← Сира

Сира · id 9918

شرح الشفا

الملا على القاري

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

اللام يراد بهما هاروت وماروت وما موصولة وبكسر اللام يراد بهما داود وسليمان عليهما اللام وما نافية وكذا إذا فسر الملكين بفتح اللام بجبريل وميكائيل يكون ما نافية فارتفع الخلاف في المرام واجتمع نظام الالتئام (وممّا يذكرونه) أي الطائفة القائلة بعدم عصمة جميعهم ويستدلون به (قصّة إبليس) ويروى من قصة إبليس (وإنه كان من الملائكة) على زعمهم (ورئيسا فيهم) وفيه أنه لا يلزم من كونه رئيسا فيهم أنه في أصله منهم (ومن خزّان الجنّة) بضم الخاء وتشديد الزاء أي خزنتها (إلى آخر ما حكوه) وليس فيه دلالة على ما ادعوه (وأنه) أي الله (اسْتَثْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِ: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: ٣٤] ) والأصل في الاستثناء أن يكون متصلا إلا أنه قيل بانقطاعه لقوله تعالى كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وبأن الملائكة ليس لهم ذرية وقال تعالى أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ والملائكة ليس هم اعداء لنا (وهذا) وروي وهو أي القول بأنه من الملائكة (أيضا) قول طائفة قليلة (لم يتّفق عليه) بين العلماء (بل الأكثر منهم ينفون ذلك) القول بأنه منهم (وأنه أبو الجنّ) عندهم على الصحيح (كما آدم أو الإنس وهو) أي القول بأنه أبو الجن (قول الحسن وقتادة وابن زيد) وإنما استثنى منهم لأنه كان مغمورا بين الوف منهم فأمر بالسجود لآدم معهم ثم استثنى استثناء واحد منهم بقوله فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ والحاصل أنه استثناء متصل مجازا أو منقطع حقيقة ولا يبعد أن يقال جمعا بين الأقوال أنه كهاروت وماروت كان من جنس الملائكة لكن الله خلق في جبلته المعصية فتغير عن حالته الأصلية فخالف أمر الالهي في السجدة الصورية فانتقل إلى الخلقة الجنية وحصلت منه الذرية، (وقال شهر بن حوشب) بفتح الحاء المهملة فواو ساكنة فشين معجمة مفتوحة فموحدة يروي عن مولاته اسماء بنت يزيد وعن ابن عباس وأبي هريرة وعنه مطر الوراق وثابت وثقه ابن معين وأحمد وضعفه شعبة وقال النسائي ليس بالقوي توفي سنة مائة أخرج له الأربعة (كان) أي إبليس (مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الْأَرْضِ حين أفسدوا) يعني، (والاستثناء) بقوله إِلَّا إِبْلِيسَ منقطع لأنه من غير الجنس المستثنى هو منه وهو أي الاستثناء (مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ) نظما ونثرا (سائغ) بسين مهملة وغين معجمة أي جائز من ساغ الشراب في الحلق إذا جاوزه بسهولة وفي نسخة زيادة وشائع بشين معجمة وعين مهملة أي فاش ذائع من شاع الخبر إذا ذاع ومنه كل سر جاوز الاثنين شاع (وقد قال الله تعالى) تكذيبا لمن زعم قتل عيسى (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النساء: ١٥٧] ) لأن اتباعه ليس من جنس العلم فهو استثناء منقطع أي ولكنهم اتبعوا فيه ظنهم (وممّا رووه) أي الطائفة القائلة بعدم عصمة جنس الملائكة (في الأخبار) كابن جرير عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن يحيى بن كثير (أن خلقا من الملائكة عصوا الله تعالى فحرّقوا) أي أحرقوا (وَأُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَأَبَوْا فَحُرِّقُوا ثُمَّ آخرون كذلك حتّى سجد له) أي لآدم (من ذكر الله) أي جميع الملائكة (إِلَّا إِبْلِيسَ فِي أَخْبَارٍ لَا أَصْلَ لَهَا)

стр. 1087

مما يعتمد عليها (تردّها صحاح الأخبار فلا يشتغل) أي فينبغي أن لا يشتغل (بها) ويروى بهذا وفي نسخة بصيغة المتكلم ثم على تقدير صحتها يحمل على أن الله تعالى غير ماهيتهم عن أصل جبلتهم وعصمتهم فوقع فيهم ما أراد الله من معصيتهم وهذا كقضية بلعم بن باعوراء حيث تغير عن جبلته إلى صورة كلب وماهيته وعكسه كلب أصحاب الكهف وقد ورد أن بلعم يدخل النار بصورة ذلك الكلب وذلك الكلب يدخل الجنة بصورة بلعم ثم رأيت في حاشية الأنطاكي روي أن الله تعالى لما خلق الأرض خلق لها سكانها من بني الجن من نار فركبت فيهم الشهوة وأمرهم ونهاهم فلما سكنوا فيها أفسدوا وعصوا أمر ربهم وسفكوا الدماء فأنزل الله تعالى نارا من السماء فأحرقتهم إلا إبليس سأله من الله ملك من الملائكة فوهب له ثم خلق الله ثانيا وثالثا مثلهم ففعلوا ذلك فأهلكهم الله (والله أعلم) وفي نسخة والله الموفق وزيد في نسخة للصواب.

стр. 1088

الْبَابُ الثَّانِي [فِيمَا يَخُصُّهُمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ] (فيما يخصّهم) أي الأنبياء (في الأمور الدّنيويّة وما يطرأ عليهم من العوارض البشريّة) أي ما يعرض للإنسان ويحدث له من الأمور الكونية (قد قدّمنا أنه ﵊ وسائر الأنبياء والرّسل) الكرام (من البشر وأنّ جسمه) أي جسده (وظاهره) أي بدنه (خالص للبشر) أي لعوارضه كغيره (يجوز عليه من الآفات) أي العاهات (والتّغييرات) من قبض وبسط وفرح وغم وسائر الحالات (والآلام والأسقام وتجرّع كأس الحمام) بكسر الحاء الموت وكل منها لا يخلو عن كلفة والتجرع شرب بمهلة وقيل ابتلاعه بعجلة أو القضاء والقدر والكأس مهموز وقد تبدل (ما يجوز) أي كل ما يجوز وقوعه من الآفات والحالات (على البشر) أي جنس بني آدم (وهذا كلّه) ويروى وذلك كله (ليس بنقيصة فيه) ولا في غيره من الأنبياء (لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُسَمَّى نَاقِصًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى ما هو أتمّ منه) أي من جنسه ويروى إلى غير مما هو أتم (وأكمل من نوعه) كإفراد الإنسان في تفاوت مراتب الإحسان (وقد كتب الله تعالى) أي قدر وقضى (على أهل هذه الدّار) أي دار الهموم والاكدار أو أثبت في كتابه (فيها يحيون) أي تعيشون (وفيها تموتون) أي وتقبرون (ومنها يخرجون) بصيغة المجهول في قراءة وبصيغة الفاعل في أخرى (وخلق جميع البشر بمدرجة الغير) بكسر الغين المعجمة وفتح التحتية الاسم من قولك غيرت الشيء فتغير والمدرجة بفتح الميم وسكون الدال وبالراء والجيم أي في مسلك التغير من حوادث الدهر (فقد مرض صلى الله تعالى عليه وسلم واشتكى) الضر تكثيرا للأجر وقد ورد أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل وفي حديث قالوا له إنك توعك وعكا شديدا قال أجل كما يوعك رجلان منكم (وأصابه الحرّ والقرّ) بضم أوله ويفتح البرد مطلقا وقيل برد الشتاء وحر الصيف إذا لم يخص بهما أحد دون أحد وقد يطلقان مجازا على المحنة والنعمة قال عمر لابن مسعود بلغني أنك تفتي ول حارها من تولى قارها كني بالحر عن الشدة وبالبرد عن الهينة أي ول شرها من تولى خيرها (وأدركه الجوع والعطش) كغيره من البشر حتى ربط ببطنه الحجر (ولحقه الغضب) لله إذا رأى خلاف ما يرضاه (والضّجر) بفتحتين أي القلق والملل (وناله الإعياء) أي العجز والكلل (والتّعب) أي المشقة والنصب (ومسّه الضّعف) أي ضعف البدن (والكبر) أي أثره بأنواع الغير (وسقط) أي عن دابة وفي رواية عن فرس كما رواه الشيخان (فجحش) بضم الجيم وكسر الحاء المهملة فشين معجمة أي خدش (شقّه) وقشر جلد بعض اعضائه وفي رواية جانبه الايمن وفي رواية شقه

стр. 1089

الأيسر وفي رواية ساقه أو كتفه فلم يخرج أياما (وشجّه الكفّار) في وجهه فأدموه والشج في الأصل ضرب الرأس وكسره وشقه ثم استعمل في غيره من الأعضاء والمعنى جرح وجهه الكريم ابن قمئة اللئيم يوم أحد (وكسروا رباعيته) بتخفيف التحتية على زنة الثمانية وهي التي بين الثنية والناب وكانت السفلى اليمنى على ما ذكره الحلبي وأما قول الدلجي أي إحدى ثنايا أسنانه فغير صحيح (وسقي) بصيغة المجهول (السّمّ) بتثليث السين والفتح أفصح ثم الضم وقد تقدم أن زينب بنت الحارث اليهودية سمته في عضده الشاة بخيبر وسبق ما فعل بها وأخبرته العضد بأنها مسمومة (وسحر) وقد تقدم أن لبيد بن الأعصم سحره أو بناته (وتداوى) لبعض أوجاعه تشريعا لاتباعه (واحتجم) كما رواه الشيخان وغيرهما من طرق (وتنشّر) بتشديد الشين المعجمة وهو من النشر مثل التعويذ والرقية وفي الصحيح من حديث عائشة هلا تنشرت قال أما الله فقد عافاني قال الحلبي والظاهر أن مرادها بالنشرة المعروفة عندهم وهي أغسال مخصوصة وليس المراد الرقية بالقرآن أو بغيره من الأذكار وذكر الدلجي أن النشرة هي الرقية من سحر ونحوه وقد ورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم اشتكى فرقاه جبريل بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك الله يشفيك وقالت له عائشة ألا تنشر فقال أما الله فقد شفاني (وتعوّذ) كما رواه الترمذي والنسائي عن أبي سعيد بلفظ كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس فلما نزل المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ﵊ كان إذا اشتكى يقرؤ على نفسه بالمعوذات وذكر التلمساني أن النشرة هي علاج ورقية من مرض أو جنون واختلف في النشرة فقيل يجوز وقيل لا وقال الخطابي ما يؤخذ على كتبها جائز حلال إذا كان باسم الله تعالى وبما يفهم من الكلام وأما بغير ذلك فحرام (ثمّ قضى نحبه) أي نذره أو سيره أو أجله والتحقيق أنه كناية عن الموت إذا أصله النذر وكل حي لا بد أن يموت فكأنه نذر لازم له فإذا مات فقد قضاه (فتوفّي صلى الله تعالى عليه وسلم) بصيغة المفعول أي توفاه الله تعالى (ولحق بالرّفيق الأعلى) كما تمناه من المولى على ما رواه البخاري وغيره عن عائشة اللهم الرفيق الأعلى وفي رواية الحقني بالرفيق الأعلى أي من النبيين والملائكة وقيل هو مرتفق الجنة وقيل الرفيق اسم لكل سماء وأراد الأعلى لأن الجنة فوق ذلك وقيل المراد أعلى الجنة وقيل هو الله تعالى وقيل لا يصح أنه اسم الله ويرد بأنه يقال الله رفيق بعباده وقيل معناه رفق الرفيق وقبل لا يعرف أهل اللغة الرفيق ولعله تصحيف الرفيع وما قدمناه هو الصحيح لقوله تَعَالَى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً وهو يقع على الواحد والجمع وقيل الرفيق الأعلى جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين (وتخلّص من دار الامتحان والبلوى) أي المحنة والبلية (وهذه سمات البشر) بكسر السين المهملة جمع سمة أي علامات كون البشر يبتلى بها (الّتي لا محيص عنها) بكسر الحاء المهملة أي لا معدل ولا محيد ولا مخلص (وَأَصَابَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا

стр. 1090

هو أعظم منها) أي بحسب الصورة فيها (فقتّلوا) بالتشديد للتكثير (تقتيلا) وفي نسخة فقتلوا قتلا بغير حق كيحيى بن زكريا يجز عنقه وفي حاشية التلمساني وإنما أكد بالمصدر تحقيقا للوقوع وقال ابن سيدي الحسن وجدت بخط شيخنا الإمام أبي عبد الله بن مرزوق وقال وجدت في بعض كتب أهل التاريخ عن أبي هريرة قال اشتريت غلاما بربريا فرآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال من هذا فقلت غلام بربري اشتريته فقال بعه ولا تمسكه عندك فإن قومه قتلوا أربعين نبيا فأكلوا لحومهم ورموا عظامهم على المذابل فسلط الله عليهم ريحا بددتهم وألقتهم بالمغرب قال الشيخ ولا يخفى ما في أحاديث المؤرخين من الضعف (ورموا في النّار) كإبراهيم ﵊ فكانت عليه بردا وسلاما وقد أحرق جرجيس وطبخ ثم قام سالما (ونشروا بالمناشير) وفي نسخة وأشروا بالمآشير جمع مئشار بهمز لغة في المنشار بنون وفيه لغة أخرى وهي المواشير بالواو وقيل المياشير بالياء من وشر والمعنى واحد أي شقق وقطع بالمنشار ونحت به كزكريا ﵊ نشر بالمنشار جزلتين أي قطعتين (ومنهم من وقاه الله ذلك) أي حفظه هنالك من الآفات والبليات (في بعض الأوقات ومنهم من عصمه) أي الله كما في نسخة أي حفظه ووقاه من القتل كعيسى ﵇ إذ تمالأت اليهود على قتله فأخبره الله بأنه يرفعه إليه ويطهره من صحبتهم ويقربه لديه فقال لبعض أصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقال رجل منهم أنا فألقى عليه شبهه فقتل وصلى وعصم عيسى برفع الله إياه (كما عصم بعد نبيّنا من النّاس) أي من شرهم جميعا وفي أصل الدلجي كما عصم بعد مبنيا على الضم أي بعد عيسى نبينا من الناس لقوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أي من قتلهم إياك وقيل نزلت هذه الآية بعد ما وقعت له الجراحة ففي الجملة حصلت له الرعاية والكفاية والصيانة والحماية (فلئن لم يكف نبيّنا) أي محمدا كما في نسخة (ربّه) بالرفع على أنه فاعل أي فلئن لم يمنع عنه (يد ابن قمئة) فعلة بكسر القاف وسكون الميم فهمزة وقيل بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة ياء فيه على وزن سفينة وهو الأكثر وهو من قمأ صغر وذل وهو عبد الله بن قمئة الذي جرح وجنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته (يوم أحد) وكسر رباعيته وهو الذي قتله مصعب بن عمير كما حكاه الطبري وقد نطحه تيس فتردى من شاهق جبل كافرا وضبطه الدلجي بكسر أوله وثانيه مشددا بعده همزة (ولا حجبه) أي ولئن لم يحجبه ولم يستره (عن عيون عداه) بكسر أوله ويضم اسم جنس للعدو أي عن أعين أعدائه (عند دعوته أهل الطّائف) ويروى عن عيون عداه أهل الطائف عند دعوته ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم هلى أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب الحديث وكان عبد ياليل من أكابر أهل الطائف

стр. 1091

وروي أنه ﵊ لما انتهى إلى الطائف حيث التمس من ثقيف النصرة فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويرمون رجليه بالحجارة فدميتا وطفق يقيهما بثيابه حتى اجتمع عليه الناس والجأه إلى حائط لابني ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف فتحركت له رحمهما فبعثا له قطف عنب الحديث وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال لما توفي أبو طالب خرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الطائف فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أي يلقاني بوجه كريه أم إلى صديق قريب كلفته أمري إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك (فلقد أخذ) أي الله (على عيون قريش) بإخفائه عنها حين أرادوا قتله فخرج عليهم وقرأ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ونثر على رأس كل واحد منهم ترابا وذلك (عند خروجه) ويروى في يوم خروجه (إلى ثور) أي إلى غار في جبل ثور عن يمين مكة وهو المراد بقوله تعالى ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ووقع في أصل التلمساني جبل أبي ثور ثم قال وروي إلى أبي ثور وصوابه إلى جبل ثور أو إلى يوم ثور ولفظ أبي وهم إذ لا يعرف جبل أبي ثور (وأمسك) أي الله تعالى (عنه) أي عن نبيه (سيف) ابن (غورث) بالغين المعجمة وهو ابن الحارث الغطفاني وقد تقدم أنه اسلم وصحبه صلى الله تعالى عليه وسلم والذي في البخاري أنه ﵊ نزل بمكان كثير العضاة فعلق سيفه بشجرة ونام في ظلها فجاء غورث فاخترطه وقال للنبي ﵊ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي فَقَالَ اللَّهُ فَسَقَطَ السَّيْفُ من يده الحديث (وحجر أبي جهل) فرعون هذه الأمة أي أمسكه عنه حين أراد أن يرميه به وكان حمل صخرة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ساجد ليطرحها عليه فلزقت بيده وتقدمت القصة (وفرس سراقة) بضم أوله بإساخة رجليها بالأرض فوقاه الله شره وقد اسلم كما أفاده حديث الهجرة (ولئن لم يقه) أي لم يحفظه ولم يمنعه (سحر ابن الأعصم) وفي نسخة من سحر ابن الاعصم وهو لبيد اليهودي هلك على كفره وقد سحره في مشط ومشاطة وجف طلعه ذكر كما في رواية البخاري (فلقد وقاه ما هو أعظم) خطر وأكثر ضررا من سحره (من سمّ اليهوديّة) بيان لما وقد سمته بشاة محنوذة بخيبر فأخبره كتفها به فأكل منها وبعض أصحابه فلم يضره فعفا عنها ومات به بشر بن البراء فقتلها به كذا روي وفيه خلاف تقدم والله تعالى اعلم والحاصل أنه ربى نبيه الذي عظم شأنه تارة بصفة الجلال وأخرى

