المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأكمل التسليم على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن سيرة النبي المصطفى محمد ﷺ هي الأساس الكامل والمرجع الرئيس لكل داعية يرجو لعمله النجاح، وللدعوة الإسلامية الاستمرار.
فالرسالة المحمدية والسيرة العطرة لا تزال متصلة يحملها العدول من كل زمان، من العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، وقد تناقلت الأجيال سيرة رسول الله ﷺ جيلا بعد جيل، حفظا في الصدور، وكتابة في السطور، وسجلت في كتب يضيق بها الحصر والتعداد، وسوف تظل الكتابة فيها متواصلة ما بين مختصر وشارح، أو مفند وكاتب للعبر والدلالات، ويبقى الحديث عن السيرة قائما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن فضل الله علي أن وفقني لتدريس مادة السيرة النبوية وقد اختارت لجنة المناهج كتابا قيما فكان الكتاب نواة لمنهج السيرة النبوية.
وقد وجدت أن من المفيد إضافة بعض التأملات والعبر والدروس لحوادث السيرة مما يجعل قراءتها أكثر أهمية وأجلّ نفعا.
وشفعتها بمصورات إيضاحية تبين الأماكن والآثار والمواقع ليسهل على الدارس معرفة الحوادث ودراستها.
والله أسأل أن ينفع بهذا العلم طلاب العلم وجميع المسلمين.
كما أسأله أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم.
د. علاء الدين زعتري
стр. 2
(بسم الله الرحمن الرحيم)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
تعتبر مادة السيرة النبوية من أهم المواد الشرعية لأنها ترسم منهاج حياة النبي ﷺ ، وتكمن أهمية تدريس مادة السيرة في تقديمها بشكل شيق يجعلها منهاج حياة السامعين.
وأردد دائما مقولة أن السيرة النبوية صيدلية عظيمة وما علينا إلا استخدام الدواء المناسب للمرض المناسب. ففهمنا لسيرة النبي ﷺ تجعلنا نحسن استخدام أدويتها لحل مشاكلنا.
ولقد منّ الله تعالى عليّ بتدريس هذه المادة في كلية أصول الدين منذ بضع سنوات، جزى الله القائمين عليها كل خير، وجعلني أهلا لهذا.
ويعتبر هذا الكتاب في سيرة النبي ﷺ من خيرة وأحدث ما كتب في سيرة النبي ﷺ . فجهد المؤلف فيه عظيم ومشكور. ومع وجود الكثير من الأخطاء المطبعية فقد أكرمني الله بالتعاون مع أخي الدكتور علاء الدين زعتري بوضع بعض التصويبات وإضافة بعض التعديلات والملاحظات التي تزيد الكتاب وضوحا وسهولة.
كما وتم إضافة الكثير من المصورات التي تساعد في فهم الغزوات والمعارك المختلفة وتوضح أماكن وقوع الحوادث التاريخية العظيمة وفي هذا خير عظيم للقارئ والدارس.
مما يجعل هذا الكتاب بوضعه الجديد مناسبا تماما للدراسة في كلية أصول الدين لطلاب السنة الأولى والسنة الثانية.
نرجو من الله تعالى تمام التوفيق وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) والحمد لله رب العالمين
غسان محمد رشيد الحموي مدرس مادة السيرة النبوية.
стр. 3
نسب النبي- ﷺ وأسرته نسب النبي- ﷺ :
لنسب النبي ﷺ ثلاثة أجزاء: جزء اتفق على صحته أهل السير والأنساب وهو إلى عدنان، وجزء اختلفوا فيه ما بين متوقف فيه وقائل به، وهو ما فوق عدنان إلى إبراهيم ﵇، وجزء لا نشك أن فيه أمورا غير صحيحة، وهو ما فوق إبراهيم إلى آدم ﵉، وقد أسلفنا الإشارة إلى بعض هذا، وهاك تفصيل تلك الأجزاء الثلاثة:
الجزء الأول: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب- واسمه شيبة- بن هاشم- واسمه عمرو- بن عبد مناف- واسمه المغيرة- بن قصي- واسمه زيد- بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر- وهو الملقب بقريش وإليه تنتسب القبيلة- بن مالك بن النضر- واسمه قيس- بن كنانة بن خزيمة بن مدركة- واسمه عامر- بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان «١» .
الجزء الثاني: ما فوق عدنان، وعدنان هو ابن أد بن هميسع بن سلامان ابن عوص بن بوز بن قموال بن أبي بن عوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم بن ناحش بن ماخي بن عيض بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يحزن بن يلحن بن أرعوي بن عيض بن ديشان بن عيصر بن أفناد بن أيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمي بن مزي بن عوضة بن عرام بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ «٢» .
الجزء الثالث: ما فوق إبراهيم ﵇، وهو ابن تارح- واسمه آزر- بن ناحور بن ساروع- أو ساروغ- بن راعو بن فالخ بن عابر بن شالخ ابن أرفخشد بن سام بن نوح- ﵇ بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ- يقال هو إدريس ﵇ ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن آنوشة بن شيث بن آدم ﵉ «٣»
стр. 4
طيب نسبه ﷺ
روى الترمذي أنه ﷺ قام على المنبر، فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله عليك السلام، فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتهم، فجعلني في خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا.
وروى مسلم من حديث وائلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ عن نفسه:
«إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
стр. 5
المولد وأربعون عاما قبل النبوة
المولد:
ولد سيد المرسلين ﷺ بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الإثنين التاسع من شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك العشرين أو الثاني وعشرين من شهر أبريل سنة ٥٧١ م حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان المنصور فوري والمحقق الفلكي محمود باشا «١» .
