← Сира

Сира · id 9918

شرح الشفا

الملا على القاري

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الجزء الأوّل [المقدمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير أنبيائه ورسله وخير من أشرقت عليه الشمس سيّدنا ونبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛ فإن كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض، من الكتب التي عدّها كثير من العلماء والمحققين من خير الكتب في موضوعه، فقد قال عنه المقري في أزهار الرياض: مما كمل تأليفه، رضوان الله عليه، «الشفا» الذي بلغ فيه الغاية القصوى، وسار صيته شرقا وغربا، ولقد لهجت به الخاصة والعامة، عجما وعربا، ونال به مؤلفه وغيره من الرحمن قربا. ثم قال: وفضائل هذا الكتاب لا تستوفى، ولا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي ﷺ أو وصف إعجاز القرآن، أن تلك نفحة ربانية، ومنحة صمدانية، خص الله بها هذا الإمام، وحلاه بدرها النظيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وقال القاري: كتاب «الشفا» في شمائل صاحب الاصطفاء أجمع ما صنف في بابه مجملا في الاستيفاء. وقد اعتنى الأئمة بشرح هذا الكتاب والتعليق عليه، وكما اعتنى الناس بذلك اعتنوا أيضا بتصحيحه وضبطه وإتقانه. فمن العلماء الذين شرحوا الشفا، نذكر: ١- الشهاب الخفاجي، وقد شرحه شرحا مطولا، أسماه: «نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض» . ٢- شرح «الملّا علي القاري» وقد شرحه شرحا متوسط الطول. وهو الكتاب الذي بين أيدينا. ٣- الشيخ حسن العدوي الحمزاوي، وقد شرحه شرحا مختصرا، وأسماه: «المدد الفياض» .

стр. 2

٤- كتاب «مزيل الخفا عن ألفاظ الشفا» تأليف العلامة تقي الدين أحمد بن محمد بن حسن الشمني التميمي الداري الحنفي. ٥- كتاب «المقتفى في حل ألفاظ الشفا» تأليف العلامة برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي سبط ابن العجمي. ٦- ولما كان القاضي عياض قد اعتمد في مؤلفه «الشفا» على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقد عنى السيوطي به، وخرّج أحاديثه في كتابه: «مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا» .

стр. 3

ترجمة القاضي عياض هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي. وهو من أهل سبتة، وأصله من مدينة بسطة. ولد في منتصف شعبان من سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي، ﵀، بمراكش مغربا عن وطنه وسط سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وقدم الأندلس طالبا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جلة علمائها. وأخذ بالمشرق عن القاضي الصدفي، وعن غيره وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وجمع من الحديث كثيرا، وله عناية كبيرة به واهتمام بجمعه وتقييده. وقد استقضى ببلده، مدينة سبتة، مدة طويلة حمدت سيرته فيها، ثم نقل منها إلى قضاء غرناظة، فلم تطل مدته بها. وقال هو عن نسب أجداده: استقر أجدادنا في القديم بجهة بسطة من بلاد الأندلس، ثم انتقلوا إلى مدينة فاس وكان لهم استقرار بالقيروان، فلا أدري أكان قبل استقرارهم بالأندلس أم بعد. قال: وكان عمرون والد جد أبي رحمة الله على جميعهم، رجلا خيرا صالحا، من أهل القرآن، انتقل من مدينة فاس إلى مدينة سبتة بعد دخول بني عبيد المغرب «١» . وقال عنه ابنه: نشأ أبي على عفة وصيانة، مرضيّ الحال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفا بالنّبل والفهم والحذق طالبا للعلم، حريصا مجتهدا فيه، معظما

стр. 4

من الأشياخ من أهل العلم، كثير المجالسة لهم، والاختلاف إليهم، إلى أن برع أهل زمانه، وساد جملة أقرانه؛ فكان من حفاظ كتاب الله تعالى، مع القراءة الحسنة، والحظ الوافر من تفسيره وجميع علومه. وكان من أئمة الحديث في وقته، أصوليا متكلما، فقيها حافظا للغة والأخبار والتواريخ، حلو الدعابة، صبورا حليما، حسن العشرة جوّادا سمحا، دؤوبا على العمل، صليبا في الحق «١» . وفي أزهار الرياض يتمثل بقول ابن عاصم في وصف عياض: قد كان، ﵀، علم الكمال، ورجل الحقيقة، وقارا لا يخفّ راسيه، ولا يعري كاسيه، وسكونا لا يطرق جانبه، ولا يرهب غالبه؛ وحلما لا تزل حصاته، ولا تمهل وصاته، وانقباضا لا يتعدّى رسمه، ولا يتجاوز حكمه؛ ونزاهة لا ترخص قيمتها، ولا تلين عزيمتها، وذهنا لا يخبو نوره، ولا ينبو مطروده، وفهما لا يخفى فلقه، وحفظا لا يسبر غوره، ولا يذبل نوره، وطلبا لا تتحد فنونه، ولا تتعيّن عيونه، بل لا تحصر معارفه، ولا تقصر مصارفه «٢» . وقال الملاحي: كان القاضي ﵀ بحر علم، وهضبة دين وحلم، أحكم قراءة كتاب الله بالسبع، وبلغ من معرفته الطول والعرض، وبرّز في علم الحديث، وحمل راية الرأي ورأس في الأصول، وحفظ أسماء الرجال، وثقب في علم النحو، وقيّد اللغة، وأشرف على مذاهب الفقهاء وأنحاء العلماء، وأعراض الأدباء «٣» . وقال المقري في أزهار الرياض: وكان القاضي أبو الفضل كثير الاعتناء بالتقييد والتحصيل. قال ابن خاتمة: كان لا يبلغ شأوه، ولا يبلغ مداه في العناية بصناعة الحديث، وتقييد الآثار، وخدمة العلم من حسن التفنّن فيه، والتصرف الكامل في فهم معانيه، إلى اضطلاعه بالأداة، وتحققه بالنظم والنثر، ومهارته في الفقه، ومشاركته في اللغة

стр. 5

والعربية، وبالجملة فقد كان جمال العصر، ومفخر الأفق، وينبوع المعرفة، ومعدن الإفادة، وإذا عدّت رجالات المغرب فضلا عن الأندلس حسبناه منهم. وقال: وكان، ﵀، معظّما للسنّة، عالما عاملا، خاشعا قانتا، قوّالا للحق، لا يخاف في الله لومة لائم، وكان معتنيا بضبط الألفاظ النبوية على اختلاف طرقها، وكتابه «المشارق» أزكى شاهد على ذلك. وكان حاضر الجواب، حادّ الذهن، متوقّد الذكاء، جامعا للفنون، أخذ منها بالحظ الأوفر، وكان بارع الخط المغربي، حسن العبارة، لطيف الإشارة؛ وتآليفه شاهدة بذلك. وله في الفقه المالكي اليد الطولى، وعليه المعوّل في حل ألفاظ المدونة، وضبط مشكلاتها، وتحرير رواياتها، وتسمية رواتها.

стр. 6

ترجمة الملّا علي القاري «١» (٠٠٠- ١٠١٤ هـ ٠٠٠- ١٦٠٦ م) علي بن (سلطان) محمد، نور الدين الملّا الهروي القاري: فقيه حنفي، من صدور العلم في عصره. ولد في هراة وسكن مكة وتوفي بها. وقيل: كان يكتب في كل عام مصحفا وعليه طرر من القراآت والتفسير فيبيعه فيكفيه قوته من العام إلى العام. وصنف كتبا كثيرة، منها «تفسير القرآن- خ» ثلاثة مجلدات، و «الأثمار الجنية في أسماء الحنفية» و «الفصول المهمة- خ» فقه، و «بداية السالك- خ» مناسك، و «شرح مشكاة المصابيح- ط» و «شرح مشكلات الموطأ- خ» و «شرح الشفاء- ط» و «شرح الحصن الحصين- خ» في الحديث، و «شرح الشمائل- ط» و «تعليق على بعض آداب المريدين، لعبد القاهر السهروردي- خ» في خزانة الرباط (٢٥٠٣ ك) و «سيرة الشيخ عبد القادر الجيلاني- ط» رسالة، ولخص مواد من القاموس سماها «الناموسن» وله «شرح الأربعين النووية- ط» و «تذكرة الموضوعات- ط» و «كتاب الجمالين، حاشية على الجلالين- ط» جزء منه، في التفسير، و «أربعون حديثا قدسية- خ» رسالة، و «ضوء المعالي- ط» شرح قصيدة بدء الأمالي، في التوحيد، و «منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر- ط» ورسالة في «الرد على ابن العربي في كتابه الفصوص وعلى القائلين بالحلول والاتحاد- خ» و «شرح كتاب عين العلم المختصر من الإحياء- ط» و «فتح الأسماع- خ» فيما يتعلق بالسماع، من الكتاب والسنة ونقول الأئمة، و «توضيح المباني- خ» شرح مختصر المنار، في الأصول، و «الزبدة في شرح البردة- خ» في مكتبة عبيد. ونقل لي عن هامشه، بشأن الخلاف حول اسم أبي صاحب الترجمة، الحاشية الآتية: «ودأب العجم أن يسموا أولادهم أسماء مزدوجة مثل فاضل محمد وصادق محمد وأسد محمد واسم أبيه سلطان محمد. فهو من هذا القبيل على ما سمع وأما كونه من الملوك فلم يسمع» .

стр. 7

[خطبة الكتاب] بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي أنزل القرآن شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وشفى به من كان اشفى على شفائر جهنم من الكافرين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وسيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين. (أما بعد) فيقول أفقر العباد إلى كرم ربه الباري علي ابن سلطان محمد القاري لما رأيت كتاب الشفاء في شمائل صاحب الاصطفاء، أجمع ما صنف في بابه مجملا في الاستيفاء لعدم إمكان الوصول إلى انتهاء الاستقصاء، قصدت أن اخدمه بشرح يشرح بعض ما يتعلق به من تحقيق الاعراب والنباء، رجاء أن أسلك في سلك مسالك العلماء يوم الجزاء، فأقول وبالله التوفيق، وبتأييده ظهور التحقيق، أن المصنف رحمه الله تعالى كان وحيد زمانه وفريد أوانه، متقنا لعلوم الحديث واللغة والنحو والآداب، وعالما بأيام العرب والأنساب، ومن تصانيفه المفيدة الاكمال في شرح مسلم، كمل به المعلم في شرح مسلم، للمازري ومنها مشارق الأنوار فسر به غريب الحديث ومنها الشفا في حقوق المصطفى ومنها شرح حديث ام ذرع إلى غير ذلك وله أشعار لطيفة متضمنة المضامين منيفة مولده منتصف شعبان سنة ست وسبعين واربعمائة وتوفي يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) اقتداء بالكلام المجيد واقتفاء بالحديث الحميد ثم قال (اللهمّ صلّ على محمّد، وآله) أي وأتباعه المتضمنين لأصحابه (وسلّم) وهذا طريق المغاربة حيث يأتون بالتصلية والتحية بين البسملة والحمدلة كما في الشاطبية ولعل فيه اشعارا بأن البسملة المشتملة على نعت الألوهية وصفات الرحمانية والرحيمية بمنزلة شطر الشهادتين من كلمة التوحيد فلا بد من انضمام الشطر الآخر لإتمام معنى التمجيد ليترتب على توفيق تحصيل هذا المقام مقال التحميد ثم في بعض النسخ المصححة قبل قوله الحمد لله (قال الفقيه) وفي نسخة الشيخ الْفَقِيهُ (الْقَاضِي الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضُ بن موسى بن عياض) بكسر العين (اليحصبيّ) بتثليث الصاد والفتح أخف وبه ثبتت رواية الشاطبي وهو نسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من حمير باليمن (رحمة الله عليه) ولا شك أن هذا الادخال من المقال صدر من بعض أرباب الكمال من تلاميذ المصنف أو من بعده ولكن اللائق في فعله أن يأتي به قبل البسملة ليقع الكل من مقوله. ولعله تحاشى من تقديم ذكره فوقع وهم في حقه فالأولى أن يفعل مثل هذا العنوان وراء الكتاب على قصد التبيان أو بقلم آخر أو لون مغاير في هذا المكان ثم تحقيق مباحث البسملة والحمدلة وما يتعلق بهما من وجوه التكملة قد كثر في تصانيف العلماء وتآليف الفضلاء، وقد ذكرنا طرفا منها في بعض

стр. 8

تصانيفنا كما هو دأب البلغاء والمقصود بعون الملك المعبود هو أن المصنف قال (الحمد لله) بالجملة الاسمية لإفادة الديمومية لأن الفعل دال على اقتران مدلوله بزمان والزمان لا ثبات له فكذا ما قارنه واللام فيه للاستغراق عند أهل السنة خلافا للمعتزلة إذ كل كمال إنما هو لله في حقيقة الحال أو طريقة المآل (المنفرد باسمه الأسمى) وفي نسخة المتفرد من باب التفعل بمعنى المتوحد الممتاز عن المشاركة فمآلهما واحد في المعنى وان اختلفا في المبنى والأسمى افعل التفضيل من السمو وهو الارتفاع أي الممتاز عن المشاركة في اسمه الأعلى والإضافة للتعميم فإن لله الأسماء الحسنى وكل واحد منها في مرتبته هو الأعلى والأغلى وأغرب الشمني في تفسير الأسمي بالعالي (المختصّ) صفة لله كالمنفرد ويجوز قطعهما بنصبهما أو رفعهما أي المخصوص (بالملك الأعز الأحمى) أي الموصوف باختصاص الاستيلاء على البلاد والعباد باطنا وظاهرا على وجه الأعزية الذي لا يحوم حوله ذل ومغلوبية لأنه في غاية المنعة ونهاية الحماية بحيث لا يقربه أحد أولا وآخرا والملك بضم الميم فإنه أبلغ من كسرها وعليه النسخ المصححة والأصول المعتمدة. وقال التلمساني: هو بضم الميم وكسرها (الّذي ليس دونه) أي قريب منه (منتهى) أي موضع غاية ومحل نهاية فيفيد معنى البقاء فإنه أول قديم بلا ابتداء وآخر كريم بلا انتهاء أو المراد أنه ليس للقرب منه نهاية يدركها أحد ولو كان من أهل العناية ويلائمه قوله (ولا وراءه مرمى) مقتبس من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ليس وراء الله مرمى ولا منتهى أي ليس غيره أو بعده مقصد للورى وأصل المرمى بفتح الميمين موضع الرمي شبه بالغرض والهدف الذي ينتهي إليه سهم الرامي. قال النابغة: وليس وراء الله للمرء مذهب وفي النهاية أي ليس بعد الله لطالب مطلب فإليه انتهت العقول ووقفت فليس وراء معرفته والإيمان به غاية تقصد وحاصل الجملتين انه تعالى ليس في جهة ولا في حيز ومسافة ليكون للقرب غاية وللبعد منه نهاية، وأما القرب والبعد الثابت في نحو حديث ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت فإنما هو القرب والبعد المعنوي لا الصوري والحسي وإنما كمال القرب في الحب بحيث لا يشهد السالك إلا الله ويفني عن شهود ما سواه حتى يفني عن نفسه ويبقى ببقاه ونهاية البعد هو الغفلة عن الله على وجه يشاركه ما خلقه وسواه (الظّاهر) أي بالأدلة الدالة على وجوده وكمال كرمه وجوده لعين الحقيقة في شهوده (يقينا) وقطعا (لا تخيّلا) أي لا ظنا بالقوة الخيالية (ووهما) بسكون الهاء أي ولا وهما كما في نسخة مصححة ولا غلطا بالقوة الوهمية والمراد أن الله تعالى ظاهر بصفاته لدلالة مصنوعاته وظهوره لنا ليس على جهة ظن ووهم منابل ظهورا يغلب نورا أدركناه بعيون بصائرنا في الدنيا وسيرونه الأحباء بعيون أبصارهم في العقبى والحاصل أن جميع المخلوقات دالة على وجوب وجوده وألوهيته وتحقيق وحدانيته: ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد

стр. 9

(الباطن) وفي نسخة والباطن أي باعتبار ذاته دون صفاته (تقدّسا) أي تنزها فإنه كما قال الغزالي وغيره كل ما خطر ببالك فالله وراء ذلك (لا عدما،) بضم فسكون لغة في المفتوحين أي لا فقدا وعدما إذ لا يقتضي عدم ظهوره نفي وجوده ونوره لانه قد ثبت بالدليل القطعي قدمه وما ثبت قدمه استحال عدمه والتحقيق المتضمن للتدقيق على وجه التوفيق أنه باطن لا يدرك أحد حقيقة ذاته ولا يحيط أحد بكنه صفاته وهذا بالنسبة إلى ما سواه فإنه لا يعرف الله إلا الله ونصبهما على التمييز وأما قول الدلجي تمييز أو تعليل لكونه باطنا فهو وان كان صحيحا في هذا المبنى لكن التعليل لا يصح بحسب المعنى في قوله (وسع كلّ شيء رحمة وعلما) أي أحاط بكل شيء رحمته وعلمه فإن كل شيء لا يستغني عن رحمته إيجادا وامدادا وعلمه شامل للجزئيات والكليات احصاء واعدادا والجملة مقتبسة من قوله تعالى: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً والاقتباس أن يتضمن الكلام شيئا من القرآن أو الحديث على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه منه (وأسبغ) أي أكمل بالرحمة الخاصة والعلم المختص بالهداية (على أوليائه) أي المؤمنين على قدر كمالاتهم ومراتب حالاتهم (نعما) بكسر ففتح جمع نعمة، وفي نسخة بضم فسكون مقصورا لغة في النعمة لكنه يكتب بالياء مع انه غير ملائم لقوله: (عمّا) بضم المهملة وتشديد الميم جمع عميمة وهي العامة الشاملة التامة ووهم من قال من المحشيين انها جمع عمة فإنه يقال نخل عم نخلة عميمة والحاصل أن رحمته وسعت كل شيء في أمر الدنيا لكن له رحمة خاصة بأرباب العقبى كما قال: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الآية. وكذا علمه بكل شيء محيط بمعنى المعية كما قال: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لكن لأرباب الخصوص معية خاصة كما يدل عليه قول موسى ﵊: إِنَّ مَعِي رَبِّي وقول نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم للصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه: «لا تحزن إن الله معنا» وتأمل التفرقة بين الكلامين فإن الثاني مشير إلى مقام جمع الجمع والأول مشير إلى مقام التفرقة والمنع، وأما ما ذكره الدلجي من أن تصدير هذه الفقرة بالواو الموضوعة للجمع دون ما قبلها مع أن أجزاء الصفات المتعاقبة على موصوف واحد مشعرة به يلوح بزيادة جمعية وارتباط معية ففيه مناقشة خفية لأن أجزاء الصفات المفردة يؤتى بها من غير واو الجمعية في الجمل الاسمية، كقوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ مع جواز إتيان العاطف بخلاف الجمل الفعلية، ولهذا قال: (وبعث) أي أرسل الله (فيهم) أي في أوليائه ولأجل أحبائه، ولذا قيل إنه لم يرسل في الحقيقة إلى أعدائه ثم المؤمنون هم المراد بأوليائه لقوله تَعَالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ (رَسُولًا) أي نبيا مرسلا أمر بتبليغ الرسالة موصوفا بكونه (من أنفسهم) بضم الفاء أي من جنسهم العربي أو البشري دون الملكي للحكم الإلهي (أنفسهم) بفتح الفاء ونصب السين أي أشرفهم وأعظمهم في نفوسهم فالأول جمع النفس بسكون الفاء والثاني افعل من النفيس وجمع بينهما كما قرىء في الآية بهما ونصب أنفسهم الثاني على أنه صفة رسولا أو

стр. 10

بدل أو حال. وفي البعض الحواشي ضبط بالرفع على انه خبر مبتدأ محذوف أي هو أنفسهم من نفس بالضم صار مرغوبا فيه لشرفه (عربا وعجما) بضم فسكون فيهما وهو لغة في فتحتيهما والمراد بالعرب هنا أعم من سكان القرية والبادية كما أن المراد بالعجم ضد العرب الشامل لأهل الفارس والترك والهند وغيرهم ونصبهما على التمييز. وقال الدلجي: حالان لازمان من ضمير أنفسهم وردا بيانا لنوعي المنفوسين، وأما قول بعضهم في حاشيته وأنفسهم بفتح الفاء أي أعلاهم وخيارهم وهو من النفاسة ولا يجوز ضمها لأن الضمير عائد إلى الأولياء فخطأ ولعله مبني على أن لفظ أنفسهم لم يكن مكررا عنده وإلا فإن أراد عدم جواز الضم في أنفسهم الثاني فلا كلام فيه إلا أن تعليله لا يصح وان أراد مطلقا فغلط محض (وأزكاهم) أي أطهرهم وانما هم (محتدا) بفتح الميم وكسر الفوقية أي أصلا وطبعا (ومنمى) بفتح الميمين مصدر ميمي أي نموا وزيادة وارتقاء، وقد ذكر الحلبي وغيره أنه إذا كان الفعل معتل اللام مثل رمى فقياس المصدر منه مفعل مثل نمى منمى ورمى مرمى وسرى مسرى انتهى. وفيه أن مصدر الثلاثي المجرد مطلقا يجيء على مفعل بفتح العين قياسا مطردا كمقتل ومضرب ومشرب كما في الشافية فلا وجه لقيده بالمعتل نعم هذا القيد يعتبر في أسمى الزمان والمكان منه والله أعلم. واختار الدلجي أنهما اسما مكان فمحتد من حتد إذا أقام والمراد بهما مكة المشرفة فإن للأمكنة دخلا ما في شرف الأخلاق وطهارتها وحسن الافعال ونجابتها (وأرجحهم) بالنصب عطفا على أنفسهم الثاني أي أرزنهم (عقلا) أي تعقلا (وحلما) أي تحلما (وأوفرهم) أي أتمهم (علما وفهما) وفي نسخة بالعكس رعاية لحلما والفهم هو العلم وسرعة ادراك الشيء فالحمل على المعنى الثاني أولى واختلف في حقيقة العقل والأقرب قول القاضي أبي بكر العقل علم ضروري بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ولعله اراد به تعريف العقل الكامل والله تعالى أعلم. وقيل الفهم إزالة الوهم (وأقواهم) أي أشدهم، وفي نسخة أوفاهم أي أزيدهم (يقينا) أي علما زال فيه الريب تحقيقا (وعزما) أي اهتماما بالغا ليس فيه رخصة ما فقيل جدا وقيل صبرا (وأشدّهم) أي بهم كما في نسخة صحيحة (بهم رأفة) أي زيادة رحمة (ورحما) بضم فسكون أي رحمة وعطفا. قال الله تعالى: وَأَقْرَبَ رُحْماً. قرأ الشامي بضم الحاء والباقون بسكونها. وفي نسخة مقصور وهو تعميم بعد تخصيص لا مجرد تغاير لفظي كما ذكره الحلبي وفيه إيماء إلى قوله تعالى: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، ثم من قوله: (لا تخيلا ووهما) إلى هنا منصوبات على التمييز خلافا لما بعده ولذا فصله بقوله: (زكّاه) بتشديد الكاف أي طهره (روحا وجسما) فهما بدلان من الضمير فإنه عينهما لا غيرهما على خلاف التمييز. وقال الدلجي: مميزان حولا عن كونهما مفعولين وإيراد هذه الفقرة بلا عاطف دون ما قبلها لكمال انقطاع بينهما لاختلافهما ثبوتا وسلبا انتهى. وهو وهم منه وغفلة صدرت عنه لأن هذا الكلام إنما يصح لو عطف في زكاه وترك العطف في حاشاه، ثم المراد بالجسم الجسد وهو جسم كثيف ظاهري بخلاف

стр. 11

الروح، فإنه جسم لطيف باطني، أما تزكية روحه صلى الله تعالى عليه وسلم فلكونه أشرف الأرواح المطهرة لا من أشرفها كما قال المحشي فإنه كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «أول ما خلق الله روحي وسائر الأرواح، إنما خلق ببركة روحه ونور وجوده» كما روي لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك فإنه صحيح معنى لو ضعف مبنى، وأما تزكية جسده فلشق جبريل ﵇ صدره واستخراج حظ الشيطان منه وغسله بماء زمزم لا بماء الجنة كما قاله المحشي إلا أنه إن صح رواية يجمع بينهما دراية، ويمكن أن يكون الروح والجسم كنايتين عن الخلق والخلق، فإنهما مزكيان من جانب الحق وأغرب المحشي حيث قال في رأفة ورحما اشترط من أجاز العطف أن لا بد من زيادة معنى في المعطوف. وقال هنا فيه دلالة على جواز العطف وان تغاير اللفظان والمعنى واحد من غير زيادة. وأبعد الحلبي حيث تبعه في الموضعين، وقال هنا: وهذا لا زائد ولا مساو، ولعله فعل ذلك للسجع انتهى. وقد بينت لك الفرق بين الرأفة والرحمة، وأما الفضل بين الروح والجسد فظاهر للعامة فضلا عن الفضلاء الخاصة (وحاشاه) أي نزهه الله وبرأه (عيبا ووصما) أي عارا على ما صرح به في القاموس فهو تخصيص بعد تعميم خلافا لمن زعم أنهما متساويان، وتبعه الحلبي والدلجي ثم نصبهما بنزع الخافض أي من غيب ووصم (وآتاه) بالمد أي اعطاه الله تعالى (حكمة) وهي في الأصل ما يمنع من الجهالة فإنها مأخوذة من الحكمة بفتحتين وهي اللجام المانع من النفور أي علما بالشرائع المشتملة على الحكم المبنية على الاتقان والأحكام (وحكما) بضم فسكون أي قضاء بالأحكام. قال المحشي وتبعه الدلجي فيه تجنيس التحريف وهو تحريف من أحدهما والصواب التطريف وهو أن يختلف المتجانسان في إعداد الحروف وتكون الزيادة في الآخر على ما في شرح مختصر التلخيص ثم هما منصوبان على المفعولية الثانية. وأغرب التلمساني بقوله: هما مترادفان وجمعهما للتأكيد (وفتح به) أي فتح الله تعالى بسبب نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (أعينا عميا) عن رؤية الحق وهو بضم فسكون جمع عمياء بفتح فسكون ممدودا. وأبعد التلمساني حيث قال: عميا صفة للأعين وهو جمع أعمى. وقال المحشي: كان الأولى أن يأتي بجمع كثرة لكن قد يأتي جمع القلة بمعنى الكثرة كقوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ بمعنى جنان، وقد تأتي الكثرة بمعنى القلة كقوله تعالى: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ أي اقراء، وتبعه الحلبي وقالا الأولى أن يأتي به جمع كثرة لكنه تبع الحديث الصحيح والمراد به هنا وبالحديث الكثرة انتهى. وقال الحافظ العسقلاني الكثرة العددية من الأمور النسبية فيحتمل أن يكون العدول عن جمع الكثرة في الحديث إلى جمع القلة للإشارة إلى أن الكفار أكثر من المسلمين (وقلوبا) جمع قلب وسمي به لتقلبه في أيدي مقلب القلوب كما قال الشاعر: وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا انه يتقلب (غلفا) بضم فسكون جمع أغلف كأنه جعل في غلاف فهو لا يعي، وَقالُوا قُلُوبُنا

стр. 12

غُلْفٌ أي ذوات غلف لا تعي كلمة الحق ولا تفهمها لأنها لا تصل إليها (وآذانا) بمد الهمزة جمع اذن (صمّا) بضم فتشديد ميم جمع صماء لا أصم كما سبق أي لا تسمع النصيحة، والحاصل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أتاهم بآيات واضحة ومعجزات لائحة فاجتلت أبصارهم ووعت قلوبهم وقبلت أسماعهم (فآمن به) أي صدق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما جاء به (وعزّره) أي عظمه ووقره وهو بتشديد الزاء، ووهم التلمساني حيث قال: تخفف وتشدد. ففي القاموس العزر اللوم والتعزير التعظيم أو المعنى منعه من عدوه إذ أصل العز والمنع ومنه التعزير لأنه يمنع من معاودة القبيح (ونصره) أي أيده وأعانه إيماء إلى قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ والضمير في الآية يجوز أن يكون لكل منهما والأظهر أن يكون إلى الأخير، فإن الإيمان به متضمن للأول فتأمل، ثم الفاعل قوله: (من) أي الذي (جعل الله له في مغنم السّعادة) أي في غنائم السعادة الإيمانية وحيز السيادة الإيقانية (قسما) بكسر فسكون أي حظا ونصيبا مقسوما، وأما بفتح القاف فهو مصدر (وكذّب به) أي كفر بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وصدف عن آياته) أي أعرض عن معجزاته البرهانية أو مال عن قبول آياته القرآنية (من كتب الله) أي قدر وقضى وأوجب (عليه الشّقاء) بالمد مفتوحا ويكسر أي الشقاوة كما في نسخة وهي الأولى من الأولى كما لا يخفى. وقال التلمساني: الشقاء العذاب وهو ممدود انتهى. ولا يخفى عدم الملائمة بالمقابلة للسعادة مع أن صاحب القاموس قال: الشقاء الشدة والعسر ويمد، والظاهر أن معناه التعب كما فسر به قوله تعالى: (فشقى) وقوله: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى لا بمعنى العذاب المتعارف والله أعلم. (حتما) أي حتما مقضيا يعني وجوبا متحتما لازما لا بد له من فعله ولا تبديل ولا تحويل فيه أصلا وقطعا (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ) أي في الدنيا الدنية التي هي محل تحصيل الكمالات الدينية (أَعْمى) أي عن الأمور العلمية والعملية أو عن طريق الحق وبصيرة الصدق (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى) [الإسراء: ٧٢] . فاعل أو خبر أي فهو فيها أعمى بالطريق الأولى أو أشد عمى مما كان في الدنيا أو أعمى عن النجاة ورؤية سبيل أهل الهدى والحاصل أن أعمى في الموضعين افعل وصف، والمعنى من كان في الدنيا لا يبصر طريق هدايته لا يرى في العقبى سبيل عنايته وقيل أعمى الثاني للتفضيل كأجهل وأبله، ولهذا عطف عليه في الآية، وَأَضَلُّ سَبِيلًا ولم يمله أبو عمرو ويعقوب لأن أفعل التفضيل تمامه بمن فكانت ألفه في حكم المتوسط كما في أعمالكم ولا يبعد أن يراد بالعمى في الدنيا الجهالة والضلالة في الأمور الدينية وكونه أعمى في الآخرة بالطريق الصورية والمعنوية (صلّى الله تعالى عليه وسلّم) جملة خبرية مبنى انشائية معنى (صلاة تنمو) بفتح فسكون فضم من النمو أي تزيد عددا دائما (وتنمى) بصيغة المجهول من الإنماء أي ويزيدها الله أو يزيد ثوابها أبدا والمعنى تزيد في نفسها أو يزاد فيها، وفي نسخة صحيحة بدل الأولى تنمى كترمى بالياء بدل الواو وهو الأولى من جهة صنيع الجناس المستحسن في المبنى مع انه

