يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «١» .
فقال عمر: انتهينا انتهينا. وبذلك حرمت الخمر تحريما باتا قاطعا، روى هذا الإمام أحمد، وأصحاب السنن.
ولما حرمت نادى منادي رسول الله: ألا إن الخمر قد حرمت، فقام الناس إلى ما عندهم منها فأهرقوه حتى سالت بها طرق المدينة، وبذلك نجح الإسلام أيما نجاح في تحريمها على تأصّلها فيهم، وقد حاولت بعض الدول- الولايات المتحدة- في العصر الحديث تحريمها بسطوة القانون ففشلت، وأين قانون الإنسان من شريعة الرحمن؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وروي أنه لما نزلت اية التحريم البات قال ناس: يا رسول الله فكيف بمن قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فراشهم وكانوا يشربونها؟ فأنزل الله سبحانه قوله:
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «٢» .
فالاية إعذار لمن كان يشربها قبل التحريم ومات على ذلك، وليس فيها إباحة شربها لأن شربها لا يجامع التقوى بأي حال من الأحوال.
ما هي الخمر ؟
والخمر هي كل ما أزال العقل أو غيّر منه. روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: قام عمر على المنبر فقال: (أما بعد: فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر
стр. 912
العقل) ، وقد خطب عمر بهذا وهو بمحضر من كبار الصحابة فلم ينكر عليه أحد، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء سلفا وخلفا، وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام» ، وفي رواية: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» .
والخمر بجميع أنواعها حرام قليلها وكثيرها سواء، ويحد شاربها وإن لم يسكر، روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: «ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام» ، وكل ما أسكر فهو خمر سواء أكان من العنب، أو التمر، أو الزبيب، أو البصل، أو الشعير، أو الذرة، والعبرة ليست بالأسماء، وإنما العبرة بالإسكار، وقد أخبر رسول الله ﷺ عن هؤلاء الذين يتحايلون على الشرع ويسمون الخمر بغير اسمها فقال: «ليشربنّ أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» «١» .
حكمة تحريم الخمر
والخمر مضرة بالصحة «٢» ، مذهبة للأموال، مفسدة لما بين الناس من أواصر المحبة والأخوة، مغواة للشيطان، صارفة عن ذكر الله وعن الصلاة، سالبة للعقل الذي هو أشرف ما وهب الله الإنسان، معرّضة شاربها للعربدة والتعدّي على الدماء والأعراض، فهي أم الخبائث، فلا تعجب إذا كان الإسلام حرّمها فيما حرم على المسلمين، ليكون المجتمع الإسلامي على خير ما يكون دينا وخلقا، وأمنا وسلاما.
وقد يقول قائل: إن القران الكريم قرر في اية البقرة أنها لم تخل من منافع، فكيف جعلتها سببا لكل هذه الماثم؟ وأقول لمن يزعم ذلك: إن المراد بالمنافع في الاية الدنيوية وهي ما يتخيله شاربها بعد شربها من النشوة وإدخال
стр. 913
الفرح والسرور على نفسه ونسيان الهموم، وما ينتفع به بعض الناس من صنعها أو بيعها أو الاتجار فيها، وهي منافع لا توازي في معيار الحق والفضيلة شيئا مما فيها من مفاسد ومباذل وماثم، على أن هذه الاية كانت قبل التحريم، فكان من الحكمة مجاراتهم فيما يزعمونه منافع حتى لا ينفروا، ثم لمّا تهيأوا للتحريم حرمها وجردها من أية منفعة أو مصلحة.
стр. 914
تبليغ الإسلام في العالم
مكاتبة الملوك والأمراء
عاد رسول الله ﷺ من صلح الحديبية وقد أمن شر قريش ومناوأتها لدعوة الإسلام، ووجد الرسول الفرصة سانحة لتبليغ رسالة الإسلام للناس جميعا عربهم وعجمهم، إذ قد أرسل للبشر كلهم قال تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً «١» .
وقال:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢» .
وقال:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ «٣» .
وقد كان هذا كسبا كبيرا للدعوة، فقد شهدت افاقا واسعة، ووجدت أرضا خصبة، ونفوسا مستعدة لتقبل الدين الجديد بعد أن عاشت البشرية في ليل داج مظلم، ولم يكن ليخفى على رسول الله ﷺ ما يعانيه العالم- ولا سيما الدولتان اللتان كانتا تقتسمان النفوذ في العالم حينئذ: فارس والروم- من انحراف ديني، وفساد خلقي، واضطراب اجتماعي، وما وقع بينهما من حروب وغارات أنهكت قواهما، مما جعل هذه الشعوب على استعداد لقبول الإسلام،
стр. 915
الذي ينعمون فيه بالإيمان والأمان، والحرية والإخاء، والعدل والمساواة، ولذلك لم تكد تنتهي ثلاثون عاما من دعوتهم إلى الإسلام، حتى كانت هذه البلاد قد دخلت في الإسلام، واستظلت بلوائه، وقد كان بدء إرسال الكتب بعد الحديبية في أواخر سنة ست أو أوائل سنة سبع، ولذلك اثرت ذكر هذه الكتب في هذا الموضع.
ولما عزم رسول الله على مكاتبة الملوك والأمراء خرج على أصحابه ذات يوم فقال: «أيها الناس: إن الله قد بعثني رحمة وكافة، فلا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم» فقال أصحابه: وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟ قال: «دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلّم، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل» ثم ذكر أنه مرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي وغيرهم، يدعوهم إلى الإسلام، فأجابه أصحابه إلى ما أراد، ثم صنع له خاتم من فضة، نقش عليه (محمد رسول الله) ليختم به هذه الكتب.
كتاب رسول الله إلى القيصر (هرقل)
وجه رسول الله دحية بن خليفة الكلبي بكتاب إلى قيصر، وأمره أن يدفعه إلى حاكم (بصرى) ليوصله إلى هرقل، ونص الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإن أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولّيت فإن عليك إثم الإرّيسيين «١» : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» «٢» .
стр. 916
موقف هرقل من الكتاب
ولما وصل الكتاب إلى هرقل وكان الرجل عاقلا قال: ائتوني برجل من قومه أسأله عنه، فالتمسوه، فصادفوا أبا سفيان في ركب من قومه ذاهبين بتجارتهم إلى الشام بعد صلح الحديبية، فجاؤوا بهم إليه، فسألهم بوساطة ترجمانه أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان:
أنا، فقال له: ادن مني، فأجلسه أمامه، ثم أجلس بقية قومه خلفه حتى لا يخجلوا من ردّ كذبه عليه إذا كذب. ثم سأله عن نسبه، وهل ادّعى ذلك أحد قبله، وعن مبلغ صدقه؟ وهل كان من ابائه من ملك؟ وأيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ وأيزيدون أم ينقصون؟ وهل يرتد أحد من أتباعه سخطة لدينه؟ وهل يغدر إذا عاهد؟ وكيف حربكم وحربه؟ وبم يأمركم؟ كل ذلك وأبو سفيان يجيب بما هو الحق.
