موضع ولادته ١٧٤، إخبار جده عبد المطلب ١٧٥، احتفاء بني هاشم بالمولود ١٧٦، ما صاحب الميلاد من الايات والعجائب ١٧٧، النسب الزكي الشريف ١٨٢، وراثة الصفات والفضائل ١٨٥.
الفصل الثاني: الرضاع ١٩١، إرضاع أمه له ١٩١، إرضاع ثويبة ١٩١، استرضاعه في بني سعد ١٩١، مداعبة حليمة وابنتها للنبي ١٩٥، جميل بأجمل منه ١٩٦، قصة شق الصدر ١٩٦، تكرار شق الصدر ١٩٩، المنكرون لشق الصدر والمشككون فيه ١٩٩، خاتم النبوة ٢٠٣.
الفصل الثالث: النبي ﵇ في كفالة أمه، ثم جده، ثم عمه ٢٠٥، الذهاب إلى المدينة ٢٠٥، في كفالة جده عبد المطلب ٢٠٧، كفالة عمه أبي طالب له ٢٠٧، رعيه الغنم ٢٠٩، صحبته لعمه إلى الشام ٢١١، حرب الفجار ٢١٢، حلف الفضول ٢١٣، تجارة النبي لخديجة في مالها ٢١٤، الخروج بالتجارة ٢١٥، افتراات المستشرقين ودسهم ٢١٦.
الفصل الرابع: زواج النبي ﷺ بخديجة ٢١٩، بطلان بعض المرويات ٢٢١، دس المستشرقين ٢٢١، خطبة أبي طالب ٢٢٢، الوليمة والعرس ٢٢٣، خديجة قبل النبي ٢٢٤.
الفصل الخامس: تجديد قريش بنيان الكعبة ٢٢٧، عرض لحل المشكلة ٢٢٨، العقل الكبير ٢٢٩، ضيق النفقة بقريش ٢٢٩، عمارة ابن الزبير ٢٣٠، إعادة الحجاج لها على ما كانت في عهد قريش ٢٣٠، محاولة لبني العباس ٢٣٠، كفالة النبي لعلي ٢٣١، أحداث في حياة الرسول ٢٣١، فقد الأبناء ٢٣٢، زواج البنات ٢٣٢، تبني زيد بن حارثة ٢٣٢.
стр. 566
الفصل السادس: حياة النبي ﷺ قبل البعثة ٢٣٥.
الفصل السابع: حالة العالم قبل البعثة ٢٤١، الأحوال الدينية ٢٤١، الأحوال الاجتماعية ٢٤٣، الأحوال الخلقية ٢٤٤، الأحوال السياسية ٢٤٤، حاجة العالم إلى مخلص ومنقذ ٢٤٥، لماذا اختار الله خاتم أنبيائه من العرب ٢٤٥.
الفصل الثامن: البشارة بالنبي في الكتاب السماوية السابقة ٢٤٧، بين يدي النبوة ٢٥٥، فترة الخلوة ٢٥٥، غار حراء ٢٥٥، بعض ما أكرم الله به نبيه قبيل النبوة ٢٥٦.
الباب الثالث:
من البعثة إلى الهجرة ٢٥٧ الفصل الأول: النبوة ٢٥٩، ابتداء نزول القران ٢٥٩، رجوع النبي لخديجة ٢٦١، إلى ورقة بن نوفل ٢٦١، قصة بدء الوحي كما رواها الشيخان ٢٦١، رواية لابن إسحاق ٢٦٣، فترة الوحي ٢٦٤، رواية موهمة ٢٦٥، الوحي وأنواعه ٢٦٧، إمكان الوحي ووقوعه ٢٦٧، أقسام الوحي الشرعي ٢٦٩، بطلان فكرة الوحي النفسي ٢٧١، تفنيد هذه الفكرة ٢٧٢، بطلان ما زعموا أنه صرع ٢٧٤، الرسالة ٢٧٩، أول ما نزل بعد فترة الوحي ٢٧٩، نزول سورة الضحى ٢٨٠.
الفصل الثاني: أطوار الدعوة إلى الإسلام ٢٨٣، بدء الدعوة السرية ٢٨٣، إسلام خديجة ٢٨٣، إسلام أبي بكر ٢٨٣، إسلام علي ٢٨٤، إسلام زيد بن حارثة ٢٨٤، إسلام بلال ٢٨٤، بنات النبي ٢٨٤، أول من أسلم ٢٨٥، السابقون الأولون ٢٨٥، من أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر ٢٨٥، الرعيل الثاني ٢٨٦، الرعيل الثالث ٢٨٧، في دار الأرقم بن أبي الأرقم ٢٨٩، شجاعة للصديق ومحنة ٢٨٩.
الفصل الثالث: الجهر بالدعوة وما صاحبه من إيذاء وإغراء ٢٩١، دعوة النبي عشيرته الأقربين ٢٩١، عداوة أبي لهب وامرأته للنبي ٢٩٢، إيغال أبي لهب في العداوة ٢٩٣، منع أبي طالب النبي وحبه له ٢٩٤، من مساات قريش للرسول ٢٩٤، قصة أبي جهل والفحل من الإبل ٢٩٥، أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ٢٩٦، النضر بن الحارث ٢٩٧، عظمة شخصية النبي ﷺ ٢٩٧،
стр. 567
قصة الإراشي ٢٩٧، قصة أخرى ٢٩٨، إسلام حمزة بن عبد المطلب ٢٩٩، سعي قريش إلى أبي طالب ٣٠١، طلب أبي طالب إلى النبي الكف عنهم ٣٠٢، مساومة حمقاء ٣٠٣، مناصرة بني هاشم والمطلب لأبي طالب ٣٠٤، قصيدة أبي طالب اللامية ٣٠٤، الإغراء بدل الإيذاء (قصة عتبة بن ربيعة مع الرسول) ٣٠٦، ما أشار به عتبة على قريش ٣٠٨، شهادة أخرى للقران من الوليد بن المغيرة ٣٠٩، تأثير إعجاز القران في نفوس العرب ٣١٠، تهكم أبي جهل بالقران ٣١١، استماع زعماء الشرك إلى القران سرا ٣١٢، تواصيهم بعدم استماع القران ٣١٣، أول من جهر بالقران من الصحابة ٣١٤، محاولة أخرى للإغراء ٣١٥، أسئلة تعنتية ٣١٥، مقالة عبد الله بن أبي أمية المخزومي ٣١٦، إباء النبي ﷺ أن يكون له الصفا وغيره ذهبا ٣١٩، الحكمة في أنهم لم يجابوا لما طلبوا ٣١٩، القران معجزة المعجزات ٣٢١، من تخرصاتهم على النبي والقران ٣٢٢، تهكم المشركين بضعفاء المسلمين ٣٢٣، سعي المشركين إلى إبعاد ضعفاء المؤمنين ٣٢٤، عتاب الله لنبيه ٣٢٤، عتاب اخر بشأن ابن أم مكتوم ٣٢٥، حجة وبرهان على أن القران ليس من عند النبي ٣٢٦، سؤال المشركين النبي عن أهل الكهف وذي القرنين والروح واستعانتهم باليهود ٣٢٦، اية الروح مكية أم مدنية ٣٢٩، مجادلة يهود المدينة في اية الروح ٣٢٩، خصومات ومجادلات وتهكمات ٣٣٠، مقالة ابن الزبعرى وما أنزل الله فيه ٣٣٠، الأخنس بن شريق ٣٣١، الوليد بن المغيرة ٣٣٢، تهكم أبي جهل بالقران والنبي ٣٣٢، إنذار أبي جهل رسول الله بسب الله ٣٣٣، تهكم العاص بن وائل برسول الله ٣٣٣، مجادلة أبيّ بن خلف ٣٣٤، من أماني المشركين الباطلة ٣٣٥، عود إلى سياسة الإيذاء والاستهزاء ٣٣٥، موقف للنضر يكون فيه منصفا للرسول ٣٣٦، أمية بن خلف وهمزه للرسول ٣٣٧، إغراء أبي بن خلف لعقبة بالنيل من الرسول ٣٣٨، رمي العاص بن وائل الرسول بأنه أبتر ٣٣٨، استهزاؤهم بالرسول ٣٣٩، ما نزل بالمسلمين ولا سيما المستضعفين من البلاء والفتنة ٣٣٩، شكاتهم إلى رسول الله ما يلاقون ٣٤١، المعذّبون في الله ٣٤١، واهب الحريات ٣٤٥، إنما أريد وجه الله ٣٤٧.
