لهم: يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلاما، فلا تكونوا أول الناس ردة، فامتنعوا على الردة، وثبتوا على الإسلام) .
ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة، وخوفهم بالحرب والقتال، وأظهر الحزن والكآبة، وأن رسول الله ﷺ سألهم الإسلام وترك الزنى والخمر والربا وغيرها وإلا يقاتلهم، فأخذت ثقيف نخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، وقالوا للوفد: ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل، وحينئذ أبدى الوفد حقيقة الأمر، وأظهروا ما صالحوا عليه، فأسلمت ثقيف.
وبعث رسول الله ﷺ رجلا لهدم اللات، أمر عليهم خالد بن الوليد، فقام المغيرة بن شعبة، فأخذ الكرزين وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم من ثقيف. فضرب بالكرزين، ثم سقط يركض، فارتج أهل الطائف، وقالوا: أبعد الله المغيرة، قتلته الربة، فوثب المغيرة فقال:
قبحكم الله، إنما هي لكاع حجارة ومدر، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا أعلى سورها، وعلا الرجال فهدموها وسووها بالأرض حتى حفروا أساسها، وأخرجوا حليها ولباسها، فبهتت ثقيف، ورجع خالد مع مفرزته إلى رسول الله ﷺ بحليها وكسوتها، فقسمه رسول الله ﷺ من يومه، وحمد الله على نصرة نبيه وإعزاز دينه «١» .
(٩) رسالة ملوك اليمن- وبعد مرجع النبي ﷺ من تبوك قدم كتاب ملوك حمير، وهم الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان بن قيل ذي رعين، وهمدان ومعافر، ورسولهم إليه ﷺ مالك بن مرة الرهاوي، بعثوه بإسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، وكتب إليهم رسول الله ﷺ كتابا بين فيه ما للمؤمنين وما عليهم، وأعطى فيهم المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله إذا أعطوا ما عليهم من الجزية، وبعث إليهم رجالا من أصحابه أميرهم معاذ بن جبل.
(١٠) وفد همدان- قدموا سنة ٩ هـ بعد مرجعه ﷺ من تبوك، فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وبعث إلى سائرهم خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام، فأقام ستة أشهر يدعوهم فلم يجيبوه، ثم بعث علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالدا، فجاء علي إلى همدان، وقرأ عليهم كتابا من رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعا، وكتب علي ببشارة
стр. 352
إسلامهم إلى رسول الله ﷺ ، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان.
(١١) وفد بني فزازة- قدم هذا الوفد سنة ٩ هـ بعد مرجعه ﷺ من تبوك، قدم في بضعة عشر رجلا جاؤوا مقرين بالإسلام، وشكوا جدب بلادهم، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فرفع يديه واستسقى، وقال: اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا، مغيثا، مريحا، مريعا طبقا، واسعا، عاجلا، غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث، وانصرنا على الأعداء «١» .
(١٢) وفد نجران- (نجران، بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، كان يشتمل على ثلاث وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع «٢» ، وكان يؤلف مائة ألف مقاتل كانوا على دين المسيحية) .
وكانت وفادة أهل نجران سنة ٩ هـ، وقوام الوفد ستون رجلا، منهم أربعة وعشرون من الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران، أحدهم العاقب، كانت إليه الإمارة والحكومة واسمه عبد المسيح، والثاني السيد، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية واسمه الأيهم أو شرحبيل، والثالث الأسقف وكانت إليه الزعامة الدينية، والقيادة الروحانية، واسمه أبو حارثة بن علقمة.
ولما نزل الوفد بالمدينة، ولقي النبي ﷺ سألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول في عيسى ﵇، فمكث رسول الله ﷺ يومه ذلك حتى نزل عليه إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٣: ٥٩، ٦٠، ٦١) .
стр. 353
ولما أصبح رسول الله ﷺ أخبرهم بقوله في عيسى بن مريم في ضوء هذه الآية الكريمة، وتركهم ذلك اليوم؛ ليفكروا في أمرهم، فأبوا أن يقروا بما قال في عيسى. فلما أصبحوا وقد أبوا عن قبول ما عرض عليهم من قوله في عيسى، وأبوا عن الإسلام دعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة، وأقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره، فلما رأوا منه الجد والتهيؤ خلوا وتشاوروا، فقال كل من العاقب والسيد للآخر: لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك، ثم اجتمع رأيهم على تحكيم رسول الله ﷺ في أمرهم، فجاؤوا وقالوا: إنا نعطيك ما سألتنا. فقبل رسول الله ﷺ منهم الجزية، وصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله، وترك لهم الحرية الكاملة في دينهم، وكتب لهم بذلك كتابا، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلا أمينا، فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح؛ ليقبض مال الصلح.
ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعد ما رجعا إلى نجران، وأن النبي ﷺ بعث إليهم عليا؛ ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين «١» .
(١٣) وفد بني حنيفة- كانت وفادتهم سنة ٩ هـ. وكانوا سبعة عشر رجلا فيهم مسيلمة الكذاب «٢» - وهو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث من بني حنيفة- نزل هذا الوفد في بيت رجل من الأنصار، ثم جاؤوا إلى النبي ﷺ فأسلموا، واختلفت الروايات في مسيلمة الكذاب، ويظهر بعد التأمل في جميعها أن مسيلمة صدر منه الاستنكاف والأنفة والاستكبار والطموح إلى الإمارة، وأنه لم يحضر مع سائر الوفد إلى رسول الله ﷺ ، وأن النبي ﷺ أراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل أولا، فلما رأى أن ذلك لا يجدي فيه نفعا تفرس فيه الشر.
стр. 354
وكان النبي ﷺ قد أري قبل ذلك في المنام أنه أتي بخزائن الأرض، فوقع في يديه سواران من ذهب، فكبرا عليه وأهماه، فأوحى إليه أن انفخهما، فنفخهما، فذهبا، فأولهما كذابين يخرجان من بعده، فلما صدر من مسيلمة ما صدر من الاستنكاف- وقد كان يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته- جاءه رسول الله ﷺ وفي يده قطعة من جريد، ومعه خطيبه ثابت بن قيس بن شماس، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فكلمه فقال له مسيلمة: إن شئت خلينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك، فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، والله إني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت يجيبك عني. ثم انصرف «١» .