وروى ابن سعد أن أم رسول الله ﷺ قالت: لما ولدته خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، وروى أحمد عن العرباض بن سارية ما يقارب ذلك «٢» .
وقد روي أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك البيهقي «٣» ولا يقره محمد الغزالي «٤» .
ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، واختار له اسم محمد- وهذا الاسم لم يكن معروفا في العرب- وختنه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون «٥» .
стр. 6
وأول من أرضعته من المراضع- بعد أمه ﷺ ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي «١» .
في بني سعد:
وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم، ابتعادا لهم عن أمراض الحواضر؛ لتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربي في مهدهم، فالتمس عبد المطلب لرسول الله ﷺ الرضعاء، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر- وهي حليمة بنت أبي ذؤيب- وزوجها الحارث بن عبد العزى المكنى بأبي كبشة، من نفس القبيلة.
وإخوته ﷺ هناك من الرضاعة عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث (وهي الشيماء- لقب غلب على اسمها-) وكانت تحضن رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله ﷺ .
وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله ﷺ يوما وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيع رسول الله ﷺ من وجهين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية «٢» .
ورأت حليمة من بركته ﷺ ما قصّت منه العجب، ولنتركها تروي ذلك مفصلا:
قال ابن إسحق: كانت حليمة تحدث: أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه، في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء «٣» ، معنا شارف لنا «٤» ، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض
стр. 7
عليها رسول الله ﷺ فتأباه، إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده! فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه، فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة! لقد أخدت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله! إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علَّي حين قدمنا به معنا شباعا لبّنا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبّنا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شبايا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا، قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا «١» .
وهكذا بقي رسول الله ﷺ في بني سعد، حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة «٢» من
стр. 8
مولده وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون «١» .
إلى أمه الحنون:
وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين «٢» .
ورأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كيلو مترا، ومعها ولدها اليتيم- محمد ﷺ وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرا، ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ يلاحقها المرض، ويلح عليها في أوائل الطريق، فماتت بالأبواء بين مكة والمدينة «٣» .
إلى جده العطوف:
وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم، الذي أصيب بمصاب جديد نكأ الجروح القديمة، فرق عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولاده، قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا فوالله إن له لشأنا،
стр. 9
ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع «١» .
ولثماني سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره ﷺ توفي جده عبد المطلب بمكة، ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه «٢» .
إلى عمه الشفيق:
ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده، وقدمه عليهم، واختصه بفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه. ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ من ذلك في مواضعها.
بحيرا الراهب:
ولما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة- قيل وشهرين وعشرة أيام «٣» - ارتحل به أبو طالب تاجرا إلى الشام، حتى وصل إلى بصرى «٤» - وهي معدودة من الشام وقصبة لحوران، وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان- وكان في هذه البلد راهب عرف ببحيرا واسمه جرجيس فلما نزل الركب خرج إليهم، وأكرمهم بالضيافة، وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك وعرف رسول الله ﷺ بصفته، فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال أبو طالب: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخرّ ساجدا، ولا تسجد إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده، ولا يقدم به إلى الشام، خوفا عليه من اليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة «٥» .
стр. 10
حرب الفجار:
ولخمس عشرة من عمره ﷺ كانت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة وبين قيس عيلان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية لمكانته فيهم سنا وشرفا، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس. وسميت بحرب الفجار لانتهاك حرمات الحرم والأشهر الحرم فيها، وقد حضر هذه الحرب رسول الله ﷺ ، وكان ينبل على عمومته، أي يجهز لهم النبل للرمي «١» .
حلف الفضول:
وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذي القعدة في شهر حرام، تداعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي لسنه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله ﷺ ، وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت «٢»
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف إن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمي، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار، ومخزوما، وجمحا، وسهما، وعديا، فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قبيس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعا صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك؟ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فقاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي بعد ما أبرموا الحلف «٣»
стр. 11
حياة الكدح:
ولم يكن له ﷺ عمل معين في أول شبابه، إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنما، رعاها في بني سعد «١» ، وفي مكة لأهلها على قراريط «٢» وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرا إلى الشام في مال خديجة ﵂، قال ابن إسحق: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوما تجارا فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله ﷺ منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام «٣» .
زواجه خديجة:
ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه ﷺ من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين. وجدت ضالتها المنشودة- وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها، فتأبى عليهم ذلك- فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منية، وهذه ذهبت إليه ﷺ تفاتحه أن يتزوج خديجة، فرضي بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة، وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج، وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بكرة، وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبا وثروة وعقلا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ ، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت «٤» .
стр. 12
وكل أولاده ﷺ منها سوى إبراهيم، ولدت له أولا القاسم- وبه كان يكنى- ثم زينب ورقية، وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله، وكان عبد الله يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن، إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته ﷺ ، سوى فاطمة ﵂ فقد تأخرت بعده ستة أشهر، ثم لحقت به «١»
فضل خديجة ومنزلتها في حياة النبي ﷺ
ثبت في الصحيين أنها خير نساء زمانها على الإطلاق.
روى البخاري ومسلم عن عائشة أنها قالت: ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة، وإني لم أدركها، قالت: كان رسول لله ﷺ إذا ذبح الشاة، فيقول:
أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يوما، فقلت: خديجة!! فقال ﷺ «إني قد رزقت حبها» .
