← Сира

Сира · id 9918

شرح الشفا

الملا على القاري

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بربوبيته (ثمّ قال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يمجّد الجبّار نفسه) بتشديد الجيم أي يذكر ذاته بوصف المجد والشرف والعظمة وروي يحمد (يقول) كذا في نسخة وهو جملة حالية (أنا الجبّار أنا الجبّار) بالرفع بإثبات التكرار وهو الذي يجبر العباد على وفق ما أراد ويقهرهم بالفناء عن البلاء (أنا الكبير) أي العظيم الذات الكريم الصفات قال الحجازي أنا الجبار مرتين وأنا الكبير ويروى مرتين (المتعال) أي المتعالي وهو الرفيع الشأن المنزه عن التعلق بالزمان والمكان ونحوهما من سمات الحدثان وصفات النقصان (فرجف المنبر) أي اضطرب اضطرابا شديدا وذلك لعظمة الله وهيبته (حتّى قلنا ليخرّنّ) بفتح اللام والياء وكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء والنون أي ليسقطن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (عنه) أي عن المنبر. (وعن ابن عباس ﵄ كما رواه البزار والبيهقي (قال كان حول البيت) أي على جدرانه ذكره الدلجي (ستّون وثلاثمائة صنم مثبتة الأرجل) بفتح الموحدة المخففة أو المشددة أي مسمرة (بالرّصاص) بفتح الراء على ما في القاموس قيل ويكسر (في الحجارة) أي من أحجار البيت ولا يبعد أن تكون الأصنام موضوعة على حجارات كائنة حول البيت منصوبة بتسميرها فيها الرصاص وكذا كانت الأصنام داخل البيت وفوقه أيضا قال الدلجي وروى أبو يعلى نحوه أي عنه وأنه قال (فلمّا دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد) أي المسجد الحرام وهو يطلق على الكعبة وما حولها من البقعة (عام الفتح) أي سنة فتح مكة (جعل) أي شرع (يشير بقضيب) أي بسيف لطيف أو عود ظريف (في يده) حال من قضيب (إليها) معلق بيشير قال الحلبي وفي رواية صحيحة بقضيب يشبه القوس والقوس قضيب انتهى والتشبيه يحتمل أن يكون من حيثية طوله وعرضه أو من جهة انحراف في وسطه (ولا يمسّها) أي بيده تجنبا عنها لا لبعدها كما ذكره الدلجي، (ويقول) أي ما أمره الله أن يقول (جاءَ الْحَقُّ) أي ظهر الحق وأهله (وَزَهَقَ الْباطِلُ [الإسراء: ٨١] أي اضمحل وذهب أصله (الآية) أي أن الباطل كان زهوقا أي غير ثابت في نظر أهل الحق دائما (فما أشار) أي به كما في نسخة أي بقضيبه (إِلَى وَجْهِ صَنَمٍ إِلَّا وَقَعَ لِقَفَاهُ وَلَا) أي ولا أشار به (لقفاه إلّا وقع لوجهه) أي سقط عليه هيبة مما أشار به إليه (حتّى ما بقي منها صنم) الآخر ساقطا إما إلى وجهه وإما إلى قفاه؛ (ومثله في حديث ابن مسعود) أي على ما رواه الشيخان عنه (وقال) أي ابن مسعود (فجعل يطعنها) بفتح العين ويضم وهو أولى من عبارة الحلبي بضم العين ويفتح لما في كلام استاذه صاحب القاموس طعنه بالرمح كمنعه ونصره ضربه مع ما في الفتح من الخفة المعادلة لثقل العين كما حرر في يسع ويضع ويدع ويقع ثم المراد بالطعن هنا مجرد الإشارة لما سبق صريحا في العبارة والمعنى يشير إليه في صورة الطاعن لديه (ويقول) أي كما أمر به في آية أخرى (جاء الحقّ وما يبدىء الباطل وما يعيد) أي ظهر الحق ولم يبق للباطل ابتداء ولا إعادة أو ما يبدىء الضم خلقا ولا يعيده أو لا يبدئ ضرا لأهله في الدنيا ولا يعيده في العقبى؛ (ومن ذلك) أي من قبيل

стр. 632

ما ذكر عن الجمادات (حديثه) أي خبره الذي رواه الترمذي والبيهقي (مع الرّاهب) وهو بحيرا بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة مقصورا وقيل ممدودا واسمه جرجس أو جرجيس بزيادة ياء ابن عبد القيس من نصارى تيماء أو بصرى ذكره ابن منده وأبو نعيم في الصحابة أيمانه به صلى الله تعالى عليه وسلم قبل بعثته (في ابتداء أمره) أي أمر ظهوره (إذ خرج تاجرا) ظرف لحديثه معه أو لابتداء أمره (مع عمّه) أي أبي طالب وفيه أنه لم يكن في خروجه معه تاجرا بل تعرض له عند خروجه فقال تتركني وليس له أحد فأخذه معه وإنما خرج تاجرا بعد ذلك مع ميسرة غام خديجة وفي هذه لقي لسطور الراهب وقصته معه مشهورة وفي كتب السير مسطورة فقوله تاجرا حال من عمه لا من ضمير خرج (وكان الرّاهب) أي بحيرا (لا يخرج) أي في عادته (إلى أحد) أي ممن كان ينزل المكان (فخرج) أي في ذلك الزمان (وجعل يتخلّلهم) أي شرع يطلب أحدا في خلال من كان في تلك المحال (حَتَّى أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قريش) أي من المشركين (ما علمك) أي ما سبب علمك به وبقربه عند ربه (فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إلّا خرّ ساجدا له ولا يسجد) أي الأشجار والأحجار (إلّا لنبيّ وذكر القصّة) أي على ما أوردها أهل الأخبار من أنه قال وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به كان صلى الله تعالى عليه وسلم في رعية الإبل فقال ارسلوا إليه (ثمّ قال) أي الراهب أو الراوي (فأقبل صلى الله تعالى عليه وسلم وعليه غمامة تظلّه فلمّا دنا من القوم وجدهم سبقوه) وفي نسخة قد سبقوه (إلى فيء الشّجرة) بفتح الفاء وسكون التحتية بعدهم همزة أي إلى ظلها (فلمّا جلس مال الفيء) أي فيء الشجرة (إليه) فقال انظروا مال الفيء إليه ثم قال أنشدكم الله تعالى أيكم وليه قالوا أبو طالب وإذا بسبعة من الروم قد اقبلوا فسألهم فقالوا إن هذا النبي قد خرج من بلاده في هذا الشهر فوجهوا إلى كل جهة جماعة ووجهونا إلى جهتك فقال افرأيتم أمرا أراده الله تعالى ايقدر أحد يدفعه قالوا لا فأقاموا عنده ثلاثة أيام ولم يزل يناشد عمه حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب زيتا كعكا قيل وذكر أبي بكر وبلال فيه وهم. فصل [في الآيات في ضروب الحيوانات] (في الآيات) أي الشاهدة بثبوت نبوته وصدق رسالته وما خص به من بديع الكرامات ومنيع المعجزات (فِي ضُرُوبِ الْحَيَوَانَاتِ حَدَّثَنَا سِرَاجُ بْنُ عَبْدِ الملك أبو الحسين الحافظ) سبق ذكره (حدّثنا أبي) قال الحلبي تقدم أبوه فما ضبط في بعض النسخ بصيغة التصغير تصحيف وتحريف (حدّثنا القاضي أبو يونس حدّثنا أبو الفضل الصّقليّ) بفتح الصاد وتكسر وسكون القاف (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أبيه وجدّه) أي كليهما (قال حدّثنا أبو

стр. 633

الْعَلَاءِ أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فضيل) بالتصغير وهذا هو الأصل الصحيح ووقع في أصل المؤلف بإسقاط ثنا محمد بن فضيل (ثنا يونس بن عمرو) بالواو قال أبو معين ثقة وقال أبو حاتم لا يحتج به (ثنا مجاهد عن عائشة) قال يحيى بن سعيد لم يسمع منها قال وسمعت شعبة ينكر أن يكون سمع منها وتبعه على ذلك يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وحديثه عنها في الصحيحين وقد صرح في غير حديث بسماعه منها والله تعالى أعلم (قالت كان عندنا داجن) بكسر الجيم ما يألف البيت من الحيوان كالشاة والطير مأخوذ من المداجنة وهي المخالطة والملازمة (فَإِذَا كَانَ عِنْدَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) وفي نسخة صحيحة عندنا مؤخر (قرّ وثبت مكانه) أي الداجن (فلم يجيء ولم يذهب) أي ولم يغير شأنه توقيرا له وتكريما وهيبة منه وتعظيما (وإذا خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاء وذهب) أي تردد واضطرب وهذا الحديث رواه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني والبيهقي والدارقطني وهو صحيح وفي المدعي صريح؛ (وروي عن عمر) رضي الله تعالى عنه بصيغة المجهول إشعارا بضعفه فقد قال الحافظ المزي لا يصح إسنادا ولا متنا وقال ابن دحية إنه موضوع لكن قال القسطلاني قد رواه الأئمة فنهايته الضعف لا الوضع فممن رواه الطبراني والبيهقي قال وروي أيضا بأسانيد عن عائشة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما وما ذكرنا هو أمثلها (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان في محفل) بفتح الميم وكسر الفاء أي مجتمع (مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ قَدْ صَادَ ضبّا) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة حيوان معروف يقال إنه فارق جحره لم يهتد إليه وهو لا يشرب وأطول الحيوان روحا بعد ذبحه ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا ويقال إنه يبول في كل أربعين يوما قطرة (فقال) أي الأعرابي (من هذا قالوا نبيّ الله فقال والّلات) بواو القسم (والعزّى) وهما صنمان كانوا يعبدونها في وسط الكعبة (لا آمنت بك) أي بنبوتك ورسالتك وفي نسخة لا أومن بك (أو) بسكون الواو (يؤمن) بالنصب أي إلى أن يؤمن أو حتى يؤمن كما في نسخة (بك هذا الضّبّ) أي فأؤمن أنا أيضا بك حينئذ (وطرحه بين يدي النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ألقى الضب بين جهتي يديه يعني قدامه (فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم له: يا ضبّ؛ فأجابه بلسان مبين) أي بين أو مبين حروفه (يسمعه القوم جميعا لبّيك) أي إجابتي لك مرة بعد مرة (وسعديك) أي ومساعدتي لطاعتك كرة بعد كرة (يا زين من وافى القيامة) أي يا زينة من أتاها وحضرها، (قال) أي النبي ﵊ له (من تعبد) أي ممن يسمى إلها (قال الذي في السّماء عرشه) أي ملكوته سبحانه (وفي الأرض سلطانه) أي ملكه المظهر شأنه (وفي البحر سبيله) أي طريق آياته ولعله من باب الاكتفاء فإن في البر كثيرا من عجائبه (وفي الجنّة رحمته) أي ثوابه من أثرها للمطيعين (وفي النّار عقابه) أي من أثر سخطه للعاصين (قال فمن أنا قال رسول ربّ العالمين وخاتم النّبيّين) أي آخرهم وهو بفتح التاء على ما قرأ به عاصم بمعنى ختموا به وبكسرها بمعنى ختمهم ويؤيده قراءة ابن مسعود ولكن نبينا ختم النبيين (وقد

стр. 634

أفلح) أي فار (من صدّقك) بتشديد الدال أي أطاعك (وخاب) أي خسر (من كذّبك) أي عصاك. (فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ. وَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ كَلَامِ الذِّئْبِ المشهورة) بالرفع (عن أبي سعيد الخدريّ) كما رواه أحمد والبزار والبيهقي وصححه (بينا) وفي نسخة بينما على أن ما زائدة كافة وأما ألف بينا فقيل هي إشباع فلا تمنع الجر وقيل مانعة له منه وهو المشهور عند الجمهور (رَاعٍ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ عَرَضَ الذِّئْبُ لِشَاةٍ منها) أي وقت رعي غنمه فاجأ عروض الذئب أي ظهوره في تعرضه لشاة من جملة قطيع الغنم (فأخذها) أي الراعي (منه فأقعى الذّئب) أي الصق استه بالأرض ونصب ساقيه وفخذيه ووضع يديه على الأرض (وقال للرّاعي ألا تتّقي الله) أي أما تخاف والمعنى خف الله تعالى فالاستفهام للتوبيخ لا للإنكار الداخل على النفي المفيد لتحقق ما بعده كما ذكره الدلجي (حلت بيني وبين رزقي) بضم الحاء أي منعت رزقي عني وهو جملة مبينة قائمة مقام العلة (قال الرّاعي العجب) أي كل العجب (من ذئب يتكلّم بكلام الإنس) أي في مقام الْإِنْسِ، (فَقَالَ الذِّئْبُ أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذلك) أي وأغرب فيما هنالك (رسول الله بين الحرّتين) بفتح الحاء وتشديد الراء تثنية حرة وهي أرض ذات حجارة سود حول المدينة السكينة الطيبة (يحدّث النّاس بأنباء ما قد سبق) وفي نسخة صحيحة ما بدل من وإنما كان أعجب لأنه إخبار عما لم يعلم به غير الرب، (فأتى الرّاعي النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره) أي بكلام الذئب له (فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم له) أي للراعي (قم فحدّثهم) أي الحاضرين والغائبين؛ (ثمّ قال) أي النبي ﵊ بعد أن حدثهم الراعي أو قبله (صدق) أي الراعي في قوله وبالحق نطق في نقله؛ (والحديث فيه قصّة) أي طويلة أو عظيمة وهو الأظهر لقوله (وفي بعضه طول) أي في بعض ألفاظه طول أي ليس هذا محل بسط تلك الفصول وروي أنه لما جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبره صدقه ثم قال إنها أمارات بين يدي الساعة فقد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه ثمة نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده وفي رواية قال والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده، (وروي حديث الذّئب عن أبي هريرة) أي من طرق (وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ الذِّئْبُ أَنْتَ أَعْجَبُ وَاقِفًا على غنمك) حال (وتركت) أي والحال أنك قد تركت (نبيّا) أي خدمته وصحبته مع أنه نبي عظيم ورسول كريم (لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهُ عنده قدرا) أي رفعة ورتبة (قد فتحت له أبواب الجنّة) أي وكذا لمن تبعه من أكابر الأمة (وأشرف أهلها) أي واطلع أهل الجنة (على أصحابه ينظرون قتالهم) أي في الغزوة وينتظرون وصالهم بالشهادة وحسن مآلهم في الجنة (وما بينك) أي والحال أنه لا حائل بينك (وبينه إلّا هذا الشّعب) بكسر أوله أي قطع هذا الوادي وهو ما انفرج بين الجبلين (فتصير في جنود الله) أي أحزابه المجاهدين؛ (قال الرّاعي من) وفي نسخة ومن (لي بغنمي) أي من يقوم لي برعاية غنمي (قَالَ الذِّئْبُ أَنَا أَرْعَاهَا حَتَّى تَرْجِعَ فَأَسْلَمَ

стр. 635

الرّجل إليه غنمه ومضى) أي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما عنده من غنمه (وذكر) أي الراعي (قصّته) أي مع الذئب (وإسلامه ووجوده النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على وفق ما حكاه الذئب له (يقاتل فقال له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عد) بضم العين وسكون الدال المهملة أي ارجع (إلى غنمك تجدها) جواب الأمر أي تصادفها (بوفرها) بفتح الواو وسكون الفاء أي بتمامها وكمالها ما نقص شيء منها (فوجدها كذلك) أي كما أخبره (وذبح للذّئب شاة منها. وعن أهبان) بضم الهمزة (ابن أوس) بفتح أوله أي وروي عنه أيضا (وأنّه) بكسر الهمزة ويجوز فتحها (كان صاحب القصّة) أي المحكية (وَالْمُحَدِّثَ بِهَا وَمُكَلِّمَ الذِّئْبِ وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عمرو بن الأكوع) على ما في الروض الأنف (وأنّه كان صاحب هذه القصّة أيضا) فيه إيماء إلى تعدد القصة وتكرر القضية (وسبب إسلامه) أي في هذه الرواية (بمثل حديث أبي سعيد) متعلق بروي المقدر قبل قوله وعن أهبان والحاصل أنه اختلف في اسم الراعي المتكلم معه الذئب فقيل هو أهبان بن أوس السلمي أبو عقبة سكن الكوفة وقيل اهبان ابن عقبة وهو عم سلمة بن الأكوع وكان من أصحاب الشجرة وقيل اهبان بن عباد الخزاعي وقيل أهبان بن صيفي وعن الكلبي هو اهبان بن الأكوع وعند السهيلي هو رافع بن ربيعة وقيل سلمة بن الأكوع والجمع ممكن بحمل القصة على تعدد القضية واختلاف المراد بأهبان في الرواية (وقد روى ابن وهب مثل هذا) أي مثل ما جرى في أخذ الذئب شاة (أنّه جرى لأبي سفيان بن حرب) أي والد معاوية ﵄ (وصفوان بن أميّة) بالتصغير (مع ذئب وجداه أخذ ظبيا) أي أراد أخذه (فدخل الظّبي الحرم فانصرف الذّئب) أي تعظيما للحرم المحترم (فعجبا) بكسر الجيم أي فتعجبا (من ذلك) أي من انصرافه عما هنالك (فقال الذّئب أعجب من ذلك) أي مما تعجبتما (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ يَدْعُوكُمْ إِلَى الجنّة) أي إلى سببها وهو الإيمان (وتدعونه إلى النّار) أي موجبها وهو الكفران فهذا مقتبس من قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (فقال أبو سفيان) أي لصفوان (واللّات والعزّى لئن ذكرت هذا) أي الخبر (بمكّة) أي فيما بين أهلها (لتتركنّها خلوفا) بضم الخاء المعجمة واللام أي بلا راع ولا حام كذا في النهاية ويقال حي خلوف إذا غاب رجالهم وبقي نساؤهم وقيل أي متغيرة أخذا من خلوف فم الصائم والمعنى أن أهلها بعد سماعهم هذا تغيرت أحوالهم وذهبوا إلى المدينة ولم يبق أحد منهم إلا دخل في الإسلام معهم ولعل هذا كان سبب إسلامهم في آخر أمرهم؛ (وقد روي مثل هذا الخبر) أي الذي جرى لأبي سفيان وأحبابه (وأنّه) بفتح الهمزة وكسرها (جرى لأبي جهل وأصحابه) إلا أنه لم يسلم لما سبق له من الشقاوة الأبدية في كتابه هذا وعند ابن القاسم عن أنس كنت مع النبي