الفصل الرابع: أحداث هامة في العهد المكي/ ٣٤٩
стр. 568
هجرة الحبشة/ ٣٤٩ إسلام عمر بن الخطاب ٣٥١، بين يدي إسلام عمر ٣٥١، سماعه للقران ٣٥٢، إسلام أخته فاطمة وزوجها ٣٥٣، قصده رسول الله لقتله ٣٥٣، من لحظات التجلّي الإلهي ٣٥٤، استعلان المسلمين بدينهم ٣٥٦، عزة المسلمين ٣٥٦، إخبار عمر لأبي جهل بإسلامه ٣٥٧، تحدّي عمر لقريش ٣٥٧، إجارة العاص بن وائل السهمي له ٣٥٧.
الصحيفة الظالمة ٣٥٩، الواصلون لبني هاشم ٣٦٠، بين حكيم وأبي جهل ٣٦٠، رجوع مهاجري الحبشة ٣٦٠، من دخل في جوار ٣٦١.
قصة الغرانيق ٣٦٤، بطلان القصة من جهة النقل والعقل ٣٦٥، اضطراب الرواية ٣٦٦، القصة لم يخرجها أصحاب الكتاب الصحاح ٣٦٦، اللغة تنكر القصة أيضا ٣٦٧، تأويل المثبتين للقصة لها ٣٦٧، ردي على المثبتين للقصة ٣٦٨، مصادمة القصة للقران ٣٦٩، بطلان القصة من جهة العقل والنظر ٣٧٠.
هجرة الحبشة الثانية ٣٧٥، وهم لابن إسحاق وغيره ٣٧٦، سعي قريش إلى النجاشي في رد المهاجرين ٣٧٦، إحضار النجاشي للمسلمين وسؤالهم ٣٧٧، محاولة أخرى للوقيعة بين المهاجرين والنجاشي ٣٧٩، إسلام النجاشي ٣٨٠، جواز الصلاة على الغائب ٣٨٠.
خروج الصديق مهاجرا إلى الحبشة ٣٨١ نقض الصحيفة الظالمة ٣٨٤، حسن تدبير العرب وإحكام تصرفهم ٣٨٧، اللهم سبع كسبع يوسف ٣٨٧.
قصة فارس والروم ٣٨٩
موت أبي طالب وخديجة ٣٩١، موت أبي طالب ٣٩١، عرض رسول الله الإيمان على أبي طالب ٣٩٢، رواية لابن إسحاق ٣٩٤، كلمة هادئة منصفة ٣٩٥، تخفيف العذاب على أبي طالب ٣٩٥، نيل المشركين من الرسول بعد وفاة أبي طالب ٣٩٦، موت السيدة خديجة ﵂ ٣٩٦، فضلها ٣٩٧، وفاء الرسول لها بعد وفاتها ٣٩٩.
الفصل الخامس: الذهاب إلى الطائف ٤٠١، تضرع ودعاء ٤٠٢، قصة عداس النصراني ٤٠٣، الأوبة إلى مكة ٤٠٣، أمر الجن الذين استمعوا إلى النبي
стр. 569
وآمنوا به ٤٠٤، دخول النبي مكة في جوار المطعم بن عدي ٤٠٤.
الفصل السادس: الإسراء والمعراج ٤٠٧، في الإسراء والمعراج تسرية عن نفس النبي ٤٠٧، ما هو الإسراء وما هو المعراج ٤٠٨، ثبوت الإسراء والمعراج ٤٠٨، الإسراء والمعراج بالجسد والروح ٤١٠، القائلون بأنهما كانا بالروح ٤١١، القائلون بأنهما كانا مناما ٤١١، الفرق بين كونهما بالروح وكونهما مناما ٤١٣، الإسراء والمعراج وواحدة الوجود ٤١٣، مناقشة للدكتور هيكل ٤١٤، تفسير الإسراء والمعراج بهذا يلزم منه إنكار النصوص أو تحريفها ٤١٦، إغراب وتشويش ٤١٦، متى كان الإسراء والمعراج ٤١٧، شبه المنكرين للإسراء والمعراج والرد عليها ٤١٨، الأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج ٤٢١، رواية البخاري ومسلم في صحيحيهما ٤٢٢.
الفصل السابع: عرض رسول الله نفسه على قبائل العرب في موسم الحج ٤٢٩، من دلائل النبوة ٤٣٠، استمرار الرسول في العرض ٤٣٠، ترصد الأشراف القادمين إلى مكة ٤٣١، إسلام سويد بن الصامت ٤٣١، إسلام إياس بن معاذ ٤٣٢، يوم بعاث ٤٣٢، طلائع النور من جهة المدينة ٤٣٤، بدء إسلام الأنصار ٤٣٤، بيعة العقبة الأولى ٤٣٦، علام كانت البيعة ٤٣٧، أول جمعة جمّعت في المدينة قبل الهجرة ٤٤٠، أول مبعوث في الإسلام ٤٤٠، نجاح مصعب في مهمته ٤٤١، بيعة العقبة الثانية ٤٤٤، إسلام عبد الله بن عمرو بن حرام ٤٤٥، عدة أصحاب العقبة الثانية ٤٤٥، أسماء أصحاب بيعة العقبة الثانية ٤٤٦، حضور العباس العقبة استيثاقا لأمر ابن أخيه ٤٤٩، مقالة العباس بن عبادة بن نضلة ٤٤٩، عهد رسول الله على الأنصار والمبايعة ٤٤٩، مقالة أبي الهيثم بن التيهان ٤٥٠، مقالة أسعد بن زرارة ٤٥٠، أول من بايع ٤٥١، النقباء الاثنا عشر ٤٥١، إذن رسول الله لهم بالانصراف ٤٥٢، عند الصباح ٤٥٢، تأكد قريش من صدق الخبر وطلبهم الأنصار ٤٥٣، إسلام عمرو بن الجموح ٤٥٣، من أوهام ابن إسحاق ٤٥٥.
