الآن ألقى الأحبة ... محمدا ثم حزبه
(ويروى أنّ امرأة) وفي نسخة ويروى عن امرأة وفي حاشية الحلبي أن امرأة هاشم قال ولا أعرفها (قالت لعائشة رضي الله تعالى عنها اكشفي لي) أي بيني لي وأريني (قبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكشفته لها) أي بكشف الستارة عنه لأجلها (فبكت حتّى ماتت) أي حزنا على فراقه أو شوقا إلى لقائه (ولمّا أخرج أهل مكّة) أي كفارهم كما رواه البيهقي عن عروة (زيد بن الدّثنة) بدال مهملة مفتوحة فمثلثة مكسورة وتسكن فنون مفتوحة مخففة فهاء تأنيث بياضي خزرجي بدري أحدي (من الحرم) متعلق بأخرج (ليقتلوه) أي صبرا وكان قد أسر مع خبيب يوم الرجيع فباعوهما بمكة (قال له) أي لزيد (أبو سفيان بن حرب) أي ابن أمية وهو أبو معاوية أسلم عام الفتح وهذا الكلام قبل الإسلام (أنشدك الله تعالى) بضم الشين أي اسألك الله واذكرك به أو أقسم عليك به وفي نسخة صحيحة أنشدك بالله (يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ عِنْدَنَا مكانك) أي يكون في مكانك ومهانتك (يضرب عنقه) بصيغة المجهول والعنق بضمتين وبضم فسكون وكصرد الجيد ويؤنث (وأنّك) وفي نسخة وأنت (في أهلك) أي والحال أنك تكون فيما بين أهلك وطول أملك (فَقَالَ زَيْدٌ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآن في مكانه الّذي هو فيه) أي مع كمال أمنه وعزته (تصيبه شوكة) أي فضلا عن أن يصيبه محنة فوقها (وإنّي) وفي نسخة وأنا (جالس في أهلي) ولعله ذكره لمقابلة كلام أبي سفيان لا أنه حال مقيدة في هذا الشأن بل الأنسب للمبالغة أن يقول وأنا في هذه الحال فكيف إذا كنت فيما بين أهلي ومالي من المنال والمعنى أن ما أصابني في طريقه من المحنة لم ينقص لي شيئا في حقه من المحبة (فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أحدا) أي من الأتباع (يحبّ أحدا) أي من المتبوعين (كحبّ أصحاب محمّد محمّدا) أي احتراما مؤكدا واحتشاما مؤبدا قال الحلبي ما ذكره القاضي قاله ابن إسحاق ونقل أبو الفتح اليعمري في سيرته الكبيرة ذلك عن ابن إسحاق وذكر عن ابن عقبة أن الذي قيل له اتحب أن محمدا مكانك هو خبيب بن عدي حين رفع على الخشبة فقال لا والله فضحكوا منه انتهى ولا منع من الجمع كما لا يخفى (وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) فيما رواه ابن جرير والبزار عنه (قال كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي مهاجرة إليه في المدينة السكينة (حلّفها بالله ما خرجت) أي هي من أرضها إليه (من بغض زوج) أي من أجل كراهة زوج لها (ولا رغبة) بالنصب عطفا على محل الجار والمجرور والمراد بها العلة وبالجر عطفا على المجرور أي ولا من أجل الميل (بأرض) أي في بلدة (عن أرض) أي انصرافا عن بلدة لقلة رغبة فيها (وما خرجت) أي عن أرضها (إِلَّا حُبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَوَقَفَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) فيما رواه ابن سعد (على ابن الزّبير) أي عند جذعه الذي صلبه عليه الحجاج بالمعلاة (بعد قتله) أي عند البيت (فاستغفر) أي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (له) أي لابن الزبير (وقال كنت والله) وفي نسخة والله كنت (فيما علمت) وفي نسخة ما علمت أي مدة
стр. 807
علمي بك (صوّاما قوّاما) أي كثير الصيام والقيام (تحبّ الله ورسوله) صلى الله تعالى عليه وسلم.
فصل [في علامات محبته صلى الله تعالى عليه وسلم]
(في علامة محبته صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي أصل الدلجي في علامة حبه على أنه مصدر مضاف إلى معموله أي يذكر فيه ما يؤذن بحب غيره له (اعلم أنّه) وفي نسخة أن (من أحبّ شيئا آثره) بالمد أي اختاره على نفسه (وآثر موافقته) على مخالفته (وإلّا) أي وإن لم يؤثرها (لم يكن صادقا في حبّه) أي في مودته (وكان مدّعيا) أي في محبته وكان كما قيل
وكل يدعي وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا
(فالصّادق في حبّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَظْهَرُ عَلَامَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ) أي دلالة الحب لديه (وأوّلها) أي أول علاماته وأسبق دلالاته (الاقتداء به) أي في ملته (واستعمال سنّته) أي في طريقته (واتّباع أقواله وأفعاله) أي في جميع أحواله (وامتثال أوامره) أي وجوبا وندبا (واجتناب نواهيه) أي حرمة وكراهة (والتّأدّب بآدابه) أي في جميع أبوابه من مكارم شمائله ومحاسن فضائله (في عسره ويسره) أي في وقت ضره وشكره على صعوبة أمره وسهولته ومحنته ونعمته وجوعه وشبعه وبلائه ورخائه وقبضه وبسطه ومحوه وصحوه وفنائه وبقائه (ومنشطه ومكرهه) بفتح أولهما وثالثهما مصدران بمعنى النشاط والكراهة أو اسما زمان أي في حال سعته وضيقه أو حال رضاه وغضبه أو وقت فرحه وحزنه أو زمن انشراح صدره أو انقباض أمره (وشاهد هذا) أي دليل ما ذكر كله (قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) أي تريدون طاعته أو تدعون محبته (فَاتَّبِعُونِي) أي في طريقته (يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] يثبكم عليه ويقربكم إليه وتمامه قوله تعالى وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي يتجاوز عما فرط من عيوبكم (وإيثار ما شرعه) أي وشاهده أيضا تقديم ما أظهره واختيار ما بينه من وجوب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح ونحوه (وحضّ عليه) أي وإيثار ما حث وحرض على فعله أو تركه (على هوى نفسه) أي على ما تميل إليه نفس المحب (وموافقة شهوته قال الله تعالى) أي في مدح الأنصار من جهة الإيثار الذي هو في الجملة من شين الأبرار وسمة الأحرار (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) أي اتخذوا المدينة منزلا والإيمان منزلة ومحملا والمعنى لزموهما ولم يفارقوهما (مِنْ قَبْلِهِمْ) أي من قبل نزول المهاجرين عليهم (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) ولا يثقل أحد من قريش ولا غيرهم عليه و (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ) كذا في النسخ المصححة وفق الآية ووقع في أصل الدلجي في أنفسهم فقال صوابه في صدورهم (حاجَةً) أي حزازة (مِمَّا أُوتُوا) أي لم يخطر ببالهم ما تطمح به نفوسهم إلى ما أعطي المهاجرون وغيرهم من فيء وغيره (وَيُؤْثِرُونَ) أي يقدمون المهاجرين وغيرهم (عَلى أَنْفُسِهِمْ) في محبة الله ورسوله (وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)
стр. 808
[الحشر: ٩] أي مجاعة وشدة حاجة حتى أن من كان عنده داران أو بستانان ترك أحسنهما للمهاجرين ومن كان عنده امرأتان نزل عن إحدى زوجتيه التي كانت أكرمهما لديه وزوجها بأحدهم بين يديه هذا وسبب نزول الآية أنه ﵊ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلّا ثلاثة محاويج أبا دجانة سماك بن خراشة وسهل ابن حنيف والحارث بن الصمة وقال لبقية الأنصار إن شئتم شركتكم في هذا الفيء معهم وقسمتم لهم من دياركم وأموالكم وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولا تأخذوا منه شيئا فقالوا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالفيء علينا ولا نشاركهم فيه أصلا (وإسخاط العباد) أي وشاهدوا أيضا إسخاط العباد (في رضى الله تعالى) أي في تحصيل رضاه فمن ارضاه تعالى بسخط عباده رضي عنه وأرضى عنه العباد ومن أرضاهم بسخطه سخط عليه وأسخطهم عليه كما ورد به حديث هذا مبناه أو معناه (حدّثنا القاضي أبو عليّ الحافظ) وهو ابن سكرة (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ خيرون) بخاء معجمة مفتوحة وتحتية ساكنة وراء مضمومة وهو غير منصرف في النسخ المصححة (قالا) أي كلاهما (ثنا) أي حدثنا (أبو يعلى البغداديّ) ويقال له ابن زوج الحرة (ثنا) أي حدثنا (أبو عليّ السّنجي) بكسر السين وسكون النون والجيم (ثنا) أي حدثنا (محمّد بن محبوب) ويروى أحمد بن محبوب (ثنا) أي حدثنا (أبو عيسى) أي الترمذي الإمام (ثنا) أي حدثنا (مسلم بن حاتم) أي الأنصاري إمام جامع البصرة وثقه الترمذي وغيره (ثنا) أي حدثنا (محمّد بن عبد الله الأنصاري) قاضي البصرة يروي عن حميد وابن عوف وطبقتهما وعنه البخاري وأحمد وابن معين وخلائق أخرج له الأئمة الستة (عن أبيه) أي عبد الله بن المثنى ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري يروي عن عمومته والحسن وجماعة وعنه طائفة قال أبو حاتم صالح ووثقه وغيره وقال النسائي ليس بالقوي وقال أبو داود لا أخرج حديثه لكن أخرج له البخاري والترمذي وابن ماجه (عن عليّ بن زيد) أي ابن جدعان التيمي البصري الضرير تابعي أحد الحافظ وليس بالثبت وقال منصور بن زادان لما مات الحسن قلنا لابن جدعان اجلس مجلسه أخرج له مسلم متابعة (عن سعيد بن المسيّب) تقدم ذكره (قَالَ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم يا بنيّ) بكسر الياء المشددة وفتحها لغتان وقراءتان متواترتان وهو تصغير شفقة (إن قدرت أن تصبح وتمسي) أي تدخل في الصباح والمساء أو يمر عليك النهار والليل (ليس في قلبك غشّ) أي حقد وحسد (لأحد) أي من المسلمين جملة حالية معترضة (فافعل) أي كن ثابتا على هذا العمل فإن من غشنا فليس منا على ما ورد (ثمّ قال لي: يا بنيّ وذلك) أي هذا المقام (من سنّتي) أي من طريقتي (ومن أحيا سنّتي) أي بالعمل بها أو بانتشارها في تعلمها وتعليمها ويروى ومن أحب سنتي (فقد أحبّني) أي بالغ في حبي (ومن أحبّني) أي بالمبالغة (كان معي في الجنّة) أي في درجة أرباب المحبة وأصحاب القربة (فمن اتّصف بهذه الصّفة)
стр. 809
الظاهر بهذه الصفات التي هي علامات المحبة أو المراد بهذه الصفة إحياء السنة وأمثالها من أنواع الموافقة والمتابعة الصادقة (فهو كامل المحبّة لله تعالى) أي أصالة (ولرسوله) أي تبعا (ومن خالفها) أي هذه الصفات (في بعض هذه الأمور) أي المذكورة (فهو ناقص المحبّة ولا يخرج) أي ولكن لا يخرج مع هذا (عن اسمها) أي عن اسم المحبة فيجوز إطلاق المحب عليه في الجملة (ودليله) أي ودليل عدم خروج ناقص المحبة عن أصل المحبة (قوله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي كما في حديث البخاري عن عمر رضي الله تعالى عنه (للّذي حدّه في الخمر) أي لأجله وفي حقه وهو عبد الله الملقب بالحمار كذا وقع في صحيح البخاري وهو صاحب مزاح كان يهدي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويضحكه (فلعنه بعضهم) وفي صحيح البخاري فقال بعض القوم أخزاك الله تعالى قال بعض الحفاظ القائل به هو عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه رواه البيهقي وفي رواية له فقال رجل من القوم اللهم العنه (وقال) أي ذلك البعض تعليلا لطعنه ولعنه (مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ ورسوله) وفي كلام الدمياطي في حواشيه على البخاري أن هذا وهم منه فإن صاحب القصة نعيمان تصغير نعمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن غنم بن مالك بن النجار شهد العقبة مع السبعين وبدرا واحدا والخندق وسائر المشاهد وأتي به في شرب الخمر إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فجلده أربعا أو خمسا فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يشرب وأكثر ما يجلد فقال ﵊ لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وكان صاحب مزاح انتهى وقال الواقدي بقي نعيمان حتى توفي أيام معاوية وكان كثير المزاح يضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من مزاحه انتهى ومما يحكى عن نعيمان هذا أنه كان لا يدخل في المدينة طرفة أو تحفة إلّا اشترى وجاء بها إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ويقول أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطالبه بثمنه جاء به إلى النبي ﵊ وقال يا رسول الله أعطه ثمن متاعه فيقول النبي ﵊ أو لم تهده فيقول يا رسول الله لم يكن والله عندي ثمنه وأحببت أن تأكله فيضحك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويأمر لصاحبه بثمنه وفي هذا الحديث بشارة عظيمة وإشارة جسيمة لعصاة المؤمنين وحجة واضحة وبينة لائحة لأهل السنة والجماعة على الخوارج والمعتزلة حيث قالوا يكفر من فعل كبيرة أو هي مخرجة له من الإيمان ولا تدخله في الكفر فيثبتون لصاحبها منزلة بين المنزلتين ويقولون بتخليده في النار (ومن علامات محبّة النبيّ) أي محبته للنبي (صلى الله تعالى عليه وسلم كثرة ذكره له) أي في الحالات والأوقات (فمن أحبّ شيئا أكثر من ذكره) أي وصرف إليه غالب فكره وقوله من أحب شيئا أكثر من ذكره حديث رواه الديلمي في مسند الفردوس عن عائشة رضي الله تعالى عنها (ومنها) أي من علامات محبته عليه ﵊ (كثرة شوقه إلى لقائه) أي إلى مشاهدة طلعة ذاته في دار بقائه (فكلّ حبيب) أي محب (يحبّ لقاء حبيبه) أي محبوبه
стр. 810
والجملة كالعلة لما قبلها (وفي حديث الأشعريّين) أي أبي موسى وأصحابه (عند قدومهم المدينة) أي من اليمن أو الحبشة (أنّهم كانوا يرتجزون) أي يقولون هذا الرجز قبل حصول الصحبة ووصول القربة (غدا نلقى الأحبّة) جمع حبيب فعيل بمعنى مفعول (محمدا وصحبه) ويروى وحزبه والمراد بالرجز هنا الشعر الذي يشبه الرجز إذ ليس هذا من بحر الرجز المعروف فإنه بفتحتين ضرب من الشعر وزنه مستفعلن ست مرات سمي لتقارب أجزائه وقلة حروفه وزعم الخليل أنه ليس بشعر وإنما هو انصاف من أبيات وأثلاث (وتقدّم قول بلال) أي انشاده هذا الرجز عند موته شوقا إلى لقائه (ومثله قال عمّار قبل قتله) وفي نسخة وكما قال عمار أي ابن ياسر أبو اليقظان العبسي من السابقين المعذبين في الله البدريين وكان معذبا بالنار في أيدي المشركين وكان ﵊ يمر به فيمر يده عليه ويقول يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم روى عنه علي وابن عباس وغيرهما قتل بصفين مع علي عن ثلاث وتسعين من عمره وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم له تقتلك الفئة الباغية وقتله أبو الغادية واسمه يسار بن سبع سكن الشام ونزل واسط وعداده في الشاميين أدرك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو غلام وسمع منه قوله لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وكان محبا لعثمان رضي الله تعالى عنه وكان إذا استأذن على معاوية يقول قاتل عمار بالباب أخرج له أحمد في المسند (وما ذكرناه) أي وتقدم أيضا ما ذكرناه (من قصّة خالد بن معدان) وفي نسخة في قصة خالد بن معدان (ومن علاماته) أي ومن دلالة شوق المحب إلى لقاء محبوبه (مع كثرة ذكره تعظيمه له) أي لذاته أو لأمره (وتوقيره) أي له كما في نسخة (عند ذكره) أي تنويها لرفعة محله (وإظهار الخضوع) وفي نسخة وإظهاره الخضوع وفي نسخة الخشوع بدل الخضوع والمعنى بهما التواضع والتذلل ظاهرا وباطنا (والانكسار) أي بوصف الافتقار وفي نسخة الانكماش أي الانقباض والاجتماع (مع سماع اسمه) أي حين سماع اسمه أو وصفه (قال إسحاق) وفي نسخة أبو إسحاق (التّجيبيّ) بضم التاء الفوقية وتفتح وقيل هو الأصح وبكسر الجيم نسبة إلى تجيب بطن من كندة منهم كنانة بن بشر التجيبي قاتل عثمان رضي الله تعالى عنه وتجوب قبيلة من حمير منهم ابن ملجم قاتل علي كرم الله تعالى وجهه (كان أصحاب النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بعده) أي بعد وفاته (لا يذكرونه) أي في حال من الأحوال (إلّا خشعوا) أي خضعوا وتذللوا (واقشعرّت جلودهم) أي انقبضت لحسرتهم عليه (وبكوا) أي لفراقه شوقا إليه (وكذلك) أي ومثل أصحابه في ذلك (كثير من التّابعين منهم) في نسخة كان منهم (من يفعل ذلك) أي يخشع ويقشعر ويبكي (محبّة له وشوقا إليه، ومنهم) أي من التابعين أو من الصحابة والاتباع أجمعين (من يفعله) أي ما ذكر من الخشوع والاقشعرار والبكاء (تهيّبا) أي مهابة (وتوقيرا) أي إجلالا وعظمة والحاصل أن بعضهم كانت المحبة غالبة عليهم وبعضهم كانت المخافة ظاهرة لديهم وهما مقامان شريفان لطائفتين من الصوفية السنية لكن مقام
стр. 811