وروى الطبراني وأحمد عن عائشة قالت: كان رسول لله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوما من الأيام، فأخذتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا، قد أبدلك الله خيرا منها؟ فغضب ثم قال: «لا، والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء» .
стр. 13
خطبة أبي طالب في خطبة خديجة من النبي ﷺ
الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل، وضئضيء معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوّاس حرمه، وجعله لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا حكام الناس.
ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح عليه برا، وفضلا، وكرما، وعقلا، ومجدا، ونبلا، وإن كان في المال قلّ، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل! وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليّ.
بناء الكعبة وقضية التحكيم:
ولخمس وثلاثين سنة من مولده ﷺ قامت قريش ببناء الكعبة، وذلك لأن الكعبة كانت رضما فوق القامة، ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل، ولم يكن لها سقف، فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت- باعتبارها أثرا قديما- للعوادي التي أوهت بنيانها، وصدعت جدرانها، وقبل بعثته ﷺ بخمس سنين جرف مكة سيل عرم، انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصا على مكانتها، واتفقوا على أن لا يدخلوا في بنائها إلا طيبا، فلا يدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد ابن المغيرة المخزومي، وتبعه الناس لما رأوا أنه لم يصبه شيء، ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد
стр. 14
إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء، فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءا منها، فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بنّاء رومي اسمه باقوم، ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمسا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله ﷺ ، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد. فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء، فوضع الحجر وسطه، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده، فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضي به القوم.
وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم، ورفعوا بابها من الأرض؛ لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعا سقفوه على ستة أعمدة.
وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريبا يبلغ ارتفاعه ١٥ مترا، وطول ضلعه الذي في الحجر الأسود والمقابل له ١٠، ١٠ م، والحجر موضوع على ارتفاع ٥٠، ١ م من أرضية المطاف. والضلع الذي في الباب والمقابل له ١٢ م وبابها على ارتفاع مترين على الأرض، ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها ٢٥، ٠ م ومتوسط عرضها ٣٠، ٠ م وتسمى بالشاذروان، وهي من أصل البيت لكن قريشا تركتها «١» .
стр. 15
أهم ما تعاقب على الكعبة من الهدم والبناء
بنيت الكعبة خلال الدهر كله، أربع مرات بيقين، ووقع الخلاف والشك فيما قبل هذه المرات الأربع وبعدها.
أما المرة الأولى منها: فهي التي قام بأمر البناء فيها نبي الله إبراهيم ﵊ يعينه ابنه إسماعيل ﵊، وذلك استجابة لأمر الله، وقد ثبت ذلك بصريح القرآن والسنة.
قال الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (البقرة: ١٢٧)
وفي الحديث: « ... ثم قال- أي إبراهيم-: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» . رواه البخاري في كتاب الأنبياء (٦٤) باب (يزفون) / الصافات ٩٤/ النسلان في المشي (١٢) حديث رقم (٣١٨٤) ، عن ابن عباس، ج ٣، ص ١٢٣٠.
وأما المرة الثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل الإسلام، واشترك النبي ﷺ في بنائها، وقصّرت النفقة بقريش فلم يتمموا البناء على قواعد إبراهيم ﵇.
وفي ذلك يقول النبي ﷺ : «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم» .
стр. 16
فذلك الذي حمل ابن الزبير ﵄ على هدمه، قال يزيد- ابن رومان-: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير- ابن حازم- فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: هاهنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. رواه البخاري في كتاب الحج (٣٢) ، باب فضل مكة وبنيانها (٤١) ، حديث رقم (١٥٠٩) ، ج، ص ٥٧٤.
ومن الدروس المستفادة ما رواه جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ ، كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزارة، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة، قال: فحلّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشيا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانا ﷺ . رواه البخاري في كتاب الصلاة في الثياب (٩) باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها (٧) ، حديث رقم (٣٥٧) ، ج ١، ص ١٤٣، وتكرر تحت رقم ١٥٠٥ و ٣٦١٧.
وأما المرة الثالثة: فقد كانت عند ما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزتها جيوشه من أهل الشام، عند ما حاصروا عبد الله بن الزبير بقيادة الحصين بن نمير في آخر سنة ست وأربعين للهجرة، ورموا البيت بالمنجنيق، فتهدم واحترق.
فانتظر ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، فاستشارهم قائلا: أيها الناس، أشيروا عليّ في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وهى منها؟ فقال له ابن عباس: أرى أن تصلح ما وهى وتدع بيتا أسلم الناس عليه، وأحجارا أسلم الناس عليها، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّه، فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري.
ثم باشر نقضه بعد ثلاثة أيام حتى بلغوا به الأرض، فأقام ابن الزبير أعمدة من حوله، وأرخى عليها الستور، ثم باشروا في رفع بنائه، وزاد فيه ما أخرجت قريش منه.
وزاد في ارتفاعه إلى السماء عشرة أذرع، وجعل له بابين، اتباعا لحديث عائشة.
وأما المرة الرابعة: فقد كانت بعد مقتل ابن الزبير.
روى مسلم عن عطاء أنه لما قتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أسّ نظر إليه العدول
стр. 17
من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء. أما ما زاد في طوله- ارتفاعه- فأقرّه، وأما ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه.
