← Сира

Сира · id 9918

شرح الشفا

الملا على القاري

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

النفرة عن الحضرة وأمر بالعرف أي المعروف من الفعل الجميل وهذه الآية أجمع مكارم اخلاق الأنام بشهادة قول جبريل له ﵉ وقد سأله عنها فقال لا أدري حتى اسأل ربي ثم رجع فقال يا محمد إن ربك أمرك أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وتعفو عمن ظلمك (ثمّ قال) أي الله أو بعضهم في تفسير قوله (وإمّا ينزغنّك أي يستخفنّك) يعني يزعجك ويحملك على الخفة ويزيل حملك (غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم) أي مثلا (فاستعذ بالله) ولا تطع من سواه (وقيل النّزغ هنا الفساد كما قال) أي الله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ لأبيه ومن معه تحدثا بنعمة ربه وجاء بكم من البدو (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: ١٠٠] وقيل ينزغنّك) أي معناه (يغرينّك) أي من الاغراء بالغين المعجمة والراء وهو الالزام وفي نسخة يغوينك بالواو من الاغواء (ويحرّكنّك) أي بالقيام في طلب ما له من المرام، (والنّزغ أدنى الوسوسة) أي حديث النفس والخطرة التي ليس بها عبرة (فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَتَى تَحَرَّكَ عَلَيْهِ غضب على عدوّه) أي مثلا (أو رام الشّيطان) أي قصد (من إغرائه به) أي تسليطه وفي نسخة من اغوائه أي من اضلاله (وخواطر أدنى وساوسه) أي مقدمات هواجسه (ما لم يجعل) بصيغة المجهول أي لم يقدر الله تعالى (له سبيل إليه) أي بحيث يتسلط عليه (أن يستعيذ منه فيكفى أمره) بصيغة المفعول ونصب أمره ويحتمل أن يكون مبنيا للفاعل أي فيكفي الله أمره ويدفع شره وضره (ويكون) أي استعاذته من وسوسته (سبب تمّام عصمته) وظهور حالته عند أمته مع إفادة تعليمه لأهل ملته (إِذْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنَ التَّعَرُّضِ له) أي بمجرد وسوسته (ولم يجعل له قدرة عليه) أي لعصمته (وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا) أي من الأقاويل في باب التأويل (وكذلك) أي وكعصمته ﵊ من إبليس ووسوسته (لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَصَوَّرَ لَهُ الشَّيْطَانُ فِي صورة الملك ويلبّس) بفتح الياء وكسر الباء أو بضم أوله وتشديد الموحدة أي يخلط (عليه) ويشكك في أمره إليه (لا في أوّل الرّسالة ولا بعدها) أي بالأولى (والاعتماد في ذلك) أي في عدم صحة تصور الشيطان له في صورة الملك (دليل المعجزة) فإنما هي للتثبيت له بالعصمة والتأييد له بالحكمة وتوضيحه أنه لما كانت المعجزة قائمة مقام قول الله تعالى صدق عبدي لمدعي النبوة فمحال أن يجد الشيطان إليه سبيلا بالغلبة (بل لا يشكّ النّبيّ) أي في الأنبياء (أَنَّ مَا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ الْمَلَكُ وَرَسُولُهُ) أي أنه هو المرسل إليه بوحيه لديه وفي نسخة على يديه (حقيقة) أي من غير تردد فيه (إمّا بعلم ضروريّ يخلقه الله تعالى له) أي فيعتمد عليه (أو ببرهان يظهره لديه) وفي نسخة على يديه (لتتمّ كلمة ربّك) أي أيها المخاطب بالخطاب العام وفيه إيماء إلى ما في التنزيل من قوله وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ (صِدْقاً) في الاخبار والاعلام (وَعَدْلًا) في الأحكام نصبهما على التمييز أو الحالية لا كما قال الدلجي على المفعولية (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) ولا محول لإرادته. (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) هذا صريح في الفرق بينهما