الرجاء والمحبة أفضل من مقام الخوف والهيبة بالنسبة إلى المنتهين وعكسه بالإضافة إلى المبتدئين ويسمى الأولون بالطيارين والآخرون بالسيارين ثم هذه الأوصاف المحمودة كلها مقتبسة من قوله تعالى في مدح المؤمنين الموقنين حيث قال تعالى أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ إلى أن قال تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ الآية فذكر الله وذكر رسوله متلازمان في حصول كل واحد ووصوله (ومنها) أي ومن علامات محبة الإنسان للنبي ﵊ (محبّته لمن أحبّ النّبيّ) بالرفع أي أحبه النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) ويجوز أن ينصب كما في نسخة وهو المعنى الأعم الأتم لكن الأول هو المناسب لسياق الكلام والله تعالى أعلم ولذا عطف عليه بقوله (ومن) أي ولمن (هو بنسبه) أي بسبب نسبه ونسبته وفي نسخة نسبه أي منسوبه (من آل بيته) أي أهل بيته وفي أصل الحجازي بنون وشين معجمة وموحدة (وَصَحَابَتِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَعَدَاوَةُ مَنْ عَادَاهُمْ) أي تجاوز الحد الشرعي في حقهم من الكفار (وبغض من أبغضهم) أي كرههم وقلاهم من الفجار (وسبّهم) أي وبغض من شتمهم من كلاب أهل النار (فمن أحبّ شيئا) أي أحدا (أحبّ من يحبّ) وفي نسخة من يحبه أي ذلك المحبوب ويبغض من يبغضه (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في البخاري وغيره (في الحسن والحسين) أي في حقهما وشأنهما (اللهمّ إنّي أحبّهما فأحبّهما) أي زد لهما الهدى والتوفيق في الدنيا وحسن المثوبة ورفعة الدرجة في العقبى (وقال) أي في رواية (من أحبّهما فقد أحبّني) أي فكأنه أحبني (ومن أحبّني) حقيقة (فقد أحبّ الله تعالى ومن أبغضهما فقد أبغضني) أي فكأنه أبغضني (ومن أبغضني) حقيقة (فقد أبغض الله تعالى) أي ومن أبغض الله فقد كفر بالله (وفي رواية) أي أخرى (في الحسن) أي قال في حق الحسن وحده (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ وَقَالَ) أي في رواية الترمذي (الله الله) بالنصب فيهما أي اتقوه واحذروه (في أصحابي) ولا تذكروهم بسوء فإنهم أحبابي (لا تتّخذوهم غرضا) بمعجمتين أي هدفا ترمونهم بما لا يليق من الكلام كما يرمى الهدف بالسهام وفي نسخة عرضا بالعين المهملة والظاهر أنه تصحيف (بعدي) أي في غيبتي أيام حياتي أو بعد مماتي (فمن أحبّهم فبحبّي) أي فبسبب حبه إياي أو حبي إياهم (أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي) أي فبسبب بغضه إياي (أبغضهم) ومن هنا قول بعض المالكية من سبهم قتل (ومن آذاهم) أي بما يسوؤهم (فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى) أي خالفه وكره الله فعله (ومن آذى الله يوشك) أي يقرب ويسرع (أن يأخذه) أي الله تعالى كما في نسخة ولعل الحديث مقتبس من قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (وقال) أي كما رواه البخاري وغيره (في فاطمة) أي في شأنها (أنّها بضعة) بفتح الموحدة وتكسر أي جزء وقطعة (منّي) أي من لحمي ودمي (يغضبني ما أغضبها) وفي نسخة ما يغضبها وقد
стр. 812
ورد هذا الحديث حين خطب علي رضي الله تعالى عنه جويرية ابنة عدو الله أبي جهل على فاطمة رضي الله تعالى عنها قال مسرور بن مخرمة سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول وهو على المنبر إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن إلّا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني فمن أبغضها أبغضني فهذا من خصوصياتها (وقال) أي في رواية (لعائشة رضي الله تعالى عنها في أسامة بن زيد) أي في حقه (أحبّيه فإنّي أحبّه) وقد ورد أنه أراد ﵊ أن ينحي مخاط أسامة فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها دعني حتى أنا الذي أفعل قال يا عائشة أحبيه فإني أحبه (وقال) كما في الصحيحين (آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُهُمْ) أي علامة كمال إيمان من آمن أو علامة نفس إيمانه حبهم ويؤيده ظاهر الحديث وحديث لا يحبهم إلّا مؤمن ولا يبغضهم إلّا منافق ولعل وجه تخصيصهم أنهم كانوا مختلطين فيما بين المنافقين والمخلصين أو للإشعار بأن حكم المهاجرين أولى بذلك كما يشير إليه قوله ﵊ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار إيماء إلى جلالة رتبة الهجرة وأنه ﵊ نبي مهاجر من المهاجرين وقد جاء بطريق العموم حب العرب إيمان وبغضهم نفاق كما رواه الحاكم في مستدركه عن أنس رضي الله تعالى عنه (وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أي كما تقدم (مَنْ أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فببغضي أبغضهم) ظاهر مبناه اخبار ولا يبعد أن يكون معناه انشاء أي من أحبهم فينبغي أن يكون بسبب حبي لهم أحبهم حيث يكونون صالحين وكذا البغض إذا كانوا طالحين لما ورد عنه ﵊ من أحب لله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه وفي رواية حب قريش إيمان وبغضهم كفر وحب الأنصار من الإيمان وبغضهم كفر فمن أحب العرب أي جنسهم والمراد مؤمنوهم أو متقوهم فقد أحبني ومن أبغض العرب فقد أبغضني رواه الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله تعالى عنه وروى ابن عساكر عن جابر مرفوعا حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الإيمان وبغضهم كفر وحب العرب من الإيمان وبغضهم كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظني فيهم فأنا أحفظه يوم القيامة والأحاديث كثيرة في هذا الباب وبالجملة فيجب على كل أحد أن يحب أهل بيت النبوة وجميع الصحابة من العرب والعجم لا سيما جنسه ﵊ ولا يكون من الخوارج في بغض أهل البيت فإنه لا ينفعه حينئذ حب الصحابة ولا من الرافض في بغض الصحابة فإنه لا ينفعه حينئذ حب أهل البيت ولا يكون من جملة الجهلاء العوام حيث يكرهون العرب بالطبع الملام ويذمونهم على الإطلاق بسوء الكلام فإنه يخشى عليهم من سوء الختام (فَبِالْحَقِيقَةِ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَحَبَّ كُلَّ شَيْءٍ يحبّه) أي يحب ذلك الشيء وهذا أظهر (وهذه) أي الطريقة الموافقة للحقيقة (سيرة السّلف) أي سمة الصحابة والتابعين في حبهم ما أحبه عليه الصلاة والسلام
стр. 813
في جميع الحالات (حتّى في المباحات وشهوات النّفس) أي فيحبون ما اشتهاه ويتكلمون بمقتضاه ويكلفون أنفسهم بموافقة ما يهواه مبالغة في طاعة مولاه (وقد قال أنس رضي الله تعالى عنه حين رأى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يتتبّع الدّبّاء) بالمد ويقصر أي يطلبه (من حوالى القصعة) بفتح اللام والقاف أي من أطرافها لكمال محبته له (فما زلت) أي ما دمت وعشت (أحبّ الدّبّاء من يومئذ) بفتح الميم وكسرها أي من حين رأيته يتتبعه ويأكل حبا له لحبه ﵊ إياه وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه ما صنع لي طعام ويوجد الدباء إلّا وقد جعل فيه وقد روي في مجلس أبي يوسف أنه ﵊ كان يحب الدباء فقال رجل أنا ما أحب الدباء فسل له السيف وقال جدد الإسلام وإلّا قتلتك نظرا إلى ظاهر معارضته له ﵊ (فهذا الحسن بن علي وعبد الله ابن عباس وابن جعفر رضي الله تعالى عنهم) أي ابن أبي طالب (أتوا سلمى) أي خادمته صلى الله تعالى عليه وسلم ومولاة له أو مولاة عمته صفية زوجة أبي رافع قابلة ابنه إبراهيم وداية ابنته فاطمة وغاسلتها مع أسماء بنت عميس قال الحلبي في الصحابيات وسلمى غير هذه خمس عشرة امرأة وإنما يدل على أنها المراد هنا ما أخرجه الترمذي في الشمائل بسنده عنها أنهم أتوها (وَسَأَلُوهَا أَنْ تَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا مِمَّا كَانَ يعجب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يشتهيه ويستحسن أكله فقالت يا بني لا تشتهيه اليوم قال بلى اصنعيه لنا فقامت وأخذت شيئا من الشعير فطحنته ثم جعلته في قدر وصبت عليه شيئا من الزيت ودقت الفلفل والتوابل فقربته فقالت هذا مما كان يعجب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويستحسن أكله (وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) على ما في الصحيحين وأما ما وقع في أصل الدلجي من ابن عباس بدل ابن عمر فليس في محله (يلبس) بفتح الموحدة (النّعال السّبتيّة) بكسر السين نسبة إلى السبت وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ وهو ورق السمر وقيل صمغه يتخذ منه النعال سميت بذلك لأن شعرها قد سبت عنها أي أزيل وقيل منسوبة إلى موضع يقال له سوق السبت بالكسر (ويصبغ) بتثليث الموحدة وضمها أشهر (بالصّفرة) أي بالحناء (إذ رأى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك) أي مثل ما ذكر من لبس النعال السبتية وصبغ اللحية بالصفرة لكمال المتابعة في الهيئة الموافقة من الكمية والكيفية (ومنها) أي من علامات محبته ﵊ (بغض من أبغض الله ورسوله) بالنصب في النسخ المصححة أي من أبغضهما ووقع في أصل الدلجي بالرفع فقال أي من ابغضاه والأول أيضا قد نص عليه الحلبي وهو الأظهر فتدبر لأن بغض الله تعالى للعبد إرادة عقابه وإيقاع الهوان به وهذا غير معلوم لنا بخلاف من ظهر منه بغضهما كأبي لهب وأبي جهل ونحوهما واسم الله للتزيين وللإشعار بأن من أبغض رسوله فقد أبغضه وإلّا فلا يوجد في العالم من أبغض الله تعالى فكل يدعي محبته إلا أن أكثرهم أخطأوا طريق ما يقتضي مودته ولذا اكتفى بضميره ﵊ في قوله (ومعاداة من عاداه) أي من اتخذه عليه
стр. 814
الصلاة والسلام عدوا (ومجانبة من خالف سنّته) أي طريقته أي عمل بغيرها (وابتدع في دينه) أي أظهر البدع في سبيله (واستثقاله) أي عد المؤمن المحب ثقيلا (كلّ أمر) أي من قول أو فعل أو حال ويروى واستثقال كُلَّ أَمْرٍ (يُخَالِفُ شَرِيعَتَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) أي اعلاما بما ذكر من كمال محبته (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي يكملون في الإيمان بحسب الباطن والظاهر (يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة: ٢٢] أي يحابون ويصادقون من خالفهما والمعنى أنه لا ينبغي أن يكون هذا الأمر بل حقه أن يمتنع مبالغة في النهي عنه بمجانبة أعدائهما (ولو كانوا آباءهم) أي أصولهم (أو أبناءهم) أي فروعهم (أو إخوانهم) أي أقرانهم (أو عشيرتهم) أي أقاربهم وأهل صحبتهم وهو تعميم بعد تخصيص (وهؤلاء) أي المؤمنون بالله واليوم الآخر حقا (أصحابه) أي عدلا وصدقا (قد قتلوا أحبّاءهم) أي أحبابهم وأصحابهم (وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته) أي في سبيل رضى الله ورسوله روي عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الآية عني بها جماعة من الصحابة فقوله ولو كانوا آباءهم يريد أبا عبيدة قتل أباه يوم أحد أو أبناءهم يريد أبا بكر رضي الله تعالى عنه لأنه دعا ابنه للبراز يوم بدر فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقعد أو إخوانهم يريد مصعب بن عمير لأنه قتل أخاه يوم أحد أو عشيرتهم يريد عليا ونحوه ممن قتلوا عشائرهم كذا في مبهمات القرآن لشيخ مشايخنا الجلال السيوطي وقد قتل عمر خاله العاص بن هشام يوم بدر على ما نقله الدلجي (وقال له) أي للنبي ﵊ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ) وكان أبوه علم النفاق ورأس الكفر ورئيس الشقاق وهو من أكابر أهل الوفاق (لو شئت) لو أردت وأمرت بقتله (لأتيتك برأسه يعني) أي يريد بضميره (أباه) أي عبد الله والحديث رواه البخاري وقال ذلك لما هموا بأبيه حين بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الأذل وعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأتى ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني به وأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتل فلا تدعني نفسي أن انظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فاقتله فاقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا استشهد عبد الله ﵁ يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه سنة اثنتي عشرة روى عنه أبو هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهما وغيرهما (ومنها) أي من علامات محبته ﵊ (أَنْ يُحِبَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أَتَى بِهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وهدى به) أي بسببه الأنام (واهتدى) أي في نفسه بأخلاق الكرام (وتخلّق به) أي اتخذه خلقا في جميع الأحكام (حتّى قالت عائشة رضي الله تعالى عنها) أي في تفسير قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (كان خلقه القرآن) أي كان ممتثلا
стр. 815
بأوامره ومنتهيا عن زواجره ومتمسكا بآدابه وما اشتمل عليه من مكارم أخلاقه نحو قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وأمثاله (وحبّه القرآن) أي علامة حبه له (تلاوته) أي دوام قراءته (والعمل به) والأنسب ما في نسخة من تأخيره عن قوله (وتفهّمه) أي طلب فهمه في مواعظه وقصصه ووعده ووعيده وبيان أحوال أنبيائه وأوليائه وعاقبة أعدائه (ويحبّ) أي وأن يحب (سنّته) أي أحاديثه (ويقف عند حدودها) أي أوامرها ونواهيها (قال سهل بن عبد الله) التستري (عَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ حُبُّ الْقُرْآنِ وَعَلَامَةُ حُبِّ القرآن حبّ النّبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَامَةُ حُبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم حبّ السّنّة) أي حب أحاديثه وأخباره وأحواله وسيره وآثاره (وعلامة حبّ السّنّة) أي بعد علمها وفهمها (حبّ الآخرة) إذ أقل العلم معرفة أن الدنيا فانية والآخرة باقية ونتيجته أن يعرض عن الدنيا ويقبل على العقبى وهذا معنى قوله (وعلامة حبّ الآخرة بغض الدّنيا) لأنهما لا يجتمعان لقوله ﵊ من أحب آخرته أضر بدنياه ومن أحب دنياه أضر بآخرته فآثروا ما يبقى على ما يفنى وقد شبهتا بالضرتين وبالكفتين (وعلامة بغض الدّنيا أن لا يدّخر منها) أي لا يأخذ ولا يمسك منه (إلّا زادا) أي قدر ما يتزود به (وبلغة) بضم فسكون أي مقدار ما يبلغه (إلى الآخرة) فإن تحصيل الزيادة على قدر الضرورة وبال وحسرة فإن حلالها حساب وحرامها عقاب والاشتغال بها حجاب وفي أصل الحجازي زاد وبلغة بالرفع فيقرأ لا يدخر مجهولا (وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا يسأل أحد عن نفسه) أي عن طيب حالها وخبث مآلها (إلّا القرآن) فإنه ميزان الإنسان للعدل والإحسان (فإن كان يحبّ القرآن) أي تلاوته ومتابعته (فهو يحبّ الله ورسوله) أي ومن يحبهما فهما يحبانه أيضا والمعنى أنه لا ينبغي لأحد أن يرضى بما في نفسه من الدعوى فإنه كما قيل ما أيسر الدعوة وما أعسر المعنى (ومن علامات حبّه) أي أصل حب المؤمن المحب (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم شفقته) أي خوفه ومرحمته (على أمّته ونصحه لهم) أي قيامة بنصيحتهم في أمرهم ونهيهم وموعظتهم (وسعيه في مصالحهم) أي الدينية والدنيوية الضرورية (ورفع المضارّ عنهم) أي بعد وقوعها ووصولها وفي نسخة ودفع المضار عنهم أي عند خوف حصولها (كما كان صلى الله تعالى عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما) والرأفة شدة الرحمة ولعلها كانت مختصة بكمل المؤمنين وعموم الرحمة لعامة المؤمنين مع أنه كان رحمة للعالمين وفيه إشارة إلى حسن المتابعة وكمال الموافقة وإيماء إلى قوله ﵊ تخلقوا بأخلاق الله تعالى والمعنى أن التخلق يكون بقدر التعلق في باب التحقق (ومن علامة تمام محبّته) أي وكمال متابعته (زهد مدّعيها) أي قلة رغبة مدعي محبته ﵊ (في الدّنيا) أي التي هي دار الأكدار ومقام الآلام (وإيثاره) أي اختياره (الفقر) أي قلة المال على كثرته (واتّصافه به) أي بالفقر حال ضرورته ويكون غني القلب في صورته وهذا إنما يكون بإعراضه عنها وتركه الالتفات إليها وعدم الإقبال عليها وسئل الزهري عن الزهد فقال هو إن
стр. 816
لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه إنّ الفقر إلى من يحبّني منكم) أي حبا بالغا (أسرع من السيل) أي الواقع عند نزوله (من أعلى الوادي أو الجبل) شك من الراوي (إلى أسفله) فإن الله ربى أكثر الأصفياء والأولياء بوصف الفقر المؤدي إلى المسكنة والفناء بخلاف الغنى فإنه غالبا يؤدي إلى العجب والغرور والجفاء ويشهد لذلك أنه ﵊ لما عرض عليه ملك الجبال بقوله إن شئت جعل الله لك الأخشبين ذهبا أبي وفي حديث آخر أن ربه عرض عليه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبا فقال لا يا رب ولكني أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك وكأنه ﵊ اختار أن يكون تربيته تارة بوصف الجمال وتارة بنعت الجلال كما هو حال أرباب الكمال (وفي حديث عبد الله بن مغفّل) بتشديد الفاء المفتوحة مزني من أصحاب الشجرة روى عنه الحسن البصري وغيره وتوفي بالبصرة سنة ستين قال الحسن رحمه الله تعالى ما نزل البصرة أشرف منه (قال رجل للنّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّكَ فقال انظر ما تقول) أي تأمل في قولك وتفكر في أمرك فإنك ادعيت دعوى فلا بد من تحقيق مآلها من المعنى ليكون مبنيا على أساس التقوى (قال إني والله) وفي نسخة والله إني (لأحبّك- ثلاث مرّات) أي ذكرها مكررا بالقسم مؤكدا مقررا (قال إن كنت تحبّني) أي حبا كاملا أو إن كنت صادقا في دعوى محبتي اللازم منها كمال متابعتي (فأعدّ) بفتح همزة وكسر عين وتشديد دال مفتوحة ويجوز كسرها أي فهيء (للفقر تجفافا) بكسر الفوقية وسكون الجيم أي اتخذ له عدة ووقاية تقتضي رعاية وتستوجب عناية وتستجلب هداية وأصل التجفاف لبسة للفرس تمنعه السلاح وتقيه الأذى من الجراح وقد يلبسه الإنسان ويروى جلبابا وهو الإزار قال القتيبي معناه أن يرفض الدنيا ويزهد فيها ويصبر على الفقر والتقلل منها وكني بالتجفاف أو الجلباب عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر البدن وقال ابن الأعرابي أي لفقر الآخرة يعني يعمل عملا لا يكون في الآخرة فقيرا مفلسا حقيرا وعن علي كرم الله وجهه من أحبنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا أو قال تجفافا (ثمّ ذكر) أي النبي ﵊ قاله الدلجي والصواب أي ذكر عبد الله بن مغفل (نحو حديث أبي سعيد بمعناه) أي الذي تقدم قبله وهو قوله ﵊ إن الفقر إلى من يحبني إلى آخره غير أن في حديث عبد الله بن مغفل للفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه.