أما ما وقع الشك والخلاف فيه فهو بناء الكعبة قبل بناء نبي الله إبراهيم ﵊، روى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عبد الله بن عمرو قال:
قال رسول الله ﷺ : «بعث الله جبريل ﵇ إلى آدم وحواء، فقال لهما: ابنيا لي بيتا، فخط لهما جبريل ﵊، فجعل آدم يحفر، وحواء تنقل حتى أصابه الماء، فنودي من تحته: حسبك يا آدم، فلما بنياه أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح ﵇، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم ﵊ القواعد منه» .
وهناك روايات وآثار أخرى قريبة في المعنى الذي رواه البيهقي، إلا أن جميعها لا يخلوا من ضعف أو نكارة.
فالأولى اعتماد ما ثبت يقينا، وأما ما وراء ذلك فنكل علمه إلى الله.
стр. 18
في ظلال النبوة والرسالة
في غار حراء:
ولما تقاربت سنه ﷺ الأربعين، وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور، على مبعدة نحو ميلين من مكة- وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد- ومعه أهله قريبا منه، فيقيم فيه شهر رمضان، يطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون، وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة، وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه «١» .
وكان اختياره ﷺ لهذه العزلة طرفا من تدبير الله له، وليعده لما ينتظره من الأمر العظيم.
ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى.. لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة.
وهكذا دبر الله لمحمد ﷺ وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ.. دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عند ما يأذن الله «٢» .
стр. 19
جبريل ينزل بالوحي:
ولما تكامل له أربعون سنة- وهي رأس الكمال، وقيل: ولها تبعث الرسل- بدأت آثار النبوة تتلوح وتتلمع له من وراء آفاق الحياة، وتلك الآثار هي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر- ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة- فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته ﷺ بحراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن «١» .
وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلا، ويوافق ١٠ أغسطس سنة ٦١٠ م، وكان عمره ﷺ إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة أشهر، و ١٢ يوما، وذلك نحو ٣٩ سنة شمسية وثلاثة أشهر و ٢٢ يوما «٢» .
стр. 20
ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها تروي لنا قصة هذه الوقعة التي كانت شعلة من نور الله، أخذت تفتح دياجير ظلمات الكفر والضلال، حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط التاريخ. قالت عائشة ﵂:
أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ: فقلت: ما أنا بقارىء، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ «١» فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الورع، فقال لخديجة، مالي، وأخبرها الخبر، لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي ابن عم خديجة- وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي- فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي،
стр. 21
وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي «١» .
وروى الطبري وابن هشام ما يفيد أنه خرج من غار حراء بعد ما فوجىء بالوحي ثم رجع وأتم جواره، وبعد ذلك رجع إلى مكة، ورواية الطبري تلقي ضوءا على سبب خروجه وهاك نصها:
قال رسول الله ﷺ بعد ذكر مجيء الوحي: ولم يكن من خلق الله أبغض عليّ من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إن الأبعد. - يعني نفسه- شاعر أو مجنون إلا تحدث بها عني قريش أبدا! لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها، فلأستريحن! قال: فخرجت أريد ذلك، حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد!! أنت رسول الله، وأنا جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول الله وأنا جبريل. قال:
فوقفت أنظر إليه، وشغلني ذلك عما أردت، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي، ولا أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مقامي، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي «٢» حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها (ملتصقا بها مائلا إليها) فقالت: يا أبا القاسم! أين كنت؟ فوالله لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم، واثبت، فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة «٣» ، ثم قامت فانطلقت إلى ورقة وأخبرته. فقال: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت، فرجعت خديجة وأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف (إلى مكة) لقيه ورقة، وقال بعد أن سمع منه خبره:
والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى «٤» .
стр. 22
فترة الوحي:
أما مدة فترة الوحي فروى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد أنها كانت أياما «١» وهذا الذي يترجح بل يتعين بعد إدارة النظر في جميع الجوانب. وأما ما اشتهر من أنها دامت طيلة ثلاث سنين أو سنتين ونصف فلا يصح بحال، وليس هذا موضع التفصيل في رده.
وقد بقي رسول الله ﷺ في أيام الفترة كئيبا محزونا، تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه:
وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنا عدا «٢» منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك «٣» .
جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية:
قال ابن حجر: وكان ذلك (أن انقطاع الوحي أياما) ، ليذهب ما كان ﷺ وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود «٤» ، فلما تقلصت ظلال الحيرة، وثبتت أعلام الحقيقة، وعرف ﷺ معرفة اليقين أنه أضحى نبيا لله الكبير المتعال، وأن ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء وصار تشوفه وارتقابه لمجيء الوحي سببا في ثباته واحتماله عندما يعود، جاءه جبريل للمرة الثانية. روى البخاري عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي، قال:
فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى: يا أيها المدثر إلى قوله: فاهجر، ثم حمي الوحي وتتابع «٥» .
стр. 23
الوحي وموقف المسشرقين منه
إن حديث الوحي هو الأساس الذي يترتب عليه جميع حقائق الدين، وإن فهم الوحي والإيمان به، هو المدخل إلى الإيمان بسائر ما جاء به النبي ﷺ .
من أجل هذا، يهتم محترفو التشكيك بالإسلام بمعالجة موضوع الوحي، من أجل التلبيس في حقيقته، والخلط بينه وبين الإلهام، أو حديث النفس، أو الصرع.
وقد تبارى المسشرقون، وتنافسوا في إطلاق الكلمات، وسرح بهم الخيال في بيان ما زعموا أنه توضيح للحالة التي جرت مع محمد [ ﷺ ] .