الفصل الثامن: الهجرة إلى المدينة ٤٥٧، أسباب الهجرة ٤٥٧، إذن النبي لأصحابه بالهجرة ٤٥٨، متى كان الإذن بالهجرة ٤٥٩، أول من هاجر إلى المدينة ٤٥٩، محنة أم سلمة ٤٥٩، هجرة عامر بن ربيعة وزوجه ٤٦١، هجرة مصعب
стр. 570
وابن أم مكتوم وبلال وسعد وعمار ٤٦٢، بنو جحش ٤٦٢، بنو غنم بن دودان ٤٦٣، هجرة عمر بن الخطاب وعياش في ركب من المسلمين ٤٦٤، قصة أبي جهل مع عياش ٤٦٥، كتاب عمر لهشام ٤٦٦، هجرة صهيب بن سنان الرومي ٤٦٧، منازل المهاجرين بالمدينة ٤٦٨، هجرة النبي من مكة إلى المدينة ٤٧٠، من بقي مع النبي بمكة ٤٧٠، ائتمار قريش برسول الله ٤٧٠، إذن الله لنبيه في الهجرة ٤٧٣، إخبار الصديق بالإذن في الهجرة ٤٧٣، تجهيز طعام السفر ٤٧٤، مبيت علي على فراش النبي ٤٧٥، خروج رسول الله ﷺ ٤٧٦، ذهاب الرسول إلى بيت الصديق ٤٧٦، إلى غار ثور ٤٧٧، نظر إلى البيت ودعاء ٤٧٧، شيخ الفدائيين ٤٧٨، استبراء الغار ٤٧٨، قصة الشجرة والعنكبوت والحمامتين ٤٧٩، تشكيك إميل درمنغم ٤٧٩، تخلف علي لرد الودائع إلى أهلها ٤٨٠، في الصباح ٤٨٠، جن جنون قريش ٤٨١، وهنالك وقفوا متحيرين ٤٨١، لا تحزن إن الله معنا ٤٨١، لطم أبي جهل للسيدة أسماء ٤٨٢، كياسة السيدة أسماء ٤٨٢، البيت البكري وتضحياته في الهجرة ٤٨٣، خروج الرسول وصاحبه من الغار ٤٨٤، طريق الهجرة ٤٨٤، في خيمة أم معبد ٤٨٦، مكافأة النبي لأم معبد ٤٨٩، هاد يهديناي الطريق ٤٩٠، قصة سراقة بن مالك ٤٩١، ستلبس سواري كسرى ٤٩٣، وفاء سراقة بما وعد ٤٩٣، إسلام سراقة ٤٩٤، صدق النبوءة ٤٩٤، من تفاؤل النبي ﷺ ٤٩٥، إهداء الزبير وطلحة ثيابا لرسول الله وأبي بكر ٤٩٥، في انتظار الرسول ٤٩٥، في قباء ٤٩٦، تأسيس مسجد قباء ٤٩٧، نزول النبي وصاحبه بالمدينة ٤٩٧، هجرة علي ﵁ ٤٩٧، مكرمة لسهل بن حنيف ٤٩٨. مراجع الكتاب ٤٩٩.
الجزء الثاني
مقدمّة الطّبعة الثانية
المحمود الله ﷻ ، والمصلّى والمسلّم عليه سيدنا محمد واله.
أما بعد:
فقد طبع هذا القسم الثاني من السيرة النبوية منذ بضع سنين، وقد لقي ولله الحمد والمنة- رواجا وقبولا عند قارئيه، وقد نفدت طبعته الأولى بعد صدورها بزمن غير بعيد، وقد شغلت عن إعادة طبعة باهتمامي بإبراز القسم الأول، وقد ظهر- والحمد لله- وأشرف على النفاد.
وقد رغب إليّ الكثيرون ممن حرصوا على اقتناء القسم الأول من هذه السيرة العطرة أن أعيد طبع القسم الثاني حتى يستكملوا السيرة بقسميها، وقد جاءت هذه الطبعة- كما هي سنة الله في التطور والارتقاء- مزيدة زيادات قيّمة ومحقّقة غاية التحقيق، فقد استدركت فيها أمورا فاتت، وزدت بعض مباحث مهمة، وتعليقات وتحقيقات مفيدة، استفدتها من ملازمة البحث والدرس.
ولا أكتمك- يا قارئي الكريم- أني كتبت هذه السيرة بعقلي وقلبي ووجداني، فلا عجب أن أرضت العقل والقلب والوجدان، كما أقر بذلك المنصفون.
وأني عنيت فيها بالتعليق والتحليل لمواقف الرسول والصحابة، والموازنة والمقارنة والاستنتاج، وبذلك جمعت بين أصالة القديم وجدّة الحديث.
كما عنيت فيها برد أباطيل المستشرقين والمبشرين ومن تابعهم من الكتاب
стр. 573
المعاصرين، بالنصفة واتباع قواعد البحث العلمي الصحيح، مع العفة في القول، والقصد في التسفيه (وما راء كمن سمعا) .
فإليك يا سيدي يا رسول الله أقدّم سيرتك الفذّة العطرة، مشرقة مجلوة كعروس في ليلة عرس، راجيا شفاعة لي ولوالديّ يوم تنشر الكتب ويكون الحساب.
المحب لله ولرسوله محمّد بن محمّد أبو شهبة
стр. 574
مقدمّة الطّبعة الأولى
الحمد لله الذي أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، والصلاة والسلام على رسولنا محمد إمام المتقين، وسيد المجاهدين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، جاءنا بالشريعة السمحة التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى اله وصحابته الذين آمنوا به، وعزّروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا هو القسم الثاني من قسمي السيرة النبوية، من بعد الهجرة إلى الوفاة النبوية، وقد كانت الهجرة للإسلام والمسلمين قوة وعزة ونصرا وفتحا، ولذلك لمّا وضعوا التاريخ في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لم يجدوا حدثا أحق أن يبدأوا به من الهجرة «١» .
стр. 575
وفي هذا الدور من الدعوة أذن الله للمسلمين في الجهاد، وكانت أولى الوقائع المشهورة غزوة بدر الكبرى التي كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام، وما زال النصر يتتابع ويتوالى حتى كان فتح الفتوح، وهو فتح مكة، وبه دخل البلد الحرام الذي هو أحب البلاد إلى الله في حظيرة الإسلام، ودخل الناس فيه أفواجا من كل فج، وعمّ الإيمان والأمان في الجزيرة، وصدقت نبوءة الرسول:
«والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه» . رواه البخاري.
ولم يجاور الرسول الرفيق الأعلى حتى كانت الجزيرة كلها على قلب رجل واحد، مؤمنة موحّدة، ثم حمل أصحابه الأبطال المغاوير الأمانة من بعده، وساروا على هديه ونهجه، وجاهدوا ورابطوا، وكان لهم في الجهاد بطولات نادرة، وتضحيات غالية، حتى ركعت الدولتان العاتيتان انئذ- فارس والروم- على ركبتيهما، وثلّت عروش، وأديلت دول، وشرّق الإسلام وغرّب.
ولم يكد يمضي قرن من الزمان حتى بلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار، وامتدت دولة الإسلام من بلاد المغرب غربا إلى بلاد الصين شرقا، وتحقق وعد الله لعباده الصالحين:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
«١» .