стр. 13

اللغة الأشهر عند الأكثر، ففي الصحاح نمى المال وغيره ينمى نماء، وربما قالوا ينمو نموا وانماه الله تعالى إنماء انتهى. وفي غالب النسخ المصححة تنمو بالواو. وعن الخليل انه أفصح وبهذا يتبين أن قول الحلبي وفي لغة ينمو وهو ضعيف هو الضعيف لمخالفة الجمهور ولمعارضة شيخه مجد الدين الفيروزآبادي صاحب القاموس حيث قال: نما ينمو زاده كنمى ينمى. وأما ما نقل عن الكسائي لم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بني سليم. ثم سألت بني سليم فلم يعرفوه فالجواب عنه أنه على تسليم صحته يكون لغة لغيرهم ومن حفظ صار حجة على من لم يحفظ (وعلى آله) أي اتباعه ولذا لم يقل وأصحابه. وفي نسخة: وصحبه على انه تخصيص بعد تميم أو المراد بالآل أقاربه والعطف لزيادة التشريف والتكريم (وصحبه وسلّم) بفتح اللام عطف على صلى (تسليما) أي تسليما عظيما. ووقع في بعض النسخ زيادة كثيرا وهو مخل بالسجع المرعى في الفواصل ثم ظاهر آية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً دال على وجوب الصلاة والسلام عليه كلما ذكر وكذا حديث من ذكرت عنده فلم يصل على دخل النار فأبعده الله تعالى، وحديث رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ علي. وبه قال الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية واللخمي من المالكية وابن بطة من الحنابلة والجمهور على أنها في العمر فرض مرة والمحققون على انها فرض في كل مجلس ذكر صلى الله تعالى عليه وسلم والله تعالى أعلم. (أمّا بعد) بضم الدال مبنيا لحذف المضاف إليه وكونه منويا. وقال الحلبي: وبفتحها. اجازه هشام. وقال النحاس: إنه غير معروف ورفعها منونة، وكذا نصبها انتهى. وذكر النووي في باب الجمعة: من شرح مسلم أنه اختلف العلماء في أول من تكلم بأما بعد فقيل داود ﵊. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: قس بن ساعدة. وقال بعض المفسرين: أو كثير منهم أنه فصل الخطاب الذي أوتيه داود. وقال المحققون: فصل الخطاب الفصل بين الحق والباطل انتهى. وفي الكشاف: ويدخل فيه، يعني في فصل الخطاب. أما بعد فإن المتكلم إذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد، انتهى. وفي غريب مالك للدارقطني بسند ضعيف أن يعقوب ﵊ لما جاءه ملك الموت قال من جملة كلامه: أما بعد.. فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء وهذا يدل على أن أول من تكلم به يعقوب لا داود عليهما الصلاة والسلام، ونظير فصل الخطاب كلمة هذا فإنه يفصل بها بين الكلامين كقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر أو خذ هذا أو هذا المعد للمتقين وأما تنظير المحشي بقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ فغفلة عن لفظة التنزيل وهو قوله تعالى هذا ذِكْرٌ وهو ليس من هذا الباب نعم نظيره ما قال الشاعر: هذا وكم لي بالحبيبة سكرة ... أنا من بقايا خمرها مخمور

стр. 14

فإنه أشار بهذا إلى الكلام تقدم ثم استأنف كلاما ثانيا والله تعالى أعلم. ثم اعلم أن قس بن ساعدة الإيادي بضم القاف وتشديد المهملة بليغ حكيم ومنه الحديث يرحم الله قسا إني لأرجو يوم القيامة أن يبعث أمة واحدة قيل هو أول من كتب من فلان إلى فلان وفيه نظر لقوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وأول من خطب بعصا وأول من أقر بالبعث من غير سماع قيل إنه عاش ستمائة سنة وقد رآه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسوق عكاظ وهو راكب جملا له أحمر وورد رحم الله قسا إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. رواه الطبراني عن غالب بن ابجر. وفي رواية: رحم الله قسا كأني انظر إليه على جمل أورق تكلم بكلام له حلاوة ولا احفظه، رواه الأزدي في الضعفاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ومن قوله: أيها الناس اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت ثم هو من أهل الفترة وأما يعرب بن قحطان فهو أبو اليمن. وقيل: هو أول من تكلم بالعربية وههنا قولان آخران في أول من قال: أما بعد. فقيل: كعب بن لؤي. وقيل: سحبان، وهو بليغ يضرب به المثل. لكن هذا القول غير صحيح لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقولها في خطبته وهو قبل سحبان اجماعا لأنه كان في زمن معاوية وما أجيب عنه بأنه أول من قالها بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الإسلام لا يخفى بعده لأني ما أظن أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتركونها في خطبهم بعد ما سمعوها منه صلى الله تعالى عليه وسلم في خطبته والله أعلم. (أشرق الله) أي أضاء ونّور (قلبي وقلبك بأنوار اليقين) أي بأنواع أنواره من علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين على قدر مراتب العارفين في ميادين الدين والأصل في النور الظهور. واعلم أن مقتضى القواعد العربية واستعمال الفضلاء الأدبية إيراد الفاء بعد: أما بعد، بل بعد بعد أيضا. إما لتقدير أما وإما لتوهم أما مع رفع توهم الإضافة وإفادة الدلالة التعقيبية. وقد قال سيبويه: إن معنى أما بعد مهما يكن من شيء بعد فتعين اتيان الفاء الجزائية وسيأتي في قوله فإنك فالجمل المذكورة دعائية اعتراضية وأما قول التلمساني في قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فكانت لمساكين يعملون فليس في محله لأن أما هذه تفصيلية لا شرطية (ولطف لي ولك) باللام فيهما على الأصول المصححة لا بالباء الموحدة (بما) أي بمثل ما وفي نسخة كما (لطف بأوليائه) فما مصدرية. وفي نسخة صحيحة بما لطف لأولياء فما موصولة. وفي نسخة: بعباده (المتقين) بالباء جمعا بين اللغتين وتفننا في العبارتين. فمن الأولى قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ، ومن الثانية اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ولطف بفتح الطاء من اللطف وهو على ما في المجمل بمعنى الرفق والرأفة، وعلى ما في الصحاح بمعنى التوفيق والعصمة. وقيل: بمعنى الهداية. وأما بالضم فمعناه دق وصغر والألطف ما قال بعضهم من أن اللطف في اللغة الرقة وهو من الله تعالى زيادة بره للأنام بأمور تدق عن الأفهام منها هدايتهم للإيمان والإسلام وتوفيقهم لطاعاته ومراعاة الأحكام وكفهم عن المعاصي والآثام وتيسير أسباب الراحات

стр. 15

الدنيوية والأخروية عليهم ودفع المضار المانعة عنهم وجلب المنافع اليهم ثم التقوى هو التوقي عن مخالفة المولى (الّذين، شرّفهم) أي الله تعالى كما في نسخة (الله بنزل قدسه) بضمتين ويسكن الثاني فيهما إلا أن السكون في الثاني أقل وفي الأول أكثر ثم النزل ما يهيأ للضيف من الكرامة لأنسه، وقيل: النزل المنزل وبه فسر قوله تعالى: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، وقد جزم المحشي بأنه مراد المصنف هنا والظاهر أنه لا منع من الجمع كما أشار إليه صاحب القاموس النزل بضمتين المنزل وما هيىء للضيف أن ينزل عليه كالنزل، والمعنى بالنزل الحال المقدس عن الدنس، وفي نسخة بنور قدسه وهو أظهر معنى، لأن المراد به وبما بعده مقامات العارفين في الدنيا، وان كانت سبب درجات في العقبى فلا يلائم تفسير نزل قدسه بالجنة لنزاهتها عن الكدورات الدنيوية كما اختاره الدلجي، ثم قال: ويجوز أن يريد به ما يهيأ لهم من الطعام إذا دخلوها الوارد به نزل أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وأما ما هو في وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا فحال من ضمير تدعون تلويحا بأن ما يتمنونه بدعائهم بالنسبة إلى عطائهم مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف (وأوحشهم) من الوحشة ضد الأنسية. يقال: أوحشه فاستوحش أي جعلهم ذوي وحشة (من الخليقة) وفي نسخة من بين الخليقة (بأنسه) لأن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس، ولا يمكن دفع العوائق إلا بقطع العلائق، فالمعنى أبعدهم الله تعالى عن الخليقة وقرّبهم منه على مراعاة الشريعة والطريقة والحقيقة فيكونون كائنين بائنين قريبين غريبين عرشيين فرشيين مع الخلق في الصورة ومع الحق في السريرة كما هو دأب الأنبياء وعادة الأولياء به آنسون ومن غيره آيسون (وخصّهم من معرفته) أي جعلهم أهل الخصوص من أجل معرفته، وفي نسخة بمعرفته أي جعلهم مخصوصين بها بحيث لا يلتفتون إلى معرفة غيره أصلا (ومشاهدة عجائب ملكوته) فعلوت من الملك بزيادة الواو والتاء للمبالغة وفرق بين الملك والملكوت إذا اجتمعا بأن يخص الأول بظاهر الملك والثاني بباطنه أو الأول بالعالم السفلي والآخر بالعالم العلوي، قال الله تَعَالَى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وقال : فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ومعنى المشاهدة المعاينة، وأغرب التلمساني حيث فسرها بالحضور مع قوله مصدر شاهد بمعنى رأى ثم العجائب جمع عجيب وهو ما يتعجب فيه من الأمر الغريب (وآثار قدرته) أي من مطالعة مصنوعاته (بما ملأ قلوبهم حبرة) بفتح المهملة وسكون الموحدة أي مسرة من الحبور وهو السرور، وقيل معناها النعم والكرامة ومنه قوله تعالى: فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ أي ينعمون ويسرون ويكرمون، ثم الجار متعلق بخص أو بالمشاهدة، وما مصدرية أو موصولة وقلوبهم مفعول به وحبرة مفعول ثان كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حق الكفار يوم الأحزاب ملأ الله قبورهم نارا أو منصوب بنزع الخافض وإيصال الفعل كقوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ. وقيل: منصوب على التمييز. وأما ما ذكره التلمساني من أنه يقال بفتح الباء الموحدة وتسكينها فوهم لأن الفتح إنما جاء بدون التاء على

стр. 16

ما في القاموس نعم الحبرة هي سرور ظهر حبره أي أثره على وجوههم فكساها بهاء وجمالا. ففي الحديث: «يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره بكسرهما وقد يفتحان أي بهاؤه وجماله (وولّه) بالتشديد (عقولهم) أي جعلها والهة بتدبرها وتفكرها (في عظمته) وفي نسخة من عظمته (حيرة) أي ذوات تحير بما غشاها من ضياء جمال وبهاء كمال. وفي نسخة ووذر عقولهم أي تركها متحيرة ولا يخفي صنعة التجنيس بين حبرة وحيرة (فجعلوا همّهم به) أي بالله ودينه قائمين بحقوق ألوهيته ووظائف عبوديته (واحدا) أي هما واحدا إشارة إلى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله تعالى هم الدنيا والآخرة. والمراد بالهم هنا القصد والهمة والعزم والجزم التام ولا يبعد أن يكون بمعنى الحزن الموجب للاهتمام في سبيل الله أو بسبب دينه، فالضمير له سبحانه وأبعد التلمساني في جعل الضمير للوله المفهوم من وله (ولم يروا) أي لم يعتقدوا أو لم يبصروا (في الدارين غيره مشاهدا) بضم الميم وفتح الهاء أي مشهودا لأنه كما قال بعض العارفين من أرباب الأسرار ليس في الدار غيره ديار وقال آخر من أصحاب الشهود سوى الله والله ما في الوجود وزاد أبو يزيد على من سواه. وقال: ليس في جبتي غير الله ومن هذا المقام المحقق الحسين ابن منصور الحلاج نطق وقال: أنا الحق، وقال مجنون بني عامر في هذا المعنى: أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا فهذا مقام وحال لأرباب الكمال بلا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ولا انفصال، ويؤيد هذا المقال قول الملك المتعال كل شيء هالك إلا وجهه ويقويه ما ورد عن النبي النبيه ﵊ أصدق كلمة قالها لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وفي نسخة بكسرة الهاء وهو لطيف جدا موافق للفظ واحدا فإنه يفيد بانضمام الفتح لأرباب الفتوح انه شاهد ومشهود كما أنه حامد ومحمود قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وفهم كل طائفة مذهبهم كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ لعل بعض أرباب النسخ استنكر لفظ مشاهدا فأسقطه مع انه لم يتم بدونه التسجيع بقوله واحدا وكأنهم اكتفوا بلفظ غيره حالة وقفه (فهم بمشاهدة جماله وجلاله يتنعّمون) وفي أصل التلمساني يتمتعون أي يتعيشون والمعنى انهم بمطالعة صفات انعام ولائه ونعوت بلائه وابتلائه يتلذذون فاستوى عندهم المنحة والمحنة في ثبوت كمال المحبة خلافا للناقصين في المودة على ما أخبر الله تعالى في حقهم من الحرف بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ وفي هذا الحال قال بعض أرباب الكمال: وليس لي في سواك حظ ... فكيف ما شئت فاختبرني وفي القضية إشارة خفية إلى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم إن قلوب بني آدم بين

стр. 17

اصبعين من أصابع الرحمن أي بين صفتي الجمال والجلال ونعتي البسط والقبض المعبر عنهما بالبقاء والفناء والتفرقة والجمع وأمثال ذلك من اصطلاحات الصوفية والسادات السنية وفي كثير من النسخ المصححة كماله بدل جماله وهو غير ملائم لمقابله لأن الكمال هو الجمع بين الجمال والجلال وقد يوجه بإتيان الأخص بعد الأعم والله تعالى أعلم. ثم لما ترقى إلى أعلى المقامات وهو مشاهدة الذات تنزل إلى ملاحظة الصفات فإن تلك الحالة العالية قد تكون لحظة ولمحة لا تستمر في الأزمنة الماضية فقال (وبين آثار قدرته) أي من صفات الأفعال (وعجائب عظمته) أي من صفات الذات، ولو قال وأنوار عظمته لكان له وجه حسن في بلاغته (يتردّدون) أي تارة إلى هذا ينظرون وأخرى بهذا ينتظرون بخلاف أهل الحجب والغفلة فهم في ريبهم يتحيرون (وبالانقطاع إليه) لقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (والتّوكّل عليه) لقوله عز وعلا: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (يتعزّزون) وفيه إشارة لطيفة إلى أنهم إلى غيره ما يتذللون لأنهم بما آتاهم الله تعالى يرضون ويقنعون (لهجين) بفتح فكسر أي حال كونهم مولعين ملازمين ومواظبين مداومين متمسكين (بصادق قوله) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي وبقوله الصادق المطابق (قُلِ اللَّهُ) أي موجودا ومعبودا ومشهودا وقل الله وليس في الكون سواه (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام: ٩٢] . أي اترك أهل الغفلة واللعب والاشتغال بما لا يعنيهم في دينهم وما لا يحملهم على الحضور مع ربهم حال كونهم في شروعهم في الباطل وهو ما سوى الحق يضيعون أعمارهم ويخربون آثارهم عبثا بلا فائدة عائدة في أمر أوليهم، وفي حال أخراهم، وهذا المعنى الذي أومى إليه الشيخ من الاشارات الصوفية لا ينافي ما ذكره المفسرون وأرباب العربية من أن لفظ الجلالة فاعل لفعل مقدر أو مبتدأ خبره محذوف لما يدل عليه السياق والسباق بالاتفاق لانه جواب عن سؤال تقدم في قوله تعالى في حق اليهود: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظموه حق عظمته أو ما عرفوه حق معرفته إذ قالوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ إلى أن قال: قُلِ اللَّهُ أي امتنعوا عن الجواب وعجزوا عن الكلام الصواب قُلِ اللَّهُ أي أنزل الكتاب. وفي هذا كفاية لأولي الألباب (فإنّك) سبق انه جواب أما والجملة الدعائية معترضة بينهما (كرّرت عليّ السّؤال) أي راجعته وأكثرته (في مجموع) أي في مصنف جمع فيه صنف من الشمائل النبوية ومؤلف اجتمع فيه نوع من الفضائل المصطفوية (يتضمّن التّعريف) أي يحتوي الاعلام (بقدر المصطفى ﵊ أي بتعظيمه كقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وتوهم الحلبي بأن المراد بالقدر هو المقدار، فقال: لو قال ببعض قدره لكان أحسن والمراد بالمصطفى المختار المجتبى والمرتضى لحديث أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بني هاشم وهذا بحسب النسب، وأما بطريق الحسب فلقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ولقوله