فمن متصور أن محمدا لم يزل يفكر، إلى أن تكونت في نفسه بطريقة الكشف عقيدة، كان يراها الكفيلة بالقضاد على الوثنية.
ومن قائل أن محمدا إنما تعلم القرآن ومبادئ الإسلام من بحيرا الراهب.
ومن قائل بأن محمدا كان رجلا عصبيا أو مصابا بداء الصرع.
ونحن- المسلمين المؤمنين- حينما نسمع مثل هذه الترهات ندرك في جلاء ووضوح الحكمة الإلهية من بدء نزول الوحي عليه ﷺ بهذه الطريقة التي ذكرتها كتب السنة، ثم فتر الوحي، ثم تتابعه.
لماذا رأى رسول الله ﷺ جبريل بعيني رأسه لأول مرة؟ وقد كان بالإمكان أن يكون الوحي من وراء حجاب.
لماذا قذف الله في قلبه ﷺ الرعب من الملك والحيرة في فهم حقيقته؟ مع أن مقتضى محبة الله لنبيه أن يلقي السكينة في قلبه، ويربط على فؤاده، فلا يخاف.
لماذا خشي النبي ﷺ على نفسه أن يكون هذا الشيء الذي تمثل له في الغار أتيا من الجن، ولم يرجح أن يكون ملكا من عند الله؟.
لماذا فتر الوحي، ثم نزل مرة ثانية، وكان من مقتضى الوحي أن يستمر دون انقطاع؟.
كل ذلك حكمة باهرة لصاحب الفكر الحر للوصول إلى الحقيقة الواقية عن الوقوع في شرك المسشرقين واتباعهم.
لقد فوجىء رسول الله ﷺ وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، قائلا له: اقرأ، حتى نتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا، مردّه إلى حديث النفس، وإنما هي استقبال وتلقي لحقيقة خارجية.
ولقد داخله الخوف مع الرعب مما سمع ورأى، لكي يتضح أن الرسول ﷺ لم
стр. 24
يكن متشوفا للرسالة التي سيدعى إلى حملها وبثها في العالم، بل الأمر اصطفاء، قال الله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥] .
ثم إن الإلهام، أو حديث النفس، أو الإشراق الروحي لا تستدعي الخوف والرعب. إذا فحديث بدء الوحي على النحو المذكور ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشككون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة.
стр. 25
أدوار الدعوة ومراحلها
يمكن أن نقسم عهد الدعوة المحمدية- على صاحبها الصلاة والسلام والتحية- إلى دورين يمتاز أحدهما عن الآخر تمام الامتياز وهما:
(١) الدور المكي، ثلاث عشرة سنة تقريبا.
(٢) الدور المدني، عشر سنوات كاملة.
ثم يشتمل كل من الدورين على مراحل لكل منها خصائص تمتاز بها عن غيرها، ويظهر ذلك جليا بعد النظر الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعوة خلال الدورين.
ويمكن تقسيم الدور المكي إلى ثلاث مراحل:
١- مرحلة الدعوة السرية، ثلاث سنين.
٢- مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة، من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى أواخر السنة العاشرة.
٣- مرحلة الدعوة خارج مكة، وفشوها فيهم، من أواخر السنة العاشرة من النبوة إلى هجرته ﷺ إلى المدينة.
أما مراحل الدور المدني فسيجيء تفصيلها في موضعه.
стр. 26
المرحلة الأولى جهاد الدعوة
ثلاث سنوات من الدعوة السرية:
معلوم أن مكة كانت مركز دين العرب، وكان بها سدنة الكعبة، والقوام على الأوثان والأصنام المقدسة عند سائر العرب، فالوصول إلى المقصود من الإصلاح فيها يزداد عسرا وشدة عما لو كان بعيدا عنها. فالأمر يحتاج إلى عزيمة لا تزلزلها المصائب والكوارث، كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية، لئلا يفاجأ أهل مكة بما يهيجهم.
الرعيل الأول:
وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول ﷺ الإسلام أولا على ألصق الناس به وآل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه خيرا ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الله الحق والخير، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء- الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول ﷺ وجلالة نفسه وصدق خبره- جمع عرفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي ﷺ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي «١» وابن عمه علي بن أبي طالب- وكان صبيا يعيش في كفالة الرسول- وصديقه الحميم أبو بكر الصديق. أسلم هؤلاء في أول يوم من أيام الدعوة «٢» .
стр. 27
ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلا مألفا محببا سهلا، ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه، لعلمه وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان الأموي، والزبير بن العوام الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد الله التيمي. فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام.
ومن أوائل المسلمين بلال بن رباح الحبشي، ثم تلاهم أمين هذه الأمة «١» أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم المخزوميان، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوي، وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت وعبد الله بن مسعود الهذلي وخلق سواهم، وأولئك هم السابقون الأولون، وهم من جميع بطون قريش وعدهم ابن هشام أكثر من أربعين نفرا «٢» . وفي ذكر بعضهم في السابقين الأولين نظر.
قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به «٣» .
أسلم هؤلاء سرا، وكان الرسول ﷺ يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفيا؛ لأن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية، وكان الوحي قد تتابع وحمي نزوله بعد نزول أوائل المدثر. وكانت الآيات وقطع السور التي تنزل في هذا الزمان آيات قصيرة، ذات فواصل رائعة منيعة، وإيقاعات هادئة خلابة تتناسق مع ذلك الجو الهامس الرقيق، تشتمل على تحسين تزكية النفوس، وتقبيح تلويثها برغائم الدنيا، تصف الجنة والنار كأنهما رأي عين، تسير بالمؤمنين في جو آخر غير الذي فيه المجتمع البشري آنذاك.