أبو السادات محمّد بن محمّد ابو شهبة
стр. 576
بين عهدين: العهد المكي والعهد المدني
لقد مكث النبي صلوات الله وسلامه عليه يدعو إلى الله على بصيرة ثلاثة عشر عاما بمكة، وأهلها واقفون عقبة كأداء في سبيل الدعوة، فلم يدخل في الإسلام طوال هذه المدة إلا عدد قليل لا يتناسب وهذه المدة من عمر الدعوة الإسلامية، حتى أذن الله للنور أن ينتشر، فيمّم النبي وجهه شطر قبائل العرب ووفودهم في موسم الحج، فوجد هذا النور من أهل المدينة- طيبة- عيونا متفتحة، واذانا صاغية، وقلوبا واعية، وسرعان ما سرى النور في المدينة كما يسري نور البدر في ظلمات الليل فيبددها، والماء العذب في الأرض الجدبة فينبتها، واحتضنت المدينة الإسلام والمسلمين كما تحتضن الأم الرؤوم أولادها، ووجد المسلمون في الأنصار خير إخوان وأعوان عرفتهم الدنيا في تاريخها الطويل.
وقد كان المحور الذي تدور عليه الدعوة في مكة انتزاع العقائد الضارة من شرك ووثنية، وإنكار للبعث والنبوات، وتثبيت العقائد الصحيحة في النفوس من توحيد، وإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الاخر، وإقامة الأدلة العقلية والوجدانية والافاقية والأنفسية على ذلك، ليؤمن من امن عن بيّنة واقتناع، ويكفر من كفر عن تعنّت وعناد، وقد مكث النبي في هذه الفترة يعلّم ويلقّن ويربّي ويتعهد، حتى صنع طرازا فريدا من الرجال، كانوا اللبنات الأولى التي منها أسس الإسلام وعليها قام صرحه العالي المنيف.
وطبعي أن يكون اتجاه الدعوة في مكة إلى هذه العقائد، فقد بعث النبي بين قوم وثنيين لا يؤمنون ببعث ولا رسالة، فكان المنهج المنطقي القويم في
стр. 577
الدعوة أن يؤمنوا بهذه الأصول أولا، حتى إذا اطمأنت قلوبهم بالإيمان، وانشرحت صدورهم للإسلام، سهل عليهم تقبل التشريعات من حلال وحرام، وهذا ما كان.
وقد كان اتجاه الدعوة في مكة أيضا إلى أصول التشريعات العامة والاداب والفضائل التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وذلك كالحث على الثبات على العقيدة، والصبر والتحمل في سبيلها، والأمر بالصلاة والصدق والعفاف، وبر الوالدين وصلة الرحم والعدل والإحسان، والتواصي بالحق والخير، والنهي عن الرذائل كالقتل ووأد البنات، والظلم والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك.
أما في العهد المدني فقد بدأت الدعوة الاسلامية تتجه اتجاها اخر، ولم تعد مقصورة على مكة وما جاورها، بل وجدت أمامها افاقا فسيحة، ودنيا عريضة في جزيرة العرب وخارجها، ووجدت أرضا خصبة تقبلت الإسلام بقبول حسن، وأخذت عالمية الإسلام تأخذ طريقها إلى الأمم والشعوب، فلم تمض بضع سنوات حتى أرسل النبي ﷺ بالكتب إلى الملوك والأمراء والرؤساء، داعيا إياهم إلى الدخول في الإسلام وإلى كلمة سواء: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فمنهم من أطاع، ومنهم من أبى ورد ردا سيئا، ومنهم من رد ردا حسنا.
والإسلام دين عام خالد، نزل للبشرية جمعاء، لا فرق بين عربي وغير عربي، ولا بين أبيض وأسود، ففي الكتاب الكريم:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً «١» .
وفيه أيضا يقول الله على لسان رسوله:
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ «٢» .
стр. 578
ويقول الله سبحانه:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» .
وفي الحديث الذي رواه البخاري عن النبي ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ... » ورواه مسلم بلفظ: «وبعثت إلى كل أحمر وأسود» وفي رواية:
«وبعثت إلى الخلق كافة» .
والحق ما لم تكن له قوة تؤيده وتفسح له الطريق كي يأخذ سبيله إلى القلوب والعقول كان حقا مضيعا، فكان لابدّ في هذا العهد من تشريع القتال في الإسلام، ولو أن المناهضين للدعوة اكتفوا في ذلك بالحجاج والكلام، لقابلهم الإسلام بالمثل ولكان له الفوز والغلب. ولكنهم سلكوا مسلك القوة، وحملوا السلاح، فكان من العدل والحق أن تقابل القوة بالقوة، والسلاح بالسلاح، ولا سيما وقد أضحى للمسلمين قوة وكيان.
وقد كانت هذه الفترة من عمر الإسلام أخصب الفترتين، ففيها نزلت معظم التشريعات التفصيلية والأحكام العملية في الحلال والحرام، والعبادات والمعاملات والحدود والجنائيات، والحروب والمعاهدات، والعلاقات الدولية، والنظم السياسية، وذلك لأن حياة المسلمين في المدينة بدأت في الاستقرار، وأصبح لهم دولة وسلطان، ومن شأن الجماعة التي لها رابطة تربطها أن تكون في مسيس الحاجة إلى تشريع يتكفل بما تحتاج إليه في دينها ودنياها.
وشيء اخر: ذلك أن التشريعات العملية- ولا سيما الحدود والجنائيات- مرتبطة بسلطان الحكم التنفيذي، فلا تشريع لمن لا يملك حق التنفيذ.
وقد أشارت إلى هذه الحكمة التشريعية السيدة العاقلة العالمة عائشة
стр. 579
رضي الله عنها، قالت: (إنما نزل من القران أول ما نزل منه سورة «١» من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء «لا تشربوا الخمر» لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: «لا تزنوا» لقالوا: «لا ندع الزنا أبدا» ) رواه البخاري.
وكما مني المسلمون بمكة بالمشركين والوثنيين منوا في المدينة باليهود والمنافقين، وبذلك أصبح المسلمون في المدينة أمام قوى ثلاث تصارع الإسلام وتحاربه: قوة المشركين، وقوة المنافقين، وقوة اليهود.
وهؤلاء المنافقون وهم خليط من عرب المدينة ويهودها وإن لم يعلنوها حربا سافرة فقد كانوا أشد خطرا على الدعوة من غيرهم، لأن العدو المكاشف أهون شأنا من العدو المخالط المتستر تحت ستار من الخداع والتمويه، وقد شاء الله سبحانه أن يصرع الإسلام هذه القوى الثلاث، وأن يقضي عليها قضاء مبرما وأن يبقى الإسلام خفاق الراية، عالي المنار، يعلو ولا يعلى عليه.
وبعد: فهذا إيجاز لابدّ له من توضيح وإجمال يحتاج إلى كثير من التفصيل، وهذا ما سنعرض له في البحوث الاتية إن شاء الله، فاللهمّ أعن، وسدّد، وحقّق.
стр. 580
منزلة المساجد في الإسلام
قبل أن أعرض لبناء مسجد قباء ومسجد المدينة أرى لزاما علينا أن نتعرف منزلة المساجد في الإسلام.
والمساجد بيوت الله في الأرض:
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً «١» .
ومهبط الملائكة، ومثوى عباد الله الصالحين في الأرض، فيها يصل المسلم حباله بحبال السماء، ويزكّي نفسه، ويسمو بروحه حتى تصل إلى معارج القدس، ثم هي إلى ذلك مصحّات للأبدان كما هي مصحّات للأرواح، فلابدّ لمن يغشاها مصليّا أن يتطهر من الأحداث والأنجاس في النفس والثوب والمكان، وهي المستراح لمن لا مستراح له، والمأوى والملجأ لمن لا مأوى له.