وأخيرا وقع ما تفرس فيه النبي ﷺ ، فإن مسيلمة لما رجع إلى اليمامة بقي يفكر في أمره، حتى ادعى أنه أشرك في الأمر مع النبي ﷺ ، فادعى النبوة، وجعل يسجع السجعات، وأحل لقومه الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي، وافتتن به قومه فتبعوه، وأصفقوا معه، حتى تفاقم أمره، فكان يقال له رحمان اليمامة لعظم قدره فيهم. وكتب إلى رسول الله ﷺ كتابا قال فيه: إني أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر، فرد عليه رسول الله ﷺ بكتاب قال فيه: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ «٢» .
وعن ابن مسعود قال: جاء ابن النواحة، وابن أثال رسولا مسيلمة إلى النبي ﷺ ، فقال لهما: أتشهدان أني رسول الله؟ فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال النبي ﷺ : آمنت بالله ورسوله. لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما «٣» .
كان ادعاء مسيلمة النبوة سنة عشر، وقتل في حرب اليمامة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ في ربيع الأول سنة ١٢ هـ، قتله وحشي قاتل حمزة. وأما المتنبىء الثاني، وهو الأسود
стр. 355
العنسي الذي كان باليمن، فقتله فيروز، واحتز رأسه قبل وفاة النبي ﷺ بيوم وليلة، فأتاه الوحي فأخبر به أصحابه، ثم جاء الخبر من اليمن إلى أبي بكر ﵁ «١» .
(١٤) وفد بني عامر بن صعصعة- كان فيهم عامر بن الطفيل عدو الله وأربد بن قيس- أخو لبيد لأمه- وخالد بن جعفر، وجبار بن أسلم، وكانوا رؤساء القوم وشياطينهم، وكان عامر هو الذي غدر بأصحاب بئر معونة، فلما أراد هذا الوفد أن يقدم المدينة تآمر عامر وأربد، واتفقا على الفتك بالنبي ﷺ ، فلما جاء الوفد جعل عامر يكلم النبي ﷺ ، ودار أربد خلفه، واخترط سيفه شبرا، ثم حبس الله يده فلم يقدر على سله، وعصم الله نبيه، ودعا عليهما النبي ﷺ ، فلما رجعا أرسل الله على أربد وجمله صاعقة فأحرقته، وأما عامر فنزل على امرأة سلولية، فأصيب بغدة في عنقه فمات وهو يقول: أغدة كغدة البعير، وموتا في بيت السلولية.
وفي صحيح البخاري: أن عامرا أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين خصال ثلاث: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، فطعن في بيت امرأة، فقال: أغدة كغدة البعير، في بيت امرأة من بني فلان، إيتوني بفرسي. فركب، فمات على فرسه.
(١٥) وفد تجيب- قدم هذا الوفد بصدقات قومه مما فضل عن فقرائهم وكان الوفد ثلاثة عشر رجلا، وكانوا يسألون عن القرآن والسنن يتعلمونها، وسألوا رسول الله ﷺ أشياء فكتب لهم بها، ولم يطيلوا اللبث، ولما أجازهم رسول الله ﷺ بعثوا إليه غلاما كانوا خلفوه في رحالهم، فجاء الغلام، وقال: والله ما أعملني من بلادي إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي، فدعا له بذلك، فكان أقنع الناس، وثبت في الردة على الإسلام، وذكر قومه؛ ووعظهم فثبتوا عليه، والتقى أهل الوفد بالنبي ﷺ مرة أخرى في حجة الوداع سنة ١٠ هـ.
(١٦) وفد طيء- قدم هذا الوفد وفيهم زيد الخيل، فلما كلموا النبي ﷺ ، وعرض عليهم الإسلام أسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله ﷺ عن زيد: «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه» ، وسماه زيد الخير.
стр. 356
وهكذا تتابعت الوفود إلى المدينة في سنتي تسع وعشر، وقد ذكر أهل المغازي والسير منها وفود أهل اليمن، والأزد وبني سعد هذيم من قضاعة، وبني عامر بن قيس، وبني أسد، وبهراء، وخولان، ومحارب، وبني الحارث بن كعب، وغامد، وبني المنتفق، وسلامان، وبني عبس، ومزينة، ومراد، وزبيد، وكندة، وذي مرة، وغسان، وبني عيش، ونخع- وهو آخر الوفود، توافد في منتصف محرم سنة ١١ هـ في مائتي رجل- وكانت وفادة الأغلبية من هذه الوفود سنة ٩ و ١٠ هـ، وقد تأخرت وفادة بعضها إلى سنة ١١ هـ.
وتتابع هذه الوفود يدل على مدى ما نالت الدعوة الإسلامية من القبول التام، وبسط السيطرة والنفوذ على أنحاء جزيرة العرب وأرجائها، وأن العرب كانت تنظر إلى المدينة بنظر التقدير والإجلال، حتى لم تكن ترى محيصا عن الاستسلام أمامها، فقد صارت المدينة عاصمة لجزيرة العرب، لا يمكن صرف النظر عنها، إلا أننا لا يمكن لنا القول بأن الدين قد تمكن من أنفس هؤلاء باسرهم؛ لأنه كان وسطهم كثير من الأعراب الجفاة الذين أسلموا تبعا لسادتهم، ولم تكن أنفسهم قد خلصت بعد ما تأصل فيها من الميل إلى الغارات، ولم تكن تعاليم الإسلام قد هذبت أنفسهم تمام التهذيب، وقد وصف القرآن بعضهم بقوله في سورة التوبة الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩: ٩٧، ٩٨) وأثنى على آخرين منهم قال: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩: ٩٩) .
أما الحاضرون منهم في مكة والمدينة وثقيف، وكثير من اليمن والبحرين؛ فقد كان الإسلام فيهم قويا، ومنهم كبار الصحابة وسادات المسلمين «١» .
стр. 357
حجة الوداع
تمت أعمال الدعوة، وإبلاغ الرسالة، وبناء مجتمع جديد على أساس إثبات الألوهية لله، ونفيها عن غيره، وعلى أساس رسالة محمد ﷺ ، وكأن هاتفا خفيا انبعث في قلب رسول الله ﷺ ، يشعره أن مقامه في الدنيا قد أوشك على النهاية، حتى إنه حين بعث معاذا على اليمن سنة ١٠٠ هـ قال له فيما قال: يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله ﷺ .
وشاء الله أن يرى رسوله ﷺ ثمار دعوته، التي عانى في سبيلها ألوانا من المتاعب بضعا وعشرين عاما، فيجتمع في أطراف مكة بأفراد قبائل العرب وممثليها، فيأخذوا منه شرائع الدين وأحكامه، ويأخذ منهم الشهادة على أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة.