فصل [في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحقيقتها]
(في معنى المحبة للنبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَقِيقَتِهَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ محبة الله تعالى ومحبّة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي محبة العبد لهما (وكثرت عباراتهم في
стр. 817
ذلك) أي وتعددت إشاراتهم هنالك (وليست ترجع) أي مقالاتهم (بالحقيقة) أي في الحقيقة كما في نسخة (إلى اختلاف مقال) أي لاتفاق ما فيها في مآل (ولكنّها اختلاف أحوال) كما قال قائل:
عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير
(فقال سفيان) أي الثوري أو ابن عيينة (المحبّة اتّباع الرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي علامة محبة العبد لله تعالى أو نتيجة محبة الله تعالى للعبد حسن المتابعة ومداومة الموافقة لصاحب الرسالة وهذا معنى قوله (كأنّه) أي الشأن أو سفيان (التفت) أي في كلامه مشيرا (إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) [آل عمران: ٣١] الآية أي يحببكم الله (وقال بعضهم محبّة الرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم اعتقاد نصرته) أي اعتقاد وجوب نصرة دينه وملته (والذّبّ عن سنّته) أي ودفعه عن إماتة سيرته (والانقياد لها) أي لشريعته وفي نسخة له أي لذاته وحقيقته (وهيبة مخالفته) أي خوف مخالفة طريقته بملاحظة عظمته وهذا الكلام أيضا إيماء إلى علامة المحبة أو نتيجة المودة (وقال بعضهم المحبّة دوام الذّكر للمحبوب) «١» وروي ذكر المحبوب أي لما ورد من أن من أحب شيئا أكثر من ذكره حيث لا يذهل المحبوب عن فكره في تمام أمره ودوام دهره (وقال بعضهم المحبّة الشّوق إلى المحبوب) وهذا أقرب في بيان المطلوب (وقال بعضهم المحبّة مواطأة القلب) أي موافقته (لمراد الرّبّ يحبّ ما يحبّ) أي يحب المحب ما يحب المحبوب فالجملة استئنافية وفي نسخة صحيحة ما أحب وفي أخرى بحب بالجار والمجرور على أن الباء لبيان المواطأة وكذا قوله (ويكره ما كره) وفي نسخة ما كره بصيغة الماضي وفي الكشاف محبة العباد الله مجاز عن ارادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم (وَقَالَ آخَرُ: الْمَحَبَّةُ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَى مُوَافِقٍ له) أي لقلب المحب من الأمور الحسية النفسية الدنية أو الأحوال المعنوية الدينية وهذا قريب من المحبة الحقيقية (وَأَكْثَرُ الْعِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى ثَمَرَاتِ الْمَحَبَّةِ) أي نتائجها (دون حقيقتها وحقيقة المحبّة) أي من حيث هي (هو الميل) أي ميل الجنان (إلى ما يوافق الإنسان) أي بموجب الطبع أو بمقتضي الشرع (وتكون موافقته له) أي ويحصل موافقة القلب للإنسان وميله له (إمّا لاستلذاذه) أي لتلذذ الإنسان (بإدراكه) أي بإدراك ما يميل إليه مما يوافقه بإحدى مشاعره الحسية سواء كانت على وفق الشهوات النفسية أو على طبق اللذات الإنسية (كحبّ الصّور) ويروى الصورة (الجميلة) أي من المبصرات أعم من أن تكون من الحيوانات أو النباتات أو الجمادات حيث وقعت بالأشكال الموزونة (والأصوات الحسنة) أي من
стр. 818
المسموعات الواردة على لسان الإنسان أو الطير أو سائر الحيوانات (والأطعمة) أي من المأكولات (والأشربة) أي من المذوقات (اللّذيذة) قيد لهما (وأشباهها) أي كحب الرائحة الطيبة من المشمومات والنعومة واللينة من الملموسات (ممّا كلّ طبع سليم) أي لا قلب سقيم (مائل إليها) أي ومقبل عليها (لموافقتها له) أي بمقتضى طبيعته مع قطع النظر عن موافقة شريعته (أَوْ لِاسْتِلْذَاذِهِ بِإِدْرَاكِهِ بِحَاسَّةِ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ مَعَانِيَ باطنة شريفة) أي مبنية على مباني لطيفة (كحبّ الصّالحين) أي من الأنبياء والأولياء (والعلماء) وكذا الشهداء (وأهل المعروف) أي من الأصفياء (المأثور عنهم السّير الجميلة) أي الأحوال الجليلة (والأفعال الحسنة) أي والأقوال المستحسنة وهذا تعميم بعد تخصيص ليشمل الملوك والأمراء والفقراء والأغنياء (فإنّ طبع الإنسان) أي الكامل في هذا الشأن (مائل إلى الشّغف) بالغين المعجمة وقيل بالمهملة وقرىء بهما قوله تعالى قَدْ شَغَفَها حُبًّا يقال شغفه الحب أي بلغ شغافه وهو غلاف قلبه وهي جلدة رقيقة على القلب كالحجاب دونه والمعنى مائل إلى الحب الذي يخرق شغاف القلب وحجابه حتى يبلغ الفؤاد الذي هو سويداء القلب ومحل المراد (بأمثال هؤلاء) أي الموصوفين بمراتب الثناء (حتّى يبلغ) أي الشغف (بقوم) أي من اتباع عالم أو شيخ أو كريم (التّعصّب لقوم) أي كانوا على ضدهم هو بالنصب علىّ أنه مفعول يبلغ وكذا قوله (والتّشيّع) أي كمال التتّبع ومنه حديث القدرية شيعة الدجال وفي نسخة صحيحة حَتَّى يَبْلُغَ التَّعَصُّبُ بِقَوْمٍ لِقَوْمٍ وَالتَّشَيُّعُ (مِنْ أمّة) أي طائفة (في أخرى) أي في جماعة وفي نسخة في آخرين (ما يؤدّي) أي ما ذكر من التعصيب والتشيع (إلى الجلاء) بالفتح والمد أي الخروج (عن الأوطان وهتك الحرم) بضم ففتح أي قطع ستارة حرمة الذرية والنسوان (واخترام النّفوس) بالخاء المعجمة أي استئصالها باقتطاع الأرواح من الأشباح (أو يكون حبّه إيّاه) أي ميل الإنسان إلى موافقة هواه (لموافقته له من جهة إحسانه له) وفي نسخة إليه (وإنعامه عليه فقد جبلت النّفوس) أي خلقت مجبولة ومطبوعة (على حبّ من أحسن إليها) وفي نسخة من أحسن إليه وفي أخرى له فقد ورد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها رواه ابن عدي وأبو نعيم في الحلية والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وصححه وورد في الدعاء اللهم لا تجعل لفاجر على يدا يحبه قلبي (فإذا تقرّر لك هذا) أي ثبت عندك هذا الكلام (نظرت) أي رأيت (هذه الأسباب) أي أسباب المحبة من الجمال الصوري والكمال المعنوي والإحسان الوفي (كلّها) أي جميعها موجودة ثابتة (في حقّه صلى الله تعالى عليه وسلم فعلمت أنّه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَامِعٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ الْمُوجِبَةِ للمحبّة) أي على وجه التمام (أَمَّا جَمَالُ الصُّورَةِ وَالظَّاهِرِ وَكَمَالُ الْأَخْلَاقِ وَالْبَاطِنِ فقد قرّرنا منها) أي من الشمائل الدالة عليهما والفضائل المشيرة إليهما (قبل) أي قبل هذا الباب فيما سبق من الكتاب (ما لا يحتاج إلى زيادة) أي وكثرة إطناب (وأمّا إحسانه) أي الدنيوي الصوري (وإنعامه) أي الديني والأخروي (على أمّته) أي اتباع ملته (فكذلك قد
стр. 819
مرّ) ويروى مضى (منه) أي بعضه (في أوصاف الله تعالى) أي فيما أعطاه الله تعالى (له) وأثنى عليه من الصفات الجميلة والنعوت الجليلة (مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ وشفقته) أي وخوفه (عليهم واستنقاذهم) أي استخلاصهم (به من النّار وأنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم) أي بحسب مراتب إيمانهم ومناقب انعامهم (ورحمة للعالمين) أي بجميع أعيانهم (ومبشّرا) بالنصب على الحكاية أو التقدير كان مبشرا للمؤمنين المطيعين بالجنة (ونذيرا) أي مخوفا للعاصين بالعقوبة (وداعيا إلى الله) أي إلى محل قربه (بإذنه) أي بتيسيره وتوفيقه (ويتلو عليهم آياته) أي آيات القرآن المشتملة على معجزاته (ويزكّيهم) أي يطهرهم بنصائح بيناته (ويعلّمهم الكتاب) أي أحكامه الخفية (والحكمة) أي السنة الجلية (ويهديهم إلى صراط مستقيم) أي طريق قويم ودين قديم (فأيّ إحسان أجلّ قدرا وأعظم خطرا) أي أمرا (من إحسانه) ﵊ (إلى جميع المؤمنين) أي خصوصا (وأيّ إفضال) أي اكرام وإقبال (أعمّ منفعة وأكثر فائدة) أي أتم نتيجة (من إنعامه على كافّة المسلمين) أي جميع المنقادين ولو من أهل الذمة والمنافقين (إذ كان) أي النبي ﵊ (ذريعتهم) أي وسيلة أهل الإسلام (إلى الهداية) أي هدايتهم إلى سبل السلام ودلالتهم إلى مقام الكرام (ومنقذهم من العماية) بفتح العين أي ومخلصهم من الغواية ومنجيهم من الضلالة إلى الهداية (وداعيهم إلى الفلاح) أي الفوز والنجاح (والكرامة) أي بحملهم على الصلاح (ووسيلتهم إلى ربّهم) أي إلى تقربهم إليه (وشفيعهم) أي لديه (والمتكلّم عنهم) أي في إلزام الحجة بما يلقي عليه (والشّاهد لهم) أي مزكيهم بالخير (والموجب) أي الطالب وفي نسخة المحب (لهم البقاء الدّائم) أي إلى الأبد (والنّعيم السّرمد) أي المستمر الذي لا نهاية له ولا غاية (فقد استبان) أي ظهر (لك أنّه عليه الصلاة وسلام مستوجب) أي مستحق (للمحبّة الحقيقيّة) أي والمودة العرفية (شرعا) أي وطبعا (بما قدّمناه) ويروى لما مر (من صحيح الآثار) أي وصريح الأخبار المنقولة عن المشايخ الأخيار والعلماء الأحبار (وعادة) أي رسوما عادية (وجبلّة) أي خلقة طبيعية (بما ذكرناه) أي من أن جميع ما يصل إلينا من نعم الدارين فهو من فيض انعامه علينا (آنفا) أي زمانا قريبا وهو بمد الهمزة وقصرها وقد قرىء بهما في السبعة (لإفاضته الإحسان) أي على جميع أفراد الإنسان (وعمومه الإجمال) أي المعاملة بالجميل في جميع الأوقات والأحوال (فإذا كان الإنسان) أي بطبعه (يحبّ من منحه) أي أعطاه عطية من لبن أو غيره من هدية (في دنياه مرّة أو مرّتين) أي ولو على وصف القلة (معروفا) أي ما عرف حسنة شرعا وطبعا وفي الحديث أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في العقبى وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يأتي أصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة فيغفر لهم بمعروفهم وتبقى حسناتهم فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته فيغفر له ويدخل الجنة فيجتمع لهم الإحسان في الدنيا والآخرة (أو استنفذه) أي استخلصه وفي نسخة انقذه أي انجاه وأخلصه (من هلكة) بفتحتين كان الأولى أن يقال من
стр. 820
مهلكة (أو مضرّة) أي مما فيه هلاك نفس أو ضرر مال أو تلف حال أو نقصان جاه (مدّة) أي من الزمان قليلة أو كثيرة (التّأذّي بها) أي بالمضرة وكذا بالهلكة (قليل) أي أيامه (منقطع) أي زائل دوامه (فمن منحه) أي أعطى الإنسان (ما لا يبيد) أي ما لا ينفد ولا ينقص (من النّعيم) أي المقيم بجنة طيبة وحالة حسنة ويروى من النعم (ووقاه) أي حفظه وحماه من عَذابَ الْجَحِيمِ وكذا من الماء الحميم (أولى بالحب) أي بالمحبة من غيره وفي نسخة وهي أصل الدلجي فهو أي فهذا المانح الكامل والباعث الكافل أولى ما يحب بصيغة المجهول والظاهر أنه تصحيف (وإذا كان يحبّ) بصيغة المجهول (بالطّبع) أي من غير اختيار الطبيعة بل بحكم أصل الجبلة (ملك) أي من الملوك ولو لم يره ولم يحصل له بره وهو نائب فاعل يحب (لحسن سيرته) أي معاملته في رعيته (أو حاكم) أي أمير أو وزير يحب (لما يؤثر) أي يروى ويخبر (عنه من قوام طريقته) بكسر القاف أي من اعتدال سيرته ونظام عدله في حكومته (أو قاصّ) بمعجمة قال الدلجي أو مهملة أي مشددة أي واعظ ويروى يحب مبنيا للفاعل فتنصب الثلاثة بعده (بعيد الدّار) أي عن من يحبه بالطبع (لما يشاد) بصيغة المجهول من أشاد البناء إذا رفعه أي يشاع ويذاع ويروى لما فشا أي ظهر وانتشر (من علمه) أي المقرون بعلمه (أو كرم شيمته) أي حسن خلقه مع رعيته (فمن جمع هذه الخصال) أي وبل زاد من هذه الأحوال (على غاية مراتب الكمال) جملة في محل نصب على الحال أي مجموعة وليست في بعض النسخ موجودة والمعنى فهو صلى الله تعالى عليه وسلم (أحقّ بالحبّ وأولى بالميل) أي إليه (وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي صفته صلى الله تعالى عليه وسلم من رآه بديهة) أي في أول وهلة (هابه) أي توقيرا وتعظيما (ومن خالطه معرفة) تمييز أي علما بكريم خصاله وعميم فعاله (أحبّه) أي حبا عظيما بجماله وكماله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله.
فصل [في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم]
(في وجوب مناصحته صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قبول نصحه وخلوص النصح له (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) أي ليس على الفقراء اثم في ترك الغزاء كمزينة وجهينة وبني عذرة (إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي أخلصوا الإيمان بهما والطاعة لهما سرا وعلانية في أمرهما (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) أي طريق معاقبة ولا معاتبة لإحسانهم في إيمانهم كما يشير إليه وضع الظاهر موضع المضمر والأظهر أن وجه العدول عن الضمير إفادة المعنى الأعم والإيماء إلى أن هذا الحكم لمن دام على هذا الوصف واستحكم والله تعالى أعلم (وَاللَّهُ غَفُورٌ) لهم ولغيرهم (رَحِيمٌ) [التوبة: ٩١] بهم وبأمثالهم (قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) أي معناه (إذا كانوا مخلصين) أي في أفعالهم وأقوالهم (مسلمين في السّرّ والعلانيّة) أي منقادين في جميع أحوالهم (حدّثنا القاضي) وفي
стр. 821
نسخة صحيحة الفقيه (أبو الوليد بقراءتي عليه ثنا) أي حدثنا (حسين بن محمّد) الظاهر أنه أبو علي الغساني على ما ذكره الحلبي (ثنا) أي حدثنا (يوسف بن عبد الله) وهو حافظ الغرب أبو عمر بن عبد البر (حدّثنا عبد المؤمن) وفي نسخة ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمَّارُ) بتشديد الميم (حدّثنا أبو داود) أي صاحب السنن (حدّثنا أحمد بن يونس) وهو أبو عبد الله اليربوعي الحافظ الكوفي يروي عن الثوري وجماعة وعنه الشيخان وطائفة قال أحمد بن حنبل لرجل اخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام أخرج له أصحاب الكتب الستة قال أبو حاتم كان ثقة متقنا كذا حققه الحلبي وفي نسخة أحمد بن يوسف والظاهر أنه تصحيف (حدّثنا زهير) بالتصغير وهو ابن محمد التميمي المروزي أخرج له الأئمة الستة (حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءِ بن يزيد) أي الليثي أخرج له أصحاب الكتب الستة (عن تميم الدّاريّ) نسبة إلى جده الدار ويقال له الديري أيضا نسبة إلى دير كان يتعبد فيه قبل الإسلام أسلم سنة تسع من الهجرة وكان نصرانيا قبل ذلك وتوفي سنة أربعين ومن مناقبه الفخام أنه ﵊ روى عنه حديث الجساسة على المنبر كما في آخر صحيح مسلم وفيها رواية الفاضل عن المفضول والتابع عن المتبوع وقبول خبر الواحد وذكر الدارقطني أنه روى عن الشيخين وروي أيضا عن محرز كما في الصحيح وعن امرأة لا استحضر الآن اسمها كما في المسند (قال) أي الداري (قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ؛ إِنَّ الدِّينَ النّصيحة؛ إنّ الدّين النّصيحة) أي ثلاث مرات للمبالغة وقد ساق المصنف هذا الحديث بسند أبي داود وقد أخرجه أبو داود في الأدب ولفظه الدين النصيحة من غير تكرار وأخرجه مسلم في الإيمان بنحوه وليس فيه تكرار إن الدين النصيحة ثلاثا بل مرة واحدة ولفظه الدين النصيحة بغير إن وأخرجه النسائي في البيعة ولفظه في الطريق الأولى أن الدين النصيحة مرة وفي نسخة إنما الدين النصيحة مرة (قالوا) أي بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم (لمن) أي النصيحة لِمَنْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ) كما في الأصول (ولرسوله وأئمّة المسلمين) ويروى ولأئمة المسلمين (وعامّتهم) أي جميع أفراد جماعتهم (قال أئمّتنا) أي من المالكية ذكره الدلجي والظاهر أي علماؤنا ومشايخنا إذ لا خلاف في هذه المسألة وهي قوله (النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ وَاجِبَةٌ) أي فرض عين على كل أحد وفي شرح مسلم للنووي عن بعضهم أنها فرض كفاية يسقط بقيام بعض عن الباقين انتهى ولعله محمول على تفاصيل ما يتعلق بالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله بأن يقوموا بجميع الأمور الشرعية والأحكام الفرعية ومن جملتها علم التفسير والحديث والفقه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيله وهذا لا ينافي قول الجمهور حيث أرادوا وجوب النصيحة الإجمالية والموجبة للطاعة التفصيلية هذا وليس قوله ولكتابه من عبارة المصنف ولعله سبق قلم (قال الإمام أبو سليمان البستي) بضم موحدة وسكون سين ففوقية بلد بسجستان والمراد به الخطابي (النّصيحة كلمة يعبّر بها عن جملة) بالتنوين بدون إضافة ذكره الدلجي ويجوز الإضافة كما في كثير من النسخ
стр. 822
وعلى الأول تقديره هي (إِرَادَةِ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يعبّر عنها) أي عن تلك الجملة (بكلمة واحدة) أي غيرها بصيغة (تحصرها) أي تجمع معناها وتحصرها (ومعناها) أي النصيحة (في اللّغة) أي لسان العرب (الإخلاص) فمعنى النصيحة الحالة الخالصة مأخوذة (من قولهم) أي استعمال العرب في محاوراتهم (نصحت العسل إذا خلّصته) بالخطاب وهو بتشديد اللام أي ميزته بنار لطيفة (من شمعه) بفتح الميم ويسكن أي مومه ففي القاموس الشمع محركة وتسكين الميم مولد وهو الذي يستصبح به أو موم العسل الواحدة بهاء (وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْخَفَّافُ) بتشديد الفاء الأولى (النّصح) بضم النون (فعل الشيء الّذي فيه الصّلاح والملاءمة) أي المناسبة والمرابطة وقد تخفف الهمز ياء فيقال الملائمة وهي الموافقة بين الأشياء (مأخوذ من النّصاح) بكسر النون (وهو الخيط الّذي يخاط به الثّوب) أي يلائم بين أجزائه ويصلح للمرء أن يلبسه على أعضائه (وقال أبو إسحاق الزّجّاج نحوه) أي قريبا من معناه وفي الجملة من هذه المادة قوله تعالى تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً أي خالصة صالحة بأن تكون كاملة شاملة (فنصيحة الله تعالى) أي نصيحة العبد له (الاعتقاد له بالوحدانيّة) أي في الألوهية والربوبية (ووصفه بما هو أهله) أي من صفات الثبوتيه من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام ونحوها (وتنزيهه) أي تبعيده (عمّا لا يجوز) أي اطلاقه (عليه) من النعوت السلبية فإنه ليس بجوهر ولا عرض ولا في مكان وغيرها (والرّغبة في محابّه) بتشديد الموحدة أي الميل في كل ما يحبه الله ويرضاه (والبعد من) وفي نسخة عن (مساخطه) أي والتبعد عن جميع ما يكرهه وينهاه (والإخلاص في عبادته) أي فيما يأمره الله من أمور دنياه وعقباه وما ذكر فهو في الحقيقة راجع إلى العبد في نصحه لنفسه لأنه تعالى غني عنه وعن عمله (والنّصيحة لكتابه: الإيمان به) أي أولا (والعمل بما فيه) ثانيا سواء كان عالما به أو جاهلا (وتحسين تلاوته) أي وتزيين قراءته (والتّخشّع عنده) أي اظهار الخشوع وإكثار الخضوع في حضرته (والتّعظيم له) أي لكتابه بأدب يقتضي إجلاله وبوصف يوجب اكماله (والتّفقّه فيه) أي طلب الفهم لمبانيه والعلم بمعانيه (والذّبّ عنه) أي الدفع عما لا يليق به وينافيه (من تأويل الغالين) بالغين المعجمة من الغلو أي المجاوزين عن الحد كالمعتزلة واضرابهم (وطعن الملحدين) أي من الزنادقة وأصحابهم (والنّصيحة لرسوله التّصديق بنبوّته) أي أولا (وبذل الطّاعة له) أي الانقياد لحكمه (فيما أمر به ونهى عنه قاله) أي جميع ما يتعلق بالنصيحة أو ما خص بها لرسوله وهو أقرب وإلى ما بعده أنسب (أبو سليمان) وهو الخطابي (وقال أبو بكر) أي الخفاف وقيل المراد به أبو بكر الآجري (وموازرته) أي النصيحة لرسوله هي معاونته ومعاضدته في دينه وملته (ونصرته) أي اعانته على أعدائه وأهل محاربته (وحمايته) أي المدافعة عنه وممانعة من أراد نوعا من اساءته (حيّا وميّتا) أي في حال حياته ومماته (وإحياء سنّته بالطّلب) أي بالعمل بها (والذّبّ عنها) أي وبالدفع لمن يلحد فيها أو يزيغ عنها (ونشرها) أي إظهارها للتمسك بها (والتّخلّق بأخلاقه الكريمة) أي الاتصاف بمحاسن شمائله وميامن
стр. 823
فضائله الجزيلة (وَآدَابِهِ الْجَمِيلَةِ، وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ التُّجِيبِيُّ) بضم الفوقية وتفتح وكسر الجيم فتحتية فموحدة فياء نسبة كما مر (نصيحة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التّصديق بما جاء به) أي مجملا أو مفصلا (والاعتصام بسنّته) أي بأحاديثه علما وعملا (ونشرها) أي للخلق كملا (والحضّ) أي الحث والتحريض (عليها) أي لمن يعمل بها جملا (والدّعوة) أي دعوة الخلق (إلى الله) أي دينه مجملا (وإلى كتابه) أولا (وإلى رسوله) ثانيا (وإليها) أي وإلى السنة (وإلى العمل بها) آخرا (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ مَفْرُوضَاتِ الْقُلُوبِ) أي من الواجبات المؤكدة عليها (اعتقاد النّصيحة) وهي ارادة الخير (لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لطريقته وأهل ملته (وقال أبو بكر الآجرّيّ) بمد همزة وضم جيم وتشديد راء وهو صاحب كتاب الشريعة (وغيره) أي من علماء الأمة (النّصح له يقتضي نصحين) أي باختلاف حالاته (نُصْحًا فِي حَيَاتِهِ وَنُصْحًا بَعْدَ مَمَاتِهِ فَفِي حياته نصح أصحابه له بالنّصر) أي بالمعاونة (والمحاماة) أي بالمدافعة (عنه) أي عن ذاته (ومعاداة من عاداه والسّمع والطّاعة له) أي وبالقبول والانقياد لأمره ونهيه (وبذل النّفوس والأموال دونه) أي عنده حماية لجماله ورعاية لأحواله (كما قال تعالى) في حقهم (رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الْأَحْزَابِ: ٢٣] أي من الثبات معه حال بلائه ورخائه ووقت قتاله مع أعدائه (الآية) أي فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي نذره وعهده وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أي وعده وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا أي ما غيروا تحويلا وهم الأنصار (قال) أي في حقهم أيضا (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ) أي دينه (وَرَسُولَهُ الآية) [الحشر: ٨] أي أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وهم المهاجرون (وَأَمَّا نَصِيحَةُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَالْتِزَامُ التّوقير والإجلال) أي ملازمة التعظيم والتكريم (وشدّة المحبّة له) أي بكثرة الرغبة إليه وانقياد الطاعة لديه (والمثابرة) أي المواظبة والمداومة (على تعلّم سنّته) وفي نسخة على تعليم سنته (والتّفقّه) بالرفع أو الجر أي التفهم (في شريعته ومحبّة آل بيته) أي أقاربه وعترته (وأصحابه) أي وجميع صحابته وأهل عشرته (ومجانبة من رغب عن سنّته) أي مباعدة من مال عن طريقته وأعرض عن متابعة شريعته وحقيقته (وانحرف عنها) أي انصرف عن ملته بكليته وجملته (وبغضه) بالرفع أي عداوته (والتّحذير منه) أي من صحبته (والشّفقة) أي المرحمة (على أمّته والبحث عن تعرّف أخلاقه) أي تعلم شمائله وتفهم فضائله (وسيره وآدابه والصّبر على ذلك) أي ما ذكر من أقواله وأفعاله وأحواله (فعلى ما ذكره) أي الآجري (تَكُونُ النَّصِيحَةُ إِحْدَى ثَمَرَاتِ الْمَحَبَّةِ وَعَلَامَةٌ مِنْ علاماتها كما قدّمناه) أي في تحقيق المحبة بأنها نتيجة الطاعة والمتابعة (وحكى الإمام أبو القاسم القشيريّ) وهو الأستاذ صاحب الرسالة الصوفية (أنّ عمرو) بفتح أوله (ابن اللّيث أحد ملوك خراسان ومشاهير الثّوّار) هو بالثاء المثلثة المضمومة وتشديد الواو في آخره راء وهم الأبطال الشجعان (المعروف بالصّفّار) بتشديد الفاء (رؤي) بضم الراء وكسر الهمزة على أنه مجهول رأى ويروى بكسر الراء فتحتية ساكنة فهمزة مفتوحة على أنه مجهول راء لغة في رأى على ما في القاموس (في النّوم) أي بعد موته (فقيل له ما فعل
стр. 824
لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ غَفَرَ لي) أي ذنوبي (فقيل له بماذا) أي بأي سبب غفر لك (فقال صعدت) بكسر عينه أي طلعت (ذروة الجبل) بكسر المعجمة وضمها ويحكى فتحها أي أعلاه (يوما) أي من الأيام (فأشرفت على جنودي) أي اطلعت عليهم (فَأَعْجَبَتْنِي كَثْرَتُهُمْ فَتَمَنَّيْتُ أَنِّي حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في بعض غزواته أو سراياه (فأعنته ونصرته) أي على عداه (فشكر الله لي ذلك) أي جازاني بمثوبته وأثنى علي وذكرني عند ملائكته (وغفر لي) أي وسامحني فيما وقع مني وصدر عني لخلوص نيتي وصدق طويتي انتهى كلام القشيري (أمّا النّصح لأئمة المسلمين) أي من العلماء العاملين والأمراء الكاملين (فطاعتهم في الحقّ) أي ثابتة على الخلق واجبة إلّا أنه ﵊ قال لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق رواه أحمد والحاكم عن عمران رضي الله تعالى عنه وروى الشيخان وغيرهما عن علي كرم الله وجهه ولفظه لا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف وقد خطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذ ولي الخلافة فقال اطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (ومعونتهم) أي ومعاونتهم قولا وفعلا في مؤنتهم (فيه) أي في أمر الحق وفعل العدل (وأمرهم) أي إياهم (به) أي بالحق إذا عدلوا عن العدل لكن بطريق اللطف والرفق كما هو شأن أهل الفضل وقد قال تعالى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً وقال ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (وتذكيرهم إيّاه) أي إذا نسوه (على أحسن وجه) أي الطف طريق (وتنبيههم على ما غفلوا عنه) بأن خفى عليهم شيء من الأحكام (وكتم عنهم) بصيغة المفعول أي ستر عنهم أمر (من أمور المسلمين وترك الخروج عليهم) أي بالبغي ولو جاروا (وتضريب النّاس) بالضاد المعجمة أي وترك إغراء العامة وتخريشهم (وإفساد قلوبهم عليهم) أي على الأئمة (والنّصح) كان الأولى أن يقال وأما النصح (لعامّة المسلمين) أي لعوامهم فهو (إرشادهم) أي دلالتهم وهدايتهم (إلى مصالحهم) أي الأخروية (ومعونتهم) أي مساعدتهم ومعاضدتهم (في أمر دينهم ودنياهم بالقول والفعل) أي مما ينفعهم معاشا ومعادا (وتنبيه غافلهم) أي بتذكير ما غفل عنه (وتبصير جاهلهم) أي بتعريف ما جهله (ورفد محتاجهم) أي معاونة فقرائهم في حال بلائهم وعنائهم (وستر عوراتهم) أي باللباس أو ستر عيوبهم عن الناس (ودفع المضارّ عنهم وجلب المنافع) أي إيصالها (إليهم) وهو بفتح الجيم وسكون اللام مصدر وأما الجلب محركة فما جلب من خيل وغيرها على ما في القاموس فقول الحلبي هنا هو بسكون اللام وفتحها ليس في محله ثم هذا كله مستفاد من قوله وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ومن حديثه ﵊ إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم وإن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.
стр. 825
الْبَابُ الثَّالِثُ [فِي تَعْظِيمِ أَمْرِهِ وَوُجُوبِ تَوْقِيرِهِ وبره]
(في تعظيم أمره ووجوب توقيره وبرّه) أي في تعظيم أمره بقبوله وامتثاله والتوقير التعظيم ومحله في ظاهره وباطنه وجميع أحواله والبر هو الإحسان أي ووجوب الإحسان إلى ما يتعلق به ﵊ من أهل بيته وعلماء أمته (قال الله تعالى) أي تعظم شأنه وظهر سلطانه وبرهانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) أحوال مقدرة وأوصاف مقررة أي شاهدا على من أرسلناك إليهم فأنت مقبول عندنا لهم وعليهم ومبشرا لمن آمن منهم بالجنة والقربة ومخوفا لمن كفر بالحرقة والفرقة (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ الآية) [الفتح: ٨- ٩] أي بكمالها بالخطاب على الالتفات وفي قراءة بالغيبة أي تصدقوا وتقووا دينه وتعظموا أمره والظاهر ان الضمائر لله لقوله وَتُسَبِّحُوهُ ومن فرق فقد أبعد* ثم اعلم أن قوله قال الله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ إلى قوله تعالى وَتُوَقِّرُوهُ هكذا وقع في أكثر الأصول وهذه الآية في سورة الفتح وليس فيها يا أيها النبي وإنما هو إِنَّا أَرْسَلْناكَ كما هو في بعض النسخ نعم في سورة الأحزاب وقعت الآية مصدرة بقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ إلا أنه ليس فيها لتؤمنوا بالله والحاصل أنه وقع تركيب بينهما بالانتقال في تصورهما (وقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا) أي أمرا أو معناه لا تتقدموا ويؤيده قراءة يعقوب لا تقدموا بحذف إحدى تاءيه وفتح الأخرى (قوله بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: ١] أي قدامهما بمعنى قبل اذنهما وآخر الآية وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (ويا أَيُّهَا) أي وبعدها يا أيها (الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) [الحجرات: ٢] أي لا تجاوزوا بأصواتكم حدا يبلغ صوته فضلا عن أن يعلوه بل عليكم أن تغضوها حتى يكون صوته فوق أصواتكم لتكون مزيته عليكم لائحة ومنزلته عندكم واضحة بأن يخفض الصوت بين يديه ويخافت المتكلم إليه تعظيما وتكريما لديه (الثّلاث الآيات) أي اقرأ الآيات الثلاث وأكملها لأن البقية لها دخل في تحقيق القضية وهي قوله وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ أي إذا كلمتموه كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم أي مخافة حبوطها وأنتم لا تشعرون أي بحبوطها وبطلانها إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ أي يخفضونها عند رسول الله مراعاة للأدب والإجلال أو مخافة مخالفة النهي في الأقوال أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أي جربها للتقوى ودربها لمشقتها ومرنها لكلفتها والمعنى علم سرها وعلانيتها
стр. 826
لهم مغفرة أي كثيرة لسيئاتهم وأجر عظيم على طاعاتهم واعلم أنه تنبغي هذه المراعاة أيضا بعد وفاته ﵊ في مسجده لا سيما عند مشهده وكذا عند قراءة حديثه ومسنده وكذا عند سماع القرآن وتفسير الفرقان كما أشار إليه بقوله وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (وَقَالَ تَعَالَى: (لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) [النور: ٦٣] أي برفع الصوت فوق صوته أو بندائه بأسمائه فلا تقولوا يا محمد يا أحمد بل قولوا يا نبي الله ويا رسول الله كما خاطبه به سبحانه وعظم شأنه ذكره مجاهد وقتادة ولا منع من الجمع بين المعنيين في الآية فالمعنى نادوه بأوصافه الحميدة المذكورة في كلام الرب من خفض صوت مراعاة للأدب (فأوجب الله) أي تعالى على خلقه (تعذيره وتوقيره) أي تكريمه وتبجيله (وألزم) أي اتباعه (إكرامه وتعظيمه؛ قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما تعزّروه تجلّوه) من الإجلال (وقال المبرّد) بتشديد الراء المفتوحة وقد سبق ذكره (تُعَزِّرُوهُ تُبَالِغُوا فِي تَعْظِيمِهِ؛ وَقَالَ الْأَخْفَشُ تَنْصُرُونَهُ) الظاهر تنصروه أي دينه أو رسوله وهذه المباني متقاربة المعاني. واعلم أن من يقال له الأخفش ثلاثة أصغر وهو أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف بالأخفش الصغير النحوي كان عالما روى عن المبرد وثعلب وغيرهما وروى عنه الحريري وغيره وهو ثقة توفي في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة فجأة ببغداد وأما الأوسط فهو أبو الحسن سعيد ابن مسعدة المجاشعي بالولاء النحوي البلخي المعروف بالأخفش النحوي أحد نحاة البصرة من أئمة العربية وأخذ النحو عن سيبويه وكان أكبر منه وكان يقول ما وضع سيبويه في كتابه شيئا إلّا وعرضه علي رحمه الله تعالى وكان يرى أنه أعلم به مني وأنا اليوم أعلم به منه وهذا هو الذي زاد في العروض بحر الخبب وله تصانيف كثيرة منها الأوسط في النحو وتفسير معاني القرآن وغير ذلك توفي سنة خمس عشرة ومائتين وكان يقال له الأخفش الصغير فلما ظهر علي بن سليمان المعروف بالأخفش المتقدم صار هذا وسطا وأما الأكبر فهو أبو الخطاب عبد الحميد بن حميد من أهل هجر من مواليهم وكان نحويا لغويا وله ألفاظ لغوية انفرد بنقلها وأخذ عن سيبويه وأبي عبيدة ومن في طبقتهما وهذا ملخص كلام ابن خلكان والأخفش هو الصغير العين مع سوء بصره وقد يكون الخفش علة وهو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار ويبصر في الشيء في يوم غيم ولا يبصر في يوم صاح قاله الجوهري قال الحلبي والظاهر أن مراد القاضي هو الأوسط والله أعلم (وقال الطّبريّ) بفتحتين وهو محمد بن جرير (تعينونه، وقرىء) أي شاذا (تعزّزوه بزايين) بياءين لا بهمز وياء كما يتوهم (من العزّ) أي مجرد العز بمعنى الشدة والقوة كما قال تعالى فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ بالتخفيف والتشديد ونقل هنا إلى التعزيز من باب التفعيل للمبالغة والتكثير (ونهى) أي الله وفي نسخة بصيغة المجهول (عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْقَوْلِ وَسُوءِ الْأَدَبِ) أي بالفعل (بسبقه بالكلام) ويروى في الكلام (عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ
стр. 827
اختيار ثعلب) وهو العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس أحمد بن يزيد الشيباني مولاهم والبغدادي المقدم في نحو الكوفيين مولده سنة مائتين (قال سهل بن عبد الله) أي التستري (لا تقولوا قبل أن يقول) أي لا تبدؤوا بالكلام عنده (وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا) أي اسكتوا قال الحجازي يروى بعكسه قلت فيصير عكس الآية والمعنى أنه يجب السماع عند كلامه الذي هو الوحي الخفي كما يجب سماع القرآن الذي هو الوحي الجلي وفيه إيماء إلى رعاية هذا الأدب عند سماع الحديث المروي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال المصنف (ونهوا) أي أصحابه وأحزابه (عن التّقدّم) أي المبادرة (والتّعجّل) وفي نسخة والتعجيل (بقضاء أمر) أي بحكم شيء (قبل قضائه فيه وأن يفتاتوا) افتعال من الفوت أي يسبقوه (بشيء) أي منفردين برأيهم دونه في تصرفهم (فِي ذَلِكَ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أمر دينهم إلا بأمره ولا يسبقوه به) أي ولو في أمر دنياهم والمعنى أن يكونوا تابعين له في جميع قضاياهم من امور دنياهم وأخراهم (وإلى هذا) أي المعنى المذكور (يرجع قول الحسن) أي البصري (ومجاهد والضّحّاك والسّدّيّ والثّوريّ) أي يوافق قول هؤلاء ذلك المقال في المآل (ثمّ وعظهم) أي نصحهم الله (وحذّرهم) بالتشديد أي وخوفهم (مخالفة ذلك) المنهي هنالك (فقال وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي احذروا مخالفته واحترسوا من معاقبته (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) بأقوالكم (عَلِيمٌ) [الحجرات: ١] بأحوالكم (قال الماورديّ اتّقوه يعني في التّقدّم) أي بشيء من القول والفعل بين يديه قبل أن يعرف منه ميل إليه (وقال السّلميّ) وهو أبو عبد الرحمن (اتّقوا الله في إهمال حقّه) أي في الأوامر (وتضييع حرمته) أي في الزواجر (إنّه) وفي نسخة صحيحة أن الله (سُمَيْعٌ لِقَوْلِكُمْ عَلِيمٌ بِفِعْلِكُمْ، ثُمَّ نَهَاهُمْ عَنْ رفع الصّوت فوق صوته) تعظيما لمقامه وتكريما لمرامه (والجهر) أي ونهاهم عن الجهر (له بالقول) أي في محاوراتهم (كما يجهر بعضهم لبعض) في مخاطباتهم (ويرفع) أي بعضهم (صوته) أي لبعض في مجلسه (وقيل) أي روي (كما ينادي بعضهم بعضا باسمه) كما هو أحد القولين في قوله تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً على ما تقدم والله أعلم (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ أَيْ لَا تُسَابِقُوهُ بالكلام وتغلظوا) بضم التاء وكسر اللام أي ولا تغلظوا (له بالخطاب) أي بالقول (ولا تنادوه باسمه) أي العلم (نداء) كمناداة (بعضكم بعضا) أي باسمه الذي سماه به أبواه (ولكن عظّموه) أي باطنا (ووقّروه) أي ظاهرا (ونادوه بأشرف ما يحبّ) أي ما يعجبه (أن ينادي به) أي من وصف رسالة أو نعت نبوة بأن تقولوا (يا رسول الله يا نبيّ الله) أي وأمثالهما من نحو يا حبيب الله يا خليل الله وهذا في حياته وكذا بعد وفاته في جميع مخاطباته (وهذا) أي مقول مكي (كقوله) أي كقول الله (فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:
لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النُّورِ: ٦٣] عَلَى أَحَدِ التّأويلين) أي التفسيرين المشهورين في الآية وقد قدمنا هذا التأويل عن مجاهد وقتادة في أول الباب والتأويل الآخر هو ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما احذروا دعاء الرسول
стр. 828
عليكم إذا اسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره (وقال غيره) أي غير مكي (لا تخاطبوه إلّا مستفهمين) أي عن قول أو فعل تريدون صدوره منكم أيجوز هذا أم لا وفي رواية إلّا مشفقين أي وجلين خائفين (ثمّ خوّفهم الله تعالى بحبط أعمالهم) بفتح الحاء وسكون الباء أي بحبوطها وإبطالها (إن هم فعلوا ذلك) أي المنهي هنالك (وحذّرهم منه) أي مما يتعلق به من المهالك (قيل نزلت الآية) أي الآية التي بعد هذه الآيات وهي قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ (فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَقِيلَ فِي غَيْرِهِمْ أتوا النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فنادوه) أي على عادة الأعراب فيما بينهم عند الوقوف على الأبواب (يا محمّد يا محمّد) مرتين (اخرج إلينا فذمّهم الله تعالى بالجهل) أي الغالب عليهم (ووصفهم بأنّ أكثرهم لا يعقلون) أي آداب أولي الألباب وأبعد الدلجي حيث قال المراد بالآية قوله تعالى لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ فإنه يأبي عنه قوله فذمهم الله إلى آخره ومما يدل على ما اخترناه قوله (وقيل نزلت الآية الأولى) أي ما قبل هذه الآية وهي قوله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ (في محاورة) بحاء مهملة أي مكالمة ومجاوبة (كانت) أي وقعت (بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قدامه (واختلاف) ويروى لاختلاف (جرى بينهما حتّى ارتفعت أصواتهما) أي أمامه فنهيا عن ذلك وغيرهما كذلك لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب روي أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه أمر القعقاع بن سعيد بن زرارة وقال عمر رضي الله تعالى عنه أمر الأقرع بن حابس قال أبو بكر ما أردت إلا خلافي قال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت (وقيل نزلت) كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (في ثابت بن قيس بن شمّاس) بتشديد الميم وتخفف (خطيب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مفاخرة بني تميم) فعن جابر قال جاءت بنو تميم فنادوا على الباب اخرج إلينا يا محمد نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا لنشاعرك ونفاخرك فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال ما بالشعر بعثت ولا بالفخر أمرت ولكم هاتوا فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم لثابت بن قيس قم فأجبه فقام فأجابه وكان أحسن قولا (وكان في أذنيه صمم) أي ثقل (فكان يرفع صوته) أي عند تكلمه وربما تأذى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم به (فلمّا نزلت هذه الآية) أي آية لا تَرْفَعُوا (أقام في منزله) أي بيت نفسه وحرم من مجلس أنسه ﵊ (وخشي أن يكون حبط عمله ثمّ) أي بعد تفقده ﵊ له واطلاعه على خبره وطلبه إلى محضره (أتى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي معتذرا (فقال يا نبيّ الله لقد خشيت) أي بعد نزول هذه الآية (أن أكون هلكت) أي بحبوط عملي وقنوط أملي (نهانا الله أن نجهر بالقول) أي مطلقا في الشرع (وأنا امرؤ جهير الصّوت) بحسب الطبع (فقال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تسلية له عما تقدم (يَا ثَابِتُ أَمَّا تَرْضَى أَنْ
стр. 829
تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنّة) أي سعيدا (فقتل يوم اليمامة) في خلافة الصديق تحقيقا للكرامة (وروي) كما أخرجه البزار من طريق طارق بن شهاب (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) أي لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ (قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بعدها) وفي نسخة صحيحة بعد هذا (إلّا كأخي السّرار) بكسر السين المهملة أي إلّا مشابها لصاحب النجوى والمساررة والمعنى لا أكلمك إلّا سرا (وأنّ عمر رضي الله تعالى عنه) كما في البخاري (كان إذا حدّثه) أي كلمه ﵊ (حدّثه كأخي السّرار) أي في خفض صوته كما بينه بقوله (مَا كَانَ يَسْمَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) بضم الياء وكسر الميم (بعد هذه الآية) وفي نسخة بعد هذه الآية أي بعد نزولها (حتّى يستفهمه) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من عمر عما ساروه به لكمال اخفائه (فأنزل الله تعالى فيهم) أي في أبي بكر وعمر وأمثالهما رضي الله تعالى عنهم (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ) أي يخفضونها (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) مراعاة للأدب أو محاذرة من مخالفة الرب (أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى) أي جربها لها ومرنها عليها حتى صاروا أقوياء على احتمال مشاقها من أنواع الابتلاء وقيل اختبرها واخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه (وَقِيلَ نَزَلَتْ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ [الحجرات: ٤] في غير وفد بني تميم) أي كما مر وهو صريح فيما قدمناه (نادوه باسمه، وروى صفوان بن عسّال) بمهملتين وتشديد الثانية صحابي مشهور وقد أخرج عنه الترمذي والنسائي (أنه قال بينا) بألف معوضة عن المضاف إليه أي بين أوقات كان ويروى بينما (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في سفر إذ ناداه أعرابيّ) نسبة إلى أعراب البادية ممن آثار الجهل عليهم بادية (بصوت له جهوريّ) بفتح الجيم والواو أي شديد عال والواو زائدة قال الجوهري جهر بالقول رفع صوته وجهور وهو رجل جهوري الصوت وجهير الصوت (أيا محمّد أيا محمّد) وفي نسخة صحيحة أيا محمد ثلاث مرات (فقلنا له اغضض) بضم عينه أي أخفض (من صوتك فإنّك) أي في ضمن غيرك (قد نهيت عن رفع الصّوت) أي عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وقال الله تعالى) أي تعظيما له وتعلميا لنا (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا) [البقرة: ١٠٤] أي لا تخاطبوه به واختلف في سببه (قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: هِيَ لُغَةٌ كَانَتْ فِي الأنصار) بمعنى راقبنا وتأن علينا حتى نفهم كلامك الوارد إلينا (نهوا عن قولها) أي عن هذه الكلمة (تعظيما للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وتبجيلا له أي تفخيما (لأنّ معناها) أي مفهوم كلمة راعنا وهو الأمر بالمراعاة من باب المفاعلة (ارعنا) بفتح العين أمر من الرعاية (نرعك) مجزوم على جواب الأمر (فَنُهُوا عَنْ قَوْلِهَا إِذْ مُقْتَضَاهَا كَأَنَّهُمْ لَا يَرْعَوْنَهُ إِلَّا بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ بَلْ حَقُّهُ أَنْ يرعى) بصيغة المجهول أي يلاحظ ويحافظ (على كلّ حال) أي سواء رعاهم أم لا (وقيل بل كانت اليهود) أي حين سمعوا هذه الكلمة من الآية انتهزوا الفرصة بما عندهم من الغنيمة (تعرّض بها) من التعريض بمعنى الكناية (للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بالرّعونة) وهي الحماقة والمعنى تلوح بهذه
стр. 830
الكلمة المستعملة في مبناها مرادا بها غير مقتضاها من مبناها (فنهي المسلمون عن قولها) أي وأمروا أن يقولوا وانظرنا بدلها (قطعا للذّريعة) أي الوسيلة إلى مقاصدهم الشنيعة (ومنعا للتّشبّه) أي تشبه المؤمنين (بهم في قولها) أي في التفوه بها (لمشاركة اللّفظة) أي اللفظة في المبنى ومخالفتها في المعنى (وقيل غير هذا) أي غير ما ذكر من التفسيرين في معنى الآية محله الكتب المطولة.