стр. 28
وجه السرية في بدء دعوة الرسول ﷺ
لم تكن سرية الدعوة في أول أمرها، خوفا من رسول الله ﷺ على نفسه، ولكنه إلهام من الله، لتعليم الدعاة من بعده، وإرشادهم إلى مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة.
وفي هذا المجال، يحسن تلخيص كلام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين عند رب العالمين، إذ جاء فيه:
إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر.
وقد استأذن الصحابة رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا الصلاة» وقال: «من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته» . ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار آهامن إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار سلام، عزم على تغيير البيت وردّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك- مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.
فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلفّه ضده.
الثانية: أن يقلّ وإن لم يزل بجملته.
стр. 29
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.
فالدرجتان الأوليان مشروعتان.
والثالثة موضع اجتهاد.
والرابعة محرمة.
فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالمنكرات كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النّشاب وسباق الخيل ونحو ذلك.
وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرّغهم لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك.
وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر، فدعه وكتبه الأولى، وهذا باب واسع.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم. [إعلام الموقعين، ٣/ ١٥] .
стр. 30
المرحلة الثانية الدعوة جهارا
أول أمر بإظهار الدعوة:
أول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢٦: ٢١٤) والسورة التي وقعت فيها الآية- وهي سورة الشعراء- ذكرت فيها أولا قصة موسى ﵇ من بداية نبوته إلى هجرته مع بني إسرائيل، ونجاتهم من فرعون وقومه، وإغراق آل فرعون معه، وقد اشتملت هذه القصة على جميع المراحل التي مر بها موسى ﵇ خلال دعوة فرعون وقومه إلى الله.
أرى أن هذا التفصيل إنما جيء به حين أمر الرسول ﷺ بدعوة قومه إلى الله، ليكون أمامه وأمام أصحابه نموذجا لما سيلقونه من التكذيب والاضطهاد حينما يجهرون بالدعوة، وليكونوا على بصيرة من أمرهم منذ بداية دعوتهم.
ومن ناحية أخرى تشتمل هذه السورة على ذكر مآل المكذبين للرسل، من قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة- علاوة على ما ذكر من أمر فرعون وقومه- ليعلم الذين سيقومون بالتكذيب بما يؤول إليه أمرهم وبما سيلقون من مؤاخذة الله إن استمروا على التكذيب، وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم لا للمكذبين.
الدعوة في الأقربين:
وأول ما فعل رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية أنه دعا بني هاشم فحضروا، ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا. فبادره أبو لهب وقال: وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصّباة. واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق
стр. 31
من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله ﷺ ، ولم يتكلم في ذلك المجلس.
ثم دعاهم ثانية وقال: «الحمد الله أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا» . فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به. فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب:
والله لنمنعه ما بقينا «١» .
على جبل الصفا:
وبعد ما تأكد النبي ﷺ من تعهد أبي طالب بحمايته، وهو يبلغ عن ربه، قام يوما على الصفا فصرخ: يا صباحاه: فاجتمع إليه بطون قريش، فدعاهم إلى التوحيد والإيمان برسالته وباليوم الآخر. وقد روى البخاري طرفا من هذه القصة عن ابن عباس. قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي با بني فهر!. يا بني عدي! لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم. ألهذا جمعتنا؟ فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «٢» .
стр. 32
وروى مسلم طرفا آخر من هذه القصة عن أبي هريرة ﵁. قال: لما نزلت هذه الآية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا رسول الله ﷺ فعم وخص. فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها «١» .
هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح الرسول ﷺ لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينه وبينهم. وأن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله.
الصدع بالحق وردود فعل المشركين:
ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٥: ٩٤) فقام رسول الله ﷺ يعكر على خرافات الشرك وترهاته، ويذكر حقائق الأصنام وما لها من قيمة في الحقيقة، يضرب بعجزها الأمثال، ويبين بالبينات أن من عبدها وجعلها وسيلة بينه وبين الله فهو في ضلال مبين.
انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وماجت بالغرابة والاستنكار، حين سمعت صوتا يجهر بتضليل المشركين وعباد الأصنام، كأنه صاعقة قصفت السحاب، فرعدت وبرقت وزلزلت الجو الهادىء، وقامت قريش تستعد لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة، ويخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها.
قامت لأنها عرفت أن معنى الإيمان بنفي الألوهية عما سوى الله، ومعنى الإيمان بالرسالة وباليوم الآخر هو الانقياد التام والتفويض المطلق، بحيث لا يبقى لهم خيار في أنفسهم وأموالهم، فضلا عن غيرهم. ومعنى ذلك انتفاء سيادتهم وكبريائهم على العرب، التي كانت بالصبغة الدينية، وامتناعهم عن تنفيذ مرضاتهم أمام مرضاة الله ورسوله، وامتناعهم عن المظالم التي كانوا يفترونها على الأوساط السافلة، وعن السيئات التي كانوا يجترحونها صباح مساء. عرفوا هذا
стр. 33
المعنى فكانت نفوسهم تأبى عن قبول هذا الوضع «المخزي» لا لكرامة وخير بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٧٥: ٥) .