стр. 18

تعالى: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ولا شك انه الفرد الأكمل في هذا المعنى (وما يجب له من توقير) أي ويتضمن بيان ما يجب له من تعظيم واحترام (وإكرام، وما) أي وبيان أي شيء (حكم من لم يوفّ) بالتخفيف ويجوز التشديد أي من يكمل ولم يوفر (واجب عظيم ذلك القدر) الإضافة بيانية أي القدر الواجب من تعظيم ذلك القدر العظيم (أو قصّر) أي أو ما حكم من فرط (في حقّ منصبه) بفتح الميم وكسر الصاد أي مقامه (الجليل) بالجيم وهو الشريف المنيف (قلامة ظفر) بضم فسكون اختير للسجع وإلا فبضمتين هو الأفصح ويجوز بكسر الظاء وسكون الفاء أيضا وقد قرىء بهن في الآية لكن السكون مطلقا شاذ والقلامة بالضم ما يسقط من الظفر وهو كناية عن الشيء الحقير والأمر اليسير (وأن أجمع لك ما لأسلافنا) أي لعلمائنا المتقدمين (وأئمّتنا) أي لمشايخنا المتأخرين (في ذلك من مقال) أي فيما ذكر من وجوب تعظيم قدره والحكم فيمن صدر عنه بخلافه من الأقوال (وأبيّنه) أي المقال (بتنزيل صور، وأمثال) أي بتصوير صور وأمثال وتقرير محامل يزول به الاشكال إيضاحا للمعنى وإيصالا إلى الذهن في المبنى (فاعلم) أي ايقن وتنبه أيها المخاطب (أكرمك الله تعالى) أي كما قصدت إكرام النبي المكرم (أنّك حمّلتني) بتشديد الميم أي كلفتني بالحمل (من ذلك) أي الأمر الذي سألتني (أمرا، إمرا) بفتح الهمزة في الأول وكسرها في الثاني أي أمرا شاقا أو شيئا عظيما. وأما قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي عجبا أو منكرا (وأرهقتني) أي أوقعتني (فيما ندبتني) أي دعوتني (إليه عسرا) بضم فسكون وقد يضم أي أمرا عسيرا لا أقدر عليه من التحفظ عن السهو اليسير كما قيل في قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (وأرقيتني) أي أصعدتني وأطلعتني من الترقي بمعنى الصعود وهو يائي. وفي القاموس رقى إليه كرضى رقيا صعد كارتقى وترقى أو مهموز حيث قال رقا في الدرجة صعد لكن النسخ المصححة بالمركز تؤيد الأول فتأمل، والحاصل انهما لغتان والأول هو الأشهر في البيان، وأما قول التلمساني بهمزة ويسهل والهمزة أفصح، وقيل: التسهيل فيتوهم منه أن الأصل هو الهمزة وهو غير صحيح لأن التسهيل بمعنى الابدال غير مطابق لقواعد الاعلال فإنه إنما يكون على طبق ما قبله من الحركة كما لا يخفى على أرباب الكمال والله تعالى أعلم بالحال (بما كلّفتني مرتقى) بضم الميم مصدرا أي ارتقاء (صعبا) أي شديدا وليس كما توهم التلمساني بقوله وكان المعنى أرقيتني فارتقيت مرتقى صعبا أي محلا عسيرا حيث جعل المرتقى اسم مكان فاحتاج إلى تقدير فارتقيت والله تعالى أعلم (ملأ قلبي رعبا) بضم فسكون وقد يضم أي خوفا وفزعا ووقع في أصل التلمساني خوفا ورعبا، فقال معناهما واحد لكنه مخالف لسائر الأصول من النسخ المصححة، ثم الضمير في ملأ راجع إلى ما أو المرتقى، والثاني أقرب لكن يؤيد الأول قوله (فإنّ الكلام في ذلك) أي المكلف (يستدعي تقدير أصول) أي تمهيد قواعد مقررة (وتحرير فصول) أي تشييد فروع محررة مما يجب له صلى الله تعالى

стр. 19

عليه وسلم ويجوز ويمتنع كما سيأتي (والكشف) أي ويستدعي البيان (عن غوامض) جمع غامضة وهي ما لا يدرك إلا بعد روية (ودقائق) جمع دقيقة وهي أدق مما قبلها مما يدق فهمه في كل قضية (من علم الحقائق) بيان لما قبلها وهي جمع الحقيقة وهي الأمور الثابتة من الأدلة النقلية والعقلية وقد أبعد الحلبي والتلمساني في عطف الكشف على الكلام مع عدم ظهور خبره في المقام (ممّا يجب) أي اثباته (للنّبيّ ويضاف إليه) أي وجوبا (أو يمتنع أو يجوز) أي اطلاقه (عليه ومعرفة النّبيّ والرّسول) أي بالحدود الفارقة بينهما ومعرفة مجرورة معطوفة على مدخول عن أو من أو منصوبة على انها معمولة ليستدعي أيضا (والرّسالة والنّبوّة) بالجر لا غير والمراد بهما الحالان فهما مغايران لما قبلهما (والمحبّة، والخلّة) بضم الخاء وهما نعمتان كاملتان ما اجتمعتا في غير نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (وخصائص هذه الدّرجة العليّة) بالجر جمع خصيصة وهي ما يختص به الشخص والدرجة المنزلة والمرتبة والرفعة ودرجات الجنة أرفع منازلها والدرجات ضد الدركات وقد سومح في التسجيع بين العلية وما قبلها فإنه من الأمور الرسمية، ثم رأيت ابن السكيت قال العلية بفتح العين وكسر اللام وكسر العين وسكون اللام فتعين الثاني لموافقة المرام (وههنا) أي وفي هذه المواضع المذكورة فها للتنبيه وهنا اسم اشارة للمكان القريب (مهامه فيح) أي مفازات واسعة ومهامة بفتح الميم الأول وكسر الثانية جمع مهمة بفتحتين مفازة بعيدة وخلاء ليس فيه ماء والفيح بكسر الفاء جمع فيحاء بفتح ومد لا جمع أفيح كما توهمه التلمساني أي الأرض الواسعة (تحار) بفتح التاء أي تتحير (فيها) أي في سبيل معرفتها إفهام ذوي النهى كما قد تحار في سير المفازة المحسومة إذا سلكتها (القطا) وهو بفتح القاف مقصورا طير يضرب به المثل في كمال الهداية فيقال هو أهدى من القطا سمي بصوته، وقد قيل انه يترك فراخه ويطلب الماء مسيرة عشرة أيام وأكثر فيرده ويرجع فيما بين طلوع الفجر وظهور الشمس ولا يخطىء صادرا ولا واردا وهو اسم جنس وقول الجوهري على ما نقله الحلبي وغيره انه جمع قطاة فيه تجوز والحاصل أن القطا يعرف في المجاهل مظان المياه فلا يكاد يخطئها فإذا رأت الماء قالت قطا قطا فتعرف العرب دنو الماء ولهذا يقال فلان أصدق من القطا (وتقصر) بضم الصاد (بها) وفي نسخة فيها (الخطى) بضم ففتح جمع الخطوة بضم وفتح أي تعجز في تلك المفازة أو سيرها الخطوات من الاعياء (ومجاهل) بفتح الميم وكسر الهاء عطفا على مهامها وهو جمع مجهل للمكان الذي لا علم فيه يهتدي به (تضلّ) بفتح فكسر أي تضيع وتهلك (فيها الأحلام) بالفتح جمع الحلم بالكسر أي العقول (إن لم تهتد) أي الأحلام (بعلم علم) بفتح العين واللام في الأول وبكسر فسكون في الثاني أي بعلامة يعلم بها فالعلم بمعنى العلوم أو المراد به نوع من العلوم وأغرب الحلبي بقوله الظاهر أن المراد بالعلم الجبل وأبعد محش آخر بقوله المراد به الراية ولعل محمل كلامهما قصد الاستعارة بهما. وقال الدلجي من اضافة المشبه به إلى المشبه من التشبيه المؤكد أي بعلم

стр. 20

كالعلم (ونظر سديد) بين مهملة أي وبتأمل على صوب صواب (ومداحض) بالرفع أي مزالق (تزلّ) بفتح فكسر فتشديد (بها) أي بسببها أو فيها (الأقدام، إن لم تعتمد) أي الاقدام مجازا أو أصحابها (على توفيق من الله وتأييد) بياءين أي تقوية وإعانة على نيل المراد من التحقيق (لكنّي) أي مع هذا كله من صعوبة الحال ومزلة أقدام الرجال بحيث كاد قبولها أن يكون من المحال تحملت المقال وقبلت السؤال (لما رجوته) بكسر اللام وتخفيف الميم على أن اللام للعلة وما موصوفة أو موصولة وهو بصيغة المتكلم وفي نسخة بالخطاب وهو بعيد ولا يبعد أن يضبط لما بفتح اللام وتشديد الميم على الظرفية كما عليه جمهور القراء في قوله تعالى: لَمَّا صَبَرُوا إلا أنه يمنعه وجود من البيانية بعده والحاصل أن خبر لكن مقدر كما أشرنا إليه وقوله (لي ولك) متعلق برجوته (في هذا السّؤال، والجواب) أي بسببهما لف ونشر غير مرتب وقدم نفسه في الدعاء لأنه الأدب المستحب وقدم السؤال لأن وجوده مقدم على الجواب وشهوده (من نوال) بيان لما أي حصول حسن منال وطيب حال ومآل في الدنيا (وثواب) أي تحصيل جزاء وعطاء في العقبى (بتعريف قدره الجسيم، وخلقه العظيم) بضمتين ويسكن الثاني أي بسبب تبيينهما (وبيان خصائصه) أي فضائله المختصة (التي لم تجتمع قبل) أي قبل خلقه (في مخلوق) ومن المعلوم استحالة وجود مثله بعده (وما يدان) أي وبيان ما يطاع (الله تعالى به) أي ويتخذ دينا (فِي مَخْلُوقٍ، وَمَا يُدَانُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ من حقّه الذي هو أرفع الحقوق) أي بعد حق الحق (لِيَسْتَيْقِنَ) متعلق بتعريف أي ليثبت أو يتيقن (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي نبوته إيقانا يريد العلماء به (وَيَزْدادَ) أي بذلك (الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً) [المدثر: ٣١] . يريد العوام أو الأعم والله أعلم ثم قوله ليستيقن علة لقوله بتعريف قدره وبيان خصائصه. وأما قول التلمساني أي لكني أفعل لما رجوته وليستيقن فمخالف للنسخ المصححة حيث لم يوجد فيها الواو العاطفة (ولما) عطف على لما رجوته أي ولأجل ما (أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) أي من الميثاق. وفي نسخة مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي من العلماء (لَتُبَيِّنُنَّهُ) بفتح اللام على انه جواب للقسم الذي ناب عنه قوله أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أي استخلفهم والمعنى ليظهرن أمر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جميعه (لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) أي شيئا منه وهو المناسب للمقام أو الضمير للكتاب وهو مشتمل على المرام. وفي بعض النسخ بالخطاب فيهما وهو صحيح وقد قرأ بهما السبعة في الكتاب فالياء لغيبتهم والتاء حكاية لمخاطبتهم وتتمة الآية المقتبس منها فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا (ولما) أي وللحديث الذي (حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الفقيه ﵀ بقراءتي عليه) وهو هشام بن أحمد بن هشام بن خالد الأندلسي الوقشي بفتح الواو والقاف وبالشين المعجمة نسبة إلى وقش قرية من قرى طليطلة بالأندلس الكناني الفقيه الحافظ ولد سنة ثمان

стр. 21

وأربعمائة واشتغل بالفنون وقرأ على المشايخ ومهر في النحو والعربية واللغة وفنون الأدب واعتنى بالحديث. قال القاضي عياض كان غاية في الضبط والإتقان وله تنبيهات وردود على كبار المصنفين في بعضها يقال وكان له نظر في الأصول واتهم بالاعتزال وكان من المتسعين في ضروب المعارف وكان يعرف الفرائض والهندسة وغيرهما ومات في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة كذا ذكره الحلبي وقال التلمساني: وهو هشام بن أحمد بن هشام الهلالي يعرف بابن بقوة بالباء الموحدة المفتوحة والقاف الساكنة بعدها واو مفتوحة وتاء مقلوبة في الوقف هاء وهو إمام حافظ وشيخ من شيوخه الذين اعتمد على النقل عنهم في هذا الكتاب وغيره وكثرت الروايات عنه في أسانيد القاضي رحمه الله تعالى وتكرر السماع عليه ذكره الحافظ أبو محمد بن عبد الله الحجري وأبو العباس أحمد بن الزبير الثقفي وللقاضي رحمه الله تعالى شيخ آخر على نحو هذا الاسم هو القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد بن سعيد الكناني الوقشي الضابط صاحب كتاب غريب الموطأ جليل النفع كثير القدر والله تعالى أعلم (قال) أي هشام (حدّثنا الحسين بن محمّد) زاد في نسخة الجيآني بجيم مفتوحة فسكون تحتية فهمزة ممدودة فنون فياء نسبة وهو الحافظ أبو علي الغساني وستأتي ترجمته مبسوطة كذا ذكره الحلبي. وقال التلمساني له كتب مفيدة جدا توفي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (حدّثنا أبو عمر) بضم العين (النّمريّ) بفتح النون والميم نسبة إلى نمر بكسر الميم وهو أبو قبيلة وإنما فتح في النسب استيحاشا لتوالي الكسرات وهو حافظ الغرب، وشيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عامر النمري القرطبي الأندلسي الشاطبي ولد في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة وترجمته شهيرة وتصانيفه كثيرة، توفي بشاطبة ليلة الجمعة سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة، واستكمل خمسا وتسعين سنة وخمسة أيام. واعلم أنه وقع في أصل التلمساني زيادة. حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الشيباني التبريزي البغدادي مات في ذي الحجة سنة ثمان وستين وأربعمائة حتى قال الناس مات في هذه السنة حافظ المغرب يعنون أبا بكر الخطيب وأبا عمر رحمهما الله تعالى (حدّثنا أبو محمّد بن عبد المؤمن) أي القرطبي من قدماء شيوخ ابن عبد البر قال الذهبي في الميزان كان تاجرا صدوقا لقي ابن داسة والكبار كذا ذكره الحلبي. وقال التلمساني: يعرف ابن الزيات شيخ أبي عمر بن عبد البر روى عنه في المسند الكبير (حدّثنا أبو بكر محمّد بن بكر) أي ابن محمد بن عبد الرزاق بن داسة بمهملتين وتخفيف الثانية عند الجمهور بصري وهو أحد رواة أبي داود عنه مشهور الترجمة وقد روى عنه بالاجازة أبو نعيم الأصبهاني (حدّثنا سليمان بن الأشعث) وهو الإمام الحافظ صاحب السنن أبو داود السجستاني. قال أبو عبيد الآجري: سمعته يقول ولد سنة ثنتين ومائتين وكتب عنه شيخه أحمد بن حنبل حديث القتيرة وأراه كتابه فاستحسنه ومناقبه معروفة. قيل: الين الحديد لأبي داود كما الين الحديد لداود ﵊،