стр. 982

والأظهر أن الرسول من أوحى إليه وأمر بالدعوة والنبي أعم والله تعالى أعلم (إِلَّا إِذا تَمَنَّى) أي قرأ وتلا (أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] ) أي تلاوته وقراءته مما يشغله به عن استغراقه في بحور العوارف واشتغاله بكنوز المعارف (الآية) أي فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ أي يبطله ويزيله ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ الْآيَةَ (فَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّاسِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الآية أقاويل) أي كثيرة شهيرة (منها) أي من تلك الأقاويل (السّهل) أي الهين المقبول (والوعر) أي الصعب الوصول وفي نسخة صحيحة بدله (والوعث) بسكون العين ويكسر وبالمثلثة الطريق العسير ومنه ما ورد اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر أي شدائد مشقته (والسّمين) أي الكلام المتين القوي (والغثّ) بفتح الغين المعجمة وتشديد المثلثة أي المهزول الضعيف الردي، (وأولى ما يقال فيها) أي في الآية (ما عليه الجمهور من المفسّرين) كما ذكره البغوي أيضا (أن التّمنّي ههنا التّلاوة) يقال تمنيته إذا قرأته وفي مرثية عثمان رضي الله تعالى عنه: تمنى كتاب الله أول ليلة وآخره: لاقى حمام المقادر (وإلقاء الشّيطان فيها) أي في تلاوته (شغله) بفتح أوله وضمه وفي نسخة اشتغاله أي شغل الشيطان إياه (بخواطر) أي ردية (وإذكار من أمور الدّنيا) أي الدنية (للتّالي) أي للقارئ من النبي فضلا عن غيره (حتّى يدخل عليه) من الإدخال أي يوصل إليه الشيطان أو شغله إياه (الوهم) أي السهو والخطاء (والنّسيان فيما تلاه) أي فيما قرأه من جهة مبناه أو طريق معناه (أو يدخل غير ذلك في) وفي نسخة على (أفهام السّامعين من التّحريف) في لفظ التنزيل ومبناه (وسوء التّأويل) أي في معناه (ما يزيله الله وينسخه) أي يدفعه ويرفعه (ويكشف لبسه) بفتح أوله أي ويبين خلطه ويظهر غلطه (ويحكم آياته) أي ويثبت بيناته (وسيأتي الكلام على هذه الآية بعد) أي بعد ذلك في فصل (بأشبع من هذا) أي أبسط وأوسع (إن شاء الله، وقد حكى السّمرقنديّ) أي الإمام أبو الليث الحنفي (إنكار قول من قال بتسلّط الشّيطان) ويروى بِتَسْلِيطِ الشَّيْطَانِ (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ وأنّ مثل هذا لا يصحّ) يعني فإذا كان لا يصح تسلط الشيطان على ملك سليمان من الأمور الدنيوية فبالأحرى أن لا يصح له التسلط على الأنبياء فيما يتعلق بالأمر الديني والأخروي (وقد ذكرنا) أي وسنذكر (قِصَّةَ سُلَيْمَانَ مُبَيَّنَةً بَعْدَ هَذَا وَمَنْ قَالَ) أي ونذكر من قال في تأويله (إنّ الجسد) أي في قوله تعالى وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً (هو الولد الّذي ولد له) أي ناقصا جاءت به إحدى نسائه فألقته القابلة على كرسيه وذلك حين قال لأطوفن الليلة على نسائي كلهن الحديث، (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ وقوله) أي وفي قوله أي الله حكاية عنه (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ

стр. 983

بِنُصْبٍ) بضم وسكون وقرأ يعقوب بفتحها أي بتعب (وَعَذابٍ [ص: ٤١] ) زيد في نسخة ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (إنّه) أي الشأن (لا يجوز لأحد أن يتأوّل) أي الآية برأيه ويزعم (أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الَّذِي أَمْرَضَهُ وَأَلْقَى الضُّرَّ في بدنه) لعدم قدرته على ذلك ولو قدر عليه لم يدع صالحا إلا نكبه هنالك (ولا يكون ذلك) أي ما أصابه من المرض والضر العرض (إلّا بفعل الله وأمره ليبتليهم) أي ليمتحنهم كما ورد أشد الناس بلاء الأنبياء (ويثبّتهم) من التثبيت أو الاثبات أي يؤيدهم بالعصمة ويقويهم بالحكمة وفي نسخة ويثيبهم من الإثابة أي ويجازيهم على بلائهم ثوابا جزيلا وثناء جميلا وإسناد المس إلى الشيطان مجاز مراعاة للأدب في تعظيم الرب اقتداء بإبراهيم حيث قال وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ حيث لم يقل أمرضني مع أن أيوب ﵇ ما حكى مجرد ضرر المرض بل شكا ما حصل له من نصب وعذاب كان الشيطان لهما من الأسباب فقد روي أن إبليس اعترض امرأته في هيئة ليس كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس من مراكب الناس كالخيل والبغال فقال لها أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى قالت نعم قال لها هل تعرفينني قالت لا قال أنا إله الأرض وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني فأنت لو سجدت لي سجدة واحدة رددت عليك المال والأولاد وعافيت زوجك فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها قال أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك فعند ذلك قال مسني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي له ودعائه إياها إلى الكفر بالله ، (قال مكّيّ: وقيل إنّ الّذي أصابه الشَّيْطَانُ مَا وَسْوَسَ بِهِ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنْ قلت فما معنى قوله تعالى) أي حكاية (عن يوشع) غير منصرف للعلمية والعجمة وهو ابن نون (وَما أَنْسانِيهُ بكسر الهاء وضمها لحفص (إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف: ٦٣] ) أي أن أذكره (وقوله) أي وما معنى قوله تعالى (عن يوسف ﵇ أي في حقه (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف: ٤٢] ) بأن وسوس له بخواطر مما يورثه أن يكل أمره إلى غير ربه مستعينا به في خلاصه من السجن وتعبه لحديث رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لما لبث في السجن سبعا بعد الخمس والاستعانة في كشف الشدائد والضراء وإن حمدت في الجملة إلا أنها غير لائقة بالأنبياء والكمل من الأولياء (وقول نبيّنا ﵊ أي وما معنى قوله كما في رواية مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (حين نام عن الصّلاة) أي صلاة الفجر (يوم الوادي) أي الذي أمر بلالا أن يكلأ له فيه الفجر فغلبه النوم حتى مسهم حر الشمس (إنّ هذا واد به شيطان) ارتحلوا ثم قضى صلاة الصبح بعد ارتحالهم منه وهو مؤذن بجواز تأخير الفائتة بعذر فهو مخصص لعموم حديث البخاري من فاتته صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك (وقول موسى ﵇ أي وما معناه (في وكزته) أي القطبي وهو ضربه في مصدره بجمع كفه الذي صار سبب قتله (هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [القصص: ٦٥] ) أي لصدوره منه قبل أن يؤذن له في ضربه أو قتله وجعله من