стр. 636

صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة تبوك فشردت علي من غنمي فجاء الذئب فأخذ منها شاة فاشتدت الرعاء خلفه فقال الذئب طعمة اطعمنيها الله تعالى تنزعونها مني فبهت القوم فقال ما تعجبون الحديث وفي الروض أيضا في غزوة ذات السلاسل وهي في آخر الكتاب ما لفظه وذكر في هذه السرية صحبة رافع بن أبي رافع لأبي بكر وهو رافع بن عمير وهو الذي كلمه الذئب وله شعر مشهور في تكلم الذئب له وكان الذئب قد أغار على غنمه فاتبعه فقال له الذئب ألا أدلك على ما هو خير لك قد بعث الله نبيه وهو يدعو إلى الله فالحق به ففعل ذلك رافع واسلم (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم وكان الاولى أن يقول ومن ذلك حديث عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ (لَمَّا تَعَجَّبَ مِنْ كَلَامِ ضمار) بكسر الضاد المعجمة ويفتح وميم مخففة فألف فراء ذكره الصاغاني وغيره وفي نسخة بالدال (صنمه) بالجر بدل من ضمار أو بيان فإنه اسم لصنم كان يعبده هو ورهطه (وإنشاده) أي ومن قراءته برفع صوته (الشِّعْرَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) روي أن مرداس لما احتضر قال لابنه عباس أي بني اعبد ضمارا فإنه سينفعك ولا يضرك فتفكر عباس يوما عند ضمار وقال إنه حجر لا ينفع ولا يضر ثم صاح بأعلى صوته يا إلهي الأعلى اهدني للتي هي أقوم فصاح صائح من جوف الصنم: أودى ضمار وكان يعبد مدة ... قبل البيان من النبي محمد وهو الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتد قل للقبائل من سليم كلها ... أودى ضمار وعاش أهل المسجد فحرق عباس ضمارا ثم لحق بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فإذا طائر سقط) أي وقع ونزل (فَقَالَ يَا عَبَّاسُ أَتَعْجَبُ مِنْ كَلَامِ ضِمَارٍ ولا تعجب من نفسك) أي بتخلفك عن مورث أنسك (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو) وفي نسخة صحيحة يدعوك (إلى الإسلام وأنت جالس) أي بعيد عن مقام المرام (فكان) أي كلام الطائر (سبب إسلامه) والحديث هذا كما في الطبراني الكبير بسند لا بأس به قريب مما هنا، (وعن جابر بن عبد الله) كما روى البيهقي عنه (عن رجل) وهو اسلم أو يسار وهو رجل أسود استشهد في غزوة خيبر كما ذكره أبو الفتح اليعمري في سيرته (أتى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وآمن به وهو) أي النبي ﵊ (على بعض حصون خيبر وكان) أي الرجل (فِي غَنَمٍ يَرْعَاهَا لَهُمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله كيف بالغنم) أي مع أصحابها (قال أحصب) بفتح الهمزة وكسر الصاد أي ارم بالحصباء وهي دقاق الحصى (وجوهها) أي لترجع إلى دور مالكيها (فإنّ) أي لأن وفي نسخة بأن أي بسبب أن (اللَّهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ وَيَرُدُّهَا إِلَى أَهْلِهَا) أي بكمالها من غير خلاف لها (ففعل فسارت كلّ شاة) أي في طريقها (حتّى دخلت إلى أهلها؛ وعن أنس) كما رواه أحمد والبزار بسند صحيح (دخل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حائط أنصاريّ) أي بستان واحد من الأنصار (وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار) أي معه (وفي الحائط غنم)

стр. 637

وهو بحركتين الشاء لا واحد لها من لفظها والواحد شاة وهو اسم مؤنث للجنس يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعا (فسجدت له) أي للنبي ﵊ سجود التحية والإكرام وانقادت له بإظهار الإسلام فإنه مبعوث إلى كافة الأنام كما اختاره بعض الأعلام والظاهر أن سجودها كان بوضع الجبهة بعد القيام لقوله (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ نَحْنُ أَحَقُّ بِالسُّجُودِ لَكَ منها) أي فإنها مع قلة عقلها إذا كانت تسجد لك فكيف نحن مع كثرة انتفاعنا بك لكن أمرنا متوقف على أذنك (الحديث) بتثليث المثلثة وسيأتي تمامه (وعن أبي هريرة ﵁ كما رواه البزار بسند حسن (دخل النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا فَجَاءَ بِعِيرٌ فَسَجَدَ لَهُ وذكر) أي أبو هريرة (مثله) أي مثل حديث أنس لا مثل حديث أبي هريرة كما توهم الدلجي فقالوا هذه بهيمة لا تعقل فسجدت لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك فقال لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر لو صلح لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما له من الحق عليها؛ (ومثله) أي مثل حديث أبي هريرة (في البعير) وفي نسخة صحيحة في الجمل (عن ثعلبة بن مالك) كما رواه أبو نعيم قال المزي قدم ثعلبة من اليمن على دين يهود فنزل في بني قريظة فنسب إليهم ولم يكن منهم ولم يعرف من الصحابة من اسمه ثعلبة بن أبي مالك غيره واسم أبي مالك عبد الله (وجابر بن عبد الله) كما رواه أحمد والدارمي والبزار والبيهقي عنه (ويعلى بن مرّة) كما رواه أحمد والحاكم والبيهقي بسند صحيح عنه (وعبد الله بن جعفر) كما رواه مسلم وأبو داود عنه قال أبو هريرة (وكان لا يدخل أحد الحائط) أي ذلك البستان من غير أهله (إلّا شدّ عليه الجمل) أي حمل وصال عليه حفظا لحائطه واستغرابا لداخله ورعاية لصاحبه (فلمّا دخل عليه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم دعاه) أي الجمل فجاءه خاضعا وانقاد له خاشعا (فوضع مشفره) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الفاء فراء أي شفته (على الأرض وبرك) بتخفيف الراء أي ناخ (بين يديه فخطمه) أي فوضع في رأسه بخطامه من رسنه وزمامه (وقال ما بين السّماء والأرض شيء) أي من حيوان أو غيره (إلّا يعلم) أي إلا أنه يعلم وفي نسخة لا يعلم أي ليس يوجد بينهما شيء لا يعلم قال المزي المعروف إلا يعلم وقد يكون رواية (أنّي رسول الله) أي إليه إلى غيره (إلّا عاصي الجنّ والإنس) أي إلا كافر الثقلين والصيغة تحتمل الإفراد والجمع بأن حذفت نونه للإضافة. (ومثله) أي مثل هذا المروي بعينه (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَفِي خَبَرٍ آخَرَ فِي حَدِيثِ الْجَمَلِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم سألهم عن شأنه) أي حاله معهم في مآله (فأخبروه أنّهم أرادوا ذبحه) الأولى نحره وكأنه أراد ذبحه اللغوي (وفي رواية أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال لهم) أي لأهل الجمل (إِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ؛ وَفِي رواية أنّه) أي الجمل (شَكَا إِلَيَّ أَنَّكُمْ أَرَدْتُمْ ذَبْحَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْمَلْتُمُوهُ فِي شَاقِّ الْعَمَلِ مِنْ صِغَرِهِ فَقَالُوا نعم) قال بئس الجزاء أرادوا له كذا نقله الدلجي والظاهر أردتموه له وفي أصل صحيح ثم الحديث بقوله نعم والله تعالى أعلم، (وقد روي في قصّة العضباء) وهي الناقة المشقوقة الأذن ولقب ناقة النبي صلى الله تعالى عليه

стр. 638

وسلم ولم تكن عضباء ذكره الفيروزآبادي فقيل إنها والقصوى والجدعاء واحدة وقيل اثنتان وقيل ثلاث ولم يكن بها عضب ولا جدع وقيل كان بأذنها عضب (وكلامها للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وتعريفها له بنفسها) أي بذاتها وحالاتها (ومبادرة العشب إليها في الرّعي) أي في رعيها (وتجنّب الوحوش عنها وندائهم) والأظهر وندائها (لها إنّك لمحمّد) أي في زمان حالك أو في مآلك (وَإِنَّهَا لَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ بَعْدَ مَوْتِهِ حتّى ماتت، ذكره الإسفرايينيّ) حكى ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خرج ذات ليلة وناقة باركة في الدار فلما مر بها قالت السلام عليك يا زين القيامة يا رسول رب العالمين قال فالتفت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إليها فقال وعليك السلام فقالت يا رسول الله إني كنت لرجل من قريش يقال له أعضب فهربت منه فوقعت في مفازة فكان إذا غشيني الليل احترستني السباع فنادت بعضها لا تؤذوها فإنها مركب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وإذا أصبحت وأردت أن أرتع نادتني كل شجرة إلي إلي فإنك مركب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حتى وقعت هنا قال فسماها عضباء شق لها اسمها من اسم صاحبها ثم قالت الناقة يا رسول الله إن لي إليك حاجة قال وما هي قالت تسأل الله أن يجعلني من مراكبك في الجنة كما جعلني في الدنيا قال صلى الله تعالى عليه وسلم قضيت ذكره التلمساني؛ (وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ حَمَامَ مَكَّةَ أَظَلَّتِ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جعلت عليه ظلا (يوم فتحها) بفتح فسكون وفي نسخة بفتحات (فدعا لها بالبركة) هذا وقد قيل إنها من نسل الحمامة التي باضت على باب الغار بعد دخول سيد الأبرار لكن قال الدلجي وأما قصة العضباء فلم أدر من رواها ولا حديث حمام مكة. (وروي عن أنس) وفي نسخة عن ابن مسعود (وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة) على ما رواه ابن سعد والبزار والطبراني والبيهقي وأبو نعيم عنهم (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَمَرَ اللَّهُ لَيْلَةَ الْغَارِ شجرة) وفي نسخة شجرا (فثبتت تجاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) بضم التاء المبدلة من الواو أي قبالته التي تقتضي مواجهته قال الدلجي هو مجاز عن انبتها كما في كُونُوا قِرَدَةً قلت الظاهر أنه أمر تكوين وأنه على حقيقته كما حقق في قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (فسترته) أي تلك الشجرة عن أعين الفجرة وقد ذكر قاسم بن ثابت في الدلائل فيما شرح من الحديث أنه ﵊ لما دخل الغار ومعه أبو بكر أنت الله على بابه الراءة مثل الطاعة قال قاسم بن ثابت وهي شجر معروفة فحجبت عن الغار أعين الكفار وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى الراءة من أعلاث الشجر وتكون مثل قامة الإنسان ولها خيطان وزهر أبيض يحشى منه المخاد ويكون كالريش لخفته ولينه لأنه كالقطن ذكره السهيلي والأعلاث من الشجر القطع المختلطة مما يقدح به من المرخ واليبس على ما في القاموس (وأمر حمامتين فوقفتا) بالفاء وروي بالعين أي نزلتا (بفم الغار) أي لئلا يظن الأغيار دخول سيد الأبرار ومن معه من أصحابه الكبار قال الدلجي فسمت صلى الله تعالى عليه وسلم عليهما أي دعا لهما وانحدرا إلى الحرام فافرخا

стр. 639

كل حمام فيه؛ (وفي حديث آخر وأنّ) وفي نسخة صحيحة وأن (العنكبوت نسجت على بابه) أي على فم الغار (فلمّا أتى الطّالبون له) أي لسيد الأخيار (ورأوا ذلك) أي ما ذكر من وقوف الحمامتين ونسج العنكبوت (قالوا لو كان فيه أحد) أي ممن دخله هذا الوقت (لم تكن الحمامتان ببابه) أي ولا نسج العنكبوت ولعابه (والنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يسمع كلامهم فانصرفوا) أي ولم يدركوا مرامهم وفي مسند البزار أن الله أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأرسل إليه حمامتين وحشيتين وأن ذلك مما صد المشركين عنه وأن حمام الحرمين من نسل تينك الحمامتين (وعن عبد الله بن قرط) بضم القاف وسكون الراء له صحبة ورواية قال ابن عبد البر كان اسمه في الجاهلية سلطانا فسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عبد الله انتهى قتل بأرض الروم والحديث رواه الحاكم والطبراني وأبو نعيم عنه أنه قال (قرّب) بضم القاف وتشديد الراء المكسورة أي أدنى (إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بدنات) بفتحتين جمع بدنة وحكي بضمتين وهي ناقة أو بقرة ذكره الجوهري وزاد ابن الأثير وهي بالإبل اشبه وسميت بدنة لعظمها وسمنها فلا يلتفت إلى قول الدلجي وهي خاصة بالإبل ولا يلزم من الحاقه صلى الله تعالى عليه وسلم البقرة بها في الأجزاء عن سبعة تناول اسمها للبقرة شرعا بل الحديث وآية الحج يمنعانه انتهى ولا يخفى أنه إذا ثبت إطلاق البدنة على البقرة لغة وإلحاقها بالإبل شريعة فالمخالفة فيها مكابرة ومنع الحديث وآية الحج لها مصادرة (خمس أو ستّ أو سبع) شك من الراوي (لينحرها يوم عيد) أي من أعياد الأضحى (فازدلفن إليه) افتعلن من الزلف وهو القرب ومنه قوله تعالى حكاية لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ابدلت تاؤه دالا لمجاورتها الزاء ومنه المزدلفة والمعنى تقربن منه (بأيّهن يبدأ) أي في نحرها قال المزي صوابه يأيتهن بتاء التأنيث وفيه بحث. (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم في صحراء) أي بادية قفراء (فنادته ظبية يا رسول الله) فالتفت فإذا هي موثقة وأعرابي نائم (قال) أي لها (مَا حَاجَتُكِ قَالَتْ صَادَنِي هَذَا الْأَعْرَابِيُّ وَلِي خشفان) تنبيه خشف وهو بكسر الخاء وسكون الشين المعجمتين ولد الظبية الصغير (في ذلك الجبل فأطلقني) بفتح الهمزة وكسر اللام أي من القيد وأرسلني (حتّى أذهب) أي إلى ولدي (فأرضعهما) بضم الهمزة وكسر الضاد (وأرجع) أي إليك (قال أو تفعلين) بفتح الواو أي أتقولين هذا القول وتفعلين هذا الرجوع وفي نسخة صحيحة وتفعلين فالهمزة مقدرة وفي رواية قال أخاف أن لا ترجعي قالت إن لم أرجع فأنا شر ممن يأكل الربا وشر ممن ينام عن صلاة العشاء وشر ممن يسمع اسمك ولم يصل عليك (قالت نعم فأطلقها فذهبت ورجعت) أي بعد ما ارضعت (فأوثقها) أي فربطها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على حالها (فانتبه الأعرابيّ) أي وهو صلى الله تعالى عليه وسلم في المعالجة لها أو عندها (وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ تطلق) أي نعم هو أن تطلق أو هو خبر معناه أمر وفي نسخة صحيحة اطلق (هَذِهِ الظَّبْيَةَ؛ فَأَطْلَقَهَا فَخَرَجَتْ تَعْدُو فِي الصَّحْرَاءِ) أي تجري (وتقول) أي الظبية (أَشْهَدُ أَنْ لَا

стр. 640

إله إلّا الله وأنّك رسول الله) رواه البيهقي في دلائل النبوة من طرق وضعفه جماعة من الأئمة حتى قال ابن كثير لا أصل له وأن من نسبه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقد كذب لكن طرقه يقوي بعضها بعضا وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في الدلائل بإسناده فيه مجاهيل عن أم سلمة نحو ما ذكره المصنف وكذا رواه الطبراني بنحوه وساقه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب من باب الزكاة؛ (ومن هذا الباب) أي باب طاعة الحيوانات من طريق خرق العادات لبعض صحابته من تمام بركته صلى الله تعالى عليه وسلم (ما روي من) وفي نسخة في (تسخير الأسد لسفينة) غير منصرف للتأنيث والعلمية (مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) اعتقته ام سلمة وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واسمه مهران عند الأكثر وكنيته أبو عبد الرحمن على الأشهر ولقبه ﵊ سفينة لقضية مشهورة (إذ وجّهه) أي كان التسخير حين أرسله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إلى معاذ باليمن) أي حال إقامته فيه لقضائه (فلقي) أي سفينة (الأسد فعرّفه) بتشديد الراء أي فذكر له (أنّه مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه كتابه) أي مكتوبه ﵊ إلى معاذ أو غيره (فهمهم) بهاءين وميمين مفتوحتين فعل ماض من الهمهمة وهي الكلام بالخفية (وتنحّى عن الطّريق) أي وتبعد وتأخر الأسد عن طريق سفينة (وذكر) أي سفينة (في منصرفه) أي مرجعه أيضا (مثل ذلك) قال الدلجي لم أدر من رواه كذا وقد رواه البيهقي أن لقيه الأسد إنما كان حين ضل عن الجيش في أرض الروم قلت يحمل على تعدد الواقعة كما يشير إليه قول المصنف. (وفي رواية أخرى عنه) أي عن سفينة كما رواه البيهقي والبزار: (أنّ سفينة) أي من السفن (تكسّرت به) أي وسفينة في تلك السفينة (فخرج إلى جزيرة) وهي أرض ينجزر البحر عنها (فإذا الأسد) أي حاضر والمعنى فاجأه بغتة (فَقُلْتُ لَهُ أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فجعل يغمرني) بسكون الغين المعجمة وكسر الميم وتضم بعدها زاء أي يشير إلى ويحرك علي (بمنكبه) بفتح الميم وكسر الكاف أي بما بين كتفه وعنقه (حتّى أقامني) أي دلني (على الطّريق) وفي إيراد هذا الحديث إشارة إلى أن كرامة الولي بمنزلة معجزة النبي من حيث الدلالة على صدق النبوة والرسالة فإن الكرامة متفرعة على صحة المتابعة (وأخذ ﵊ كان الأولى أن يقال ومن ذلك أنه أخذ ﵊ (بأذن شاة لقوم من عبد القيس) قبيلة كبيرة مشهورة (بين إصبعيه) بكسر الهمزة وفتح الموحدة وجوز تثليث كل منهما فالوجوه تسعة (ثمّ خلّاها) أي تركها (فصار لها ميسما) بكسر الميم وفتح السين أي صار أثر أصبعيه لها علامة وهو في الأصل الحديدة التي يكوى بها ويجعل بسببها علامة فإطلاقه على العلامة مجاز في العبارة ظاهر العلاقة (وبقي ذلك الأثر فيها) أي في أصل تلك الشاة (وفي نسلها بعد) بالضم أي بعدها قال الدلجي لا أدري من رواه، (وما روي) أي ومن ذلك ما رُوِيَ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمَّادٍ بِسَنَدِهِ مِنْ كلام الحمار) في سيرة مغلطاي كان له صلى الله تعالى عليه وسلم من الحمير يعفور وعفير ويقال