стр. 1092

بنعت الجمال ليكون في مقام الكمال حيث مقتضيات اسماء الذات والصفات (وهكذا سائر أنبيائه) منهم (مبتلّى) كأيوب ﵊ (و) منهم (معافى) من كثرة الاسقام وشدة الآلام وهم قليل من الأنام (وذلك) أي ابتلاؤهم (من تمام حكمته ليظهر) من الإظهار أو الظهور (شرفهم) بصبرهم على البليات (في هذه المقامات) المتفاوتة فيها الحالات (ويبيّن) وفي نسخة ويتبين (أمرهم) أي رفعة قدرهم لغيرهم (ويتمّ) من الإتمام أو التمام (كلمته فيهم) بإظهار محنته عليهم وآثار بليته لديهم (وليحقّق) أي ليثبت لهم ولغيرهم (بامتحانهم) بأنواع ابتلائهم (بشريّتهم) أي عجز عنصريتهم (ويرفع الالتباس) وفي نسخة ويرتفع الالتباس بعد معرفة أنها من عوارض أجسام البشر أي الاشتباه (عن أهل الضّعف) بالضم والفتح في مقام اليقين من الناس إزالة لما يتوهمونه (فيهم) من أنهم لا يصيبهم محنة وبلاء ولا يغشاهم شدة وعناء استعظاما لمرتبتهم واستبعادا لمحنتهم (لئلّا يضلّوا بما يظهر من العجائب) أي الخوارق للعادات من الغرائب (على أيديهم) كبرد النار لإبراهيم الخليل وقلب العصاحية لموسى الكليم وخلق الطير من الطين وإحياء الموتى لعيسى وانشقاق القمر لنبينا الأكبر (ضلال النّصارى) كضلالتهم (بعيسى) أي ابن مريم كما في نسخة إذا بالغوا في تعظيمه حتى قالوا إن فيه لاهوتية وناسوتية (وليكون في محنتهم) وفي نسخة ومحنهم أن محن الله إياهم (تسلية لأممهم) لمشاركتهم بهم إذا أصابهم شيء من الآفات والبلايا ونالهم بعض المعصيبات والرزايا (ووفور) أي وسبب كثرة (لأجورهم) ويروى في أجورهم (عند ربّهم تماما) للكرامة الحاصلة لديهم (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ؛ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وهذه الطّوارىء) بالهمز وقد لا يهمز أي العوارض من الآفات (والتّغييرات المذكورة) من الحالات المسطورة (إنّما تختصّ بأجسامهم البشريّة المقصود بها) أي التي قصد بأجسامهم (مقاومة البشر) أي مداخلتهم (ومعاناة بني آدم) أي مقاساتهم في مخالطتهم (لمشاكلة الجنس) أي لمشابهتهم (وأمّا بواطنهم فمنزّهة غالبا عن ذلك) أي عما ذكر (معصومة منه) أي مبرأة ومبعدة عنه مما لا يجوز طروه عليهم كالجنون ولو متقطعا وقيد الغالبية مشعر بجواز وقوع ما لا يشين عليهم كالإغماء لحظة أو لحظتين كما في حديث البخاري أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن فوضع في مخضب وصب عليه منها ثم ذهب ليتوضأ فأغمي عليه وبهذا اندفع ما قال الحلبي من أن المصنف لو حذف لفظة غالبا لكان أحسن إذ حذفها واجب (متعلّقة بالملأ الأعلى) من أرواح الأنبياء والملائكة المقربين وقيل نوع من الملائكة أعظمهم عند الله مرتبة وأعلاهم درجة (والملائكة) أجمعين (لأخذها) أي لاستفاضة بواطنهم أخبار السماء وغيرها (عنهم وتلقّيها الوحي منهم قال) أي بعض المحققين (وقد قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قلبي) أي غالبا لما سبق في نوم الوادي (وقال إنّي لست كهيئتكم) أي كصفتكم من جميع الوجوه (إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني) بفتح أوله وضمه يقال سقاه واسقاه قال تعالى وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً

стр. 1093

طَهُوراً وقال تعالى وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ولما كان الطعام قوت الأبدان والأشباح والمعارف قوت الجنان والأرواح جعلت كأنها مطعومة لأنه يتقوى بها قلب الأنام كما تتقوى الأجسام بأنواع الطعام ولما كان الماء يشفي ظمأ الغليل والمعرفة تطفئ ظمأ العليل جعلت كأنها مشروبة لأنها تذهب ظمأ الجهل كما يذهب الماء ظمأ العطش وهذا بناء على أن معناه مجاز للمعارف في حق العارف وقيل هو حقيقة وأنه يأكل ويشرب من طعام الجنة وشرابها وقيل المراد منهما النشاط والقوة في الطاعة والعبادة (وقال) أي النبي ﵊ (لست أنسى) كسائر الأنام (ولكن أنسى ليستنّ بي) أي ليقتدى بفعلي في الأحكام (فأخبر) ﵊ (أَنَّ سِرَّهُ وَبَاطِنَهُ وَرُوحَهُ بِخِلَافِ جِسْمِهِ وَظَاهِرِهِ وأنّ الآفات الّتي تحلّ) بضم الحاء وكسرها أي تنزل (ظاهره) أي بظاهره ﵊ فقط (من ضعف) أي ضعف بدن (وجوع وسهر ونوم لا يحلّ منها) أي من هذه المذكورات (شيء باطنه) أي بباطنه ولا يؤثر في خاطره (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ) مع مشاركتهم له في حكم الظاهر (لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا نَامَ اسْتَغْرَقَ النَّوْمُ جِسْمَهُ وقلبه) أي غمرهما وعطاهما (وهو صلى الله تعالى عليه وسلم في نومه) وإن استغرق جميع اعضائه فهو (حاضر القلب كما هو في يقظته) حاضر مع الرب (حَتَّى قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهُ كَانَ مَحْرُوسًا مِنَ الْحَدَثِ فِي نَوْمِهِ لِكَوْنِ قلبه يقظان) بربه (كما ذكرناه) من قبله من أن عينيه كانتا تنامان ولا ينام قلبه ولعل المراد ببعض الآثار في كلام المصنف ما رواه سعيد بن منصور عن عكرمة عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في حديث مبيته عند خالته ميمونة زوجته صلى الله تعالى عليه وسلم وصلاته بالليل معه ﵊ وفيه ثم وضع رأسه حتى اغفى وسمعت بخبخة وأصله في البخاري ثم جاء بلال فاستيقظ فقام فصلى بأصحابه زاد البخاري ولم يتوضأ أي بعد انتباهه من اغفائه أي نومه قال سعيد بن جبير فقلت لابن عباس ما أحسن هذه فقال إنها ليست لك ولأصحابك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحفظ من الحدث في نومه لكون قلبه الشريف يقظان (وكذلك) أي لا يشابهه (غيره) فإن غيره (إذا جاع ضعف لذلك) الجوع (جسمه) وانحل جسده (وخارت) بالخاء المعجمة أي فترت (قوّته) وذهبت همته (فبطلت بالكلّيّة جملته) أي جميع محاسن حالاته (وهو صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخبر) عن نفسه (أنّه لا يعتريه ذلك) أي لا يغشاه ضعف هنالك (وأنّه بخلافهم) فإنه يلحقهم ويرهقهم (لقوله) أي في حديث البخاري في حال الوصال (إنّي لست كهيئتكم) أي من ضعف بنيتكم وفتور حالتكم (إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني) على ما تقدم (قال القاضي رحمه الله تعالى) يعني المصنف (وكذلك) أي مثل مقول بعض المحققين من أن الطوارئ والتغيرات إنما تختص بأجسام الأنبياء (أَقُولُ إِنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مِنْ وصب) بفتحتين أي الم وتعب (ومرض وسحر وغضب) للرب (لم يجر على باطنه ما يخلّ به) بفتح الياء وكسر الخاء المعجمة أي يضعف بباطنه مما كان يخل به ظاهره (ولا فاض) أي ولا سال ولا حدث وخرج (منه) أي

стр. 1094

مما كان يخل ظاهر (عَلَى لِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ) من هذيانات المرضى وخرافاتهم واختلاف حالاتهم (كما يعتري غيره من البشر) ممن نزل به شيء منها من شدة الألم وقوة الضرر (ممّا نأخذ بعد) أي نشرع بعد هذا (في بيانه) أي في بيان شأنه وتبيين برهانه. فصل [فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ ﵊ سحر] (فإن قلت فقد) ويروى قد (جاءت الأخبار الصّحيحة) والآثار الصريحة (أنّه صلى الله تعالى عليه وسلم سحر) أي أثر عليه السحر (كما حدثنا الشّيخ أبو محمّد العتّابي) بفتح العين وتشديد المثناة فوق وبعد الألف موحدة فياء نسبة (بقراءتي عليه قال حدثنا حاتم بن محمد) وهو الطرابلسي (حدثنا أبو الحسن عليّ بن خلف) وهو الحافظ القابسي المعافري القروي (حدثنا محمّد بن أحمد) وهو أبو يزيد المروزي (حدثنا محمّد بن يوسف) وهو الفربري (حدثنا البخاريّ) وهو الإمام محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح (حدثنا عبيد بن إسماعيل) أي الهباري يروي عن ابن عيينة وطبقته (قال حدثنا أبو أسامة) هو الحافظ حماد الكوفي يروي عن الأعمش وغيره وعنه أحمد وإسحاق وابن معين وكان حجة عالما أخباريا عنده ستمائة حديث عن هشام بن عروة عاش ثمانين سنة وتوفي سنة إحدى ومائتين أخرج له الأئمة الستة (عن هشام بن عروة عن أبيه) سبق الكلام عليهما (عن عائشة ﵁ قالت سحر رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فعل الشّيء) وفي رواية الفعل أي من الجماع وغيره (وما فعله) جملة حالية وهذا الحديث ساقه القاضي كما ترى من عند البخاري وقد أخرجه مسلم أيضا فهو حديث متفق عليه كما سيأتي قريبا في كلام المصنف (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنّه كان يأتي النساء ولا يأتيهنّ) أي يظن أنه واقعهن والحال أنه لم يجامعهن (الحديث) قال الحكيم الترمذي ولما سحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى عجز عن نسائه وأخذ بقلبه لبث في ذلك ستة أشهر فيما روي في الخبر ثم نزلت المعوذتان انتهى كذا في تفسير البغوي وسيأتي عن عائشة أنه لبث سنة قال عبد الرزاق حبس عنها خاصة حتى أنكر بصره قال ابن الملقن في شرح البخاري في تفسير قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ورواية ثلاثة أيام أو أربعة أيام هو أصوب وسنة بعيد أقول ولعله ﵊ كان سحره شديدا عليه في تلك الأيام ثم خف عنه إلى نصف سنة ولم يتعارف منه إلا بعد كمال سنة (وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنَ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ عَلَى المسحور فكيف حال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك) الوقت المذكور (وكيف جاز عليه) أي السحر وأن يكون في مقام موهوم (وَهُوَ مَعْصُومٌ فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هذا الحديث) الذي أسندناه إلى عائشة (صحيح متّفق عليه) لا شبهة لديه (وقد طعنت فيه الملحدة) أي الطائفة الملاحدة الزائغة بالعقيدة الفاسدة (وتذرّعت) بذال معجمة من الذريعة توسلت (به) إلى التشكيكات الكاسدة وفي نسخة بدال مهملة أي تسلحت به لإظهار الحجج الداحضة الشاردة (لسخف عقولها) بضم السين

стр. 1095

المهملة وسكون الخاء أي رقتها وضعفها (وتلبيسها) أي تخليطها (على أمثالها) أي اشباهها من ضعفاء اليقين في أمر الدين (إلى التّشكيك) أي إيقاع الشك ويروى التشكك أي قبول الشك (في الشّرع) أي في أمور الشرع المبين (وقد نزّه الله الشّرع) أي الشريف المكرم (والنبيّ) المعظم صلى الله تعالى عليه وسلم (عمّا يدخل) أي عن شيء يدخل (في أمره لبسا) بفتح أوله أي خلطا واشتباها (وَإِنَّمَا السِّحْرُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَعَارِضٌ مِنَ العلل) أي من جملة الأعراض (يجوز) وقوعه (عليه كأنواع الأمراض ممّا لا ينكر) بالإجماع (ولا يقدح في نبوّته) من غير النزاع. (وَأَمَّا مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) أي يقع في خيال باله (أنه فعل الشّيء) من أفعاله (ولا يفعله) في حاله ويروى وما فعله (فليس في هذا) التخيل (ما يدخل عليه داخلة) أي ريبة وتهمة (في شيء من تبليغه) أي لأمته (أو شريعته) أي بيان أحكام ملته (أو يقدح في صدقه) وفي نسخة في شيء من صدقه (لقيام الدّليل) من أنواع المعجزة (والإجماع) من علماء الأمة (على عصمته من هذا) أي من إدخال فساد في الحال (وإنّما هذا) ويروى وإنما هو أي التخيل (فيما يجوز طروّه عليه في) وفي نسخة من (أَمْرِ دُنْيَاهُ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ بِسَبَبِهَا وَلَا فضّل) على غيره (من أجلها) ما يشير إليه قوله أنتم اعلم بأمر دنياكم وإنما فضل بالوحي الإلهي وما يتعلق بالأمر الديني والأخروي كما يومي إليه قوله تَعَالَى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ (وهو) صلى الله تعالى عليه وسلم (فيها) أي في أمور دنياه (عرضة للآفات) أي هدف للعاهات (كسائر البشر) في جميع الحالات وإذا كان الأمر كذلك (فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِهَا ما لا حقيقة له) في صدورها (ثمّ ينجلي عنه) أي ينكشف الأمر (كما كان) على وجه ظهورها كسحابة عارضة مانعة عن شعاع الشمس ونورها (وأيضا فقد فسّر هذا الفصل) أي الكلام المجمل (الحديث الآخر) المفصل (مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أهله) من النساء (ولا يأتيهنّ) فإن اتيانهن من جملة أمور دنياه ولا ضرر من هذه الأحوال في دينه وأخراه (وقد قال سفيان) أي الثوري وقال الدلجي الظاهر أنه ابن عيينة إذ هو المراد بالإطلاق عند أئمة الحديث وجزم الحلبي وقال هو ابن عيينة لأنه المذكور في السند في الصحيح (وهذا) النوع (أشدّ ما يكون من السّحر) وإلا لم يعرض له هذا التخيل ويشير إلى كلامه قوله تعالى فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (ولم يأت في خبر منها) أي من أحاديث سحره ﵊ أو من الأخبار الصحيحة (أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ بِخِلَافِ مَا كَانَ أَخْبَرَ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ) والمعنى أنه لم ينقل عنه أنه قال حال سحره فعلت كذا والحال أنه لم يفعله لعصمته من الخلف في الأخبار لأمته (وإنّما كانت) هذه السوانح واللوائح (خواطر) أي خطرات (وتخييلات) في صورة تسويلات ويروى بموحدة وتحتية. (وقد قيل إنّ المراد بالحديث) أي حديث حتى يخيل إليه (أنه كان يتخيّل الشّيء) ويروى يتخيل إليه الشَّيْءَ (أَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَا فَعَلَهُ لَكِنَّهُ تَخْيِيلٌ لا يعتقد) هو بنفسه (صحّته) وفي نسخة بصيغة المجهول أي كل أحد يدرك عدم حقيقته كما يستفاد من نفس التخيل