стр. 984

عمل الشيطان وتسميته ظلما واستغفاره منه جار على كريم عادة الأنبياء من استعظام ما تركه أولى من الأشياء (فاعلم أنّ هذا الكلام) أي منهم عليهم الصلاة والسلام (قد يرد في جميع هذا) أي مما حكي عنهم (مورد مستمر) بالنصب وفي نسخة على مورد مستمر (كلام العرب) أي مجرى دأبهم ومطرد عادتهم (في وصفهم كلّ قبح مِنْ شَخْصٍ أَوْ فِعْلٍ بِالشَّيْطَانِ أَوْ فِعْلِهِ) القبح منظره وسوء فعله في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا خير فيه (كما قال تعالى) في مذمة شجرة الزقوم (طَلْعُها) أي ثمرها (كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات: ٦٥] ) لتناهي قبحه وهول منظره وهو تشبيه تخييلي كتشبيه الفائق في حسن عظيم بملك كريم قال تعالى إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (وقال) أي وكما قال (صلى الله تعالى عليه وسلم) على ما رواه الشيخان (فيمن يريد أن يمر بين يدي المصلي) وأول الحديث إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى (فليقاتله فإنّما هو شيطان) أي إنسي أو جني شبهه به تقبيحا لمروره بين يديه لمشابهة فعله في قبح أمره لشغل خاطره واذهاب خشوعه وخضوعه به (وايضا) مصدر من آض اذا رجع أي ونرجع ونقول (فإنّ قول يوشع) لموسى وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ (لا يلزمنا الجواب عنه) وفي نسخة عليه، (إِذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) أي وقت كونه في خدمة موسى (نبوّة مع موسى) بل يظهر فيه أنه لم يكن نبيا وأنه كان تابعا لملازمته، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الكهف: ٦٠] والمرويّ أنّه إنّما نبّىء بعد موت موسى، وقيل قبيل موته) ويروى قبل موته أي موت موسى نعم يلزم الجواب عنه لمن قال بعصمة الأنبياء قبل النبوة وبعدها إذ لا سبيل للشيطان عليهم مطلقا وقد يقال للشيطان هضما لنفسه وتأدبا مع ربه؛ (وقول موسى) أي في حال وكز القبطي هذا من عمل الشيطان (كان قبل نبوّته بدليل القرآن) فإنه يدل على أن قتله كان قبل هجرته إلى مدين إذ وقع سببا لها وقد روي أنه لما قضي الأجل مكث بعده عند صهره شعيب عشرا أخرى ثم استأذنه في العود إلى مصر واتفق له ذلك السفر وارساله كان بعد رجوعه من مدين إلى فرعون وفيه أنه لم يحتمل أنه كان نبيا ولم يكن رسولا لقوله تعالى قبل هذه القصة وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ودخل المدينة الآية (وقصّة يوسف) أي وهو في السجن (قد ذكر) ويروى قد ذكرنا (أنّها كانت) أي كلها كما في نسخة (قبل نبوّته) أي على قول بعضهم وإلا فقد قال بعضهم إنه نبئ في الجب بدليل قوله تَعَالَى وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ نعم رسالته كانت متأخرة؛ (وقد قال المفسّرون في قوله: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ [يوسف: ٤٢] ) أي ذكر ربه بعد قول يوسف له اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ (قولين) أي تأويلين (أَحَدُهُمَا أَنَّ الَّذِي أَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ أحد صاحبي السّجن) وهو الشرابي (وربّه) أي وسيده (الملك) بكسر اللام (أي أنساه) أي الشيطان الشرابي (أن يذكر) من الذكر أو التذكير والأول أوفق بقوله اذْكُرْنِي (للملك) وفي نسخة الملك (شأن يوسف ﵇ أي

стр. 985

لينجيه من السجن وما فيه من تعب المقام ونصب الملام، (وأيضا فإنّ مثل هذا) أي الإنساء (من فعل الشّيطان ليس فيه تسلّط) أي بالإغواء (على يوسف ﵊ أي ولو كان حينئذ من الأنبياء (ويوشع) أي وعليه وهو ولد ولده (بوساوس) ويروى بوسواس (ونزغ) أي خطر من هواجس (وإنّما هو) أي فعل الشيطان (بشغل خواطرهما) أي بسببه وفي نسخة بصيغة المضارع وفي أخرى شغل بصيغة المصدر وفي أخرى اشتغال خَوَاطِرِهِمَا (بِأُمُورٍ أُخَرَ وَتَذْكِيرِهِمَا مِنْ أُمُورِهِمَا مَا ينسيهما ما نسيا؛ وأمّا قوله ﵊ إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَسَلُّطِهِ عَلَيْهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ لَهُ بَلْ إن كان بمقتضى ظاهره) أي سببا لغفلته (فقد بيّن أمر ذلك الشّيطان بقوله) في رواية مالك والبيهقي عن زيد بن اسلم (إنّ الشّيطان أتى بلالا) أي حين قال له صلى الله تعالى عليه وسلم اكلأ لنا الفجر أي احفظ وقته لنا (فلم يزل يهدّئه) بضم الياء وكسر الدال بالهمز من الاهداء أو التهدية أي يسكنه عن الحركة (كما يهدّأ الصّبي) بصيغة المجهول بأن يضرب عليه بالكف على وجه اللطف لينام من غير العنف (حتّى نام) أي بلال فلم يستيقظ حتى ضربهم حر الشمس فقال ما هذا يا بلال فقال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله (فَاعْلَمْ أَنَّ تَسَلُّطَ الشَّيْطَانِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي الذي عرس به) بتشديد الراء أي نزل به في الليل أو آخره هو وأصحابه حين قفلوا من غزوهم أي رجعوا (إنّما كان) أي في الجملة (على بلال الموكّل بكلاءة الفجر) بكسر الكاف وفتح اللام ممدودة وفي نسخة بكلاءته الفجر أي حراسته ليخبرهم بطلوع الفجر ووقت صلاته، (هذا) أي التأويل (إِنْ جَعَلْنَا قَوْلَهُ إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ؛ وأمّا إن جعلناه) أي قوله ذلك (تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ الرَّحِيلِ عَنِ الْوَادِي وَعِلَّةً لِتَرْكِ الصَّلَاةِ بِهِ وَهُوَ دَلِيلُ مَسَاقِ حَدِيثِ زيد بن أسلم) كما رواه مالك والبيهقي (فَلَا اعْتِرَاضَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ لِبَيَانِهِ) أي بيان حديثهما (وارتفاع إشكاله) على منهج الصواب. فصل [وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت الدلائل إلى آخره] (وأمّا أقواله صلى الله تعالى عليه وسلم فقامت) ويروى فقد قامت (الدّلالة) أي جنس الدلالات (اللائحة) وفي نسخة صحيحة الدلائل الواضحة (بصحّة المعجزة على صدقه) من الآيات الساطعة والبينات القاطعة كانشقاق القمر وغيره من خوارق العادة (وأجمعت الأمّة فيما كان طريقه البلاغ) أي تبليغ الشرائع والأحكام من الله الملك العلام لسائر الأنام (أنّه معصوم فيه من الإخبار) بكسر الهمزة أي الاعلام (عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ) أي من المقصود والمرام والمعنى بخلاف الواقع (لا قصدا) أي بسبب (ولا عمدا) أي لا عن سبب (ولا سهوا) أي خطأ (ولا غلطا) أي نسيانا وفي نسخة لا قصدا أو عمدا ولا سهوا أو غلطا (أمّا تعمّد الخلف) بضم أوله وهو اخلاف الوعد وهو في الآتي كالكذب في الماضي وروي وأما تعمده بالخلف (في ذلك) أي فيما تقدم من أمر البلاغ (فمنتف) أي ممتنع عقلا ونقلا (بدليل

стр. 986

المعجزة القائمة مقام قول الله صدق) أي عبدي كما في نسخة (فيما قال اتّفاقا) بين علماء الأمة، (وبإطباق أهل الملّة إجماعا) أي في الجملة (وأمّا وقوعه) أي الخلف (عَلَى جِهَةِ الْغَلَطِ فِي ذَلِكَ فَبِهَذِهِ السَّبِيلِ) أي فمنتف أيضا بدليل المعجزة المذكورة أو بهذه الطريقة المسطورة بعينها (عند الأستاذ) بالدال المهملة وقيل بالمعجمة (أبي حامد «١» الإسفرايينّي) بكسر الهمزة وفتح الفاء بلدة بخراسان بنواحي نيسابور وهو إمام المتبحرين في علوم الدين كلاما وأصولا وفروعا وأبوابا وفصولا توفي بنيسابور يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة وأربعمائة (ومن قال بقوله) أي ممن تابعه وشايعه في أنه منتف لصدوره (من جهة الإجماع فقط) لأنه حجة قاطعة (وورود الشّرع) أي ومنتف أيضا من جهة ورود الكتاب والسنة وفي نسخة وورد الشرع (بانتفاء ذلك الغلط) لقوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (وعصمة النّبيّ) أي ومنتف أيضا من جهة عصمته قطعا (لَا مِنْ مُقْتَضَى الْمُعْجِزَةِ نَفْسِهَا عِنْدَ الْقَاضِي أبي بكر الباقلانيّ) بكسر القاف وتشديد اللام وقد تقدم عليه الكلام وهو الإمام المالكي (ومن وافقه لاختلاف بينهم) أي بين الاستاذ والقاضي ومقلديهما (فِي مُقْتَضَى دَلِيلِ الْمُعْجِزَةِ لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ) في هذا الباب (فنخرج عن غرض الكتاب) ونورث السآمة والملالة من الاطناب (فَلْنَعْتَمِدْ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ أنّه لا يجوز عليه) أي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (خلف في القول إِبْلَاغِ الشَّرِيعَةِ وَالْإِعْلَامِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ ربّه ومّا أوحاه إليه) ويروى وبما أَوْحَاهُ إِلَيْهِ (مِنْ وَحْيِهِ لَا عَلَى وَجْهِ العمد ولا على غير عمد) أعاد حرف النفي سابقا ولا حقا تأكيدا لعدم جواز خلفه فيما ذكره حقا وصدقا (ولا في حال الرّضاء) بكسر الراء وتضم أي المحبة وفي نسخة حال الرضى وفي أخرى حين الرضى (والسّخط) بفتحين وبضم وكسر أي الغضب والكراهة (وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو) أي ابن العاص بن وائل السهمي كما رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه (قلت يا رسول الله اكتب) باستفهام مقدر أو مقرر بإبدال والمعنى أأكتب (كلّ ما أسمع منك قال نعم) اكتب عني كل ما سمعت مني (قُلْتُ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ قَالَ نَعَمْ فَإِنِّي لا أقول في ذلك كلّه) أي في الذي أقوله (إلّا حقا) لما عصمه ربه من الزلل والخطل في القول والعمل (ولنرد) بفتح النون وكسر الراء من الورود أي ولنذكر (ما أشرنا) أي فيما حررنا (إليه من دليل المعجزة) ويروى في دليل المعجزة (عليه) أي على ما قررنا (بيانا) أي برهانا (فنقول إذا قامت المعجزة على صدقه) أي النبي (وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا وَلَا يُبَلِّغُ) بالتشديد والتخفيف أي ولا يخبر (عن الله إلّا صدقا) بحيازته رعاية الأمانة وحماية الصيانة والديانة (وَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ صدقت فيما تذكره عني) وروي مقام قول الله تعالى (صدق عبدي فيما يذكره) (وهو يقول

стр. 987

إني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليكم لأبلّغكم) بالتشديد والتخفيف أي لأخبركم (مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ أُبَيِّنُ لَكُمْ مَا نزّل عليكم) بالبناء للفاعل مخففا أو المفعول مثقلا لتفوزوا بكرم السيادة وعظم السعادة (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ) أي ما هو (إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فَاسْتَوى [النجم: ٣- ٤] قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) كما في آية أخرى، (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ونحو هذا من الآيات من الكتاب؛ (فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِي هَذَا الباب) أي في باب البلاغ عن ربه (خبر بخلاف مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة أي ما أخبر به (على أيّ وجه كان) من قصد أو غيره، (فلو جوّزنا عليه الغلط والسّهو) أي نسبتهما إليه (لما تميّز لنا) أي لما امتاز خبره (من غيره) أي من خبر غيره قال الحجازي سياق الكلام يدل على أن الضمير في ذلك عائد إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (وَلَا اخْتَلَطَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ؛ فَالْمُعْجِزَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تصديقه جملة واحدة من غير خصوص) بتقييد حاله (فتنزيه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي فيما طريقه البلاغ (عن ذلك كلّه) أي عن الاخبار بشيء منه بخلاف ما هو به قصدا وسهوا وغلطا (واجب برهانا) أي دليلا عقليا (وإجماعا) أي اتفاقا نقليا (كما قاله أبو إسحاق) أي الإسفراييني على ما تقدم والله أعلم. فصل [وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات] (وقد توجّهت ههنا) أي في هذا المبحث (لبعض الطاعنين) أي في الدين (سؤالات) أي من الملحدين (منها ما روي) أي فيما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وأبو حاتم بسند منقطع عن سعيد بن جبير (من أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا قرأ سورة والنّجم) أي سورته (وقال) أي وقرأ (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ) صنم كان لثقيف بالطائف أو بنخلة من قريش وهي مؤنثة من لوى لأنهم كانوا يلوون على طاعتها ويعكفون على عبادتها أو يلتوون عليها أي يطوفون لديها وقيل مؤنث لفظه الجلالة (وَالْعُزَّى) تأنيث الأعز شجرة كانت لغطفان تعبدها بعث إليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها (وَمَناةَ) بالقصر ويمد صخرة كانت لهذيل وخزاعة تعبدها وتتقرب بها وتعتكف لديها (الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) صفتان للتأكيد (قال) أي جرى على لسانه أو حكى الشيطان بعد بيانه (تلك الغرانيق العلى) جمع غرنوق بضم المعجمة والنون وبكسرها وفتح النون ويقال غرنيق بضمها وفتح النون وسكون الراء والياء ويقال كقنديل وهي في الأصل الذكور من طير الماء طويل العنق قيل هو الكركي ويقال للشاب الممتلئ شبابا وحسنا وبياضا أريد بها ههنا الأصنام إذ كانوا يزعمون أنها تقربهم إلى الله تعالى وشفعاؤهم عند الله فشبهوها بالطير الذي يعلو في الهواء ويرتفع إلى السماء (وإن شفاعتها) ويروى وأن شفاعتهن (لترتجى) بصيغة المجهول أي تتوقع وتؤمل في التجاوز عن الذنب والزلل (ويروى ترتضى) أي بدل ترتجى أي تقبل، (وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ شَفَاعَتَهَا

стр. 988

لترتجى، وإنّها لمع الغرانيق العلى) بضم العين أي العالية (وفي أخرى والغرانقة العلى) والغرانقة أيضا جمع غرنيق (تلك الشّفاعة ترتجى، فلمّا ختم) أي النبي ﵊ (السّورة) أي سورة النجم (سجد) أي لله امتثالا لأمر ربه (وسجد معه) أي جميع من كان حاضرا (المسلمون) أي الأبرار (والكفّار) أي الفجار (لمّا سمعوه) بفتح اللام وتشديد الميم أو بكسر اللام وتخفيف الميم (أثنى على آلهتهم) أي بقوله تلك الغرانيق إلى آخره (وما وقع) أي ومنها ما وَقَعَ (فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الشَّيْطَانَ أَلْقَاهَا) أي الكلمات السابقة في مدح الآلهة (على لسانه) أي وجرى على لسانه من غير شعور له على بيانه والأظهر أنه كان على حكاية لسانه ومنوال بيانه (وأنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتمنّى) أي فيما خطر بباله (أن لو نزل) ويروى أنزل (عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنْ لَا يَنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ينفّرهم عنه) بتشديد الفاء أي يبعدهم عن قربه حتى ينفعهم برسالة ربه (وذكر) أي صاحب تلك الرواية (هذه القصّة) ابتلاء للمحنة المشتملة على الغصة ويروى هذه السورة (وأنّ جبريل ﵇ جاءه فعرض عليه السّورة) ويروى هذه السورة أي سورة النجم (فلمّا بلغ الكلمتين) أي وجرى ما سبق من إحدى الحالتين (قَالَ لَهُ مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ، فَحَزِنَ لِذَلِكَ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) خشية الفتنة في حق الأمة (فأنزل الله تعالى) أي عليه (تَسْلِيَةً لَهُ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج: ٥٢] الآية) فقد روى ابن جرير وسعيد بن منصور عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في ناد لقريش كثير أهله فتمنى أن لا يأتيه من الله تعالى ما يفرقهم عنه فأنزل الله تعالى وَالنَّجْمِ فقرأها فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى القى الشيطان عليه ﵊ تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فتكلم بها ثم مضى يقرأ حتى ختمها فسجد وسجدوا معه جميعا ورضوا بما تكلم به فلما أمسى أتاه جبريل فعرضها عليه فلما بلغ تلك الغرانيق العلى قال ما جئتك به قال افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ مَا لَمْ يَقُلْ فما زال مغموما حتى نزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ فطابت نفسه وفي هذه الرواية ألفاظ ما تصح بحسب الدراية (وقوله) أي ومنها قوله أو أنزل عليه أيضا قوله (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء: ٧٣] ) أي أن الشأن قاربوا أي ليضلونك (الآية) أي عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لا تخذوك خليلا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً وردت فيما أرادته قريش منه ﵊ أن يبدل الوعد وعيدا أو الوعيد وعدا بقولهم لهم اجعل لنا آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك وكذا ما اقترحه ثقيف عليه من أن يضيف إلى الله تعالى ما لم ينزل عليه بقولهم له لا ندخل في أمرك حتى تعطينا ما نفتخر به على العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نتحنى في صلاتنا وكل ربا لنا فهو لنا وكل ربا لغيرنا فهو موضوع عنا وإن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها

стр. 989

بأيدينا عند رأس الحول بل ترسل أنت إليها من يكسرها وأنت تمنع من قصد وادي وج يعضد شجرة فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك فقل أمرني الله تعالى به ثم جاؤوا بكاتب فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تعشرون ولا تحشرون فقالوا ولا تنحنون وهو ينظر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقام عمر فسل سيفه وقال أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله تعالى قلوبكم نارا فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمدا فنزلت (فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ لَنَا فِي الْكَلَامِ على مشكل هذا الحديث) أي الوارد في قصة سورة النجم (مأخذين) أي طريقين نمنع بهما من يتشبث بهذه الروايات أو يثق بها من الحكايات (أحدهما في توهين أصله) أي تضعيف نقله (والثّاني على تسليمه) أي على تقدير وقوعه، (أمّا المأخذ الأوّل) والمخلص المعول (فيكفيك) في توهينه ورد تبيينه (أنّ هذا حديث) أي منكر من جهة الرواية والدراية حيث (لم يخرّجه أحد من أهل الصّحّة) كأصحاب الكتب الستة (ولا رواه ثقة) أي عن ثقة (بسند سليم) أي سالم من الاضطراب والعلة بل ولا رواه ثقة بسند (متّصل) أي مرفوعا أو موقوفا بل رواه جماعة بأسانيد ضعيفة واهية مقطوعة أو موضوعة أو مرفوعة (وإنّما أولع) بصيغة المجهول أي تولع (به و) تعلق (بمثله المفسّرون) أي المعتمدون على أقاويل ضعيفة (والمؤرّخون) بتشديد الراء المكسورة بعد همزة وتبدل واوا أي أرباب التواريخ (المولعون) بضم الميم وفتح اللام أي الحريصون (بكلّ غريب) أي بنقل كل مروي فيه غرابة (المتلقّفون) أي المبتلعون وفي نسخة الملفقون بتشديد الفاء المكسورة بعدها قاف أي المرقعون الملقطون (من الصّحف) من دون سماع رواية وتصحيح دراية (كلّ صحيح وسقيم) أي ثابت وضعيف ثم اعلم أن أبا الفتح اليعمري قال في سيرته الكبرى ما لفظه بلغني عن الحافظ عبد العظيم المنذري أنه كان يرد هذا الحديث من جهة الرواة بالكلية وكان شيخنا الحافظ عبد المؤمن بن خلف يخالفه في ذلك انتهى وذكر الحلبي أنه قال بعض شيوخي فيما قرأته عليه حين ذكر هذا الكلام أنه باطل لا يصح منه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل (وَصَدَقَ الْقَاضِي بَكْرُ بْنُ الْعَلَاءِ الْمَالِكِيُّ حَيْثُ قال لقد بلي) بضم الموحدة وكسر اللام أي ابتلي (النّاس) وامتحنوا (ببعض أهل الأهواء) أي المبتدعة وفي نسخة بتقصي أهل الأهواء أي بتقصصهم على ما ذكره الأنطاكي (والتّفسير) أي أهل التفسير بالآراء المخترعة (وتعلّق بذلك) أي بحديث سورة النجم (الملحدون) أي المائلون عن الحق (مع ضعف نقلته) أي رواته (واضطراب رواياته) أي من جهة اختلاف عباراته وفي نسخة روايته (وانقطاع إسناده) الموجب لعدم اعتماده وفي نسخة أسانيده (واختلاف كلماته) المقتضية لتفاوت دلالاته ويروى كلمته (فقائل) أي منهم (يقول إنّه) أي النبي ﵊ قرأها (في الصّلاة، وآخر يقول قالها) أي المقالة حين قرأها (في نادي قومه) أي مجلسهم ومتحدثهم (حين أنزلت عليه السّورة) أي سورة النجم؛ (وآخر يقول قالها وقد

стр. 990

أصابته سنة) بكسر سين وتخفيف نون أي نعاس، (وآخر يقول بل حدّث نفسه) أي خطر في باله تلك المقالة (فسها) أي فجرى على لسانه ما حصل له به الملالة، (وآخر يقول من الشّيطان قالها على لسانه) أي حاكيا صوته في تقرير بيانه وهذا أقرب الأقوال بالنسبة إلى نزاهة شأنه لكن يشكل قوله (وأنّ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَضَهَا عَلَى جِبْرِيلَ قَالَ مَا هَكَذَا أَقْرَأْتُكَ؛ وَآخَرُ يَقُولُ بَلْ أَعْلَمَهُمُ الشّيطان) أي وسوس لهم (أنّ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَهَا؛ فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ذلك) أي اعلام الشيطان وإغواءه (قال والله ما هكذا نزلت) بصيغة المجهول مشددا أو المعلوم مخففا؛ (إلى غير ذلك) أي مع غير ما ذكر من الحكايات الناشئة عن اضطراب الروايات (من اختلاف الرّواة) أي الذين يقال في حقهم إنهم غير الثقات والحاصل أن الاضطراب وقع من جميع الجهات؛ (وَمَنْ حُكِيَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ) أي المعتبرين كابن جرير وأبي حاتم وابن المنذر (والتّابعين) أي المعتمدين كالزهري وقتادة وأمثالهما (لم يسندها أحد منهم) أي إسناده متصلا يصلح اعتمادا (ولا رفعها إلى صاحب) أي للرواية (وأكثر الطّرق) أي الأسانيد (عنهم فيها ضعيفة واهية) أي منكرة جدا ولو كانت متصلة (والمرفوع فيه) أي قليل ويروى فيها وفي رواية منه (حديث شعبة) وهو إمام جليل (عن أبي بشر) بكسر موحدة وسكون شين معجمة تابعي صدوق ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة (عن سعيد بن جبير) من اجلاء التابعين (عن ابن عباس قال) كذا في نسخة (فيما أحسب) أي أظن (الشّكّ في الحديث) جملة معترضة من كلام المصنف يعني شك الراوي بقوله فيما أحسب في نفسه الحديث لا في كونه مرويا عن ابن عباس والحاصل أن سعيد بن جبير وإن كان معتمدا لكن تردد (أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بمكّة) في هذه القضية أو بغيرها والسورة مكية بلا خلاف فيها (وذكر القصّة) وكان حق المصنف أن يذكر القصة كما ثبت في الرواية وقد بينها الدلجي بقوله أي قصة نزول سورة النجم وهو في نادي قومه بعد تمنيه أن لا ينزل عليه ما يفرق قومه عنه أو ينزل عليه ما يطيب نفوسهم به عسى أن يؤمنوا فنزلت عليه سورة النجم فقرأها فلما بالغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قال تلك الغرانيق العلى ففرح المشركون ثم ختمها وسجد وسجد من حضر المسلمون والكفار (قال أبو بكر البزّار) بتشديد الزاء وراء في آخره حافظ مشهور (هذا الحديث لا نعلمه روي) أي لا نعرف أنه روي (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بإسناد متّصل يجوز ذكره) أي ويعتمد عليه في الجملة (إلّا هذا) أي الإسناد إلى ابن عباس (ولم يسنده) أي الحديث (عن شعبة إلّا أميّة بن خالد) ثقة توفي سنة إحدى ومائتين أخرج له مسلم (وغيره) أي غير أمية ممن رواه (يرسله عن سعيد بن جبير) أي بحذف رجاله من أصحابه كابن عباس (وإنمّا يعرف) أي اتصال سنده (عن الكلبيّ) وهو محمد بن السائب المفسر الأخباري النسابة والأكثرون على أنه غير ثقة خصوصا إذا روى (عن أبي صالح عن ابن عبّاس) أي موقوفا عليه وأبو صالح