عرفوا كل ذلك جيدا، ولكن ماذا سيفعلون أمام رجل صادق أمين، أعلى مثل للقيم البشرية ولمكارم الأخلاق، لم يعرفوا له نظيرا ولا مثيلا خلال فترة طويلة من تاريخ الآباء والأقوام؟ ماذا سيفعلون؟ تحيروا في ذلك، وحق لهم أن يتحيروا.
وبعد إدارة فكرتهم لم يجدوا سبيلا إلا أن يأتوا إلى عمه أبي طالب، فيطلبوا منه أن يكف ابن أخيه عما هو فيه، ورأوا لإلباس طلبهم لباس الجد والحقيقة أن يقولوا: إن الدعوة إلى ترك آلهتهم، والقول بعدم نفعها وقدرتها سبة قبيحة وإهانة شديدة لها، وفيه تسفيه وتضليل لآبائهم الذين كانوا على هذا الدين، وجدوا هذا السبيل فتسارعوا إلى سلوكها.
وفد قريش إلى أبي طالب:
قال ابن إسحاق: مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله، ويدعو إليه «١» .
المجلس الاستشاري لكف الحجاج عن استماع الدعوة:
وخلال هذه الأيام أهم قريشا أمر آخر، وذلك أن الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أشهر معدودة حتى قرب موسم الحج، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم، فرأت أنه لا بد من كلمة يقولونها للعرب في شأن محمد ﷺ حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في تلك الكلمة، فقال لهم الوليد: أجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت فقل، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو
стр. 34
بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا:
فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا:
ساحر. جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك «١» .
وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له، قالوا: أرنا رأيك الذي لا غضاضة فيه، فقال لهم: أمهلوني حتى أفكر في ذلك، فظل الوليد يفكر ويفكر، حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفا» .
وفي الوليد أنزل الله تعالى ست عشرة آية من سورة المدثر (من ١١ إلى ٢٦) وفي خلالها صور كيفية تفكيره، فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ.
وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه، فجلسوا بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره «٣» .
والذي تولى كبر ذلك هو أبو لهب، فقد كان رسول الله ﷺ يتبع الناس إذا وافى الموسم في منازلهم وفي عكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى الله، وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابىء كذاب «٤» .
стр. 35
ولكن ما أبو لهب؟ وما قريش؟ وما العرب؟ وما الدنيا كلها؟ بإزاء رجل يحمل رسالة من الله الذي له ملك السموات والأرض يريد أن يعيد بها الرشد لعالم فقد رشده.
ما تجدي وقفة جهول؟ أو غضبة مغرور؟ في منع هذه الرسالة الكبيرة من المضي إلى هدفها البعيد.
إن الطحالب العائمة لا توقف السفن الماخرة، فالقافلة تسير والكلاب تنبح.
وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
стр. 36
درجات المسؤولية
لو أمعنا النظر في بداية حياة البعثة:
دعوة سرية
ثم وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء ٢١٤] .
ثم فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] .
هذا الترتيب يلمح إلى درجات المسؤولية المتعلقة بكل مسلم عامة، وأصحاب الدعوة خاصة. فأول درجات المسؤولية هي مسؤولية الشخص من نفسه ونلاحظها في سيرة الرسول ﷺ في امتداد فترة ابتداء الوحي، تلك المدة الطويلة التي علمناها، أي ريثما يطمئن رسول الله ﷺ إلى أنه نبي مرسل، وأن ما ينزل عليه إنما هو وحي من الله، ويوطن نفسه لقبول كل ما سيتلقاه من مبادىء ونظم وأحكام.
وأما الدرجة الثانية فهي مسؤولية المسلم عن أهله ومن يلوذ به من ذوي قرباه، قال الله تعال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: ٦] .
وأما الدرجة الثالثة، فهي مسؤولية العالم عن حيه أو بلدته، ومسؤولية الحاكم عن دولته وقومه، وكل منهما ينوب في ذلك مناب رسول الله ﷺ .
دار الأرقم:
مقدمة
لما جهر رسول الله ﷺ بالدعوة قابلت قريش دعوته بأساليب شتى، تتلخص فيما يأتي:
١- السخرية والتحقير والاستهزاء والتكذيب، والقصد منها: تخذيل المسلمين، وتوهين قوامهم المعنوية.
٢- تشويه تعاليم الرسول ﷺ ، وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة، حول ذات النبي ﷺ وشخصه وتعاليمه.
٣- معارضة القرآن بأساطير الأولين، ومحاولة إشغال الناس بها عن القرآن.
٤- مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق،
стр. 37
بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي ﷺ بعض ما هو عليه.
ولما رأى المشركون أن هذه الأساليب لا تجدي لهم نفعا في كف الدعوة الإسلامية، اجتمعوا وكونّوا لجنة أعضاؤها خمسة وعشرون رجلا، وبعد التشاور والتفكير اتخذت اللجنة قرارا حاسما:
أن لا تألوا جهدا في محاربة الإسلام، وفي إيذاء رسول الإسلام، وفي تعذيب الداخلين فيه.
فكان من الحكمة أن يكون للمسلمين مكان بعيد عن أعين المشركين يتعبدون فيه ربهم.
وكان من الحكمة تلقاء هذه الاضطهادات أن يمنع رسول الله ﷺ المسلمين عن إعلان إسلامهم قولا أو فعلا، وأن لا يجتمع بهم إلا سرا؛ لأنه إذا اجتمع بهم علنا فلا شك أن المشركين يحولون بينه وبين ما يريد من تزكية المسلمين وتعليمهم الكتاب والحكمة، وربما بفضي ذلك إلى مصادمة الفريقين، بل وقع ذلك فعلا في السنة الرابعة من النبوة، وذلك أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها سرا، فرآهم نفر من كفار قريش، فسبوهم وقاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا فسال دمه، وكان أول دم أهريق في الإسلام «١» .