فصل [في عادة الصحابة في تعظيمه ﵊ وتوقيره وإجلاله]
(فِي عَادَةِ الصَّحَابَةِ فِي تَعْظِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وتوقيره وإجلاله) الأولى تأخير ﵊ إلى هذا المقام (حدثنا القاضي أبو عليّ الصّدفيّ) بفتحتين وهو ابن سكرة (وأبو بحر) بفتح موحدة وسكون مهملة (الأسديّ) بفتحتين نسبة إلى قبيلة (بسماعي عليهما في آخرين) أي مع جماعة آخر من المشايخ أو من التلامذة ويؤيد الأول قوله (قالوا) بصيغة الجمع ويؤيد الثاني ما في نسخة قالا بصيغة التثنية (ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحسن) وفي بعض النسخ بصيغة التصغير والصواب هو الأول (حدّثنا محمّد بن عيسى) أي الْجُلُودِيُّ (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ) صاحب الصحيح (حدّثنا محمّد بن مثنّى) اسم مفعول من التثنية (وأبو معن) بفتح فسكون (الرّقّاشيّ) بفتح الراء وتخفيف القاف ثم شين معجمة بصري ثقة (وإسحاق بن منصور) هذا هو الكوسج الحافظ (قالوا) أي ثلاثتهم (حدّثنا الضّحّاك بن مخلد) بسكون خاء معجمة بين فتحتين أبو عاصم الشيباني والنبيل البصري روي عنه أنه قال ما دلست قط ولا اغتبت أحد منذ عقلت تحريم الغيبة روى عنه البخاري وغيره أخرج له الأئمة الستة (أنا) أي أنبأنا وفي نسخة أخبرنا (حيوة) بفتح فسكون (ابن شريح) بالتصغير (حدّثني يزيد بن أبي حبيب) عالم أهل مصر وكان حبشيا من العلماء الحكماء الأتقياء (عن ابن شماسة) بضم الشين المعجمة وفتحها فميم مخففة وبعد الألف سين مهملة واسمه عبد الرحمن (المهريّ) بفتح ميم وسكون هاء فراء توفي أول خلافة يزيد بن عبد الملك (قال حضرنا عمرو بن العاص فذكر) وفي نسخة فذكر لنا أي ابن شماسة (حديثا طويلا فيه عن عمرو قال) وفيه أيضا فحول وجهه إلى الجدار فجعل يقول (وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أجلّ) أي أعظم (في عيني منه) وفي نسخة بصيغة التثنية (وما كنت أطيق) بضم الهمزة أي أقدر (أن أملأ عيني منه إجلالا له) أي وإكمالا له (ولو سئلت) وفي نسخة ولو شئت (أن أصفه) أي اذكر نعت ظاهر خلقه (ما أطقت) أي ما قدرت لعدم احاطتي بأوصافه خبرا (لأنّي لم أكن أملأ عيني منه) أي نظرا (وروى التّرمذي) أي صاحب السنن لا الحكيم الترمذي وكذا الحاكم (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم كان) أي النبي ﵊ (يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ جلوس) حال (فيهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما) أي من جملتهم أو فيما بينهم أبو بكر والجملة حال أيضا (فلا
стр. 831
يرفع أحد منهم إليه بصره) أي نظره اجلالا لمحضره (إلّا أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فإنّهما كانا ينظران) أي يطالعان (إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ لَهُمَا) أي لكمال فضلهما على غيرهما قال الحلبي أخرجه الترمذي في مناقب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث الحاكم وقد تكلم بعضهم فيه انتهى (وروى أسامة بن شريك) بفتح فكسر ثعلبي كوفي صحابي وقد روى عنه أصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي (قال أتيت النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه حوله) الجملة حال وفي نسخة حوله جلوس أي جالسون والمعنى أنهم محيطون به متحلقون لديه متأدبون بين يديه (كأنّما على رؤوسهم الطّير) بالرفع أي بحيث لو فرض أن يكون طير على رؤوسهم لا يتحرك لسكونهم وحال جلوسهم (وفي حديث صفته) بكسر ففتح أي نعته ووصفه ﵊ وتصحف على بعضهم بصفية أم المؤمنين وليس لها هذا الحديث (إذا تكلّم أطرق جلساؤه) أي أرخوا رؤوسهم (كأنّما على رؤوسهم الطّير) أخرجه الترمذي في الشمائل من حديث هند بن أبي هالة رواه عنه الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ (وقال عروة بن مسعود رضي الله تعالى عنه) أي الثقفي على ما رواه البخاري عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بن أبي العاص أنه (حين وجّهته قريش) أي أرسلته (عام القضيّة) أي قضية صلح الحديبية (إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في طلب الصلح سنة ست من الهجرة النبوية سمي بها لأنه كتب فيها هذا ما قاضى ﵊ أي صالح وأما ما ذكره الأنطاكي من أن القضية كانت في السنة السابعة بعد الحديبية فهو وهم لأنها تسمى عام القضاء وقد تسمى عام القضية إلّا أنها ليست هذه القضية (ورأى) أي عروة (من تعظيم أصحابه له ما رأى) أي مما لا يكاد يستقصي (وأنّه) بالفتح عطفا على ما رأى وبالكسر على الجملة الحالية (لا يتوضّأ) أي لا يستعمل الوضوء (إلّا ابتدروا وضوءه) بفتح الواو وقد يضم أي سارعوا إلى بقية ما توضأ به من الماء أو إلى ما تقاطر منه من الأعضاء (وكادوا يقتتلون عليه) أي لفرط حرصهم على التبرك بما لديه أو بما أصابه من يديه ومن لم يصب منه شيئا يكون من نصيبه أخذ من بلل يد صاحبه (ولا يبصق) بضم الصاد (بصاقا) أي ولا يبزق بزاقا من الفم (ولا يتنخّم نخامة) بضم النون ما يخرج من اقصى الحلق ومن مخرج الخاء المعجمة (إلّا تلقّوها) أي أخذوها من الهواء (بأكفّهم) أي من غاية الهوى ونهاية الهدى (فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم) أي فبالغوا في مسح أعضائهم بها (ولا تسقط منه شعرة) بسكون العين وتفتح (إلّا ابتدروها) أي بادروا إلى أخذها وحفظها سواء كانت من رأسه الشريف أو بقية مساسه (وإذا أمرهم بأمر) أي من أمر ونهي (ابتدروا أمره) أي امتثاله (وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده) أي إن طلب جوابا منهم وإلّا سكتوا وسمعوا كلامه وفهموا مرامه (وما يحدّون) بضم أوله وكسر ثانيه وتشديد داله أي ما يشخصون (إليه النّظر تعظيما له) أي وهيبة وتكريما له (فلمّا رجع) أي عروة (إِلَى قُرَيْشٍ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنِّي جئت كسرى) بكسر الكاف ويفتح وفتح الراء وقد يقال هو لقب ملك فارس أي حضرته (في ملكه) أي تحت سلطنته
стр. 832
وتحت هيبته وعظمته (وقيصر) أي وجئت قيصر وهو لقب ملك الروم (في ملكه) أي في معظم ملكه (والنّجاشيّ) بفتح النون وبكسر بتشديد الياء ويخفف وهو لقب ملك الحبشة (في ملكه) أي في دياره وداره (وإنّي والله ما رأيت ملكا) أي من الملوك المذكورة معظما ومكرما (في قوم) أي فيما بين جنده (قطّ) أي أبدا (مثل محمد في أصحابه؛ وفي رواية) أي أخرى كما في نسخة (إن) بكسر همز وسكون نون أي ما (رأيت) أي ما أبصرت أو ما علمت (ملكا) أي من الملوك (قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم) أي مثل ما يعظم (محمدا أصحابه، وقد رأيت) أي أبصرت أصحابه وعلمت أحبابه وأحزابه (قوما لا يسلمونه) بضم الياء وسكون السين وكسر اللام أي لا يخذلونه (أبدا) من أسلمته إلى شيء ثم خص بالالقاء في المهلكة بدليل حديث إني وهبت لخالتي غلاما قلت لها لا تسلميه حجاما ولا صائغا ولا قصابا أي لا تعطيه لمن يعلمه إحدى هذه الصنائع فكراهة القصاب والحجام لما يباشرانه من النجاسة مع تعذر الاحتراز ولما فيه من لوازم القساوة وقلة المرحمة وأما الصائغ فلما يدخل صنعته من الغش والربا وخلف الوعد والإيمان الكاذبة (وعن أنس رضي الله تعالى عنه (كما رواه مسلم) لقد رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والحلاق يحلقه) أي يحلق شعر رأسه إما بعد عمرة أو بعد الحج إذ لم يحلق في غيرهما (وأطاف به أصحابه) أي داروا حوله ليأخذوا من شعره ويتبركوا بأثره (فما يريدون) أي من كمال اتفاقهم (أن تقع شعرة) أي من شعراته (إلّا في يد رجل) أي من طلاب بركاته واختلف في اسم من حلق رأس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والصحيح والمشهور أنه معمر بن عبد العزيز العدوي كما ذكره النووي في شرح مسلم وفي صحيح البخاري زعموا أنه معمر وعن ابن عبد البر أن خراشا حلقه يوم الحديبية انتهى وأما في عمرة الجعرانة فقيل حلقه أبو هند والله أعلم (ومن هذا) أي ومن جملة تعظيم أصحابه وتكريم أحبابه (لمّا أذنت قريش) أي مراعاة (لعثمان ﵁ أي حين قدومه مكة (في الطّواف بالبيت) أي بعد منعه منه (حين وجّهه النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إليهم في القضيّة) أي في قضية صلح الحديبية (أبى) أي امتنع عثمان أن يطوف به (وقال ما كنت لأفعل) أي الطواف وحدي (حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) لكمال أدبه وجمال طلبه وكان ذلك حين انتهى إليها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قاصدا مكة ليعتمر فصده المشركون فدخل عثمان إلى مكة للصلح وتقدم بقية القضية في الفصل التاسع من أول الكتاب (وفي حديث طلحة رضي الله تعالى عنه) أي ابن عبيد الله أحد العشرة المبشرة وسيأتي بعض منقبته قريبا وقد روى عنه الترمذي وحسنه (أنّ أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قالوا لأعرابيّ جاهل سله) يعنون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (عمّن قضى نحبه) أي في قوله تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي وفى بنذره وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ أمر قضائه وقدره في تحقيق أمره روي أن رجالا من الصحابة منهم عثمان بن عفان وسعيد بن زيد وحمزة ومصعب بن عمير وغيرهم رضي الله تعالى عنهم نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى
стр. 833
الله تعالى عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا وقد ثبت طلحة يوم أحد وبذل جهده في القتال حتى شلت يده إذ وقى بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر أنه أصيب في جسده بضعا وثمانين من بين طعن وضرب (وكانوا يهابونه ويوقّرونه) أي يعظمونه ولهذا ما كانوا بأنفسهم يسألونه وكان ﵊ يتحمل من الأعراب ما لا يتحمل من الأصحاب (فسأله) أي الأعرابي (فأعرض عنه) أي عن جوابه ولم يلتفت إلى ما يتعلق ببابه (إذ طلع طلحة رضي الله تعالى عنه) أي الراوي (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هذا ممّن قضى نحبه) فكأنه الزم نفسه أن يصدق الله تعالى في قتل أعدائه في الحرب وقد وفى بعهده يوم أحد وقيل المراد بالنحب هو الموت فكأنه التزم أن يقاتل حتى يموت ففي الحديث إيماء إلى أنه سيموت شهيدا وفي الحلية أنه ﵊ تلا على المنبر فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ فسأله رجل من هم فأقبل على طلحة بن عبيد الله وقال هذا منهم وفي تفسير ابن أبي حاتم أن عمارا منهم وهذا يحتمل التأويلين المتقدمين وفي تفسير يحيى بن سلام المغربي هم حمزة وأصحابه والظاهر أن المراد بهم شهداء أحد ولا يبعد أن يقال المراد بهم الشهداء والثابتون في مقابلة الأعداء واختار ابن الملقن المعنى الأول حيث قال والذي يظهر لي أنهم المقتولون معه صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى وما قلناه هو الأتم والأعم والله تعالى أعلم وقد قتل طلحة رضي الله تعالى عنه في وقعة الجمل سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة قال الحلبي وفي الصحابة أربعة عشر غيره ممن يقال له طلحة (وفي حديث قيلة) بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة بنت مخرمة العنبرية على ما رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الشمائل (فلمّا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالسا القرفصاء) بضم القاف والفاء أي جلسة المحتبي بيديه (أرعدت) أي اضطربت (من الفرق) بفتحتين أي الخوف والفزع (وَذَلِكَ هَيْبَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا؛ وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ) الذي رواه الحاكم في علوم الحديث والبيهقي في المدخل (كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرعون) أي يضربون (بابه بالأظفار) وفي نسخة بالأظافير أي ضربا خفيفا ودقا لطيفا تعظيما وتكريما وتشريفا وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه أخذ قدح سويق فشربه حتى قرع القدح جبينه أي ضربه والمعنى شربه جميعه (وقال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه كما روى أبو يعلى لَقَدْ كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم عن الأمر فأؤخّر) وفي نسخة فأؤخره أي فأؤخر سؤاله (سنين) بصيغة التثنية وفي نسخة سنين بصيغة الجمع (من هيبته) أي من كمال هيبته وجلال عظمته صلى الله تعالى عليه وسلم.
فصل [واعلم أن حرمة النبي بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم]
(واعلم أن حرمة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه) بنصبهما أي بعد وفاته (لازم) أي على كل مسلم (كما كان) أي ما ذكر واجبا (حال حياته) أي لأنه
стр. 834
الآن حي يرزق في علو درجاته ورفعة حالاته (وذلك) أي التعظيم والإكرام (عند ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر حديثه) أي كلامه (وسنّته) أي وذكر طريقته (وسماع اسمه) الشريف وكذا نعته اللطيف (وسيرته) أي في جميع هيئاته من حركاته وسكناته (ومعاملة آله) أي أهل بيته (وعترته) بكسر أوله أي ذريته وقرابته (وتعظيم أهل بيته) أي من أزواجه وخدمته ومواليه (وصحابته) أي أهل صحبته (قال أبو إبراهيم) زيد في نسخة إسحاق (التّجيبيّ) بضم التاء وتفتح وبكسر الجيم (واجب على كلّ مؤمن متى ذكره) أي بنفسه (أو ذكر عنده) أي على لسان غيره (أن يخضع) أي ظاهرا (ويخشع) أي باطنا (ويتوقّر) أي يتكلف الوقار والرزانة في هيئته (ويسكن من حركته ويأخذ) أي يشرع ويسرع (في هيبته وإجلاله) أي في مقام تعظيمه وإكرامه (بما كان يأخذ به نفسه) أي يطلب منها (لو كان) أي فرضا (بين يديه) أي أمام عينيه (ويتأدّب) بالنصب أو الرفع (بما أدّبنا الله به) أي من وجوب تعظيمه وتكريمه وخفض الصوت ونحوه (قال القاضي أبو الفضل) يعني المصنف (وهذه) أي الطريقة المرضية (كانت سيرة سلفنا الصّالح) يروى الصالحين أي المتقدمين من الصحابة والتابعين (وأئمّتنا الماضين) أي العلماء العاملين (حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ بقيّ) بفتح موحدة وكسر قاف وتشديد تحتية (الحاكم وغير واحد) أي وكثيرون (فيما أجازونيه) هذا لغة في أجازوه لي (قالوا) أي كلهم (أخبرنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ دِلْهَاثٍ) بكسر داله وسكون لامه ومثلثة في آخره (قال ثنا) أي حدثنا (أبو الحسن عليّ بن فهر) بكسر فاء فسكون هاء ثم راء (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الفرج) بفتح الفاء والراء فجيم (حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُنْتَابِ) بضم ميم فسكون نون ففوقية (قال حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ حدّثنا ابن حميد) بالتصغير (قال ناظر) أي جادل وباحث (أبو جعفر) هذا هو المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ثاني خلفاء بني العباس (أمير المؤمنين) اطلاق هذا عليه غير معروف بين المصنفين (مالكا) أي الإمام (في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ورفع صوته في كلامه معه (فقال له) أي مالك كما في أصل صحيح (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِي هذا المسجد) أي خصوصا لأنه بقرب قبره ﵊ (فإنّ الله تعالى) وفي نسخة (أدّب قوما) أي معظمين (فَقَالَ لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: ٢] الآية) أي وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (ومدح قوما) أي مكرمين (فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) [الحجرات: ٤] الآية) أي أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مغفرة وأجر عظيم (وذمّ قوما) أي من الأعراب (فقال إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ [الحجرات: ٤] الآية) أي أكثرهم لا يعقلون (وإن حرمته ميتا) بالتشديد والتخفيف (كحرمته حيّا فاستكان لها أبو جعفر) أي خضع وخشع لمقالة مالك رحمه الله تعالى وفيه تنبيه نبيه على أنه يجب التأدب بين يدي العالم لما روي من أن الشيخ في قومه
стр. 835
كالنبي في أمته (وقال) أي أبو جعفر لمالك رحمه الله تعالى (يا أب عبد الله) بحذف الألف كتابة وإثباته قراءة (استقبل القبلة) استفهام استرشاد والتقدير استقبلها (وأدعو) أي الله بعد الزيارة (أم أستقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال) أي مالك (ولم تصرف وجهك عنه) أي عن رسولك (فهو) وفي نسخة صحيحة وهو أي والحال أنه (وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ أي وسائر الأنام (إلى الله تعالى يوم القيامة) أي كما يشير إليه قوله ﵊ آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة (بل استقبله واستشفع به) أي اطلب شفاعته وسل وسيلته في قضاء مراداتك وأداء حاجاتك (فيشفّعك الله) بتشديد الفاء أي يقبل الله به شفاعتك لأمرك ولغيرك وفي نسخة فيشفعه أي فيقبل شفاعته في حقك ويعفو عن ذنبك بوسيلة نبيك (قال الله تعالى) أي مصدقا لذلك فيما قرره مالك (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [النِّسَاءِ: ٦٤] الْآيَةَ بالمعصية (جاؤوك) أي للمعذرة والتوبة (الآية) يعني فاستغفرا الله أي بلسانهم وجنانهم واستغفر لهم الرسول فيه التفات عدل إليه تفخيما لشأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لوجدوا الله أي لعلموه توابا رحيما أي منعوتا بهذين الوصفين حين تاب عليهم ورحمهم بعدم المؤاخذة على ما صدر منهم (وَقَالَ مَالِكٌ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ) أي عن مقامه ومرتبته وهو بسين مفتوحة وتضم وبسكون معجمة فتحتية مكسورة نسبة لبيع السختيان وهو الجلد المدبوغ معرب وهو عنزي وقيل جهني مولاهم يروي عن ابن سيرين وجماعة وعنه شعبة وطائفة قال ابن علية كنا نقول عنه ألفي حديث وقال شعبة ما رأيت مثله كان سيد الفقهاء وحدث عن أم خالد بنت خالد واسمها آمنة وحديثه عنها في البخاري وقال في أثره ولم أسمع أحدا يقول قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي من غير ذكر واسطة سوى أم خالد والجملة حالية معترضة بين القول ومقوله (ما حدّثتكم) أي ما رويت لكم حديثا (عن أحد) أي من اتباع التابعين (إلّا وأيوب أفضل منه، قال) أي مالك ﵀ للدلالة على ذلك (وحجّ) أي أبو أيوب (حجّتين) أي مرتين (فكنت أرمقه) بضم ميم أي انظر إليه وأتأمل لديه (ولا أسمع منه) أي كلاما يكون عليه أولا أسمع منه حديثا يحدثني به (غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم بكى) الظاهر يبكي (حتّى أرحمه) أي من شدة بكائه وكثرة عنائه شوقا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (فلمّا رأيت منه ما رأيت) أي من حسن فعاله ما يقتضي بعض كماله (وإجلاله للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كتبت عنه) أي الحديث ورويت عنه العلم (وقال مصعب بن عبد الله) أي ابن مصعب بن ثابت الزبيري يروي عن مالك وغيره وعنه الشيخان وغيرهما (كَانَ مَالِكٌ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) وفي نسخة بصيغة المفعول وهو يشمل ما ذكره وذكره غيره عنده ويؤيده أن في نسخة فإذا ذكر عنده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (يتغيّر لونه وينحني) أي يميل ظهرة (حتّى يصعب) بضم العين أي يشتد (ذلك على جلسائه) أي من أجل مشاهدة شدة عنائه (فقيل له يوما في ذلك) أي في تهوين
стр. 836
الأمر على نفسه هنالك (فقال لو رأيتم ما رأيت) أي لو عرفتم ما عرفت من جلال مقامه وجمال مرامه (لما أنكرتم عليّ ما ترون) أي ما تبصرون من اضطراب حالي وتغير مقالي ولا يبعد أن يكون المعنى لو أبصرتم ما أبصرت من مشاهدة جماله ومطالعة جلاله في مقام مكاشفة كماله (ولقد كنت أرى محمّد بن المنكدر) أي التميمي المدني الحافظ يروي عن أبيه وعائشة وأبي هريرة وهو مرسل قاله ابن معين وأبو زرعة وعن أبي قتادة قال العلائي والظاهر أن ذلك مرسل وعن أبي أيوب وجابر وعنه شعبة ومالك والسفيانان إمام مسن له بكاء وتوفي سنة ثلاثين ومائة (وكان سيّد القرّاء) جملة معترضة (لا نكاد نسأله عن حديث أبدا) أي قط (إلّا يبكي) من لوعة الاحتراق بلذعة الافتراق (حتّى نرحمه) من كثرة بكائه وشدة عنائه (ولقد كنت أرى جعفر بن محمّد) أي الصادق كما في نسخة وهو بالنصب لقب جعفر ولقب أبيه الباقر وهو ابن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم (وكان كثير الدّعابة) بضم الدال المهملة أي المزاح (والتّبسّم) يعني لكمال خلقه وجمال خلقه والجملة معترضة (فإذا ذكر عنده النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم اصفرّ) بتشديد الراء أي تغير لونه وتحول كونه (وَمَا رَأَيْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم إلّا على طهارة، ولقد اختلفت) أي ترددت (إليه زمانا) أي كثيرا (فما كنت أراه) أي أشاهده (إلّا على ثلاث خصال) أي احدى حالات ثلاث (إمّا مصلّيا وإمّا صامتا) أي ساكتا متفكرا (وإمّا يقرأ القرآن) كان الأولى أن يقول وإما قارئا للقرآن (ولا يتكلّم فيما لا يعنيه) بفتح الياء وكسر النون أي ينفعه في دينه عملا بقوله تعالى الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وامتثالا لقوله ﵊ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (وكان) أي الإمام جعفر الصادق (من العلماء والعبّاد) أي ممن جمع بين العلم والعمل وترك الهوى وطول الأمل (الّذين يخشون الله) أي يخافون عقوبته ويهابون عظمته (عزّ) أي شأنه وسلطانه (وجلّ) أي برهانه (ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم) أي ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي ولد زمن عائشة رضي الله تعالى عنها وسمع أباه وابن المسيب وعنه شعبة ومالك وابن عيينة ثقة ورع مكثر إمام قال ابن عيينة كان أفضل زمانه وكذلك أبوه وقد توفي بالمدينة سنة ست وعشرين ومائة (يذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فينظر إلى لونه) بصيغة المفعول (كأنّه نزف) بضم النون وكسر الزاء أي سال (منه الدّم) ولم يبق منه شيء وهو كناية عن اصفرار وجهه وضعف بدنه (وقد جفّ لسانه) بفتح الجيم وتشديد الفاء أي يبس (في فمه) أي فلم يطق على تمام كلامه من كمال إكرامه واحترامه (هيبة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي إعظاما لمقامه (ولقد كنت آتي) أي أجيء (عامر بن عبد الله بن الزّبير) أي ابن العوام العابد الكبير القدر سمع أباه وجماعة وعنه مالك وطائفة قال ابن عيينة اشترى نفسه من الله تعالى ست مرات توفي بعد عشرين ومائة (فإذا ذكر عنده النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بكى) أي كثيرا (حَتَّى لَا يَبْقَى فِي
стр. 837
عينيه دموع ولقد رأيت الزّهريّ) وهو محمد بن شهاب (وكان من أهنا النّاس) بفتح همزة وسكون هاء فنون فهمزة أي ألطفهم في العشرة (وأقربهم) أي في المودة (فإذا ذكر عنده النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّهُ مَا عَرَفَكَ وَلَا عَرَفْتَهُ) أي لتغير حاله واختلاف مقاله في مقام جلاله (لقد كنت آتي صفوان بن سليم) بالتصغير وهو الإمام القدوة المدني ممن يستشفي بذكره يروي عن ابن عمر وعبد الله بن جعفر وابن المسيب وعنه مالك وغيره (وكان من المتعبّدين المجتهدين) يقال إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة (فإذا ذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بكى) فإن البكاء هو الشفاء من العناء والشقاء والمعنى استمر على البكاء (حتّى يقوم النّاس عنه ويتركوه) أي حذرا من رؤيته على تلك الحالة المحزنة (وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الحديث) أي حديثه ﵊ (أخذه العويل) بفتح المهملة وكسر الواو أي صوت الصدر بالبكاء (والزّويل) بفتح الزاء وكسر الواو أي القلق به والعناء وأصل الزويل عدم الاستقرار يقال زال عن مكانه يزول زوالا وزويلا (ولمّا كثر على مالك النّاس) أي اجتمعوا عليه بكثرة بعد ما كانوا بوصف قلة (قيل له لو جعلت مستمليا) أي مبلغا للناس (يسمعهم) من الاسماع أي ليسمع القوم كلهم لكثرتهم وبعد بعضهم وجواب لو مقدر أي لكان حسنا أو معناه التمني أي تمنينا جعلك أحدا مستمليا (فقال قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) [الحجرات: ٢] أي توقيرا له وتكريما وتعزيزا له وتعظيما (وحرمته حيّا وميّتا سواء) لأن فناءه في الحقيقة بقاء فإنه حي يرزق بدار اللقاء (وكان ابن سيرين) من أجلاء التابعين (ربّما يضحك) أي يتبسم (فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم خشع) أي خاف وخضع وتواضع كذا في نسخة هنا والظاهر أنه مكرر لما سيأتي في الفصل الذي يليه (وكان عبد الرّحمن بن مهديّ) وهو أحد الأعلام في الحديث روى عنه أحمد قال ابن المديني أعلم الناس بالحديث هو عبد الرحمن بن مهدي وقال الزهري ما رأيت في يده كتابا يعني كان حافظا (إذا قرأ حديث النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أمرهم) أي الناس أو أصحابه (بالسكوت) أي رعاية لحرمته وعناية لفهم مقولته (وقال) أي عبد الرحمن مقتبسا من القرآن (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) يعني وكذا فوق صوت راوي حديثه (ويتأول أنه يجب له) أي لأجله (من الإنصات عند قراءة حديثه) أي روايته بعد مماته (ما يجب له عند سماع قوله) أي كلام نفسه في حال حياته.
فصل [فِي سِيرَةِ السَّلَفِ فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رسول الله وسنته ﵊]
(في سيرة السلف) أي طريقتهم (فِي تَعْظِيمِ رِوَايَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وسنته) ولعله أراد بالحديث قوله وبالسنة فعله (حدّثنا الحسين بن محمّد الحافظ) أي ابن سكرة (حدّثنا أبو الفضل بن خيرون) بفتح أوله المعجم فسكون تحتية فضم راء يمنع
стр. 838
وقد يصرف (حدّثنا أبو بكر البرقانيّ) بفتح الموحدة هو الحافظ الإمام أحد الأعلام أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي الشافعي شيخ بغداد صنف التصانيف وخرج على الصحيحين روى عنه البيهقي والخطيب وأبو إسحاق الشيرازي قال الخطيب كتبنا عنه توفي ببغداد سنة خمس وعشرين وأربعمائة (وغيره) أي من المشايخ (حدّثنا أبو الحسن الدّارقطنيّ) بفتح الراء ويسكن وهو الحافظ الإمام شيخ الإسلام المنسوب إلى دار قطن محلة ببغداد (حدّثنا عليّ بن مبشرّ) بفتح ميم وسكون موحدة وكسر معجمة (حدّثنا أحمد بن سنان) بكسر أوله وتنوين آخره (القطّان) بفتح القاف وتشديد الطاء هو الحافظ أبو جعفر الواسطي روى عنه الشيخان وغيرهما قال ابن أبي حاتم هو إمام أهل زمانه (حدّثنا يزيد بن هارون) وهو أبو خالد الواسطي السلمي أحد الأعلام قال أحمد حافظ متقن وقال ابن المديني ما رأيت احفظ منه وقال العجلي ثبت متعبد حسن الصلاة جدا يصلي الضحى ست عشرة ركعة وقد عمي (حدّثنا المسعودي) أي عبد الرحمن بن عتبة الكوفي أحد الأعلام روى عنه ابن المبارك ووكيع ثقة كثير الحديث توفي سنة ستين ومائة (عن مسلم البطين) بفتح الموحدة وكسر المهملة أبو عبد الله مسلم بن عمران الكوفي يروي عن أبي وائل وعلي بن الحسين وأبي عبد الرحمن السلمي والأعمش وابن عون وثقه أحمد وغيره (عن عمرو بن ميمون) هو الأزدي يروي عن عمر ومعاذ وطائفة وكان كثير الحج والعبادة (قال) أي عمرو بن ميمون كما في رواية الدارمي (اختلفت إلى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) أي ترددت إلى خدمته (سَنَةً فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بصريح اسمه وكأنه كان يكتفي بضمير اسمه (إلّا أنّه حدّث يوما) أي وقتا من زمانه (ثم جرى عَلَى لِسَانِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم ثمّ علاه كرب) بفتح وسكون أي غلبه غم يأخذ بالنفس (حتّى رأيت العرق يتحدّر) بتشديد الدال وفي نسخة ينحدر بالنون أي يسيل نازلا (عن جبهته) أي من جهة كثرته (ثمّ قال) أي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه حديثه الذي رويته لكم عنه ﵊ (هكذا) أي بهذا اللفظ (إن شاء الله تعالى) أي لكمال احتياطه (أو فوق ذا) أي بقليل (أو ما دون ذا) أي ببعض شيء (أو ما هو قريب من ذا) أي مما أقوله في نقل هذا وهذا كله تفاديا من الدخول في قوله ﵊ من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وكان أبو الدرداء أيضا إذا حدث قال مثله وكان أنس رضي الله تعالى عنه إذا حدث قال أو كما قال (وفي رواية فتربّد وجهه) بتشديد الموحدة أي فتغير لون وجه ابن مسعود وزيد في نسخة إلى غبرة وهي سواد مشوب ببياض فإن الربدة لون إلى الغبرة قال الهروي يقال تربد لونه أي تلون وصار كلون الرماد (وفي رواية وقد) وفي نسخة فقد (تغرغرت عيناه) أي امتلأت عينا ابن مسعود دمعا يتردد فيهما من الغرغرة وهي في الأصل أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى الحلق من غير أن يبلع ومنه حديث أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أي ما لم تبلغ روحه حلقومه تشبيها لها بالشيء الذي يتغرغر به المريض (وانتفخت أوداجه) جمع ودج هو
стр. 839
ما أحاط بالعنق من عروق الحلق التي يقطعها الذابح (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْمٍ) مصغر قرم بالقاف أي مقدام في المعركة وعن علي انا أبو الحسن القرم المقدام في الرأيّ وهو في الأصل فحل الإبل والمعنى أنا فيهم بمنزلته (الأنصاريّ قاضي المدينة) أخرج له الترمذي فقط (مرّ مالك بن أنس) وهو إمام دار الهجرة (على أبي حازم) بكسر الزاء وحاؤه مهملة وهو سلمة بن دينار الأعرج أحد الأعلام يروي عن سهل بن سعد وابن المسيب وعنه مالك وأبو ضمرة قال ابن خزيمة ثقة لم يكن في زمانه مثله (وهو يحدّث) أي والحال أن أبا حازم يحدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فجازه) أي جاز الموضع أو الشيخ وهو بمعنى جاز به وجاوزه والمعنى لم يجلس إليه ليأخذ الحديث عنه (وقال) اعتذارا لمن أورد عليه السؤال بلسان القال أو ببيان الحال (إنّي لم أجد موضعا أجلس فيه) أي متأدبا (فكرهت أن آخذ) أي أسمع وأتحمل (حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا قائم) قال الدلجي والعجب منه رحمه الله تعالى أنه كان مع مبالغته في تعظيم حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقدم عليه عمل أهل المدينة وإن خالفه ويقول هذا لم يصحبه عمل فجعل العمل بحديثه صلى الله تعالى عليه وسلم مشروطا بعلم غيره مع قوله تعالى وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ولم يوافقه أحد من علماء الأمصار على ذلك قال الشافعي كنت أظن أنه لم يخالف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلّا في ستة عشر حديثا فوجدته يعمل بالفرع ويترك الأصل فمكثت سنة استخير الله تعالى في مخالفته ولما خالفه سعى به المالكية إلى السلطان فأمره بأن يخرج من مصر فقال له اجلني ثلاثة أيام فأجله فليلة الثالث مات السلطان فمكث الشافعي وألف كتبه الجديدة بها إلى أن توفي بها تاسع عشرين من جمادى الآخرة سنة أربع ومائتين رحمه الله تعالى انتهى ولا يخفى أن المجتهد أسير الدليل وأصول الفقهاء مختلفة في التعليل فمذهب مالك إن عمل أهل المدينة بناء على أنهم أخذوا عن آبائهم من المهاجرين والأنصار التابعين لسيد الأبرار مقدم على حديث بظاهره يخالفهم فكأنه جعل عملهم بمنزلة اجماعهم وهذا يشبه اختلاف أصول علمائنا الحنفية وهو أن الراوي إذا عمل بخلاف روايته دل على أن حديثه منسوخ أو توهم في نقله ورجع عنه بفعله ونظير هذا عمل أهل مكة في الطواف بإرسال اليد حيث يكون بمنزلة الإجماع المانع من أن يكون وضع اليد فيه مستحبا بل يحكم فيه بأنه مكروه لكونه بدعة وأما قول الشافعي في حقه مع قلة أدبه فمحمول على ظنه به أنه كان يخالف ظاهر الأحاديث النبوية وهكذا شأن كل مجتهد بالنسبة إلى غيره من الأئمة مع أن الفضل للمتقدم بلا شبهة وقوله فوجدته يعمل بالفرع دون الأصل هو الفعل الذي لا يليق أن يصدر مثله من أرباب الفضل (وَقَالَ مَالِكٌ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ الْمُسَيَّبِ) بتشديد الياء المفتوحة وقد تكسر (فسأله) أي الرجل (عن حديث وهو) أي والحال أن ابن المسيب (مضطجع) أي واضع جنبه على الأرض (فجلس وحدّثه) ولعله كان مريضا فتكلف في جلوسه (فقال له الرّجل وددت) بكسر الدال الأولى أي أحببت
стр. 840
وتمنيت (أنّك لم تتعنّ) بالعين المهملة وتشديد النون أي لم تتعب ولم تتكلف العناء لنفسك بجلوسك (فَقَالَ إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا مضطجع) جملة حالية (وروي) بصيغة المجهول أي نقل (عن محمّد بن سيرين) بمنع صرفه للعلمية وزيادة الياء والنون على مذهب الفارسي وهو أحد الأعلام يروي عن أبي هريرة وعمران بن الحصين ولم يسمع منه قاله الدارقطني وروايته عنه في الصحيح وقد تعقب الدارقطني النووي في شرح مسلم فقال بل هو معدود فيمن سمع منه انتهى وكان ثقة حجة كثير العلم ورعا بعيد الصيت قليل كان يصوم يوما ويفطر يوما وله سبعة أوراد في الليل وترجمته طويلة (أنّه قد يكون يضحك) أي مع أصحابه (فَإِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم خشع) أي ظاهرا وباطنا (وقال أبو مصعب) هو أحمد بن أبي بكر بن القاسم ابن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها سمع مالكا وطائفة وعنه جماعة وهو ثقة حجة ولا عبرة بقول أبي خثيمة لابنه أحمد لا تكتب عن أبي مصعب واكتب عمن شئت (كان مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه لَا يُحَدِّثُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم إلّا وهو على وضوء) أي طهارة (إجلالا له) أي لحديثه ﵊ (وحكى مالك ذلك) أي مثل ذلك (عن جعفر بن محمّد) وهو الصادق وقد تقدم (وقال مصعب بن عبد الله) أي ابن مصعب بن ثابت الزبيري (كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي إذا أراد تحديثه عنه (توضّأ وتهيّأ) أي بالمشط ونحوه (ولبس ثيابه) أي غير ثياب البذلة (ثمّ يحدث قال مصعب فسئل) أي مالك (عن ذلك) أي عن سبب ما ذكر هنالك (فَقَالَ إِنَّهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي المقام مقام تحديثه ﵊ فيجب التوقير على الأنام (قال مطرّف) بتشديد الراء المكسورة وهو ابن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبو مصعب اليساري المدني مولى ميمونة الهلالية وهو ابن أخت الإمام مالك ابن أنس يروي عن خاله ونافع القاري وعنه البخاري وأبو زرعة (كان إذا أتى النّاس مالكا) أي وقفوا على بابه (خرجت إليهم الجارية) أي الخادمة أولا بإذنه ليعلم من هو فيعامله بما يليق بشأنه من دخول أو خروج ونحوه (فتقول) أي الجارية (لهم يقول لكم الشّيخ تريدون) أي أتريدون (الحديث) أي نقل الأحاديث النبوية (أو المسائل) أي رواية الفروع الفقهية والاستفهام للاستعلام لا للتقدير كما وهم الدلجي على ما لا يخفي عند ذوي الأفهام (فإن قالوا المسائل) أي نريدها (خرج إليهم) أي على هيئته من غير تغير في حالته (وإن قالوا الحديث) أي نطلبه (دخل مغتسله) أي موضع اغتساله (واغتسل) أي غسلا كاملا أو توضا وضوءا كاملا أو معناه فتطهر (وتطيّب) الواو للمعية فلا ينافي كونه قبل قوله (ولبس ثيابا جددا) بضمتين جمع جديد حقيقة أو حكما فيشمل النظيف المغسول (ولبس ساجه) بالإضافة إلى ضميره أي طيلسانه وقيل الأخضر ههنا خاصة وفي القاموس هو الطيلسان الأخضر أو
стр. 841
الأسود (وتعمم) أي لبس عمامته (ووضع على رأسه رداءه وتلقى) بصيغة المجهول أي توضع (له منصّة) بكسر ميم ويفتح وبفتح نون وتشديد صاد مهملة سرير العروس وقيل مثل المخدة العالية وقيل المراد بها الكرسي (فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع) أي آثاره من الخضوع (ولا يزال) قيل أي الشأن والظاهر أن الضمير لمالك (يبخّر) بتشديد الخاء المعجمة المفتوحة ويروى يتبخر (بالعود) ويعاد بِالْعُودِ (حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم قال غيره) أي غير مطرف (ولم يكن) أي مالك ﵀ (يَجْلِسُ عَلَى تِلْكَ الْمِنَصَّةِ إِلَّا إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم) أي بخلاف سائر العلوم من التفسير والفقه ونحوهما (قال ابن أبي أويس) وهو إسماعيل بن عبد الله بن أويس الأصبحي ابن أخت مالك بن أنس يروي عن خاله مالك وأبيه وجماعة وعنه الشيخان وعلي البغوي وطائفة قال أبو حاتم محله الصدق وضعفه النسائي (فقيل لمالك في ذلك) أي فسئل عن سبب ما فعله هنالك (فَقَالَ أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أحدث) بالنصب ويرفع (به) أي بحديثه ﵊ (إلا على طهارة) أي كاملة (متمكنا) أي على حالة فاضلة لا متكئا ومعتمدا على شقة مائلة (قال) أي ابن أبي أويس (وكان) أي خاله مالك (يكره أن يحدّث) بكسر الدال المشددة أي يتكلم بالحديث النبوي (في الطّريق) أي سائرا (أو وهو قائم أو مستعجل) خوفا من الخطأ أو الخطل ومن ثمة قيل:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
(وقال) أي مالك في تعليل ذلك (أحبّ أن أفهّم) بالتشديد أي الطالب (حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) بالوجه الأتم (قال ضرار بن مرّة) بضم ميم وتشديد راء أي أبو سنان الشيباني الكوفي يروي عن سعيد بن جبير وعنه شعبة ونحوه وكان من العباد والثقات (كانوا) أي السلف (يكرهون أن يحدّثوا) أي الحديث كما في نسخة (على غير وضوء) أي طهارة (ونحوه عن قتادة رضي الله تعالى عنه) أي وكان قتادة لا يحدث إلا على طهارة ولا يقرؤه إلّا على وضوء (وكان الأعمش) أي سليمان بن مهران (إذا حدّث) أي أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ (وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ تَيَمَّمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ كُنْتُ عند مالك) أي يوما (وَهُوَ يُحَدِّثُنَا فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً) كذا في النسخ المصححة ووقع في أصل الدلجي ستة عشر مرة فقال صوابه ست عشرة مرة إذ التاء إنما تلحق في مثل هذا التركيب ثاني جزأيه (وهو) أي مالك (يتغيّر لونه) أي من شدة الألم (ويصفرّ) أي وينحل إلى صفرة من أثر السم (وَلَا يَقْطَعُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي محافظة على اكماله ومراعاة لإجلاله (فلمّا فرغ من المجلس) أي مجلس التحديث (وتفرّغ عنه النّاس) أي العامة (قُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَقَدْ رأيت منك اليوم عَجَبًا قَالَ نَعَمْ لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً وَأَنَا صَابِرٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا صبرت) أي هنالك (إجلالا لحديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 842
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ مَشَيْتُ يَوْمًا مَعَ مَالِكٍ إلى العقيق) قال الجوهري كل مسيل شقه ماء السيل فهو عقيق وقال الحلبي العقيق واد عليه مال من أموال أهل المدينة وهو على ثلاثة أميال وقيل ميلين وقيل سبعة قال ابن وضاح وهما عقيقان أحدهما عقيق المدينة عق عن حرتها أي قطع وهو العقيق الأصغر وفيه بئر رومة والعقيق الآخر أكبر من هذا وفيه بئر على مقبرة منه وهو من بلاد مزينة وهو الذي أقطعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلال بن الحارث ثم اقطعه عمر الناس فعلى هذا تحمل المسافتان لا على الخلاف والعقيق الذي جاء فيه إنك بواد مبارك هو الذي ببطن وادي ذي الحليفة وهو الأقرب منها والعقيق ميقات أهل العراق موضع قريب من ذات عرق قبلها بمرحلة أو مرحلتين والظاهر أنه ليس المراد وإنما المراد واحد من التي بالمدينة ولعله الأول وفي بلاد العرب مواضع كثير تسمى العقيق والله ولي التوفيق (فسألته عن حديث فانتهرني) أي زجرني (وقال لي كنت في عيني أجلّ) أي أعظم (مِنْ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نمشي) جملة حالية (سأله) أي مالكا (جرير بن عبد الحميد القاضي) أي الضبي يروي عنه أحمد وإسحاق وابن معين وله مصنفات (عن حديث وهو قائم) حال من مالك أو من جرير (فأمر) أي مالك (بحسبه، فقيل له إنّه قاض فقال) أي مالك (قال: القاضي أحقّ من أدّب) بصيغة المجهول أي هو أولى ليتأدب به غيره أو ليتعلم الأدب قال الدلجي ودب كذا بالواو والأصل الهمزة يعني فأبدلت الهمزة واوا كما في وكد وأكد انتهى لكن لا أصل له هنا فإن الودب سوء الحال لا غير على ما في القاموس زيادة على الصحاح (وذكر) بصيغة المفعول أي وحكي (أنّ هشام بن الغازي) وفي نسخة الغاز بلا ياء قال الحلبي هذا هشام بن الغاز بن ربيعة الجوشني يروي عن مكحول وعطاء وقد توفي سنة ست وخمسين ومائة فهو معاصر لمالك وقد توفي قبل مالك والله تعالى أعلم بذلك وقال بعض الفضلاء لا نعلم لهشام بن الغازي رواية عن مالك رحمه الله تعالى وإنما الحكاية عن هشام بن عمار الدمشقي ونقل ذلك عن الحافظ الرشيد العطار انتهى فأخطأ الدلجي في جزمه بقوله وصوابه هشام بن عمار خطيب جامع دمشق ثم قوله وأما ابن الغاز فتابعي لم يرو عن مالك لموته قبل مالك غير صحيح لما ثبت قبل ذلك أنه كان معاصرا لمالك وهو لا ينافي موته قبل مالك ثم لا يبعد أنه سمع مالكا ولم يرو عنه ولعل هذه القضية سبب ذلك والحاصل أنه أو غيره (سأل مالكا عن حديث وهو واقف) أي قائم كما سبق (فضربه عشرين سوطا ثمّ أشفق عليه) أي حن عليه لما وقع له من الإهانة لديه (فحدّثه عشرين حديثا) أي استمالة لخاطره إليه وأما قول الدلجي أي خاف عليه لضربه إياه بلا ذنب يوجب ذلك فغير مستقيم لأنه يلزم من ذلك اسناد الذنب إلى مالك مع أن للأستاذ تأديب الطالب بما يرى هنالك (قال) وفي نسخة فقال (هشام وددت) بكسر الدال أي تمنيت وأحببت (لو زادني سياطا) أي كثيرة (ويزيدني حديثا) أي يدل كل سوط (قال عبد الله بن صالح) الظاهر أنه أبو صالح الجهني كاتب الليث روى عنه ابن معين والبخاري قال الفضل بن الشعراني ما رأيته إلّا يحدث أو يسبح (كَانَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ لَا يَكْتُبَانِ
стр. 843
الحديث إلّا وهما طاهران) صفة لهما والأصل امتناع توسط الواو بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ إلّا انها لما شابهت الحال توسطتهما لتأكيد لصوقها بالموصوف كما في قوله وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (وكان قتادة يستحبّ) بصيغة الفاعل أي يستحسن (أن لا يقرأ) أي هو أو أحد ولا يبعد أن يضبط بصيغة المفعول (أحاديث النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عَلَى وُضُوءٍ وَلَا يُحَدِّثُ إلّا على طهارة) تأكيد لما قبله وضبط في نسخة بصيغة المجهول فتحصل المغايرة بأن يحمل الأول على فعله والثاني على غيره وأما قول الدلجي أي يغسل بقرينة ما قبله فلا يدفع الاشكال بل يقوي الأعضال والله تعالى أعلم بالحال والأظهر أن يراد بالطهارة المعنى الأعم الشامل للتيمم ويؤيده قوله (وَكَانَ الْأَعْمَشُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ وَهُوَ على غير وضوء) جملة حالية اعتراضية بين الشرط وجزاءه (تيمّم) أي اعتناء بتعظيم حديثه صلى الله تعالى عليه وسلم.
فصل [ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم وبره بر آله]
(ومن توقيره صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تعظيمه وتكريمه (وبرّه) أي ومن طاعته في أمره وزجره (برّ آله) أي إحسان أهل بيته وعشيرته ولا وجه لتخصيص الدلجي هنا ببني هاشم وبني الطالب دون بني عبد شمس وبني نوفل وإن خص الأولان بالخمس (وذرّيّته) أي نسله وعترته الشاملة لبناته وللحسنين وأولادهما من الأئمة وغيرهم (وأمّهات المؤمنين أزواجه) أي زوجاته الطاهرات وهن عائشة الصديقة بنت الصديق وخديجة بنت خويلد وحفصة بنت الفاروق وأم حبيبة بنت أبي سفيان أخت معاوية وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وميمونة بنت الحارث وزينب بنت جحش وجويرية بنت ضرار وصفية بنت حيي كذا ذكره الدلجي وكان الأولى أن يقدم خديجة الكبرى أم فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنهما (كما حضّ عليه) بتشديد الضاد المعجمة أي حث وحرض على برهم ﵇ أي في أحاديث كثيرة (وسلكه) أي مسلكه أي مسلكه (السّلف الصّالح ﵃ أي بالقول والفعل كما وجب عليهم قال ابن الفقاعي السلف الصالح هم الصدر الأول من التابعين (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) استئناف تعليل لأمرهن بالأمر الأهم ونهيهن عن أن يقترفن المأثم صونا لا عراضهن عن أن تتدنس بالرجس واستعير الرجس للمعصية تنفيرا لهن عنها وترغيبا فيما أمرهن بخلافهما ولعله خاطبهن بخطاب الذكور لأنهن في مقام الكمال كأنهن في حال الرجال قال تعالى في حق مريم وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ وورد كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وفضل عائشة على النساء امرأة كفضل الثريد على سائر الطعام رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي موسى والأظهر أن فيه تغليبا ليشمل بقية آله وأهل بيته ولذا قال (أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣] الآية نصب على النداء أو المدح (ويطهركم) عن
стр. 844
الأخلاق الدنية والأحوال الرديئة (تطهيرا) أي بليغا كثيرا والرجس على ما قال الزهري اسم لكل مستقذر من عمل وأراد بأهل البيت نساء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأنهن في بيته وروي ذلك وعن ابن عباس وعن أبي سعيد الخدري وجماعة من التابعين أنهم علي وفاطمة والحسن والحسين قول ولا منع من الجمع وأما تخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما لما ورد أنه ﵊ خرج غداة يوم وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله فيه ثم الحسين فأدخله ثم فاطمة فأدخلها ثم علي فأدخله ثم قال إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً واحتجاجهم على عصمتهم وكون إجماعهم حجة فمردود بأن تخصيصهم بكونهم أهل البيت يكذبه ما قبل الآية وما بعدها والحديث إنما هو مؤذن بأنهم من أهله لا أن غيرهم ليس بأهله (وقال تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] تشبيه لهن بالأمهات في جوب تعظيمهن واحترامهن وتحريم نكاحهن بدليل قوله تعالى وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً في غير ذلك كالاجنبيات ولذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لسنا أمهات النساء أرادت انهن إنما كن أمهات الرجال لأنهن محرمات عليهم كتحريم أمهاتهم عليهم وهذا الحكم غير متحقق في حق النساء لأنهن لو كن أمهاتهن لما جوز زواج بناتهن (أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَدْلُ) مبالغة العادل (من كتابه) متعلق بأخبرنا (وكتبت من أصله) أي المروي عن مشايخه (ثنا) أي حدثنا (أبو الحسن المقرىء) بالهمزة في آخره وقد يخفف أي معلم قراءة القرآن (الفرغانيّ) منسوب إلى فرغانة بفتح الفاء وسكون الراء فغين معجمة ناحية من المشرق (حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْقَاسِمِ بِنْتُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الخفّاف) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الفاء الأولى (قالت حدثني أبي ثنا) أي قال حدثنا (حاتم) بكسر الفوقية (هو ابن عقيل) بالتصغير (حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا يَحْيَى هو الحمّانيّ) بكسر المهملة وتشديد الميم ثم نون فياء نسبة (حدّثنا وكيع) أي ابن الجراح أحد الأعلام يروي عن الأعمش وغيره وعنه أحمد ونحوه قال أحمد ما رأيت أوعي للعلم منه كان أحفظ من ابن مهدي وقال حماد بن زيد لو شئت لقلت إنه أرجح من سفيان وقال أحمد لما ولي حفص بن غياث القضاء هجره وكيع (عن أبيه) أي الجراح بن مليح بن عدي الرواسي وثقه أبو داود ولينه بعضهم (عن سعيد بن مسروق) أي الثوري يروي عن أبي وائل والشعبي وعنه ابناه سفيان ومبارك وأبو عوانة ثقة أخرج له الأئمة الستة (عن يزيد بن حيّان) بفتح حاء مهملة فتحتية مشددة تيمي ثقة اخرج له مسلم وأبو داود والنسائي (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنشدكم الله) بفتح الهمزة وبضم الشين (أهل بيتي) بالنصب على نزع الخافض وفي نسخة طبق رواية أخرى في أهل بيتي أي أسألكم الله في حق أهل بيتي بالاحسان إليهم والشفقة عليهم أو أقسم عليكم بالله أن تراعوني في أهل بيتي (ثلاثا) أي قالها ثلاث مرات مبالغة في الحث على احترامهم (قلنا لزيد) وهو ابن أرقم راوي الحديث لأن صاحب البيت
стр. 845
أدرى بما فيه (من أهل بيته) أي من المراد بهم في هذا الحديث (قَالَ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ) وهم أولاد أبي طالب (وآل عبّاس) وفي نسخة وآل العباس والمراد هم وآلهم ممن يرجع إليهم في النسب مآلهم وقد يقحم الآل كما في قوله تعالى آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تفخيما لشأنهما ثم اعلم أن هذا الحديث في مسلم أخرجه في الفضائل وأخرجه النسائي في المناقب ولو أخرجه القاضي من مسلم لوقع له أعلى من الطريق الذي ساقه وكذا لو أخرجه من النسائي إلّا أنه أراد التنوع في الروايات لأن من شأن الحفاظ أن الحديث إذا كان في الكتب الستة أو أحدها يخرجونه من غيرها لكن في الغالب إنما يصنعون هذا طلبا للغو أو الزيادة فيه أو تصريح مدلس بالسماع أو الأخبار أو التحديث أو لكون الطريق أسلم أو لغير ذلك مما هو معروف عند أربابه والله أعلم (قال صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما رواه الترمذي عن زيد بن أرقم وجابر وحسنه (إنّي تارك فيكم ما) أي شيئا عظيما فما موصوفة صفتها (إن أخذتم به) أو موصولة والشرطية صلتها أي إن تمسكتم به وعملتم به يروى ما إن تمسكتم به (لن تضلّوا) أي عن الحق بعده أبدا (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) تفصيل بعد اجمال وقع بدلا أو بيانا (فانظروا) أي فتأملوا وتفكروا (كيف تخلفوني) بتخفيف النون وتشدد أي كيف تعقبونني (فيهما) أي في حقهما ووقع في أصل الدلجي كتاب الله وعترتي بين الشرط والجزاء وهو مخالف للأصول المعتمدة ثم المراد بعترته أخص قرابته وقيل المراد علماء أمته فالتمسك بالقرآن التعلق بأمره ونهيه واعتقاد جميع ما فيه وحقيته والتمسك بعترته محبتهم ومتابعة سيرتهم (وقال صلى الله تعالى عليه وسلم) لا يعرف راويه (معرفة آل محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم براءة من النّار) أي من ألم حرها وسقم بردها (وحبّ آل محمّد جواز على الصّراط) بفتح الجيم صك المسافر برخصة المرور والعبور أي سبب سهولة مجاوزته الصراط (والولاية) بفتح الواو أي النصرة والإعانة والمحبة (لآل محمّد أمان من العذاب) وبكسرها لغة أيضا كما قرىء بهما في السبعة قوله تعالى ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ فقد قرأها حمزة بالكسر فقول الدلجي وأما بكسرها فمن الولاية بمعنى الملك ليس في محله مع أن الولاية قد تأتي بمعنى تولي الأمر وضد التبري وبمعنى المحبة ومنه ما ورد اللهم وال من والاهم (قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَعْرِفَتُهُمْ هِيَ مَعْرِفَةُ مَكَانِهِمْ) أي مكانتهم وقرب شأنهم (من النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي نسبا وحسبا (فإذا) وفي نسخة وإذا (عرفهم بذلك) أي بما ذكر قربة ورتبة (عرف وجوب حقّهم) في التكريم (وحرمتهم) في التعظيم (بسببه) أي بسبب نسبة النبي الكريم عليه التحية والتسليم (وعن عمر بن أبي سلمة) كما رواه الترمذي وهو ربيبه ﵊ وابن أخيه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة عمه أبي لهب ولد بالحبشة (لمّا نزلت) أي هذه الآية (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: ٣٣] (الآية وذلك) أي نزولها كان (في بيت أمّ سلمة) أي زوجته ﵊ الراوي وهي آخر أمهات المؤمنين موتا توفيت في إمارة يزيد