стр. 22

مات في سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة (حدّثنا موسى بن إسماعيل) وهو أبو سلمة التنودكي نسبة إلى تنودك دار اشتراها الحافظ روى عن شعبة وهمام وخلق وروى عنه البخاري وأبو داود. وقال عباس الدوري: كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين ثقة ثبت اخرج له الجماعة أصحاب الكتب الستة (حدّثنا حمّاد) وهو ابن سلمة بن دينار الإمام أبو سلمة أحد الأعلام. روى عن أبي عمران الجوني وغيره وروى عنه شعبة ومالك وغيرهما صدوق يغلط وليس هو في قوة مالك وأخرج له مسلم والأربعة كذا ذكره الحلبي. وقال التلمساني هو حماد بن زيد بن درهم يكنى أبا إسماعيل الأزرقي مولى لحرين حازم البصري الأزدي أخو سعيد مات سنة تسع وتسعين ومائة (أخبرنا عليّ بن الحكم) أي البناني البصري روى عن أنس وأبي عثمان النهدي وطائفة منهم نافع وعنه الحمادان وعبد الوارث وعدة اخرج له البخاري والأربعة (عن عطاء) أي ابن أبي رباح أبو محمد القرشي مولاهم المكي أحد الأعلام يروي عن عائشة وأبي هريرة وخلق. وعنه الأوزاعي وابن جريج وأبو حنيفة والليث وأمم. توفي وله ثمانون سنة، اخرج له الأئمة الستة كذا ذكره الحلبي. وقال التلمساني: هو ابن يسار أبو محمد مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵇، وهو هلالي مدني توفي سنة ثلاث ومائة (عن أبي هريرة، ﵁ وهو عبد الرحمن بن صخر على الأصح من بين نيف وثلاثين قولا وقد رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في كمه هرة فقال أبو هريرة فاشتهر به وقد بسطنا ترجمته في المرقاة شرح المشكاة والأوجه في وجه عدم انصراف هريرة في ابي هريرة هو أن هريرة صارت علما لتلك الهرة. ونقل التلمساني في كنيته أنه هل يجر أو لا قال أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني أنه يجر ورواه عن الأئمة المشارقة منهم ابن حجر يعني العسقلاني ونصره الشيخ أبو عبد الله بن مرزوق. وقال هريرة: اسم جنس مصروف أضيف إليه فهو على ما هو عليه وهو جزء اسم وجزء الاسم يجر وذكر لي بعض أصحابنا أن أبا الفضل هو الذي أفاد المشارقة صرفه فإنهم كانوا لا يجرونه فأبدى لهم علة الجر واستحسنوها وصوبوها وقال قوم إنه لا يجر وبه قال الشمني المشرقي وأبو عبد الله من شيوخنا وألف فيه وقال: إنه بعد التركيب حدث فيه المنع لأنه علم وفيه تأنيث وهما مانعان ومنه قوله في أبي خراشة: أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع وروى أبو شاة في قوله: فقال رجل يقال له أبو شاة واكتبوا لأبي شاة بالوجهين وهو كأبي هُرَيْرَةَ (- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم:) وهو سيد العالمين محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان على هذا النسب وقع اجماع الأمة وقد ضبطت هذه الأسماء في

стр. 23

رسالتي المسماة بالمورد في المولد وقد ولد صلى الله تعالى عليه وسلم بالشعب وقيل بالدار التي عند الصفا التي بنتها زبيدة مسجدا ( «من سئل عن علم) أي مما يتعين تعليمه وقيل الحديث ورد في الشهادة وقيل في تبليغ الرسالة عند الحاجة والأظهر أن المراد به العلم الشرعي كما قال به الحليمي وكثيرون ويؤيده حديث ابن ماجه من كتم علما مما ينفع الله به الناس في الدين ألجمه الله بلجام من نار والعلوم الشرعية ما يستفيدون من الكتاب والسنة من أصولها وفروعها ومقدماتها التي تتوقف على معرفتها بقدر الحاجة إليها دون التوغل فيها (فكتمه) أي بعد ما علمه (أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) أي عند قيامهم من قبورهم واللجام بالكسر ما تلجم به الدابة ليمنعها عن النفور شبه ما يوضع في فيه من نار بلجام في فم الدابة وهو إنما كان جزاء امساكه عن القول الحق وخص اللجام بالذكر تشبيها له بالحيوان الذي يسخر ويمنع من قصد ما يريده فإن العلم من شأنه أن يدعو الناس إلى الحق القويم ويرشدهم إلى الطريق المستقيم وقد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي، وقال الترمذي حسن وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم وصححه. وفي حديث ابن مسعود فكتمه عن أهله وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من كتم علما علمه الله أو أخذ عليه اجرا جيء به يوم القيامة ملجما بلجام من نار» وقال الشافعي: ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقط ظلم وسئل بشر عن هذا الحديث فقال إياي تعني دع هذا للجاج هنا حتى يأتي أهله فإن نشره في غير أهله كمنعه عن أهله. وروي عن أنس مرفوعا، قال: لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب يعني الفقه والعلم في ايدي الظالمين والمرائين وطالبي الدنيا. وعن أنس أيضا مرفوعا طلب العلم فريضة وواضع العلم في غير أهله كمعلق الجوهر واللؤلؤ على الخنزير. وروي مرفوعا أن عيسى ﵊ قام خطيبا في بني إسرائيل، وقال: لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها عن أهلها فتظلموهم ومما ينسب لعلي كرم الله تعالى وجهه: وناشر العلم بين الجاهلين به ... كموقد الشمع في بيت لعميان (فبادرت) عطف على الخبر المقدر لقوله لكني قبلت وما تأخرت بل أقبلت فبادرت (إلى نكت) بضم ففتح جمع نكتة وهي ما خفي إدراكه حتى يفتقر إلى تفكر ونكت في الأرض أي طعنها، وأما قول بعض هي كل نقطة من بياض في سواد وعكسه فليس في محله المراد أي إلى بيان لطائف (سافرة) بكسر الفاء أي مضيئة ومنيرة وموضحة ومبينة. وفي نسخة سافرة أي كاشفة (عن وجه الغرض) أي المطلب والمقصد (مؤدّيا من ذلك) أي حال كونه مؤديا من أجل ما ذكر (الحقّ المفترض) بفتح الراء (اختلستها على استعجال) ، وكان الأولى أن يقول الاستعجال ليلائم تعريف البال. وفي نسخة اختلسها بالمضارع المتكلم ووقع في نسخة اختلسوها بالواو أي المفروض من نشر العلم واظهاره لا سيما بعد السؤال وتكراره

стр. 24

وهو خطأ ظاهر ثم الاختلاس بالخاء المعجمة اختطاف الشيء بسرعة ففي الكلام تأكيد أو تجريد (لما) بكسر اللام علة للمبادرة أو الاختلاس وما موصولة أي الأمر الذي (المرء بصدده) أي في سبيله مما استقبله (من شغل البدن والبال) ، أي من الاشتغال المتعلق بالقالب والقلب والمال والحال وحسن المآل ثم الشغل بضمتين وبضم فسكون وقرئ بهما في السبع وبفتح فسكون وقيل بفتحتين ضد الفراغ والبال بالموحدة القلب والحال ويصح ارادة كل منهما خلافا لما قاله الحلبي من أن المراد به الأول لذكر البدن (بما طوقه) أي الإنسان كما في نسخة صحيحة هو بضم طاء وكسر واو مشددة أي بسبب ما حمله الله وكلفه وفي نسخة صحيحة بما قلده الإنسان أي ألزمه كالطوق في عنقه (من مقاليد المحنة) أي مفاتح المشقة والبلية (التي أبتلي بها) بصيغة المجهول والظاهر أنه أراد بالمحنة جميع الأمور التكليفية والحوادث الكونية النازلة على الافراد الإنسانية والحلبي حملها على محنة مباشرة الأحكام والقضاء وأورد حديث من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين رواه أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال الترمذي حسن غريب وقال الحاكم: صحيح الإسناد وفي رواية للنسائي من استعمل على القضاء فكأنما ذبح بالسكين وقال التلمساني أراد المصنف بذلك كونه في حيطة القضاء التي هي محنة وبلية كما قال بعضهم (فكادت) أي قربت مقاليد المحنة (تشغل) أي الإنسان (عن كلّ فرض، ونفل) وهو بفتح التاء والغين وأما أشغل فهو لغة جيدة أو قليلة أو رديئة على ما في القاموس، (وتردّ) أي وكادت ترد السالك (بعد حسن التّقويم) أي باستقامته على الطريق القويم (إلى أسفل سفل) وهو بضم السين وكسرها ضد العلو والمعنى إلى قبح التنزل بارتكاب الفعل الذميم إيماء إلى قوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أي من الفطرة المستقيمة ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ أي من ارتكاب المعصية إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ يعني وهم في أعلى عليين وثوابهم، غير مقطوع في كل زمان وحين، (ولو أراد الله بالإنسان) أي بفرد من هذا الجنس وفي نسخة بعبده (خيرا) أي في تحصيل كماله وتحسين مآله (لجعل شغله) أي جعل اشتغال خاطره (وهمّه) أي ما يهم به الإنسان ويروى ووهمه أي باله يعني اهتمام باله (كلّه، فيما يحمد) بصيغة المعلوم أي في فعل مأمور وترك منهي مما يمدحه الإنسان (غدا) أي يوم القيامة (أو يذمّ) أي مما يكره السالك (محلّه) بفتح الحاء ويجوز كسرها والحاصل أن يكون شغله وهمه في بيان الامر الممدوح والمذموم بأن يرتكب الأول ويجتنب الثاني وقال الشمني أي فيما يحمد بفعله واجبا كان أو نفلا أو فيما يذم بتركه وهو الواجب انتهى وبعده لا يخفى وفي نسخة صحيحة ولا يذم بصيغة المجهول فيه وفيما قبله وهو ظاهر جدا ومحله مفعول ليحمد ويذم على التنازع خلافا للتلمساني حيث جعل العائد على الموصول فيما يحمد منصوبا محذوفا وأما بناء الفعلين على صيغة المجهول ورفع محله كما قاله الدلجي فمخل للتسجيع بقوله كله؛ (فليس ثمّ) بفتح فتشديد ويوقف عليه بلا هاء السكت كما في قوله تعالى وَإِذا

стр. 25

رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ وقال التلمساني ولك الإتيان بهاء السكت وهو الأكثر أي هناك غدا (سوى حضرة النّعيم) أي حضوره وفيه إشارة إلى قوله تعالى وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً وفي نسخة صحيحة نضرة النعيم واقتصر عليه التلمساني اشعارا إلى قوله تعالى تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي بهجته وحسنه وابعد من قال إنه من إضافة الشيء إلى نفسه ويمنعه البصري ويجوزه الكوفي على ما ذكره التلمساني. (أو عذاب الجحيم) أي لانحصار المنزلتين كما قال الله تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ؛ (ولكان) عطف على لجعل (عليه) أي لوجب عليه الاشتغال (بخويّصته) بضم ففتح فسكون فمشددة تصغير خاصة والمراد بها نفسه أو الأمر الذي يختص به من المهمات الدينية والدنيوية وروي بخويصة نفسه وقد قيل المراد بها الموت وفيه إيماء إلى قوله تعالى عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وإلى ما ورد عليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ومن غريب ما وقع أن بعض الناصحين قال لمن كان في صدد أن يكون من السلاطين عليك بخويصة نفسك فلما تولى بعد مدة من الزمان قال اقتلوه فإن صفير صاده في اذني إلى الآن، (واستنقاذ مهجته) بضم الميم أي استخلاص روحه مما يرديه، (وعمل صالح يستزيده) أي الإنسان بأن يجعل ذلك العمل سببا لزيادة درجته، (وعلم نافع) أي شرعي (يفيده) أي لغيره فيكون معلما (أو يستفيده) بنفسه بأن يكون عالما أو من غيره فيكون متعلما (جبر الله تعالى صدع قلوبنا) أي أصلح الله كسرها بما اعتراها من طوارق محن وبوارق احن، (وغفر عظيم ذنوبنا) أي ومحا عيوبنا العظيمة وسترها (وجعل جميع استعدادنا) أي عدتنا في أمر زادنا، (لمعادنا) أي ليعود نفعه لنا في مرجعنا وآخر أمرنا، (وتوفّر دواعينا) أي وجعل تكثير مكاسبنا ومطالبنا (فيما ينجينا) من الانجاء أو التنجية أي فيما يخلصنا وفيه إيماء إلى الدعاء المأثور لا تجعل الدنيا أكبر همنا وفي نسخة بفتح الفاء في توفر على أنه جملة دعائية معطوفة على ما قبلها من الجمل ولو روي بصيغة المضارع المعلوم لناسب قوله: (ويقرّبنا إليه زلفى) ، أي تقريبا خاصا وفي التنزيل ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى قال البيضاوي زلفى مصدر أو حال واغرب التلمساني في قوله إنه جمع مفرده زلفة إذ الصواب إن جمع زلفة ككلف جمع كلفة (ويحظينا) بضم أوله وكسر الظاء المعجمة أي يرفع قدرنا ويخصنا بالمنزلة العلية والمرتبة الحظية (بمنّه) أي بسبب امتنانه وهو متعلق بيحظينا ويقربنا أيضا وأبعد التلمساني في قوله أي متوسلين بمنه (ورحمته) . أي بإحسانه والمعنى أنه لا يعاملنا باعمالنا ولعل الجمل المضارعية أحوال من الجمل الدعائية (ولمّا نويت تقريبه) ، أي وحين أردت تقريب التصنيف إلى عالم وجوده بفضل الله وجوده (ودرّجت تبويبه) ، بتشديد الراء أي جعلت تبويبه مرتبا ومدرجا يعني درجة في التأليف (ومهّدت تأصيله) بتشديد الهاء أي صيرت أصوله ممهدة مؤسسة واغرب التلمساني حيث قال مهدت أي فرشت وتأصيله أي تفريقه (وخلّصت تفصيله) ، أي وجعلت فصوله مبينة معينة (وانتحيت) أي وقصدت (حصره وتحصيله) أي تبيينه في الأمور التي ذكرها قال التلمساني وفي رواية بالخاء

стр. 26

المعجمة والباء الموحدة من الانتخاب وهو التصفية إلا أن الرواية الأولى أظهر من الثانية قلت بل لا يظهر له معنى أصلا لقوله انتخبت حصره فهو تصحيف وتحريف بلا شبهة. (ترجمته) جواب لما أي سميته: (بالشّفاء) وهو بكسر الشين ممدودا وقصر وقفا أو مراعاة للسجع بقوله (بتعريف حقوق المصطفى) وقد أجازوا للناثر ما يجوز للشاعر من الضرائر وقصر الممدود سائغ اتفاقا وأجاز عكسه الكوفيون ومنعه البصريون حجة الأولين: فلا فقر يدوم ولا غنا ورد بأن الرواية الصحيحة: فلا فقري يدوم ولا غناكا وأغرب الحلبي في نقل كلام ابن مرزوق بقوله ويقال إنه قصره لأن هذا الكتاب يقصر عن حقوقه صلى الله تعالى عليه وسلم والله أعلم. (وحصرت الكلام فيه) أي في هذا الكتاب (في أقسام أربعة) وفي نسخة أربعة أقسام وهذا بيان بعد الإجمال والله أعلم بالحال (القسم الأول) : بكسر القاف وهو النصيب والجزء وأما بالفتح فهو مصدر قسمت الشيء (في تعظيم العليّ الأعلى) من باب إضافة المصدر إلى فاعله أي الله ، (لقدر هذا النّبيّ) صلى الله تعالى عليه وسلم زيد في نسخة الكريم والأولى وجود المصطفى (قولا وفعلا) كما سيأتي كذلك، (وتوجّه الكلام) بصيغة الماضي أي انحصر (فيه) أي في القسم الأول ولا يبعد أن يكون مصدرا مبتدأ خبره قوله (في أربعة أبواب الباب الأول) أي من القسم الأول (في ثنائه تعالى) أي حسن ذكره (عليه، وإظهاره عظيم قدره) أي مرتبته (لديه) وهو مع مراعاته للسجع أخص من عنده على ما قاله النحويون من أن عنده يجوز أن يكون بحضرته وفي ملكه وأما لديه فمختص بالحضرة، (وفيه عشرة فصول) سيأتي تفصيلها (الباب الثاني) أي من القسم الأول (في تكميله تعالى له المحاسن) أي المناقب الصورية والمعنوية جمع حسن على غير قياس وكأنه جمع محسن (خلقا) بالفتح (وخلقا) بضمتين وبسكون الثاني وقدم الأول لسبق وجوده الناشىء منه إظهار كرمه وجوده، (وقرانه) بكسر القاف أي وفي مقارنته وجمعه (جميع الفضائل الدّينيّة والدّنيويّة) بحذف الألف عند مباشرة ياء النسبة والمراد بها الفضائل الدنيوية التي تنتفع في الأمور الأخروية وإلا فقد قال أنتم أعلم بأمور دنياكم ثم الدنيا على ما قاله المصنف في مشارق الأنوار اسم لهذه الحياة لدنوها من أهلها وبعد الآخرة عنها انتهى وقيل لدناءتها، (فيه) أي في حقه (نسقا) بفتحتين أي جمعا متتابعا ولا معنى لقول التلمساني هنا أي عطفا وتبعا ولقد أجاد الدلجي حيث أفاد أي مناسبا بعضها بعضا مستوية في كمالها كجواهر منتظمة في نظام واحد زيادة لجمالها، (وفيه سبعة وعشرون فصلا) قال التلمساني بل ستة وعشرون فصلا أقول ولعله أتي بالسابع فضلا. (الباب الثالث) أي من القسم الأول من الكتاب (فيما ورد من صحيح الأخبار) أي الأحاديث والآثار، (ومشهورها) أي مشهور الأخبار عند الاخيار (بعظيم قدره عند ربّه. ومنزلته) أي مكانته وهو عطف تفسير لعظيم

стр. 27

قدره، (وما خصّه) أي الله تعالى كما في نسخة يعني وبما جعله مخصوصا (بِهِ فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَفِيهِ، اثْنَا عشر فصلا) هكذا في النسخ كلها التي عليها الرواية والتصحيح والمقابلة والذي في هذا الباب من الفصول خمسة عشر ولعله أراد بالاثني عشر فصولا مهمة وبزيادة الثلاثة مكملة ومتممة وهذا ملخص كلام التلمساني (الباب الرّابع) أي في القسم الأول (فيما أظهره الله تعالى على يديه) أي بسببه (من الآيات) ، أي العلامات التي هي خوارق العادات (والمعجزات) وهي تخص بالتحدي (وشرّفه به من الخصائص، والكرامات) ، تعميم بعد تخصيص وإيماء إلى أن كرامات أولياء أمته بمنزلة معجزاته وفي مرتبة كراماته (وفيه ثلاثون فصلا) قال التلمساني الذي فيه من الفصول تسعة وعشرون ولعله عد ما صدر من الباب إلى الفصل فَصْلًا. (الْقِسْمُ الثَّانِي: فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَنَامِ) قال المحشي: فيه أقوال فقيل كل من يعتريه النوم وقيل الأنام الأناس وقيل الانام المخلوقات قلت يرد القوم الأول أنه مهموز لا معتل العين ففي القاموس الانام كسحاب الخلق أو الجن والإنس أو جميع ما على وجه الأرض انتهى ولعل الخلق خصه بالحيوانات أولا ولا يخفى أن المعاني الثلاثة محتملة في قوله تعالى وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وأما هنا فيراد به الإنس والجن أو جميع الخلق على القول بأنه بعث إلى الخلق كافة كما في رواية مسلم فيجب على كل فرد من المخلوقات ما يناسبه في كل مقام (من حقوقه ﵊، ويترتّب القول) قال التلمساني أي يتمكن والظاهر أن المعنى يجيء الكلام مرتبا (فيه) أي في هذا القسم (في أربعة أبواب الباب الأوّل) أي في القسم الثاني: (في فرض الإيمان به) أي في بيان كون الإيمان به فرضا عينيا على جميع الأعيان، (ووجوب طاعته) أي في سائر ما أمر به ونهى عنه، (واتّباع سنّته) أي متابعة طريقته أي قولا وفعلا وتخلقا، (وفيه خمسة فصول) قال التلمساني بل هي أربعة والعذر تقدم. (الباب الثّاني) أي من القسم الثاني، (في لزوم محبّته، ومناصحته) أي مصادقته وموافقته ومخالصته، (وفيه ستّة فصول) بل هي خمسة. (الباب الثّالث) أي من القسم الثاني (في تعظيم أمره) أي شأنه أو حكمه، (ولزوم توقيره) أي تعظيمه ونصره، (وبرّه) أي زيادة إحسانه وعدم مخالفته فإنه فوق منزلة الأب وفي قراءة شاذة وهو أب لهم فيجب بره ويحرم عقوقه ولو في أمر مباح في حده وقيل طاعته، (وفيه سبعة فصول) بل ستة. (الباب الرّابع) أي من القسم الثاني (فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالتَّسْلِيمِ، وَفَرْضِ ذَلِكَ) بالجر أي وفي بيان فرض ما ذكر (وفضيلته) أي وفي ثواب ما ذكر وزيادة فضله (وفيه عشرة فصول) بل تسعة. (القسم الثّالث فيما يستحيل) أي لا يمكن وجوده (في حقّه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي عقلا ونقلا (وما يجوز عليه شرعا) أي قولا وفعلا، (وما يمتنع) أي في الجملة وما لا يجوز عليه شرعا، (ويصحّ) أي وما يصح (من الأمور البشريّة أن يضاف) أي ينسب خلاصة فائدتها (إليه وهذا القسم) أي الثالث- (أكرمك الله) جملة اعتراضية بين المبتدأ وخبره وردت دعاء لمن خوطب به كما في قوله:

стр. 28

إن الثمانين وبلغتها ... قد احوجت سمعي إلى ترجمان وقد يرد الاعتراض للتنزيه كما في قوله تعالى وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ أو للتنبيه في مثل واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا (هو سرّ الكتاب) أي خلاصته، (ولباب ثمرة هذه الأبواب) أي أبواب هذا القسم كما ذكره الدلجي والصواب أبواب هذا الكتاب والمعنى أنه زبدة نتيجتها وخلاصة فائدتها، (وما قبله) أي من القسمين (له كالقواعد) جمع القاعدة وهي الاساس في المنقولات والمعقولات من قوانين كلية مشتملة على مسائل جزئية، (والتّمهيدات) أي التوطئات، (والدّلائل) أي وكالدلائل العقلية والنقلية (على ما نورده فيه) أي في حقه ما يجب ويستحب ويباح ويحرم وغير ذلك مما يعزر قائله أو يؤدب (من النّكت البيّنات) أي اللطائف الواضحات، (وهو) أي هذا القسم الثالث أيضا (الحاكم على ما بعده) أي من القسم الأخير. (والمنجز) بصيغة الفاعل مخففا أي وهو الموفي (من غرض هذا التّأليف وعده) أي الذي سبق وعده، (وعند التّقصّي) بالقاف بمعنى الاستقصاء والتتبع أي وعند بلوغ المقصد الأقصى (لموعدته) بفتح الميم وكسر العين والتاء فيه للوحدة وهو بمعنى الموعد والمراد به المصدر وإن كان يصلح أن يكون زمانا أو مكانا وقيل الموعدة اسم للعدة (والتّفصّي) بالفاء أي التخلص والتفلت (عن عهدته) أي التزامه وتحمله، (يشرق) بفتح الياء والراء أي يضيق، (صدر العدوّ) أي قلبه واغرب التلمساني بقوله هو مقدم كل شيء وأوله (اللّعين) ، أي الملعون حسدا منه والمراد بالعدو الجنس أو ابليس واقتصر عليه التلمساني والأول أظهر واتم لشموله كل كافر كما يدل عليه مقابلته بالمؤمن في قوله (ويشرق) بضم أوله وكسر الراء أي يضيء ويستنير (قلب المومن باليقين) قيد مخرج للمنافقين وفي الكلام تجنيس تحريف، (وتملأ أنواره) أي أنوار يقينه (جوانح صدره) بفتح الجيم وكسر النون جمع جانحة أي اضلاعه التي تحت الترائب مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر والمراد الإحاطة بجميع جوانب صدره، (ويقدر) بضم الدال وقول التلمساني بضم وبكسر ليس في محله أي يعظم أو يعرف (العاقل) بالمهملة والقاف وفي نسخة بالمعجمة والفاء، (النّبيّ حقّ قدره) أي حق عظمته أو حق معرفته. فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم ولذا قال بعض العارفين الخلق عرفوا الله تعالى وما عرفوا محمدا ﷺ (وليتحرّر) أي يتلخص ويتخلص (الكلام فيه في بابين الباب الأوّل) أي من القسم الثالث (فيما يختصّ بالأمور الدّينيّة، ويتشبّث) أي يتعلق (به القول في العصمة) وهي خلق الله تعالى الامتناع من المعصية والأمور الدنية (وفيه ستّة عشر فصلا) هذا صحيح ليس فيه اعتراض أصلا. (الباب

стр. 29

الثّاني) أي من القسم الثالث (في أحواله الدّنيويّة، وما يجوز طروّه) بضمتين فسكون واو فهمز وفي نسخة بالادغام أي وقوعه وحدوثه (عليه من الأعراض البشريّة) أي من العوارض الإنسانية فإن الأعراض جمع عرض بفتحتين وهو ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه من السهو والنسيان ثم اعلم أن صاحب القاموس ذكر مادة طرأ مهموزا ومغتلا وعلى تقدير الهمزة يجوز الابدال والادغام (وفيه تسعة فصول) بل ثمانية. (القسم الرّابع في تصرّف وجوه الأحكام) أي تنوع أنواعها من مسائلها ونوازلها (على من تنقّصه) أي من عد فيه نقصا أو تكلم بما يتضمن نقصه (أو سبّه) تخصيص بعد تعميم أي شتمه، ﵊ وفي معناه سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (وَيَنْقَسِمُ الْكَلَامُ فِيهِ فِي بَابَيْنِ الْبَابُ الْأَوَّلُ) أي من القسم الرابع (في بيان ما هو في حقّه كسب ونقص) تعميم بعد تخصيص (من تعريض) أي كناية وتلويح (أو نصّ) أي ظاهر وتصريح وقال محش نص عليه إذا عينه وعرض إذا لم يذكره منصوصا عليه بل يفهم الغرض بقرينه الحال (وفيه عشرة فصول) بل تسعة. (الباب الثّانيّ) أي في القسم الرابع (في حكم شانئه) بهمز بعد النون أي مبغضه ومنه قوله تعالى إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، (ومؤذيه) بالهمز ويجوز ابداله أي مضره وهو اخص مما قبله وبعده وهو قوله، (ومشقصه) وفي نسخة متنقصه، (وعقوبته) أي وفي بيان عقابه وجزائه في الدنيا (وذكر استتابته) أي طلب توبته (والصّلاة) أي وذكر صلاة الجنازة (عليه ووارثته) أي من المسلم أو المسلم منه، (وفيه عشرة فصول) قال الحلبي هكذا في الأصول لكن بخط مغلطاي أن صوابه خمسة يعني عوض عشرة. (وختمناه) أي القسم الرابع (بباب ثالث: جعلناه تكملة) أي تكميلا (لهذه المسألة ووصلة) بضم الواو أي توصيلا (للبابين اللّذين قبله) أي من القسم الرابع (في حكم من سبّ الله تعالى) متعلق بالباب الثالث (ورسله) وكذا حكم انبيائه (وملائكته، وكتبه) أي المنزلة، (وآل النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وصحبه) عموما أو خصوصا (واختصر الكلام) بصيغة المجهول الماضي وفي نسخة بصيغة المتكلم وفي أخرى واختصرنا الكلام أي بالاقتصار على المقصود (فيه) أي في هذا الباب (في خمسة فصول) بل في عشرة فصول على ما ذكره التلمساني وقال الحلبي هكذا وقع أيضا في الأصول وصوابه عشرة فصول لأنه فيما يأتي ذكره عشرة. (وبتمامها) أي بإتمام فصول هذا الباب الثالث من القسم الرابع (ينتجز الكتاب) أي ينقضي وينتهي، (وتتمّ) أي وتكمل (الأقسام) أي الأربعة، (والأبواب) أي الثلاثة عشر جميعها وهو كالتفسير لما قبله، (وتلوح) أي تضيء وتظهر به (في غرّة الإيمان) أي بياض جبهته ومقدمه طلعته (لمعة) بالضم أي قطعة (منيرة) أي منورة لمن اطلع عليها وقد يقال الغرة استعيرت للشرف والشهرة، (وفي تاج التّراجم) بكسر الجيم أي ويلوح في تاج تراجم الإيقان، (درّة خطيرة) أي ذات خطر وقدر ويعني جوهرة نفيسة أو لؤلؤة ليس لها قيمة لمن وقع يده عليها ثم كل من لمعة ودرة مرفوعة على الفاعلية لأن لاح فعل لازم ففي القاموس الاح بدا والبرق

стр. 30

أومض كلاح وجعل التلمساني ضمير يلوح إلى الكتاب المتقدم ذكره وانتصابهما على الحال (تزيح) استئناف مبين أو جملة حالية من الازاحة أي تزيل اللمعة وفي معناها الدرة (كلّ لبس) ، بفتح فسكون أي إشكال وخلط وشبهة وخبط (وتوضح) أي تكشف وتظهر (كلّ تخمين) أي قول من غير تحقيق، (وحدس) أي صادر عن ظن ووهم وهو قد سقط من أصل المؤلف على ما قاله بعضهم لكن لا بد من ذكره لتمام السجع وهما بمعنى واحد، (وتشفي صدور قوم مؤمنين) عطف على تلوح وفي نسخة بحذف الياء ولعله قصد التلاوة لكنه مع ما بعده بصيغة التأنيث في نسخة صحيحة (وتصدع بالحقّ) أي تجهر به وتظهره (وتعرض عن الجاهلين) أي تتركهم إيماء إلى قوله فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، (وبالله تعالى- لا إله) أي توكلنا إذ لا معبود بحق موجود (سواه) أي غيره الجملة معترضة حالية (أستعين) أي أطلب المعونة به لا بغيره من المخلوقين بقوله تعالى إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي نخصك بالاستعانة لأن غيرك عاجز عن الاعانة وفي نسخة وبالله لا سواه أستعين لا إله إلا هو الملك الحق المبين.

стр. 31

القسم الأول [في تعظيم العلي الأعلى جل وعلا] (في تعظيم العليّ الأعلى) أي رفعة ورتبة (لقدر النّبيّ المصطفى) وفي نسخة بحذف النبي ووجوده أولى كما لا يخفى (قولا) ورد به القرآن الكريم والفرقان القديم (وفعلا) من معجزات باهرة وآيات ظاهرة ونصبهما بنزع الخافض. (قال الفقيه) على ما في نسخة (القاضي الإمام) على ما في أخرى (أبو الفضل رحمه الله تعالى) ففيه إشعار بأنه ملحق من كلام غيره وفي نسخة صحيحة وفقه الله وسدده ففيه تصريح بأنه من كلام نفسه لكن لا يلائمه حينئذ وصف الإمام (لا خفاء) بفتح الخاء أي لا يخفى (على من مارس) أي لازم ودارس (شيئا) أي قليلا (من العلم، أو خصّ) بصيغة المجهول أي خصه الله تعالى من بين العوام (بأدنى لمحة) بفتح اللام وهي النظرة الخفية ويروى لحظة وأما قول التلمساني هي بضم أوله أي شيء قليل من النظر وأصله من لمح البصر وهو نظر لا تردد فيه واللمحة بالفتح المرة وهو الأولى ههنا لأنه إذا كان يفهم ذلك مرة فيظهر فذو المرار أولى وأشهر فهو كلام غير محرر إذ ضم اللام غير مشتهر فتدبر (من الفهم) ويروى من الفهم وهو أظهر، (بتعظيم الله قدر نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) الباء ظرفية متعلقة بخفاء وقدر منصوب على المفعولية (وخصوصه إيّاه) أي وتخصيص الله تعالى نبينا (بفضائل) أي بزوائد من الكرامات، (ومحاسن) أي ومستحسنات من الاخلاق المكرمات، (ومناقب) أي وبنعوت وصفات كثيرات من الكمالات العلمية والعملية التي أسناها معرفة الله من حيث الذات والصفات، (لا تنضبط) أي لا تجتمع لكثرتها ولا تنحصر ولا تدخل تحت ضبط (لزمام) بكسر الزاي قال التلمساني يروى بالباء واللام انتهى لكنه في النسخ المصححة باللام فقط أيّ لضابط يرى ضبطها ويقصد ربطها ويجتهد في احصائها ويتوهم إمكان استقصائها وهو مستعار من زمام الناقة وهو ما يجعل في حلقة مسلوكة في انفها لحصول انقيادها، (وتنويهه) أي وبرفع ذكره ومن تبعيضية وأبعد الدلجي في قوله من زائدة (من عظيم قدره) أي من قدره العظيم وفي نسخة صحيحة من عظم قدره وفي أخرى بعظيم قدره (بما تكلّ) بفتح فكسر فتشديد أي بما تعجز وتعي (عنه الألسنة) أي ألسنة الإنسان في البيان، (والأقلام) أي وتبيان البنان، (فَمِنْهَا مَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ونبّه به على جليل نصابه) أي عظيم منصبه، (وأثنى) أي وما أثنى (به عليه) أي في كتابه (من أخلاقه) أي أحواله الباطنة (وآدابه) أي أفعاله الظاهرة كما أخبر به عنه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله أدبني ربي فأحسن تأديبي،

стр. 32

(وحضّ) بتشديد المعجمة أي ورغب وحث (العباد على التزامه) أي حملهم على قبول تكليفه بوصف دوامه (وتقلّد إيجابه) أي بإطاعة جنابه فيما أوجبه في كتابه: (فكان ﷻ أي عظمت عظمته وعز جماله (هو الذي تفضّل) أي اعطاه من فضله (وأولى) أي أنعم عليه بما علم المولى بأنه الأولى وهذا قبل ظهور وجوده لما تعلق به من كرمه وجوده (ثمّ طهّر وزكّى) أي طهره بالتخلية وزكاه بالتحلية في عالم دنياه بما ينفعه في عقباه من التحلية وأما قول الدلجي ثم طهره من عبادة الأصنام فلا يناسب لمقامه ﵇ (ثمّ مدح) أي مدحه (بذلك، وأثنى) أي عليه مع أنه من آثار فعله وأنوار فضله فهو الحامد والمحمود كما أنه هو الشاهد والمشهود في جميع ميادين الوجود فليس في الدار غيره موجود، (ثمّ أثاب) أي جازاه (عليه الجزاء الأوفى) أي بالجزاء الأوفر والحظ الأكبر أو نصبه على المصدر من غير فعله، (فله الفضل بدءا وعودا) أي فله الإحسان على وجه الزيادة في الابتداء والإعادة، (والحمد أولى، وأخرى) ، أي في الدنيا والعقبى وفي نسخة والحمد أولى وأخرى عطفا على الفضل أي وله الحمد كما في قوله تعالى هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ فهذه النسخة أولى من الأولى كما لا يخفى ويجوز أن يكونا اسمي تفضيل أي وله أولي الحمد وأخراه الخ والمراد استيعابه كقوله تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا وأما قول بعضهم إن اسم التفضيل لا يستعمل إلا مضافا أو موصولا بمن أو معرفا باللام فمنقوض بقوله سبحانه وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى كانوا هم أظلم واطغى المهم إلا أن يعتبر من المقدرة في حكم المذكورة (ومنها ما أبرزه) أي أظهره (للعيان) بكسر العين أي للمعاينة (من خلقه) بفتح الخاء المعجمة خلافا لمن توهم وضبطه بالضم إذ المراد هنا شمائله الظاهرة ومن لبيان ما الموصولة (على أتمّ وجوه الكمال) أي أكمل أنواع وجوه كمال الجمال وهي صفات اللطف والإكرام (والجلال) وهي صفات القهر والانتقام أو المراد بالكمال النعوت الثبوتية وبالجلال الصفات السلبية وهي قولنا في حقه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا في زمان ولا في مكان وسائر الأمور الحدوثية فحينئذ يقال معناه المنزه عن شوائب النقصان في نظر أرباب الحال وفي نسخة بكسر الخاء المعجمة بمعنى الخصال، (وتخصيصه) أي ومن جعله مخصوصا (بالمحاسن الجميلة) أي الحسنة من الأفعال، (والأخلاق الحميدة) أي المحمودة من الأحوال، (والمذامي الكريمة) أي المرضية من الأقوال، (والفضائل العديدة) أي الكثيرة التي عدها من المحال وهو من العد ومعناه الكثير لا من العدد فيتوهم أنها حصرت واحصيت ويروى السديدة أي الفضائل الواقعة على سنن السداد (وتأييده) أي ومن تقويته (بالمعجزات الباهرة) أي البارعة الفائقة الغالبة القاهرة، (والبراهين الواضحة) أي وبالادلة الظاهرة (والكرامات البيّنة) أي الخوارق اللائحة وهي أعم من المعجزات فإنها مقرونة بالتحدي مع عدم المعارضة مما يصدق الله تعالى بهما انبياءه في دعوى النبوة سميت معجزة للاعجاز عن الاتيان بمثلها وسميت آية لكونها علامة دالة على تصدق الله تعالى لهم مع أن المقام مقام يذم

стр. 33

فيه الإيجاز ويمدح الاطناب سيما في خطاب الاحباب (التي شاهدها) أي عاينها وأغرب التلمساني بقوله أي حضر لها ففاعل بمعنى فعل أي شهدها (من عاصره) أي من أدرك عصره وزمانه ويروى من عاصرها أي البراهين والكرامات، (ورآها من أدركه) أي صادف أوانه ويروى من أدركها، (وعلمها علم اليقين) وفي نسخة علم يقين أي من غير شك وتخمين قال بعض العارفين علم اليقين ما كان بشرط البرهان وعينه بحكم البيان وحقه بنعت العيان فعلم اليقين لأصحاب العقول وعينه لأصحاب العلوم وحقه لأصحاب المعارف (من جاء بعده) أي من التابعين واتباعهم، (حتّى انتهى) أي إلى أن وصل (علم حقيقة ذلك) أي بلغ حقيقة ما هنالك (إلينا وفاضت أنواره) أي ظهرت آثاره وكثرت أنواره ويروى أنوارها (عَلَيْنَا: « ﷺ كَثِيرًا» . حَدَّثَنَا) وفي بعض النسخ أخبرنا (الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحافظ) رحمه الله تعالى وهو الأندلسي المعروف بابن سكرة بضم فتشديد ترجمته معروفة استشهد بثغر الأندلس سنة أربع عشرة وخمسمائة وكان من أهل العلم بالحديث (قراءة منّي عليه) نصب قراءة على نزع الخافض أو على أنه تمييز أو حال أي حدثنا بقراءة أو من جهة قراء أو حال قراءة مني عليه لا بقراءته ولا بقراءة غيره وهذا على مذهب من لا يرى بين حدثنا وأخبرنا وأنبأنا فرقا كالبخاري ومن تبعه، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الجبّار) أي ابن أحمد الحمامي بفتح مهملة وتخفيف وهو من أهل الخير والصلاح على ما ذكره ابن ماكولا في اكماله، (وأبو الفضل أحمد بن خيرون) بفتح معجمة فسكون تحتية ممنوعا وقد يصرف ثقة عدل متقن له ترجمة في الميزان توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة قال الحلبي رأيت عن المزني أن الأصل في خيرون الصرف ولكن المحدثون لا يصرفونه لشبهه بالجمع المذكر السالم انتهى والأظهر أنه بناء على اعتبار المزيدتين مطلقا عند بعضهم كالفارسي كما قالوا في سيرين وغلبون، (قالا) أي كلاهما: (حدّثنا أبو يعلى البغداديّ) بالمعجمة في الثانية وهو الأصح وإلا فيجوز بمهملتين ومعجمتين وبإهمال إحديهما وإعجام الأخرى وهو أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر يعرف بابن زوج الحرة، (قال حدّثنا أبو عليّ السّنجيّ) بكسر المهملة وسكون نون فجيم نسبة إلى بلدة تسمى سنج مرو، (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ) هو أبو العباس المحبوبي المروزي التاجر الأمين راوي جامع الترمذي عنه مشهور، (قال: حدّثنا أبو عيسى بن سورة) بفتح مهملة وسكون واو فراء (الحافظ) أي الترمذي وهو صاحب الجامع الضرير قيل ولد اكمه قال الذهبي ثقة مجمع عليه ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم أنه مجهول فإنه ما عرفه ولا أدري بوجود الجامع ولا إلى علل الدين انتهى ولا شك أن تجهيل الترمذي يضر ابن حزم بلا عكس كما لا يخفى، (قال: حدّثنا إسحاق بن منصور) هذا هو الكوسج الحافظ روى عن ابن عيينة فمن بعده وعنه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه (حدّثنا عبد الرّزاق) أي ابن همام بن نافع أبو بكر الصغاني الحافظ أحد الأعلام روى عن ابن جريج ومعمر وأبي ثور وعنه أحمد وإسحاق

стр. 34

صنف الكتب أخرج له أصحاب الكتب الستة، (أنبأنا معمر) بفتح الميمين ابن راشد أبو عروة البصري عالم اليمن أخرج له الجماعة قال معمر طلبت العلم سنة مات الحسن ولي أربع عشرة سنة (عن قتادة) هو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي الأعمى الحافظ المفسر روى عن عبد الله بن سرجس وأنس وخلق وعنه أيوب وشعبة وخلق (عن أنس رضي الله تعالى عنه) أي ابن مالك خادم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وترجمته شهيرة ومناقبه كثيرة (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: أتي) أي جيء (بالبراق) بضم الموحدة وتخفيف الراء سمي به لسرعة سيره كالبرق أو لشدة بريقه وقيل لكونه أبيض وقال المصنف لكونه ذا لونين يقال شاة برقاء إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود وقد وصف في الحديث بأنه أبيض وقد يكون من نوع الشاة البرقاء وهي معدودة في البيض انتهى وهو دابة دون البغل وفوق الحمار ويضع حافره عند منتهى طرفه كما في الصحيح وفي رواية على ما نقله ابن أبي خالد في كتاب الاحتفال في اسماء خيل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن وجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذنبه كذنب الغزال لا ذكر ولا انثى وفي تفسير الثعلبي جسده كجسد الإنسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الإبل وإظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة وظهره كأنه درة بيضاء وله جناحان في فخذيه يمر كالبرق (ليلة أسري به) ظرف بني على الفتح لإضافته إلى الجملة الفعلية الماضوية المبنية للمجهول (ملجما مسرجا) اسما مفعول من الالجام والإسراج وهما حالان مترادفان أو متداخلان (فاستصعب) أي استعسر البراق (عليه) أي لبعد عهده بالأنبياء من جهة طول الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام على ما ذكره ابن بطال في شرح البخاري وهي ستمائة سنة على ما ذكره التلمساني أو لأنه لم يركبه أحد قبل نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بناء على خلاف سيأتي في ذلك وقيل استصعب تيها وزهوا بركوبه ﵇، (فقال له جبريل) وفيه ثلاث عشرة لغة والمتواتر منها أربع معروفة، (أبمحمّد تفعل هذا) أي يا براق كما في رواية وضبط تفعل بخطاب المذكر ولو روي بصيغة المجهول الغائب لكان له وجه والهمزة للإنكار التوبيخي والإشارة إلى الاستصعاب المفهوم من استصعب (فما ركبك) بخطاب المذكر تعظيما له (أحد أكرم) بالرفع والنصب (على الله تعالى منه) وفي رواية فو الله ما ركبك ملك مقرب ولا نبي مرسل أفضل ولا أكرم على الله منه فقال قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وأني أحب أن أكون في شفاعته فقال أنت في شفاعتي (قال) النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو أنس رواية عنه (فارفضّ) بتشديد الضاد المعجمة أي فسال البراق (عرقا) نصب على التمييز المحول من الفاعل أي تبدد عرقه حياء وخجالة مما صدر عنه بمقتضى طبعه فهذا يؤيد القول الأول فتأمل وقد قال الزبيدي في مختصر كتاب العين في اللغة وصاحب التحرير وهي دابة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والثناء قال النووي وهذا الذي قالاه من اشتراك جميع الأنبياء معه يحتاج إلى نقل صحيح انتهى وقد قال ابن بطال ما معناه ركبها

стр. 35

الأنبياء وأقره السهيلي على ذلك وفي سيرة ابن هشام أنه بلغه عن عبد الله يعني ابن الزبير في حج إبراهيم البيت وفي آخره وكان إبراهيم يحجه كل سنة على البراق انتهى ونقل القرطبي في تذكرته قبيل أبواب الجنة بيسير عن ابن عباس ومقاتل والكلبي في قوله تعالى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أن الموت والحياة جسمان فيجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فرس انثى بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبونها خطوها مد البصر فوق الحمار دون البغل لا تمر بشيء يجد ريحها الا حيي إلى أن قال حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس والماوردي عن مقاتل والكلبي وفيها أيضا في صفة الجنة ونعيمها أن البراق يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضها وهذا من كلام الترمذي الحكيم وحديث فما ركبك أحد أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم صريح في ذلك وكل هذا يرد على النووي كذا قاله الحلبي لكن فيه بحث إذ ليس فيما ذكر نقل صحيح ولا دليل صريح على أن البراق واحد مشترك فيه فعلى تقدير صحة التعدد ينبغي أن يجعل اللام للجنس جمعا بين الروايات وأن يكون لكل نبي براق لكن أخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا وأبعث على البراق فهذا يشير إلى اختصاصه ﵇ يومئذ به واشتراكه قبل ذلك اليوم وقد ذكر السيوطي في البدور السافرة قال معاذ وأنت تركب العضباء يا رسول الله قال لا تركبها ابنتي وأنا على البراق اختصصت به دون الأنبياء يومئذ الحديث فهذا ظاهره اتحاد البراق مع احتمال اختصاصه بركوبه صلى الله تعالى عليه وسلم دون الأنبياء حينئذ والله تعالى أعلم وقد جاء في بعض الروايات أن جبريل ﵊ أيضا ركب معه ﵊ والظاهر أنه ركب خلفه بل جاء صريحا فيما رواه الطبراني في الأوسط من رواية محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن أبيه أن جبريل أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالبراق فحمله بين يديه الحديث قال الطبراني لا يروى عن ابن أبي ليلى إلا بهذا الإسناد قال الحلبي وهو معضل ويرده قول العسقلاني ليس بمعضل بل سقط عليه قوله عن جده وهو ثابت في أصل الطبراني انتهى وفي مسند أبي يعلى عن علقمة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال أتيت بالبراق فركب خلفي جبريل ﵇ الحديث قال الحلبي فهذا نقل في المسألة ولكنه مرسل قلت والمرسل حجة عند الجمهور وقد ذكر ابن حبان في صحيحه أن جبريل ﵇ حمله على البراق رديفا له قال الحلبي هذا وما تقدم يتعارضان لكن حديث أبي يعلى ضعيف ولو صح لجمع بينهما بأنه تارة ركب هذا ذهابا أو إيابا والآخر كذلك إذا قلنا إن الإسراء مرة وهو الصحيح على ما قاله بعضهم قلت الصواب في دفع التعارض والجمع بين التناقض أن يجعل رديفا حالا من الفاعل في حمله على ما هو الظاهر ليكون الضميران المستتران لجبريل ﵇ والبارزان له صلى الله تعالى عليه وسلم وهو المقتضي للأدب خصوصا في الرسول بالنسبة إلى المطلوب المحبوب ويؤيده أنه صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 36

قال لأبي ذر وقد رآه يمشي أمام أبي بكر أتمشي أمامه وهو خير منك ثم اعلم أنه اختلف في الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو لا وأيهما كان قبل الآخر وهل كان ذلك في اليقظة أو المنام أو بعضه كذا وبعضه كذا أو يقال أسري به ولا يتعرض لمنام ولا يقظة على ما في أوائل الهدي لابن القيم فتصير الأقوال خمسة وهل كان المعراج مرة أو مرات واختلفوا في زمانه فقيل للسابع والعشرين من شهر الربيع الأول وقيل من الآخر وقيل لسبع عشرة خلت من شهر رمضان وقيل ليلة سبع وعشرين من رجب وبه جزم النووي في الروضة في السير وخالف في الفتاوى فقال إنهما ليلة السابع والعشرين من شهر الربيع الأول وخالف المكانين المذكورين في شرح مسلم فجزم بأنهما ليلة السابع والعشرين من شهر الربيع الآخر تبعا للقاضي عياض وعن الماوردي أنهما في شوال وسيأتي أقوال سبعة في تعيين السنة.

стр. 37

الْبَابُ الْأَوَّلُ [فِي ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ﵇] أي من القسم الأول (في ثناء الله تعالى) أي مدحه (عليه وإظهاره عظيم قدره لديه) أي عنده في مقام قربه كما يفهم من الآيات المتلوة والأحاديث النبوية وقال الدلجي أي عنده في اللوح المحفوظ لتعلم الملائكة زيادة شرفه وتمييزه على غيره إذ هي المرادة. هنا فيلتزموا توقيره وتعظيمه انتهى لكنه يحتاج إلى نقل كما لا يخفى ثم قال الدلجي الثناء هنا باعتبار غايته فهو إما أنعام بأنواعه من تكريم وتعظيم فيرجع إلى صفات الأفعال وأما إرادة ذلك فيرجع إلى صفات الذات وإلا فهو في الأصل إما بمعنى الحمد والشكر أو المدح أو عام فيهما ومورد ذلك كله الجوارح وهو في حقه محال فيكون مجازا مرسلا لكون العلاقة غير المشابهة ففيه بحث ظاهر إذ الثناء من باب الكلام وهو في حقه ثابت حقيقة على ما عليه أهل السنة والجماعة خلافا للمعتزلة فلا يحتاج إلى اعتبار مجاز الغاية بخلاف صفتي الغضب والرحمة لما حقق في محلهما والله تعالى أعلم (اعلم) خطاب عام وهو الاحق أو خاص بالسائل كما سبق (إن في كتاب الله العزيز) أي النادر في بابه أو الغالب على سائر الكتب بنسخه في خطابه (آيات كثيرة مفصحة) أي موضحة مصرحة (بجميل ذكر المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم) أي المجتبى في باب الصفاء والوفاء (وعد محاسنه) أي وبتعداد مكارم اخلاقه (وتعظيم أمره وتنويه قدره) أي رفعة شأنه وحكمه (اعتمدنا منها) أي من تلك الآيات (على ما ظهر معناه) أي من منطوق الدلالات (وبان فحواه) أي تبين مقتضاه من مفهوم العلامات على ما له من الكمالات (وجمعنا ذلك) أي ما ذكر من الأصول (فِي عَشَرَةِ فُصُولٍ) . الْفَصْلُ الْأَوَّلُ [فِيمَا جَاءَ من ذلك مجيء المدح والثناء] أي النوع الأول من هذا الباب (فيما جاء) أي في كتابه (من ذلك) أي مما ذكر من الآيات (مجيء المدح والثناء) نصب مجيء على المصدر. (وتعداد المحاسن) بفتح التاء أي ومجيء تكرار أخلاقه الحسنة وهو جمع حسن على غير قياس ونصبه على ما في نسخة غير مستقيم (كقوله تعالى) وفي نسخة لقوله تعالى باللام وهو غير ملائم للمرام: (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الآية) بدأ بها فإنها مشتملة على جملة من امتنانه مما يوجب تعظيم رسوله ويعلي شأنه منها القسم المستفاد من اللام المقرونة بقد الدالتين على تحقيق الكلام ومنها الإيماء في جاء إلى أن رسولنا لو كان في الصين لكان

стр. 38

الواجب عليكم المأتي إليه لتعلم علم الدين ومعرفة اليقين فيكون إتيانه فضلا منا عليكم وإحسانه منه إليكم فيجب حسن استقباله وإطاعة أمره وإقباله ومنها تنكير رسول فإنه يشير إلى أنه رسول عظيم تفخيما لشأنكم وتأييدا لبرهانكم ومنها أنه جعل من جنسكم البشري فإنكم لن تطيقوا على التلقين الملكي وليكون أدعى إلى متابعته حيث يفعل أيضا بمقتضى مقالته ولو كان ملكا لربما قيل إن القوة البشرية ليست كالقدرة الملكية ومنها أنه جعل من صنفكم العربية وإلا لقلتم أمرسل إليه عربي والرسول إليه أعجمي ثم بقية الآية عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي شديد شاق عليه عنتكم وتعبكم ووقوعكم في عذابكم حريص عليكم أن تؤمنوا كلكم بالمؤمنين منكم ومن غيركم رؤوف رحيم والرأفة أشد الرحمة فذكر الرحيم تذييل أو عكس مراعاة للفواصل لا لكونه أبلغ كما توهم الدلجي (قال السّمرقنديّ) بفتح سين مهملة وميم وسكون راء هو المشهور على الألسنة وأما ما ضبطه بعض المحشيين كالتلمساني وغيره من سكون ميم وفتح راء فهو لحن على ما صرح به القاموس وهو الإمام الجليل الحنفي المحدث المفسر نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي الفقيه أبو الليث المعروف بإمام الهدى تفقه على الفقيه أبي جعفر الهندواني وهو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة والتصانيف المشهورة العديدة توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة له تفسير القرآن أربع مجلدات والنوازل في الفقه وخزانة الفقه في مجلدة وتنبيه الغافلين وكتاب البستان وذكر التلمساني أنه أبو علي واسمه الحسن بن عبد الله منسوب إلى بلدة سمرقند من أهل الظاهر روى عن داود بن علي الظاهري لكن المعتمد هو الأول وسيأتي في مواضع من كتاب الشفاء حيث يروي عنه القاضي بواسطة واحدة والله أعلم وأبو الليث السمرقندي متقدم يلقب بالحافظ وهو الفرق بينهما ذكره التلمساني. (وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] بِفَتْحِ الْفَاءِ) وهي قراءة شاذة مروية عن فاطمة وعائشة رضي الله تعالى عنهما وقرأ به عكرمة وابن محيص وغيرهما وفي المشترك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قرأها كذلك، (وقراءة الجمهور بالضّمّ) وضبطه بعضهم بالفتح وهو غير مشهور وضبط قراءة بصيغة المصدرية ويمكن قراءته بالجملة الفعلية ثم رأيت في حاشية أنهما روايتان والجمهور بالضم معظم الناس، (قال الفقيه القاضيّ أبو الفضل وفّقه الله تعالى) أي المصنف، (أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَوِ الْعَرَبَ أَوْ أَهْلَ مَكَّةَ أَوْ جَمِيعَ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ المفسّرين من المواجه) أي من الذي وقع له المواجهة من المؤمنين أو غيرهم (بهذا الخطاب) يعني جاءكم فمن بفتح الميم موصول وكسر نونه في الوصل لالتقاء الساكنين والمواجه بصيغة المفعول مرفوع ثم الظاهر العموم الشامل لجميع الإنس بل والجن أيضا على وجه التغليب أما من اختار المؤمنين فلأنهم المرادون في الحقيقة والمنتفعون بمتابعته في الطريقة وأما من اختار العرب فلما يدل عليه ظاهر قوله تعالى حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ولما يتبادر من قوله أَنْفُسِكُمْ

стр. 39

جنس العرب ولا ينافي ما اخترناه من العموم فتح الفاء لأنه إذا كان أشرف جنس العرب فيكون أفضل سائر الأجناس فإنهم أكرم الناس لما تقرر في محله وأما من اختار أهل مكة فلما أشار إليه المصنف بناء على قراءة الضم. (أَنَّهُ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، يَعْرِفُونَهُ) اي محله ومرتبته بحليته ونعته (ويتحقّقون مكانه) أي مكان ولادته ونسبه ورتبته أو رفعة قدره وعلو شأنه ويؤيده ما في نسخة مكانته وهو مخل بالتسجيع لما قبله ملائم لقوله (ويعلمون صدقه، وأمانته، فلا يتّهمونه بالكذب) في دعوى رسالته أي ولذا كانوا يسمونه محمد الأمين لكمال ديانته (وترك النّصيحة لهم) أي وترك ارادة الخير لهم (لكونه منهم) وهو أبعد للتهمة في ترك النصيحة في حقهم، (وأنّه) بالفتح عطف على أنه السابق الواقع مفعولا ثانيا لا علم ولا يبعد أن يكون مجرور المحل معطوفا على كونه والحاصل أنه: (لَمْ تَكُنْ فِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ إِلَّا وَلَهَا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) على للمصاحبة كقوله تعالى وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي مع رسول الله (ولادة) ، أي قرابة قريبة (أو قرابة) أي بعيدة، (وهو) أي هذا المعنى المستفاد من قوله وأنه الخ (عند ابن عبّاس) ، كما رواه عنه البخاري والطبراني (وغيره) أي من المفسرين (مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: ٢٣] ) في قوله تعالى قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على التبليغ أجرا إلا المودة أي لكن المودة في القربى لازمة من الجانبين وأنا لا أقصر في نصيحتكم وإرادة الخير لكم ومحبتكم فيجب عليكم أيضا أن تجتهدوا في متابعتي ونصرتي ودفع الاذى عن أهل ملتي (وكونه) قال الحلبي هو بالرفع لكن الظاهر كما اقتصر عليه الدلجي أنه بالجر عطفا على قوله والمعنى وهو معنى كونه ﵇ (من أشرفهم) أي نسبا، (وأرفعهم) أي حسبا، (وأفضلهم) أي سخاوة ونجادة (على قراءة الفتح) أي بناء عليها (وهذه) أي المنقبة (نهاية المدح) أي من هذه الجهة، (ثمّ وصفه) أي الله (بعد) بالضم أي بعد قوله من أنفسكم (بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد) بالمنع جمع محمدة بمعنى مدحة (كثيرة) أي عديدة: (من حرصه على هدايتهم) أي دلالتهم على العقائد الدينية، (ورشدهم) أي إرشادهم إلى ما فيه صلاح أمورهم من الأحكام الشرعية، (وإسلامهم) أي انقيادهم واستسلامهم للحوادث الكونية بقوله حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ (وشدّة ما يعنتهم) من الأفعال والتفعيل أي ما يشق عليهم ولا يطيقونه، (ويضرّ بهم) ضبط في نسخة بضم الياء وكسر الضاد وهو غير صحيح لوجود الباء في مفعوله وقول الدلجي إن الباء زائدة غير صحيح ففي القاموس ضره وبه وأضره والصواب ضبطه بفتح وضم التقدير وما يضرهم (في دنياهم وأخراهم وعزّته عليه) أي ومن غلبة ما يعنتهم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لقوله عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ وكان الأولى مراعاة الترتيب القرآني كما لا يخفى بأن يقدم قضية العزة على الشدة ثم يقول. (ورأفته، ورحمته بمؤمنيهم) أي ومؤمني غيرهم وفي نسخة بمؤمنهم بصيغة الإفراد على إرادة الجنس بطريق الاستغراق

стр. 40

بقوله بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ والرأفة أدق من الرحمة ولعل التفاوت بحسب القابلية والرتبة، (قال بعضهم: أعطاه) أي الله (اسمين من أسمائه رؤوف) بالاشباع ودونه فمن الأول قول كعب بن مالك الأنصاري. نطيع نبيا ونطيع ربا ... هو الرحمن كان بنا رؤوفا ومن الثاني قول جرير: يرى للمسلمين عليه حقا ... كفعل الوالد الرؤوف الرحيم (رحيم) أي على وصف التنكير وأما بصيغة التعريف فالظاهر أنه لا يجوز إطلاقهما على غيره سبحانه (ومثله) أي ومثل معنى الآية الأولى (فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) خصوا لكونهم المنتفعين (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٤] . الْآيَةَ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ) أي العرب الذين غالبهم ما قرأ ولا كتب (رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] ) أي أميا مثلهم لكن الأمية في حقه ﵊ معجزة ومنقبة وفي حق غيره معيبة ومنقصة (الآية) تمامها يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ أي مع كونه أميا فهذا أظهر معجزاته ويزكيهم أي يطهرهم من خبائث الأحوال والأعمال ويعلمهم الكتاب والحكمة أي السنة والشريعة. (وقوله) أي وفي الآية الأخرى وقوله: (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ [الْبَقَرَةِ: ١٥١] الْآيَةَ) إلى قوله فَاذْكُرُونِي بالطاعة أذكركم بالمثوبة. (وروي عن عليّ بن أبي طالب، كرم الله تعالى وجهه عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] قَالَ: نسبا) أي قرابة مختصة بالآباء على ما في القاموس ونصبه على التمييز وكذا قوله (وصهرا) قال البيضاوي في وقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم وذوات صهر أي اناثا يصاهر بهن والحاصل أنه شريف الجانبين وكريم الطرفين ثم قوله (وحسبا) أريد به ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه من الدين أو الكرم أو المال وقيل الحسب والكرم قد يكونان بمن لا شرف لآبائهم والشرف والمجد لا يكونان إلا بهم (ليس في آبائي) أي أسلافي من الأب والجد والأم والجدة (من لدن آدم) بفتح لام وضم دال وسكون نون ويجوز سكون الدال وكسر النون أي من عند ابتداء زمن آدم ﵊ إلى وجود الخاتم صلى الله تعالى عليه وسلم (سفاح) بكسر السين وهو صب ماء الرجل بلا عقد على ما قاله المحشي والأولى أن يقال المراد به الوطء من غير مجوز لأن السرية لا عقد لها والحاصل أن المراد به الزنا وما لا يجوز وطؤه شرعا (كلّها نكاح) أي ذو عقد أو كل واحد منا ناكح أو قصد به المبالغة كرجل عدل وهو واقع على التغليب وإلا فأم إسماعيل ﵊ سرية اللهم إلا أن يقال قد اعتقها وعقد عليها قال المحشي ويروى كلها نكاح وهو
следующие страницы →