стр. 641

هما واحد وآخر أعطاه سعد بن عبادة (أصابه) أي في سهمه وفي نسخة الذي أصابه (بخيبر وقال) أي الحمار وهو كان أسود (له اسمي يزيد بن شهاب) يعني ونعتي أن الله تعالى أخرج من نسلي ستين حمارا كلهم لم يركبه إلا نبي وقد كنت أتوقعك أن تركبني ولم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك وكنت ليهودي وكنت أعثر به عمدا وكان يجيعني ويضربني على ما رواه ابن أبي حاتم عن حذيفة في رواية يجيع بطني ويضرب ظهري (فسمّاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعفورا) بالقصر وفي نسخة يعفور كيعقوب (وأنّه) أي النبي ﵊ (كان يوجّهه) أي يرسله (إلى دور أصحابه) أي بيوتهم (فيضرب عليهم الباب برأسه ويستدعيهم) أي يطلب منهم إجابة الدعوة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وأنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا مات) أي ودفن (تردّى) أي رمى بنفسه (في بئر) أي لأبي الهيثم بن التيهان (جزعا) أي فزعا (وحزنا) بفتحتين أو بضم فسكون (فمات) أي فصارت قبره رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي منظور وقال لا اصل له وإسناده ليس بشيء وذكره ابن الجوزي في الموضوعات قلت قصة يعفور ذكرها غير القاضي فقد نقلها السهيلي في روضه عن ابن فورك في كتاب الفصول قال السهيلي وزاد الجويني في كتاب الشامل أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا أراد أحدا من أصحابه أرسل هذا الحمار إليه فيذهب حتى يضرب برأسه الباب فيخرج الرجل فيعلم أن قد أرسل إليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي رواية فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا وقد أخرجه ابن عساكر عن أبي منظور وله صحبة نحو ما سبق وقال هذا حديث غريب وفي إسناده غير واحد من المجهولين ورواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل كما تقدم والله تعالى أعلم. (وَحَدِيثُ النَّاقَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِهَا أَنَّهُ مَا سَرَقَهَا وَأَنَّهَا ملكه) رواه الطبراني عن زيد بن ثابت فيه مجاهيل والحاكم من حديث ابن عمر قال لذهبي وهو موضوع وفيه نظر. (وفي العنز) أي وفي حديث العنز كما في نسخة صحيحة وهي الأنثى من المعز (الّتي أتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في عسكره) أي حال كونه فيما بين جنده في غزوة له (وقد أصابهم عطش) أي شديد (ونزلوا على ماء) أي لضرورة بهم (وهم زهاء ثلاثمائة) أحوال متتابعة مترادفة أو متداخلة (فحلبها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأروى الجند) أي جميع العسكر، (ثمّ قال لرافع) أي مولاه كذا قال الدلجي لكن مولاه أبو رافع ولذا قال الحلبي رافع هذا لا أعرفه بعينه وفي الصحابة جماعة كثيرة يقال لكل منهم رافع (أملكها) بفتح الهمزة وكسر اللام أي أوثقها أو أربطها واحفظها (وما أراك) بضم الهمزة أي ما أظنك تملكها وتحفظها (فربطها) أي وغفل عنها (فوجدها قد انطلقت) أي ذهبت برأسها بحيث لم يدر أحد عنها، (رواه ابن قانع) وقد سبق ذكره (وغيره) منهم ابن سعد وابن عدي والبيهقي عن مولى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، (وفيه) أي وفي حديث ابن قانع (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنّ الّذي جاء بها) أي الله (هو

стр. 642

الّذي ذهب بها) فيه إيماء إلى أن إيجادها وإعدامها كليهما من خرق العادة (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (لفرسه ﵊ كذا في بعض النسخ المصححة وإنما محله قبله بعد قال كما لا يخفى ثم قيل كانت أفراسه صلى الله تعالى عليه وسلم أربعة وعشرين اتفق منها على سبعة (وقد قام إلى الصّلاة) أي والحال أنه قد أراد قيامه إليها (في بعض أسفاره) متعلق بقام كما هو أقرب أو يقال وهو أنسب (لا تبرح) أي لا تفارق مكانك (بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ حَتَّى نَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِنَا وجعله قبلته) أي في صوب قبلته أو في جهة مقابلته (فما حرّك عضوا) أي من أعضائه وهو بضم أوله ويكسر (حتّى صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حتى فرغ منها كما في أصل الدلجي والحق في بعض النسخ هنا وزعم بعضهم أنه من الأم؛ (ويلتحق بهذا) بصيغة المجهول أو المعلوم (ما روى الواقديّ) بكسر القاف قاضي العراق يروي عن ابن عجلان وثور وابن جريج وعنه الشافعي رحمه الله تعالى والصاغاني قال البخاري وغيره متروك وقد ذكر له ترجمة حسنة ابن سيد الناس في أول سيرته وذكر فيها ثناء الناس عليه وجرحهم له وأنه نسب إلى وضع الحديث وفي آخرها استقر الإجماع على وهن الواقدي (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَجَّهَ رُسُلَهُ إِلَى الْمُلُوكِ) أي لتبليغ الرسالة إليهم وتحقيق الحجة لديهم (فخرج ستّة نفر منهم) أي من رسله (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَأَصْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ) أي صار لما بلغ عندهم وأراد تبليغهم (يتكلّم بلسان القوم الّذين بعثه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إليهم) أي من الملوك واتباعهم من غير تعلم للسانهم وتعرف بشأنهم قال الكلاعي في النقاية وفي حديث ابن إسحاق قال ﵊ إن الله بعثني رحمة كافة فأدوا عني يرحمكم الله ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى فقال أصحابه وكيف اختلفوا يا رسول الله قال دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضي وسلم وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل فشكا عيسى ﵊ ذلك إلى الله تعالى فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها؛ (والحديث في هذا الباب) أي في معنى هذا النوع من المعجزة (كثير) أي ورد بطرق متعددة وقضايا متكثرة (وقد جئنا منه بالمشهور) أي في صحته وثبوته (وما وقع) أي ومما ورد (منه في كتب الأئمّة) أي المعروفين بالسنة والسيرة. فصل [في إحياء الموتى وكلامهم] (في إحياء الموتى وكلامهم) أي للأحياء قال القرطبي في تذكرته وكذا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أحيى الله على يديه جماعة من الموتى قال الحلبي وقد ذكر القاضي فيما يأتي جماعة منهم (وكلام الصّبيان) أي الأطفال قبل أوان التكلم (والمراضع) جمع راضع على خلاف القياس وهو أخص من الأول فتأمل ويحتمل أن يكون العطف تفسيريا ووقع في أصل الدلجي وكلام الصبيان المراضع بالوصف بدون العاطف (وشهادتهم) أي الصبيان (له بالنّبوّة)

стр. 643

أي المتضمنة للرسالة (صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ محمد بن رشد) بضم فسكون (وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التّميميّ) سبق (وغير واحد) أي وكثيرون من مشايخنا (سماعا) أي رواية (وإذنا) أي إجازة (قالوا) أي كلهم (حدّثنا أبو عليّ الحافظ) الظاهر أنه أبو علي الغساني (حدّثنا أبو عمر الحافظ) أي ابن عبد البر (حدّثنا أبو زيد) أي عبد الرحمن بن يحيى كما في نسخة (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ) تقدم (حدّثنا أبو داود) صاحب السنن (حدّثنا وهب بن بقيّة) بفتح موحدة وكسر قاف وتشديد تحتية روى عنه مسلم والبغوي ثقة (عن خالد هو الطّحّان) بتشديد الحاء أحد العلماء ثقة عابد زاهد يقال اشترى نفسه من الله ثلاث مرات يتصدق بزنة نفسه فضة (عن محمد بن عمرو) أي ابن علقمة بن وقاص الليثي يروي عن أبيه وأبي سلمة وطائفة وعنه شعبة ومالك ومحمد بن عبد الله الأنصاري (وعن أبي سلمة) وهو أحد الفقهاء السبعة على قول الأكثر (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) قال المزي في الأطراف كذا وقع هذا الحديث في رواية سعيد عن ابن الأعرابي عن أبي داود مسندا موصولا وعند باقي الرواة عن أبي سلمة وليس فيه أبو هريرة فهو مرسل (أنّ يهوديّة) وهي زينب أخت عبد الله بن سلام وقيل زينب بنت الحارث (أهدت للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بخيبر شاة مصليّة) بفتح الميم وكسر اللام وتحتية مشددة أي مشوية (سمّتها) بتشديد الميم من السم لا من التسمية أي وضعت السم فيها (فأكل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منها والقوم) بالرفع ويجوز نصبه وفي نسخة وأكل القوم أي منها أيضا (فقال أرفعوا أيديكم) أي عنها (فإنّها أخبرتني) أي حينئذ (أنّها مسمومة فمات) أي من أكلها (بشر بن البراء) بفتح الباء وتخفيف الراء وهو ابن معرور وإياك أن تعجمها فإنه تصحيف مغرور وهو خزرجي سلمي شهد العقبة وبدرا وأحدا قيل إنه مات في الحال وقيل لزمه وجعه حتى مات بعد سنة وقضية خيبر كانت في أول السابعة أو في آخر السادسة (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ما حملك) أي أيتها اليهودية (على ما صنعت قالت) أي حملني ما تردد في باطني من أنك (إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صَنَعْتُ وإن كنت ملكا) بكسر اللام أي ممن يدعى ملكا (أرحت النّاس منك قال) أي أبو هريرة كما رواه البيهقي عنه موصولا وأبو داود عن أبي سلمة مرسلا (فأمر بها) أي بقتلها (فقتلت. وقد روى هذا الحديث) أي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أنس) أي كما في الصحيحين (وفيه قالت أردت قتلك) إن لم تكن نبينا (فَقَالَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلِكَ) ويروى ليسلط على ذلك ويسلطك على أي على قتلي فإني نبي موعود بإكمال ديني وعصمة روحي (فقالوا نقتلها) وفي رواية إلا نقلتها (قال لا) أي لا تقتلوها ولعل هذا كان قبل موت بشر فلما مات أمر بقتلها به (وكذلك روي) أي هذا الحديث وفي نسخة وكذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ وَهْبٍ) أي ابن بقية وهو شيخ أبو داود (قال) أي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (فما عرض لها) أي فما

стр. 644

تعرض لها ولم يأمر بقتلها، (ورواه أيضا، جابر بن عبد الله) كما رواه أبو داود والبيهقي عنه (وفيه) أي في حديثه (أخبرتني به هذه الذّراع قال) أي جابر (ولم يعاقبها) أي ولم يؤاخذها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بما صدر عنها قبل موت بشر منها (وفي رواية الحسن) أي البصري (أنّ فخذها تكلّمني أنّها مسمومة) قلت وفي الجمع بينهما نصاب الشهادة؛ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فقالت) أي الشاة بكمالها أو ببعض اجزائها (إني مسمومة) أي فلا تأكل مني؛ (وكذلك ذكر الخبر ابن إسحاق) أي إمام المغازي (وقال فيه) أي في حديثه (فتجاوز عنها) أي عفا ابتداء؛ (وفي الحديث الآخر) الذي رواه الشيخان (عن أنس أنه قال فما زلت أعرفها) أي أثر سمها (في لهوات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) بفتح اللام والهاء جمع لهاة وهي اللحمة المعلقة في سقف أقصى الفم، (وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) كما رواه ابن سعد وهو في الصحيح (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فيه) وفي نسخة منه (ما زالت أكلة خيبر) بضم الهمزة أي لقمتها وخيبر بلدة على أميال من المدينة السكينة أكل بها من الشاة المسمومة (تعادّني) بضم التاء وتشديد الدال أي يراددني ويراجعني ويعاودني الم سمها في أوقات معينة لها وهو مأخوذ من العداد بكسر العين وهو اهتياج وجع اللديغ لوقت معلوم فإنه إذا تمت له سنة من حين اللدغ هاج به الالم (فالآن) وفي نسخة والآن أي وهذا الزمان الذي أنا فيه (أوان قطعت أبهري) والأوان بفتح الهمزة ويكسر بمعنى الوقت وهو هنا بفتح النون لإضافته إلى المبنى كما في قوله: على حين عاينت المشيب على الصبا أو بضمها على أنه مرفوع على الخبرية أي فهذا الزمان أوان قطعت على بناء الفاعل وهو الأكلة ومفعوله أبهري وهو بهمزة مفتوحة وسكون موحدة وفتح هاء عرق يكتنف الصلب والقلب إذا قطع لم يبق معه حياة وهو الذي يمتد إلى الحلق فيسمى الوريد وإلى الظهر فيسمى الوتين فكأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال هذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره كذا ذكره التلمساني والظاهر أنه على ظاهره وأن السم سرى إلى أبهره وقال الداودي الالم الذي حصل له من الأكلة هو نقص لذة ذوقه قال ابن الأثير وليس يبين لأن نقص الذوق ليس بألم قلت هو الم من العذاب الأليم كما يشهد به الذوق السليم (وحكى ابن إسحاق) أي في المغازي (إن) مخففة من المثقلة أي أن الشأن (كان المسلمون) أي الصحابة والتابعون (ليرون) بفتح اللام وضم الياء أي ليظنون وفي نسخة صحيحة بفتح الياء أي ليعتقدون (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مات شهيدا) أي نوعا من الشهادة (مَعَ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ) أي والرسالة لئلا يخلو من نوع من أبواب السعادة وهذا لا ينافي قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إذ المراد به عصمته من القتل على أيديهم وأما ما دونه فقد احتمل صلى

стр. 645

الله تعالى عليه وسلم في ذات الله ومرضاته حتى سم وسحر وكسرت رباعيته كما يشير إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم حين أصيبت رجله بحجر في طريقه هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وقد أجيب بأن الآية نزلت بتبوك والسم كان بخيبر قبل ذلك والله تعالى أعلم (وقال ابن سحنون) بفتح السين وضم النون منصرفا وممنوعا وهو محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي (أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم قتل اليهوديّة الّتي سمّته) وهو محمول على آخر أمرها فلا ينافي ما ورد من عدم التعرض لها في ابتداء حالها فقول الدلجي إن دعوى ابن سحنون يردها ما مر من حديث أنس وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما من رواية غير وهب بن بقية ليس في محله إذ سبق أن كل واحد من الحديثين يحمل نفيه قبل موت البراء وهذا معنى قول المصنف؛ (وقد ذكرنا اختلاف الرّوايات في ذلك) أي بحسب ما يتبين التخالف هنالك (عن أبي هريرة وأنس وجابر) أي ابتداء لا انتهاء كما يسير إليه قوله (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ دَفَعَهَا لِأَوْلِيَاءِ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ فَقَتَلُوهَا) أي بعد موت البراء فارتفع النزاع وثبت ما ذكره ابن سحنون من الإجماع، (وكذلك) أي مثل هذا الاختلاف أو نحوه (قَدِ اخْتُلِفَ فِي قَتْلِهِ لِلَّذِي سَحَرَهُ، قَالَ الواقدي وعفوه عنه أثبت عندنا) أي من قتله (وقد روي) وفي نسخة وقد روي عنه (أنّه قتله) ولعله عفا عنه أولا بسبب سحره المتعلق بخاصة نفسه ثم قتله لما صدر عنه بالنسبة إلى غيره أو لدفع ضرره عن المسلمين في آخر أمره أو أوحي إليه بعد عفوه أن يأمر بقتله وهذه الجملة معترضة (وروى الحديث) أي حديث الشاة المسمومة (البزّار عن أبي سعيد) أي الخدري (فذكر مثله) أي نحو ما سبق (إلّا أنّه قال) أي أبو سعيد (في آخره) أي في آخر حديثه (فبسط) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يده) أي مدها، (وقال) أي لأصحابه كما في نسخة (كلوا بسم الله) أي مبتدئين باسمه ومستعينين بذكره (فأكلنا) أي منها (وذكر اسم الله) أي عليها (فلم تضرّ منّا أحدا) عن الحافظ ابن حجر أنه منكر ذكره الدلجي ولعل وجه الإنكار عموم نفي الأضرار مع أنه ثبت في الصحيح موت البراء منه كما سبق به التصريح وكذا تقدم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تضرر منها إلى أن توفي بسببها وحصل له مرتبة الشهادة بها هذا والحديث رواه الجزري أيضا في الحصن الحصين بلفظ وأمر الصحابة في الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية أن أذكروا اسم الله وكلوا فأكلوا ولم يصب أحدا منهم شيء وأسنده إلى مستدرك الحاكم قال صاحب السلاح رواه الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري وقال صحيح الإسناد انتهى لكن قال بعض مشايخنا وفيه تأمل لا يخفى إذ المشهور بين أصحاب الحديث وأرباب السير أنه لم يأكل من تلك الشاة المسمومة أحد من الصحابة إلا بشر بن البراء كل منها لقمة ومات منها وأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بإحراق تلك الشاة ودفنها تحت التراب واحتجم

стр. 646

رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة وهو مولى لبني بياضة من الأنصار والله أعلم بالاسرار (قال القاضي أبو الفضل) أي المصنف (وَقَدْ خَرَّجَ حَدِيثَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ أَهْلُ الصَّحِيحِ) أي الذين التزموا الصحة (وخرّجه الأئمّة) أي البقية من أصحاب السنن المشتملة على الصحيح وغيره من الأقسام، (وهو حديث مشهور) أي بين الخاص والعام عند الجمهور من العلماء الأعلام (واختلف أئمّة أهل النّظر) أي من المتكلمين وغيرهم (في هذا الباب) أي باب خلق الله تعالى الكلام في الأجسام (فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ هُوَ كَلَامٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تعالى) أي في محل من الموجودات أعم من الحيوانات والنباتات والجمادات كما بينه مثلا بقوله (في الشّاة الميّتة) بتخفيف الياء ويجوز تشديدها (أو الشّجر والحجر) ذكرها بلفظ أو للتنويع (وحروف وأصوات) برفعهما عطف على كلام (يحدثها الله فيها) أي يوجدها في هذه الأشياء بلا حياة لها لعدم توقف ما ذكر عليها (ويسمعها) بضم الياء وكسر الميم أي من شاء أي خلقه (منها) أي من الأصوات والحروف (دون تغيير أشكالها) أي أنواع صورها (ونقلها عن هيئتها) أي حالتها وصفتها وتمام حقيقتها (وهو) أي هذا القول (مذهب الشّيخ أبي الحسن) أي الأشعري (والقاضي أبي بكر) أي ابن الطيب الباقلاني (رحمهما الله تعالى) أقول فعلى هذا كلام الشاة من جنس سلام الحجر وكلام الشجر فلا يصلح أن يكون مستندا لإحياء الموتى على ما ساقه المصنف كما لا يخفى بخلاف ما يستفاد من قوله (وآخرون ذهبوا إلى إيجاه) أي الله (الحياة) وفي نسخة إلى إيجاد الحياة لها (أوّلا ثمّ الكلام) بالنصب أو الجر أي ثم إيجاد الكلام (بعده) أي بعد إيجاد الحياة بها مع عدم تغيرها عن حالها، (وحكي هذا أيضا عن شيخنا) أي معشر أهل السنة (أبي الحسن) أي الأشعري (وكلّ) أي من القولين (محتمل) أي لإيجاد الحياة فيها أو لعدمها ولما كان التناقض بين القولين دفعه المصنف بحمل القول الثاني على الكلام النفسي لاستلزامه الحياة وحمل الأول على اللفظي لعدم استلزام خلقه في محل خلقها فيه بقوله (والله أعلم إذ لم نجعل) أي نحن ويجوز بصيغة الغائب أي أبو الحسن (الْحَيَاةَ شَرْطًا لِوُجُودِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ إِذْ لَا يستحيل وجودها مع عدم الحياة بمجرّدها) أي فيه (فأمّا إذا كانت) أي الحروف والأصوات (عِبَارَةً عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ شرط الحياة لها) أي للأصوات (إِذْ لَا يُوجَدُ كَلَامُ النَّفْسِ إِلَّا مِنْ حيّ) أقول وظاهر الآيات والأحاديث يؤيد القول الأول فتأمل منها قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وحديث إن الجبل ينادي باسمه أي فلان هل مر بك أحد ذكر الله تعالى فإذا قال نعم قال استبشر الحديث مع أنه ليس هناك خرق للعادة فالصحيح من مذهب أهل السنة والصريح من مشرب الصوفية أن الأشياء لها معرفة بموجدها كما يدل عليه قوله وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وأن لها السنة مسبحة لخالقها ويفهمها جنسها ومن أراد الله إدراكها (خلافا للجبائيّ) بضم الجيم وتشديد الموحدة بعدها ألف ممدودة نسبة الى جبا قرية بالسواد

стр. 647

وهو من متقدمي المعتزلة وكان إماما في علم الكلام وأخذه عن يعقوب بن عبد الله الشحام البصري رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره وعنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري علم الكلام وله معه مناظرات مستحسنة بعد ما أقام على الاعتزال معه أربعين سنة ثم رجع عن حاله وحسن مآله ومال إلى مذهب أهل السنة وصار إمام الأئمة قيل إنه مالكي المذهب وقال السبكي أخذ فقه الشافعي عن أبي إسحاق المروزي توفي عام ثلاثين وثلاثمائة وأما الجبائي فمات سنة ثلاث وثلاثمائة (من بين سائر متكلّمي الفرق) أي فرق الإسلامية إذ لم يوافقه أحد منهم (في إحالته) أي عدم إمكانه (وُجُودِ الْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ وَالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ إِلَّا مِنْ حَيٍّ مُرَكَّبٍ عَلَى تَرْكِيبِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ النّطق بالحروف والأصوات والتزم) أي الجبائي (ذلك) أي ما ذكره من التركيب (في الحصى) أي الذي سبح في يد المصطفى (والجذع) أي الذي حن وأنّ (والذّراع) أي الذي تكلم وبين (وقال) أي الجبائي (إنّ الله خلق فيها حياة وخرق) بالراء أي شق ويروى خلق (لها فما ولسانا وآلة) أي مما يتوقف النطق عليها (مكّنها) بتشديد الكاف وفي نسخة امكنها أي أقدرها الله تعالى (بها من الكلام وهذا) أي ما ادعاه دعوى بلا بينة منه فإنه كما قال المصنف (لو كان) أي وجد ما ذكره (لكان نقله والتّهمّم به) أي الاهتمام بنقله (أوكد) لكونه أغرب وأعجب فنقله أهم (من التّهمّم بنقل تسبيحه) أي الحصى في يديه صلى الله تعالى عليه وسلم (وحنينه) أي الجذع إليه واخباره أي الذراع له كذا في شرح الدلجي ولم يوجد لفظ وإخباره في الأصول المعتمدة (ولم ينقل أحد من أهل التفسير) أي شراح الحديث وفي نسخة من أهل السير أي أرباب التواريخ (والرّواية) أي من المحدثين (شيئا من ذلك) أي مما ادعاه الجبائي (فدلّ) أي عدم نقلهم ما ادعاه (عَلَى سُقُوطِ دَعْوَاهُ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إليه في النّظر) أي في نظر العقل وخبر النقل إذ المقام مقام خرق العادة وهو إنما يكون على وفق القدرة والإرادة وهو على كل شيء قدير (والله الموفّق) أي لتيسير كل عسير وفي نسخة والموفق الله لا سواه، (وروى وكيع) الظاهر أنه ابن الجراح وقد تقدم (رفعه) بالنصب وفي نسخة بصيغة الفعل أي رفع حديثه (عن فهد بن عطيّة) بالفاء في أوله وبالدال في آخره وفي نسخة بالراء وكلاهما لا يعرف على ما ذكره الدلجي تبعا للحلبي وفي المواهب عن مهد بالميم والدال ولعله تصحيف وإنما روى البيهقي عن سمر بن عطية بكسر السين المهملة وسكون الميم في آخره راء عن بعض أشياخه (أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أتي بصبيّ) أي جيء به إليه (قد شبّ) أي صار شابا (لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ فَقَالَ مَنْ أَنَا فَقَالَ رسول الله) أي أنت رسوله، (وروي) بصيغة المجهول وقد رواه البيهقي وابن عساكر (عن معرّض) بضم ميم وتشديد راء مكسورة وروي معرض بكسر أوله كأنه آلة (ابن معيقيب) بالتصغير وفي نسخة معيقب بحذف الياء الثانية (رأيت من النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عجبا) وفي المواهب أسند الحديث إلى معيقيب اليماني قال حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورأيت منه عجبا أي خرق عادة متضمنا لكرامة

стр. 648

(جيء) أي إليه (بصبيّ يوم ولد فذكر مثله) أي قال له من أنا قال رسول الله، (وهو حديث مبارك اليمامة) قال ابن دحية وهو موضوع ذكره الدلجي ولعله موضوع بإسناد غير معروف لما تقدم من الحديث هذا رواه البيهقي وابن عساكر فتأمل فإنه محل زلل (ويعرف) أي حديث المبارك أيضا (بحديث شاصونة) بضم الصاد وسكون الواو فنون فتاء وضبط في بعض النسخ بتحتية بدل النون وفي أخرى بفتح الصاد والواو وسكون الياء فهاء مكسورة أبو عبيد من أهل اليمن (اسم راويه) أي راوي حديث المبارك قال الحلبي هذا الصبي هو مبارك اليمامة وهو مذكور في الصحابة قال الذهبي في تجريده في الصحابة مبارك اليمامة في حديث معرض الصحابة (وفيه) أي في مروي شاصونة (فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صدقت) أي فيما نطقت (بارك الله فيك) أي في عمرك أو في أمرك (ثمّ إنّ الغلام لم يتكلّم بعدها) أي بعد هذه الكلمة أو الشهادة (حتّى شبّ) أي بلغ زمن التكلم وفيه إيماء إلى أن المراد بالغلام هنا هو الصبي قبل أن يصير شابا فهذا غير الصبي الذي تقدم والله تعالى اعلم (فكان) وفي نسخة صحيحة وكان (يسمّى مبارك اليمامة) أي لكونه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا له بالبركة أضيف إلى اليمامة لأنه كان من أهلها وفي القاموس أن اليمامة جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام وبلاد الجو منسوبة إليها سميت باسمها وهي أكثر نخيلا من سائر الحجاز وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة هذا وقد جمع الجلال السيوطي رحمه الله تعالى جميع من تكلم وهو صغير في هذه الأبيات: تكلم في المهد النبي محمد ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها تزني ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم (وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو وتكسر وهي سنة عشر من الهجرة؛ (وعن الحسن) أي البصري (أتي رجل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي وأسلم هو وامرأته (فذكر) أي الرجل (له أنّه طرح بنيّة) بالتصغير (له في وادي كذا) يعني وأنها هلكت على ظنه بها أو تردد في حياتها ومماتها (فانطلق) أي فذهب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (معه إلى الوادي) أي المعهود. (وناداها) أي البنية أبوها أو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الأظهر (باسمها يا فلانة أجيبي) أي دعوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (بإذن الله تعالى) أي بأمره وتيسيره (فخرجت) أي من الوادي وظهرت فيه (وهي تقول لبّيك وسعديك فقال لها) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (إِنَّ أَبَوَيْكِ قَدْ أَسْلَمَا فَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أردّك عليهما) أي بالحياة الأصلية أو المجددة ورددتك عليهما وإلا فتركتك على حالك (فقالت) وفي نسخة قالت (لا حاجة لي بهما) وفي نسخة فيهما (وجدت الله خيرا لي

стр. 649

منهما) والحديث عن الحسن لم يعلم من رواه كذا ذكره الدلجي ثم سياقه محتمل أن يكون من كلام الصغار أو في احياء الموتى لأن القضية تحتملهما إلا أن المصنف رحمه الله تعالى لم يرتب في هذا المحل إذا كان اللائق به أن يذكر أولا ما يتعلق بإحياء الموتى ثم يأتي بكلام الصبيان على طبق العنوان ثم رأيت الحديث في دلائل البيهقي صريحا في إحيائها حيث ذكر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا رجلا إلى الإسلام فقال لا أو من بك حتى تحيي لي ابنتي فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أرني قبرها فأراه إياه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم يا فلانة قالت لبيك وسعديك فقال صلى الله تعالى عليه وسلم اتحبين أن ترجعي إلى الدنيا فقالت لا والله يا رسول الله إني وجدت الله خيرا لي من أبوي ووجدت الآخرة خيرا من الدنيا فكان حق المصنف أن يقدم هذا الحديث بهذا اللفظ في صدر الباب ليكون مطابقا لعنوان الكتاب ثم يذكر ما أخرجه أبو نعيم أن جابرا ذبح شاة وطبخها وثرد في جفنة وأتى بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأكل القوم وكان ﵊ يقول لهم كلوا ولا تكسروا عظمها ثم إنه صلى الله تعالى عليه وسلم جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا الشاة قامت تنقص ذنبها كذا ذكره صاحب المواهب وأما ما ذكروا من احيائه ﵊ أبويه فالأصح أنه وقع على ما عليه الجمهور الثقات كما قال السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفات، (وعن أنس) كما رواه ابن عدي والبيهقي وابن أبي الدنيا وأبو نعيم (أَنَّ شَابًّا مِنَ الْأَنْصَارِ تُوُفِّيَ وَلَهُ أُمٌّ عجوز) أي مات حال وجودها (عمياء فسجّيناه) بتشديد الجيم أي غطيناه (وعزّيناها) بتشديد الزاء أي أمرناها بالصبر وحملناها على الشكر لوعد الأجر والحذر من الوزر ودعونا لها بجبر المصيبة ولولدها بالمغفرة (فقالت مات ابني) أي أمات (قُلْنَا نَعَمْ قَالَتْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) أي من نيتي في هجرتي (أنّي هاجرت إليك وإلى رسولك رجاء) بالنصب أي من أجل أملي (أن تعينني على كلّ شدّة) أي واقعة لي (فلا تحملنّ عليّ) بتشديد الياء (هذه المصيبة) إذ لست لحملها مطيقة هذا ولا يبعد أن يكون أن بمعنى إذ لكن الأولى ما قدمناه من أن الترديد غير راجع إلى علمه بل إلى معلومه من حيث عدم جزمها بكون هجرتها خالصة وقد أبعد الدلجي بقوله تجاهلا منها فيه (فما برحنا) بكسر الراء أي ما ذهبنا من مكاننا ولا نزلنا في موضعنا (حتى كشف الثوب) كذا في أصل الدلجي أي إلى أن كشفه وفي الأصول المعتمدة أن كشف الثوب أي فما زلنا كشفه وما فارقنا رفعه (عن وجهه) بعد دعائها إلى احيائه (فطعم وطعمنا) بكسر العين أي فعاش مدة بدعائها وأكل وأكلنا معه وفيه إشارة إلى أن الكرامات نوع من المعجزات بل هي أبلغ منها حيث حصل للتابع ما يحصل للمتبوع من خوارق العادات هذا وليس فيه صريح دلالة على إحيائه بعد أماته لاحتمال اغمائه مع وجود سكته لكن زال الغم بدعاء الأم. (وروي) أي على ما نقله البيهقي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ كُنْتُ فِيمَنْ دَفَنَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شمّاس) بتشديد الميم قال الحلبي ثابت هذا أنصاري خطيب الأنصار وقد شهد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم

стр. 650

بالجنة وذلك أنه لما نزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية احتبس ثابت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم وَكَانَ فِي أُذُنَيْهِ صَمَمٌ فَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وقال لقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأنا من أهل النار فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال بل هو من أهل الجنة روى عنه بنوه وأنس (وكان) أي ثابت (قتل باليمامة) وكانت وقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة في خلافة الصديق (فَسَمِعْنَاهُ حِينَ أَدْخَلْنَاهُ الْقَبْرَ يَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ عُمَرُ الشَّهِيدُ، عُثْمَانُ) وفي نسخة وعثمان (البرّ) بفتح الموحدة (الرّحيم) أي البار لقومه عامة والرحيم برحمة خاصة. (فنظرنا) أي مختبرين حاله من حياة وموت (فإذا هو ميّت) هذا الحديث دليل كلام الموتى لا إحيائهم كما لا يخفى، (وذكر عن النّعمان بن بشير) كما رواه الطبراني وأبو نعيم وابن منده عنه وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن أنس (أنّ زيد بن خارجة) بالخاء المعجمة ثم الجيم (خرّ ميّتا) أي سقط من قيام أو قعود حال كونه ميتا وجوز أن يكون التقدير وقد خر حيا فمات به في عقبه ويؤيده ما في رواية ابن أبي الدنيا على ما نقله عنه القسطلاني فبينما هو يمشي في طريق من طرق المدينة بين الظهر والعصر إذ خر فتوفي (في بعض أزقّة المدينة) بكسر الزاء وتشديد القاف جمع زقاق أي بعض طرقها المسلوكة في داخلها (فرفع) أي جسده (وسجّي) أي غطى وجهه (إذ سمعوه بين العشاءين والنّساء يصرخن) بضم الراء أي يبكين بصياحهن (حوله) أي ومعهن رجال من أهله (يقول أنصتوا أنصتوا) بفتح الهمزة وكسر الصاد المهملة فيهما أي اسكتوا واستمعوا والتكرير للتأكيد فنظروا فإذا الصوت من تحت الثياب (فحسر) بصيغة الفاعل أي كشف غطاؤه (عن وجهه) وفي نسخة بصيغة المفعول ويؤيده أنه في رواية فحسروا عن وجهه (فقال) أي القائل على لسانه كما في رواية (محمد رسول الله) صلى الله تعالى عليه وسلم (النبي الأمّيّ وخاتم النّبيّين) أي آخرهم (كان ذلك) أي كونه رسولا نبيا أميا وخاتما كليا (في الكتاب الأول) أي اللوح المحفوظ الذي كل ما فيه لا يبدل (ثمّ قال) أي زيد (صدق صدق) أي رسول الحق والتكرير للتأكيد أو صدق فيما أخبر به عن الابتداء كما أنه صدق فيما انبأ به عن الانتهاء، (وذكر أبا بكر وعمر وعثمان) أي بخير أو بأنهم صدقوا فيما عاهدوا الله عليه أو بأنهم ممن قال تعالى فيهم وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ وذلك لما كشف له من أحوال الآخرة هذا وقد تصحف علي الدلجي حيث قال صدق صدق أمر مخاطب (ثمّ قال) أي زيد (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته) وهو سلام وداع إما غيبة وإما مشاهدة ويؤيده أنه في رواية قال هذا رسول الله الخ قال التلمساني روي تركناه أقول الظاهر إنه تصحيف (ثمّ عاد ميّتا كما كان) أي عود البدء واعلم أن صاحب الاستيعاب ذكر في زيد بن خارجة بن زيد أنه هو الذي تكلم بعد الموت لا يختلفون في ذلك قال الذهبي وهو الصحيح وقيل هو أبوه وذلك وهم لأنه قتل يوم أحد قال

стр. 651

ابن عبد البر توفي في زمن عثمان فسجي بثوب ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم فقال أحمد أحمد في الكتاب الأول صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوي الأمين في أمر الله في الكتاب الأول صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الأمين في الكتاب الأول صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجه مضت أربع وبقي سنتان أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف وقامت الساعة وسيأتيكم خبر بئر أريس وما بئر أريس هذا وعن سعيد بن المسيب أن رجلا من أنصار توفي فلما كفن وأتاه القوم يحملونه تكلم فقال محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخرجه أبو بكر بن الضحاك والله اعلم. فصل [في إبراء المرضى وذوي العاهات] (في إبراء المرضى وذوي العاهات) أي الآفات (قال) أي المصنف (أخبرنا أبو الحسن عليّ بن مشرّف) بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد الراء المفتوحة (فيما أجازنيه وقرأته على غيره قال) أي أبو الحسن أو كل منه ومن غيره (حدّثنا أبو إسحاق الحبّال) بتشديد الموحدة (حدّثنا أبو محمد بن النّحّاس) بتشديد الحاء المهملة (ثنا أبو الورد) وهو راوي سيرة ابن هشام (عن البرقيّ) بفتح الموحدة وسكون الراء وهو أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم بن أبي زرعة البغدادي الزهري مولاهم (عن ابن هشام) هو الإمام الأديب العلامة أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب صاحب السيرة قال السهيلي مشهور بكمال العلم متقدم في علم النسب والنحو والأدب وأصله من البصرة قدم مصر وحدث بالمغازي وتوفي بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين (عن زياد البكّائي) بفتح الموحدة وتشديد الكاف نسبة إلى جد له اشتهر بالبكاء وقيل سمي به لأنه دخل على أمه وهي تحت أبيه فبكى وصاح وقال إنه يقتل أمي روى عنه أحمد وقال ابن معين لا بأس به في المغازي خاصة (عن محمّد بن إسحاق) وهو الإمام في المغازي (ثنا ابن شهاب) وفي نسخة ابن هشام والأول هو الصواب والمراد به الزهري وهو أحد مشايخ ابن إسحاق المذكور (وعاصم بن عمر بن قتادة) أي ابن النعمان الظفري يروي عن أبيه وجابر وعنه جماعة صدوق وكان علامة في المغازي مات سنة عشرين ومائة أخرج له أصحاب الكتب الستة (وجماعة) أي آخرون (ذكرهم) أي ابن إسحاق (بقضيّة أحد) أي في غزوته (بطولها) أي بجميع ما يتعلق بها ومنها هذه القصة بخصوصها وقد رواها البيهقي أيضا (قال) أي ابن إسحاق (وقالوا) أي مشايخنا المذكورون (قال سعد بن أبي وقّاص) أي في غزوة أحد وهو أحد العشرة المبشرة (إنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ لَا نَصْلَ لَهُ) بالصاد المهملة حديدة السهم والرمح وفي نسخة بالضاد المعجمة وهو تصحيف وتحريف. (فيقول ارم به) أي فأرمي به فيقتل من أصابه وهذا من خرق العادة ولعل هذا كان بعد فراغ السهام التي لها نصل (وقد رمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على ما رواه ابن إسحاق والبيهقي عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا

стр. 652

(يومئذ) أي يوم أحد (عن قوسه) وهي المسماة بالكتوم لانخفاض صوتها إذا رمى عنها (حتّى اندقّت) بتشديد القاف أي انكسرت وفي نسخة حتى اندقت سيتها كذا في السير (وأصيب) وروي وأصيبت (يومئذ عين قتادة يعني ابن النّعمان) بضم النون وهو تفسير من الراوي (حتّى وقعت على وجنتيه) بتثليث الواو والفتح أفصح أي سالت على أعلى خده فأتى به صلى الله تعالى عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي أمرأة أحبها وأخشى إن رأتني تقذرني فأخذها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده وردها إلى موضعها وقال اللهم أكسه جمالا وفي رواية أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ما هذا يا قتادة فقال هذا ما ترى يا رسول الله فقال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت رددتها ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئا فقال يا ارسول الله إن الجنة أجر جزيل وعطاء جليل جميل ولكني أكره أن أعير بالعور فردها إلي واسأل الله لي الجنة فقال افعل فاعادها إلى موضعها ودعا لي بالجنة وهذا معنى قوله (فردّها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر ابن قتادة مرسلا ووصله ابن عدي والبيهقي عن عاصم عن جده قتادة البيهقي من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري عن قتادة (فكانت) أي عينه المردودة (أحسن عينيه) لأنها المقبولة وكانت أيضا أحدهما نظرا ولا ترمد إذا رمدت الأخرى ولهذا ظهر ضعف قول التلمساني يجوز أن يكون اكتفى بذكر إحدى العينين عن الأخرى إذ روي أنهما أصيبتا معا فردهما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فبرئتا انتهى ويمكن الجمع بتفرق القضيتين هذا وقد وفد على عمر ابن عبد العزيز رجل من ذريته فسأله عمر من أنت فقال: أبونا الذي سالت على الخد عينه ... فرددت بكف المصطفى أيما رد فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد فوصله عمر وأحسن جائزته وقال: تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بماء فعادا بعد أبوالا وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة قال كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما رآها في كفي دمعت عيناه فقال اللهم ق قتادة كما وقى نبيك بوجهه واجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرا (وَرَوَى قِصَّةَ قَتَادَةَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قتادة) أي كما تقدم قيل وهو الذي قدم على عمر بن عبد العزيز كما سبق (وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) كذا في النسخ ولم يعرف في رواة الحديث بل ولا في حملة العلم أحد يقال له يزيد بن عياض بن عمر بن قتادة وقال الحلبي الصواب يزيد بن عياض عن ابن عمر بن قتادة فيكون سقط عن وذلك لأن عاصم بن عمر شيخ يزيد هذا ويزيد ابن عياض ليثي حجازي حدث عن نافع وابن شهاب والمقبري وعاصم بن عمر بن قتادة

стр. 653

وجماعة وعنه علي بن الجعد وشيبان وعدة قال البخاري وغيره منكر الحديث وقد رماه مالك بالكذب وقد أخرج له الترمذي وابن ماجة ولا يحتمل أن يكون يزيد بن عياض يروي عن عمر بن قتادة لأن عمر بن قتادة لم يرو عنه إلا ولده عاصم ولا يعرف إلا بروايته عنه وجده ذكره ابن حبان في الثقات (ورواها) أي قصة قتادة (أبو سعيد الخدريّ عن قتادة) فهي رواية الأكابر عن الأصاغر (وبصق) أي بزق (عَلَى أَثَرِ سَهْمٍ فِي وَجْهِ أَبِي قَتَادَةَ) كما رواه البيهقي من حديث أبي قتادة وهو الحارث بن ربعي وقيل غير ذلك (في يوم ذي قرد) بفتح القاف والراء فدال مهملة وحكى السهيلي عن أبي علي الضم فيهما وهو منصرف ماء على ليلتين وقيل ليلة من المدينة بينها وبين خيبر ويقال لها غزوة الغابة كان يومه قبل خيبر بثلاثة أيام ذكره الحجازي قال ابن سعد كانت في ربيع الأول سنة ست وفي البخاري بعد حنين بثلاثة أيام وقبل الحديبية وفي مسلم نحوه وقال ابن القيم في الهدى وهذه الغزوة كانت بعد الحديبية وقد وهم فيها جماعة من أهل المغازي والسير فذكروا أنها قبل الحديبية ثم استدل على صحة ما قال بما أورده فيه (قال) أي أبو قتادة (فما ضرب عليّ) أي ضربانا (ولا قاح) من القيح وهي المدة لا يخالطها دم يقال منه قاح الجرح يقيح إذا حصل فيه مادة بيضاء؛ (وروى النّسائيّ) بالقصر ويمده بإسناده في سننه وهو الذي تأخر بعد الثلاثمائة من أصحاب الكتب الستة سمع قتيبة وطبقته وأصحاب مالك انتهى إليه علم الحديث وروى عنه الكتاني وابن السني (عن عثمان بن حنيف) بضم مهملة وفتح نون وعثمان هذا هو أخو عبادة وسهل وله صحبة ورواية شهد أحدا وما بعدها وهو أحد من تولى مسح سواد العراق لعمر وولى البصرة لعلي (أَنَّ أَعْمَى قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ الله أن يكشف لي عن بصري) أي يزيل عنه ما حجبه (قال فانطلق) وفي نسخة صحيحة فانطلق أي اذهب (فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قُلْ اللَّهُمَّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك) أي ملتجئا ومتوسلا (بنبيب) وفي رواية بنبيك (محمّد نبيّ الرّحمة يا محمّد) فيه التفات (إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّكَ أَنْ يَكْشِفَ عن بصري اللهمّ) التفات آخر (شفّعه فيّ) بتشديد الفاء والياء أي أقبل شفاعته في حقي (قال) أي عثمان الراوي (فرجع) أي الأعمى (وقد كشف الله عن بصره) والظاهر أن قوله يا محمد من جملة الدعاء المأمور به فلا يكون التصريح باسمه من باب سوء الأدب في ندائه فلا يحتاج إلى تكلف الدلجي بقوله ولعله كان قبل علمه بتحريمه أو قبل تحريمه بقوله تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً هذا وقد رواه الترمذي أيضا وقال حسن صحيح غريب والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجة في الصلاة والحاكم والبيهقي وصححاه؛ (وروي) كما رواه أبو نعيم والواقدي عن عروة (أنّ ابن ملاعب الأسنّة) بضم الميم وكسر العين والأسنة بتشديد النون جمع سنان وهو الرمح ويقاله ملاعب الرماح أيضا وتعبيره بالملاعب أبلغ من اللعب سمي به لتقدمه وشجاعته فكأنه يلاعبها قال الحلبي لا أعرف ابنه وأما هو فعامر بن مالك عم عامر بن الطفيل وقد ذكره بعضهم في الصحابة لكن قال الذهبي في تجريده والصحيح أنه لم يسلم وقد قدم المدينة

стр. 654

فعرض عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإسلام فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام في قصة بئر معونة (أصابه استسقاء) أي المرض المعروف بكثرة شرب الماء وسببه اجتماع ماء أصفر في البطن (فبعث إلى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي واحدا يستشفيه (فأخذ) أي النبي ﵊ (بيده حثوة من الأرض) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة لغة في حثية بالياء من حثا التراب عليه يحثوه ويحثيه والمعنى أخذ قبضة منها (فتفل عليها) أي بصق قال أبو عبيد النفث بالفم شبيه بالنفخ وأما التفل فلا يكون إلا ومعه شيء من الريق، (ثمّ أعطاها رسوله) أي الذي جاء من عنده (فأخذها متعجّبا يرى) بضم الياء أو فتحها أي يظن أو يعتقد (أنّ قد هزىء به) بضم هاء وفتح وكسر زاء فهمز وأن مخففة من المثقلة اكتفاء بمرفوعها واسمها ضمير الشأن وضمير به راجع إلى ابن الملاعب وذلك لما شاع في هذا الباب أن ذلك تراب (فأتاه بها) أي بالحثوة (وهو على شفا) بفتح الشين المعجمة مقصورا منونا وهو حرف كل شيء ومنه قوله تعالى وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ أي حرفها وطرفها ويقال اشفى المريض على الموت وما بقي الا شفا أي قليل وأشفى عليه أشرف أي والحال أنه مشرف على الموت (فشربها) أي بانضمامها إلى ما عنده من الماء فكأنه عرف بالإيماء إليه أنه نافع للاستسقاء (فشفاه الله) أي عافاه مما ابتلاه (وذكر العقيليّ) بضم المهملة وفتح القاف صاحب كتاب الضعفاء قال ابن القطان أبو جعفر العقيلي مكي ثقة جليل القدر عالم بالحديث مقدم في الحفظ توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة (عن حبيب بن فديك) مصغر فدك بالدال المهملة (ويقال فريك) أي بالراء وبالأول رواه البيهقي والطبراني ورواه ابن أبي شيبة بالثاني وأما حبيب فبفتح الخاء المهملة وروي بضم المعجمة مصغرا (أَنَّ أَبَاهُ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ فَكَانَ لَا يُبْصِرُ بهما شيئا) وروي أنه ﵊ سأله عما أصابه قال كنت أقود جملا لي فوقعت رجلي على بيض حية فعميت (فنفث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي نفخ (في عينيه فأبصر) أي بهما (فرأيته) أي أبي بعد ذلك (يُدْخِلُ الْخَيْطَ فِي الْإِبْرَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ) أي سنة كما في رواية وفي رواية وأن عينيه لمبيضتان في المواهب رواها ابن أبي شيبة والبغوي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم، (وَرُمِيَ كُلْثُومُ بْنُ الْحُصَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ فِي نحره) أي صدره (فبصق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيه فبرأ) بفتح الراء ويكسر وقيل برا من المرض بفتح الراء وبرئ من الدين بكسرها قال الدلجي لا أدري من رواه انتهى قال الخلبي كلثوم بن الحصين أبو ذر الغفاري شهد أحدا وبايع تحت الشجرة واستخلفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على المدينة في عمرة القضاء وعام الفتح وأصيب بسهم في نحره فسمي المنحور وجاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فبصق عليه فبرأ روى الزهري عن ابن أخيه عنه وقد أخرج له أحمد في المسند والبخاري في كتاب الأدب المفرد وليس له في الكتب الستة شيء (وتفل) أي بصق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (على شجّة عبد الله بن أنيس) بالتصغير والشجة الضربة في الوجه والرأس

стр. 655

فقط وقد يسمى بذلك ما يكون في سائر الجسد مجازا (فلم تمدّ) بضم التاء وكسر الميم وتشديد الدال من أمد الجرح صارت فيه مدة أي قيحا والمعنى لم تحصل مادة من القيح في ذلك الجرح والحديث رواه الطبراني وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه منهم عبد الله بن أنيس إلى اليسير بن رزام وكان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما قدموا عليه كلموه وقربوا له وقالوا إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك فلم يزالوا به حتى خرج معهم فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره حتى إذا كانوا بالقرقرة على تسعة أميال من خيبر ندم اليسير بن رزام على مسيره إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ففطن له عبد الله بن أنيس وهو يدير السيف فاقتحم به ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه اليسير بمخرش في يده من شوحط فأمه فلما قدم عبد الله بن أنيس على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه، (وَتَفَلَ فِي عَيْنَيْ عَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ وَكَانَ) أي على (رمدا) بفتح الراء وكسر الميم أي ذا رمد بفتحتين وهو وجع العين وفي الحديث لا هم إلا هم الدين ولا وجع إلا وجع العين (فأصبح بارئا) بكسر الراء بعدها همزة أي فصار معافى والحديث رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي ففي البخاري في غزوة خيبر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال أين علي بن أبي طالب فقالوا يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في عينيه فدعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال فأرسلني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى علي فجئت به أقوده أرمد فبصق في عينيه فبرأ وعند الطبراني من حديث علي قال فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلي صلى الله تعالى عليه وسلم الراية يوم خيبر وعند الحاكم من حديث علي فوضع صلى الله تعالى عليه وسلم رأسي في حجره ثم بصق في راحته فدلك بها عيني وعند الطبراني فما اشتكيتهما حتى الساعة قال ودعا لي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال اللهم أذهب عنه الحر والقر قال فما اشتكيتهما حتى يومي هذا (ونفث) أي ثلاث نفثات (عَلَى ضَرْبَةٍ بِسَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ يَوْمَ خيبر فبرئت) بفتح الراء وفي نسخة فبرئت بكسر الراء وهي لغة أهل الحجاز وفي رواية فما اشتكاها قط رواه البخاري (وفي رجل زيد بن معاذ) أي ونفث فيها (حين أصابها السّيف إلى الكعب) أي إلى الكعب رجله (حين قتل ابن الأشرف) وهو كعب بن الشرف اليهودي وقصته مشهورة (فبرئت) أي رجله رواه عبد بن حميد في تفسيره عن عكرمة ورواه ابن إسحاق والواقدي أيضا لكن قالا بدل زيد بن معاذ الحارث بن أوس ورواه البيهقي من حديث جابر وذكر بدلهما عباد بن بشر وهو ممن حضر قتل كعب وأما زيد ابن معاذ فقال الحلبي لا أعرف أنه ذكر في هذه الواقعة بل ولا في الصحابة أحد يقال له زيد ابن معاذ إلا أن يكون أحد نسب إلى جده أو جد له أعلى بل الذي جرح في رأسه أو رجله على الشك من الراوي في قتل كعب بن الأشرف إنما هو الحارث بن أوس بن معاذ بن

стр. 656

النعمان بن امرئ القيس بدري قتل يوم أحد وله ثمان وعشرون سنة وقيل الذي حضر كعبا وهو الحارث بن أوس بن النعمان الحارثي وقد حكى الذهبي القولين ثم قال وقيل هما واحد نسب إلى جده الأعلى لكن افترقا بالنسب كما ترى انتهى وقد سمي في رواية البخاري الذين قتلوا كعبا منهم الحارث بن مسلم وكذا مسلم في الجهاد فعليه الاعتماد هذا وقد وقال بعضهم إن زيد بن معاذ هو ابن أخي سعد بن معاذ وأنه نقله غير القاضي كذلك ولعلهما اطلعا على المراد (وعلى ساق عليّ بن الحكم) بفتحتين صحابي وهو أخو معاوية بن الحكم السلمي (يوم الخندق إذ انكسرت) أي نفث حين انكسرت ساقه (فبرأ) وفي نسخة فبرئ (مكانه) أي ولم يتعد زمانه (وما نزل عن فرسه) أي والحال إنه لم يقدر على نزوله عن فرسه إذ جاءه يستشفيه رواه أبو القاسم البغوي في معجمه (واشتكى عليّ بن أبي طالب) أي مرض أو اشتكى وجعا (فجعل) أي شرع علي أو قصد (يدعو) أي يطلب الله تعالى أن يعافيه (فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم اللهمّ اشفه) روي بالضمير وهاء السكت وكذا قوله (أو عافه) والشك من الراوي (ثمّ ضربه برجله) أي لتصيبه بركة فعله بعد أثر قوله (فما اشتكى ذلك الوجع بعد) بضم الدال أي ما شكاه بعد دعائه وأصابه رجله لبعض اجزائه رواه البيهقي (وَقَطَعَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ يَدَ مُعَوِّذِ) بتشديد الواو المكسورة وتفتح (ابن عفراء) بمهملة ففاء فراء ممدودة قال الحلبي والمعروف أن ابن أبي جهل عكرمة فعل ذلك بمعاذ بن عمرو بن الجموح حين ضرب أباه وكذا نقله أبو الفتح اليعمري ابن سيد الناس عن القاضي عياض ثم قال معوذ صحابي قتل يوم بدر وهو من جملة أربعة عشر قتيلا من المسلمين في وقعة بدر رضي الله تعالى عنهم أقول ولا منع من الجمع فتأمل (فجاء) أي معوذ أو معاذ (يَحْمِلُ يَدَهُ فَبَصَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي عليها (وألصقها فلصقت) بكسر الصاد، (رواه ابن وهب ومن روايته أيضا) وكذا رواه البيهقي عن ابن إسحاق (أنّ خبيب بن يساف) بفتح الياء في نسخة إساف بكسر الهمزة ويفتح وأما خبيب فهو بخاء معجمة وموحدتين بصيغة التصغير في النسخ وهو موافق لما في القاموس ومطابق لما ذكره الحلبي وضبطه الدلجي بمهملة وباءين بينهما مثلثة والظاهر من كلامه أنه بفتح أوله وكسر ثانيه (أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي حال كونه معه أي بقربه (بضربة على عاتقه) أي ما بين منكبه وعنقه (حتّى مال شقّه) بكسر الشين وتشديد القاف أي أحد شقيه بانفصاله عنه بحد سيفه (فردّه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بإمالته إلى محله (ونفث عليه حتّى صحّ) أي التأم قال الحلبي وحبيب هذا خزرجي شهد بدرا واحدا وما بعدهما وكان نازلا بالمدينة فتأخر إسلامه حتى سار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بدر فلحقه في الطريق فأسلم وشهد بدرا فضربه رجل على عاتقه يومئذ فمال شقه فتفل عليه ولأمه ورده فانطلق فقتل الذي ضربه وتزوج ابنته بعد ذلك وكانت تقول لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح فيقول لا عدمت رجلا عجل أباك إلى النار وتوفي في خلافة عثمان؛

стр. 657

(وأتته امرأة من خثعم) قبيلة معروفة (معها صبي به بلاء) أي عارض (لا يتكلّم) أي بسببه (فأتي بماء فمضمض فاه) أي فمه (وغسل يديه) الظاهر إلى رسغيه (ثمّ أعطاها إيّاه) أي الماء (وأمرها بسقيه) أي بشرب الصبي منه (ومسّه به) أي مسحه ببله ووقع في أصل الدلجي وأمرها أن تسقيه ومس به أي مس صلى الله تعالى عليه وسلم الصبي بالماء (فبرأ الغلام وعقل عقلا يفضل) بضم الضاد المعجمة وتفتح أي يزيد ويغلب (عقول النّاس) رواه ابن أبي شيبة عن أم جندب مرفوعا. (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا به جنون فمسح) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (صدره فثعّ ثعّة) بمثلثة ومهملة مشددة فيهما أي قاء مرة (فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود) بتثليث الجيم ولد الكلب والسبع (فشفي) بصيغة المجهول أي برئ من جنونه وفي نسخة فسعى بفتح السين والعين المهملتين أي مشى واشتد عدوا والظاهر أنه تصحيف ثم فاعل سعى الجرو وهو الأقرب أو المبتلى وهو الأنسب والحديث رواه أحمد والبيهقي وابن أبي شيبة ففي مسند أحمد ثنا حما ثنا يزيد حدثنا حماد بن سلم عن فرقد السنجي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن به لمما وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا قال فمسح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صدره ودعا له فثع ثعة فخرج من فيه مثل الجرو الأسود فشفى وقد ذكره أحمد أيضا من طريق أخرى فقال حدثنا أبو سملى حدثنا حماد بن سلمة عن فرقد فذكر نحوه إلا أنه قال فثع أي سعل انتهى والظاهر أن قوله سعل بيان لسبب قيئه أي فسعل فقاء، (وانكفأت القدر) بهمزة مفتوحة بعد الفاء أي انقلبت البرمة وسقطت (على ذراع محمد بن حاطب) بحاء مهملة وطاء مكسورة فموحدة وفي نسخة حاتم وهو غير صحيح والمراد به ابن الحارث بن معمر القرشي من بني جمح ولد بالحبشة قيل هو أول من سمي في الإسلام محمدا له صحبة (وهو طفل) جملة حالية (فَمَسَحَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ وَتَفَلَ فِيهِ فَبَرَأَ لحينه) أي على فوره رواه النسائي والطيالسي والبيهقي (وكانت في كفّ شرحبيل) بضم أوله ويقال له شراحيل (الجعفيّ) بضم الجيم (سلعة) بكسر السين وتفتح وسكون اللام وهي زيادات تحدث في الجسد بين الجلد واللحم كالغدة تكون من قدر حمصة إلى قدر بطيخة إذا غمزت باليد تحركت (تمنعه القبض على السّيف وعنان الدّابّة) بكسر العين أي لجامها أو زمامها (فشكاها للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فما زال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يطحنها) بفتح الحاء أي يعالجها ويفصحها بكفه (حتّى رفعها) أي أزالها من كفه (ولم يبق لها أثر) أي في محلها رواه الطبراني والبيهقي. (وسألته جارية) أي بنت أو مملوكة (طعاما، وهو يأكل) جملة حالية (فناولها من بين يديه) أي بعض ما لديه (وكانت) أي قبل ذلك (قليلة الحياء) لعلها لخلل كان بعقلها (فَقَالَتْ إِنَّمَا أُرِيدُ مِنَ الَّذِي فِي فِيكَ) أي في فمك (فناولها ما في فيه، ولم يكن) أي من عادته (يسأل شيئا فيمنعه) بالنصب على جواب النفي (فلمّا استقرّ) أي مأكولها الذي ناولها (في جوفها ألقي عليها من الحياء) أي شيء عظيم

стр. 658

منه حتى بسببه (لم تكن امرأة بالمدينة) أي فضلا عن غيرها (أشدّ حياء منها) أي ببركته ويمن همته. فصل [في إجابة دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم] (في إجابة دعائه ﵊ أي لقوم وعلى بعض (وهذا باب واسع) أي متسع ذيله وما يتعلق به (جدّا) بكسر الجيم وتشديد الدال منصوب على المصدر أي وسعا كثيرا (وإجابة دعوة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لجماعة بما دعا لهم) أي بالخير تارة (وعليهم) أي بالشر تارة وهذا مفهوم كلام المصنف بحسب الظاهر ولكن الأظهر أن المراد به أنه دعا لبعض منهم بالمنفعة ولآخرين منهم بالمضرة ولذا قال التلمساني فكأنه أوصله نفعا وصب عليه شرا (وهذا أمر متواتر في الجملة) وفي نسخة على الجملة أي لا على التفصيل (معلوم ضرورة) أي عند أهل السيرة. (وقد جاء في حديث حذيفة) أي من رواية أحمد بن محمد بن حنبل في مسنده (كان رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَعَا لِرَجُلٍ أَدْرَكَتِ الدَّعْوَةُ) أي أثرها (ولده وولد ولده) وفيه تنبيه على صحة معنى ما يقال الولد سر أبيه ويؤيده قوله تعالى وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً قيل كان بينهما سبعة آباء قال أي المصنف. (حدّثنا أبو محمد العتابيّ) بتشديد الفوقية (بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَاتِمُ بْنُ محمد) بكسر التاء (حدّثنا أبو الحسن) وفي نسخة بالتصغير والأول هو الصحيح (القابسيّ) بكسر الموحدة (حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف) أي الفربري (حدّثنا محمّد بن إسماعيل) أي البخاري صاحب الجامع وقد أخرجه مسلم أيضا (حدّثنا عبد الله بن أبي الأسود) أي البصري من رواية مالك (حدّثنا حرمي) بفتح الحاء والراء وهو ثابت بن روح وكنيته أبو عمارة ابن أبي حفصة (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال قالت أمّي) وهي أم سليم بنت ملحان (يَا رَسُولَ اللَّهِ خَادِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ له قال اللهمّ أكثر ماله) أي حلالا (وولده) أي صالحا (وبارك له فيما آتيته) أي أعطيته من المال والولد فأوتي مالا كثيرا وأولادا مات له في الطاعون الجارف سبعون ولدا من صلبه غير أولاد أولاده. (ومن رواية عكرمة) أي على ما انفرد بها مسلم وهو ابن عمار الحنفي اليمامي وكان مجاب الدعوة (قال أنس فو الله إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي ليعادّون) بضم الياء وتشديد الدال أي يعد بعضهم بعضا وليزيدون (اليوم على نحو المائة) قال التلمساني وفي رواية الصحيحين والمصابيح ليتعادون بزيادة التاء (وفي رواية) وهي غير معروفة (وما أعلم أحدا أصاب) اليوم (من رخاء العيش) أي سعة المعيشة وكثرة النعمة (ما أصبت) أي ببركة دعوة صاحب النبوة وأثر كثرة الملازمة والخدمة هذا واستدل بعضهم بدعائهم ﵇ لأنس على تفضيل الغنى على الفقر وأجيب بأنه مختص بدعاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه قد بارك فيه ومتى بورك فيه لم يكن فيه فتنة فلم يحصل بسببه مضرة (ولقد دفنت بيديّ) بتشديد الياء (هَاتَيْنِ مِائَةً مِنْ

стр. 659

ولدي لا أقول سقطا) بكسر السين ويجوز ضمها وفتحها وهو الجنين الذي يسقط قبل تمامه (ولا ولد ولده) أي لا أحسبها في العدد قال الحلبي واعلم أن في البخاري في الصوم من رواية حميد عن أنس قال حدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصري عشرون ومائة قيل وكان مقدمه سنة خمس وسبعين وقد ولد لأنس بعد ذلك أولاد كثيرة وتوفي سنة ثلاث وتسعين ونقل عن أبي قتيبة أنه وقع على الأرض من صلب المهلب ابن أبي صفرة البصري ثلاثمائة ولد. (ومثله) وفي نسخة صحيحه ومنه أي ومن دعائه المجاب (دعاؤه لعبد الرّحمن بن عوف بالبركة) على ما رواه البيهقي (قال) أي عبد الرحمن كما في نسخة صحيحه (فَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ تَحْتَهُ ذهبا وفتح الله عليه) أي فتوحات كثيرة وأموالا غزيرة (ومات فحفر الذّهب) بصيغة المجهول أي استخرج مما كان مدفونا (من تركته) بفتح فكسر أي متروكاته بعد خيراته ومبراته (بالفؤوس) بضم الفاء والهمزة وسكون الواو جمع فأس بالهمزة ويبدل كراس ورؤوس وكأس وكؤوس (حتّى مجلت) بفتح الجيم ويكسر أي تنفطت من كثرة العمل (فيه الأيدي وأخذت كلّ زوجة) أي من زوجاته (ثمانين ألفا وكنّ أربعا) فجملته ثلاثمائة وعشرون ألفا (وقيل مائة ألف) بالنصب أي أخذت كل واحدة منهن مائة ألف فجملته أربعمائة أَلْفٍ (وَقِيلَ بَلْ صُولِحَتْ إِحْدَاهُنَّ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا في مرضه) أي الذي مات فيه (على نيّف) بتشديد التحتية المكسورة وتسكينها أي زيادة بمعنى كسر (وثمانين ألفا وأوصى بخمسين ألفا) أي ألف دينار في سبيل الله كما صرح به عروة بن الزبير وكذا أوصى بألف فرس في سبيل الله كما ذكر الحجازي وغيره (بعد صدقاته الفاشية) أي الكثيرة الشائعة (في حياته وعوارفه العظيمة) أي معروفاته الجزيلة قبل مماته (أَعْتَقَ يَوْمًا ثَلَاثِينَ عَبْدًا وَتَصَدَّقَ مَرَّةً بِعِيرٍ) بكسر العين أي بقافلة (فيها سبعمائة بعير وردت عليه) أي جاءت من سفر تجارة (تحمل من كلّ شيء) أي من أجناس الأموال وأنواعها (فتصدّق بها) أي بالأبعرة السبعمائة (وبما عليها) أي من أنواع البضائع المختلفة (وبأقتابها) جمع قتب بالتحريك وهو للبعير كالأكاف لغيره (وأحلاسها) جمع حلس بالكسر وهو كساء يلي ظهر البعير تحت القتب وفي ذكرهما مبالغة في الاستيفاء وتأكيد للاستقصاء هذا وقد قال الحلبي الذي استحضره من صدقات عبد الرحمن بن عوف أنه تصدق بشطر ماله أربعة آلاف ثم بأربعين ألفا ثم بأربعين ألف دينار ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله ثم بخمسمائة راحلة وفي الترمذي أنه أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف قال الترمذي حديث حسن وقال الزهري أوصى لمن بقي من أهل بدر لكل رجل بأربعمائة دينار وكانوا مائة فأخذوها وأخذ عثمان فيمن أخذ وأوصى بألف فرس في سبيل الله انتهى وروي أنه رضي الله تعالى عنه لما حث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الصدقة جاءه بأربعة آلاف درهم وقال يا رسول الله كان لي ثمانية آلاف درهم فأقرضت ربي أربعة وأمسكت لعيالي أربعة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في ماله (ودعا لمعاوية) أي ابن

стр. 660

أبي سفيان ﵄ (بالتّمكين في البلاد فنال الخلافة) أي أصابها في الجملة أو على وفق ما أراد إذ الصحيح أنه لا يسمى خليفة على خلاف بعد نزول الحسن والمعتمد أن الخلافة تمت بخلافة الحسن بعد أبيه بستة أشهر لقوله ﵊ الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك رواه أحمد والترمذي بسند صحيح وكذا ابن حبان عن سفينة ثم رأيت أنه قيل صوابه الإمارة وقد روى ابن سعد دعاءه ﵊ اللهم علمه الكتاب ومكنه في البلاد وقه العذاب وروي أنه ﵊ قال لن يغلب معاوية وقد بلغ عليا هذه الرواية فقال لو علمت لما حاربته، (ولسعد بن أبي وقّاص) أي دعا له ﵁ أَنْ يُجِيبَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ فما دعا) أي سعد (على أحد إلّا استجيب له) رواه الترمذي موصولا ورواه البيهقي عن قيس بن أبي حازم مرسلا بلفظ اللهم استجب له إذا دعا وحسنه قد استجيب له دعوات مروية في الصحيح وغيره منها أن رجلا نال من علي كرم الله وجهه بحضرته فقال اللهم إن كان كاذبا فأرني فيه آية فجاء جمل فتخبطه حتى قتله ومنها ما رواه البخاري أنه دعا على أبي سعدة اللهم أطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن قال الراوي فلقد رأيته شيخا كبيرا سقط حاجباه على عينيه يتعرض للجواري يغمزهن فيقال له فيقول شيخ مفتون اصابته دعوة سعد؛ (ودعا) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (بِعِزِّ الْإِسْلَامِ بِعُمَرَ ﵁ أَوْ بأبي جهل فاستجيب له في عمر) رواه الإمام أحمد والترمذي في جامعه وغيرهما عن ابن عمر به مرفوعا ولفظه اللهم أيد الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب وصححه ابن حبان والحاكم في مستدركه عن ابن عباس اللهم أيد الدين بعمر بن الخطاب وفي لفظ أعز الإسلام بعمر وقال إنه صحيح الإسناد وفيه عن عائشة اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة وقال ينه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأما ما يدور على الألسنة من قولهم اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين فلا يعلم له أصل في المبنى وإن كان يصح نقله بالمعنى بناء على تغليب عمر على عمرو بن هشام وهو اسم أبي جهل وكان يكنى أولا أبا الحكم فكناه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا جهل فغلبت عليه هذه الكنية، (وعن ابن مسعود) وفي نسخة وقال ابن مسعود (ما زلنا أعزّة) جمع عزيز أي أقوياء وعظماء أو ظاهرين قاهرين (منذ أسلم عمر) قلت وفي الآية إشارة إلى هذه العزة حيث نزل عند إيمانه قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فإنه رضي الله تعالى عنه كان تمام الأربعين؛ (وأصاب النّاس في بعض مغازيه) أي مسير غزواته صلى الله تعالى عليه وسلم (عطش) أي شديد (فسأله عمر الدّعاء) أي الاستسقاء (فدعا فجاءت سحابة فسقتهم حاجتهم) بالنصب أي قدر كفايتهم (ثمّ أقلعت) بفتح الهمزة واللام أي أقشعت السحابة وانجلت (ودعا في الاستسقاء) أي يوم جمعة على المنبر في المدينة كما رواه الشيخان عن أنس (فسقوا) بصيغة المفعول (ثمّ شكوا إليه المطر) أي كثرته حيث خيف ضرره في الجمعة الثانية وهو على منبره (فدعا) أي بكشفه (فصحوا) بفتح الصاد وضم الحاء وفتحها

стр. 661

أي فانكشف ما بهم من السحابة (وقال لأبي قتادة أفلح وجهك) جملة خبرية في المبنى دعائية في المعنى أي بقي وفاز وظفر (اللهمّ بارك له) أي لأبي قتادة (في شعره) بفتح العين ويسكن (وبشره) بفتحتين أي ظاهر جلده حتى يستمر أحسنين (فمات) أي أبو قتادة (وهو ابن سبعين سنة) جملة حالية وكذا قوله (وكأنّه ابن خمس عشرة سنة) بسكون الشين المعجمة وتكسر رواه البيهقي، (وقال) أي النبي ﵊ (للنّابغة) أي الجعدي واسمه قيس بن عبد الله وقيل عكسه حين أنشده قصيدته الرائية (لا يفضض الله) بضم الضاد المعجمة الأولى وكسر الثانية على أن لا ناهية وضمها على أن لا نافية وهي أبلغ أي لا يسقط وقيل لا يكسر من فض كسر وفرق وروي لا يفض الله فاك من الفضاء وهو الخلاء أي يجعل الله فاك فضاء لا اسنان فيه (فاك) أي أسنانك أو أسنان فيك باعتبار أحد المجازين كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (فما سقطت له سنّ) رواه البيهقي وابن أبي أسامة وروي مثله عن عمه العباس قال يا رسول الله إني مدحتك فقال لا يفضض الله فاك فأنشد الأبيات السابقة (وفي رواية فكان) أي النابغة (أحسن النّاس ثغرا) بفتح المثلثة وسكون الغين المعجمة أي سنا وقيل هو ما تقدم من الإنسان ويؤيد الأول عموم قوله (إِذَا سَقَطَتْ لَهُ سِنٌّ نَبَتَتْ لَهُ أُخْرَى وعاش عشرين ومائة) هو لغة في مائة وعشرين (وقيل أكثر من هذا) فقيل عاش مائة وثمانين سنة وقيل مائتين وأربعين سنة وكان في الجاهلية يصوم ويستغفر وبقي إلى أيام ابن الزبير وأخرج له بقي مخلد حديثا واحدا وفي الشعراء جماعة غيره يقال لكل منهم النابغة وإذا أطلق فهو المراد واختلف في سبب الدعاء له فقيل قوله: بلغنا السماء مجدنا وسناءنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال إلى أين يا أبا ليلى قال فقلت إلى الجنة فقال نعم إن شاء الله وقال الحديث وقيل قوله: ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... تأن إذا ما أورد الأمر أصدرا وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجدت فلا سقط له سن، (ودعا لابن عبّاس) كما رواه الشيخان (اللهمّ فقّهه في الدّين) أي علمه ما يحتاج إليه في أمر الدين من الأمور الواضحة للمجتهدين (وعلّمه التّأويل) أي تأويل الكتاب والسنة من آل يؤول إلى كذا إذا رجع إليه وأريد به صرف اللفظ عن ظاهره لدليل لولاه ما صرف عن حاله (فسمّي) أي ابن عباس (بعد) بضم الدال أي بعد دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم له (الحبر) بفتح الحاء وتكسر أي حبر الأمة وهو عالمها سمي به وهو المداد لمزاولته له غالبا في أداء المراد وفي نسخة البحر بدل الحبر أي بحر العلم، (وترجمان القرآن) بفتح التاء وضم الجيم وضمهما وحكي فتحهما أي مفسره ومعبره والترجمان في الأصل من يترجم الكلام أي ينقله من لغة

стр. 662

إلى لغة أخرى وفي القاموس الترجمان كعنفوان وزعفران وريهقان المفسر للسان. (ودعا لعبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب (بالبركة في صفقة يمينه) أي تبايعه وسمى صفته لوضع كل من البائعين يده في يد الآخر عرفا وعادة (فما اشترى شيئا إلّا ربح فيه) رواه البيهقي عن عمرو بن حريث؛ (ودعا للمقداد) أي ابن الأسود (بالبركة فكان له) وفي نسخة صحيحة عنده (غرائر) بفتح الغين جمع غرارة بالكسر وهي جوالق (من المال) رواه البيهقي في الدلائل عن بضاعة بنت الزبير (ودعا بمثله) أي بمثل ما دعا للمقداد من البركة (لعروة بن أبي الجعد) قال ابن المديني أخطأ من قال فيه عروة بن الجعد وإنما هو ابن أبي الجعد انتهى وهو صحابي مشهور وحديثه هذا رواه البخاري (وقال) أي عروة كما رواه أحمد (فلقد كنت أقوم) أي أقف كما في نسخة (بالكناسة) بضم الكاف موضع أو سوق بالكوفة وكانوا يرمون فيه كناسات دورهم (فما أرجع) أي عنها (حتّى أربح) بفتح الموحدة أي استفيد (أربعين ألفا) يحتمل الدينار والدرهم، (وقال البخاريّ في حديثه. فكان) أي عروة (لو اشترى التّراب) أي مثلا (ربح فيه، وروي مثل هذا) أي الدعاء بالبركة (لغرقدة) بغين معجمة فراء ساكنة (أيضا) قال الدلجي لا أدري من رواه (وندّت) بنون وتشديد أي نفرت وذهبت على وجهها شاردة (له) أي لغرقد (ناقة فدعا) أي النبي ﵊ على ما هو ظاهر الكلام (فجاءه بها) وفي نسخة صحيحة فجاءه بها (إعصار ريح) بالإضافة والإعصار بالكسر ريح عاصف يستدير في الأرض ثم يسطع إلى السماء مستديرا كالعمود (حتّى ردّها) أي الأعصار الناقة (عليه) أي على غرقد، (ودعا لأمّ أبي هريرة) أي بالهداية كما رواه مسلم وغيره (فأسلمت) فعن أبي هريرة قال دعوت أمي يوما إلى الإسلام وهي مشركة فأسمعتني فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أكره فأتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا أبكي فقلت يا رسول الله ادع الله يهدي أم أبي هريرة فقال اللهم اهد ام أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوته ﵇ فلما صرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسعمت أمي خشف قدمي فقلت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فرجعت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا أبكي من الفرح فحمد الله وقال خيرا، (ودعا لعليّ أن يكفى) بصيغة المفعول أي يحفظ (الحرّ والقرّ) بضم القاف وفتحها وتكسر البرد أو شديده أي شرهما، (فكان) أي علي (يَلْبَسُ فِي الشِّتَاءِ ثِيَابَ الصَّيْفِ، وَفِي الصَّيْفِ، ثياب الشّتاء، ولا يصيبه) ويروى ولا يسيئه ويروى ولا يسوؤه (حرّ ولا برد) أي مع اختلاف الأحوال والحديث رواه ابن ماجة والبيهقي، (ودعا الله لفاطمة ابنته أن لا يجيعها) أي جوعا شديدا (قالت فما جعت. بعد) أي بعد ذلك الدعاء ابدا رواه البيهقي عن عمران بن حصين، (وسأله) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما في نسخة (الطّفيل) بالتصغير أي ابن عمرو كما في نسخة وهو ابن طريف الأزدي الدوسي قتل يوم اليمامة وكان شريفا مطاعا في قومه روى أبو الزناد عن الأعرج عن

стр. 663

أبي هريرة أنه قال لما قال الطفيل بن عمرو للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن دوسا قد غلب عليهم الزنا والربا فادع الله عليهم قلنا هلكت دوس حتى قال ﵇ اللهم أهد دوسا (آية) أي علامة تكون كرامة (لقومه) أي عندهم (فقال اللهمّ نوّر له فسطع) أي ظهر ولمع (له نور بين عينيه فقال يا ربّ أخاف أن يقولوا مثلة) بضم الميم ويفتح ويكسر وسكون المثلثة أي تنكيل وعقوبة وهي مرفوعة وقيل منصوبة (فتحوّل) أي فاستجيب دعاؤه وانتقل ذلك النور (إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ فَكَانَ يُضِيءُ فِي اللَّيْلَةِ المظلمة) وروي الظلماء (فسمّي ذا النّور) كالحسنين ابني علي وأسيد بن حضير وعباد بن بشر وحمزة بن عمرو الأسلمي وقتادة بن النعمان كل سمي بذلك وأما ذو النورين فهو لقب عثمان لأنه تزوج بنتين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والحديث هذا وراه ابن إسحاق بلا سند والبيهقي عنه وابن جرير من طريق الكلبي. (ودعا على مضر) على وزن عمر وهم قبيلة (فأقحطوا) بصيغة المجهول أي فدخلوا في القحط باحتباس المطر عنهم وانقطاع الخير منهم (حتّى استعطفته قريش) أي طلبوا منه أن يعطف عليهم ويرحمهم، (فدعا لهم) أي بالمطر (فسقوا) بصيغة المجهول أي فأعطوا مطرا فأخصبوا رواه النسائي عن ابن عباس والبيهقي عن ابن مسعود وأصله في الصحيحين، (ودعا على كسرى) بكسر الكاف وتفتح لقب لكل ملك الفرس وهو هنا أبرويز بن هرمز قال الطبري وتفسيره المظفر بن هرمز بن أنوشروان وتفسيره بالعربية مجدد الملك (حين مزّق كتابه) بتشديد الزاء أي شقق مكتوبه ﵇ (أن يمزّق الله ملكه) أي بتمزيق الله ملكه فمزقه كل ممزق، (فلم تبق له باقية) أي نفس باقية أو أثر وبقية قال السهيلي ولما دعا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عليه وقع أمره في الانحطاط إلى أن قتله ابن له يقال له شيرويه ومات ابنه الذي قتله بعد أبيه بزمن يسير وسببه أن أبرويز قيل له أن ابنك شيرويه يريد قتلك قال إذا قتلني فأنا أقتله ففتح خزانة الأدوية وكتب على حقة السم الدواء النافع للجامع وكان ابنه مولعا بالجماع فلما قتل أباه وفتح الخزانة ورأى تلك الحقة تناول منها فمات من ذلك ومات سائر أولاده وأكثر أقاربه بعد دعائه ﵊ لستة أشهر ومالت عنهم الدولة حتى انقرضوا عن آخرهم في خلافة عثمان، (ولا بقيت لفارس) بكسر الراء مصروفا وممنوعا أي لأهل فارس (رياسة في أقطار الدّنيا) أي نواحيها رواه البخاري من طريق ابن عباس (ودعا على صبيّ قطع عليه) أي بمروره بين يديه (الصّلاة) أي صلاته كما في نسخة (أن يقطع الله أثره) ومن جملته مشي قدميه كما قال وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ، (فأقعد) بصيغة المجهول أي صار مقعدا لا يستطيع النهوض وفي رواية قطع صلاتنا قطع الله أثره وفي أصل الدلجي دابره بدل أثره فتكلف في وجهه بأن الدابر في الأصل الآخر ومنه قوله تعالى فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي آخرهم فلم يبق أحد منهم ثم استعير للزمانة كما هنا بسلب قوة مشيه هذا والحديث رواه أبو داود والبيهقي ورواه ابن حبان عن سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن مهران يقول مررت بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يصلي فقال اللهم

стр. 664

اقطع أثره فما مشيت وقد ضعف عبد الحق وابن القطان إسناده وكذا ابن القيم وقال الذهبي أظن أنه موضوع ثم على تقدير ثبوته فيه إشكال وهو أنه ﵊ كيف يدعو على الصبي وهو غير مكلف بالأحكام مع أن القاضي جزم بذلك في مقام المرام وجوابه نقل عن البيهقي في المعرفة أن الأحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة قال الحلبي وفي كلام السبكي أنها إنما سارت متعلقة بالبلوغ بعد أحد ثم قال الحلبي أو يقال إن هذا من باب خطاب الوضع لأنه اتلاف لا يشترط فيه التكليف انتهى وتبعه الأنطاكي وقرره التلمساني وفيه أن الصلاة صحيحة بالإجماع فليس من الاتلاف بلا نزاع نعم اتلاف لكمال الحال في حضور البال وهو غير مقتض لهذا النكال ولذا قال الدلجي وأجيب هنا بما لا يشفى ثم أقول ولعل الصبي كان من أولاد الكفار وقد أمره أهله بأن يقطع الصلاة على سيد الابرار فأراهم صلى الله تعالى عليه وسلم معجزة إظهارا للمعزة ودفعا للمذلة أو كان الصبي مراهقا فظنه ﵊ بالغا وفي قطعه قاصدا فتبين أنه كان صبيا قاصرا أو يكون من باب قضية الخضر مع الصغير مكاشفا، (وقال لرجل) هو بسر بضم الموحدة وسكون المهملة ابن راعي العير الأشجعي قيل كان منافقا (رآه يأكل بشماله) فقال له (كل بيمينك، فقال لا أستطيع) أي أن آكل بيميني لعذر بي، (فقال لا استطعت) أن تأكل بيمينك دعاء عليه لكونه كاذبا فيما ادعاه (فلم يرفعها) أي يمينه بعد ذلك (إليّ فيه) أي فمه لا عند أكله ولا في حال غيره والحديث رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع واستدل به على وجوب الأكل باليمين ولا دلالة فيه عند المحققين، (وقال لعتبة) بضم أوله وفي نسخة بالتصغير (ابن أبي لهب) أي ابن عبد المطلب ابن هاشم (اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِكَ فَأَكَلَهُ الأسد) أي ليلا وهو مسافر وقد جعله أصحابه بينهم محيطين فتخطاهم نائمين فافترسه رواه ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن هبار ابن الأسود والحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه والبيهقي من طرق عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهم قال الحلبي واعلم أن عتبة اسلم يوم الفتح وكذا أخوه معتب ولم يهاجرا من مكة وهذا هو المشهور وبعضهم جعل هذا عقير الأسد وجعل عتيبة المصغر هو الذي أسلم وصحب والمشهور أن المصغر عقير الأسد والمكبر هو الصحابي والله تعالى أعلم وسبب دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم ما روى عروة بن الزبير أن عتيبة بن أبي لهب وكان تحته بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام فقال لآتين محمدا فلأوذينه فأتاه فقال يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنى فتدلى ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورد عليه ابنته وطلقها فقال ﵊ اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فرجع عتيبة إلى أبيه فأخبره ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم إن هذه أرض مسبعة فقال أبو لهب لأصحابه أغيثونا يا معشر قريش فإني أخاف على ابني دعوة محمد فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتيبة فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة فقتله هذا

стр. 665

نسخة زيد هنا وقال لامرأة أكلك الأسد فأكلها قيل هذا بخطه ليس من الرواية، (وحديثه المشهور) أي كما رواه الشيخان (من رواية عبد الله بن مسعود فِي دُعَائِهِ عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ وَضَعُوا السَّلَا) بفتح المهملة مقصورا هو للبهيمة كالمشيمة لبني آدم وهي جلد رقيق يخرج مع الولد من بطن أمه ملفوفا فيه قال الشمني أن شقت عن وجه الفصيل ساعة ينتج والإقتلته وكذا إذا انقطع السلا في البطن فإذا خرج السلا سلمت الناقة وسلم الولد وإن انقطع في بطنها هلكت وهلك الولد وقيل يخرج بعد الولد (عَلَى رَقَبَتِهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ مَعَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ وسمّاهم) أي قريشا مجملا ومفصلا حيث قال اللهم عليك الملأ من قريش اللهم عليك بأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمثالهم، (فقال) وفي نسخة وقال أي ابن مسعود (فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر) أي معظمهم فإن اشقاهم عقبة بن أبي معيط الذي وضع على رقبته الشريفة السلا حمل من بدر أسيرا فقتله علي بعرق الظبية بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مقفلهم من بدر إلى المدينة ولعل الحكمة في تأخير الأشقى ليشاهد العقوبة في أصحابه في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى قال الحلبي وعمار بن الوليد لم يقتل ببدر أيضا وإنما جرى له قصة مع النجاشي مشهورة وقد سحر فصار متوحشا وهلك على كفره بأرض الحبشة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، (ودعا على الحكم بن أبي العاص) أي ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وهو أبو مروان عم عثمان أسلم يوم الفتح وتوفي في خلافة عثمان (وكان يختلج بوجهه ويغمز) بكسر الميم (عند النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يجلس خلفه صلى الله تعالى عليه وسلم فإذا تكلم يحرك شفتيه وذقنه حكاية لفعله ويرمز مشيرا بعينه أو حاجبه (أي لا) أي أراد به ردا لكلامه استهزاء وسخرية، (فرآه) أي النبي ﵊ مرة وهو يختلج (فقال كذلك) وفي نسخة صحيحة كذلك كن (كن فلم يزل يختلج) أي يرتعد ويضطرب (إلى أن مات) رواه البيهقي من طرق عن عبد الرحمن بن أبي بكر وعن ابن عمر وعن هند ابن خديجة وفي رواية فضربه فصرع شهرين ثم أفاق مختلجا قد أخذ لحمه وقوته وقيل مرتعشا وقال التلمساني قوله يغمز إما يعيب لأنه كان يخبر المنافقين بسر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو لأنه كان يحكي فعله صلى الله تعالى عليه وسلم في مشيه وأمره ونحوه أولا بالفتح وتشديد الواو خلاف الأخير وروي أي لا بأي التفسيرية ولا النافية فعلى الأول معناه كان يختلج أولا قبل الدعوة ثم اختلج ثانيا بها ومعناه أنه كان صحيحا ثم هلك بالدعوة فهو مفعول أي يختلج أولا أي قبل الدعوة ويجوز أن يريد بالأول زمن الصحة وبالثاني زمن السقم فيكون خبرا لكان أو مفعول أي يختلج أولا يشير إلى ما كان عليه من الاستهزاء فمنى باولا عنه لأن فعله إنما كان عن جهالة ولا يخرجه ذلك عن عداد الصحابة فقد ذكر فيهم وعلى الثاني تفسير لفعله وحذف ما بعدها تشنيعا لذكره لأن ذكر مثل هذا لا يليق لأن فيه تنقيص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومعناه لا يكون كذلك الأولى أو الأحق ما شاكل هذا بموطن أو موطنين في غيبته أو حضوره والله تعالى أعلم (ودعا على