أعلن النبي ﷺ بقصده لهذه الحجة المبرورة المشهودة، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ «١» . وفي يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة تهيأ النبي ﷺ للرحيل «٢» ، فترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه وقلد بدنه، وانطلق بعد الظهر، حتى بلغ ذا الحليفة قبل أن يصلي العصر، فصلاها ركعتين، وبات هناك حتى أصبح، فلما أصبح قال لأصحابه: أتاني الليلة آت من ربي. فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة «٣» .
стр. 358
وقبل أن يصلي الظهر اغتسل لإحرامه، ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه مسك، في بدنه ورأسه، حتى كان وبيص الطيب يرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامه ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداءه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه، وقرن بينهما، ثم خرج، فركب القصواء، فأهل أيضا، ثم أهل لما استقلت به على البيداء.
ثم واصل سيره حتى قرب من مكة، فبات بذي طوى، ثم دخل مكة بعد أن صلى الفجر واغتسل من صباح يوم الأحد لأربع ليال خلون من ذي الحجة سنة ١٠ هـ- وقد قضى في الطريق ثمان ليال، وهي المسافة الوسطى- فلما دخل المسجد الحرام طاف بالبيت، ثم صلى ركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل، لأنه كان قارنا قد ساق معه الهدي، فنزل بأعلى مكة عند الحجون، وأقام هناك، ولم يعد إلى الطواف غير طواف الحج.
وأمر من لم يكن معه هدي في أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة، فيطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يحلوا حلالا تاما، فترددوا، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت، فحل من لم يكن معه هدي، وسمعوا وأطاعوا.
ثم أقام في مكة حتى اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية. فلما زالت الشمس توجه إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وبات فيها ثم صلى الفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس.
فأجاز حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، وقد اجتمع حوله مائة ألف وأربعة وعشرون أو أربة وأربعون ألفا من الناس، فقام فيهم خطيبا، وألقى هذه الخطبة الجامعة:
«أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا «١» .
إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن عمي ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب- وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.
стр. 359
فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن [١] فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهم بالمعروف.
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله «١» .
أيها الناس، إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم «٢» .
وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون» ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس «اللهم اشهد» . ثلاث مرات «٣» .
وكان الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله ﷺ وهو بعرفة- ربيعة بن أمية بن خلف «٤» .
وبعد أن فرغ النبي ﷺ من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (٥: ٣) وعندما سمعها عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان «٥» .
وبعد الخطبة أذن بلال ثم أقام، فصلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة، ودفع حتى أتى المزدلفة، فصلى بها
стр. 360
المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه، وكبره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا.
فدفع- من المزدلفة إلى منى- قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة- وهي الجمرة الكبرى نفسها، كانت عندها شجرة في ذلك الزمان، وتسمى بجمرة العقبة وبالجمرة الأولى- فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر- وهي سبع وثلاثون بدنة، تمام المائة- وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها.
ثم ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى على بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» ، فناولوه دلوا فشرب منه «١» .
وخطب النبي ﷺ يوم النحر- عاشر ذي الحجة- أيضا حين ارتفع الضحى، وهو على بغلة شهباء، وعلي يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد «٢» . وأعاد في خطبته هذه بعض ما كان ألقاه أمس، فقد روى الشيخان عن أبي بكرة قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر، قال:
«إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» .
وقال: «أي شهر هذا» ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذا الحجة» ؟ قلنا: بلى. قال: «أي بلد هذا» ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليست البلدة» ؟ قلنا: بلى. قال: «فأي
стр. 361
يوم هذا» ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر» ؟ قلنا: بلى. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» .
«وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض» .
«ألا هل بلغت» ؟ قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد. فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع» «١» .
وفي رواية أنه قال في تلك الخطبة: «ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به» «٢» .
وأقام أيام التشريق بمنى يؤدي المناسك ويعلم الشرائع، ويذكر الله، ويقيم سنن الهدى من ملة إبراهيم، ويمحو آثار الشرك ومعالمها، وقد خطب في بعض أيام التشريق أيضا، فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن سراء بنت نبهان قالت: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس، فقال:
«أليس هذا أوسط أيام التشريق» «٣» . وكانت خطبته في هذا اليوم مثل خطبته يوم النحر، ووقعت هذه الخطبة عقب نزول سورة النصر.
وفي يوم النفر الثاني- الثالث عشر من ذي الحجة- نفر النبي ﷺ من منى، فنزل بخيف بني كنانة من الأبطح، وأقام هناك بقية يومه ذلك، وليلته، وصلى هناك الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم ركب إلى البيت، فطاف به طواف الوداع، وكان قد أمر الصحابة أيضا.
ولما قضى مناسكه حث الركاب إلى المدينة المطهرة، لا ليأخذ حظا من الراحة، بل
стр. 362
ليستأنف الكفاح والكدح لله وفي سبيل الله «١» .
وفي طريق عودة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة توقف في منطقة غدير خم قرب الحجفة يوم ١٨ ذي الحجة، ثم خطب وأثنى على سيدنا علي بن أبي طالب وكان أهل اليمن قد أكثروا الشكاية عليه لأنه منعهم من ركوب إبل الصدقه.
ومما قاله ﷺ : لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشى في ذات الله من أن يشكى.
ومنها قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.
رواه أصحاب السنن والإمام أحمد.
أخر البعوث:
كانت كبرياء دولة الروم قد جعلتها تأبى عليه حق الحياة، وحملها على أن تقتل من أتباعها من يدخل فيه، كما فعلت بفروة بن عمرو الجذامي الذي كان واليا على معان من قبل الروم.
ونظرا إلى هذه الجراءة والغطرسة أخذ رسول الله ﷺ يجهز جيشا كبيرا في صفر سنة ١١ هـ، وأمر عليه أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، يبغي بذلك إرهاب الروم وإعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحسبن أحد أن بطش الكنيسة لا معقب له، وأن الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف فحسب.
وتكلم الناس في قائد الجيش لحداثة سنه، واستبطأوا في بعثه، فقال رسول الله ﷺ إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليّ، وإن هذا من أحب الناس إليّ بعده «٢» .
وانتدب الناس يلتفون حول أسامة، وينتظمون في جيشه، حتى خرجوا ونزلوا الجرف، على فرسخ من المدينة، إلا أن الأخبار المقلقة عن مرض رسول الله ﷺ أكرهتهم على التريث، حتى يعرفوا ما يقضي الله به، وقد قضى الله أن يكون هذا أول بعث ينفذ في خلافة أبي بكر الصديق «٣» .