ومعلوم أن المصادمة لو تعددت وطالت لأفضت إلى تدمير المسلمين وإبادتهم، فكان من الحكمة الاختفاء، فكان عامة الصحابة يخفون إسلامهم وعبادتهم ودعوتهم واجتماعهم. أما رسول الله ﷺ فكان يجهر بالدعوة والعبادة بين ظهراني المشركين، لا يصرفه عن ذلك شيء، ولكن كان يجتمع مع المسلمين سرا؛ نظرا لصالحهم وصالح الإسلام، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي على الصفا. وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم، فكان أن اتخذها مركزا لدعوته، ولاجتماعه بالمسلمين من السنة الخامسة من النبوة «٢» .
стр. 38
العبر والدلالات:
يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وهذا مشروط بأن لا يستلزم مثل هذه الحماية: إضرارا بالدعوة الإسلامية أو تغييرا لبعض أحكام الدين، أو سكوتا عن اقتراف بعض المحرمات، وإلا لم يجز للمسلم الدخول فيها.
دليل ذلك: موقفه ﷺ حينما طلب منه أبو طالب أن يبقي على نفسه ولا يحمله مالا يطيق، فقد وطّن نفسه للخروج من حماية عمه، وأبي أن يسكت عن شيء مما يجب عليه بيانه.
ودليل جواز الاستجارة: استجارته ﷺ بالمطعم بن عدي يوم رجع من الطائف.
стр. 39
الهجرة الأولى إلى الحبشة:
كانت بداية الاضطهادات في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، بدأت ضعيفة، ثم لم تزل يوما فيوما وشهرا فشهرا حتى اشتدت وتفاقمت في أواسط السنة الخامسة، حتى نبا بهم المقام في مكة، وأوعزتهم أن يفكروا في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم، وفي هذه الساعة الضنكة الحالكة نزلت سورة الكهف، ردودا على أسئلة أدلى بها المشركون إلى النبي ﷺ ، ولكنها اشتملت على ثلاث قصص، فيها إشارات بليغة من الله تعالى إلى عباده المؤمنين، فقصة أصحاب الكهف ترشد إلى الهجرة من مراكز الكفر والعدوان حين مخافة الفتنة على الدين، متوكلا على الله وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٨: ١٦) «١» .
وقصة الخضر وموسى تفيد أن الظروف لا تجري ولا تنتج حسب الظاهر دائما، بل ربما يكون الأمر على عكس كامل بالنسبة إلى الظاهر. ففيها إشارة لطيفة إلى أن الحرب القائمة ضد المسلمين ستنعكس تماما، وسيصادر هؤلاء الطغاة المشركون- إن لم يؤمنوا- أمام هؤلاء الضعفاء المدحورين من المسلمين.
وقصة ذي القرنين تفيد أن الأرض لله يورثها من عباده من يشاء. وأن الفلاح إنما هو في سبيل الإيمان دون الكفر، وأن الله لا يزال يبعث من عباده- بين آونة وأخرى- من يقوم بإنجاء الضعفاء من يأجوج ذلك الزمان ومأجوجه، وأن الأحق بإرث الأرض إنما هم عباد الله الصالحون. ثم نزلت سورة الزمر تشير إلى الهجرة، وتعلن بأن أرض الله ليست بضيقة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩: ١٠) وكان رسول الله ﷺ قد علم أن أصحمة النجاشي ملك الحبشة ملك عادل، لا يظلم عنده أحد، فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة فرارا بدينهم من الفتن.
وفي رجب سنة خمس من النبوة هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة. كان مكونا من
стр. 40
اثني عشر رجلا وأربع نسوة، رئيسهم عثمان بن عفان، ومعه السيدة رقية بنت رسول الله ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ فيهما: إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط ﵉ «١» .
كان رحيل هؤلاء تسللا في ظلمة الليل- حتى لا تفطن لهم قريش- خرجوا إلى البحر، ويمموا ميناء شعيبة، وقيضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، وفطنت لهم قريش، فخرجت في آثارهم، لكن لما بلغت إلى الشاطيء كانوا قد انطلقوا آمنين، وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار «٢» .
قصة الغرانيق:
وفي رمضان من نفس السنة خرج النبي ﷺ إلى الحرم، وهناك جمع كبير من قريش، كان فيه ساداتها وكبراؤها، فقام فيهم، وأخذ يتلو سورة النجم بغتة، إن أولئك الكفار لم يكونوا سمعوا كلام الله قبل ذلك، لأن أسلوبهم المتواصل كان هو العمل بما تواصى به بعضهم بعضا، من قولهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٤١: ٢٦) فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة، وقرع آذانهم كلام إلهي رائع خلاب- لا يحيط بروعته وجلالته البيان- تفانوا عما هم فيه، وبقي كل واحد مصغيا إليه، لا يخطر بباله شيء سواه، حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب ثم قرأ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٥٣: ٦٢) ثم سجد، لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدا، وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين «٣» .
وسقط في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام الله لوى زمامهم، فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه وإفنائه، وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين، وعند ذلك كذبوا على رسول الله ﷺ وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير، وأنه قال عنها «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» ، جاءوا بهذا الإفك المبين، ليعتذروا عن سجودهم مع النبي ﷺ ، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا