← Сира

Сира · id 9898

السيرة النبوية وأخبار الخلفاء من الثقات لابن حبان

ابن حبان

Полный текст (598 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بدر مرتدين عن الإسلام وبايعه بنو عامر على مثل ذلك، وتربصوا ينظرون الوقعة بين المسلمين وبين بني أسد وفزارة. وقد كان أمر رسول الله ﷺ الذين بعثهم على الصدقات قد جمعوا ما كان على الناس منها، فلما بلغهم وفاة رسول الله ﷺ فأما عدي بن حاتم فتمسك بالإسلام وبقي في يده الصدقات، وكذلك الزبرقان بن بدر، وأما مالك بن نويرة فأرسل ما في يده وقال لقومه: قد هلك هذا الرجل فشأنكم بأموالكم، وقد كانت طيء وبنو سعد كلمهما «١» عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر فقالا «٢» - وهما كانا «٣» أحزم رأيا وأفضل في الإسلام رغبة من مالك بن نويرة- لقومهما: لا تعجلوا فإنه ليكونن لهذا الأمر قائم، فإن كان ذلك كذلك ألقاكم ولم تبدلوا دينكم ولم تعزلوا أمركم، وإن كان الذي «٤» تطلبون فلعمري إن ذلك أموالكم بأيديكم، لا يغلبنكم عليها أحد غيركم، وسكناهم «٥» بذلك حتى أتاهم خبر الناس واجتماعهم على أبي بكر بعد رسول الله ﷺ وبيعة المسلمين إياه فبعثا ما بأيديهم من الصدقة إلى أبي بكر، فلم يزل أبو بكر يعرف فضلهما «٦» على من سواهما من المسلمين. وجاء العباس وفاطمة إلى أبي بكر يلتمسان ميراثهما من النبي ﷺ وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث «٧» ما تركناه «٧» صدقة. إنما يأكل محمد من هذا المال، وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلا صنعته فيه. فهرجته فاطمة ولم تكلمه حتى ماتت.

стр. 422

ثم جهز أبو بكر الجيش ليقاتل من كفر من العرب، فترك إعطاء الصدقات وارتد «١» عن الإسلام، فقال له عمر: كيف تقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» ، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والذي نفس أبي بكر بيده! لو منعوني عقالا أو عناقا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه حتى آخذها، قال عمر: فلما رأيت شرح صدر أبي بكر لقتالهم علمت أنه الحق «٢» . فأمر أبو بكر على الناس خالد بن الوليد وأمر ثابت بن قيس بن شماس على الناس الأنصار» وجمع «٤» أمر الناس إلى خالد بن الوليد، ثم أمرهم أن يسيروا وسار معهم مشيعا حتى نزل ذا القصة «٥» من المدينة على بريد وأميال فضرب معسكره وعبأ جيشه ثم تقدم إلى خالد بن الوليد وقال: إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم أذانا للصلاة فأمسكوا عنها «٦» حتى تسألوهم ما الذي يعلمون، وإن لم تسمعوا الأذان فشنوا الغارة واقتلوا وحرقوا، ثم أمر خالد بن الوليد أن يصمد «٧» لطليحة وهو على ماء من مياه بني أسد؛ وكان طليحة يدعي النبوة وينسج «٨» للناس الأكاذيب والأباطيل ويزعم أن جبريل يأتيه، وكان يقول للناس: أيها الناس! إن الله لا يصنع بتعفير «٩» وجوهكم وقبح أدباركم شيئا، واذكروا الله «١٠» قعودا و «١٠» قياما، وجعل يعيب

стр. 423

الصلاة ويقول: إن الصريح تحت الرغوة «١» ، وكان أول ما ابتلى من الناس طليحة أنه أصلب هو وأصحابه العطش في منزلهم فيه، فقال طليحة فيما شجع لهم من أباطيله: اركبوا علالا يعني فرسا، واضربوا أميالا «٢» تجدوا قلالا «٣» ؛ ففعلوا فوجدوا ماء، فافتتن الأعراب به، ثم قال أبو بكر لخالد بن الوليد: لآتيك «٤» من ناحية خيبر إن شاء الله فيمن بقي من المسلمين، وأراد بذلك أبو بكر [أن] «٥» يبلغ الخبر الناس بخروجه إليهم، ثم ودع خالدا «٦» ورجع إلى المدينة. ومضى خالد بالناس وكانت بنو فزارة وأسد يقولون: والله! لا نبايع أبا الفصيل «٧» - يعنون أبا بكر، وكانت طيء على إسلامها، لم تزل عنه مع عدي بن حاتم ومكنف بن زيد الخيل، «٨» فكانا يكالبانها ويقولان «٨» لبني فزارة: والله! لا نزال نقاتلكم إن شاء الله، فلما قرب خالد بن الوليد من القوم وبعث عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم «٩» أخا بني العجلان طليعة أمامه، وخرج طليحة بن خويلد المتنبىء وأخوه سلمة بن خويلد أيضا طليعة لمن وراءهما فالتقيا عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم «١٠» فانفرد طليحة بعكاشة، وسلمة بن [خويلد] «١١» بثابت، فأما سلمة فلم يلبث «١٢» ثابتا أن قتله؛ ثم صرخ طليحة وقال: يا سلمة! أعني على الرجل فإنه قاتلي، فاكتنفا عكشاة

стр. 424

حتى قتلاه، وكرا «١» راجعين إلى من وراءهما، فلما وصل خالد والمسلمون إلى ثابت بن أقرم «٢» وعكاشة بن محصن وهما قتيلان عظم ذلك على المسلمين وراءهم «٣» ، ثم مضى خالد حتى نزل على طيء في خللهم سلمى «٤» ؛ فضرب معسكره وانضم إليه من كان من المسلمين في تلك القبائل، ثم تهيأ للقتال وسار إلى طليحة وهو على مائة، والتقى معه طليحة في سبعمائة رجل من بني فزارة، فاقتتلوا قتالا شديدا وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر، يتنبأ ويسجع، فهز عيينة بن حصن الحرب وشد القتال ثم كر على طليحة فقال: هل «٥» جاءك جبريل بعد؟ قال: لا، فرجع عيينة وقاتل حتى إذا هزته الحرب كر عليه ثانيا وقال: لا أبا لك! هل جاءك جبريل بعد؟ قال: نعم! قال: فماذا قال لك، قال: [قال] «٦» لي: إن لك رحى كرحاه، وحديثا لا تنساه، قال عيينة: أظن الله أنه قد علم أنه سيكون لك حديث «٧» لا تنساه «٨» يا بني فزارة «٨» هكذا، فانصرفوا فهذا والله كذاب، فانصرف وانصرفت معه فزارة وانهزم الناس، وكان طليحة قد أعد فرسا له عنده وهيأ بعيرا لا مرأته النوار، ثم اجتمعت إليه فزارة وهم مبارزون «٩» فقالوا: ما تأمرنا فلما سمع منهم ذلك استوى على فرسه وحمل امرأته على البعير ثم نجابها، وقال لهم: من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت وينجو بأهله فليفعل. ثم سلك الحوشية «١٠» حتى لحق بالشام وانصرفت فزارة، وقتل منهم من قتل، ثم دخلت