стр. 1096

وصيغته واشتقاق بنيته (فتكون اعتقاداته كلّها) أي سواء تعلقت بأمور دنياه أو بأحوال أخراه (على السّداد) أي الصواب ومنهج الرشاد (وأقواله على الصّحّة) التي تصلح للاعتماد، (هذا ما وقفت عليه لأئمّتنا) أي الأشعرية أو المالكية أو أئمة أهل السنة والجماعة (من الأجوبة على) وفي نسخة عن (هذا الحديث) أي حديث سحره ﵊ (مع ما أوضحنا من معنى كلامهم) وبيناه على مبنى مرامهم (وزدناه بيانا من تلويحاتهم) أي من إشاراتهم من غير تصريح عباراتهم (وكلّ وجه منها) أي من الوجوه المذكورة (مقنع) بضم الميم وكسر النون ويجوز فتحهما على أنه مصدر للمبالغة أو اسم مكان وهو من قنع بالكسر قناعة إذا رضي ويقال فلان مقنع في العلم وغيره على وزن جعفر أي مرضي فيه وليس المراد به أنه دليل اقناعي وإن كان يشير إليه قوله (لكنّه قد ظهر لي في الحديث) هذا (تأويل أجلى) بالجيم أي أظهر وأوضح من التأويلات السالفة (وأبعد من) وفي نسخة عن (مطاعن ذوي الأضاليل) جمع ضليل مبالغة في الضلال ومنه قول علي رضي الله تعالى عنه وقد سئل عن أشعر الشعراء فقال الملك الضليل يعني امرأ القيس وكان يلقب به وقيل هو جمع أضلولة وهو ما يضل من ركبه (يستفاد) أي ذلك التأويل الأجلى (من نفس الحديث) ويروى من تفسير الحديث (وهو أنّ عبد الرّزّاق) وهو الحافظ الصغاني (قد روى هذا الحديث) في مصنفه عن معمر عن الزهري (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ وَقَالَ) أي عبد الرزاق (فيه) أي في حديثه (عنهما) أي ابن المسيب وعروة (سحر يهود بني زريق) بضم الزاء وفتح الراء (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجعلوه) أي ما سحروه به (في بئر) وهي بئر ذروان (حتّى كاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قارب (أن ينكر بصره) لضعف حدته أو لأمر تخيله (ثمّ دلّه الله على ما صنعوا) أي اليهود (فاستخرجه) بنفسه أو بمأموره (من البئر، وروي نحوه) بصيغة المجهول (عن الواقديّ) قاضي العراق وقد سبق ذكره (وعن عبد الرّحمن بن كعب) أي ابن مالك السلمي يروي عن أبيه وعائشة وعنه الزهري وهشام بن عروة ثقة مكثر أخرج له أصحاب الكتب الستة (وعمر بن الحكم) بفتحتين تابعي جليل (وذكر) بصيغة المجهول (عن عطاء الخراسانيّ) من أكابر التابعين روى عنه الأوزاعي ومالك وشعبة قال ابن جابر كنا نغزو معه وكان يحيي الليل صلاة إلى نومة السحر أخرج له الأئمة الستة (عن يحيى بن يعمر) بفتح الياء والميم وقد يضم وحكي عن البخاري وهو غير مصروف للعلمية ووزن الفعل قاضي مرو يروي عن عائشة وابن عباس مقرئ ثقة أخرج له الأئمة الستة قال هارون بن موسى أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر قال الذهبي يقال توفي سنة تسعين وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن عطاء (حبس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن عائشة) بصيغة المجهول أي منع من قربانها (سنة فبيننا هو نائم أتاه ملكان) وهما جبريل وميكائيل كما في سيرة الدمياطي (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ الحديث) أي فقال أحدهما ما له فقال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الأعصم في جف طلعة ذكر نخل في بئر ذروان وروى عن

стр. 1097

ابن عباس وعائشة أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي ﵊ فدنت إليه اليهود فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها فنزلت السورتان فيه وعن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طب أي سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئا وما صنعه وأنه دعا ربه ثم قال اشعرت أن الله قد افتاني فيما استفتيته فيه قالت عائشة وما أدراك يا رسول الله قال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال الآخر مطبوب قال من طبه قال لبيد بن الاعصم قال فيماذا قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال وأين هو قال في ذروان وذروان بئر في بني زريق قالت عائشة فأتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين قالت فقلت له هلا أخرجته قال أما أنا فقد شفاني وكرهت أن أثير على الناس من شرا وروي أنه كان تحت صخرة في البئر فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة وإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه وعن زيد بن أرقم قال سحر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل من اليهود قال فاشتكى لذلك أياما قال فأتاه جبريل ﵇ فقال رجل من اليهود سحرك وعقد لك عقدا فأرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما انشط من عقال فما ذكر ذلك لليهودي ولا رآه في وجهه قط قال مقاتل والكلبي كان في وتر عقد إحدى عشرة عقدة وقيل وكانت مغروزة بالإبر فأنزل الله هاتين السورتين وهي إحدى عشرة آية سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها فقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما انشط من عقال قال البغوي وروي أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال فنزلت المعوذتان؛ (قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) بعد أن سحر (عن عائشة خاصّة) دون غيرها من نسائه (سنة) وطالعت المدة (حتّى أنكر بصره) أي من ضعف بصره أو من تخيل بعض أمره؛ (وروى محمد بن سعد) بفتح وسكون وهو كاتب الواقدي وصاحب الطبقات وكذا رواه البيهقي بسند ضعيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فحبس عن النّساء) أي منع عنهن وحيل بينه وبينهن (والطّعام والشّراب) أي وعن تكثيره منهما كما هو عادته فيهما (فهبط) بفتح الموحدة أي نزل (عليه ملكان) أي بصورة رجلين فعقد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه (وذكر القصّة) أي إلى آخرها على ما قدمناه ويروي القضية؛ (فَقَدِ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ مَضْمُونِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَجَوَارِحِهِ) أي من جهة منع جماعة ونقصان أكله وشربه (لا على قلبه واعتقاده وعقله) وكذا سلم منه آلة لسانه الذي هو عمدة بيانه وزبدة برهانه (وأنّه إنّما أثّر) أي السحر بعض اثره (في بصره) من ضعف نظره أو تخيل أثره (وحبسه) أي منعه (عن وطء نسائه وطعامه) أي

стр. 1098

بعض المنع (وَأَضْعَفَ جِسْمَهُ وَأَمْرَضَهُ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ يُخَيَّلُ إليه أنّه يأتي أهله) أي بعض نسائه (ولا يأتيهنّ) في نفس الأمر، (أي يظهر له من نشاطه) أي كمال رغبته (ومتقدّم عادته) أي سابقتها في حالته (القدرة على النّساء) بالمجامعة (فإذا دنا منهنّ) أي على قصد مواقعتهن (أصابته) أدركته (أخذة السّحر) بضم الهمزة وخاء ساكنة فذال معجمة فتاء تأنيث وهي رقية كالسحر أو خرزة تؤخذ أي تحبس بها النساء أزواجهن عن النساء دونهن (فلم يقدر على إتيانهنّ كما يعتري) أي يصيب ويغشى (من أخذ) بضم همز وتشديد خاء أي حبس عن وطء امرأة لا يصل لجماعها يقال أخذت المرأة زوجها تأخيذا إذا فعلت به ما تقدم من السحر وفي نسخة وأخذ وهو في مبناه ومعناه ونظيرهما قوله تعالى وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ووقتت كما قرىء بهما في السبعة واختير التفعيل في التأخيذ للمبالغة في أخذه وحبسه (واعترض) بصيغة المجهول أيضا من العرض بالتحريك وهو ما يعرض للإنسان من حوادث الدوران، (ولعلّ) أي الشأن ويروى ولعله (لمثل هذا) السحر (أشار سفيان) أي ابن عيينة أو الثوري (بقوله وهذا) النوع (أشدّ ما يكون من السّحر) لأنه غالبا يكون سببا للتفريق بين المرء وزوجه (ويكون قول عائشة رضي الله تعالى عنها في الرّوايات الأخرى إنّه ليخيّل) وفي نسخة يخيل أي يشبه (إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ مِنْ باب ما اختلّ من بصره) أي لأنه كناية عن جماعه مع أهله كما تقدم (فَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ أو شاهد) أي أو يظن أنه رأى (فعلا من غيره ولم يكن) ما ذكر من الشخص والفعل (على ما يخيّل إليه) أي موافقا لتخيله (لما أصابه) أي من ضعف (في بصره) وفي نسخة أي لما أصابه وهن من جهة بصره (وضعف نظره لا لشيء طرأ) بالهمز أي عرض وحدث (عليه في ميزه) بفتح الميم وسكون التحتية وبالزاء أي تمييزه وتفرقته بين الأشياء قال التلمساني وروي في غيره اقول الظاهر إنه تصحيف (وإذا كان) أي أمره ﵊ (هذا) الذي ذكرناه في هذا المقام (لم يكن في إصابة السّحر) وفي نسخة لم يكن ما ذكر في إصابة السحر (له وتأثيره فيه) أي في ظاهر أمره (ما يدخل عليه لبسا) أي خلطا في باطنه (ولا يجد به الملحد) المائل عن الحق في مقاله (المعترض) بعقله التابع لباطله (أنسا) بضم فسكون أي تبصرا فيما لا يجدي بطائله. فصل [هذا حاله ﵊ في جسمه] (هذا) الذي ذكرنا في الفصل الذي قدمنا على ما حررنا (حاله) من جهة أمراض وأعراض نازلة أو حاصلة له (في جسمه) من ظاهر جسده وباطنه، (فأمّا أحواله) أي الواردة (في أمور الدّنيا) أي الخارجة عن جسمه (فنحن نسبرها) بنون مفتوحة وسين ساكنة وبموحدة مضمومة فراء من سبرها أو بضم نون فكسر موحدة من أسبرها أي نقيد أحواله ونوزن أفعاله ونوردها (على أسلوبها) ويروى على أسلوبنا (المتقدّم) أي طريقها السابق (بالعقد) بمعنى الاعتقاد (وَالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ؛ أَمَّا الْعَقْدُ مِنْهَا فَقَدْ يَعْتَقِدُ) أي يظن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 1099

(في أمور الدّنيا الشّيء على وجه) من جواز فعله وتركه في بادئ رأيه (وَيَظْهَرُ خِلَافُهُ أَوْ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى شَكٍّ) أي تردد لا يترجح أحد طرفيه (أو ظنّ) يترجح عنده أحد شقيه ويتبين بعده وهذا كله في أمر الدنيا وما يتعلق به من الفرع (بخلاف أمور الشّرع كما) يدل عليه ما (حدّثنا أبو بحر) بفتح موحدة وسكون مهملة (سفيان بن العاص) بغير الياء في آخره (وغير واحد) من المشايخ (سماعا) من بعض (وقراءة) على بعض وهما منصوبان على التمييز أو حالان (قالوا) كلهم (حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ؛ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بن عمرويه) بفتح وسكون فضم وفتح فسكون هاء وفي نسخة ففتح تاء وفي نسخة الراء والواو وسكون الياء وكسر الهاء (حدّثنا ابن سفيان) هذا أبو إسحاق محمد بن سفيان راوي الصحيح عن مسلم (حدّثنا مسلم) أي ابن الحجاج الحافظ صاحب الصحيح (حدّثنا عبد الله) ويقال عبيد الله (ابن الرّوميّ) يروي عن ابن عيينة انفرد مسلم بالإخراج له (وعبّاس العنبريّ) منسوب إلى بني العنبر ابن عمرو بن تميم من حفاظ البصرة روى عن القطان وعبد الرزاق وعنه مسلم والأربعة والبخاري تعليقا قال النسائي ثقة مأمون توفي سنة ست وأربعين ومائتين (وأحمد المعقريّ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف وفي نسخة بكسر الميم وفتح القاف وفي أخرى بضم الميم وفتح العين وكسر القاف المشددة نسبة إلى ناحية من اليمن توفي بعد خمس وخمسين ومائتين كان بزازا بمكة روى عنه مسلم (قالوا) أي كلهم (حدّثنا النّضر بن محمّد) هو الجرشي اليماني يروي عن شبعة وغيره وعنه أحمد العجلي أخرج له الستة إلا النسائي (قال حدثني عكرمة) أي ابن عمار (حدّثنا أبو النّجاشيّ) هو عطاء ابن صهيب روى عنه عكرمة والأوزاعي وجماعة أخرج له الشيخان والنسائي وابن ماجه (قال حدّثنا رافع بن خديج) انصاري أوسي حارثي شهد أحدا عاش ستا وثمانين سنة توفي بالمدينة سنة ثلاث وسبعين أخرج له الأئمة الستة (قال قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة وهم يأبرون) بضم الموحدة وفي نسخة يؤبرون بضم أوله وكسر بائه مشددة وهو رواية الطبراني يلقحون (النّخل) بوضع طلع ذكورها فيها (فقال ما تصنعون قالوا: كنّا نصنعه) أي شيئا على عادتنا ليكثر فيما يثمر؛ (قال لعلّكم لو لم تفعلوا) أي لو تركتم تأبيرها (كان خيرا) من تأبيرها بناء على هدم المعالجة في تدبير تأثيرها (فتركوه فنفضت) بفتح النون والفاء والضاد المعجمة أي أسقطت حملها من ثمرها وروي فنقصت بالقاف والصاد المهملة وقيل هو تصحيف وعلى تقدير صحته أما بمعنى اسقطت وإما قالت في الحمل وإما قلت في نفسها مع كثرتها أي صارت حشفا وروي نصبت بصاد مهملة بعدها موحدة وبغين معجمة وصاد مهملة قال القاضي ولا معنى لهما وقيل في معناهما أن نصبت من النصب وهو التعب ومعناه أن ثمرها لم يخرج إلا بنكد فصار كأنه تعب وإن نغصت من قولهم نغص لم يتم مراده قال ابن قرقول وفي هذه اللفظة روايات كلها تصحيف إلا الأول، (فذكروا ذلك له) أي من نقصان الثمر (فَقَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ من دينكم) أي ولو برأيي (فخذوا به) لأنه

стр. 1100

عليه الصلاة والسلام مبين لأحكام الإسلام (وإذا أمرتكم بشيء من رأيي) وفي رواية من رأي أي في أمر دنياكم مما ليس له تعلق بأمر دينكم وآخرتكم (فإنّما أنا بشر) مثلكم فقد أصيب وقد اخطئ فالأمر فيه مخير لكم (وفي رواية أنس) وفي نسخة رواية أنس أي لمسلم عنه (أنتم أعلم بأمر دنياكم) إن اردتم تبعتموني وإن أردتم اخترتم رأيكم (وفي حديث آخر) رواه مسلم عن طلحة (إنّما ظننت ظنّا فلا تؤاخذوني بالظّنّ) إن لم يكن مطابقا لظنكم وموافقا لرأيكم هذا وعندي أنه ﵊ أصاب في ذلك الظن ولو ثبتوا على كلامه لفاقوا في الفن ولارتفع عنهم كلفة المعالجة فإنما وقع التغير بحسب جريان العادة ألا ترى أن من تعود بأكل شيء أو شربه يتفقده في وقته وإذا لم يجده يتغير عن حالته فلو صبروا على نقصان سنة أو سنتين لرجع النخيل إلى حاله الأول وربما أنه كان يزيد على قدره المعول وفي القضية إشارة إلى التوكل وعدم المبالغة في الأسباب وقد غفل عنها أرباب المعالجة من الأصحاب والله تعالى اعلم بالصواب (وفي حديث ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما كما رواه البزار بسند حسن (في قصّة الخرص) بفتح الخاء المعجمة فراء ساكنة فصاد مهملة هو الحرز والتقدير لما على الشجر من الرطب تمرا ومن العنب زبيبا أي تخمينه ظنا والقصة ما روي عن أبي حميد قال خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخرصوها فخرصناها وخرص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عشرة أوسق وقال لها احصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله تعالى إلى قوله ثم اقبلنا حتى قدمنا وادي القرى فسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المرأة عن حديقتها كم بلغ تمرها قالت عشرة أوسق (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنّما أنا بشر) وفي كلام جنسهم خطر (فما حدّثتكم عن الله تعالى) أي وحيه جليا أو خفيا (فهو حقّ) أي صوابه دائما (وما قلت فيه) أي من أمور الدنيا (من قبل نفسي) أي مما خطر لي (فإنّما أنا بشر أخطىء وأصيب وهذا) وارد (على ما قرّرناه) آنفا من أنه ﵊ قد يعتقد الشيء من أمور الدنيا على وجه ويظهر خلافه كذا قرره الدلجي على طبق ما حرره القاضي ولكن فيه أنه لم يعتقده بل ظنه كما يدل عليه قوله (فِيمَا قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي أُمُورِ الدّنيا وظنّه من أحوالها) الجارية على منوال أفعال أهلها في منالها (لا ما قاله من قبل نفسه) جزما مع أنه جاء مطابقا لما قاله حزما (واجتهاده في شرع شرعه) أي أظهره وبينه عزما (وسنّة) وفي نسخة أو سنة (سنّها) أي طريقة اخترعها لحديث أبي داود عن المقدام بن معدي كرب قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ألا أني أوتيت القرآن ومثله معه يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مثل ما حرم الله تعالى إلا لا يحل الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه (وكما حكى

стр. 1101

ابن إسحاق) وقد رواه البيهقي عن عروة والزهري أيضا (أنّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ بِأَدْنَى مِيَاهِ بَدْرٍ) أي في أبعدها منه (قال له الحباب بن المنذر) بضم الحاء المهملة وبموحدتين الخزرجي وكان يقال له ذو الرأي توفي في خلافة عمر كهلا ولم يرو نقلا (أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نتقدّمه) لا بأن نتأخر عنه ولا أن نتقدم عليه (أم هو الرّأي والحرب والمكيدة) وهي مفعلة من الكيد بمعنى المكر يعني فلنا المخالفة فإن الحرب خدعة والمكيدة بمعنى الخديعة واقعة (قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ) أي لم ينزلني الله تعالى فيه ولم يأمرني به وإنما وقع نزولي فيه اتفاقا من غير تأمل في أمره وقد أمرني الله تعالى بقوله قولكم في مصلحة أمركم حيث قال وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (قال فإنّه ليس بمنزل) مرضي بحسب العقل، (انهض) بفتح الهاء والضاد المعجمة وهو القيام إلى الشيء بالسرعة والعجلة أي قم لنا وانتقل بنا (حتّى نأتي أدنى ماء) أي أقربه (من القوم) يعني قريشا (فننزله ثمّ نعوّر ما وراءه من القلب) بضمتين جمع قليب وهو البئر ونعور بتشديد الواو المكسورة بعد عين مهملة وقيل معجمة فعلى الأول أي نفسدها عليهم وعلى الثاني نذهبها في الأرض وندفنها لئلا يقروا على الانتفاع بها وفي رواية السهيلي بضم العين المهملة وسكون الواو وهي لغة فيها (فنشرب ولا يشربون) أي منها، (فقال أشرت بالرّأي) أي الصحيح (وفعل ما قاله) أي الحباب في هذا الباب وقد روى ابن سعد أنه نزل جبريل ﵇ على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال الرأي اشار به الحباب، (وقد قال الله تعالى) أي وأمره ﵊ بقوله (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩] ) ومدحهم في مواضع أخر فقال وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم ما تشاور قوم إلا هدوا لا رشد أمرهم وقد ورد ما خاب من استخار ولا ندم من استشار (وأراد) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة الأحزاب (مصالحة بعض عدوّه على ثلث تمر المدينة) من التمر وغيره وفي نسخة بالتاء الفوقية (فاستشار الأنصار) كما رواه البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا محمد ناصفنا ثمر المدينة وإلا ملأناها عليك خيلا ورجلا فقال حتى استأمر السعود يعني سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فشاورهما فقالا لا والله ما اعطينا الدنيئة من أنفسنا بالجاهلية وقد جاء الله تعالى بالإسلام وفي رواية ابن إسحاق أنه ﵊ أراد في غزوة الخندق أن يقاضي أي يصالح بذلك عيينة بن حصين الفزاري والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان واستشار صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقال سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله تعالى وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قري أو بيعا فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله تعالى بيننا وبينهم فقال ﵊ فأنت وذاك القصة

стр. 1102

وهذا معنى قوله (فلمّا أخبروه برأيهم رجع عنه) أي عن رأيه، (فمثل هذا) أي ما ذكر عن الحباب ببدر وعن الأنصار في الأحزاب (وأشباهه من أمور الدّنيا) ما لم يكن به الاعتناء (وهي الَّتِي لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِعِلْمِ دِيَانَةٍ وَلَا اعتقادها ولا تعليمها) أي مما لم يؤمر به بيانا وتعليما وتبيانا (يجوز عليه فيها ما ذكرناه) وفي نسخة ما ذكروا أي من أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد يظن شيئا على وجه ويظهر خلافه، (إذ ليس في هذا كلّه نقيصة) أي منقصة (ولا محطّة) له عن رفعة مرتبة وعلو منزلة (وإنّما هي أمور اعتياديّة) اعتادها الناس وألفوها (يعرفها من جرّبها) مرة بعد أخرى (وجعلها همّه) أي غاية همه فيها (وشغل نفسه بها) وعالجها وعاناها (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) يقول في دعائه ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا وهو (مشحون القلب) أي مملوءة (بمعرفة الرّبوبيّة) وما يتعلق بها من آداب العبودية (ملآن الجوانح) أي الاضلاع وفي نسخة الجوارح (بعلوم الشّريعة مقيّد البال) أي مربوط القلب في جميع الحال (بمصالح الأمّة الدّينيّة والدّنيويّة) أي التي لها تعلق بالأمور الأخروية (ولكن هذا) أي ما يظنه على وجه ويظهر خلافه (إنّما يكون في بعض الأمور) الدنيوية أي التي ليس لها تعلق أصلا بالأحوال الدينية (ويجوز) أي وقوع مثله عنه (في النادر وفيما سبيله التّدقيق) أي تدقيق النظر وتحرير الفكر (في حراسة الدّنيا) بكسر أوله أي محافظتها ومراعاتها (واستثمارها) أي تحصيل ثمرتها ونتيجتها المترتبة عليها (لا في الكثير) من أمورها (المؤذن بالبله) بفتحتين أي المشير إلى البلاهة (والغفلة) المؤذنة بقلة شعورها والحاصل أنه ﵊ واتباعه الكرام كانوا على ضد حال الكفار وأرباب الكفر اللئام كما قال الله تعالى يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (وقد تواتر بالنّقل) من جمع يمتنع من تكذيبهم العقل (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم من المعرفة بأمور الدّنيا) وأحوالها (وَدَقَائِقِ مَصَالِحِهَا وَسِيَاسَةِ فِرَقِ أَهْلِهَا مَا هُوَ معجز في البشر) حيث لم يقدر أحد أن يأتي بنظام أمور هذا الباب (مِمَّا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي بَابِ مُعْجِزَاتِهِ من هذا الكتاب) . فصل [وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُهُ فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ إلى آخره] (وأما ما يعتقده) وفي حاشية الحجازي ويروى بضم أوله وفتح ثالثه والقاف (فِي أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ الْجَارِيَةِ عَلَى يَدَيْهِ) صلى الله تعالى عليه وسلم (وقضاياهم) المرفوعة منهم إليه (ومعرفة المحق من المبطل) وأغرب التلمساني في ضبطهما بصيغة المفعول وتفسيرهما بالحق والباطل وغرابته من جهة المبنى والمعنى في هذا المقام مما لا يخفى (وعلم المصلح من المفسد) من يداخل بإصلاح أو إفساد من العباد في أمور البلاد (فبهذا السّبيل) أي ما ذكر هنا من معتقده ومعرفته على الوجه الجميل (لقوله ﵊ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أم سلمة (إنّما أنا بشر) وإنما يوحى إلي أحيانا (وإنّكم تختصمون) بينكم

стр. 1103

وترفعون الأمر (إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن) أي أعرف وأفطن (بحجّته) أي خصومته وتبيين بينته وطريق تمشيته ومنه قول عمر بن عبد العزيز عجبت لمن لاحن الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم أي فاطنهم (من بعض) لبلاهته أو لصفاء حالته (فأقضي له) أي فاحكم (على نحو) بالتنوين (ممّا أسمع) أي منه كما في نسخة يعني من كلامه حيث لم أعرف حقيقة مرامه وفي نسخة على نحو ما اسمع بالإضافة، (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ) فيما ظهر لي على وجه يكون الأمر في الواقع بخلافه (فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قطعة من النّار) لبناء أحكام شريعته على الظاهر وغلبة الظن في قضيته وقد ورد نحن نحكم بالظواهر والله اعلم بالسرائر وإنما صدر الحديث بقوله إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إيذانا بأن السهو والنسيان غير مستبعد من الإنسان وأن الوضع البشري يقتضي أن لا يدرك من الأمور الشرعية إلا ظواهرها تمهيدا للمعذرة فيما عسى يصدر عنه ﵊ من أمثال تلك الأحكام ولو كان نادرا في الأيام وليس هذا من قبيل الخطأ في الحكم فإن الحاكم مأمور مكلف بأن يحكم بما يسمع من كلام الخصمين وبما تقتضيه البينة لا بما في نفس الأمر في القضية حتى لو حكم المبطل في دعواه بشاهدي زور وفق مدعاه وظن القاضي عدالتهما فهو محق في الحكم وإن لم يكن المحكوم به ثابتا في نفس الأمر. (حدّثنا الفقيه أبو الوليد رحمه الله تعالى) أي الباجي وهو هشام بن أحمد وهو ابن العواد (حدّثنا الحسين بن محمد الحافظ) هو أبو علي الغساني (حدّثنا أبو عمر) أي ابن عبد البر حافظ الغرب (حدّثنا أبو محمد) هو عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن القرطبي من قدماء شيوخ ابن عبد البر كان تاجرا صدوقا (حدّثنا أبو بكر) وهو ابن داسة راوي السنن عن أبي داود (حدّثنا أبو داود) وهو حافظ العصر صاحب السنن (حدّثنا محمد بن كثير) بفتح الكاف وكسر المثلثة العبدي البصري يروي عن شعبة والثوري عاش تسعين سنة أخرج له الأئمة الستة (أخبرنا سفيان) قال الحلبي الظاهر أنه الثوري ومستندي في هذا أن الحافظ عبد الغني ذكر الثوري فيمن روى عنه محمد بن كثير ولم يذكر ابن عيينة وفي التذهيب قال روي عن سفيان وأطلق فحملت المطلق على المقيد قلت وكلاهما إمامان جليلان في مقامهما فلا إشكال في ابهامهما (عن هشام بن عروة عن أبيه) سبق الكلام عليهما (عن زينب بنت أمّ سلمة) ربيبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صحابية أخرج لها الأئمة الستة لها الرواية عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا وكان اسمها برة بفتح الموحدة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وسلم فلا تزكوا أنفسكم الله اعلم بأهل البر منكم فسماها زينب (عن أمّ سلمة) إحدى أمهات المؤمنين (قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحديث) كما تقدم وسبق أنه رواه الشيخان وغيرهما (وفي رواية الزّهريّ) وهو الإمام العالم (عن عروة) وقد تقدم، (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ) أي أفصح أو أكثر بلاغا يقال بالغ يبالغ مبالغة وبلاغا إذا اجتهد في الأمر أي أجهد نفسه في إيصال كلامه إلى ذهن سامعه واقتصر الدلجي عليه وفيه أنه لا يبنى أفعل من غير الثلاثي المجرد إلا بتقوية

стр. 1104

أشد ونحوه فلو أريد هذا المعنى لقيل أكثر تبليغا أو أشد بلاغا ونحوهما (فأحسب أنّه صادق) أي أظن أنه في قوله لما في نفس الأمر موافق (فأقضي له) بما أظنه أنه يستحقه، (ويجري) من الإجراء أي ويمضي (أحكامه ﵊ وفي نسخة يجري من الجريان أي وتقع أحكامه ﵊ ويروى أحكامهم (على الظّاهر) من الأمور وأحوال الأنام (وموجب) بفتح الجيم أي ومقتضى (غلبات الظّنّ) جمع باعتبار جمع القضايا (بشهادة الشّاهد) أي جنسه تارة (ويمين الحالف) أخرى عند انكاره وعدم البينة على خلافه (ومراعاة الأشبه) مما يظنه حقا وقال التلمساني يعني في الحكم بالقائف أقول وهذه مسألة مختلف فيها (ومعرفة العفاص) بكسر العين والصاد المهملتين بينهما فاء بعدها ألف الوعاء الذي يكون فيه الشيء (والوكاء) بكسر أوله ممدودا خيط الوعاء والمراد كل ما يربط من صرة وغيرها والمعنى أنه ﵊ بنى أمره في الأحكام على الأمور الظاهرة من الشهادة واليمين والشبه ومعرفة الوعاء والوكاء في اللقطة من الأشياء وقد أغرب الدلجي حيث قال كني بالعفاص والوعاء عما يظهر له من فحوى كلام الخصمين مما يظن به حقيقة ما ادعى به (مع مقتضى حكمة الله تعالى فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَوْ شَاءَ لَأَطْلَعَهُ) أي نبيه (على سرائر عباده) من أهل ملته (ومخبّآت) أي مخفيات (ضَمَائِرِ أُمَّتِهِ فَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ بِمُجَرَّدِ يَقِينِهِ وعلمه) حينئذ (دون حاجة) أي من غير افتقار له (إلى اعتراف) من أحد المتخاصمين بالحق (أو بينة أو يمين أو شبهة) أي مشابهة ومناسبة ترجح الحكم لأحد وكل ذلك على تقدير مشيئة الله تعالى إطلاعه ﵊ في القضايا (ولكن لمّا أمر الله أمّته باتّباعه) في قواعد شريعته (وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَقَضَايَاهُ وَسَيَرِهِ) أي طريقته (وكان هذا) أي ما أمر الله تعالى أمته باتباعه في جميع سيرته (لو كان ممّا يختصّ) أي النبي ﵊ (بعلمه ويؤثره الله به) أي بانفراده واختصاصه (لَمْ يَكُنْ لِلْأُمَّةِ سَبِيلٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ في شيء من ذلك) لعدم إطلاعهم على حقيقة وقوع ما هنالك (ولا قامت) بعده (حجّة) على من خالف أمرا من أمور دينه (بقضيّة من قضاياه لأحد) من حكام ملته (في شريعته) على أحد من أمته (لأنّا لا نعلم ما أطلع عليه) من الإطلاع أو الإطلاع أي مما أوثر به (هو في تلك القضيّة) المرفوعة إليه (بحكمه هو إذن) أي حينئذ (في ذلك) أي في وقت ورودها هنالك (بالمكنون) أي المستور (مِنْ إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِمَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ من سرائرهم) أي ضمائرهم (وهذا) الأمر المكنون والسر المصون (ممّا لا تعلمه الأمّة) إذ لا يطلع عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رسول وأما الأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون لهم يقينا وإلهامهم لا يفيد إلا أمرا ظنيا وبهذا المقال يندفع ما يرد على الحصر في الآية من نوع الإشكال والله تعالى اعلم بالأحوال ثم الأولياء من أرباب الكشوف لا يوجدون في كل زمان ومكان أيضا وربما يدعي كل أحد أنه في مرتبة الولاية العلية (فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم) في القضية (الّتي يستوي في ذلك هو) أي النبي ﵊ (وغيره من البشر) في زمنه

стр. 1105

وبعده من الأيام (ليتّم) من الإتمام أو التمام أي ليعم (اقتداء أمّته به في تعيين قضاياه) أي أحكام ملته (وتنزيل أحكامه) على أمته وفق قواعد شريعته (ويأتون ما أتوا من ذلك) أي يفعلون ما فعلوا من الحكم بطريقته (عَلَى عِلْمٍ وَيَقِينٍ مِنْ سُنَّتِهِ، إِذِ الْبَيَانُ بالفعل أوقع منه بالقول) أي وحده على خلاف فيه (وأرفع) أي أدفع كما روي (لاحتمال اللّفظ وتأويل المتأوّل) وفيه أن الأحكام منه ﵊ كانت جامعة بين الفعل والقول وإلا ففي قضية الحال كلام لأهل المقال (وكان حكمه على الظّاهر أجلى) أي أظهر لكل أحد (في البيان) أي في ميدان العيان (وأوضح) أي أبين (في وجوه الأحكام) لظهور المرام (وأكثر فائدة لموجبات التّشاجر) أي التخالف والتنازع (والخصام) أي التخاصم في الأحكام (وليقتدي بذلك كلّه) أي بقضاياه وفق شريعته (حكام أمّته) وعلماء أمته (ويستوثق) عطف على ليقتدى أي يستمسك وليس بتصحيف كما ظنه الأنطاكي وفي نسخة يستوسق بالسين بدل المثلثة أي يجتمع وينتظم (بما يؤثر عنه) أي يروى من بيان قواعد طريقته (وينضبط قانون شريعته) المشتملة على كليات أصولية تبنى عليها جزئيات فرعية (وطيّ ذلك) أي عدم الأطلاع ما هنالك (عنه) ﵊ فيما تتعلق به القضايا والأحكام (من علم الغيب الّذي استأثر) أي انفرد (به عالم الغيب) أي ما غاب عن غيره (فلا يظهر على غيبه أحدا) من خلقه (إلّا من ارتضى من رسول) أي من ملك أو بشر (فيعلمه منه) أي بعضه لا كله (بما شاء) أي بشيء يشاء أو بقدر يشاء (ويستأثر) أي وينفرد (بما يشاء) وفي نسخة في الموضعين بما شاء (ولا يقدح هذا) أي عدم إطلاعه ببعض قضية (في نبوّته) من رفعة مرتبته (ولا يفصم) بفتح الياء فسكون الفاء وكسر الصاد أي لا يكسر أو لا يحل (عروة) أي عقدة (من عصمته) أي نزاهته من طهارته. فصل [وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ] (وأمّا أقواله الدّنيويّة) أي الصادرة منه في غير الأمور الأخروية (من أخباره) بكسر أوله أي أعلامه (عَنْ أَحْوَالِهِ وَأَحْوَالِ غَيْرِهِ وَمَا يَفْعَلُهُ أَوْ فعله) مستقبلا أو ماضيا (فقد قدّمنا أنّ الخلف) أي التخلف أو صدور الخلاف أو الاختلاف وفسر بالكذب (فيها) أي في تلك الأقوال وفي نسخة في هذا أي هذا النوع (ممتنع عليه) ولا يجوز أن ينسب شيء منه إليه لعصمته في أخباره (في كلّ حال) يكون علينا (وعلى أيّ وجه) يتصور فيها (مِنْ عَمْدٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ صِحَّةٍ أَوْ مرض أو رضى أو غضب) أي فرح أو حزن (وأنّه) وفي نسخة فإنه ﵊ معصوم منه) أي من الحلف في إخباره في جميع أحواله وأسراره (هذا) أي ما ذكر (فيما طريقه الخبر المحض) الذي ليس فيه تورية لمصلحة (ممّا يدخله الصّدق والكذب) أي بالنسبة إلى غيره (فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها) صفة كاشفة (فجائز ورودها منه) أي من النبي ﵊ (في الأمور الدّنيويّة لا سيّما) أي

стр. 1106

خصوصا (لقصد المصلحة) المعلقة بالأحوال الأخروية (كتوريته عن وجه مغازيه) حيث كان إذا أراد غزاة ورى بغيرها أي سترها وأوهم أنه يريد غيرها وأصله من الوراء أي ألقى البيان وراء ظهره (لئلّا يأخذ العدوّ حذره) أي احترازه واحتراسه بعد بلوغ خبره وفي الحديث أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب (وكما) عطف على كتوريته وقال الدلجي أي ومثل توريته ما (روي من ممازحته ودعابته) بضم داله المهملة أي ملاعبته ومنه قوله لجابر هلا بكرا تداعبها وفيه إشارة إلى ملاعبة صغارهم فعن أنس أنه ﵊ دخل على أم سليم فرأى أبا عمير حزينا فقال يا أم سليم ما بال أبي عمير حزينا قالت يا رسول الله مات بغيره الذي كان يلعب به فقال ﵊ أبا عمير ما فعل النغير رواه الترمذي أو المراد بها ممازحته ومطايبته ومنه قول عمر وقد ذكر عنده علي للخلافة ولا دعابة فيه فتحصل أن الدعابة أعم من الممازحة (لبسط أمّته معه) أي لانبساطهم معه أو لانبساطه معهم وانشراح صدر وطيب خاطر فيما بينهم تأنيسا لهم ببشاشة ملاقاة وطلاقة وجه وحلاوة مكالمة (وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته) قال الدلجي من بيانية لا تبعيضية وأقول الأظهر الثاني لأن مزاحه ﵊ لم يكن مع جميع أصحابه الكرام (وتأكيدا في تجيبهم) ويروى في تحببهم أي في محبتهم فيه وميلهم إليه (ومسرّة نفوسهم) أي فرحها حال حضورهم لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (كقوله) لبعض أصحابه على ما رواه أبو داود والترمذي وصححه عن أنس ﵁ (لأحملنّك على ابن النّاقة) ولفظ الترمذي أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال إني حاملك على ولد الناقة وروى ابن سعيد بإسناده أن أم أيمن جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت احملني فقال احملك على ولد الناقة فقالت إنه لا يطيقني فقال لا احملك إلا على ولد الناقة والإبل كلها ولد النوق فدل على تعدد الواقعة فقال يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة فقال ﵊ وهل تلد الإبل إلا النوق (وقوله) فيما رواه ابن أبي حاتم وغيره من حديث عبد الله بن سهم الفهري (لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا أَهُوَ الَّذِي بعينه بياض وهذا) أي ما قاله ﵊ مداعبة (كلّه صدق لأنّ كلّ جمل) صغيرا كان أو كبيرا هو (ابن ناقة وكلّ إنسان بعينه بياض) أي قليل غالبا (وقد قال ﵊ أي حين قالوا يا رسول الله أنك تداعبنا (إنّي لأمزح ولا أقول إلّا حقّا) رواه الترمذي وقال العلماء المباح من المزاح هو الذي يفعله على الندرة لمصلحة تطييب نفس المخاطب وهذا القدر هو المستحب وهو الذي كان يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأما الذي فيه إفراط مما يورث الضحك وقسوة القلب والشغل عن ذكر الله تعالى وأمور الدين ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد فهو منهي عنه (هذا) أي مزاحه (كلّه فيما بابه الخبر) بمعنى الأخبار. (فَأَمَّا مَا بَابُهُ غَيْرُ الْخَبَرِ مِمَّا صُورَتُهُ صورة

стр. 1107

الأمر) باللام أو بالصبغة (والنّهي) أي صورة النهي للغالب أو الحاضر ولو (في الأمور الدّنيويّة فلا يصحّ) القول بصدوره (مِنْهُ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ أحدا بشيء أو ينهاه عنه وهو يبطن) أي يضمر (خلافه) جملة حالية (وقد قال ﵊ ما كان) أي ما صح وما استقام (لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين) أي ايماؤه بها على وجه الخيانة وقد قال تعالى يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أي ما يسترق من النظر إلى ما لا يحل وقيل هو النظر لريبة وما تخفي الصدور من خبث النية وفساد الطوية والخائنة اسم فاعل أو مصدر بمعنى الخيانة أي ما يخان به كالعافية بمعنى المعافاة وعن الشيخ أبي الحسن الشاذلي خائنة الأعين النظر لمحاسن المرأة وما تخفى الصدور حب مواقعتها وفي بعض الكتب المنزلة من قول الله (أنا مرصد لهم) أنا العالم بحال الفكر وكسر الجفون أي من البصر وسبب ورود الحديث أنه ﵊ لما كان يوم فتح مكة آمن الناس إلا جماعة منهم عبد الله بن أبي سرح فاختبأ عند عثمان رضي الله تعالى عنه وكان أخاه لامه فلما دعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ذلك ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن مبايعته فيقتله فقالوا ما ندري يا رسول الله ما في نفسك إلا أومأت إلينا بعينك قال إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين رواه أبو داود والنسائي من حديث سعد ابن أبي وقاص واختلف في المراد بخائنة الأعين ما قاله ابن الصلاح في مشكله فقيل هي الإيماء بالعين وقيل مسارقة النظر وعبارة الرافعي هو الإيماء إلى غير مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال وإنما قيل لها خائنة الأعين تشبيها بالخيانة من حيث إنه يخفي خلاف ما يظهر واختاره النووي وقال كان يحرم ذلك عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يحرم على غيره إلا في محظور وقال صاحب التلخيص من الشافعية لم يكن له ﵊ أن يخدع في الحرب مستدلا بهذا الحديث وخالفه الجمهور وعلله الرافعي بأنه اشتهر أنه ﵊ أن يخدع في الحرب مستدلا بهذا الحديث وخالفه الجمهور وعلله الرافعي بأنه اشتهر أنه ﵇ قال الحرب خدعة وهو بفتح الخاء لغة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيها لغات أخر والفرق لهم أن الرمز يزري بالرامز بخلاف الإبهام في الأمور العظام وعبد الله هذا كان كاتبه ﵊ فارتد ثم أسلم وحسن إسلامه ومات ساجدا والحاصل أنه ﵊ إذا لم يكن له خيانة الأعين في الأمر الظاهر (فكيف أن تكون له خائنة القلب) وهو بيت الرب الطيب الطاهر ويروى خائنة القلب (فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قصّة زيد) أي ابن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يسم في القرآن أحد من الصحابة

стр. 1108

باسمه إلا زيد هذا قيل وسر ذلك أنه ﵊ كان تبناه وكان يدعى زيد بن محمد فلما نزل ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعدل وأقوم قيل زيد بن حارثة فلما فاته شرافة عظيمة ونسبة وسيمة أبدله الله من ذلك أن سماه في كتابه هنالك اشعارا بأنه سماه في أزله فيصير رفعة لمحله حيث جعل اسمه في كتابه المسطور المحفوظ في الصدور وقد قتل في غزوة مؤتة شهيدا بعد أن عاش مدة مديدة في خدمته ﵊ سعيدا وكان ﵊ خطب زينب بنت جحش الأسدية بنت عمة النبي ﵊ لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اشتراه في الجاهلية فأعتقه وتبناه فلما خطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقالت أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي وكانت بيضاء جميلة فيها حدة وكذلك كره أخوها عبد الله بن جحش فنزل قوله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً فلما سمعا ذلك رضيا بما هنالك وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكذلك أخوها فأنكحها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زيدا فدخل بها وساق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا ودرعا وأزارا وملحفة وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر وكان مرة معها فرآها ﵊ مرة فوقعت في نفسه ﵊ فقال سبحان الله مقلب القلوب فسمعت تسبيحة فذكرته لزيد ففطن له ثم كره صحبتها ورغب عنها لأجله ﵊ فقال أريد أن أفارقها أرابك منها شيء قال لا والله ولكنها تتعاظم علي بشرفها وتؤذيني بلسانها ثم طلقها فلما انقضت عدتها قال له ﵊ ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك أخطب لي زينب قال فانطلقت إليها فإذا هي تخمر عجينها قال فلما رأيتها عظمت في نفسي فلم أستطع النظر إليها لرغبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في نكاحها فوليتها ظهري وقلت يا زينب أبشري أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخطبك ففرحت وقالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) بالإسلام الذي هو أجل أنواع الأنعام (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) بالعتق والتبني المنبئ عن كمال الإكرام (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: ٣٧] ) أي اصبر عليها (الآية) أي وَاتَّقِ اللَّهَ أي لا تطلقها فإن الطلاق أبغض الحلال إلى الله الملك المتعال وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي شيئا الله تعالى مظهره وَتَخْشَى النَّاسَ في مقالتهم بإطلاق السنتهم وقال ابن عباس والحسن أن تستحيي منهم وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ وأن لا تلتفت إلى ما سواه (فاعلم أكرمك الله ولا تسترب) أي لا تكسب ريبه ولا تشك (في تنزيه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تبرئته (عن هذا

стр. 1109

الظّاهر) كما بينه بقوله (وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو) أي والحال أنه (يُحِبُّ تَطْلِيقَهُ إِيَّاهَا كَمَا ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَأَصَحُّ مَا فِي هَذَا مَا حكاه أهل التّفسير) كالبغوي وغيره (عن عليّ بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب وهو الإمام زين العابدين (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ أَعْلَمَ نَبِيَّهُ أَنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ فَلَمَّا شَكَاهَا إِلَيْهِ زَيْدٌ قَالَ لَهُ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله وأخفى منه) وفي نسخة عنه (في نفسه) أي في باطنه استحياء منه مع كونه مباحا (مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا ممّا الله مبديه) أي مبينه (ومظهره بتمام التّزويج وطلاق زيد لها) مصلحة لعباده وحكمة في مراده المبين بقوله لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ وتوضيح هذا الكلام وتصحيح هذا المرام ما ذكره البغوي في تفسيره أنه روى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال سألني علي بن الحسين زين العابدين ما يقول أبو الحسن في قوله تعالى وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ قلت لما أن جاء زيد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا نبي الله أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك قال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ فقال علي بن الحسين ليس كذلك فإن الله قد اعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها فلما جاء زيد قال إني أريد أن أطلقها قال أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ فعاتبه الله تعالى فقال لم قلت أمسك عليك زوجك وقد اعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلمه أنه يبدي ويظهر ما اخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال زوجناكها فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم محبتها أو طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على اخفاء ما اعلمه الله تعالى أنها ستكون زوجة له وإنما اخفاه استحياء أن يقول لزيد أن التي تحتك في نكاحك ستكون امرأتي قال البغوي وهذا قول حسن مرضي وإن كان القول الآخر وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المآثم لأن الود وميل النفس من طبع البشر وقوله أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ أمر بالمعروف وهو حسنة لا أثم فيه وقوله وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه ﵊ قال أنا أخشاكم الله واتقاكم له ولكنه تعالى لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله تعالى أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء هذا وزين العابدين أحد النظاء السبعة وهم كلهم مدنيون هو وعلي بن عبد الله بن العباس وأبان بن عثمان بن عفان وسلام بن عبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن هرمز الأعرج، (وروى) وفي نسخة وذكر (نحوه

стр. 1110

عمرو بن فائد) بالفاء في أوله ودال مهملة في آخره وهو أبو علي الأسواري قال الدارقطني متروك وقال ابن عدي منكر الحديث وقال العقيلي كان يذهب إلى القدر والاعتزال ولا يقيم الحديث (عن الزّهريّ) هو ابن شهاب تابعي جليل (قال نزل جبريل ﵊ على النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلِمُهُ أَنَّ اللَّهَ يُزَوِّجُهُ زَيْنَبَ بنت جحش فذلك) أي تزوجها (الّذي أخفى في نفسه) واعلم أن في أزواجه ﵊ زينب أخرى هي بنت خزيمة بن الحارث تسمى أم المساكين تزوجها ﵊ في شهر رمضان على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة ومكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت على رأس تسعة وثلاثين شهرا من الهجرة وصلى عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ودفنها بالبقيع ولذا قيد زينب في الأصل بقوله بنت جحش فإن الآية نزلت فيها، (ويصحّح هذا) المروي عن الزهري (قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الْأَحْزَابِ: ٣٧] أَيْ لَا بدّ لك أن تتزوّجها، ويوضح هذا) أي ما يصحح (أنّ الله لم يبد من أمره) أي لم يظهر من شأنه (مَعَهَا غَيْرَ زَوَاجِهِ لَهَا؛ فَدَلَّ أَنَّهُ الَّذِي أخفاه ﵊ ممّا كان أعلمه به تعالى) أي لا غيره (وقوله) أي ويوضح هذا أيضا قوله (تعالى في القصّة) هذه (مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ) أي قدره (اللَّهُ) وقضاه وأوجبه وأمضاه (سُنَّةَ اللَّهِ [الأحزاب: ٣٨] ) أي سن سنة مؤكدة وقضية مؤيدة (الآية) أي فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي مضوا من قبله من أرباب النبوة وأصحاب الرسالة حيث أباح لهم كثرة النساء فكان لداود مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان ثلاثمائة امرأة وتسعمائة سرية وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً أي قضاء مقضا وأمرا مقطوعا، (فدلّ) أي قوله ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ (أنه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (لم يكن عليه حرج) أي ضيق وإثم (في الأمر) أي المفروض له مما لا إثم بتركه؛ (قال الطّبريّ) وهو الإمام محمد بن جرير (ما كان الله ليؤثّم) بتشديد المثلثة أي نسب إلى الإثم (نبيّه فيما أحلّ له مثال فعله) أي مثل فعل الله (لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سُنَّةَ اللَّهِ) أي شرع طريقته وأظهر شريعته (فِي الَّذِينَ خَلَوْا) أي مضوا (مِنْ قَبْلُ [الأحزاب: ٣٨] ) أي من قبلك (أي من النّبيّين فيما أحلّ لهم) من نكاح وغيره (ولو كان) أي ما أخفاه (على ما روي في حديث قتادة) كما رواه عبد ابن حميد عنه (من وقوعها) أي من وقوع محبة زينب (من قلب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في خاطره (عند ما أعجبته) أي رؤيتها (ومحبّته) أي ومن محبته (طَلَاقَ زَيْدٍ لَهَا لَكَانَ فِيهِ أَعْظَمُ الْحَرَجِ) وهذا يندفع بما سبق وبما سيأتي بعد أيضا (وما لا يليق) أي ولكان فيه ما لا ينبغي (به من مدّ عينيه) أي طمحها وفي نسخة من مد عينه (لما نهي عنه) وفي رواية إلى ما نهى عنه (من زهرة الحياة الدّنيا) وفيه بحث إذ المراد بها زينتها المذمومة وبهجتها الملومة (وَلَكَانَ هَذَا نَفْسَ الْحَسَدِ الْمَذْمُومِ الَّذِي لَا يرضاه ولا يتّسم) أي لا يتصف

стр. 1111

(به الأتقياء، فكيف سيّد الأنبياء) أقول هذا ليس بحسد أصلا لأنه ﵊ هو الذي اختارها له أولا ثم لما قدره الله وقضاه وقلب قلب نبيه بما كتب عليه وأمضاه حين رآها وأعجبته أدار عنها وجهه وقال سبحان مقلب القلوب تعجبا مما وقع له في صورة ما يعد صدوره عن غيره من الذنوب وخطر بباله أن زيدا لو طلقها لأدخلها في حباله ومع هذا جاهد نفسه ولم يظهر باطن حاله وأمره بإمساك امرأته في استقباله رعاية لحسن مآله ولكنه كما أنه قلب قلب حبيبه إلى محبتها قلب قلب صاحبه إلى كراهتها ليقضي الله أمرا كان مفعولا (قال القشيري) وهو الإمام المفسر صاحب الرسالة وغيرها (وهذا) أي القول بوقوعها من قلبه ومحبة طلاق زيد لها (إقدام عظيم) أي جراءة كبيرة (مِنْ قَائِلِهِ وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وبفضله فكيف يقال رآها فأعجبته وهي بنت عمّته) أي أميمة بنت عبد المطلب (ولم يزل) أي دائما (يراها منذ ولدت) أي من ابتداء ما ولدت إلى انتهاء ما كبرت (وَلَا كَانَ النِّسَاءُ يَحْتَجِبْنَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي قبل زواجها فقد روي أن آية الحجاب نزلت حين تزوج زينب وأولم فلما طعموا جلس ثلاثة منهم متحدثين فخرج ﵊ من منزلة ثم رجع ليدخل وهم جلوس وكان ﵊ شديد الحياء والحديث مروي في الصحيحين (وهو زوّجها لزيد) وفيه بحث إذ لا مانع من أنه كان يراها وما تعجبه ثم رآها فأعجبته ليقضي الله أمرا كان مفعولا وهذا لا ينافي قوله (وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ طَلَاقَ زَيْدٍ لَهَا وَتَزْوِيجَ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إيّاها لإزالة حرمة التّبني) بفوقية فموحدة مفتوحة فنون مكسورة مشددة (وإبطال سببه) بموحدتين وفي نسخة سنته بنون ففوقية أي طريقته حسب عادته (كَمَا قَالَ: مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب: ٤٠] ) أي حقيقة (وقال) أي وقع ما وقع (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) أي شك وشبهة وضيق وتهمة (فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [الأحزاب: ٣٧] ) جمع دعى وهو المدعو بالابن وفي معناه المدعو بالأب والأخ والجد والأم والأخت والبنت فإنه لا يحرم شيئا، (وَنَحْوُهُ لِابْنِ فُورَكٍ، وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم لزيد بإمساكها فهو) أي فجوابه وفي نسخة فهي أي فائدة أمره بالإمساك (أنّ الله أعلم نبيّه أنّها زوجته) أي في آخر الأمر (فنهاه النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَلَاقِهَا إِذْ لَمْ تَكُنْ بينهما) أي بين زيد وزوجته (ألفة) الظاهر أن إذ تعليلية وحينئذ لم يتبين وجهه وكذا إذا كانت ظرفية فالأولى أن يحمل نهيه عن طلاقها لكونه ﵊ شارعا وقد قال أبغض الحلال إلى الله الطلاق فلا يناسبه أن يأمره بالفراق ولا يبعد أن يقدر أمسك عليك زوجك بمعروف أو سرحها بمعروف كما قال الله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولعله كان يرجو أن الله تعالى يصلح بينهما وأن يقلب قلبه ﵊ عن محبتها وأرادة تزوجها فلا ينافي ما قررنا قوله

стр. 1112

(وَأَخْفَى فِي نَفْسِهِ مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ) من أنها ستصير زوجته إن شاء الله وأيضا لو أمره بطلاقها لصارت سنة لمن بعده فيمن تبناه بالنسبة إلى زوجته أو مطلقا لكل خليفة أو قاض ونحوهما ولا يخفى ما يتفرع عليه من الفساد ويفوت طريق السداد (فلمّا طلّقها زيد خشي قول النّاس) أي استحيى منه أو خاف تزلزل أمر الامة على الإطلاق أو كلام أهل النفاق (يتزوّج امرأة ابنه فأمره الله بزواجها) ويروى تزويجها بل زوجها الله تعالى كما قال فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً أي حاجة بحيث ملها ولم يبق له حاجة فيها وطلقها وانقضت عدتها زَوَّجْناكَها (لِيُبَاحَ مِثْلُ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [الأحزاب: ٣٧] ) أي دخلوا عليهن يعني لئلا يظن أن حكم الأدعياء حكم الأبناء فإنه جاز أن يتزوج موطوءة دعيه بخلاف موطوءة ابنه والظاهر أنه لمسها لكن روي عن زينب أنها قالت ما كنت امتنع عنه غير أن الله تعالى منعني منه (وَقَدْ قِيلَ كَانَ أَمْرُهُ لِزَيْدٍ بِإِمْسَاكِهَا قَمْعًا للشّهوة) أي متمناها (وردّا للنّفس عن هواها) وانتظارا لرفع هذا الخاطر عنها (وهذا) القيل إنما يعتبر (إذا جوّزنا عليه) أي حملنا أمره على (أنّه رآها فجأة) بفتح فسكون فهمزة وبضم ففتح فألف بعدها همزة لغتان وقيل الأول مصدر للمرة والثاني مصدر فجأة إذا جاءه بغتة (واستحسنها) أي وأحبها (ومثل هذا) أي ما ذكر من رؤيته إياها فجأة واستحسانها بغتة (لا نكرة فيه) بضم نون فسكون كاف كذا في النسخ وقال الدلجي بالتحريك اسم من الانكار كالنفقة من الانفاق وهو كذلك في القاموس وفيه أيضا أن النكر بالضم وبالضمتين المنكر انتهى وقد قرئ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً بهما في السبعة (لما طبع عليه ابن آدم) أي خلق وجبل (من استحسانه الحسن) بفتحتين أو بضم فسكون أي ميل طبعه إلى الأمر المستحسن (ونظرة الفجأة معفوّ عنها) جملة حالية (ثمّ قمع نفسه عنها) أي عن رؤيتها قصدا (وأمر زيدا بإمساكها) لزيادة قمعها أو لانتظار رفعها (وإنّما تنكر تلك الزّيادات الّتي) ذكرها بعض المفسرين (في القصّة) من أنه ﵊ أخفى عنه تعلق قلبه بها وأرادة مفارقته لها (والتّعويل) أي المعول عليه (والأولى) مما ينسب إليه (ما ذكرناه) وفي نسخة والتعويل على ما ذكرناه (عن عليّ بن الحسين) على ما حررناه (وحكاه) أي وما رواه (السّمرقنديّ) كما سبق عنه (وهو قول ابن عطاء وصححه) وفي نسخة واستحسنه (القاضي القشيريّ) سبق أنه غير الإمام القشيري (وعليه عوّل) أي وعلى ما ذكر اعتمد (أبو بكر بن فورك وقال إنه) أي ما عول عليه ابن فورك (مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ؛ قال) أي ابن فورك (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم منزّه) أي مبرأ (عن استعمال النّفاق في ذلك) بإخفائه خلاف ما يعلن (وإظهار خلاف ما في نفسه) هنالك (وَقَدْ نَزَّهَهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ) أي بأس بل له سعة (فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ [الأحزاب: ٣٧] ) أي قدره وقضاه أو أوجب عليه فعله وأمضاه (قال) أي ابن فورك (ومن ظنّ

стр. 1113

ذلك) أي إرادة مفارقتها (بالنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقد أخطأ خطأ بينا) وفيه بحث لأنه ﵊ إذا اعلمه الله تعالى بالوحي أو الإلهام أنها ستصير زوجته في بقية الأيام فلا مانع من أن يريد مفارقتها وفق إرادة الملك العلام (قال وليس معنى الخشية هنا) أي في قوله تعالى وَتَخْشَى النَّاسَ (الخوف) أي من ملامتهم لعدم مبالاته بهم (وإنّما معناه) أي اللفظ أو ما ذكر وروي معناها أي اللفظة أو الخشية (الاستحياء أي أن يَسْتَحْيِي مِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ) بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء جهلا منهم أن المراد بالأبناء ابناء الأصلاب كما بينه تعالى بقوله وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ (وأنّ) أي وإنما معناه أيضا أن (خشيته ﵊ من النّاس كانت) أي حذرا (من إرجاف المنافقين واليهود) أي إخبار سوء وتزلزل (وتشغيبهم) أي بإيقاع شر وفتنة (عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِمْ تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ نِكَاحِ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ كَمَا كَانَ فعتبه الله تعالى على هذا) أي على استحيائه منهم (ونزّهه عن الالتفات إليهم فيما أحلّه له) في نكاح زوجة دعيه (كَمَا عَتَبَهُ عَلَى مُرَاعَاةِ رِضَى أَزْوَاجِهِ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١] الآية) أي تبتغي مرضاة أزواجك وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقد ورد أنه ﵊ شرب عسلا عند زينب فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له إنا نشم منك رائحة مغافير فقال إنما شربت عند زينب عسلا فقالتا جرست نحله العرفط فحرم شربه فلاطفه ربه بقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ الآية؛ (وكذلك قوله: له ههنا وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الْأَحْزَابِ: ٣٧] ) ملاطفة له على منعه من مراعاة الناس والتفاته إليهم (وقد روي) كما في جامع الترمذي وقد رواه ابن جرير وغيره أيضا (عن الحسن) أي البصري رحمه الله تعالى فإنه المراد عند المحدثين حال إطلاقه (وعائشة) كان المستحسن تقديم عائشة على الحسن (لو كتم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا من الوحي) أي مما يوحى إليه (لكتم هذه الآية) أي قوله تعالى وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ (لما فيها من عتبه) أي عتابه عليه (وإبداء ما أخفاه) أي وإظهار ما كتمه إليه. فصل (فَإِنْ قُلْتَ قَدْ تَقَرَّرَتْ عِصْمَتُهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقْوَالِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ) المشتملة على أفعاله (وأنّه لا يصحّ منه فيها خلف) لقوله من كذب (ولا اضطراب) أي تردد من ريب (في عمد) أي قصد (ولا سهو) أي خطأ ونسيان نشأ عن ذهول وغفلة (ولا صحّة) أي في حال عافية (ولا مرض) أي علة (ولا جدّ) بكسر الجيم ضد الهزل (ولا مزح ولا رضى) أي حال شرح وفرح (ولا غضب) أي حال ضيق خلق وكراهية نفس وكرر لا تأكيدا لنفي ما ذكر من انفراد كل من ذلك كما يقتضيه عصمته هنالك (ولكن ما معنى الحديث) الذي رواه الشيخان والنسائي أيضا (في وصيّته ﵊ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاضِي الشَّهِيدُ

стр. 1114

أبو عليّ رحمه الله تعالى) وهو ابن سكرة (قال حدّثنا القاضي أبو الوليد) أي الباجي (حدّثنا أبو ذرّ) أي الهروي (حدّثنا أبو محمّد) أي ابن حمويه السرخسي (وأبو الهيثم) أي الكشميهني (وأبو إسحاق) أي المستملي (قالوا) ثلاثتهم (حدّثنا محمّد بن يوسف) أي الفربري (حدّثنا محمّد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري (حدّثنا عليّ بن عبد الله) أي ابن جعفر بن نجيح بن المديني الحافظ قال شيخه ابن مهدي علي بن المديني اعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وخاصة بحديث ابن عيينة وقال ابن عيينة تلومونني على حب علي بن المديني والله لا تعلم منه أكثر مما تعلم مني وكذا قال يحيى بن القطان فيه وقال إمام هذه الصناعة البخاري ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي قال النسائي كأن الله خلقه لهذا الشأن مات بسامرا سنة أربع وثلاثين ومائتين وله ثلاث وسبعون سنة والمديني نسبة إلى مدينة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال ابن الأثير في كتابه والأكثر فيمن ينسب إلى المدينة مدني والأقل مديني وأما المديني فنسبة إلى أماكن وساق سبعة أماكن وفي الصحاح المدني نسبة إلى مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأما المديني فنسبة إلى المدينة التي بناها المنصور وعن ابن الصلاح أن المديني نسبة إلى مدينة أصبهان (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) قال الحلبي هكذا في كثير من النسخ والصواب ما في بعضها وهو عبد الرزاق ابن همام أو عبد الرزاق عن معمر لأن عبد الرزاق لا يروي عن همام واسم أبيه همام ويروي عن معمر وهو بفتح الميمين وسكون العين المهملة ابن راشد (عن الزّهريّ) أي ابن شهاب (عن عبيد الله بن عبد الله) أي ابن عتبة الفقيه الأعمى يروي عن عائشة وأبي هريرة وجماعة وهو معلم عمر بن عبد العزيز وكان من بحور العلم مات سنة ثمان وتسعين وعبيد الله هذا أحد الفقهاء السبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا احْتُضِرَ رَسُولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) بصيغة المفعول أي احتضر والمعنى قرب أجله (وفي البيت رجال) أي من قرابته وصحابته جملة حالية (قال هلمّوا) أي تعالوا وهو لغة أهل نجد وتميم فإنهم يثنون ويجمعون ويؤنثون وأما أهل الحجاز فيستوي الكل عندهم ومنه قوله تعالى وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (اكتب) بصيغة المتكلم مجزوما على جواب الأمر وفي نسخة بالرفع أي أنا أكتب (لكم كتابا) يعني آمر أن يكتب أحد لكم مكتوبا فيه بيان مهمات الدين للأمة أو محل الخلافة دفعا للمنازعة وفيه أن هذا غير محتاج إلى الكتابة (لن تضلّوا بعده) أي بعد العمل به ويروى بعدي (فقال بعضهم) وهو عمر رضي الله تعالى عنه (إنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد غلبه الوجع الحديث) أي وعندنا كتاب الله تعالى حسبنا كتاب ربنا وهو بسكون السين أي كافينا (وفي رواية آتوني) أي أحضروني (أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي) وفي نسخة بعده (أبدا فتنازعوا فقالوا) أي بعضه كما في البخاري (ما له أهجر) ويروى فقالوا أهجر وهو بفتحات على أن الهمزة للاستفهام الإنكاري من الهجر بضم الهاء بمعنى الهذيان في حال المرض والغشيان على من توقف في امتثال أمره ﵊ بالكتابة والمعنى لم

стр. 1115

يخلف كلامه ولم يتغير من الوجع مرامه كما يقع للمرضى ممن لا يرتبط نظامه (استفهموا) بكسر الهاء أي استخبروا القائل بمنعه أو النبي ﵊ عما أراده أفعله أولى أم تركه، (فقال) النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (دعوني) أي اتركوني في حالي وترك مقالي (فإنّ الّذي أنا فيه) من مراقبة ربي ومحاسبة قلبي (خير) مما أنتم فيه من تنازع وضير ولعله ﵊ ظهر له في رأيه أو أوحي إليه أولا أن الخير في كتابته فهم بها ثم تبين له أو أوحي إليه أن الخير في تركها فتركها (وفي بعض طرقه) كما في مستخرج الإسماعيلي من طريق ابن خلاد عن سفيان (فقال) أي قائل (إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يهجر) بكسر الجيم مع فتح أوله بتقدير استفهام إنكار. (وفي رواية) كما في البخاري (هجر) أي أهجر قال ابن الأثير أي هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به من المرض مرامه وهذا أحسن ما قيل ولا يصحح أن يجعل أخبارا فيكون من الفحش والهذيان والقائل كان عمر رضي الله تعالى عنه ولا يظن به ذلك انتهى (ويروى أهجر) بهمزة الاستفهام وضبط في نسخة بضم الهاء وكسر الجيم أي اترك أمر كتابته وفي أخرى بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح الجيم يقال اهجر في منطقه إذا فحش وأكثر في كلامه فالاستفهام مقدر في الكلام، (ويروى أهجرا) بهمزة الاستفهام وضم هاء وسكون جيم منصوبا والتقدير أيهجر هجرا يعني لا وقد افراد ابن دحية تأليفا في اختلاف الرواة في هذه اللفظة؛ (وفيه) أي وفي الحديث من بعض طرقه (فقال عمر إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كتاب الله حسبنا وكثر اللّغط) بفتحتين وهو اختلاف الأصوات والكلام بحيث لم يتميز فيه الصواب والغلط (فَقَالَ قُومُوا عَنِّي وَفِي رِوَايَةٍ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ البيت) أي حاضروه من أهل البيت وغيرهم (واختصموا) أي تنازعوا واختلفوا (فمنهم من يقول قرّبوا) أي كاتبا (يكتب لكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يملي لأجلكم (كتابا) فيه ذكركم (ومنهم من يقول ما قال عمر) أي عندنا كتاب الله حسبنا مقتبسا من قوله تعالى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ وهذا من عمر مؤذن بحسن نظره وصحة فكره ولذا وافقه ﵊ وأعرض عن كلام غيره من الأنام ولا يعارضه قول ابن عباس أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبين أن يكتب لأن عمر كان أفقه من ابن عباس لعلمه بأن الله تعالى قد أكمل دينه ورسوله قد بلغ أمره ثم الخير فيما اختاره الله وقدره، (قال أئمّتنا) أي المالكية أو الأشعرية أو أهل السنة والجماعة (في هذا الحديث) أي حديث ابن عباس (إنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم غير معصوم من الأمراض) أي العارضة على ظاهره دون باطنه كغيره من الأنبياء (وَمَا يَكُونُ مِنْ عَوَارِضِهَا مِنْ شِدَّةِ وَجَعٍ وغشي) بفتح وسكون أي إغماء (ونحوه) أي ما ذكر (ممّا يطرأ) أي يقع ويحدث (على جسمه) أي ظاهر جسده (معصوم أن يكون منه) أي يصدر عنه (من القول) مما لا ينبغي (أثناء ذلك) أي في خلال ذلك المرض العارض هنالك (ما) موصولة أو موصوفة (يَطْعَنُ فِي مُعْجِزَتِهِ وَيُؤَدِّي إِلَى فَسَادٍ فِي شريعته من هذيان) بفتحتين

стр. 1116

أي كلام مهجور في حال منام (أو اختلال) بنقصان أو اختلاف (في كلام. وعلى هذا) القول بعصمته مما ذكر في حال نبوته (لَا يَصِحُّ ظَاهِرُ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي الحديث هجر) بصيغة الإخبار إلا إذا قدر له استفهام الانكار (إذ معناه هذى) أي أكثر كلامه بلا جدوى (يقال هجر هجرا) بفتح فسكون (إذا هذى، وأهجر) بفتح فسكون (هجرا) بضم فسكون (إذا أفحش) أي أتى بكلام يقبح ذكره، (وأهجر) بفتح الهمزة وسكون الهاء (تعدية هجر) وهذا وهم من المصنف والصواب أنهما لغتان وفي معناهما متقاربان وأنهما لازمان لا يتعديان وقد قرئ بهما في السبعة قوله تعالى سامِراً تَهْجُرُونَ فالجمهور بفتح أوله وضم جيمه على أنه بمعنى الهذيان ومنه الهجر بالضم الفحش وقرا نافع بضم أوله وكسر جيمه من أهجر إذا أفحش للمبالغة فزيادة المبنى لزيادة المعنى، (وإنّما الأصحّ والأولى) أي في هذا المقام الأعلى (أهجر على طريق الإنكار) بزيادة الاستفهام إخراجا له من صيغة الاخبار ومحط الإنكار (على من قال لا يكتب) أي لا يحتاج إلى الكتابة لتمام على الأمة بأمر الديانة حتى قضية الإمارة بأمارة نصب الإمامة؛ (وهكذا) أي لفظ اهجر مع الاستفهام (روايتنا فيه) أي في الحديث المروي (فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ جَمِيعِ الرُّوَاةِ) أي رواة هذا الحديث من الطرق الواقعة (في حديث الزّهريّ المتقدّم) أي المروي في صحيح البخاري؛ (وفي حديث محمّد بن سلّام) بتخفيف اللام وقد تشدد وهو البيكندي الحافظ شيخ البخاري (عن ابن عيينة) وهو سفيان وإلا فابن عيينة عشرة منهم خمسة لهم رواية وأجلهم في العلم سفيان فهو المراد به عند الإطلاق لأنه الفرد الأكمل فتأمل (وكذا) أي اهجر بفتحات مع همزة انكار (ضبطه الأصيليّ) وهو بفتح الهمز وكسر الصاد (بخطّه في كتابه) أي لا بهمز وسكون هاء كما ضبطه غيره وأن أراد أن الاستفهام مقدر لكن الأول هو الأظهر فتدبر (وغيره) أي وكذا ضبطه غير الأصيلي من الرواة (من هذه الطّرق) ويروى من هذا الطريق أي من أهل هذا الإسناد المنتهي إلى الزهري المروي في صحيح البخاري (وكذا) أي بفتحات وهمزة إنكار (رويناه) وفي نسخة بصيغة المجهول مخففا وفي أخرى مشددا وفي أخرى روايتنا (عن مسلم في حديث سفيان) أي ابن عيينة (وعن غيره) أي وكذا روينا عن غير مسلم فهو اصح من رواية هجر الأخبار وكذا أصح من رواية أهجر بفتح الهمزة وسكون الهاء لأن كلا منهما يحتاج إلى تقدير همزة الإنكار على من قال لا يكتب أي كيف يترك أمره في مرامه ويجعل كمن هجر على ظاهر في كلامه وهو محفوظ في أعلى مقامه وأما قول عمر عندنا كتاب الله تعالى حسبنا فهو إنما كان ردا على من نازعه لا رادا لأمره صلى الله تعالى عليه وسلم والحاصل أنه رضي الله تعالى عنه كان في حزب يقولون لا احتياج إلى الكتابة والله اعلم (وقد تحمل عليه) أي على لفظ اهجر إنكارا (رواية من رواه هجر) اخبارا (على حذف ألف الاستفهام) جميعا بين الروايتين في مقام المرام (والتّقدير أهجر) بفتحات وكذا أَهَجَرَ (أَوْ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْقَائِلِ هَجَرَ) بفتحات (أو أهجر) بفتح فسكون على ظاهره من الخبر إلا أنه وقع ذلك (دهشة) أي وحشة أو غفلة (من

стр. 1117

قائل ذلك وحيرة) توجبها هيبة (لِعَظِيمِ مَا شَاهَدَ مِنْ حَالِ الرَّسُولِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) في مرضه (وشدّة وجعه) وحصول غشيانه الموهم لوقوع هذيانه (وهول المقام الّذي اختلف فيه عليه) بامتثاله وامتناعه تهوينا له به مع تسليم الحكم إليه (والأمر) أي وهول الأمر (الّذي همّ) أي اهتم (بِالْكِتَابِ فِيهِ حَتَّى لَمْ يَضْبِطْ هَذَا الْقَائِلُ لفظه) أي في كلام نفسه (وأجرى الهجر) بالضم الفحش وبالفتح الهذيان (مجرى) بضم الميم ويفتح أي موضع (شدة الوجع) في مرضه (لا أنّه) أي القائل (اعتقد أنّه يجوز عليه الهجر) بالضم والفتح (كما حملهم الإشفاق على حراسته) أي محافظته ورعايته (والله تعالى) أي والحال أنه (يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] ) أي ولو لم يحفظك الناس فإنهم كانوا يعدون تلك الحراسة عبادة وطاعة ويغتنمون الحضور بين يديه ولو ساعة (ونحو هذا) من إشفاقهم عليه حين وقع غضب وإعراض لديه تمنيهم أنه لو سكت مع كمال ميلهم إليه. (وأمّا على رواية أهجرا) ويروى وأما على رواية اهجرا وهو بفتح الهمزة وضم الهاء وهو بالنصب منونا على أن يكون مصدرا لهجر يهجر أو اسما من الأهجار (وهي رواية أبي إسحاق المستملي) بميم مضمومة فسين مهملة ساكنة أحد رواة البخاري (في الصّحيح في حديث ابن جبير) وهو سعيد (عن ابن عبّاس من رواية قتيبة) أي ابن سعيد أحد شيوخ البخاري (فقد يكون هذا) أي قوله أهجرا (راجعا إلى المختلفين) ويروى على المختلفين (عنده صلى الله تعالى عليه وسلم ومخاطبة لهم من بعضهم) إنكارا عليهم (أَيْ جِئْتُمْ بِاخْتِلَافِكُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وبين يديه) أي والحال أنكم بين يديه (هجرا) أي ما يجب عليكم أن تهجروه (ومنكرا من القول) أي ما ينبغي لكم أن تتركوه؛ (والهجر بضمّ الهاء: الفحش في المنطق) ولا يتصور أن أحدا من الصحابة يخاطبه ﵊ بمثل هذا الكلام في مقام الملام وهذا ما يتعلق بألفاظ هذا الحديث ومبناه ومجمل ما يتعلق بفحواه ومقتضاه، (وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ) أي حديث هلموا أكتب لكم (وكيف اختلفوا بعد أمره صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأتوه بالكتاب) الموصوف بأنهم لن يضلوا بعده في هذا الباب؛ (فقال بعضهم) أي بعض العلماء (أوامر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يفهم إيجابها من ندبها) تارة و (من إباحتها) أخرى (بقرائن) قالية أو حالية يدركها أربابها، (فلعلّ) أي الشأن (قد ظهر من قرائن قوله ﵊ لبعضهم) أي من الصحابة الحاضرين (ما فهموا أنّه لم تكن منه) أي من جانبه (عزمة) أي أمر عزيمة (بل أمر) أي على وجه خبر (ردّه إلى اختيارهم) ولا يبعد أنه كان لظهور أمرهم في مقام امتحانهم واختبارهم (وبعضهم لم يفهم ذلك) لقصور فهمه وإدراك حقيقة ما هنالك (فقال) أي ذلك البعض لبعض منهم (استفهموه) أي استخبروه حتى يتبين لكم ما تستبهمونه، (فلمّا اختلفوا) أي كلهم ولم يستقر على شيء رأيهم (كفّ عنه) أي أعرض عن أمره (إذ لم يكن عزمة) في حكمه إذ لو كان عزيمة لما تركها (ولما) أي ولأجل ما (رأوه) أي كلهم أو أكثرهم ومنهم النبي صلى الله

стр. 1118

تعالى عليه وسلم (من صواب رأي عمر ثمّ هؤلاء) أي العلماء (قالوا ويكون امتناع عمر) على وجه حكمه يظهر (إمّا إشفاقا على النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي خوفا عليه (من تكليفه) أي تحمله (في تلك الحال إملاء الكتاب) أي كلفته ومحنته (وأن تدخل) بصيغة الفاعل أو المفعول مذكرا أو مؤنثا أي يحمل (عليه مشقّة من ذلك) الإملاء للكتابة (كما قال) أي عمر (إنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم اشتدّ به الوجع) فلا ينبغي أن يكلف املاء كتاب لنا كتاب الله حسبنا؛ (وقيل خشي عمر أن يكتب أمورا) أي أحكاما (يعجزون عنها) أي عن القيام بها (فيحصلون في الحرج بالمخالفة) أي فيقعون في الإثم بترك الموافقة (ورأى) أي عمر (أنّ الأوفق) وفي نسخة الأرفق (بالأمّة في تلك الأمور) أي المجملة المقدرة (سعة الاجتهاد وحكم النّظر) أي التأمل في ظهور المراد (وطلب الصّواب فيكون المصيب) للحكم الشرعي (والمخطىء) بعد مراعاة شرعه المرعي (مأجورا) فللمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد، (وقد علم عمر تقرّر الشّرع) أي شرع هذه الأمة ويروى الشريعة (وتأسيس الملّة) برسوخ قواعده وثبوت دعائه (وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] ) وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وهذا معنى قوله حسبنا كتاب ربنا (وقوله) أي وعلم أيضا قوله ﵊ (أوصيكم بكتاب الله تعالى) أي بما فيه مما يتعلق باعتقاده وبأوامره ونواهيه ومعرفة حلاله وحرامه وما يترتب على اجتهاده (وعترتي) أي أهل بيتي كما في رواية والمراد به أقاربه من عشيرته وأهل من أزواجه وذريته وقيل المراد بعترته من يتتبع أخباره وآثاره من سيره وسيرته فكأنه قال أوصيكم بالكتاب والسنة ولعل تخصيص العترة لأنهم أقرب إلى مشاهدة أفعاله في الجلوة والخلوة وأما على التفسير الأول فالعمل بالسنة يؤخذ من الكتاب أيضا لقوله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وقوله تَعَالَى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي وقوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (وقول عمر) مبتدأ مقوله (حسبنا كتاب الله) أي كافينا خبره (ردّ على من نازعه) أي خالفه في أمر الكتاب على ما رآه عمر أن تركه هو الصواب في مقام فصل الخطاب (لا ردا منه) أي من ابن الخطاب (على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) لأنه لا يتصور منه مثله في هذا الباب؛ (وقد قيل خشي عمر تطرّق المنافقين) أي توصلهم (ومن في قلبه مرض) أي شك وتردد أو حقد وحسد (لما كتب) أي حين كتب أو لأجل ما كتب (ذلك) وفي نسخة في ذلك (الكتاب) أي المكتوب (في الخلوة) أي في الحجرة الشريفة (وأن يتقوّلوا) أي يتكلفوا (في ذلك) أي في جملة ذلك الكتاب (الأقاويل) الباطلة افتراء من عند أنفسهم المنهمكة في الضلالة (كادّعاء الرّافضة الوصيّة) بالخلافة لعلي كرم الله وجهه قدحا في أكابر الصحابة بل في علي نفسه إذ لم يقم بالأمر الموصى به (وغير ذلك) مما لا إطلاع لنا على ما هنالك، (وقيل إنّه) أي قوله لهم (كان من النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لهم على طريق المشورة) بفتح فسكون ففتح وفي نسخة بضم ثانيه وسكون واوه وقيل لا يصح هذا أي المشاورة (والاختبار)

стр. 1119

أي الامتحان ليظهر منهم حسن الاختيار (هل يتّفقون على ذلك) فيكتب لهم (أم يختلفون) فيتركه، (فلمّا اختلفوا تركه) ويروى تركهم ولا يبعد أن يكون الامتحان ليعلم أنهم إلى الآن محتاجون إلى الكتاب والبيان أو هم متيقنون في أحكام الأديان ولا يفتقرون إلى زيادة التبيان فلما تبين من كلام عمر ومن تبعه أنهم في مقام العيان وفي غاية من كمال الإيمان وجمال الإيقان والاتقان من منازل الإحسان ترك ما أراد كتابته مجملا لظهور أمرهم مفصلا (وقالت طائفة أخرى: إنّ معنى الحديث) المذكور (أنّ النبيّ ﵌ كان مجيبا في هذا الكتاب) أي في قصده أو أمره (لما طلب منه) ببيان القال أو بلسان الحال (لا أنه ابتدأ بالأمر به) من غير السؤال (بل اقتضاه) أي طلبه واستدعاه (منه بعض أصحابه) أي المخصوصين من أقاربه وأحبابه (وأجاب رغبتهم) وأطاب طلبتهم (وكره ذلك غيرهم للعلل الّتي ذكرناها) عن عمر وغيره مما اقتضت حكمتهم فلما تعارضا تساقطا؛ (واستدلّ) بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي استدل القائل (في مثل هذه القصّة) المشتملة على الغصة (بقول العباس لعليّ رضي الله تعالى عنهما انطلق بنا) أهل البيت أو معشر بني هاشم الذين هم أفضل من سائر قريش وقد ورد أن الخلافة في قريش (إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإن كان الأمر) أي أمر الخلافة بعده (فينا) خصوصا (علمناه) ولا ينازعنا فيه أحد، (وكراهة عليّ هذا) القول من عمه العباس (وقوله) لعمه (والله لا أفعل- الحديث) كما في البخاري (واستدلّ) كما تقدم وأغرب الدلجي حيث قال واستدل علي (بقوله دعوني) أي اتركوني (فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ) أَيِ الَّذِي أنا فيه من الإعراض عن الدنيا والإقبال على العقبى والتوجه إلى المولى خير وأبقى مما تدعونني إليه (من إرسال الأمر) بلا كتابة (وترككم) أي وخير من تركي إياكم (وكتاب الله) أي معه إذ ربما اختلفتم فيه كما اختلف في قبلكم (وأن تدعوني) بفتح الدال قال الدلجي عطف على دعوني والظاهر أنه عطف على ترككم أي وإن ترككم لي (ممّا طلبتم) ويروى من الذي طلبتم مني من كتابتي لكم كتابا خير أيضا هذا، (وذكر) أي روي (أنّ الّذي طلب) أي المطلوب (كتابته) خبر أن قوله (أمر الخلافة) منصوب على المفعولية (بعده) وكذا قوله (وتعيين ذلك) أي أمر الخلافة وفي نسخة كتابة أمر الخلافة بالإضافة وفي نسخة كفاية بدل كتابة فهي مرفوعة على أنها اسم أن وكذا تعيين بالعطف عليها. فصل (فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ حَدِيثِهِ أَيْضًا الَّذِي حدّثناه الفقيه أبو محمد الخشنيّ) بضم الخاء وفتح الشين المعجمة (بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ حَدَّثَنَا عبد الغافر الفارسيّ) بكسر الراء (حدّثنا أبو أحمد الجلوديّ) بضم الجيم واللام (قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بن الحجّاج) صاحب الصحيح (حدّثنا قتيبة) أي ابن سعيد (حدّثنا ليث) وهو ابن سعد (عن سعيد بن أبي سعيد) هو المقبري (عن سالم مولى النّصريين) بالنون والصاد المهملة أي ابن

стр. 1120

عبد الله النصري (قال سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول اللهمّ إنّما محمد) وفي نسخة أن محمدا (بشر يغضب كما يغضب البشر) وإن كان غضبه لله بخلاف من سواه (وإنّي قد اتّخذت عندك عهدا) يحتمل أن يكون إخبارا وأن يكون ابتداء انشاء (لن تخلفنيه) أي أبدا فأسألك الوفاء بعهدك (فأيّما مؤمن آذيته) بنوع من الأذى (أو سببته) بلساني (أو جلدته) أي ضربته بيدي أو بأمري (فاجعلها) أي تلك الأذية أو الأمور المذكورة (له كفّارة) لذنبه كيلا يقع في الندامة (وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة) أي قربة رتبه ومكانة. (وفي رواية) أي عن أنس كما صرح به الحلبي فكان ينبغي من جهة الصناعة أن يقول وفي رواة لأنس (فأيّما أحد دعوت عليه دعوة) أي إلى آخره، (وفي رواية ليس) أي المدعو عليه (لها بأهل) أي مستحق، (وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ) أي شتمته (أو لعنته) لساني أو طردته عن مكاني (أو جلدته) أي ضربته بالجلد وغيره (فاجعلها له زكاة) أي طهارة من سيئته أو بركة في معيشته (وصلاة) أي ووصلة لقربه (ورحمة) ينشأ منها نعمة (وكيف) أي على أي حال (يصحّ أن يلعن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من لا يستحقّ اللّعن) أي عمدا وقصدا (ويسبّ من لا يستحقّ اللّعن وَيَجْلِدُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَلْدَ أَوْ يَفْعَلُ مثل ذلك عند الغضب وهو معصوم) بعناية الرب (من هذا) الذي ذكر (كُلِّهِ فَاعْلَمْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ أَوَّلًا لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَيْ عِنْدَكَ يَا ربّ في باطن أمره فإن حكمه ﵊ على الظّاهر) من حاله (كما قال) فيما ورد عنه ﵊ نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر (وللحكمة الّتي ذكرناها) من أن أحكامه إنما كانت جارية على موجبات غلبات ظنه لتقتدي به أمته في حكمه (فحكم ﵊ فيما ظهر له من قرائن المقام (بجلده أو أدّبه بسبّه) أي بشتمه (أو لعنه) بصيغة المصدر أو الخبر (بما اقتضاه) من جواز ذلك (عنده حال ظاهره) بالرفع على أنه فاعل لاقتضاه أو بالنصب على الظرفية وفي نسخة عند حال ظاهره (ثمّ دعا له ﵊ على وجه الإبهام (لشفقته على أمّته ورأفته ورحمته للمؤمنين) أي شدة رأفته لخاصتهم وإرادة نعمته لعامتهم (الّتي وصفه الله بها) أي في قوله بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (وحذره) أي ولاحترازه (أن يتقبّل الله فيمن دعا عليه دعوته) أي في دعوته عليه وفي نسخة فيمن دعا عليه دعوته على أنها مفعول يتقبل وقوله (أن يجعل) متعلق بقوله فيما سبق ثم دعا له أي بدل ما دعا عليه أن يجعل (دعاءه) أي عليه (ولعنه له رحمة) نازلة عليه وواصلة إليه وحاصلة لديه (فهو معنى قوله) ﵊ (ليس) أي المدعو عليه (لها بأهل) ولذا ورد في دعائه اللهم ما لعنت من لعن فعلى من لعنت وما صليت من صلاة فعلى من صليت أنت ولي في الدنيا والآخرة، (لا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يحمله الغضب) أي يبعثه (ويستفزّه) بتشديد الزاء أي ويستخفه (الضّجر) بفتحتين ضيق الصدر وعدم الصبر (لأن يفعل مثل هذا) الذي ذكر من اللعن والضرب والشتم (بمن) وفي نسخة لمن أي لأجل من (لا

стр. 1121

يستحقّه من مسلم، وهذا معنى صحيح) وفي المدعي صريح لا ينبغي أن يفهم منه غيره؛ (وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البشر أنّ الغضب) الذي يعتري ابن آدم من ثوران الدم وهو من خصال تذم (حمله على ما لا يجب) أي لا ينبغي أن يفعله (بل يجوز أن يكون المراد بهذا) الذي ذكر مِنْ قَوْلِهِ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ (أَنَّ الغضب لله تعالى) هو الذي (حمله على معاقبته بلعنه أو سبّه) أو ضربه إذ ورد كما مر أنه ما انتقم رسول الله لنفسه قط إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْتَقِمُ له وقد قال له صحابي أوصني يا رسول الله فقال لا تغضب وكلما أعاد السؤال أجاب له بهذا الجواب فلا يتصور أنه ينهى آحاد أمته عن الغضب وهو على منوالهم يغضب (وأنّه) أي غضبه ﵊ (ممّا كان يحتمل) تحمله من الخلق تواضعا مع الحق واختيارا لصفة الحلم الناشىء عن كمال العلم (ويجوز عفوه) ﵊ (عنه) أي عن من عاقبه بلعن أو غيره من الإيلام (أو كان) ذنب المغضوب عليه (مِمَّا خُيِّرَ بَيْنَ الْمُعَاقَبَةِ فِيهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ) وفي نسخة أو العفو عنه ولكنه كان قد اختار المعاقبة لما رأى فيها من الحكمة والمصلحة، (وقد يحمل) أي دعاؤه ﵊ لمن عاقبه (أنّه خرج مخرج الإشفاق) أي إظهار الشفقة أو الخوف على من عاقبه بلعن أو غيره (وَتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ الْخَوْفَ وَالْحَذَرَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ الله تعالى) شفقة منه عليهم أن يعاقب أحدا منهم واحتراسا لهم مما يصدر عنهم (وَقَدْ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ دُعَائِهِ هُنَا) أي في مواضع المعاقبة ومقام الغضب طلبا لرضى الرب (ومن دعواته على غير واحد) أي على كثيرين (في غير موطن) أي في مواضع كثيرة (على غير العقد) أي عقد القلب بالعزم (والقصد) أي قصد المعاقبة بالجزم (بل) كانت صادرة منه من غير الغضب (بما جرت) أي على وفق ما جرت (به عادة العرب) حيث لا يريدون وقوع الأمر وإنما يقصدون به الأدب أو الملاطفة في مقام الطلب إذ قد يشنعون اللفظ وكله ود وينفونه وما من فعله بد يقولون للشيء إذا مدحوه قاتله الله ولا اب له ولا أم له ولا يريدون به الذم وفي الحديث ويل أمه مسعر حرب فلك أن تنظر إلى القول وقائله والقرينة الدالة على حاله ومآله بحسب اختلاف شمائله فإن كان وليا فهو الولاء وإن خشن وإن كان عدوا فهو البلاء وإن حسن فضرب الحبيب حلو كالزبيب بخلاف دعاء الرقيب (وليس المراد بها) أي بدعواته ﵊ غلى غير واحد من الصحابة الكرام (الإجابة كقوله ﵊ فيما رواه الشيخان لعائشة وفي رواية لأم سلمة (تربت يمينك) بكسر الراء أي خشرت وقيل امتلأت ترابا وقيل استغنت والظاهر أن أتربت بمعنى استعنت على أن الهمزة للسلب وروي يدك ويداك، (ولا أشبع الله بطنك) قاله لمعاوية لكن بلفظ لا أشبع الله بطنه كما في نسخة هنا وهو في مسلم في كتاب الأدب من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتواريت خلف باب فجاء فخطاني خطوة وقال اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل فقال لا أشبع الله

стр. 1122

تعالى بطنه زاد البيهقي في الدلائل فما شبع بطنه أبدا وهذا يشير إلى أنه كان دعاء عليه وقد استجاب الله تعالى لديه، (وعقرى حلقى) قاله لصفية بنت حيي بن أخطب في حجة الوداع كما رواه الشيخان أي عقرها الله تعالى وحلقها أي عقر الله تعالى جسدها وأصابها بوجع في حلقها قيل وقد جعلها الله كذلك كذا رواه المحدثون غير منون لجريانه على مؤنث كغضبي والمعروف في اللغة التنوين لأنه من مصادر حذفت أفعالها لفظا أي عقرها وحلقها حلقا ويقال للأمر المتعجب منه عقرا حلقا وكذا للمرأة المؤذية المشؤمة وقيل يقال لطويلة اللسان وقيل عقرى عاقر لا تلد وقيل عقرا حلقا مصدران أو الألف للتأنيث وقد روت عائشة أن صفية حاضت ليلة النفر فقالت ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عقرى حلقى أطاقت يوم النحر قيل نعم قال فانفري (وغيرها من دعواته) مما لا يريد هو وغيره إجاباته كقول بعضهم أنعم صباحا تربت يداك فإنه دعاء له بقرينة ما قبله، (وقد ورد في صفته) أي نعته (في غير حديث) أي في أحاديث كثيرة من شمائله (أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن فحّاشا) أي منسوبا إلى قوله الفحش وفعله بل كان أقواله وأفعاله كلها مستحسنة، (وقال أنس) كما رواه البخاري (لم يكن سبّابا) أي كثير السب والشتم (ولا فحاشا) وفي نسخة صحيحة ولا فاحشا وهو أولى صيانة لساحة رفيع جنابه أن يوجد نوع من الفحش في بابه (ولا لعّانا) أي كثير اللعن (وكان يقول لأحدنا عند المعتبة) بفتح الفوقية ويكسر أي عند العتب في مقام الأدب (ما له) وفي نسخة ما باله (ترب جبينه) وفي العدول عن الخطاب التفات حسن في الآداب وقد قيل أراد به دعاء له بكثرة السجود وبتواضعه للرب المعبود وقيل يسقط في الأرض فيترب جبينه وأما قوله لبعض أصحابه ترب نحرك فقتل شهيدا فدعاء له لا عليه كما وهم الدلجي وقال فهو محمول على ظاهره وأغرب منه قوله (فيكون حمل الحديث) أي حديث ترب جبينه (على هذا المعنى) من أن يقتل والصواب أن قوله فيكون حمل الحديث أعم حديث تربت يمينك على هذا المعنى أي على معنى ترب جبينه إذ قوله ترب نحرك ليس مذكورا في كلام المصنف فكيف يحمل عليه المعنى من غير ذكر المبنى ولا يبعد أن يراد بتربت يمينه وترب جبينه اختيار غاية الفقر ونهاية المسكنة لصاحبه كما يشير إليه قوله تعالى أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ فيكون في الحقيقة دعاء له لا عليه؛ (ثمّ) أي مع هذا كله (أشفق ﵊ أي خاف على من جرى في شأنه هذا الكلام (من موافقة أمثالها) وفي نسخة مواقعة أمثالها أي الدعوات التي لم يرد بها وقوعها (إجابة) مفعول أشفق أي أن يجيبها الله في الدنيا والآخرة فتداركه (فعاهد ربّه كما قال في الحديث) السابق (أن يجعل ذلك) الدعاء (للمقول له زكاة) أي طهارة (ورحمة) عليه (وقربة) تقربه إليه، (وقد يكون ذلك) الدعاء (إشفاقا على المدعوّ عليه وتأنيسا له) أي تلطفا بحاله وتداركا لمقاله (لئلا يلحقه) أي المدعو عليه (من استشعار الخوف) أي إدراكه من الله تعالى (والحذر من لعن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) له (وتقبّل دعائه) في حقه (ما يحمله على

стр. 1123

اليأس) من رحمة الله تعالى في الدنيا (والقنوط) في العقبى وهو بضم القاف أشد اليأس؛ (وقد يكون ذلك) الدعاء (سؤالا منه) أي من النبي ﵊ (لربّه) ﷻ وعز كماله (لمن جلده) أي ضربه (أو سبّه) أي شتمه أو لعنه (على حقّ) أي أمر يستحقه (وبوجه صحيح) وفق شرعه (أن يجعل ذلك) الجلد ونحوه (له كفّارة لما أصابه) من الذنوب (وتمحية) مصدر محى مشددا للمبالغة أي وكثرة محو (لما اجترم) أي اكتسبه من العيوب وفيه أنه يأباه ظاهر رواية ليس لها بأهل اللهم إلا أن يقال ليس للعقوبة بأهل على جهة الدوام بأن يكون من أهل الإسلام (وَأَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُ لَهُ فِي الدُّنْيَا سَبَبَ العفو) عن تقصيراته (والغفران) لسيئاته في العقبى (كما جاء في الحديث الآخر) مما رواه الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ليلة العقبة بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفي منكم بذلك فأجره على الله (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ) أي فجوزي به (في الدّنيا فهو كفّارة له) وفي نسخة فهو له كفارة أي في العقبى وتمام الحديث ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه (فإن قلت فما معنى حديث الزّبير) أي ابن العوام أحد العشرة المبشرة (وقول النّبيّ) أي وما معنى قوله (صلى الله تعالى عليه وسلم له) أي للزبير (حين تخاصمه) بصيغة المصدر أي وقت تنازعه واختلافه (مع الأنصاريّ) أي المنسوب إلى الأنصار فإنه قيل إنه كان منافقا فهو من نسبهم لا من حسبهم وقيل غير ذلك واختلف في تعيين قائله هنالك (في شراج الحرّة) بكسر الشين المعجمة جمع شرجة وهي مسيل الماء إلى السهل من الحرة وهي موضع من المدينة فيه حجارة سود (اسق) أي حديقتك وهو بكسر همزة الوصل أو بفتح همزة القطع (يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ فَقَالَ لَهُ الأنصاريّ أن) وفي نسخة أنه (كان يا رسول الله ابن عمّتك يا رسول الله) وهو علة لقوله اسق أي حكمت للزبير لأجل أن كان ابن عمتك وهي صفية بنت عبد المطلب وقيل الرواية بمد الهمزة بناء على أنه بهمزتين والثانية ومنهما مبدلة ممدودة وهو وجه من الوجوه في اجتماع الهمزتين للقراء السبعة ورواتهم (فتلوّن) أي فتغير حيث احمر واصفر (وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) غضبا لله وتنزيها لرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مما نسب إليه (ثمّ قال اسق يا زبير) أي حديقتك كما ذكر (ثمّ احبس) الماء وامنعه عن غيرها أو اصبر على جريانه (حتّى يبلغ الجدر) أي جدر الحديقة أو أصول الكرم وهو بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وروي بضم أوله جمع جدار وبذال معجمة من جذر الحساب بالفتح أو الكسر أراد به مبلغ تمام التقي استيفاء لحق الزبير رضي الله تعالى عنه (الحديث) بطوله والمقصود حل مشكله (فالجواب أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم منزّه أن) وفي نسخة عن أن (يقع بنفس مسلم) أي في خاطره (منه) أي من جهة أمره ﵊ (في هذه القصّة) وفي نسخة القصة (أمر يريب) بضم أوله وفتحه أي شيء يوقع في

стр. 1124

الريبة والشك والتهمة (ولكنّه صلى الله تعالى عليه وسلم ندب) أي الزبير كما في نسخة أي أمره أمر ندب وإحسان ودعاء (أوّلا) أي في أول أمره حيث أشار (إلى الاقتصار) للزبير (على بعض حقّه على طريق التّوسّط) أي مراعاة الجانبين (والصّلح) الذي هو موجب صلاح العباد وفلاح البلاد (فلمّا لم يرض بذلك الآخر ولجّ) بتشديد الجيم أي وبالغ في طلب الحكم المقرر (وقال ما لا يجب) أي لا ينبغي في ذلك المقر (استوفى) جواب لما أي أخذ (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم للزّبير حقّه) وافيا ثانيا (ولهذا ترجم البخاريّ) أي عنون في صحيحه (على هذا الحديث باب إذا) بالإضافة منصوبا على أنه مفعول ترجم وضبط باب بالرفع منونا فيكون محكيا والنصب محليا أو التقدير هذا باب فيما إذا (أشار الإمام بالصّلح فأبى) أي الخصم به (حكم عليه) بالبناء للمفعول أو الفاعل (بالحكم) أي البين كما في البخاري وتركه المصنف لوضوحه (وذكر) أي البخاري (في آخر الحديث فاستوّعى) أي استوفى كما في نسخة أي استوعب (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حينئذ للزّبير حقّه) ووقع في أصل الحلبي والتلمساني حقه للزبير فقالا فيه تقديم وتأخير أو التقدير استوعى حق الزبير للزبير يعني وقد سبق في الحديث ذكر الزبير فالمرجع موجود وقال الحلبي وكذا في نسخة صحيحة عندي بالبخاري. (وقد جعل المسلمون هذا الحديث) أي حديث الزبير مع الأنصاري (أصلا في قضيّته) أي في مثل حكم الزبير؛ (وفيه) أي وفي الحديث (الاقتداء) أي أخذ الاقتداء والاهتداء (به صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا فَعَلَهُ فِي حال غضبه ورضاه وأنّه) ﵊ (وإن نهى) فيما رواه الشيخان عن أبي بكرة (أن يقضي القاضي وهو غضبان) جملة حالية أفادت أن غيره من القضاة غير معصوم فلا يقضي حال غضبه بخلافه ﵊ (فَإِنَّهُ فِي حُكْمِهِ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَالرِّضَى سواء لكونه فيها) أي في الغضب والرضى وفي نسخة فيها أي في حالهما (معصوما) من الخطأ في القضاء، (وغضب النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا) أي في أمر الزبير مع خصمه (إِنَّمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِنَفْسِهِ كَمَا جاء في الحديث الصحيح) من أنه لم يكن يغضب لنفسه وإنما كان يغضب لربه هذا ولو صدر مثل هذا الكلام الذي خاطبه ﵊ به من إنسان اليوم من نسبته ﵊ إلى هوى وغرض في الأحكام كان ارتدادا عن الإسلام فيجب قتله بشرطه المعتبر عند الإعلام وقد قال العلماء إنما تكره ﵊ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس في الكلام ويدفع بالتي هي أحسن في ذلك المقام ويصبر على أذى المنافقين في تلك الأيام وهذا كقول الآخر هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى فإنه نسب الغرض في العطية إليه ﵊ ولم يأمر بقتله فأقرب أمره أن يكون منافقا أو حديث عهد بجاهلية أو بدويا في غلظة طبعهم وجهالة شأنهم وجفاؤه لسانهم، (وكذلك الحديث) الذي ورد في الحلية لأبي نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (في إقادته) بالقاف من القود أي في قصاصه (عكاشة) يضم العين وتشديد الكاف وتخفف وهو

стр. 1125

ابن محصن الأسدي صحابي جليل رضي الله تعالى عنه والمعنى أن يقتص لنفسه (من نفسه) ﵊ (لم يكن) أي ضربه ﵊ له (لتعدّ) بتشديد الدال أي لتجاوز حد وفي نسخة صحيحة لتعمد أي لقصد (حمله الغضب عليه) أي على ضربه (بل وقع في الحديث) أي في حديث قود عكاشة (نفسه أن عكاشة قال له) ﵊ (وضربتني بالقضيب) أي العصا، (فلا أدري أعمدا) كان ضربك لي (أم أردت ضرب النّاقة) فوقع علي (فقال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أعيذك بالله) أي أجعلك في حفظه (يا عكاشة أن يتعمّدك رسول الله) وفي نسخة أن يتعمدك نبيك (صلى الله تعالى عليه وسلم) وحاصل الجواب أنه وقع منه خطأ وهو جواب حسن صواب يصلح أن يكون جوابا عن الإشكال الأول في الحديث الآخر أيضا وهو أيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته بمعنى ضربته أو شتمته سهوا أو خطأ والله تعالى اعلم هذا وفي حاشية الحلبي أن حديث عكاشة في قادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه ﵊ دفع القضيب إلى عكاشة ليقتص منه ذكره ابن الجوزي في موضوعاته مطولا وقال في آخره هذا حديث موضوع لا محالة كافأ الله تعالى من وضعه وقبح من شين الشريعة بمثل هذا التخليط البارد والكلام الذي لا يليق بالرسول ولا بالصحابة والمتهم عبد المنعم بن إدريس قال أحمد بن حنبل كان يكذب على وهب وقال يحيى كذاب خبيث وقال ابن المديني وأبو داود ليس بثقة وقال ابن حبان لا يحل الاحتجاج به وقال الدارقطني في ميزانه فيه مشهور قصاص ليس يعتمد عليه تركه غير واحد ثم ذكر كلام أحمد فيه وقال قال البخاري ذاهب الحديث ثم قال وله عن ابيه عن وهب عن جابر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما خبر إقادة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طويل وأنه دفع القضيب إلى عكاشة ليقتص منه وقال قال ابن حبان كان يضع الحديث على أبيه وعلى غيره (وكذلك) الكلام (في حديثه الآخر) قال الدلجي لا أعرف من رواه (مع الأعرابيّ) قال الحلبي هذا الأعرابي لا أعرفه (حين طلب ﵊ الاقتصاص منه) أي من نفسه الشريف للأعرابي؛ (فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم قد ضربه) أي الأعرابي (بالسّوط لتعلّقه بزمام ناقته) بكسر الزاء أي يخطامها (مرّة بعد أخرى) علة لضربه (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ينهاه) كل مرة عن تعلقه بزمامها (ويقول له تدرك حاجتك وهو يأبى) قبول قوله ذلك (فضربه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ثلاث مرّات) من نهيه وابائه عن قبوله ووقع في أصل الدلجي فضربه ثلاث مرات بعد وقال ظرف غائي قطع عما أضيف هو إليه منويا أي بعد نهيه له وهذا خطأ فاحش لأن الضرب لم يقع ثلاث مرات بل مرة واحدة بعد نهيه ثلاث مرات ثم لا يتوهم أن ضربه له كان انتقاما لنفسه بل كان تأديبا وتشريعا له ولغيره للاجتناب عن مثل ذلك لقبحه، (وهذا) أي ضربه الذي وقع عليه (منه ﵊ لمن لم يقف عند نهيه) ولم ينزجر بردعه (صواب وموضع أدب) وهما خبران لقوله وهذا وقد وهم الدلجي حيث قال ويروى أنه صواب وموضع أدب
следующие страницы →