стр. 666

محلّم) بكسر اللام المشددة (ابن جثّامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة (فمات) في حمص أيام ابن الزبير على ما قاله السهيلي (لسبع) أي بعد سبعة أيام (فلفظته الأرض) بفتح الفاء وإعجام الظاء أي قذفته الأرض ورمته على ظهرها بعد دفنه في بطنها وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ما لفظته الأرض أن لتقبل من هو شر منه ولكن أراد الله أن الأرض يجعله لكم عبرة فألقوه بين صوحي جبل فأكلته السباع والصوح هو الشق (ثمّ ووري) بضم أوله مجهول وارى أي ستر تحت الأرض (فلفظته مرّات) ظرف للفعلين (فألقوه) بفتح القاف أي رموه (بين صدّين) بفتح الصاد ويضم جبلين أو واديين (ورضموا عليه) بفتح الراء والضد المعجمة أي كوموا عليه (بالحجارة) رواه البيهقي عن قبيصة بن ذؤيب وابن جرير موصولا عن ابن عمر وقال الحسن بلغني أنه دعا الحديث وسبب دعائه على محلم أنه كان بعث سرية للغزو فيها محلم فأمر عليهم عامر بن الأضبط فلما بلغوا بطن واد قتل محلم عامرا غدرا فجرى ما جرى (وجحده رجل) أي من الصحابة على ما ذكره الدلجي ولعله كان منافقا (ببيع فرس) أي أنكره. (وهي) القصة (التي شهد فيها خزيمة) بالتصغير (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بأنه اشتراه منه مع أنه لم يره وجعل صلى الله تعالى عليه وسلم شهادته وحدها مقبولة عن اثنين (فردّ الفرس بعد) بالضم أي بعد جحده وشهادة خزيمة له (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم على الرّجل) والمعنى فرد على الرجل فرسه (وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا تُبَارِكْ له فيها) أي فرسه (فأصبحت شاصية برجلها) أي رافعة بسبب نفخها من شصا بصره أي شخص (وَهَذَا الْبَابُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحَاطَ بِهِ) أي يجمع فصوله من فروعه وأصوله. فصل [في كراماته ﷺ ] (في كراماته وبركاته وانقلاب الأعيان) أي بتحولها وتغيرها عن حالتها الأولى (لَهُ فِيمَا لَمَسَهُ أَوْ بَاشَرَهُ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) والكرامة اسم من الاكرام (أنا) أي أخبرنا كما في نسخة (أحمد بن محمد) أي ابن غلبون الخولاني (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ إِجَازَةً وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أبو عليّ سماعا) تقدم أنه الحافظ ابن سكرة (والقاضي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وغيرهما) أي وغير القاضيين أيضا (قالوا) أي جميعهم (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْقَاضِي حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ الهرويّ) سبق (حدّثنا أبو محمد) وهو السرخسي (وأبو إسحاق) وهو المستملي (وأبو الهيثم) وهو الكشميهني (قالوا) أي الثلاثة (حدّثنا الفربريّ) بكسر ففتح على الأشهر (حدّثنا البخاريّ) أي صاحب الجامع الصحيح (حدّثنا يزيد بن زريع) بالتصغير وهو أبو معاوية البصري الحافظ فقال الحلبي وقد سقط واحد بين البخاري وبين يزيد بن زريع فإن يزيد بن زريع ليس شيخا للبخاري وإنما هو شيوخه والساقط هو عبد الأعلى بن حماد وقد أخرج البخاري هذا الحديث الذي ذكره القاضي في كتاب الجهاد عن عبد الأعلى بن حماد عن يزيد ابن زريع بالسند الذي ساقه القاضي قال الحجازي وكذا وجدته في النسخة المعتمدة انتهى

стр. 667

وعبد الأعلى هذا روى عن الحمادين ومالك وعنه الشيخان وأبو داود وأبو يعلى والبغوي (حدّثنا سعيد) أي ابن أبي عروبة (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنّ أهل المدينة فزعوا) بكسر الزاء أي خافوا واستغاثوا (مرّة) أي وقتا من الأوقات (فركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قبل الناس حين خرج من المدينة (فرسا لأبي طلحة) أي مستعارا منه (كان) أي الفرس (يقطف) بضم الطاء ويكسر أي يقارب خطوه في سرعة وزيد في أصل الدلجي به فقال أي بأبي طلحة (أو به قطوف) بضم أوله شك من رواه عن أنس ذكر الدلجي أو ممن بعده قال الجوهري القطوف من الدواب البطيء وقال أبو زيد هو الضيق المشي وقد قطفت الدابة قطفا والاسم القطاف (وقال غيره) أي غير أنس (يبطّأ) بفتح الطاء المهملة المشددة فهمزة أي لضيق الخطى وهو من البطئ وعند الطبري ثبطا أي ثقيلا وقال أبو عبيد في قوله تعالى فَثَبَّطَهُمْ أي عوقهم (فلمّا رجع) أي من الفزع إلى المدينة ولم ير بأسا (قال) أي لأبي طلحة (وجدنا فرسك بحرا) أي واسع الجري سريع العدو (فكان) أي ذلك الفرس (بعد) أي بعد ركوبه أو قوله هذا (لا يجارى) بضم الياء وفتح الراء من الجري بالجيم أي لا يسابق ولا يباري والمعنى لا سبقه غيره حينئذ (ونخس جمل جابر) بالنون والخاء المعجمة المفتوحتين أي طعنه عند دبره أو جنبه بمحجن أو نحوه (وكان) أي الجمل (قد أعيي) أي عجز عن المشي وتعب عن السير (فنشط) بكسر الشين المعجمة وفي مضارعه بفتحها أي خف وأسرع وفي النهاية كثيرا ما يجيء في الرواية انشط وليس بصحيح (حتّى كان) أي انتهى نشاطه إلى أن صار جابر (ما يملك) ويروى لا يملك (زمامه) رواه الشيخان. (وصنع مثل ذلك بفرس لجعيل) بضم الجيم وفتح العين المهملة فتحتية ساكنة (الأشجعي خفقها) أي ضربها (بمخفقة) بكسر الميم وفتح الفاء أي بدرة (معه وبرك عليها) بتشديد الراء أي دعا بالبركة لها (فلم يملك) أي جعيل بعد ذلك (رأسها نشاطا) بفتح النون أي من أجل إسراعها (وباع من نسلها) وفي نسخة من بطنها (باثني عشر ألفا) وهذا من أثر دعائه بالبركة لها وما قبله من أثر ضربه وتوجهه إليها فهما نشر ولف مرتب لما قبلهما رواه البيهقي (وركب حمارا قطوفا) بفتح القاف (لسعد بن عبادة فردّه) أي من محله الذي انتهى إليه أو من وصفه الذي كان عليه (هملاجا) بكسر فسكون ثم جيم أي سريع الهرولة فارسي معرب ويسمى الآن رهوانا (لا يساير) بصيغة المفعول أي لا تسايره دابة إلا سبقها رواه ابن سعد من حديث إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ (وكانت شعرات من شعره) بفتح العين ويسكن أي من شعراته كما في نسخة صلى الله تعالى عليه وسلم (في قلنسوة خالد بن الوليد) بفتح القاف واللام وضم السين ما يوضع على الرأس مثل الكوفية (فلم يشهد بها) أي فلم يحضر خالد بتلك القلنسوة (قتالا إلا رزق النّصر) بصيغة المفعول ونصب النصر أي أعطي الفتح والظفر رواه البيهقي (وفي الصّحيح) أي من رواية مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة (عن أسماء بنت أبي بكر) أي الصديق رضي الله تعالى عنهما (أنّها أخرجت جنّة طيالسة) بالإضافة كما

стр. 668

في شرح مسلم للنووي وفي نسخة بالوصف جمع طيلسان بفتح اللام ويثلث فارسي معرب وفي نسخة طيالسة بزيادة تحتية وفسرت بالخلق وهو أما من أصلها وأما لما طرأ عليها لأن هذه الجبة صارت بيد اسماء بعد موت أختها عائشة وهي ماتت بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بنحو خمس وأربعين سنة وفسرت بالأكسية وبالخضراء ثم طيالسة بالتنوين لأنها في زنة رفاهية وثمانية (وقالت) أي اسماء (أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يلبسها) بفتح الموحدة (فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) جملة حالية أو مستأنفة مبينة وهي بصيغة المفعول وفي نسخة بصيغة المتكلم هذا وقال المصنف (وحدّثنا القاضي أبو عليّ) وهو ابن سكرة (عن شيخه أبي القاسم بن المأمون) أخذ عن أبي محمد الباجي (قال كانت عندنا قصعة) بفتح القاف ومن لطائف كلام أرباب اللغة لا تفتح الجراب ولا تكسر القصعة (من قصاع النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بكسر القاف جمع (فكنّا نجعل فيها الماء للمرضى يستشفون) وفي نسخة فيستشفون (بها) أي فيشفيهم الله تعالى ببركة نسبتها (فأخذ جهجاه) بالتنوين وهو بالجيمين والهاءين ابن سعد أو سعيد أو مسعود وقال الطبري المحدثون يزيدون في آخره الهاء والصواب جهجا بدون هاء في آخره (الغفاريّ) بكسر أوله حضر بيعة الرضوان وعن عطاء أنه كان يشرب حلاب سبع شياه فلما اسلم لم يتم حلاب شاة (القضيب) هو عصا النبي التي كان الخلفاء يتداولونها (من يد عثمان) أي وهو على المنبر (ليكسره على ركبتيه) أي متعمدا عليها (فصاح به النّاس) وفي نسخة فصاح الناس به (فأخذته فيها الآكلة) بفتح فكسر ويسكن فسكون وبفتحتين أي الحكمة وفي نسخة بمد فكسر (فقطعها) أي ركبته وتذكير الضمير العائد إلى الأكلة بتأويل الداء (ومات قبل الحول) رواه أبو نعيم في الدلائل وابن السكن في معرفة الصحابة وقال ابن عبد البر هو الذي تناول العصا من يد عثمان وهو يخطب وكانت عصا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتوفي بعد عثمان بسنة ذكره الحلبي ثم كسر العصا ليس صريحا في كلام القاضي وهو صريح في كلام ابن عمر ولكني رأيت في حاشية على كتاب الروض الأنف للسهيلي عن ابن دحية نقلا عن ابن العربي في كتاب العواصم أنه لا يصح كسر العصا ممن أطاع ولا ممن عصا قلت وكذا يخالف بين قوليهما حيث قال القاضي مات قبل الحول وقال ابن عبد البر توفي بعد عثمان بسنة والله اعلم (وسكب) أي صب (من فضل وضوئه) بفتح الواو ويضم أي وماء وضوئه (في بئر قباء) بهمز مصروف ويمنع وقد يقصر ولعلها بئر أريس (فما نزفت) أي ما فنيت ولا نقصت وفي نسخة بصيغة المجهول ففي الصحاح نزفت ماء البئر إذا نزحته ونزفت هي فيتعدى ولا يتعدى ونزفت أيضا على ما لم يسم فاعله وحكى الفراء نزفت البئر إذا ذهب ماؤها (بعد) أي بعد صبه إلى يومنا هذا رواه البيهقي عن أنس، (وَبَزَقَ فِي بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِ أَنَسٍ فلم يكن) أي ماء (بالمدينة) وفي نسخة في المدينة (أعذب منها) أي أطيب وأحلى ماء من تلك البئر رواه أبو نعيم ولله در القائل من صاحب الشمائل:

стр. 669

ولو تفلت في البحر والبحر مالح ... لاصبح ماء البحر من ريقها عذبا (ومر على ماء فسأل عنه فقيل) أي له كما في نسخة (له اسمه بيسان) بكسر موحدة وتفتح فسكون تحتية (وماؤه ملح) بكسر فسكون مبالغة مالح أي أجاج (فقال بل هو نعمان) بضم أوله وفي نسخة صحيحة بفتحه واختاره التلمساني للمشاكلة ولو كسر لكان له وجه وجيه لقضية حسن المقابلة وهو مأخوذ من النعمة بكسر أولها أو فتحها (وماؤه طيّب فطاب) أي بمجرد قوله صلى الله تعالى عليه وسلم قيل بيسان موضعان أحدهما بالشام وهو المراد في حديث الدجال والآخر بالحجاز وهو الذي مر به ﵊ في غزوة ذي قرد فسأل عنه فقيل له اسمه بيسان فقال هو نعمان وهو طيب فغير صلى الله تعالى عليه وسلم فغير الله وصفه ورسمه فاشتراه طلحة فتصدق به فسماه ﵊ طلحة الفياض (فأتي) كذا في نسخة صحيحة والظاهر وأتى بالواو كما في بعض النسخ المصححة وهو بصيغة المفعول أي وجيء (بدلو من ماء زمزم فمجّ) بفتح الميم وتشديد الجيم أي ألقى من فيه ماء (فيه) أي في الدلو وهو مؤنث وقد يذكر على ما في القاموس (فصار أطيب من المسك) رواه ابن ماجة وروى البيهقي عن وائل الحضرمي ولم يقل من ماء زمزم (وأعطى الحسن والحسين) أي كلا منهما (لسانه فمصّاه) بتشديد الصاد (وكانا يبكيان عطشا) جملة حالية وعطشا مفعول من أجله لا تمييز كما اختاره الحلبي (فسكتا) أي بسكون عطشها رواه الطبراني عن أبي هريرة (وكان لأمّ مالك) أي الأنصارية روى عنها عطاء بن السائب بواسطة رجل أو البهزية روى عنها طاوس والظاهر أن المراد بها الأول وقال الشارح الصواب أم أنس بن مالك فسقط ذكر أنس قاله أبو علي الغساني وهي أم سليم بنت ملحان (عكّة) بضم مهملة فكان مشددة إناء من جلد يجعل فيه السمن (تهدي) بضم التاء وكسر الدال أي ترسل (فيها للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم سمنا) أي ليأتدم به (فأمرها النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا تعصرها) بضم الصاد أي أمرها بترك عصرها (ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ مَمْلُوءَةٌ سَمْنًا فيأتيها بنوها يسألونها الأدم) بضم فسكون وبضمتين وهو كل ما يؤتدم به (وليس عندهم شيء) من الأدم أو من السمن (فتعمد إليها) بكسر الميم أي تقصد على العكة (فتجد فيها سمنا فكانت تقيم إدمها) وفي نسخة أدمهم أي تديم ذلك الأدام (حتّى عصرتها) رواه مسلم عن جابر (وكان يتفل) بضم الفاء وكسرها (في أفواه الصّبيان المراضع) بفتح الميم أي أولاد المراضع كما قاله الحلبي وهو الظاهر وقال الدلجي جمع رضيع يعني مرضع اسم مفعول (فيجزئهم) بضم الياء وكسر الزاء فهمزة ويسهل لا كما قال الدلجي بفتح التحتية أي يكفيهم (ريقه إلى اللّيل ومن ذلك) أي من قبيل كراماته (بركة يده) البيضاء أي الحاصلة (فيما لمسه) أي مسه بها مطلقا (أو غرسه) أي من شجر وغيره كما في أصل الدلجي وفي النسخ المصححة وغرسه (ولسلمان) بالواو وهو الظاهر لأنه حديث مستقل رواه البيهقي عن سلمان أنه ﵊ غرس

стр. 670

له (حين كاتبه مواليه) وهم يهود وأصله من فارس من قوم مجوس فخرج يطلب الدين وطريق اليقين وجعل ينتقل من دين إلى دين حتى أخذه قوم من العرب فباعوه منهم فكاتبوه (على ثلاثمائة وديّة) بتشديد التحتية صغير فسيل النخل (يغرسها لهم) بكسر الراء (كلّها) بالرفع أي جميعها (تعلق) بفتح اللام وتضم أي تمسك أو تحبل (وتطعم) بضم التاء وكسر العين أي تعطي الثمرة أو تدرك (وعلى أربعين أوقيّة) بضم الهمزة وتشديد التحتية على المشهور وبحذف الهمزة وفتح الواو في لغة وهي كانت أربعين درهما من فضة في زمنه صلى الله تعالى عليه وسلم فالمراد هنا وزنها لقوله (من ذهب) قال الحلبي إنما كانت سلمان مولاه ففيه مجاز ولكن جاء في بعض طرقه وهو في المسند أنه ﵊ اشتراه من قوم من اليهود بكذا وكذا درهما وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل يعمل فيها سلمان حتى تدرك (فقام صلى الله تعالى عليه وسلم وغرسها له) أي لسلمان أو لمالكه (بيده إلّا واحدة) بالنصب (غرسها غيره) وهو عمر بن الخطاب على ما ذكره ابن عبد البر بسنده في الاستيعاب وهو مسند أحمد أيضا وفي طريق أخرى ذكرها البخاري في غير صحيحه أن الذي غرسها سلمان فيجمع بينهما بأن واحدة غرسها عمر وأخرى غرسها سلمان وإن يكونا غرسا واحدة فلم تطعم ويكون الراوي مرة عزا غرسها لعمر ومرة عزا غرسها لسلمان إن كان الراوي واحدا وهو بريدة كما رواه أحمد وإن كان غيره فيكون فيه مجاز كذا حققه الحلبي ويؤيد الثاني من القولين قوله (فأخذت كلّها) أي نبتت وأثمرت (إِلَّا تِلْكَ الْوَاحِدَةَ فَقَلَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وردّها) أي بيده الكريمة (فأخذت) عروقها ونشبت في محلها (وفي كتاب البزّار) بتشديد الزاء وفي آخره راء (فأطعم النّخل) أي جنس ما ذكر (من عامه إلّا الواحدة) أي التي غرسها غيره ﵊ (فقلعها رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَرَسَهَا فَأَطْعَمَتْ مِنْ عَامِهَا وَأَعْطَاهُ) أي سلمان (مثل بيضة الدّجاجة) بفتح الدال ويثلث أي مقدارها وزنا أو حجما (من ذهب بعد أن أدارها) أي تلك القطعة التي هي كالبيضة (على لسانه) أي مبالغة للبركة في شأنه وإذا جاز حمله على حقيقته فلا معنى لقول الدلجي لعله أراد بذلك أنه برك عليها أي دعا فيها بالبركة فلم يسمعه من شاهده فظن أنه إنما أدارها عليه (فوزن) أي سلمان (مِنْهَا لِمَوَالِيهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَبَقِيَ عِنْدَهُ مِثْلُ ما أعطاهم) أي كمية وأزيد منه كيفية وكان سلمان من المعمرين عاش على الأصح مائتين وخمسين سنة وقيل ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل اربعمائة سنة مائة في المجوسية ومائة في اليهودية ومائة في النصرانية ثم لما اسلم قال يا رب عمرني في الإسلام مائة سنة فعاش مائة في الإسلام وكان يأكل من عمل يده ويتصدق بعطائه وهو أحد الذين اشتقاقت إليهم الجنة ومناقبه كثيرة وفضائله غزيرة مات بالمدائن سنة خمسين وثلاثين وما ترك شيئا يورث عنه. (وفي حديث حنش) بمهملة فنون مفتوحتين فمعجمة (ابن عقيل) بفتح العين وكسر القاف وفي بعض النسخ المصححة بالتصغير وهو حديث طويل رواه قاسم بن ثابت في الدلائل من طريق موسى بن عقبة عن المسور بن
следующие страницы →