стр. 425

القبائل في الإسلام على ما كانوا عليه من قبل. فلما فرغ خالد من بيعتهم أوثق عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة بن سلمة وبعث بهما إلى أبي بكر، فلما قدما عليه قال قرة: يا خليفة رسول الله! إني كنت مسلما، وإن عند عمرو بن العاص من إسلامي شهادة، قد مر [بي] «١» فأكرمته وقربته، وكان عمرو بن العاص هو الذي جاء بخبر الأعراب، وذلك أن عمرا كان على عمان، فلما أقبل راجعا إلى المدينة مر بهوازن وقد انتقضوا وفيهم سيدهم قرة بن هبيرة، فنزل عليه عمرو بن العاص فنحر له وأقراه وأكرمه؛ فلما أراد عمرو الرحيل خلى به قرة بن هبيرة وقال: يا عمرو! إنكم معشر قريش إن أنتم كففتم عن أموال الناس وتركتموها لهم- يريد الصدقات- فقمن أن يسمع لكم الناس ويطيعوا، فإن أنتم أبيتم إلا أخذ أموالهم فإني والله ما أرى العرب مقرة بذلك لكم ولا صابرة عليه حتى تنازعكم أمركم ويطلبوا ما في أيديكم، فقال عمرو بن العاص: أبا العرب تخوفنا موعدك، أقسم بالله! لأوطئنه «٢» عليك الخيل. ثم مضى عمرو» حتى قدم المدينة على أبي بكر وأخبره الخبر قبل خروج خالد إليهم، فتجاوز أبو بكر عن قرة ابن هبيرة وعيينة بن حصن وحقن لهما دماءهما «٤» . ولما فرغ خالد بن الوليد من بيعة بني عامر وبني أسد قال: إن الخليفة قد عهد إليّ أن أسير إلى أرض بني غانم، فسار حتى نزل بأرضهم وبث فيها السرايا فلم يلق بها جمعا، وأتى بمالك بن نويرة في رهط من بني تميم وبني حنظلة فأمر بهم فضربت أعناقهم وتزوج مكانه أم تميم «٥» امرأة مالك بن نويرة، فشهد أبو قتادة لمالك بن نويرة بالإسلام عند أبي بكر، ثم رجع خالد يؤم المدينة فلما قدمها دخل

стр. 426

المسجد وعليه درع معتجرا «١» بعمامة وعليه قباء عليه صدأ الحديد، قد غرز في عمامته أسهما، فقام إليه عمر بن الخطاب فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها «٢» ثم قال: أقتلت امرأ مسلما مالك بن نويرة ثم تزوجت امرأته؟ والله! لنرجمنك بأحجارك، وخالد بن الوليد لا يكلمه ولا يظن إلا [أن] «٣» رأى أبي بكر على مثل [رأى] «٣» عمر حتى دخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه أنه لم يعلم، فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان منه في «٤» حربه تلك «٤» ؛ فخرج خالد من عنده وعمر جالس في المسجد فقال: هلم إليّ ابن أم شملة «٥» ! فعرف أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلمه فقام فدخل بيته. ثم ماتت «٦» فاطمة بنت رسول الله ﷺ بعد أبيها بستة أشهر فدفنها عليّ ليلا ولم يؤذن به أبا بكر ولا عمر، وكان لعلي جهة من الناس حياة فاطمة، [فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن عليّ، فلما رأى انصراف الناس] «٧» ضرع عليّ إلى مصالحة أبي بكر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا تأتنا معك بأحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدته، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، فقال أبو بكر: والله! لآتينهم وحدي، وما عسى أن «٨» يصنعوا بي «٨» ؟ فانطلق أبو بكر وحده حتى دخل على عليّ وقد جمع بني هاشم عنده؛ فقام عليّ وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير «٩» ساقه الله

стр. 427

إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا «١» حقا فاستبددت «٢» به علينا، ثم ذكر قرابته من رسول الله ﷺ وحقهم، ولم يزل عليّ يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما صمت عليّ تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد! والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إليّ أن أصل من قرابتي، وإني والله ما أعلم «٣» [في] «٤» هذه الأمور التي كانت بيني وبين عليّ إلا الخير «٥» ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذه المال قوتا» . وإني والله لا أدع أمرا صنع فيه رسول الله ﷺ إلا صنعته إن شاء الله؛ ثم قال: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليّا ببعض ما اعتذر به، ثم قام عليّ فعظم من حق أبو بكر وذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه، وأقبل الناس على عليّ فقالوا: أصبت وأحسنت. [ثم] «٦» توفي عبد الله بن أبي بكر الصديق وكان أصابه سهم بالطائف مع النبي ﷺ رماه ابن محجن ثم دمل الجرح، فمات في شوال بعد الظهر، ونزل حفرته عبد الرحمن بن أبي بكر وعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله «٧» ، ودخل عمر على أبي بكر وهو آخذ بلسانه ينصنصه فقال له عمر: يا خليفة رسول الله ﷺ ! الله الله! فقال أبو بكر: هذا أوردني «٨» الموارد. فلما دخل شهر ذي الحجة حج عمر بن الخطاب سنة إحدى عشرة، واشترى مولاه أسلم في حجته تلك ثم رجع إلى المدينة.

стр. 428

ثم وجه أبو بكر خالد بن الوليد إلى اليمامة وكان مسيلمة قد تنبأ بها في حياة رسول الله ﷺ . وكان أمره ضعيفا، ثم وفد «١» إلى النبي ﷺ ورجع إلى قومه فشهد رجال بن عنفوة «٢» لأهل اليمامة أن رسول الله ﷺ قد أشركه في الأمر فعظم فتنته عليهم. وخرج خالد بن الوليد بالمهاجرين والأنصار حتى إذا دنا من اليمامة نزل واديا من أوديتهم فأصاب في ذلك الوادي مجاعة بن مرارة في عشرين رجلا منهم كانوا خرجوا يطلبون رجلا من بني تميم «٣» وكان أصاب لهم دما في الجاهلية فلم يقدروا عليه فباتوا «٤» بذلك الوادي فلم ينبههم إلا خيل المسلمين قد وقفت عليهم فقالوا: من القوم؟ فقالوا: بنو «٥» حنيفة، قال: فلا أنعم لكم علينا، ثم نزلوا فاستوثقوا منهم، فلما «٦» أصبح دعاهم خالد بن الوليد فقال: يا بني حنيفة! ما تقولون؟ فقالوا: منا نبىء ومنكم نبىء، فعرضهم خالد على السيف حتى بقي سارية ابن عامر ومجاعة بن مرارة. فقال له سارية: يا أيها الرجل! إن كنت تريد هذه القرية فاستبق هذا الرجل، وأوثق مجاعة في الحديد ودفعه إلى أم تميم امرأته وقال: استوصي به خيرا، وضرب عنق سارية بن عامر، ثم سار بالمسلمين حتى نزل على كثيب «٧» مشرف على اليمامة وضرب معسكره هناك، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة، وتصاف الناس، وكان خالد جالسا على سريره ومجاعة مكبل عنده والناس على مصافهم إذ رأى بارقة في بني حنيفة فقال خالد: أبشروا يا معشر المسلمين! قد

стр. 429

كفاكم الله عدوكم واختلف القوم، فكر «١» مجاعة إليه وهو مكبل فقال: كلا والله إنها الهندوانية «٢» خشوا من «٣» تحطمها فأبرزوها «٣» للشمس لتلين «٤» لهم، فكان كما قال، فلما التقى الناس كان أول من خرج رجّال بن عنفوة «٥» فقتل؛ واقتتل المسلمون قتالا شديدا حتى انهزم المسلمون، وخلص أصحاب مسيلمة إلى الرحال ودخلوا فسطاط خالد بن الوليد وفيه مجاعة مكبلا» عند أم تميم امرأة خالد، فحمل عليها رجل بالسيف فقال مجاعة: أنا لها جار فنعمت الحرة، عليكم بالرجال، فرحبلوا الفسطاط بالسيف، [ثم إن المسلمين تداعوا] «٧» فقال ثابت بن قيس بن شماس: بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين، اللهم «٨» إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء المسلمون، ثم أخذ سيفه حتى جالد به حتى قتل، ورأى زيد بن الخطاب انكشاف المسلمين عن رحالهم فتقدم فقاتل حتى قتل؛ وقام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك وكان البراء- فيما يقال- إذا حضر البأس أخذه انتفاض «٩» حتى يقعد عليه الرجال ثم يبول في سراويله، فإذا بال صار مثل السبع، فلما رأى ما صنع المسلمون «١٠» من الانكشاف وما رأى من أهل اليمامة أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد «١١» عليه الرجال، فلما بال وثب فقال: أين يا معشر المسلمين؟ أنا البراء بن مالك، هلموا إليّ فاجتمع عنده جماعة من المسلمين فقاتل القوم قتالا شديدا حتى