ثم استخلص هرقل الحق من كلام أبي سفيان فقال له: إني سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها.
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فزعمت أن لا، فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتم بقول قيل قبله. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فقلت ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك هل كان من ابائه ملك فقلت: لا، فلو كان من ابائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فقلت: بل يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك هل قاتلتموه؟ فقلت: نعم، وأن الحرب بيننا وبينه سجال، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك بماذا يأمر؟ فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عما كان يعبد اباؤكم، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
стр. 917
ثم قال: وهذه صفة نبي كنت أعلم أنه نبي، ولكن لم أعلم أنه منكم، وإن يك ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه!! ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرىء على الحاضرين، فعلت أصوات من حوله من عظاماء الروم وكثر لغطهم، وأمر بأبي سفيان وأصحابه فأخرجوا، فقال أبو سفيان: لقد عظم أمر ابن أبي كبشة «١» ، هذا ملك بني الأصفر «٢» يخافه، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام.
ولما سار قيصر إلى حمص وأذن لعظماء الروم في دسكرة له، ثم أمر بأبوابها فأغلقت، ثم قال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها مغلقة، فلما رأى قيصر نفرتهم وغضبهم قال: ردّوهم علي، ثم قال لهم: إنما قلت مقالتي انفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فسجدوا له ورضوا عنه «٣» . وهكذا غلبه حب ملكه على الإسلام، فذهب بإثمه وإثم رعيته كما قال الرسول ﵊، ولكنه مع هذا كرّم دحية ورده ردا جميلا.
كتاب كسرى
ووجه رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة السّهمي بكتاب إلى كسرى «٤» ملك الفرس، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه هذا إلى كسرى ونصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وامن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله
стр. 918
واحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فإن تسلم تسلم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك» .
فلما قرىء الكتاب عليه مزقه، فلما بلغ رسول الله ذلك دعا عليه قائلا:
«اللهم مزّق ملكه» وقد استجاب الله لنبيه، فقتله ابنه شيرويه، ولم تقف حماقة كسرى عند تمزيق الكتاب بل أرسل إلى «باذان» عامله على اليمن: ابعث من عندك رجلين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز، ففعل باذان، فلما قدما على النبي قال: «أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه في هذه الليلة» ! وكان ذلك ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الاخرة سنة سبع من الهجرة، فخرجا من عند النبي حتى قدما على باذان فأخبراه بمقتل كسرى، وقالا له يقول لك: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء.
ثم لم ينشب باذان أن جاءه كتاب شيرويه يخبره بقتل أبيه، وأوصاه أن لا يهيج النبي حتى يأتيه أمره فيه، فقال: إن هذا الرجل لرسول، فأسلم وأسلم الأبناء من فارس الذين كانوا باليمن.
كتاب المقوقس عظيم مصر
وأوفد ﵊ حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس عظيم مصر وأميرها من قبل الروم بكتاب ونصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله ﷺ إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد:
فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم القبط:
يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «١» .
стр. 919
فوفد حاطب على المقوقس وكان بمدينة الإسكندرية، فناوله الكتاب، فقبّله وأكرم حاطبا وأحسن نزله.
ثم بعث إلى وفد جمع بطارقته، وقال: إني سائلك عن كلام، فأحب أن تفهم عني، قال: قلت هلمّ، قال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبي؟ قلت:
بلى، هو رسول الله، قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها؟! قال: فقلت: عيسى بن مريم أليس تشهد أنه رسول الله؟ قال: بلى، قلت: فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حيث رفعه الله إلى السماء الدنيا؟!.
فسر منه وقال له: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم «١» ، ثم قال إني نظرت في أمر هذا النبي فوجدت أنه لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكذاب، وسأنظر، ثم كتب ردّ الخطاب، فقال فيه:
(لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقي، وكنت أظنه بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط، وبثياب، وأهديت إليك بغلة تركبها والسلام) .
وإحدى الجاريتين مارية التي تسرّاها رسول الله وولدت له إبراهيم، والاخرى أعطاها حسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن بن حسان وقيل أربع جوار، ومما أهدي غلام خصي اسمه «مابور» وحمار أسمي عفيرا أو يعفور، وقد أسمى النبي البغلة دلدلا، وكانت فريدة ببياضها بين البغال التي عرفتها بلاد العرب.
وخطاب المقوقس هذا يدل على إكباره لرسول الله كما يدل على أنه لم يسلم، ولم يبعد، والذي يبدو أن الرجل خاف على ملكه، ولولا هذا لامن ونال حظه من الإسلام.
стр. 920
كتاب النجاشي
وبعث رسول الله ﷺ بكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة مع عمرو بن أمية الضمري ونصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى وامن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم:
يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.
فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك» «١» .
ولما وصله الكتاب احترمه وكرم حامله وقال له: إني أعلم والله أن عيسى بشّر به، ولكن أعواني بالحبشة قليل، فأنظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب.
وفي بعض الروايات أنه أسلم، والصحيح خلافه، ففي صحيح مسلم عن أنس «أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس النجاشي الذي صلّى عليه النبي ﷺ » .
ثم بعث إليه رسول الله بكتاب اخر مع عمرو أيضا بشأن مساعدة مهاجري الحبشة على الخروج إلى المدينة، فأعدّ لهم سفينتين حملتاهم إليها، فوصلوا عقب فتح خيبر كما سيأتي إن شاء الله.
بقية الكتب
كتاب المنذر بن ساوى
ووجه ﵊ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، يدعوه وقومه إلى الإسلام، فأسلم، فأقره النبي على إمارته، وأوصاه
стр. 921
بالنصح والطاعة والإصلاح، وألايكره أحدا على الإسلام، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية.
كتاب أمير بصرى
وأرسل ﵊ الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى أمير بصرى، فلما بلغ مؤتة- قرية بمشارف الشام- تعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، قال له: أين تريد؟ قال: الشام. قال: لعلك من رسل محمد؟ قال:
نعم، فأمر به فضربت عنقه، ولم يقتل لرسول الله رسول غيره.
كتاب أمير دمشق
ووجه ﵊ شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق من قبل هرقل، يدعوه إلى الإسلام، ويعده ملكه إن أسلم، فلما وصله الكتاب رمى به، وقال: من ينتزع مني ملكي؟ واستعد ليرسل جيشا لحرب النبي، وقال لشجاع: أخبر صاحبك بما ترى، ثم أرسل إلى قيصر يستأذنه في ذلك، وصادف ذلك مجيء دحية بكتاب رسول الله إلى هرقل، فكتب إليه يثنيه عن عزمه، فلما رأى الحارث كتاب قيصر صرف شجاعا بالحسنى ووصله بنفقه وكسوة.
كتاب ملك اليمامة
ووجه النبي سليط بن عمرو العامري بكتاب إلى هوذة بن علي ملك اليمامة يدعوه إلى الإسلام، ووعده أن يجعل له ما تحت يديه إن أسلم، فكتب في رد الكتاب: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك، فلما بلغ كتابه الرسول قال: «لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد وباد ما في يديه» فلم يلبث أن مات منصرف الرسول من فتح مكة.
كتب أخرى
وكذلك أرسل النبي إلى جبلة بن الأيهم الغساني، وإلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، وإلى جيفر وعبد ابني الجلندى ملكي عمان،
стр. 922
وإلى غيرهم من الملوك والأمراء، فمنهم من أجاب وأسلم ومنهم من رد ردا سيئا.
ويلاحظ على هذه الكتب الخبرة الدقيقة بنفوس من أرسل إليهم، وحسن تخير الألفاظ المناسبة لكل، والمثيرة للعواطف والمشاعر، كما يلاحظ أن بعض من لم يسلم كان رده ردا جميلا رقيقا مما يدل على قوة الإسلام وسطوته، وسماحة دعوته، فلا تعقيد فيها ولا غموض، وأن الصحابة الذين حملوا الكتاب كانوا عند حسن ظن الرسول بهم، ووفوا بما عاهدوه عليه من الإقدام، وأن لا ينكصوا كما نكص بعض رسل عيسى ﵊، كما كان عجيبا أن لم يقتل من الرسل على كثرتهم إلا واحد، وهذا يدل على أن العالم حينئذ كان يستشرف إلى دين جديد سمح، ينقذه من الحضيض الذي هوى إليه، فكان هذا الدين هو الإسلام.
стр. 923
السّنة السّابعة من الهجرة
[الغزوات والسرايا في هذه السنة]
غزوة ذي قرد «١»
لم يختلف أصحاب السير أنها كانت سنة ست قبل الحديبية وإن اختلفوا في شهرها، وجزم الإمام البخاري بأنها كانت قبل خيبر بثلاث ليال على ما ثبت عنده من أحاديث صحيحة، وقد رجّح الحافظان ابن كثير وابن حجر ما ذهب إليه البخاري «٢» ، ولذلك اثرت ذكرها هنا تبعا لما في الصحيح.
أغار عبد الرحمن بن عيينة بن حصن الفزاري في جماعة من قومه غطفان على لقاح «٣» النبي ﷺ بالغابة، وعلى اللقاح رجل من غفار ومعه امرأته، فقتلوا الرجل واستاقوا اللقاح وأخذوا معهم المرأة، وكان أول من سمع بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع، فقد لقيه غلام لعبد الرحمن بن عوف فأخبره، فتوشح سيفه، وتنكّب قوسه، وأخذ نبله وصعد على جبل فراهم، فصاح واصباحاه «٤» (ثلاثا) وخرج يشتد في اثار القوم، وكان عاديا لا يسبقه أحد حتى لحق بهم، فجعل يرميهم بالنبل ويقول:
خذها وأنا ابن الأكوع ... اليوم يوم الرّضّع «٥»
стр. 924
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، وكان رسول الله ﷺ قد سمع صياح ابن الأكوع فنادى في المدينة: «الفزع. الفزع» فترامت الخيول إلى رسول الله، فأمر عليهم سعدا وقال: «اخرج في طلب القوم حتى ألحقك» . منهم المقداد بن الأسود، وعبّاد بن بشر، وسعد بن زيد، وعكاشة بن محصن، وأبو قتادة.
وما زال سلمة يكر ويفر، حتى استنقذ منهم اللقاح، واستلب منهم أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا، ألقوها متخففين منها، وهم يظنون أنه ما فعل ذلك إلا ومعه كمين أو وراءه مدد.
ولما أدركهم الفرسان المسلمون حمل أبو قتادة على عبد الرحمن بن عيينة فقتله، وقتل عكاشة رجلا وابنه، وقتل من المسلمين محرز بن نضلة، وأخذ المشركون في السير هربا، ولم يلبث رسول الله أن جاء في خمسمائة من أصحابه وأقام على ذي قرد يوما وليلة، فقال سلمة: يا رسول الله لو سرحتني ومائة رجل لاستنقذت بقية السرح، وأخذت بأعناق القوم، فقال العفوّ الكريم: «يا سلمة ملكت فأسجح «١» ، إنهم الان ليغبقون في غطفان» «٢» أي فاتوا ووصلوا إلى بلادهم.
وقسم النبي الغنيمة عليهم وأعطى سلمة سهمين: سهم الراجل وسهم الفارس، تقديرا له، وأردفه على ناقته العضباء، وهم عائدون إلى المدينة، وقال: «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة» وعاد المسلمون بعد أن لقنوا غطفان درسا لن ينسوه.
لا نذر في معصية
وكانت امرأة الغفاري قد غافلت المشركين، وركبت ناقة من إبل النبي حتى قدمت عليها المدينة، وكانت نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنّها،
стр. 925
فلما أخبرت الرسول تبسم وقال: «بئسما جزيتيها أن حملك الله عليها ونجاك بها، ثم تنحرينها، إنه لا نذر في معصية، ولا فيما لا تملكين، وإنما هي ناقة من إبلي» .
الوفاء حتى للحيوان
وإن هذه القصة لترينا حسن العهد، وغاية الوفاء اللذين كان يتخلق بهما رسول الله ﷺ ، هذا الوفاء الذي شمل بني الإنسان والحيوان، وقد كان هذا درسا علمه رسول الله هذه المرأة ليكون عبرة للأجيال، إن صاحب الخلق العظيم يعلمنا أن نقابل الإحسان بالإحسان، والجميل بالجميل، والنعم بالشكر، لا بالجحود والكفران، وأن الوفاء لازم حتى للحيوان. وبعد أن بيّن لها الرسول الكريم أن هذا وإن كان لا يليق خلقا ومروءة، فهو لا يجوز شرعا، إذ لا نذر في معصية ولا فيما لا يملكه الإنسان.
غزوة خيبر
وفي هذه السنة كانت غزوة خيبر، وبالانتصار فيها تم القضاء على شوكة اليهود في جزيرة العرب، وسنرجىء الكلام عليها إلى بحث موقف الإسلام من اليهود بعد الفراغ من حوادث هذا العام.
стр. 926
غزوة ذات الرقاع «١»
خرج فيها رسول الله ﷺ في جمع من أصحابه، قيل: أربعمائة وقيل:
سبعمائة قبل نجد يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان لما بلغه أنهم يجمعون الجموع له، واستخلف على المدينة أباذر، وقيل عثمان بن عفان، فساروا حتى وصلوا «نخلا» ، فلقي بها جمعا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وخاف المسلمون أن يأخذهم المشركون على غرّة، فصلى النبي بأصحابه صلاة الخوف، وذلك أن طائفة منهم صفّت مع النبي ﷺ ووقفت طائفة تجاه العدو، فصلّى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة الاخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم.
وقد ورد عن النبي في صفة صلاة الخوف كيفيات أخرى حملها بعض العلماء على التوسع والتخيير، وأن أية طريقة منها جائزة، وحملها البعض الاخر على اختلاف الأحوال، فإذا اشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤونة، وأقلها عملا.
وهذا يدل على يسر الإسلام وسماحته، وصلاحيته لكل زمان ومكان. وقد اختلف في تحديد وقتها، فالإمام البخاري يرى أنها كانت سنة سبع بعد خيبر وساق أدلته على ذلك، أما أصحاب السير فذهبوا إلى أنها قبل خيبر، وإن اختلفوا في تحديد زمانها، فقيل سنة أربع، وقيل سنة خمس، وقيل في أوائل سنة ست.
стр. 927
قدوم مهاجري الحبشة
وفي هذا العام وفد على النبي ﷺ بالمدينة من بقي من مهاجري الحبشة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب، ومعه بضعة وخمسون رجلا من أهل اليمن وهم الأشعريون، منهم أبو موسى الأشعري، وأخوه أبو بردة، وأبو رهم. ففي صحيح البخاري «١» عن أبي موسى أنه بلغهم مخرج النبي ﷺ وهم باليمن، فخرجوا مهاجرين إليه وركبوا سفينة، ولكن الرياح عاكستها، وألقت بها إلى الحبشة، فوافوا جعفرا وأصحابه هناك، فأقاموا معهم حتى بعث النبي عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي أن يجهّز إليه جعفرا ومن معه، فجهزهم وحملهم في سفينتين وعادوا مكرمين إلى المدينة.
وكان قدومهم بعد فتح خيبر، وقد سر النبي بمقدم جعفر وأصحابه، وقال: «ما أدري بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟» وكان فيمن قدم مع جعفر زوجته أسماء بنت عميس والسيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج الرسول، وخالد بن سعيد بن العاص، وزوجته، وولده، وعمرو بن سعيد بن العاص، والأشعريون.
ولما قدمت أسماء وراها الفاروق عمر قال لها: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت، وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله، يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار البعداء البغضاء، وذلك في الله،
стр. 928
وفي رسول الله. ثم أخبرت النبي بمقالة سيدنا عمر فقال لها: «ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» أي هجرتهم إلى الحبشة، ثم هجرتهم إلى المدينة، فما فرح أصحاب السفينة بشيء أعظم من فرحهم بمقالة الرسول.
ولما لهم من منزلة، ولما تحمّلوه في سبيل الإسلام قسم لهم جميعا من غنائم خيبر، ولم يقسم لأحد لم يشهدها غيرهم، إلا ما كان من أمر أبي هريرة فقد قدم على النبي مسلما وهو بخيبر بعد فتحها، فكلم النبي أصحابه في شأنه فأشركوه في غنيمتهم.
стр. 929
سرية بشير بن سعد
بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد الأنصاري لقتال بني مرة بناحية فدك، فلما ورد بلادهم لم ير منهم أحدا، فاستاق نعمهم، وكان القوم بالوادي فجاءهم الصريخ «١» ، فأدركوه ليلا وهو راجع، فتراموا بالنبل، ولما أصبح الصباح اقتتل الفريقان قتالا مريرا حتى قتل عامة من كان مع بشير، وصمد هو يومئذ صمود الأبطال، وما زال يقاتل حتى أثخنته الجراح، وظنوا أنه مات، ثم لم يلبث وقد انصرف عنه العدو أن تحامل على نفسه حتى جاء إلى رسول الله وأخبره الخبر.
سرية غالب بن عبد الله
وفي رمضان سنة سبع بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي إلى الميفعة «٢» من أرض بني مرة في جماعة من الصحابة، منهم أبو مسعود البدري، وكعب بن عجرة، وأسامة بن زيد، فأدرك أسامة بن زيد ورجل من الأنصار «مرداس بن نهيك» «٣» ، فلما شهرا عليه السيف قال: أشهد ألاإله إلا الله، فكفّ عنه الأنصاري وقتله أسامة، وقد لامه الصحابة على هذا حتى سقط في يده، فلما قدموا على رسول الله أخبروه فقال: «يا أسامة كيف لك بلا إله إلا الله» ؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها متعوذا من القتل، فقال النبي:
«فهلّا شققت عن قلبه فنظرت إليه» ؟! وما زال النبي يردد قوله: «فكيف لك
стр. 930
بلا إله إلا الله» حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم وقال: إني أعطي الله عهدا ألاأقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا، فقال النبي:
«بعدي يا أسامة» قال: بعدك. وهذا يدل على عظم حرمة كلمة التوحيد، وأن الرجل ما دام أظهر كلمة الإسلام فهو معصوم الدم.
وقد حدث مثل ذلك من المقداد وغيره من الصحابة متأولين «١» ، فأنزل الله هذا التأديب الإلهي في قوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً «٢» .
стр. 931
عمرة القضاء والقضية والقصاص «١»
ها هو العام قد استدار، وحلّ ميعاد عمرة القضاء، فما إن وافى ذو القعدة من عام سبعة حتى أذن مؤذن رسول الله أن يتجهزوا للعمرة، وخرج مع رسول الله ﷺ كل من كان معه بالحديبية إلا من مات أو استشهد، وخرج معه اخرون حتى بلغت عدتهم ألفين، واستخلف على المدينة عويف بن الأضبط الديلي وقيل أبارهم، وسار رسول الله يلبي والمسلمون يلبون بعد أن أحرموا بالعمرة، وساقوا أمامهم الهدي، وشهدت الصحراء هذا المشهد الرائع الذي لم تشهده من قبل، وعجّت الصحراء بالتهليل والتكبير والتلبية، والمسلمون يغذون السير يحدوهم الشوق إلى بيت الله الحرام، ويستخفهم الفرح بالعودة إلى البلد الطيب الذي فيه ولدوا، وعلى ترابه ترعرعوا، وفي مغانيه كانت ذكريات الطفولة ومارب الشباب.
وكان رسول الله- رعاية للحيطة، وأخذا للحذر- قد ساق أمامه الخيل وعليها محمد بن مسلمة، والسلاح مع بشير بن سعد، حتى إذا غدر أهل مكة
стр. 932
بهم أو أهاجهم هائج كان السلاح قريبا منهم، وفي مرّ الظهران التقى نفر من قريش بمحمد بن مسلمة في خيل المسلمين، ورأوا السلاح مع بشير بن سعد، فرجعوا سراعا فأخبروا قريشا، ففزعت قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا، وإنا على كتابنا وهدنتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ ولما بلغ رسول الله بطن يأجج حيث ينظر أنصاب الحرم «١» ترك الخيل والسلاح، وبعثت قريش مكرز بن حفص في نفر منهم فالتقوا بالنبي ببطن يأجج، فقالوا: يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، وقد شرطت ألاتدخل مكة إلا بالسيوف في القرب، فقال له النبي: «إني لا أدخل عليهم السلاح» فقال مكرز: هذا التي تعرف به: البر والوفاء.
ثم رجع إلى قريش فأخبرهم، فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وأخلوا مكة للمسلمين، واكتفوا بالنظر إليهم من عل، واستبدّ الحنق والغضب ببعضهم، فذهبوا إلى الخندمة كراهة أن ينظروا إلى النبي وإلى أصحابه، وتهيأ المسلمون لدخول البلد الحرام، وركب رسول الله على ناقته القصواء، وهؤلاء الغر الميامين والأبطال الأشاوس يحيطون به، وهم متوشحون سيوفهم، والكل يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» والبطل المقدام عبد الله بن رواحة اخذ بزمام الناقة وهو يرتجز ويقول:
خلّوا بني الكفار عن سبيله ... خلّوا فكل الخير في رسوله
يا ربّ إني مؤمن بقيله ... أعرف حقّ الله في قبوله
نحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
وأنكر ابن هشام أن البيتين الأخيرين من كلام ابن رواحة وأنهما لعمار بن ياسر يوم صفّين، وقال: إنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل. وفيما قاله نظر،
стр. 933
فإن موسى بن عقبة والحافظ البيهقي رويا هذا، والمسلمون قد قاتلوا المشركين على تأويله، كما قاتلوهم على ما أوجبه التنزيل «١» .
ودخل المسلمون المسجد الحرام ليطوفوا بالبيت، وكان المشركون قد أرجفوا وقالوا: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمّى يثرب، وتطلعوا من رؤوس الجبال ليروا الذين أضعفتهم الحمى والغربة، فلما علم النبي بهذه المقالة اضطبع بردائه وصار يهرول «٢» ، وأمر المسلمين أن يضطبعوا ويهرولوا وقال: «رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة» فكان إذا استلم الحجر الأسود هرول وهرولوا، حتى إذا استلم الركن اليماني وواراه البيت منهم مشى ومشوا حتى يستلم الركن عند الحجر الأسود، هكذا فعل الأشواط الثلاثة الأولى ومشى في الأربعة الباقية، ولولا الرحمة بهم، والإشفاق عليهم لهرول بهم الأشواط كلها.
وبعد الطواف وصلاة ركعتين عند مقام إبراهيم سعوا بين الصفا والمروة، ثم حلقوا وذبحوا هداهم، وبذلك تمت عمرتهم. ورأى المشركون هذا المشهد المؤثر المعبّر فخاب ظنهم، ولم يكتموا ما بأنفسهم، فقالوا: ما يرضون بالمشي، أما إنهم لينفرون نفر الظباء، وازدادوا كمدا إلى كمد.
إقامة النبي بمكة
ومكث النبي والمسلمون بمكة ثلاثة أيام، يطوفون بالبيت ويصلون، ويعبون من ماء زمزم، وقد قضوا بعض حاجات النفس المشوقة إلى بيت الله
стр. 934
الحرام، وفي صبح اليوم الرابع جاء سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى إلى رسول الله وهو يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب: نناشدك الله والعهد لما خرجت عن أرضنا فقد مضت الثلاث، فقال سعد: كذبت ليس بأرضك ولا بأرض ابائك والله لا يخرج، ولكن رسول الله حسم المخاصمة وقال لهما:
«إني قد نكحت فيكم امرأة- ميمونة- فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها، ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا» وذلك تطييبا لنفوسهم، وتأليفا لقلوبهم، ولكنهما أبيا فأمر رسول الله أبا رافع فأذّن بالرحيل، فارتحل الرسول وأصحابه حتى نزلوا بسرف- قرية قرب مكة- وأقاموا هناك، وفيها بنى النبي ﷺ بزوجه ميمونة، ثم ارتحلوا إلى المدينة وألسنتهم بالشكر والثناء على الله، أن صدق وعده، ونصر عبده وهم يرددون قول الله سبحانه:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً «١» .
حادثة وقضية
ولما خرج النبي من مكة تبعته فاطمة ابنة حمزة شهيد أحد وكانت جارية صغيرة، وقالت: يا عم يا عم، فتناولها علي وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فحملتها، فلما رجعوا إلى المدينة اختصم فيها علي، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وعندي ابنة رسول الله وهي أحق بها، وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي «٢» ، وقال زيد ابنة أخي «٣» ، فقضى النبي بها لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» ثم طيّب خاطر كل واحد
стр. 935
من هؤلاء الثلاثة فقال لعلي: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي» «١» وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» ولما كبرت قال علي للنبي:
ألا تتزوج ابنة حمزة فقال: «إنها ابنة أخي من الرضاعة» .
وإن لنا هنا لوقفة عند هذه القضية الشائكة، فكل من الثلاثة أدلى بحجته، وعلي وجعفر تربطهما بالنبي صلة القرابة الوثيقة، وهما بالنسبة للبنت أبناء عمومة، وزيد تربطه بالنبي علاقة تربية ومحبة، بهما اثر النبي على أهله حتى تبناه النبي، ثم أبطل ذلك الإسلام فيما أبطل، قضية محيّرة حقا، ولكن ذا القلب الكبير والعقل الواسع قضى فيها خير ما يكون القضاء، فزيد مهما نال من شرف الأخوة وحقها لحمزة فهو دون علي وجعفر في استحقاق ابنة حمزة، وقد يرى بعض بني هاشم في تربيتها في بيت مولى لهم ما يخل بمنزلتهم في قريش، أو ترى البنت الهاشمية في ذلك غضاضة عليها، فبقي التفاضل بين علي وجعفر، كلاهما من بني هاشم، وكلاهما ابن عم لها، وكلاهما من السابقين الأولين من المهاجرين ومنزلتهما في الإسلام معروفة، فليكن التفاضل بما وراء ذلك فمن ثمّ قضى بها لجعفر، لأن خالتها عنده والخالة كما قال الصادق المصدوق بمنزلة الأم.
وقد يبدو بادىء الرأي أن عليا كان أولى بها، لأنه ابن عم، وزوجه بنت عم لها، ولكن كيف؟ وابنة العم مهما بلغت من الكرم والتسامح والرعاية لن تكون كالخالة، وربما ترى في وجود ابنة العم معها- وهي من تحل لزوجها- منافسا لها، فلا تعجب إذا كان صاحب القلب المضيء، والنظر الرحيب، قد قضى بهذا القضاء العادل الحكيم، فقضى بها لجعفر، أو إن شئت الدقة فقل لخالتها التي عنده: أسماء بنت عميس، وهي من هي دينا وخلقا وتضحية في سبيل الله ورسوله.
ولا يخفى على العارف بالنفوس البشرية وما يدبّ فيها من الخواطر والهواجس ما عسى أن يداخل نفوسهم من ألم أو خواطر لفوات ما كانت تحب
стр. 936
وتهوى، أو هوان وضعف منزلة، فيطيب خاطر الثلاثة بهذه الأوصاف المشرّفة الموزونة بميزان عادل دقيق، لا يمكن أن يكون إلا ممن أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارا، وبهذا جمع النبي صلوات الله وسلامه عليه بين جلال الحق العادل وجمال تطييب الخاطر.
стр. 937
تشريعات وحوادث هذا العام
تحريم لحوم الحمر الأهلية وغيرها
وفي غزوة خيبر حرّم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية- الإنسية-، وحرم لحوم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر ﵄ قال: «نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» ورويا بسندهما عن أنس أن رسول الله ﷺ جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا ينادي في الناس:
«إن رسول الله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس، فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم» .
وروى مسلم عن ابن عباس قال: (نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير) وبينت رواية الترمذي أن ذلك كان في خيبر «١» .
تحريم نكاح المتعة
وفي خيبر أيضا حرم النبي نكاح المتعة، وهو النكاح لأجل، ولم يكن يستلزم طلاقا ولا عدّة، ولا يستوجب ميراثا، وقد كان هذا النكاح معروفا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أباحها في بعض الغزوات للضرورة القصوى، ففي
стр. 938
حديث ابن مسعود: (أنهم كانوا إذا غزوا اشتدت عليهم العزبة، فأذن لهم في الاستمتاع) .
وقد ورد في حل المتعة ثم تحريمها أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ففي الصحيحين عن علي رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن المتعة، عام خيبر، ولحوم الحمر الأهلية. وفي صحيح البخاري عن علي أيضا التصريح بأن نكاح المتعة نسخ. وتحرير المقال في هذا المقام الذي كثر فيه القيل والقال: إن تحريم المتعة بعد إباحتها وقع مرتين: الأولى يوم خيبر، والثانية يوم فتح مكة، أبيحت ثلاثة أيام ثم حرمت بعد ذلك تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الشيعة.
وكان ابن عباس ﵁ يقول بإباحتها، وروي عنه أنه رجع عنه، بل قد ورد عنه أنه كان يبيحها للضرورة، فقد روى الخطابي والفاكهي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء، فقال: والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر، فإذا ثبت ذلك وأنه رجع عن مقالته فقد تأكد الإجماع على حرمتها بعد الفتح إلى يوم القيامة، وأجمع العلماء على أنه متى وقع نكاح المتعة الان حكم ببطلانه سواء كان قبل الدخول، أو بعده، إلا ما ورد عن زفر من الحنفية في أنه يتأبد نكاحه، وكأنه يرى التوقيت من باب الشروط الفاسدة في النكاح، فإنها تلغى ويصح النكاح.
ولا أدري كيف يستحل الشيعة نكاح المتعة، ويقولون ببقائه بعد ما ثبت في الصحيحين عن الإمام علي ﵁ أن النبي ﷺ نهى عنها وأنها منسوخة «١» ؟! والحق أحق أن يتبع.
стр. 939
زواج النبي بصفية بنت حييّ النضرية
هي السيدة صفية بنت حييّ بن أخطب من ذرية هارون بن عمران، ومن سبط لاوي بن يعقوب، ولما أجلى النبي يهود بني النضير من المدينة ذهب عامتهم إلى خيبر، وفيهم أبوها حييّ سيد بني النضير وبنو أبي الحقيق، وكانت صفية حينئذ دون البلوغ، فلما بلغت تزوجها سلّام بن مشكم، ثم خلفه عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان عنده كنز بني النضير، فجيء به إلى الرسول بعد هزيمة يهود خيبر، فسأله عن الكنز فجحده، فقال له النبي:
«أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك» ؟ قال: نعم، فأتى رسول الله رجل من اليهود فقال: يا رسول الله، إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فأمر الرسول بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض الكنز، ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤديه، فدفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة الذي قتله اليهود في خيبر.
ولما فتح المسلمون القموص- حصن بني أبي الحقيق- كانت صفية في السبي، فأعطاها دحية الكلبي، فجاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قومها، وهي ما تصلح إلا لك، فاستحسن النبي ما أشار به الرجل، وقال لدحية: «خذ جارية من السبي غيرها» ثم أخذها رسول الله وأعتقها وجعل عتقها صداقها. وهكذا ردّ النبي إليها بصنيعه هذا اعتبارها، وحفظ لها شرفها وسيادتها.
وذكر ابن سعد عن الواقدي قال: لم يخرج النبي من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها، فحملها وراءه، فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر
стр. 940
مال يريد أن يعرّس بها فأبت عليه، فوجد في نفسه، فلما كان بالصهباء نزل بها هناك فمشطتها أم سليم، وعطرتها، وزفتها إلى النبي وبنى بها، فسألها:
«ما حملك على الامتناع من النزول أولا» ؟ فقالت خشيت عليك من قرب اليهود، فعظمت في نفسه، ومكث رسول الله بالصهباء ثلاثة أيام، وأولم عليها ودعا المسلمين، وما كان فيها من لحم وإنما التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطّأ لها خلفه ومدّ عليها الحجاب، فأيقنوا أنها إحدى أمهات المؤمنين.
وقد بلغ من إكرام النبي لها أنه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته لتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب، وقد بلغ من أدبها أنها كانت تأبى أن تضع رجلها على ركبته، فكانت تضع ركبتها على ركبته وتركب.
ولما كانت ليست بعربية ولا قرشية كان بعض نساء النبي يدللن عليها ويحاولن النيل منها، ولكن العادل المنصف، وناصر الضعفاء كان ينتصر لها، وينافح عنها، ويلقنها كيف ترد عليهن، فقد بلغ النبيّ أن عائشة وحفصة نالتا منها، فقال لها: «ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى» رواه الترمذي، بل بلغ من انتصار النبي لها أن هجر زينب بنت جحش مدة لنيلها منها، ووصفها لها باليهودية «١» .
فلا عجب أن كانت تحب رسول الله حبا جما، وشديدة الوفاء والإخلاص له، ففي مرض موته اجتمع نساؤه حوله، فقالت صفية: يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمزن ببصرهن، فقال: «مضمضن» فقلن: من أي شيء؟
فقال: «من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة» .
وقد روت عن النبي الأحاديث، وروي عنها، وكانت صفية عاقلة حليمة صادقة، يروى أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث إليها فسألها عن ذلك، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما،
стр. 941
فأنا أصلها، فقبل منها، ثم قالت للجارية: ما حملك على هذا؟ قالت:
الشيطان، فقالت لها: اذهبي فأنت حرة. وكانت وفاتها في رمضان سنة خمسين في زمن معاوية، وقيل سنة اثنتين وخمسين ﵂ وأرضاها «١» .
حكمة زواجه بها
ومما ذكرنا يتبين لنا أن النبي لم يرد بزواجه منها قضاء شهوة، أو إشباعا للغريزة الجنسية كما يزعم الأفاكون، وإنما أراد إعزازها وتكريمها وصيانتها من أن تفترش لرجل لا يعرف لها شرفها ونسبها في قومها، هذا إلى ما فيه من العزاء لها فقد قتل أبوها من قبل وزوجها وكثير من قومها، ولم يكن هناك أجمل مما صنعه الرسول معها، كما أن فيه رباط المصاهرة بين النبي واليهود عسى أن يكون هذا ما يخفف من عدائهم للإسلام، والانضواء تحت لوائه، والحد من مكرهم وسعيهم بالفساد، وقد ضرب النبي بزواجه بها بعد أن أعتقها في باب التسامح والعفو المثل الأعلى فطالما نال النبي والمسلمين من قومها الشر الكثير، ولا سيما أبوها الذي جمع الجموع في الأحزاب وكان دائم التأليب على النبي، وكان للنبي أن يدعها مملوكة له يستحقها بملك اليمين، أو يتركها سبية عند رجل ربما لا يعرف لها قدرها، ولكنه النبي الإنسان الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه وأوفى في مكارم الأخلاق على الغاية.
حراسة أبي أيوب للنبي
ولما أعرس الرسول بصفية في قبة له، بات السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري يحرس رسول الله ويطيف بالقبة من بعد، فلما أصبح الصباح ورأى النبي مكانه قال: «مالك يا أبا أيوب» ؟ قال: يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة، وقد قتل أبوها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فسرّ الرسول بعمله الذي ينبىء عن غاية الحب والإيمان وقال: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحرسني» .
стр. 942
زواج النبي بميمونة بنت الحارث
وفي ذي القعدة من هذا العام تزوج النبي ﷺ السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية، أخت أم الفضل لبابة الكبرى زوج عمه العباس، وكانت قبل النبي عند أبي رهم بن عبد العزّى وقيل عند حويطب بن عبد العزى «١» ، وكانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فعرضها العباس- وقد تأيّمت- على رسول الله فقبل «٢» ، وأصدقها العباس عن الرسول أربعمائة درهم ولما بلغتها خطبة النبي وهي راكبة على بعير قالت: الجمل وما عليه لرسول الله، وقد أراد النبي أن يدخل بها وهو بمكة، فأبى المشركون ذلك كما ذكرنا، فخرج وبنى بها وهو بسرف.
وكانت اخر امرأة تزوجها رسول الله ممن دخل بهن كما قال ابن سعد، وقد اختلفت الروايات في الصحيحين وغيرهما أتزوجها النبي وهو محرم أم وهو حلال؟ فعن ابن عباس تزوجها وهو محرم، وروى غيره أنه تزوجها وهو حلال، فمن ثمّ جمع العلماء بين الروايات بأنه عقد عليها وهو محرم ودخل بها وهو حلال بعد قضاء عمرته، وقد شاء الله أن تكون وفاتها بسرف حيث بنى بها النبي، ودفنت هناك، وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين وقيل سنة إحدى وستين، فرضي الله عنها وأرضاها «٣» .
стр. 943
الحكمة في زواجها
قد سمعت أن العباس عرضها على الرسول فكان من أدب النبي مع عمه- والعم صنو الأب- ألايرد له رغبة شريفة، ولا سيما أن في تحقيق هذه الرغبة توثيق الصلة بعمه العباس، وتأليفه إلى الدخول في الإسلام، وبزوج عمه أم الفضل وهي من السابقات إلى الإسلام، وبابن عمه جعفر فقد كانت زوجه أسماء بنت عميس أختا لميمونة من أمها، كما كانت سلمى بنت عميس زوجة سيد الشهداء حمزة أختا لها من أمها.
ولعل النبي أراد ما هو أهم من هذا وهو استمالة البطل المغوار خالد بن الوليد، فقد كانت ميمونة أختا لأمه لبابة الصغرى، هذا إلى ما في زواج الرسول بها من توثيق صلته بقبيلة من أشرف القبائل العربية، وهم بنو هلال وبغيرها من قبائل العرب؛ فقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب «١» أن ميمونة بنت الحارث كان لها ثلاث أخوات شقيقات، وأربع أخوات من أمها، وكلهن كنّ متزوجات في أشرف القبائل، وبعضهن كنّ من المنجبات، ولأولادهن منازل عالية في الإسلام، وكان النبي يسمي لبابة الكبرى، وميمونة، وأسماء، وسلمى: (الأخوات المؤمنات) وبحسبهن ذلك شرفا.
стр. 944
موقف النّبيّ ﵇ من اليهود وموقفهم منه
ذكرنا فيما سبق أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وادع اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابا شرط لهم فيه وشرط عليهم، وأقرهم على دينهم بشرط أن لا يغدروا، ولا يمالئوا عليه عدوا، ولكن اليهود قوم في طبيعتهم الغدر والدس والخيانة، فقابلوا هذا الإحسان بالإساءة، وحاربوا الدعوة الإسلامية بأساليبهم الماكرة حربا لا هوادة فيها، فقد هموا بقتل النبي وهو بدارهم لولا أن عصمه الله منهم، وطالما سعوا في إفساد ما بين المسلمين ولا سيما الأوس والخزرج من أخوة ومحبة كانت بفضل اعتناقهم الإسلام، وكثيرا ما نقضوا العهود وحاولوا طعن المسلمين من ظهورهم، وكثيرا ما ألّبوا عليه المشركين والقبائل كما حدث في غزوة الأحزاب.
وهكذا كانت حياتهم في المدينة وما جاورها سلسلة من المخازي، والمؤامرات الدنيئة، فلم يكن بدّ من أن يقف النبي منهم موقفا حازما، فأجلاهم عن المدينة واستراح من شرورهم، وقتل من يستحق منهم القتل، ولم تأت السنة السابعة حتى تقوّض سلطانهم في شبه الجزيرة، ولم يعد لهم شأن يذكر، وأذعنوا لسلطان الإسلام وسطوته. وهذا إيجاز يحتاج إلى تفصيل، وإليك البيان.
محاولتهم الوقيعة بين الأوس والخزرج
مرّ شاس بن قيس- وكان شيخا كبيرا عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين- على نفر من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام، بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من
стр. 945
العداوات والإحن فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة- الأوس والخزرج- بهذه البلاد، لا والله ما لنا إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من اليهود كان معه فذكّرهم بيوم بعاث «١» وما كان فيه، وما تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم وتفاخروا، وتواثبوا حتى قال أحدهم للاخر: إن شئتم رددتها- أي الحرب- الان جذعة، وغضب الفريقان، وتنادوا: السلاح السلاح موعدكم الحرة.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فذهب إليهم في جماعة من المهاجرين حتى جاءهم فقال: «يا معشر المسلمين، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟! الله الله» .
فأفاق القوم من غضبهم، وعلموا أنها نزغة شيطانية وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح، وبكوا، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين، وفي هذا نزل قول الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. إلى قوله: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «٢» .
ولولا حكمة النبي لكان من وراء هذه الفتنة شر كثير.
стр. 946
الجدل بين اليهود والمسلمين
من مخازي بني إسرائيل وأكاذيبهم
وثارت بين المسلمين واليهود حرب كلامية، تدرّع فيها اليهود بالأباطيل والاختلاق على الله وعلى الرسل، ونسبوا إليهم ما لا يليق بهم، روى ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر ﵁ بيت المدراس «١» فوجد من اليهود ناسا كثيرين قد اجتمعوا على رجل منهم يقال له:
فنحاص «٢» بن عازوراء من علمائهم وأحبارهم، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة، وإنه إلينا لفقير، وإنا عنه لأغنياء!! لو كان غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم «٣» ، ينهاكم عن الربا ويعطيناه؛ ولو كان غنيا ما أعطانا الربا!!
فغضب الصديق وضرب وجهه ضربة شديدة- على ما كان يتصف به الصديق من الحلم والرزانة والوقار- وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص شاكيا إلى رسول الله، فقال الرسول لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت» ؟ فأخبره بمقالة فنحاص وتجرئه على الله، فجحد فنحاص، فأنزل الله :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ... الايتين «٤» .
стр. 947
وزعموا أيضا أن الله أخذ عليهم العهد ألايؤمنوا برسول حتى يقدّم قربانا، فتأتي نار من السماء فتأكله، وأنهم لن يؤمنوا برسول الله حتى يكون كذلك؛ وقد أكذبهم الله ورد عليهم ردا مفحما فقال:
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» .
وقد يستبد ببعضهم الغضب والحمق فينكر بعض الحقائق الثابتة التي يقر بها، جاء مالك بن الصيف ليخاصم النبي ﷺ فقال له النبي: «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين» وكان حبرا سمينا- فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فلما لامه أصحابه على مقالته قال: أغضبني محمد فقلت ذلك، وقد ذكر الله مقالتهم والرد عليها في قوله:
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
«٢» .
إلى غير ذلك مما أثاروه من جدل حول تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأي المسجدين أفضل: الكعبة، أم بيت المقدس «٣» ؟، وأي النبيين هو الذبيح إسماعيل أم إسحاق «٤» ؟، وحكم الزاني المحصن في التوراة أهو الرجم أم الجلد؟ وتحريفهم للتوراة، ولا سيما فيما يتعلق بالبشارة بالنبي،
стр. 948
وقد كانوا قبل البعثة المحمدية يقولون للأوس والخزرج: إنه قرب زمان نبي يبعث في اخر الزمان سنتبعه وسنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما جاءهم النبي العربي المؤيد بالوحي والمعجزات الباهرة كفروا وعاندوا، وصدق الله في قوله:
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ «١» .
وهكذا ثارت حرب كلامية في هذه المسائل وغيرها، وكان للمسلمين فيها الغلب والحجة ولليهود البهت والعجز.
اليهود بالجزيرة العربية
كان يساكن المسلمين بالمدينة يهود بني قينقاع، ويهود بني النضير، ويهود بني قريظة، كما كانت تسكن منهم جالية كبيرة بخيبر وما جاورها. وإليك ما حاكوه من دسائس، وما همّوا به من شر، وما قاموا به من مناهضة للدعوة، لترى أن النبي ﷺ كان على حق فيما صنع معهم، وأن إجلاءهم كان لابدّ منه لتأمين الدعوة.
стр. 949
يهود بني قينقاع
لما انتصر المسلمون ببدر حرك هذا الأحقاد في نفوس الأعداء ولا سيما اليهود، وصاروا يرجفون بالمدينة، فرأى رسول الله ﷺ أن يعظهم بالحسنى ويدعوهم إلى ترك المعاندة والدخول في الإسلام، فذهب رسول الله إلى يهود بني قينقاع، وجمعهم في سوق لهم، ثم قال: «يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم» .
فقالوا: (يا محمد لا يغرّنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحروب فأصبت منهم فرصة، أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس) ، وتمادوا في غيهم، فأنزل الله في شأنهم محذرا قوله تعالى:
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ.
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ ... الاية «١» .
يريد سبحانه فئتي المؤمنين والكافرين في بدر فلم يرعووا.
تماديهم في الشر
وتمادوا في الشر ولم يعبأوا بالقيم الخلقية، والتقاليد الكريمة العربية، ذلك أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع؛ ثم جلست إلى
стр. 950
صائغ هناك منهم، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى عمل مشين، فقد عقد طرف ثوبها إلى ظهرها وهي لا تشعر؛ فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت واستغاثت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، فتجمع اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين فغضب المسلمون ووقع الشر بينهم وبين اليهود.
ولا تنس ما لهذا العمل الدنيء من إثارة النفوس العربية التي جبلت على حماية الأعراض، وصيانة النساء من مثل هذا العبث، والاستهانة بكل شيء في سبيل الشرف والكرامة.
غزوة بني قينقاع
لذلك لم يجد النبي بدا من غزوهم وقد نقضوا العهد بهذه الفعلة النكراء، وأخبرهم بنقض العهد الذي كان بينه وبينهم تأدبا بأدب القران في هذا حيث يقول:
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «١» .
ثم حاصرهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكم الله ورسوله، فاستشار الرسول كبار أصحابه فأشاروا بقتلهم، وكان لهم حليفان: عبد الله بن أبيّ المنافق، وعبادة بن الصامت، فأما عبادة فقد تبرأ إلى الله ورسوله منهم وقال: (يا رسول الله، أتولّى الله ورسوله وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم) «٢» . وأما ابن أبي فقال: (يا محمد أحسن في موالي) ، فأعرض عنه الرسول، ثم كرر مقالته والرسول يعرض عنه، وما زال يلح على الرسول ويقول: (إني أخشى الدوائر) ، حتى قبل شفاعته فيهم على أن يخرجوا من المدينة ولهم النساء والذرية وللمسلمين الأموال.