وهي منازل أدب ووقار، فلا رفع فيها لصوت، ولا للغو، ولا فسوق، وهي منازل طهر ونظافة وتجمّل، وقد جاء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد وكاد الصحابة أن يتناولوه بالأذى فمنعهم قوله ﷺ : «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القران» فلا يجوز أن تكون المساجد للبيع والشراء، والعبث واللهو، ولا لنشدان الضالة، ولا لإثارة الأهواء والمنازعات والمشاحنات السياسية ونحوها، ولا للخلافات الدينية. وقد كان من أدب رسول الله ﷺ في الموعظة
стр. 581
التلويح لا التصريح، فكان يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا» وهي طريقة فذة مبتكرة في التربية والتهذيب.
وفي الحق أن المساجد في صدر الإسلام ولا سيما المسجد النبوي كانت تؤدي خدمات دينية، وعلمية، واجتماعية، وصحية وحربية، فكانت متعبدات يؤدي فيها المسلمون شعائر دينهم، وكانت تقوم مقام المعاهد والجامعات في التربية والتعليم والتهذيب، ومقام الجمعيات الخيرية في جمع الصدقات والمساعدات والتعاون على البر والخير، وكانت تقوم مقام الملاجىء والمبرات، يلجأ إليها الفقراء ممن لا مال لهم ولا دار، فيجد فيها المسكن والمأكل والمشرب، كما كان الحال في أهل الصّفّة «١» ، أضياف الله وأضياف الإسلام.
وكانت منتديات يجتمع فيها المسلمون فيتالفون ويتحابون، ويتشاورون في مصالحهم الدينية والدنيوية، ويبرمون ما يرتأون، وكانت تصنع بالمسجد النبوي السهام والات الجهاد، وتنصب به الخيام يستقبل فيها جرحى الحروب ويمرضون ويعالجون، وكان يجتمع به بعض المسلمين، فيتمرنون على فنون الحرب والقتال «٢» وهكذا نجد أن المساجد في صدر الإسلام كانت تؤدي من الخدمات ما تقوم به جهات عدة في عصرنا الحديث.
بناء مسجد قباء
فلا تعجب والمساجد في الإسلام على ما ذكرنا أن كان أول عمل قام به الرسول في المدة التي أقامها في بني عمرو بن عوف أن يا بني مسجد قباء، وهو المسجد الذي أشار إليه الحق ﵎ في قوله:
стр. 582
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ «١» .
روى الطبراني بسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الاية: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ... ، بعث رسول الله ﷺ إلى عويم بن ساعدة فقال: «ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟» .
فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو قال مقعدته، فقال النبي ﷺ : «هو هذا» وروى نحوه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ويؤيد رأي هؤلاء أن سياق الايات القرانية إنما هو في مسجد قباء، وهو الذي قصد أهل مسجد الضرار أن يصدوا الناس عنه بمسجدهم.
وذهب اخرون إلى أنه مسجد المدينة، واستدلوا بما ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ فأخذ كفا من الحصباء فضرب به الأرض، ثم قال: «هو مسجدكم هذا» .
والذي نرجحه أنه مسجد قباء لظاهر الاية والسياق، ولا تنافي بين الاية والحديث، لأنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد المدينة بطريق الأحرى والأولى، وهذا الحديث ذكر في معرض المفاضلة، وليس من شك في أن مسجد النبي ﷺ أفضل وهو خير المساجد بعد المسجد الحرام «٢» ولو أن النبي قال: «هو مسجد قباء» لتوهم متوهم أن مسجد النبي لم يؤسس على التقوى، ولا تخذ البعض من هذا ذريعة للتقليل من شأن المسجد النبوي، فهذا هو السر في هذا الجواب الحكيم.
стр. 583
وقد ورد في مسجد قباء أن جبريل ﵊ هو الذي أشار للنبي ﷺ إلى موضع قبلته.
ولما كان قباء أول مسجد بني في الإسلام وجعل لعموم الناس من هذه الأمة، فقد كان النبي ﷺ يحمل له ذكريات كريمة في نفسه، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه كان يزوره كل يوم سبت تارة راكبا وتارة ماشيا، وفي الحديث الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» رواهما الشيخان.
وروى الترمذي عن أسيد بن ظهير عن النبي ﷺ قال: «الصلاة في مسجد قباء ركعتين أحب إليّ من أن اتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل» ، وروى ابن ماجه عن سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال: «من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان كأجر عمرة» .
وقد زرت مسجد قباء- ولله الحمد والمنة- غير مرة وأنا في طريقي إلى مسجد الرسول ﷺ ، وجلست فيه وصلّيت فيه مرارا.
стр. 584
وصول النّبيّ إلى المدينة وبناؤه المسجد النّبويّ
أقام النبي ﷺ بقباء بقية وصوله، وهو يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم خرج يوم الجمعة قاصدا البلد الطيب (طيبة) ، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في المسجد الذي ببطن الوادي: وادي (رانوناء) «١» ، وهي أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ بالمدينة، بل قيل: هي أول صلاة جمعة «٢» صلاها مطلقا، لأنه لم يكن يتمكن في مكة من الاجتماع بأصحابه حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة وإعلان وموعظة لشدة مخالفة المشركين له وإيذائهم إياه وأصحابه، وفي هذه الجمعة خطب المسلمين خطبة بليغة مؤثرة تفيض بالإيمان واليقين، والمواعظ والزواجر، والترغيب والترهيب، وها هي الخطبة:
قال رسول الله ﷺ : «الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلّة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنوّ من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرّط، وضلّ ضلالا بعيدا.
стр. 585
وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الاخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الاخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية ولا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدّم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ هو الذي صدّق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
واتقوا الله في عاجل أمركم واجله، في السر والعلانية، فإنه مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً، ومن يتّق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيّض الوجه، وترضي الرب، وترفع الدرجة.
خذوا بحظكم، ولا تفرّطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وسمّاكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيّ عن بيّنة، ولا قوة إلا بالله.
فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» .
روى هذه الخطبة الإمام محمد بن جرير، وفي السند إرسال، وقد حرصت على ذكرها كلها لأن فيها قبسا من نور الوحي، وحكما من حكم النبوة، وهي نموذج رائع من كلمه الجوامع، وحكمه النوابغ، وفيها القدوة لمن يحب أن يقتدي بالرسول في خطبه، ويحتذي به في مواعظه.
стр. 586
توسل الأنصار إلى الرسول أن ينزل عندهم
ثم أتاه رجال من بني سالم بن عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة «١» ، ويتشبثون بزمام الناقة- ناقته القصواء-، فيقول لهم: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» ورسوله الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، وكلما مر بدار من دور الأنصار في الطريق عرضوا عليه أن ينزل عندهم في العدد والعدة والمنعة، فيقول لهم مثل قولته الأولى، حتى وصلت الناقة إلى موضع مسجده الشريف فبركت عنده، ورسول الله راكب عليها لم ينزل، ثم ثارت الناقة «٢» ، وسارت غير بعيد ورسول الله واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه وألقت بجرانها «٣» .
فنزل رسول الله ﷺ فتنازعه الملأ أيهم ينزل عليه، فقال: «إني أنزل على أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك «٤» » . ثم سأل: «أي دور أهلنا أقرب» ؟ فقال السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري: أنا، فاحتمل رحل رسول الله إلى منزله، فقال رسول الله ﷺ معتذرا بلطف عن النزول عند غير بني النجار «المرء مع رحله» .
ثم جاء أسعد بن زرارة نقيب بني النجار ليلة العقبة الثانية، وقد فاته شرف نزول رسول الله ﷺ عنده، فأخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ فكانت عنده، واعتبر هذا شرفا وكرامة له.
وكان نزول رسول الله ﷺ بدار السيد أبي أيوب الأنصاري منقبة عظيمة له ولبني النجار جميعا، وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا، كل دار محلة مستقلة بمساكنها، ونخيلها، وزروعها وأهلها، كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا
стр. 587
في محلتهم، وهي كالقرى المتلاصقة، فاختار الله لرسوله ﷺ دار بني مالك بن النجار تكريما لهم لخؤولتهم لرسول الله.
وقد أثنى رسول الله ﷺ على جميع دور الأنصار، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» ، فقال سعد بن عبادة: ما أرى النبي ﷺ إلا قد فضّل علينا، فقيل: قد فضلكم على كثير، وفي رواية أخرى عن أبي حميد الساعدي عن النبي، وزاد فيه فقال أبو أسيد لسعد بن عبادة: ألم تر أن رسول الله ﷺ خيّر الأنصار فجعلنا اخرا، فأدرك سعد النبي ﷺ فقال: يا رسول الله خيّرت دور الأنصار فجعلتنا اخرا؟ فقال: «أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الأخيار» وإنها لكياسة في الجواب لن تكون إلا من صاحب العقل الكبير، والصدر الرحيب، والقول الفصل البليغ.
اليوم المشهود
وكان يوما مشهودا في تاريخ الدنيا يوم دخل النبي ﷺ المدينة راكبا ناقته القصواء وأبو بكر الصديق ردفه «١» ، وملأ بني النجار حوله متقلدين سيوفهم يرهبون بها أعداء الله ورسوله، ومن تسوّل له نفسه من اليهود والمشركين أن ينال من رسول الله، وليعلموهم أنه إذا كان ترك أهله ووطنه إلى الله، فلا يزال في عزة ومنعة من أخواله وأتباعه وأنصاره، إنه لمشهد معبّر يغني عن الكلام والخطب!!.
وخرجت المدينة كلها بشبابها وشيبها، وصبيانها ونسائها وولائدها، لتشارك في استقبال القادم الكريم، وليملأوا عيونهم من هذا الذي أصبح ذكره على كل لسان، وأنصاره في كل بيت.
стр. 588
روى الإمام أحمد- في وصف هذا المشهد الحافل- عن أنس بن مالك قال: (إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، قال حتى جاء رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر، فكمنّا في بعض خراب المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار، انطلقا امنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق «١» لفوق البيوت يتراءينه يقلن: أيهم هو، فما رأينا منظرا شبيها به. قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين شبيها بهما) .
وخرجت جوار «٢» - بنات- من بني النجار يضربن بالدفوف وهنّ يقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقال: «أتحببنني» ؟ فقلن: إي والله يا رسول الله فقال: «وأنا والله أحبكم» ثلاثا. وفي صحيح البخاري ومسلم في حديث الهجرة: «وخرج الناس حين قدما المدينة في الطرق وعلى البيوت، والغلمان والخدم يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء رسول الله» «٣» .
стр. 589
في دار أبي أيوب الأنصاري
وأقام رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب معزّزا مكرّما سبعة أشهر، حتى بنى المسجد وبنيت دور أهله ونسائه فانتقل إليها، ونزل رسول الله ﷺ أول ما نزل في سفل دار أبي أيوب، وقد الم أبا أيوب أن يكون رسول الله في السفل، وألحّ عليه أن يكون في العلو، حتى بيّن له النبي ﷺ أن ذلك أرفق به وبمن يأتيه من المسلمين والزائرين، فقد كانت دار أبي أيوب منتدى يجتمع فيه المسلمون.
وبالغ أبو أيوب في إكرام رسول الله ﷺ ، وما كانت تطيب نفسه أن يأكل حتى يأكل رسول الله، فكان يهيىء الطعام ويرسله إلى النبي، فإذا عادت القصعة سأل عن موضع أصابع النبي فيأكل حيث أكل. وفي ذات مرة صنع طعاما وكان فيه ثوم لم تذهب رائحته، فسأل عن موضع أصابع الرسول فقيل له: لم يأكل منه، ففزع وذهب إليه وقال: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنني أكرهه، فإني أناجي من لا تناجي» «١» يريد الملائكة، وهي تتأذّى مما يتأذّى منه بنو ادم.
وفي مرة أخرى كسرت لأبي أيوب جرّة فيها ماء، ففزع أبو أيوب والسيدة أم أيوب زوجه، وأسرعا إلى قطيفة لهما كانا يعتزّان بها، فأخذاها وصارا يجففان بها الماء خشية أن يسيل الماء إلى أسفل البيت فيتأذى منه رسول الله أو زوّاره.
وقد بلغ من أدب أبي أيوب وأهله- لما امتنع الرسول أن يصعد إلى العلو- أنهم كانوا لا ينزلون في المكان المسامت لرسول الله من العلو استحياء من الله ورسوله، وهكذا فليكن الأدب، والقيم الروحية العالية، ومع اعتذار رسول الله عن الصعود إلى العلو لم يزل به أبو أيوب، يرجوه ويلح في الرجاء، حتى قبل رسول الله ﷺ أن يكون في العلو، إذ قد خف الزوار ولم يعد هناك من حرج.
стр. 590
وتسابق الأنصار في إكرام وفادة رسول الله ﷺ ، فما من ليلة إلا وتجد على دار أبي أيوب القصاع والجفان يأكل منها من يشاء، ويدع من يشاء، وكذلك تسابقوا في إيواء المهاجرين وإكرامهم، وعرضوا عليهم أن يقاسموهم دورهم وأموالهم، بل وأعز شيء لديهم وهو التنازل لهم عن بعض أزواجهم كي ينكحوهن إذا رغبوا، ولكن المهاجرين أبوا واكتفوا منهم بالارتفاق والمواساة، وقد ضرب الأنصار في مواساة إخوانهم المهاجرين مثلا عليا تذكر بالإعظام والإكبار، وسنوفيهم حقهم فيما يأتي إن شاء الله.
وقد صارت دار أبي أيوب التي حظيت بهذا الشرف الرفيع إلى مولاه أفلح بعد وفاته، فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار، وأصلح ما وهى من بنيانها، ووهبها لأهل بيت فقراء.
وقد ذهبت إلى هذه الدار وأنا بالمدينة في زيارة رسول الله ومسجده، وهي بالقرب من المسجد النبوي، وأهاجت الدار الذكرى، وحركت لواعج الشوق والحب لأهلها الأخيار، فلله أنت يا دار أبي أيوب.
جميل بجميل
ودارت الأيام دورتها، وقدم السيد الكريم أبو أيوب الأنصاري البصرة، وكان عليها يومئذ سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ واليا من قبل سيدنا علي بن أبي طالب ﵁، فوجد ابن عباس الفرصة سانحة لردّ الجميل المذكور لسيدنا أبي أيوب، فخرج له عن داره وأنزله فيها كما أنزل رسول الله في داره، وملّكه كل ما أغلق عليها بابها، ولما أراد الانصراف من البصرة ودّعه وأجزل له العطاء.
وما كان أبو أيوب- علم الله- ليرجو على ما عمل جزاء من أحد، ما كان يرجو إلا رضاء الله ورسوله، ولكنه أدب من اداب الإسلام، ردّ المعروف بمثله أو بخير منه، وأحق من رعى هذا الأدب الرسول واله الكرام، وقد قال معلّم الناس الأدب والخير ﷺ : «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه عليه، فإن لم تقدروا فادعوا له بخير» رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
стр. 591
إسلام عبد الله بن سلام وبعض أهله
وفي أثناء مقام الرسول بدار أبي أيوب الأنصاري قدم عليه أحد أحبار اليهود وعلمائهم وهو عبد الله بن سلام، وكان يعلم من كتبهم أوصاف النبي المبعوث في اخر الزمان. فلما جاء إلى النبي سأله بعض أسئلة تأكّد منها أنه نبي، لأنه ما يعلمها إلا نبي، فأسلم وقال للرسول: لا تعلن إسلامي حتى تسأل اليهود عني، لأنهم إن علموا إسلامي فسينتقصونني.
فأرسل إليهم النبي وسألهم عنه، فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، فلما أخبرهم بإسلامه قالوا: شرنا وابن شرنا. وإليك هذه القصة كما رواها البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال:
« ... فلما جاء نبي الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بالحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ.
فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ :
«يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق، فأسلموا» قالوا: ما نعلمه.
قال: «فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام» ؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: «أفرأيتم إن أسلم» ؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، وكرّرها وأجابوه- ثلاثا- قال: «يا ابن سلام اخرج عليهم» ، فخرج، فقال:
يا معشر اليهود، اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت. وفي رواية أخرى أنهم قالوا: شرّنا وابن شرّنا وتنقّصوه. قال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله «١» . وقد أسلم
стр. 592
بإسلامه أهل بيته، وعمة له تسمّى خالدة بنت الحارث «١» .
وأما غيره من أحبار اليهود فقد طمس الحقد والحسد على قلوب الكثيرين منهم، وأبوا أن يؤمنوا، فكان عاقبة أمرهم خسرا ووبالا في الدنيا والاخرة، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 593
بناء المسجد النبوي
وفي المدة التي أقامها رسول الله بدار أبي أيوب بني المسجد النبوي، وقد بنوه في المكان الذي بركت فيه الناقة، وكان في الأصل حائطا- بستانا- فتخرّب بعضه فبنيت فيه قبور، واتّخذ بعضه مربدا لتجفيف التمر، وكان لغلامين يتيمين بالمدينة، وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فساومهما النبي فأبيا، وقالا بل نهبه لله ولرسوله؛ ولكن الرسول أبى إلا أن يكون بالثمن. وبهذا التصرف الحكيم ضرب النبي مثلا كريما في رعاية حقوق اليتامى، وقطع ما عسى أن تتقوّل به ألسنة السوء.
وقد ذكر موسى بن عقبة في تاريخه أن الرسول اشتراه بعشرة دنانير، وأن الصدّيق هو الذي دفعها، وأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقطعت، وبالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت.
وشرع المسلمون يبنون ورسول الله ﷺ يحمل معهم التراب واللبن وهم يقولون:
هذي الحمال لا حمال خيبر ... هذي أبر- ربّنا- وأطهر «١»
ويقولون:
اللهمّ إنّ الأجر أجر الاخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
стр. 594
وكان علي يقول:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن التراب حائدا
وكان بعضهم يقول:
لئن قعدنا والنبي يعمل ... ذاك إذا للعمل المضلّل
وفي هذا الارتجاز في الأعمال والأسفار تنشيط للنفوس، وترويح للقلوب، فيسهل الشاق، ويلين الصعب.
ولما بني المسجد النبوي صار مصلّى المسلمين ومتعبدهم ومنتداهم ومكان تشاورهم، وكان فيه صفّة يأوي إليها الفقراء والمساكين ممّن لا مال لهم ولا دار، ولا يجدون ما يعملون به فيكتسبون، وفيه تلقى دروس العلم والحكمة. وهكذا كان المسجد النبوي يؤدي خدمات دينية وعلمية واجتماعية وسياسية، وكن على ذكر مما ذكرنا سابقا في منزلة المساجد في الإسلام.
الأطوار التي مرّ بها بناء المسجد النبوي
كان المسجد النبوي في عهده ﷺ مبنيا باللبن- الطوب النيء- وكانت عمده من جذوع النخل، وسقفه من الجذوع والجريد. وهكذا كانت المساجد في عهده ﷺ تمتاز بالبساطة وعدم التكلف، ولكنها كانت عامرة بالإيمان والهدى، والعلم والمعرفة.
يدل على هذه البساطة في بناء المسجد النبوي وغيره ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس بن مالك- واللفظ لمسلم- «أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة «١» ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاؤوا
стр. 595
متقلدي سيوفهم قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب.
فكان رسول الله يصلّي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد. قال: فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا فقال: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا» ، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى، قال أنس: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب. فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقطعت، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت؛ قال: فصفّوا النخل قبلة وجعلوا عضادتيه حجارة، قال:
فكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم «١» وهم يقولون:
اللهمّ إنه لا خير إلا خير الاخرة ... فارحم الأنصار والمهاجره
وبقي المسجد النبوي على هذا الحال في خلافة الصدّيق ﵁، فلما كان عهد الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه، واتسعت رقعة الإسلام، وكثر الوافدون إلى المسجد، وسّعه عمر وأبقاه على ما كان عليه في عهد الرسول من بنيانه باللبن، وسقفه بالجريد، إلا أنه جعل عمده من الخشب بدل جذوع النخل. وقد روي عنه أنه قال لمن زاول البناء: (أكنّ الناس من المطر، وإياك أن تحمّر أو تصفّر لتفتن الناس) .
فلما ولي السيد الحييّ عثمان ﵁ الخلافة زاد فيه زيادات كبيرة، وبنى جدرانه بالحجارة المنقوشة والقصة- الجص- وجعل عمده من الحجارة المنقوشة أيضا، وسقفه بخشب الساج «٢» .
وقد أنكر بعض الناس على عثمان هذا، واعتبروه إسرافا وزخرفة، روى البخاري في صحيحه بسنده أن عثمان كان يقول عند قول الناس فيه حين بنى
стр. 596
مسجد الرسول ﷺ : إنكم أكثرتم، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: «من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة» .
ويعلم الله أن عثمان ﵁ ما قصد الزينة حين بناه بهذا النوع من الحجارة، ولا قصد الإسراف حينما وسّعه وجعل جدرانه من الحجارة، وسقفه بخشب الساج، فقد كان بيت المال في عهده يفيض بالأموال التي لا تحصى، وإنما هي الضرورة والمصلحة ليتسع المسجد للوافدين من المسلمين، وليكون ذلك أدعى إلى طول البقاء، وعدم تسارع الخلل والخراب إليه.
ثم زيد في المسجد في عهد الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق، وقد قام بهذا نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وفي هذه الزيادة أدخلت حجر أزواج النبي ومنها حجرة عائشة التي كان فيها القبر الشريف، ثم زيد فيه زيادات كثيرة فيما بعد، وزيد فيه من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف الأمامية للمتوجه للقبلة كما هو اليوم.
ومما ينبغي أن يعلم أن القبر الشريف ما كان في المسجد أولا، وإنما دخل فيه لما اضطروا إلى توسعة المسجد، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بلعن اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ونهى النبي عن ذلك، ودعا الله ألايتخذ قبره وثنا يعبد، ففي الحديث الشريف: «اللهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد، غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
وقد احتاط المسلمون الأولون، فأحاطوا القبر الشريف بحائط مرتفع كيلا يظهر القبر في المسجد فيصلي إليه العوام، فيقعوا في اتخاذ قبره مسجدا، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على هيئة رأس مثلث من الشمال حتى لا يتمكن المصلّي من استقبال القبر الشريف في الصلاة.
زخرفة المساجد:
وكان أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، ومن يومها والناس شرعوا يغالون في بناء المساجد وزخرفتها حتى أصبح بعضها من قبيل المتاحف، تقصد لما فيها من زخرفة لا للصلاة فيها، وكل ذلك خارج عن هدي
стр. 597
النبوة، ولو روعيت البساطة في بناء المساجد وعدم المغالاة في الزخرفة والتشييد لكان خيرا وأولى.
وقد أخبر الرسول ﷺ بما سيصير إليه حال المسلمين في بناء المساجد وزخرفتها، فقال فيما رواه أنس عنه: «يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلا» ، وقال: «لتزخرفنّها- أي المساجد- كما زخرفت اليهود والنصارى» رواهما أبو داود في سننه. ولم يزل الخلفاء والملوك المسلمون يتداولون المسجد النبوي من قديم بالتوسعة والعمارة والتشييد حتى أصبح على وضعه الحالي وعلى هيئته الان.
وكانت اخر توسعة وتشييد ما قام به ال سعود القائمون على شؤون الحرمين، وقد أصبح على حال من قوة التأسيس والسعة والفخامة تليق بهذا المسجد المشرّف، الذي تشدّ إليه رحال ألوف الألوف من المسلمين من جميع بقاع الأرض، فشكر الله لهم هذا العمل المجيد.
فضل المسجد النبوي
هو أحد المساجد المشرفة التي تشدّ إليها الرحال في الأرض، وثانيها في الفضل، وإن كان ثالثها في الزمان والبناء، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس» . وفي الصحيحين أيضا أن رسول الله قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» .
وفي مسند أحمد بإسناد حسن زيادة حسنة: وهي قوله: «فإن ذلك أفضل» .
وفي مسجد النبي الروضة الشريفة التي هي من رياض الجنة، ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين بيتي»
ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» .
стр. 598
وكيف لا تكون من رياض الجنة والعبادة فيها مما يقرّب صاحبها من الجنة، ويباعد بينه وبين النار، فالأعمال فيها ثوابها مضاعف، والدعاء فيها مرجو الإجابة، وبجوارها أشرف بقعة ضمّت أشرف جسمان على وجه الأرض، وطالما صلّى فيها النبي في حياته وقام، وكثيرا ما وعظ فيها وذكّر، وبشّر وأنذر، وشهدت من أحداث الإسلام وسياسته ما شهدت، والجالس فيها يشعر بروحانية صافية، وراحة نفسية، وإشراقة قلب، وانشراح صدر، وينسى فيها بؤس الحياة والامها، ويغمره إيمان بصاحب الرسالة وحب يصلان به إلى حظيرة القدس.
وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى تفضيل مسجد المدينة على مسجد مكة؛ لأن ذاك بناه الخليل إبراهيم، وهذا بناه نبينا محمد.
والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء من تفضيل المسجد الحرام، لأنه في بلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وحرّمه الخليل وحرمه نبينا، وجعل الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد النبوي، وجعل حجه فرضا مفروضا، ومن دخله كان امنا، وفضيلته قد شهد بها التنزيل وصدق الله:
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ «١» مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) «٢» .
بناء حجر أمهات المؤمنين
وبني لرسول الله ﷺ حجر حول مسجده الشريف، لتكون مساكن له ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك والأكاسرة والقياصرة، بل كانت بيوت من ترفّع عن الدنيا وزخارفها، وابتغى الدار الاخرة، فقد كانت كمسجده مبنية من اللبن والطين وبعض الحجارة، وكانت سقوفها من جذوع النخل والجريد،
стр. 599
وكانت قريبة الفناء قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده. قال الحسن البصري وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة-: (قد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي ﷺ بيدي) .
ولما تمّت هجرة النبي وصاحبه أبي بكر رجع عبد الله بن أريقط دليلهما إلى مكة، فأرسلا معه زيد بن حارثة وأبا رافع- وهما موليا رسول الله ﷺ ليأتوا بأهليهما، فذهبا وجاا ببنتي الرسول: أم كلثوم وفاطمة، وزوجته: السيدة سودة بنت زمعة، وأم أيمن زوج زيد، وابنها أسامة.
أما السيدة زينب فكانت في بيت زوجها أبي العاص بن الربيع حتى أرسلها بعد أن أسر في بدر كما سيأتي، وأما السيدة رقيّة فكانت مع زوجها عثمان ﵁. وقدمت معهما أيضا السيدة عائشة، وأمها أم رومان صحبة عبد الله بن أبي بكر، ومن ال أبي بكر أيضا السيدة أسماء بنت الصدّيق امرأة الزبير بن العوام، وهي حامل متمّ بابنها عبد الله بن الزبير.
ولم يكن مع رسول الله حينئذ من أزواجه إلا سودة بنت زمعة التي دخل بها بعد وفاة السيدة خديجة ﵂، أما السيدة عائشة فكان عقد عليها ولم يبن بها إلا في شوال بعد مقدمه المدينة بسبعة أشهر. وكان رسول الله كلما بنى بزوجة بنى لها حجرة، حتى اكتملت حجرات نسائه حول المسجد، وكان لكل حجرة بابان: خارجي وداخلي من المسجد، ليسهل دخول النبي إلى المسجد، وقد أضيفت هذه الحجر كلها إلى المسجد لما اضطروا إلى توسعته كما أسلفنا.
حمّى المدينة
لما قدم النبي ﷺ وصحبه إلى المدينة كانت أوبأ أرض الله من الحمّى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف ذلك عن نبيه. وكان ممن وعكتهم الحمى وهدّت من كيانهم الصدّيق أبو بكر، وعامر بن فهيرة مولاه، وبلال بن رباح، فكان الصدّيق إذا اشتدت به الحمى يقول:
كل امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
стр. 600
وكان عامر يقول:
قد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرىء مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقه
«١» وكان بلال يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وعندي إذخر وجليل
«٢»
وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
«٣» فأخبرت عائشة النبي بما رأت وسمعت فدعا بهذا الدعاء: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» رواه البخاري، وقد استجاب الله لنبيه الدعاء وصار جو المدينة من أحسن الأجواء، ولم تكن الجحفة حينئذ من بلاد الإسلام، وهي التي كانت مهل أهل الشام ومصر ومن على شاكلتهم، وقد درست الجحفة، والإحرام الان من «رابغ» قرية قريبة منها على الطريق بين مكة والمدينة.