стр. 363
إلى الرفيق الأعلى
طلائع التوديع:
لما تكاملت الدعوة، وسيطر الإسلام على الموقف، أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره ﷺ ، وتتضح بعباراته وأفعاله.
إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوما، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب، وتدارسه جبريل القرآن مرتين، وقال في حجة الوداع: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، وقال وهو عند جمرة العقبة: خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا، وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، وأنه نعيت إليه نفسه.
وفي أوائل صفر سنة ١١ هـ خرج النبي ﷺ إلى أحد، فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرطكم، وإني شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها «١» .
وخرج ليلة- في منتصفها- إلى البقيع فاستغفر لهم، وقال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى. وبشرهم قائلا: إنا بكم للاحقون.
بداية المرض:
وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة ١١ هـ- وكان يوم الإثنين- شهد
стр. 364
رسول الله ﷺ جنازة في البقيع، فلما رجع- وهو في الطريق- أخذه صداع في رأسه، واتقدت الحرارة، حتى إنهم كانوا يجدون سورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه.
وقد صلى النبي ﷺ بالناس وهو مريض ١١ يوما، وجميع أيام المرض كانت ١٣ أو ١٤ يوما.
الأسبوع الأخير:
وثقل برسول الله ﷺ المرض، فجعل يسأل أزواجه: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ ففهمن مراده، فأذن له يكون حيث شاء، فانتقل إلى عائشة، يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها، فقضى عندها آخر أسبوع من حياته.
وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله ﷺ ، فكانت تنفث على نفسه، وتمسحه بيده رجاء البركة.
قبل الوفاة بخمسة أيام:
ويوم الأربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة، اتقدت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع وغمي، فقال: هريقوا عليّ سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم، فأقعدوه في مخضب، وصبوا عليه الماء، حتى طفق يقول: «حسبكم، حسبكم» .
وعند ذلك أحس بخفة، فدخل المسجد- وهو معصوب الرأس- حتى جلس على المنبر، وخطب الناس- والناس مجتمعون حوله- فقال:
«لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» - وفي رواية «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد «١» - وقال: لا تتخذوا قبري وثنا يعبد» «٢» .
وعرض نفسه للقصاص قائلا: «من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه» .
ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، وعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها،
стр. 365
فقال رجل: إن لي عندك ثلاثة دراهم، فقال: أعطه يا فضل، ثم أوصى بالأنصار قائلا:
«أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» وفي رواية أنه قال: «إن الناس يكثرون، وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم» «١» .
ثم قال: «إن عبدا خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده» قال أبو سعيد الخدري: فبكى أبو بكر. قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فعجبنا له، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا، وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا «٢» .
ثم قال رسول الله ﷺ : «إن أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر» «٣» .
قبل أربعة أيام:
ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام قال- وقد اشتد به الوجع-:
«هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده» فقال بعضهم: قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله ﷺ : «قوموا عني» «٤» .
وأوصى ذلك اليوم بثلاث: أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب،
стр. 366
وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، أما الثالث فنسيه الراوي، ولعله الوصية بالاعتصام بالكتاب والسنة، أو تنفيذ جيش أسامة، أو هي «الصلاة وما ملكت أيمانكم» .
والنبي ﷺ مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى ذلك اليوم- يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام- وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب، فقرأ فيها بالمرسلات عرفا «١» .
وعند العشاء زاد ثقل المرض، بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد. قالت عائشة: فقال النبي ﷺ : «أصلى الناس» ؟ قلنا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك. قال: «ضعوا لي ماء في المخضب» . ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس» ؟ - ووقع ثانيا وثالثا ما وقع في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء- فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فصلى أبو بكر تلك الأيام «٢» ؛ ١٧ صلاة في حياته ﷺ .
وراجعت عائشة النبي ﷺ ثلاث أو أربع مرات؛ ليصرف الإمامة عن أبي بكر، حتى لا يتشاءم به الناس، فأبي، وقال: «إنكن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس» .
قبل يوم أو يومين:
ويوم السبت أو الأحد وجد النبي ﷺ في نفسه خفة، فخرج بين رجلين لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه بأن لا يتأخر، قال:
«أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ ، ويسمع الناس التكبير «٣» .
قبل يوم:
وقبل يوم من الوفاة- يوم الأحد- أعتق النبي ﷺ غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها،
стр. 367
وكانت درعه ﷺ مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من الشعير.
أخر يوم من الحياة:
روى أنس بن مالك: أن المسلمين بيناهم في صلاة الفجر يوم الإثنين- وأبو بكر يصلي بهم- لم يفجأهم إلا رسول الله ﷺ كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه؛ ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحا برسول الله ﷺ ، فأشار إليهم بيده رسول الله ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «١» .
ثم لم يأت على رسول الله ﷺ وقت صلاة أخرى.
ولما ارتفع الضحى، دعا النبي ﷺ فاطمة فسارها بشيء فبكت. ثم دعاها، فسارها بشيء فضحكت، قالت عائشة، فسألنا عن ذلك- أي فيما بعد- فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت «٢» .
وبشر النبي ﷺ فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين «٣» .
ورأت فاطمة ما برسول الله ﷺ من الكرب الشديد الذي يتغشاه، فقالت: واكرب أباه. فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» «٤» .
ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصى بهما خيرا، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن.
وطفق الوجع يشتد ويزيد، وقد ظهر أثر السم الذي أكله بخيبر حتى كان يقول:
«يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من
стр. 368
ذلك السم» «١» .
وأوصى الناس، فقال: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» ، كرر ذلك مرارا «٢» .
الاحتضار:
وبدأ الاحتضار فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل عبد الرحمن- بن أبي بكر- وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته. فأمره- وفي رواية أنه استن بها كأحسن ما كان مستنا- وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه، يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» - الحديث- «٣» .
وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع يده أو إصبعه، وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: «مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى» «٤» .
كرر الكلمة الأخيرة ثلاثا، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وقع هذا الحادث حين اشتدت الضحى من يوم الإثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ. وقد تم له ﷺ ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام.
تفاقم الأحزان على الصحابة:
وتسرب النبأ الفادح، وأظلمت على المدينة أرجاؤها وآفاقها. قال أنس: ما رأيت يوما قط
стр. 369
كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ ، وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ «١» .
ولما مات قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب ربا دعاه. يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه.
يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه «٢» .
موقف عمر:
ووقف عمر بن الخطاب- وقد أخرجه الخبر عن وعيه- يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفى، وإن رسول الله ﷺ ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات.
والله ليرجعن رسول الله ﷺ ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات «٣» .
موقف أبي بكر:
وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله ﷺ ، وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها.
ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر. فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدا ﷺ فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله، فإن الله حي لا يموت. قال الله: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (٣: ١٤٤) قال ابن عباس: والله لكأن
стр. 370
الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها.
قال ابن المسيب: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات «١» .
التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض:
ووقع الخلاف في أمر الخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه ﷺ ، فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، وأخيرا اتفقوا على خلافة أبي بكر ﵁، ومضى في ذلك بقية يوم الإثنين حتى دخل الليل، وشغل الناس عن جهاز رسول الله ﷺ ، حتى كان آخر الليل- ليلة الثلاثاء- مع الصبح، وبقي جسده المبارك على فراشه، مغشى بثوب حبرة، قد أغلق دونه الباب أهله.
ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله ﷺ من غير أن يجردوه من ثيابه، وكان القائمون بالغسل العباس وعليا، والفضل وقثم ابني العباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ ، وأسامة بن زيد، وأوس بن خولي. فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلي يغسله، وأوس أسنده إلى صدره.
ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة «٢» .
أدرجوه فيها إدراجا.
واختلفوا في موضع دفنه، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض، فرفع أبو طلحة فراشه الذي توفي عليه، فحفر تحته، وجعل القبر لحدا.
ودخل الناس الحجرة أرسالا عشرة فعشرة، يصلون على رسول الله ﷺ ولا يؤمهم أحد، وصلى عليه أولا أهل عشيرته، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، وصلت عليه النساء بعد الرجال، ثم صلى عليه الصبيان.
стр. 371
ومضى في ذلك يوم الثلاثاء كاملا، حتى دخلت ليلة الأربعاء، قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء «١» .
стр. 372
مصورات الخلافة الراشدة جمع وترتيب الدكتور علاء الدين زعتري
стр. 373
فهرس الموضوعات
الموضوع المقدمة ٣
نسب النبي ﷺ وأسرته ٥
طيب نسبه ﷺ ٦
المولد وأربعون عاما قبل النبوة ٧
المولد ٧
في بني سعد ٨
إلى أمه الحنون ١٠
إلى جده العطوف ١٠
إلى عمه الشفيق ١١
بحيرا الراهب ١١
حرب الفجار ١٢
حلف الفضول ١٢
حياة الكدح ١٣
زواجه خديجة ١٣
فضل خديجة ومنزلتها في حياة النبي ﷺ . ١٤
خطبة أبي طالب في خطبة خديجة من النبي ﷺ . ١٥
بناء الكعبة وقضية التحكيم ١٥
أهم ما تعاقب على الكعبة من الهدم والبناء ١٧
مصور (حدود الدول أيام الرسول الأعظم ﷺ ٢٠
مصور (الممالك العربية عند ظهور الاسلام) ٢١
في ظلال النبوة والرسالة ٢٢
في غار حراء ٢٢
جبريل ينزل بالوحي ٢٣
فترة الوحي ٢٦
جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية ٢٦
стр. 374
الوحي وموقف المستشرقين منه ٢٧
مصور (منازل أهم القبائل في الجزيرة العربية قبيل البعثة) ٢٨
أدوار الدعوة ومراحلها ٢٩
المرحلة الأولى (جهاد الدعوة) ٣١
ثلاث سنوات من الدعوة السرية ٣١
الرعيل الأول ٣١
وجه السرية في بدء دعوة الرسول ﷺ ٣٣
المرحلة الثانية (الدعوة جهارا) ٣٥
أول أمر بإظهار الدعوة ٣٥
الدعوة في الأقربين ٣٥
على جبل الصفا ٣٦
الصدع بالحق وردود فعل المشركين ٣٧
وفد قريش إلى أبي طالب ٣٨
المجلس الاستشاري لكف الحجّاج عن استماع الدعوة ٣٨
درجات المسؤولية ٤١
دار الأرقم ٤١
مقدمة ٤١
العبر والدلالات ٤٣
الهجرة الأولى إلى الحبشة ٤٤
قصة الغرانيق ٤٥
أثر هذه القصة على مهاجري الحبشة ٤٦
الهجرة الثانية إلى الحبشة ٤٦
مكيدة قريش بمهاجري الحبشة ٤٦
اخفاق المهمة ٤٨
قضية إسلام النجاشي ٤٩
قريش يهددون أبا طالب ٥٠
قريش بين يدي أبي طالب مرة أخرى ٥٠
فكرة الطغاة في إعدام النبي ﷺ ٥١
اسلام حمزة ﵁ ٥٣
إسلام عمر بن الخطاب ﵁ ٥٤
стр. 375
أثر إسلام عمر على المشركين ٥٧
أثر إسلام عمر على المسلمين ٥٨
ممثل قريش بين يدي الرسول ﷺ ٥٩
الدلالات ٦١
أبو طالب يجمع بني هاشم وبني عبد المطلب ٦٢
المقاطعة العامة ٦٣
سببها ٦٣
ميثاق الظلم والعدوان ٦٣
ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب ٦٤
نقض صحيفة الميثاق ٦٤
صور من واقع الحصار الاقتصادي ٦٦
آخر وفد قريش إلى أبي طالب ٦٧
عام الحزن ٦٩
وفاة أبي طالب ٦٩
خديجة إلى رحمة الله ٧٠
تراكم الأحزان ٧٠
من صور إيذاء المشركين للنبي ﷺ بعد وفاة عمه ٧٢
المرحلة الثالثة (دعوة الاسلام خارج مكة) ٧٣
الرسول ﷺ في الطائف ٧٣
عرض الاسلام على القبائل والأفراد ٧٨
القبائل التي عرض عليها الاسلام ٧٨
المؤمنون من غير أهل مكة ٧٩
ست نسمات طيبة من أهل يثرب ٨٣
الإسراء والمعراج ٨٥
بأي شيء كان الإسراء والمعراج ٨٩
بيعة العقبة الأولى ٩٠
سفير الاسلام في المدينة ٩١
العبر والدلالات ٩١
بيعة العقبة الثانية ٩٢
بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة المسؤولية ٩٣
стр. 376
بنود البيعة ٩٤
التأكيد من خطورة البيعة ٩٥
عقد البيعة ٩٥
اثنا عشر نقيبا ٩٦
نقباء الخزرج ٩٦
نقباء الأوس ٩٧
طلائع الهجرة ٩٩
الدلالات والعبر ١٠٢
هدف الدعوة ١٠٢
حكم الهجرة ١٠٢
في دار الندوة (برلمان قريش) ١٠٣
النقاش البرلماني والإجماع على قرار غاشم بقتل النبي ﷺ ١٠٥
هجرة النبي ﷺ ١٠٦
تطويق منزل الرسول ﷺ . ١٠٦
الرسول ﷺ يغادر بيته ١٠٨
من الدار إلى الغار ١٠٨
إذ هما في الغار ١٠٩
في الطريق إلى المدينة ١١١
النزول بقباء ١١٥
الدخول في المدينة ١١٧
لمحات من الهجرة ١٢٠
نص الخطبة الأولى في المدينة ١٢١
من قدم من أهل النبي ﷺ إلى المدينة ١٢١
مصور (طريق الهجرة) ١٢٢
مصور (خط السير من قباء إلى مكان المسجد النبوي) ١٢٣
بناء مجتمع جديد ١٢٤
بناء المسجد النبوي ١٢٤
المؤاخاة بين المسلمين ١٢٥
ميثاق التحالف الاسلامي ١٢٦
أثر المعنويات في المجتمع ١٢٨
стр. 377
معاهدة مع اليهود ١٣٢
بنود المعاهدة ١٣٢
الكفاح الدامي ١٣٤
استفزازات قريش ضد المسلمين ١٣٤
إعلان عزيمة الصد عن المسجد الحرام ١٣٥
قريش تهدد المهاجرين ١٣٥
الإذن بالقتال ١٣٦
الغزوات والسرايا قبل بدر ١٣٧
غزوة بدر الكبرى ١٤٤
سبب الغزوة ١٤٤
مبلغ قوة الجيش الاسلامي وتوزيع القيادات ١٤٤
الجيش الاسلامي يتحرك نحو بدر ١٤٥
النذير في مكة ١٤٥
أهل مكة يتجهزون للغزو ١٤٦
قوام الجيش المكي ١٤٦
مشكلة قبائل بني بكر ١٤٦
جيش مكة يتحرك ١٤٧
العير تفلت ١٤٧
هم الجيش المكي بالرجوع ووقوع الانشقاق فيه ١٤٧
حراجة موقف الجيش الاسلامي ١٤٨
المجلس الاستشاري ١٤٨
الجيش الاسلامي يواصل سيره ١٥٠
الرسول ﷺ يقوم بعملية الاستكشاف ١٥٠
الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي ١٥٠
نزول المطر ١٥١
الجيش الاسلامي يسبق إلى أهم المراكز العسكرية ١٥١
مقر القيادة ١٥٢
تعبئة الجيش وقضاء الليل ١٥٢
الجيش المكي في عرصة القتال ووقوع الانشقاق فيه ١٥٣
خريطة غزوة بدر ١٥٤
стр. 378
الجيشان يتراآن ١٥٥
تعليمات القتال ١٥٥
ساعة الصفر وأول وقود المعركة ١٥٦
المبارزة ١٥٦
الهجوم العام ١٥٧
الرسول ﷺ يناشد ربه ١٥٧
نزول الملائكة ١٥٨
الهجوم المضاد ١٥٨
إبليس ينسحب عن ميدان القتال ١٥٩
الهزيمة الساحقة ١٥٩
صمود أبي جهل ١٦٠
مصرع أبي جهل ١٦٠
قتلى الفريقين ١٦٢
مصور (غزوة بدر الكبرى) ١٦٣
العبر والعظات ١٦٥
مؤامرة لاغتيال النبي ﷺ ١٦٧
غزوة بني قينقاع ١٦٨
مصور (غزوة بني قينقاع) ١٦٩
نموذج من مكيدة اليهود ١٧٠
بنو قينقاع ينقضون العهد ١٧١
الحصار ثم التسليم ثم الجلاء ١٧٢
غزوة السويق ١٧٣
غزوة ذي أمر ١٧٤
قتل كعب بن الأشرف ١٧٥
غزوة بحران ١٧٨
سرية زيد بن حارثة ١٧٨
غزوة أحد ١٨١
استعداد قريش لمعركة ناقمة ١٨١
المحرّضون ١٨١
تمويل الحرب ١٨١
стр. 379
التعبئة العامة ١٨١
قوام جيش قريش وقيادته ١٨٢
جيش مكة يتحرك ١٨٢
الاستخبارات النبوية تكشف حركة العدو ١٨٣
استعداد المسلمين للطوارئ ١٨٣
الجيش المكي إلى أسوار المدينة ١٨٣
المجلس الاستشاري لأخذ خطة الدفاع ١٨٤
تكتيب الجيش الاسلامي وخروجه إلى ساحة القتال ١٨٥
توزيع الجيش ١٨٥
قوام الجيش ١٨٥
استعراض الجيش ١٨٦
المبيت بين أحد والمدينة ١٨٦
تمرد عبد الله بن أبي وأصحابه ١٨٦
بقية الجيش الاسلامي إلى أحد ١٨٧
خطة الدفاع ١٨٨
الرسول ﷺ ينفث روح البسالة في الجيش ١٨٩
تعبئة الجيش المكي ١٩٠
مناورات سياسية من قبل قريش ١٩٠
جهود نسوة قريش في التحميس ١٩١
أول وقود المعركة ١٩١
ثقل المعركة حول اللواء وإبادة حملته ١٩٢
القتال في بقية النقاط ١٩٣
مصرع أسد الله حمزة بن عبد المطلب ١٩٤
مصور (الطريق إلى أحد) ١٩٥
مصور (تعبئة غزوة أحد) عبد المطلب ١٩٦
السيطرة على الموقف ١٩٧
(غسيل الملائكة) ١٩٧
غلطة الرماة الفظيعة ١٩٨
خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش الاسلامي ١٩٩
موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق ١٩٩
стр. 380
تبد السلمين في الموقف ٢٠٠
احتدام القتال حول رسول ﷺ . ٢٠٢
أحرج ساعة في حياة الرسول ﷺ . ٢٠٢
مصور (غزوة أحد) ٢٠٣- ٢٠٤
بداية تجمع الصحابة حول الرسول ﷺ . ٢٠٧
تضاعف ضغط المشركين ٢٠٨
البطولات النادرة ٢٠٨
إشاعة مقتل النبي ﷺ وأثره على المعركة ٢٠٩
الرسول ﷺ يواصل المعركة وينقذ الموقف ٢١٠
خريطة غزوة أحد ٢١١
مقتل أبي بن خلف ٢١٢
طلحة ينهض بالنبي ﷺ ٢١٢
اخر هجوم قام به المشركون ٢١٣
تشويه الشهداء ٢١٣
مدى استعداد أبطال المسلمين للقتال حتى نهاية المعركة ٢١٤
بعد انتهاء الرسول ﷺ إلى الشعب ٢١٥
شماتة أبي سفيان بعد نهاية المعركة وحديثه مع عمر ٢١٥
مواعدة التلاقي في بدر ٢١٦
التثبت من موقف المشركين ٢١٦
تفقد القتلى والجرحى ٢١٦
جمع الشهداء ودفنهم ٢١٨
الرسول ﷺ يثني على ربه ويدعوه ٢١٩
الرجوع إلى المدينة ونوادر الحب والتفاني ٢١٩
الرسول ﷺ في المدينة ٢٢٠
قتلى الفريقين ٢٢١
حالة الطوارئ في المدينة ٢٢١
غزوة حمراء الأسد ٢٢١
القرآن يتحدث حول معركة أحد وما بعدها ٢٢٥
الحكم والغايات المحمودة في هذه الغزوة ٢٢٦
العبر والدلالات والعظات والدروس ٢٢٧
стр. 381
السرايا والبعوث بين أحد والأحزاب ٢٢٩
سرية أبي سلمة ٢٢٩
بعث عبد الله بن أنيس ٢٣٠
بعث الرجيع ٢٣٠
مأساة بئر معونة ٢٣٢
غزوة بني النضير ٢٣٣
مصور (غزوة بني النضير) ٢٣٤
غزوة نجد ٢٣٧
غزوة بدر الثانية ٢٣٨
غزوة دومة الجندل ٢٣٩
غزوة الأحزاب ٢٤١
قبائل العرب في العهد النبوي ٢٤٢
خريطة غزوة الأحزاب ٢٤٨
الدروس والعبر ٢٥٤
مصور (معركة الخندق) ٢٥٥
غزوة بني قريظة ٢٥٦
مصور (إجلاء بني النضير) ٢٦١
غزوة بني المصطلق (غزوة المريسيع) ٢٦٢
دور المنافقين قبل غزوة بني المصطلق ٢٦٣
دور المنافقين في غزوة بني المصطلق ٢٦٦
١- قول المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ٢٦٦
٢- حديث الإفك ٢٦٨
مصور (غزوة بني المصطلق) ٢٧١
العبر والدلالات ٢٧٢
وقعة الحديبية ٢٧٣
سبب عمرة الحديبية ٢٧٣
استنفار المسلمين ٢٧٣
المسلمون يتحركون إلى مكة ٢٧٣
محاولة قريش صد المسلمين عن البيت ٢٧٤
تبديل الطريق ومحاولة الاجتناب عن اللقاء الدامي ٢٧٤
стр. 382
بديل يتوسط بين رسول الله ﷺ وقريش ٢٧٥
رسل قريش ٢٧٥
هو الذي كف أيديهم عنكم ٢٧٦
عثمان بن عفان سفيرا إلى قريش ٢٧٧
إشاعة مقتل عثمان وبيعة الرضوان ٢٧٧
إبرام الصلح وبنوده ٢٧٨
رد أبي جندل ٢٧٩
النحر والحلق للحل عن العمرة ٢٧٩
الإباء عن رد المهاجرات ٢٨٠
ماذا يتمخض عن بنود المعاهدة ٢٨٠
حزن المسلمين ومناقشة عمر مع النبي ﷺ ٢٨٢
انحلت أزمة المستضعفين ٢٨٣
إسلام أبطال من قريش ٢٨٣
وقفة تأمل في هذا الصلح ٢٨٤
المرحلة الثانية (طور جديد) ٢٨٥
مكاتبة الملوك والأمراء ٢٨٦
١- الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة ٢٨٦
٢- الكتاب إلى المقوقس ملك مصر ٢٨٩
٣- الكتاب إلى كسرى ملك فارس ٢٩٠
٤- الكتاب إلى قيصر ملك الروم ٢٩١
٥- الكتاب إلى المنذر بن ساوى ٢٩٤
٦- الكتاب إلى هوذه بن علي صاحب اليمامة ٢٩٤
٧- الكتاب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق ٢٩٥
٨- الكتاب إلى ملك عمان ٢٩٥
من دلالات الرسائل إلى الملوك ٢٩٨
مصور يوضح جهات الملوك والأمراء الذين استلموا رسائل من النبي ﷺ ٢٩٩
غزوة خيبر ووادي القرى ٣٠٠
سبب الغزوة ٣٠٠
الخروج إلى خيبر ٣٠١
عدد الجيش الاسلامي ٣٠١
стр. 383
اتصال المنافقين باليهود ٣٠١
الطريق إلى خيبر ٣٠٢
بعض ما وقع في الطريق ٣٠٢
الجيش الاسلامي إلى أسوار خيبر ٣٠٣
اختيار المعسكر ٣٠٣
التوجيه المعنوي ٣٠٤
التهيؤ للقتال وحصون خيبر ٣٠٤
بدء القتال وفتح حصن ناعم ٣٠٥
فتح حصن الصعب بن معاذ ٣٠٦
فتح قلعة الزبير ٣٠٧
فتح قلعة أبي ٣٠٨
فتح حصن النزار (البرئ) ٣٠٨
فتح الشطر الثاني من خيبر ٣٠٩
المفاوضة ٣٠٩
قتل ابني أبي الحقيق لنقض العهد ٣١٠
قسمة الغنائم ٣١٠
قدوم جعفر بن أبي طالب والأشعريين ٣١١
الزواج بصفية ٣١٢
أمر الشاة المسمومة ٣١٢
قتلى الفريقين في معارك خيبر ٣١٣
فدك ٣١٣
وادي القرى ٣١٤
تيماء ٣١٤
العود إلى المدينة ٣١٥
صورة من خيبر ٣١٦
من دروس هذه الواقعة ٣١٧
مصور (فتح خيبر) ٣١٨
مصور (أسماء الحصون) ٣١٩
بقية السرايا والغزوات في السنة السابعة ٣٢٠
غزوة ذات الرقاع ٣٢٠
стр. 384
عمرة القضاء ٣٢٣
معركة مؤتة ٣٢٦
سبب المعركة ٣٢٦
أمراء الجيش ووصية رسول الله ﷺ ٣٢٦
توديع الجيش الاسلامي وبكاء عبد الله بن رواحة ٣٢٧
تحرك الجيش الاسلامي ٣٢٧
المجلس الاستشاري بمعان ٣٢٨
الجيش الاسلامي يتحرك نحو العدو ٣٢٨
بداية القتال، وتناوب القواد ٣٢٨
الراية إلى سيف من سيوف الله ٣٢٩
نهاية المعركة ٣٣٠
قتلى الفريقين ٣٣١
أثر المعركة ٣٣١
مصور (غزوة مؤتة) ٣٣٢
غزوة فتح مكة ٣٣٣
سبب الغزوة ٣٣٣
أبو سفيان يخرج إلى المدينة ليجدد الصلح ٣٣٤
التهيؤ للغزوة ومحاولة الإخفاء ٣٣٦
خبر حاطب ٣٣٧
محكمة حاطب ٣٣٧
الجيش الاسلامي يتحرك نحو مكة ٣٣٨
الجيش الاسلامي ينزل بمر الظهران ٣٣٨
أبو سفيان بين يدي رسول الله ٣٣٩
الجيش الاسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة ٣٤٠
نفي التفاخر ٣٤١
قريش تباغت زحف الجيش الاسلامي ٣٤١
الجيش الاسلامي بذي طوى ٣٤٢
الجيش الاسلامي يدخل مكة ٣٤٢
الرسول ﷺ يدخل المسجد الحرام ويطهره من الأصنام ٣٤٣
الرسول ﷺ يصلي في الكعبة ثم يخطب أمام قريش ٣٤٣
стр. 385
لا تثريب عليكم اليوم ٣٤٤
مفتاح البيت إلى أهله ٣٤٤
بلال يؤذن على الكعبة ٣٤٤
صلاة الفتح أو صلاة الشكر ٣٤٥
إهدار دماء رجال من أكابر المجرمين ٣٤٥
إسلام صفوان بن أمية، وفضالة بن عمير ٣٤٦
خطبة الرسول ﷺ في اليوم الثاني من الفتح ٣٤٦
تخوف الأنصار من بقاء الرسول ﷺ في مكة ٣٤٧
أخذ البيعة ٣٤٧
إقامته ﷺ بمكة، وعمله فيها ٣٤٨
غزوة (فتح مكة المكرمة) ٣٤٩
بيان (جيش الفتح الأعظم) ٣٥٠
المرحلة الثالثة ٣٥١
مصور (غزوة حنين) ٣٥٢
غزوة حنين ٣٥٣
مسيرة العدو ونزوله بأوطاس ٣٥٣
مجرب الحروب يغلط رأي القائد ٣٥٣
سلاح استكشاف العدو ٣٥٤
الرسول ﷺ يغادر مكة إلى حنين ٣٥٤
الجيش الاسلامي يباغته الرماة ٣٥٥
رجوع المسلمين واحتدام المعركة ٣٥٦
انكسار حدة العدو، وهزيمته الساحقة ٣٥٦
حركة المطاردة ٣٥٧
الغنائم ٣٥٧
غزوة الطائف ٣٥٧
قسمة الغنائم بالجعرانة ٣٥٩
الأنصار تجد على رسول الله ﷺ ٣٦٠
قدوم وفد هوازن ٣٦١
العمرة والانصراف إلى المدينة ٣٦٢
غزوة تبوك ٣٦٤
стр. 386
سبب الغزوة ٣٦٤
الأخبار العامة عن استعداد الرومان وغسان ٣٦٥
الأخبار الخاصة عن استعداد الرومان وغسان ٣٦٦
زيادة خطورة الموقف ٣٦٦
الرسول ﷺ يقرر القيام بإقدام حاسم ٣٦٦
الإعلان بالتهيؤ لقتال الرومان ٣٦٧
المسلمون يتسابقون إلى التجهز للغزو ٣٦٧
الجيش الاسلامي إلى تبوك ٣٦٨
الجيش الاسلامي بتبوك ٣٧٠
الرجوع إلى المدينة ٣٧١
المخلفون ٣٧١
أثر الغزوة ٣٧٣
نزول القرآن حول موضوع الغزوة ٣٧٣
مصور (غزوة تبوك) ٣٧٥
الناس يدخلون في دين الله أفواجا ٣٧٦
الوفود ٣٧٧
مصور (انتشار الاسلام في عهد النبي ﷺ ٣٨٧
حجة الوداع ٣٨٨
آخر البعوث ٣٩٣
بيان (الغزوات التي قادها النبي ﷺ ٣٩٤
إلى الرفيق الأعلى ٣٩٩
طلائع التوديع ٣٩٩
بداية المرض ٣٩٩
الأسبوع الأخير ٤٠٠
قبل الوفاة بخمسة أيام ٤٠٠
قبل أربعة أيام ٤٠١
قبل يوم أو يومين ٤٠٢
قبل يوم ٤٠٢
آخر يوم من الحياة ٤٠٣
الاحتضار ٤٠٤
стр. 387
تفاقم الأحزان على الصحابة ٤٠٤
موقف عمر ٤٠٥
موقف أبي بكر ٤٠٥
التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض ٤٠٦
مصورات الخلافة الراشدة ٤٠٩
حروب المرتدين ٤١٠
الجبهة الفارسية في عهد الصديق ٤١١
خط سير خالد بن الوليد بين العراق والشام ٤١٢
الفتوحات الاسلامية في عهد أبي بكر الصديق ٤١٣
اليرموك ٤١٤
فتح دمشق ٤١٥
سير الفتوح الأولى في بلاد الشام ٤١٦
فتح الجزيرة ٤١٧
فتوح العراق ٤١٨- ٤١٩
الجناح الشرقي من الدولة الاسلامية ٤٢٠
فتح مصر ٤٢١
الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب ٤٢٢
الفتوحات في عهد عثمان بن عفان ٤٢٣
سلم أحداث الخلافة الراشدة ٤٢٤
المصادر والمراجع ٤٢٥
فهرس الموضوعات ٤٢٧
стр. 388
المصادر والمراجع
١- الرحيق المختوم. صفي الرحمن المباركفوري
٢- فقه السيرة النبوية. الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
٣- فقه السيرة. محمد الغزالي
٤- أطلس تاريخ الاسلام. د. حسين مؤنس
٥- أطلس التاريخ العربي. د. شوقي أبو خليل
٦- التاريخ الاسلامي. محمود شاكر
٧- الجامع في السيرة النبوية. سميرة الزايد
٨- جيش رسول الله ﷺ . اللواء الركن محمود شيت خطاب
٩- حركة الفتح الاسلامي. د. شكري فيصل
١٠- خطب الجمعة في السيرة النبوية. نجدت رمضان