стр. 430

خلصوا إلى محكم اليمامة، وهو محكم بن الطفيل «١» ، فلما بلغه القتال قال: يا معشر بني حنيفة! الآن والله تستحقب «٢» الكرائم غير رضيات «٣» وينكحن غير حظيات «٤» ، فما كان عندكم من حسب فأخرجوه، ثم تقدم فقاتل قتالا شديدا فرماه عبد الرحمن بن أبي بكر بسهم فوضعه في نحره فقتله، وزحف المسلمون حتى ألجأوهم إلى الحديقة وفيها «٥» مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين! ارموني عليهم في الحديقة، فقال الناس: لا تفعل يا براء! فقال: والله أفعل فاحتمل حتى أشرف على الجدار فاقتحم فقاتلهم حتى فتحها الله للمسلمين، ودخل عليهم المسلمون، وقتل مسيلمة، اشترك وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار في قتله، فرماه وحشي بحربته وضربه الأنصاري بسيف، فكان «٦» وحشي يقول: [ربك] «٧» أعلم أينا قتله! قتلت: خير الناس وشر الناس. فلما فرغ المسلمون من مسيلمة، وأتى خالدا الخبر فخرج «٨» بمجاعة في الحديد «٩» يرسف معه «٩» ليدله على مسيلمة، وكان يكشف القتلى حتى مر بمحكم بن الطفيل، وكان رجلا جسيما وسيما فقال خالد: هذا صاحبكم، فقال مجاعة: لا! هذا والله خير منه وأكرم، هذا محكم اليمامة، ثم دخلوا الحديقة وقلبا «١٠» القتلى فإذا رويجل أصيفر أخينس «١١» فقال مجاعة: إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس

стр. 431

وإن جماهير الناس في الحصون، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله إن ذلك لحق، فهلم أصالحك على قومي «١» ، فصالحه خالد بن الوليد على الصفراء والبيضاء [والحلقة] «٢» ونصف السبي، ثم قال لمجاعة: امض إلى القوم فاعرض ما صنعت، فانطلق إليهم ثم قال للنساء: البسن الحديد ثم أشرفن على الحصون، ثم انتهى إلى خالد قال: إنهم لم يرضوا على مصالحتك عليه، ولكن إن شئت شيئا صنعت وعرضت على القوم! [قال: ما هو؟ قال] «٢» : تأخذ ربع السبي ربعا «٣» ، قال خالد: قد فعلت! قال: قد صالحتك، فلما فرغا دخلوا الحصن فإذا ليس «٤» رجل واحد «٤» رماهم [إلا] «٥» النساء والصبيان، فقال خالد لمجاعة: خدعتني، قال: قومي «٦» . ثم بعث أبو بكر إلى خالد بن الوليد بسلمة بن سلامة بن وقش يأمره أن لا يستبقي من بني حنيفة رجلا قد أنبت، فأتاه سلمة وقد فرغ خالد من الصلح. ثم إن خالدا قد بعث وفدا «٧» من بني حنيفة إلى أبي بكر فقدموا عليه فقال أبو بكر: ويحكم! ما هذا الرجل الذي استزل «٨» منكم [ما استزل] ، قالوا: يا خليفة رسول الله! قد كان الذي بلغك، وكان امرءا لم يبارك الله له ولا لعشيرته «٩» فيه قال أبو بكر: على ذلك ما دعاكم إليه؟ «١٠» قالوا: كان «١٠» يقول: يا ضفدع نقي نقي! لا الشراب «١١»

стр. 432

تمنعين «١» [ولا الماء تكدرين] «٢» ، لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا «٣» قوم يعتدون، فقال أبو بكر: سبحان الله سبحان الله. فلما فرغ خالد من الصلح نزل واديان من أودية اليمامة، فبينما هو قاعد إذ دخل عليه رجل من بني حنيفة يقال له سلمة «٤» بن عمير فقال لمجاعة» : استأذن لي على الأمير، فإن لي إليه حاجة، فأتى عليه مجاعة، ثم قال مجاعة: إني والله لأعرف الشر في وجهه، ثم نظر فإذا هو مشتمل على السيف فقال: ما لك لعنك الله! أردت أن تستأصل بني حنيفة، والله لئن قتلته ما ترك في بني حنيفة صغير ولا كبير إلا قتل، فانقلب الرجل ومعه سيفه، فوقع في حائط من «٦» حوائط اليمامة وحبس به المسلمون فدخلوا خلف الحائط فقتل. وكان من استشهد من المسلمين يوم اليمامة من قريش ممن يحضرنا ذكرهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وشجاع بن وهب بن ربيعة، ومالك بن عمرو، ويزيد بن قيس، وصفوان بن أمية بن عمرو، وأخوه مالك بن أمية، والطفيل بن عمرو الدوسي، وجبير «٧» بن مالك «٨» وأمه بحينة «٨» ، ويزيد بن أوس، وحيي بن حارثة، والوليد بن عبد «٩» شمس بن المغيرة، وحكيم بن حزام بن أبي وهب، وزيد «١٠» بن الخطاب بن نفيل «١١» ، وعبد الله بن عمرو بن بحرة، وعبد

стр. 433

الله بن الحارث بن قيس، وأبو قيس بن الحارث، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى، وعبد الله بن سهيل «١» بن عمرو، وسليط بن سليط «٢» بن عمرو، وعمرو بن أوس بن سعد بن أبي سرح، وربيعة بن أبي خرشة، ومنقذ بن عمرو بن عطية «٣» ، وعبد الله بن الحارث بن رحضة «٤» . واستشهد من الأنصار يوم اليمامة ثابت بن قيس بن شماس، وعباد بن بشر ابن وقش، ورافع بن سهل «٥» ، وعبد الله بن عتيك «٦» ، وحاجب بن زيد، وسهل بن عدي، ومالك بن أوس ومعن موليان لهم، وفروة بن العباس، وكليب بن تميم، وعامر بن ثابت، «٧» وبشر بن عبد الله «٧» ، وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، وعبد الله بن عتبان، وثابت بن هزال، وأسيد «٨» بن يربوع، وأوس بن ورقة، وسعد بن حارثة «٩» بن لوذان «١٠» ، وسماك بن خرشة «١١» أبو دجانة، وسعد بن حمار «١٢» ، وعقبة بن عامر بن نابي «١٣» ، وضمرة بن عياض، «١٤» وعبد الله بن أنيس، و «١٤» مسعود بن سنان، وحبيب بن زيد، و «١٥» أبو حبة بن غزية «١٥» بن عمرو،

стр. 434

و «١» عمارة بن حزم «٢» بن زيد، ويزيد «٣» بن ثابت بن الضحاك بن زيد «٤» رمي بسهم «٤» فمات في الطريق، وثابت بن خالد بن عمرو بن خنساء، وفروة بن النعمان بن الحارث، و «٥» عائذ بن ماعص الزرقي «٥» ، وحبيب بن عمرو بن محصن. ثم انصرف خالد بن الوليد بالمسلمين حتى قدم المدينة على أبي بكر، وارتدت ربيعة بالبحرين فيمن «٦» ارتد من العرب إلا «٧» الجارود بن عمرو [بن] «٨» «٩» خنش بن معلى فإنه «٩» ثبت على الإسلام فيمن تبعه من قومه، وقالت ربيعة بعضها لبعض: نرد «١٠» الملك إلى المنذر بن ساوى ١» ، وكان المنذر ملكهم في حياة رسول الله ﷺ فبعث رسول الله ﷺ العلاء «١٢» بن الحضرمي فأسلم المنذر، وأقام العلاء بها إلى أن قبض رسول الله ﷺ ، فملك «١٣» ربيعة المنذر بن النعمان بن المنذر بن ساوى «١٢» وجمع جمعهم على الارتداد؛ فلما بلغ أبا بكر خبرهم، بعث «١٤» إليهم العلاء بن الحضرمي وأمره بثمامة بن أثال الحنفي وكان قد أسلم ثمامة وأسلم بنو سحيم معه، فلما مر العلاء بثمامة بن أثال معه من «١٥» اتبعه من قومه

стр. 435

من بني سحيم وسارت ربيعة إليهم فحاصروهم بجواثا «١» - حصن بالبحرين، وأصاب المسلمون جهدا شديدا من الجوع حتى كادوا أن يهلكوا فخرج عبد الله بن حذف «٢» ليلة من الليالي يتجسس أخبارهم ويجيء المسلمين بالخبر، فأتى الحصن واحتال في دخوله فوجدهم سكارى فرجع، فأخبر المسلمين أن القوم سكارى لا غناء بهم، فبيتهم العلاء بن الحضرمي فيمن معه من المسلمين وقاتلوهم قتالا شديدا حتى فتح الله على المسلمين حصنهم، وقسم العلاء بن الحضرمي الغنيمة بالبحرين وجمع بها صلاة الجمعة. وخرج الأسود بن كعب العنسي [في كندة] «٣» فباع «٤» الناس والمهاجر بن أبي أمية أميرها، وسمعت كندة بذلك واتفقت أيضا مع من اتبع الأسود على نصره «٥» ، وكان على حضر موت زياد بن لبيد البياضي، فلما رأى ذلك منهم بيتهم بالليل وقتل منهم أربعة من الملوك في محاجرهم: «٦» جمدا ومحوصا ومشرحا «٦» وأبضعة، ثم كتب المهاجر بن أبي أمية «٧» إلى أبي بكر يخبره بانتفاض الناس و «٨» يستمد منه «٨» ، فبعث أبو بكر عكرمة بن أبي جهل في جيش معه إلى المدينة، وكانت قطعة من كندة- ثبتت على الإسلام- مع زياد بن لبيد وقطعة مع «٩» المهاجر بن أبي أمية وزياد بن أبي لبيد بالحرب، فلما اشتد عليهم الحصار نزل إليهم الأشعث بن قيس وسألهم الأمان على دمه وأهله وماله حتى يقدموه «١٠» على أبي بكر فيرى فيه رأيه

стр. 436

[وأن] «١» يفتح النجير «٢» ، ففعلوا ذلك وفتح النجير «٢» ، واستنزلوا من فيه من الملوك وضربت أعناقهم، واستوثقوا من الأشعث بن قيس وبعثوا به إلى أبي بكر مع السبي، وقتل الأسود بن كعب العنسي في بيته، فلما قدم الأشعث على أبي بكر قال أبو بكر: فما تأمرني أن أصنع فيك فإنك فعلت ما علمت؟ قال الأشعث: تمن عليّ وتفكني «٣» من الحديد وتزوجني أختك، فإني قد راجعت «٤» وأسلمت، قال أبو بكر: قد فعلت، فزوجه أخته فروة بنت أبي قحافة. ثم قدم «٥» أهل البحرين على أبي بكر يفتدون «٦» سباياهم أربعمائة، فخطب أبو بكر الناس فقال: أيها الناس! ردوا على الناس سباياهم، لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يغيب عنه «٧» منهم أحد، ثم جاء جابر بن عبد الله أبا بكر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن جاءنا مال من البحرين أعطيناك هكذا وهكذا» ، فحرز له أبو بكر «هكذا» خمسمائة درهم، فأعطاه من مال البحرين ألفا وخمسمائة درهم. ثم اعتمر أبو بكر في رجب وخرج هو وعبد الرحمن بن صبيحة على راحلتين واستخلف على المدينة عمر بن الخطاب، وقدما مكة ضحوة، وخرج منها قبل الليل. ومات أبو مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب. وتزوج عمر ابن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل. ثم خرج أبو بكر سنة اثنتي عشرة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، وخرج لليلتين بقيتا «٨» من ذي القعدة، وأحرم من ذي الحليفة، وقدم مكة لسبع

стр. 437

خلون من ذي الحجة، وكان قد ساق «١» معه عشر بدنات، فخطبهم قبل التروية بيوم في المسجد الحرام، وأمرهم بتقوى الله ونهاهم عن معصيته وعظّم عليهم حرمة الإسلام وأمرهم بالقصد في مسيرهم والترفق، وتلا عليهم آيات من القرآن، ثم قال: من استطاع منكم أن يصلي الظهر بمنى غدا فليفعل، ثم حج لهم ونحر البدن ورمى الجمار ماشيا ذاهبا وجائيا. ومات أبو العاص بن الربيع في ذي الحجة وكان «٢» يسمى جرو «٢» البطحاء وأوصى «٣» إلى الزبير بن العوام، فزوج الزبير ابنته علي بن أبي طالب. ثم قفل أبو بكر من الحج إلى المدينة، فلما قدمها كتب إلى خالد بن الوليد يريد العراق، وقد قيل: إنه قد قدم المدينة ثم خرج إلى العراق، فلما بلغ خالد بن الوليد إلى قريات «٤» من السواد «٥» يقال لهن [بانقياء] «٦» باروسما «٧» وأليبس صالح أهلها، وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا، فقبل منهم الجزية وكتب له كتابا «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من خالد بن الوليد لابن صلوبا السوادي «٨» ومنزله بشاطىء «٩» الفرات أنك آمن بأمان الله ممن حقن دمه بإعطاء الجزية، وقد أعطيت عن نفسك ومن كان في قريتك ألف درهم فقبلناها١» ، ورضي من معي من المسلمين بها عنك، فلك «١١» ذمة الله وذمة محمد ﷺ وذمم المسلمين على ذلك،

стр. 438

وشهد هشام بن الوليد، ثم أقبل خالد حتى نزل الحيرة وكان عليها قبيصة بن إياس بن حية الطائي أميرا «١» لكسرى فخرج إليه بأشرافهم «٢» ، فقال لهم خالد: أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، فإن «٣» أجبتم إليه فأنتم من المسلمين، لكم ما لهم وعليكم ما عليهم، وإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم [الجزية] «٤» فقد أتيتك بأقوام «٥» أحرص على الموت منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم، فقال له قبيصة بن إياس: ما لنا بحربك من حاجة، بل نقيم على ديننا ونعطيك الجزية، فصالحهم على تسعين ألف درهم كل سنة، فكانت أول جزية وقعت بالعراق هذه والتي صالح عليها ابن صلوبا. وبعث أبو بكر بعد قفوله من الحج الجنود إلى الشام فبعث عمرو بن العاص إلى فلسطين فأخذ طريق المعرقة «٦» على أيلة، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة ابن الجراح وشرحبيل بن حسنة إلى الشام وأمرهم أن يسلكوا التبوكية على البلقاء [من] «٧» علياء [الشام] «٧» ، وبعث خالد [بن] «٧» سعيد بن العاص على ربع من الأرباع، فلم يزل عمر بن الخطاب بأبي بكر حتى [عزله وأمّر] «٨» مكانه ابن أبي سفيان، وخرج أبو بكر مع يزيد بن أبي سفيان يوصيه «٩» ويزيد راكب «٩» ، قال: أيها الأمير! إما أن تركب وإما أن أنزل! فقال: ما أنت «١٠» بنازل ولا أنا براكب،

стр. 439

أليست «١» خطاي هذه في سبيل الله! ثم قال: يا يزيد! إنكم ستقدمون بلادا [فإذا أكلتم] «٢» الطعام فسموا الله على أولها واحمدوه على آخرها، وستجدون قوما حبسوا أنفسهم «٣» في الصوامع فدعوهم وما حبسوا «٤» أنفسهم، وستجدون أقواما قد اتخذ الشيطان على رؤوسهم مقاعد. يعني الشمامسة «٥» - فاضربوا تلك الأعناق، ولا تقتلن «٦» كبيرا هرما «٦» ولا امرأة ولا وليدا ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع، ولا تخربن عمرانا، ولا تقطعن «٧» بحرا إلا لنفع، ولا تغل ولا تغدر ولا تخن «٨» وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ أقرئك «٩» السلام وأستودعك الله! ثم انصرف أبو بكر ومضى يزيد بن أبي سفيان وتبعه شرحبيل بن حسنة وأبو عبيدة بن الجراح «١٠» فردا فردا، ونزل «١٠» عمرو بن العاص في قصره «١١» بغمر العربات «١١» ، ونزل الروم «١٢» بثنية جلق «١٢» بأعلى فلسطين في سبعين ألفا عليهم تذارق «١٣» أخو هرقل «١٤» لأبيه وأمه «١٤» ، فكتب عمرو بن العاص إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم ويستمده، فكتب أبو بكر

стр. 440

إلى خالد بن الوليد وهو يأمره أن يمد أهل الشام فيمن [معه] «١» من أهل القوة «٢» ويستخلف على ضعفة الناس [رجلا] «٣» منهم، فلما أتاه كتاب أبي بكر قال خالد: هذا عمل الأعيسر «٤» ابن أم شملة «٥» - يعني عمر بن الخطاب- حسدني «٦» أن يكون فتح العراق على يدي، فسار خالد بأهل القوة من الناس، ورد الضعفاء والنساء إلى» المدينة، وأمّر عليهم عمير «٨» بن سعد الأنصاري، واستخلف على [من أسلم] «٩» بالعراق من ربيعة «١٠» وغيرهم المثنى بن حارثة «١١» الشيباني، فلما بلغ خالد بمن معه عين النمر أغار على أهلها فأصاب منهم، ورابط حصنا بها فيه مقاتلة لكسرى حتى استنزلهم وضرب أعناقهم وسبى منهم سبايا كثيرة، وكان من «١٢» تلك السبايا «١٢» أبو عمرة والد عبد الأعلى [بن] «١٣» أبي عمرة، ويسار جد محمد بن إسحاق، وحمران بن أبان مولى عثمان، و [أبو] «١٣» عبيد مولى المعلى، وخير «١٤» مولى أبي داود الأنصاري، وأبو عبد الله مولى زهرة. فأراد خالد المسير والتمس دليلا فدل على رافع بن عميرة «١٥» الطائي فقال له

стр. 441

خالد: «١» انطلق بالناس «١» ، فقال له رافع: إنك لا تطيق ذلك بالجنود «٢» والأثقال، والله إن الراكب المفرد ليخافها على نفسه وما يسكلها إلا مغررا! إنها لخمس ليال جياد ولا يصاب «٣» فيها ماء [مع مضلتها] «٤» ، قال له خالد: ويحك! «٥» ألا بدلي «٥» منها؟ إنه قد أتاني من الأمير عزمة بذلك، فمر بأمرك، فقال رافع: استكثروا من الماء، من استطاع [منكم] «٦» أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل «٧» ، فإنها المهالك «٨» إلا ما دفع الله «٩» ، فتأهب المسلمون وسار خالد بمن معه، فلما بلغوا آخر يوم من المفازة قال خالد لرافع بن عميرة «١٠» : ويحك يا رافع! ما عندك؟ قال: أدركت الري «١١» - إن شاء الله! فلما دنا «١٢» من العلمين «١٣» قال رافع للناس: انظروا [هل ترون شجيرة من عوسج كقعدة الرجل] «١٤» فلم يروا شيئا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! هلكتم والله إذا وهلكت «١٥» ! انظروا فاطلبوها، [فطلبوا] «١٤» فوجدوها قد قطعت وبقي منها بقية، فلما رآها المسلمون كبروا وكبر رافع بن عميرة، ثم قال: احفروا في أصلها، فحفروا فاستخرجوا عينا فشربوا حتى روي الناس، ثم

стр. 442

اتصل بعد ذلك لخالد المنازل فقال رافع: فوالله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة! وردتها مع أبي وأنا غلام، فلما بلغ الخالد والمسلمون إلى سوي «١» أغار على أهله «٢» وهم بهراء «٢» قبيل الصبح وإذا جماعة منهم يشربون الخمر في جفنة لهم قد اجتمعوا عليها «٣» ومغنيهم يقول: ألا عللاني «٤» قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب «٥» ولا ندري «٦» فقتلهم خالد بن الوليد وقتل مغنيهم وسال دمه في تلك الجفنة «٧» ، ثم سار خالد حتى أغار على غسان بمرج راهط حتى نزل على قناة «٨» بصرى وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان؛ وخرج خالد بن سعيد ابن العاص بمرج الصفر في يوم مطير يستمطر [فيه] » فتعاوى «١٠» عليه أعلاج «١١» الروم فقتلوه؛ واجتمع خالد بن الوليد «١٢» وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان معهم حتى صالحته بصرى على الجزية وفتحها الله للمسلمين، فكانت تلك أول مدينة فتحت بالشام، ثم ساروا جميعا إلى فلسطين مددا «١٣» لعمرو بن العاص وعمرو مقيم بالعربات «١٤» من غور فلسطين وسمع الروم باجتماع المسلمين لعمرو

стр. 443

ابن العاص فانكشفوا عن جلق «١» إلى أجنادين «٢» ، وأجنادين «٨» [بلد] «٣» بين الرملة وبيت «٤» جبرين من أرض فلسطين «٥» وسار المسلمون إلى أجنادين «٦» وكان «٦» الأمراء أربعة والناس أرباعا إلا عمرو بن العاص كان يزعم أنه جميعهم ... «٧» . فلما اجتمعت العساكر وتدانت، بعث صاحب الروم «٨» رجلا عربيا «٨» [ليأتي] «٩» بخبر المسلمين، فخرج الرجل ودخل مع المسلمين وأقام فيهم يوما وليلة لا ينكر، ثم «١٠» أتى الروم فقالوا له: ما وراءك؟ فقال: أما بالليل فرهبان، وأما بالنهار ففرسان، «١١» ولو سرق ابن «١١» ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجموه، لإقامة الحق فيهم. ثم تزاحف الناس فاقتتلوا «١٠» قتالا شديدا فقال صاحبهم «١٢» لهم: لفوا رأسي في ثوب، قالوا له: ولم؟ قال: يوم موقف البئيس «٤» «١٣» لا أحب أن أراه، ما رأيت في الدنيا أشد منه، وكانت الهزيمة «١٤» على الروم، فلقد قتل صاحبهم و «١٥» إنه لملفف «١٥»

стр. 444

في ثوبه؛ وكان لليلتين بقيتا من «١» جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، فقتل بأجنادين من المسلمين: نعيم بن عبد الله «٢» النحام، وهشام [بن] «٣» العاصي «٤» بن وائل [و] «٥» عمرو بن [عكرمة و] «٦» الطفيل بن عمرو الدوسي، وعبد الله بن عمرو حليف لهم، وجندب بن عمرو بن حممة «٧» الدوسي [و] «٥» ضرار بن الأزور «٨» وطليب «٩» بن عمرو بن وهب، وسلمة بن هشام بن المغيرة، وهبار بن سفيان بن الأسود، والحارث بن الحارث، والحجاج بن الحارث وقيس بن صخر، [و] «٥» نعيم بن عامر. استخلاف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو عمر بن الخطاب بن نفيل «١٠» بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط ابن رزاح «١١» بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو حفص العدوي، وأم عمر حنتمة١» بنت هشام «١٣» بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أخت أبي جهل بن هشام.

стр. 445

حدثنا محمد بن القاسم الدقاق بالمصيصة: ثنا يوسف بن سعيد بن مسلم «١» ثنا هارون بن زياد «٢» الحنائي ثنا الحارث بن عمير عن حميد عن أنس قال: قال النبي ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر «٣» وعمر» . قال أبو حاتم: فلما حانت «٤» منية أبي بكر رحمة الله عليه اغتسل قبلها يوم الإثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوما باردا فحم «٢» خمسة عشر يوما «٥» حتى قطعته العلة عن حضور الصلاة وكان يأمر عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس، وكان الناس يعودونه وهو في منزله الذي أقطع له النبي ﷺ وجاه «٦» دار عثمان بن عفان اليوم، فبينا هو في ليلة من الليالي عند نسائه أسماء بنت عميس وحبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير «٧» وبناته أسماء وعائشة وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر إذ قالت عائشة: أتريد أن تعهد إلى الناس عهدا؟ قال: نعم، قالت: فبين للناس حتى يعرفوا الوالي «٨» بعدك، [قال] «٩» : نعم، قالت عائشة: إن أولى الناس بهذا الأمر بعدك عمر، وقال «١٠» عبد الرحمن بن أبي بكر: إن قريشا تحب ولاية عثمان بن عفان، وتبغض ولاية عمر لغلظه، فقال أبو بكر: نعم الوالي عمر، وما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد، أما إنه لا يقوى عليهم غيره، إن عمر رآني لينا فاشتد «١١» ، ولو كان واليا للان لأهل اللين واشتد «١١» على أهل الريب، فلما أصبح دعا نفرا من

стр. 446

المهاجرين والأنصار يستشيرهم في عمر، منهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فقال لعبد الرحمن بن عوف: يا أبا محمد! أخبرني عن عمر، فقال: [يا] «١» خليفة رسول الله! هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل [ولكن] «١» فيه غلظة «٢» ، فقال لعبد الرحمن بن عوف: ذلك لأنه رآني لينا فاشتد، ولو آل إليه الأمر لترك كثيرا مما هو عليه اليوم، إني إذا غضبت على الرجل أراني الرضا عنه وإذا لنت له أراني الشدة عليه، لا تذكر يا [أبا] «١» محمد مما ذكرت لك شيئا، [قال: نعم] «١» ، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: يا أبا عبد الله! أخبرني عن عمر، فقال: أنت أخبر به، فقال أبو بكر: فعليّ ذلك، قال: إن علمي أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا مثله، قال: يرحمك الله يا أبا عبد الله! لا تذكر مما ذكرت لك شيئا، [قال: أفعل، فقال له أبو بكر] «١» : لو «٣» تركته ما عدوتك، و [ما أدري] «١» لعلي تاركه، والخيرة له أن لا يلي أمركم، ولوددت «٤» أني خلو من أمركم، وأني كنت فيمن مضى من سلفكم؛ ثم قال لعثمان: اكتب: هذا ما عهد عليه أبو بكر بن [أبي] «٥» قحافة إلى المسلمين، أما بعد؛ ثم أغمي عليه [فذهب عنه] «٥» فكتب عثمان: أما بعد، فقد استخلفت «٦» عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا، ثم أفاق أبو بكر فقال «٧» : اقرأ عليّ، فقرأ عليه ذكر عمر، فكبر أبو بكر فقال: جزاك الله عن الإسلام خيرا! ثم رفع أبو بكر يديه فقال: اللهم! وليته بغير أمر نبيك، ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت «٨»

стр. 447

عليهم الفتنة فعملت «١» فيهم بما أنت أعلم [به] «٢» ، وقد حضر من أمري ما قد حضر، فاجتهدت لهم الرأي «٣» فوليت «٤» عليهم خيرهم لهم وأقواهم عليهم وأحرصهم «٥» على رشدهم، ولم أرد محاباة عمر، فاجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدى نبي «٥» الرحمة «٦» وهدى الصالحين بعده وأصلح له رعيته «٧» ، وكتب بهذا العهد [إلى] الشام إلى المسلمين إلى أمراء الأجناد أن قد وليت عليكم خيركم ولم آل لنفسي ولا للمسلمين خيرا. وأوصى أن تغسله أسماء بنت عميس «٨» ، ثم نادى عمر بن الخطاب فقال له: إني مستخلفك على أصحاب رسول الله ﷺ ، يا عمر: إن لله حقا في الليل «٩» لا يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله في الليل، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى «١٠» الفريضة، يا عمر! إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه «١١» غير الحق «١١» أن يكون ثقيلا، يا عمر! إنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل، وحق لميزان لا يوضع فيه ١» غير الباطل ١» أن يكون خفيفا، يا عمر! إنما نزلت آية الرخاء «١٣»

стр. 448

مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء «١» ليكون المؤمن راغبا راهبا، فلا ترغب رغبة فتتمنى على الله فيها ما ليس لك، ولا ترهب رهبة تلقى فيها يديك، يا عمر! إنما ذكر الله أهل النار بأسوإ أعمالهم ردا «٢» عليهم ما كان من خير «٣» ، فإذا ذكرتهم قلت: لأرجو أن [لا] «٤» أكون منهم، وإنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان من سيء «٥» ، فإذا ذكرتهم قلت: أي عمل من أعمالهم أعمل! فإن حفظت وصيتي فلا يكونن «٦» غائب أحب «٧» إليك [من الحاضر] «٤» من الموت ولست بمعجزه. وتوفي أبو بكر ﵁ ليلة الإثنين لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة «٨» ، وله يوم مات اثنتان وستون سنة «٩» ، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنان وعشرون يوما، وكان مرضه خمس عشرة ليلة، وغسلته أسماء بنت عميس، وكفن في ثلاثة أثواب «١٠» ، ونزل [في] «١١» قبره عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر، ودفن ليلا بجنب رسول الله ﷺ ، وأراد ابن عمر أن ينزل قبر أبي بكر مع أبيه فقال له عمر: قد كفيت، وكان أبو قحافة

стр. 449

بمكة [فسمع الهائعة] «١» فقال: ما هذا؟ فقيل: مات ابنك، فقال: رزء جليل، فإلى من عهد؟ قالوا: لعمر، قال: صاحبه؛ وورثه أبو قحافة السدس، وكان من عمال أبي بكر يوم توفي عتاب بن أسيد «٢» على مكة «٢» ، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، والعلاء بن الحضرمي على البحرين، ويعلى بن أمية «٣» [على خولان، ومهاجر بن أبي أمية] «٤» على صنعاء، وزياد بن لبيد على حضر موت، وعمرو بن العاص على فلسطين، وعلى الشام أربعة نفر «٥» من الأجناد: خالد بن الوليد، و [أبو] «٤» عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان «٦» ؛ ومات أبو كبشة مولى رسول الله ﷺ في اليوم الذي دفن فيه أبو بكر «٧» . ثم قام عمر بن الخطاب في الناس خطيبا وهي أول خطبة خطبها بعد ما استخلف، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس! إني لا أعلمكم من نفسي شيئا تجهلونه، أنا عمر بن الخطاب وقد علمتم من هيئتي وشأني، وإن بلاء الله عندي في الأمور كلها حسن، وقد فارقني رسول الله ﷺ وهو عني راض بحمد الله، ولم يجد عليّ في شيء «٨» من خلقي «٨» وأنا «٩» أسعد [الناس] «١٠» بذلك إن شاء الله، وقمت «١١» لخليفته من بعده بحق الطاعة وأحسنت له المؤازرة، ولم

стр. 450

أحرص على القيام عليكم كالذي حرص عليّ «١» ولكن خليفتكم المتوفى أوصى إليّ بالخلافة عليكم برضى منكم، وآلوه «٢» الهمة، ذلكم وإياكم، ولولا الذي أرجو أن يأجرني الله في قيامي عليكم لم أقم عليكم و «٣» لنحيته عن نفسي «٣» ووليته غيري، وقد كنت أرى فيكم أمورا على عهد نبيكم ﷺ كدت أكرهها، ويسوءني منكم، فقد رأيتم تشددي فيها، والأمر «٤» الذي أمر به من فوقي، أريد طاعة الله وإقامة الدين فأطعتكم، قد علمتم- أو من علم ذلك منكم- أني قد كنت أفعل ذلك وليس لي عليكم من سلطان وأكن أهن في شيء منه، وقد ولّاني الله اليوم أمركم ولقد علمت [أني] «٥» أنفع بحضرتكم لكم، فإني أسأل الله ربي أن يعينني عليه وأن يحرسني عندما بقي كما حرسني عند غيره، وأن يلقنني «٦» العقل في قسمكم كالذي أمر به، ثم إني مسلم وعبد من عبيده «٧» ضعيف إلا ما أعان الله، ولن «٨» يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله، وإنما العظمة لله، ليس للعباد منها شيء فلا يقولن أحد منكم: إن عمر بن الخطاب تغير لما ولي أمر المسلمين، فمن ظلمته مظلمة فإني أعطيه الحق من نفسي وأتقدم عليكم وأبين لكم أمري، أيما رجل كانت له حاجة إلى أمير المؤمنين أو ظلم بمظلمة أو عتب علينا في حق فليؤذني، فإنما أنا امرؤ منكم، ولم يحملني سلطاني الذي أنا عليه أن أتعظم عليكم، وأغلق بابي دونكم، وأترك مظالمكم بينكم، وإذا منع الله أهل الفاقة منكم اليوم شيئا [ ... ] » بعد اليوم فإنما هو فيء الله الذي أفاءه عليكم، لست وإن كنت أمير

стр. 451

المؤمنين [ ... ] «١» ولن أخفى إبقاء، إن كان بيني وبين أحد منكم خصومة «٢» أقاضيه إلى أحدكم ثم أقنع بالذي يقضي بيننا فاعلموا ذاك، وإنكم قوم مسلمون على شريعة الإسلام، ثم عليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم التي حرم الله عليكم من دمائكم وأموالكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحملن بعضكم بعضا إلى أن يوقع إلى السلطان شأنه، فليستعد بي «٣» فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة «٤» ، من منع من نفسه حقا واجبا عليه أو استحل من دماء المسلمين وأعراضهم وأبشارهم فأنا أقتص «٥» منه وإن كان يدلي [إليّ] «٦» بقرابة قريبة، ثم إنكم- معشر العرب- في كثير منكم جفاء في الدين وخرق في الأمور إلا من عصمه الله برحمة، وإني قد جعلت بسبيل «٧» أمانة عظيمة أنا مسؤول عنها، وإنكم- أيها الناس- لن تغنوا «٨» عني من الله شيئا، وإني حثيث «٩» على صلاحكم، عزيز عليّ ما عنتم، حريص عليّ معافاتكم وإقامة أموركم، وإنكم إناء من حصل في سبيل الله، عامتكم أهل بلد لا زرع [فيها] «١٠» ولا «١١» ضرع إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله قد وعدكم كرامة كبيرة ودنيا بسيطة لكم، وإني مسؤول عن أمانتي و [ما] «١٢» أنا فيه، ولا أستطيع ما [بعد] «١٢» منها إلا بالأمناء وأهل النصح منكم

стр. 452

للشاهد والغائب، ولست أجعل أمانتي «١» إلى أحد ليس لها بأهل، ولن أوليه ذلك ولا أجعله إلا من تكون رغبته في أداء الأمانة والتوقير للمسلمين، أولئك أحق بها ممن سواهم؛ اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ولما ورد كتاب أبي بكر الشام على أمراء «٢» الأجناد باستخلاف عمر بايعوه وأطاعوه؛ ثم ساروا إلى فحل «٣» من أرض الأردن وقد اجتمع بها الروم والمسلمون عليهم الأمراء الأربعة وخالد بن الوليد على مقدمة الناس، فلما نزلت الروم «٤» بيسان بثقوا «٤» أنهارها وهي أرض سبخة «٥» [فكانت] «٦» وحلة فغشيها «٧» المسلمون ولم يعلموا بما فعلت الروم، فزلقت فيها خيولهم، ثم سلمهم الله، والتقوا هم والروم بفحل فاقتتلوا فهربت الروم ودخل المسلمون فحلا، وانكشفت الروم إلى دمشق، وغنم المسلمون غنائم كثيرة. وكتب خالد بن الوليد «٨» إلى عمر أن الناس قد اجترأوا على الشراب، فاستشار عمر أصحابه عليا وعثمان والزبير وسعدا فقال علي: إذا شرب سكر، وإذا سكر افترى، وإذا افترى فعليه «٩» ثمانون، فأثبت عمر الحد ثمانين. ثم كانت وقعة الجسر «١٠» ، وذلك أن المثنى بن حارثة الشيباني قدم على عمر

стр. 453

ابن الخطاب من العراق وقال: يا أمير المؤمنين! إنا بأرض فارس قد نلنا منهم واجترأنا عليهم ومعي من قومي جماعة، فابعث معي ناسا من المجاهدين والأنصار يجاهدون في سبيل الله، فقام عمر بن الخطاب فحمد الله وأثنى عليه ثم دعا الناس إلى الجهاد ورغبهم فيه وقال: إنكم- أيها الناس- قد أصبحتم في دار غير مقام بالحجاز، وقد وعدكم الله على لسان نبيه كنوز كسرى وقيصر، فسيروا إلى أرض فارس، فسكت الناس لما ذكرت فارس، فقام أبو عبيد «١» بن مسعود الثقفي فقال: يا أمير المؤمنين! أنا «٢» أول من انتدب من الناس، حتى اجتمعوا وأجمعوا على المسير ثم قال: يا أمير المؤمنين! اجتمع الناس، أمر عليهم رجلا من المهاجرين أو من الأنصار، فقال: لا أومر «٣» عليهم إلا أول من انتدب منهم، فأمر أبا عبيد «٤» فقال: إنه لم يمنعني أن أستعمل عليهم سليط بن قيس إلا أنه رجل فيه عجلة إلى القتال، فأخاف أن يوقع الناس موقعا يهلككم، فاستشره؛ ثم سار أبو عبيد «١» مع المثنى بن حارثة الشيباني والمسلمون معهما حتى [إذا] «٥» انتهى إلى بلاد قومه قام معه ربيعة فسار بهم وسار أبو عبيد «٢» بالناس حتى نزلوا باليمن وفيها مسلحة الأعاجم، فاقتتلوا بها قتالا شديدا، فانهزمت العجم، ثم بعث أبو عبيد «٦» بمن معه من المسلمين فالتقيا، فاقتتلوا فهزم الجالنوس «٧» وأصحابه، ودخل أبو عبيد باروسما «٨» حصنا لهم، ونزل هو وأصحابه فيه. ثم بعث الأعاجم ذا الحاجب وكان رئيس الأعاجم رستم، فلما بلغ أبا

стр. 454

عبيد «١» مسيرهم إليه انحاز» بالناس حتى عبر الفرات فنزل في المروحة، وأقبلت الأعاجم حتى نزلت خلف الفرات، ثم إن أبا عبيد «١» حلف: ليقطعن إليهم الفرات، فناشده سليط بن قيس وقال: أنشدك الله في المسلمين أن تدخلهم هذا المدخل! فإن العرب تفر وتكر، فاجعل للناس مجالا، فأبي أبو عبيد «٣» وقال: جبنت والله يا سليط «٤» ! قال: والله ما جبنت! ولكن قد أشرت «٥» عليك بالرأي، فاصنع بما بدا لك، فعمد أبو عبيد «٣» إلى الجسر الذي عقد له ابن صلوبا، فعبر عليه المسلمون فلما التقوا شد عليهم الفيل، فلما رأى أبو عبيد ما يصنع [الفيل] «٦» قال: هل لهذه الدابة من مقتل؟ قالوا: نعم، إذا قطع مشفرها ماتت، فشد على الفيل فضرب «٧» مشفره فبرك عليه الفيل فقتله، وهرب المسلمون منهزمين فسبقهم عبد الله ابن مرثد الخثعمي إلى الجسر فقطعه، فقال له الناس: لم فعلت هذا؟ قال: لتقاتلوا «٨» عن أميركم. ولما قتل أبو عبيد «٣» أخذ الراية المثنى بن حارثة فانحازوا ورجعت «٩» الفرس، ونزل المثنى بن حارثة أليّس «١٠» وتفرق الناس فلحقوا بالمدينة، فأول من قدم المدينة بخبر الناس عبد الله «١١» بن حصين الخطمي «١٢» ، فجزع المسلمون من

стр. 455

المهاجرين والأنصار بالفرار، وكان عمر يقول: لا تجزعوا! أنا فئتكم «١» إنما انحزتم إليّ «١» . وكان ممن قتل بالجسر: أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وابنه جبر «٢» بن أبي عبيد، وأسعد بن سلامة، وسلمة بن أسلم بن حريش، والحارث بن عدي بن مالك، والحارث بن مسعود بن عبدة «٣» ، ومسلم بن أسلم، وخزيمة بن أوس، «٤» وأنيس بن أوس بن عتيك بن عامر «٤» وعمر بن أبي اليسر، وسلمة «٥» بن قيس، وزيد بن سراقة بن كعب، والمنذر «٦» بن قيس، وضمرة بن غزية «٧» بن عمرو، وسهل بن عتيك، وثعلبة بن عمرو بن محصن؛ وحج بالناس عمر بن الخطاب السنة الرابعة [عشرة] «٨» . فلما دخلت السنة الرابعة عشرة سار المسلمون إلى دمشق وخالد بن الوليد على مقدمة الناس، وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له باهان بدمشق، فعزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد وأمر أبا عبيدة بن الجراح على جميع الناس، فاستحى أبو عبيدة أن «٩» يقرى خالدا «٩» الكتاب وقال: أصبر حتى يفتح الله دمشق، فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم الروم وتحصنوا، فرابطها المسلمون حتى فتحت صلحا، وأعطوا الجزية، وكان قد أخذ الأبواب عنوة، وجرى الصلح على

стр. 456

يدي خالد «١» ، وكتب الكتاب باسمه، ولحق باهان بهرقل، وكان ذلك في رجب، ومدة حصاره دمشق ستة أشهر، فلما فرغ المسلمون من دمشق أقرأ أبو عبيدة خالدا «٢» الكتاب، فانصرف خالد إلى المدينة، وقد قيل: إن الصلح جرى على يد أبي عبيدة. ثم خرج عمر على الناس فقال: إني وجدت من عبيد الله ابني ريح شراب وإني سائل عنه، فإن كان مسكرا جلدته، قال السائب بن يزيد: فشهدته «٣» بعد ذلك «٣» يحده، وكان الذي حده عبد الرحمن بن عبد ثم ضرب أبا محجن الثقفي وربيعة بن أمية بن خلف المخزومي، وحدهم في الخمر. ثم أمر عمر «٤» من كان بالبلدان التي افتتحت أن يصلوا فيها التراويح في شهر رمضان، وصلى بالناس بالمدينة كذلك. ثم قدم جرير بن عبد الله البجلي من اليمن على عمر في ركب من بجيلة فقال لهم عمر: إنكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق، فسيروا إليهم وأنا أخرج لكم من كان منكم في قبائل العرب، قالوا: نفعل يا أمير المؤمنين، فأخرج إليهم «٥» قيسا وكندة «٥» وعرينة، وأمر عليهم جرير بن عبد الله البجلي، فسار بهم إلى الكوفة، فلما بلغ قريبا من المثنى بن حارثة كتب له المثنى: أقبل إليّ إنما أنت لي مدد، فكتب إليه جرير: إني لست فاعلا إلا أن يأمرني بذلك أمير المؤمنين: أنت أمير وأنا أمير! ثم سار جرير نحو الجسر فلقيه «٦» مهران بن باذان «٦» عند النخيلة فاقتتلوا قتالا شديدا، وشد المنذر بن حسان [على مهران] «٧» فطعنه فوقع عن

стр. 457

دابته، واقتحم عليه «١» جرير بن عبد الله فاحتز رأسه، فاشتركا جميعا في سلبه. ثم إن عمر بن الخطاب أمر سعد بن أبي وقاص على العراق ومعه ستة آلاف رجل، وكتب إلى المثنى بن حارثة وجرير بن عبد الله أن اجتمعا إلى سعد، فسار سعد بالمسلمين، وسار المنذر وجرير إليه، حتى نزل سعد «٢» بشراف وشتا «٢» بها واجتمع إليه الناس، وتزوج سعد امرأة [المثنى سلمى بنت] «٣» حفصة «٤» ؛ ثم حج بالناس عمر بن الخطاب «٥» . فلما دخلت السنة الخامسة» عشرة كان فيها وقعة اليرموك، وذلك أن الروم سار بهم هرقل حتى نزل أنطاكية ومعه من المستعربة «٧» لخم وجذام «٨» وبلقين وبلى وعاملة وغسان، ومن معه من أهل أرمينية بشر كثير، فأقام بأنطاكية، وسار أبو عبيدة بن الجراح في المسلمين إليهم في أربعة [و] «٩» عشرين ألفا، وكان الروم مائة ألف، فالتقوا باليرموك «١٠» فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كانت نساء قريش يضربن بالسيوف، وكان أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد، فجعل ينادي في المعركة: يا نصر الله! اقترب «١١» ، حتى أنزل الله نصره وهزم الروم، فقتل من الروم

стр. 458

ومن معه من أهل أرمينية والمستعربة سبعون ألفا، وقتل [الله] «١» «٢» الصقلار وباهان «٢» رئيسين لهم. ثم بعث أبو عبيدة بن الجراح عياض بن غنم في طلبهم، فسلك الأعماق حتى بلغ ملطية «٣» ، فصالح أهلها على الجزية، فسمع هرقل بذلك فبعث إلى ملطية «٤» فساق «٥» من فيها من المقاتلة وأمر بها «٦» فأحرقت. وكان ممن قتل باليرموك من المسلمين: عمرو بن سعيد «٧» بن العاص، وأبان ابن سعيد «٧» بن العاص، وعبد الله بن سفيان بن عبد الأسد، وسعيد بن الحارث بن قيس. ولما حسر عن سعد بن أبي وقاص الشتاء «٨» سار بالمسلمين يريد القادسية، وكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يستمده، فبعث [إليه] «٩» عمر المغيرة بن شعبة في أربعمائة رجل مددا «١٠» لسعد من المدينة، وكتب [إلى] «٩» أبي عبيدة «١١» بن الجراح أن أمد «١٢» سعدا بألف رجل من عندك، ففعل أبو عبيدة ذلك وأمر عليهم عياض بن غنم الفهري؛ وسمع بذلك رستم فخرج بنفسه مع من عنده «١٣» من

стр. 459

الأعاجم يريد سعدا، وحج عمر بالناس. فلما كانت السنة السادسة «١» عشرة أراد عمر بن الخطاب أن يكتب التأريخ، فاستشار أصحاب النبي ﷺ ، منهم من قال: من النبوة، ومنهم من قال: من الهجرة، ومنهم من قال: من الوفاة «٢» ، فأجمعوا على الهجرة، وكتب التأريخ لسنة ست عشرة من الهجرة. فلما وصل إلى سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة سار بالمسلمين إلى رستم حتى نزل قادس «٣» [قرية] «٤» إلى جنب العذيب، وأقبل رستم في ستين ألفا من المجموع ممن أحصى [في] «٥» ديوانه سوى التبع والرقيق حتى نزل القادسية [و] «٥» بينهم وبين المسلمين جسر القادسية، وسعد في منزله وجع قد خرج به قرح شديد، فبعث رستم إلى سعد أن ابعث إليّ رجلا جلدا أكلمه «٦» ، فبعث إليه المغيرة ابن شعبة، ففرق المغيرة رأسه أربع فرق ثم عقص شعره ولبس برديه «٧» ، وأقبل حتى انتهى إلى رستم من وراء الجسر مما يلي العراق والمسلمون من الناحية الأخرى مما يلي الحجاز، فلما دخل عليه المغيرة قال له رستم: إنكم معشر العرب! كنتم أهل شقاء وجهد وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد، فأكلتم من طعامنا وشربتم من شرابنا واستظللتم بظلالنا فذهبتم فدعوتم أصحابكم وجئتم تؤذوننا، وإنما مثلكم مثل رجل له حائط «٨» من عنب «٨» فرأى فيه أثر ثعلب فقال: وما

стр. 460

بثعلب «١» واحد! فانطلق ذلك الثعلب حتى دعا الثعالب «٢» كلها إلى ذلك الحائط، فلما اجتمعن «٣» فيه جاء صاحب الحائط فرآهن، فسد الجحر الذي دخلن منه ثم قتلهن جميعا، وأنا أعلم إنما حملكم على هذا- معشر العرب! الجهد الذي أصابكم، فارجعوا عنا عامكم هذا، فإنكم شغلتمونا عن عمارة بلادنا ونحن نوقر «٤» لكم ركائبكم «٥» قمحا وتمرا «٥» ونأمر لكم بكسوة فارجعوا عنا، فقال المغيرة بن شعبة: لا يذكر منا جهد إلا وقد كنا في» مثله أو أشد» ، أفضلنا في أنفسنا [عيشا] «٧» الذي يقتل ابن عمه ويأخذ [ماله] «٧» فيأكله، نأكل الميتة والدم والعظام، فلم نزل على ذلك حتى بعث الله فينا نبينا وأنزل عليه الكتاب، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدقه به منا مصدق وكذبه به منا مكذب، فقاتل من «٨» صدقه من كذبه حتى دخلنا في دينه من بين موقن ومقهور حتى استبان لنا أنه صادق وأنه رسول الله ﷺ ، فأمرنا أن نقاتل من خالفنا، وأخبرنا أن من قتل منا على ذلك «٩» فله الجنة، ومن عاش ملك وظهر على من خالفه، ونحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله وبرسوله وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك، ولا يدخل «١٠» عليك فيها إلا من أحببت، وعليك الزكاة والخمس، وإن أبيت [ذلك] «٧» فالجزية، وإن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك. قال [له] «٧» رستم: ما كنت أظن أن أعيش حتى أسمع هذا منكم معشر
следующие страницы →