стр. 991

هذا يروي عن مولاته أم هانئ وعن علي وعنه السدي والثوري وعدة وأخرج له أصحاب السنن الأربعة قال أبو حاتم وغيره لا يحتج به وقد تقدم أنه لم يسمع من ابْنِ عَبَّاسٍ (فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ أَبُو بَكْرٍ) أي البزار (رحمه الله تعالى) جملة دعائية (أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ سوى هذا) أي سوى طريق شعبة لقوة إسناده إذ كل رجاله ثقات (وفيه) أي في حديث شعبة (من الضّعف ما نبّه عليه) أي البزار وغيره من اختلاف عباراته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده وإرساله واختلاف مواطن حالاته (مع وقوع الشّكّ فيه) أي مع ما وقع له فيه من الشك (كما ذكرناه) من أنه (الذي لا يوثق به) الذي صفة للشك والضمير في به يعود إليه أي مع وقوع الشك الذي لا يوثق به (ولا حقيقة) لصحة الحديث (مَعَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْكَلْبِيِّ فَمِمَّا لَا تَجُوزُ الرّواية عنه) أي عن الكلبي مطلقا (ولا ذكره) أي لهذا الحديث أصلا (لقوّة ضعفه وكذبه) أي وكثرة كذبه ولذا ضعفه الجمهور (كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَزَّارُ ﵀ وَالَّذِي منه) أي من حديث سورة النجم (في الصّحيح) من رواية الشيخين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ والنّجم) أي من غير زيادة (وهو بمكّة) أي قبل الهجرة (فسجد معه المسلمون والمشركون) ولم يبين ما سبب سجدة المشركين (والجنّ والإنس) أي الحاضرون، (هذا) أي الذي ذكرناه (توهينه) أي تضعيفه (مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى) أي الذي يدركه العقل (فقد قامت الحجّة) أي القاطعة (وأجمعت الأمّة على عصمته صلى الله تعالى عليه وسلم ونزاهته) أي براءة ساحته (عن مثل هذه الرّذيلة) أي الخصلة الدنية ويروى النقيصة أي المنقصة (قبل النبوة) ولو قبل البلوغ فكيف يتصور وقوعها بعد تمام النبوة ونظام الرسالة لا سيما وقت التلاوة ودرجها في القراءة والحاصل أن له ﵊ عصمة ثانية (إِمَّا مِنْ تَمَنِّيهِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِثْلُ هذا من مدح آلهة غير الله تعالى وهو) أي مثل هذا التمني (كفر) فلا يصح نسبته إليه صلى الله تعالى عليه وسلم إلا أن يكون وقعت خطرة لديه (أو أن يتسوّر) أي أو من أن يتسلط (عليه الشّيطان) من تسور تصعد السور وهو الحائط المرتفع ومعناه هنا التسلط مجازا (ويشبّه) بتشديد الموحدة أي يلبس (عليه القرآن) ويخلط عليه الفرقان (حتّى يجعل فيه ما ليس منه) أي ولا يصح أن يكون منه (ويعتقد النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ منه) أي حقيقة (حتّى ينبّهه جبريل ﵉ مع أن ذلك من الواضحات عند كل مؤمن موحد أنه ليس من الآيات البينات (وذلك) أي ما ذكر من التمني والتسور والاعتقاد (كلّه ممتنع في حقّه ﵊ أو يقول) أي أو من أن يتفوه (ذلك النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل نفسه عمدا) أي حال كونه ذا عمد (وذلك) أي تعمده (كفر أو سهوا) أي حال كونه ساهيا (وهو معصوم من هذا كلّه) أي مما يكون كفرا سواء حال عمده أو سهوه بخلاف سهوه في غير الكفر أو المعصية فإنه يجوز جريانه عليه (وقد قرّرنا) أي مرارا (بالبراهين) أي الأدلة الواضحة (والإجماع) أي اتفاق جميع الأمة (عصمته عليه الصلاة

стр. 992

والسلام من جريان الكفر على قلبه) أي باعتقاد جنانه (أو لسانه) أي جريانه بموجب عصيانه (لا عمدا ولا سهوا) تأكيدا لما أفاده ما قبله من نفي جريان الكفر عليه مطلقا (أو أن يتشبّه) أي أو من أن يتلبس (عليه ما يلقيه الملك) أي يوحيه إليه من ربه (ممّا يلقي الشّيطان) ويوسوس إليه من نكره ويروى مما يلقيه الشيطان (أو يكون) أي أو من أن يكون (للشّيطان عليه سبيل) أي بالتسلط وقد قال تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (أو أن يتقوّل) أي أو من أن يفتري (على الله تعالى) وهو لا يَتَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ (لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا ما لم ينزل عليه) بصيغة المجهول أو المعروف (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ [الحاقة: ٤٤] ) أي افترى علينا مما لم يوح إليه بالفرض والتقدير (الآية) أي لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين وقد سبق ما يتعلق بمعناه وقيل في تحقيق مبناه إن من صلة أي لأخذناه والأولى أن يقال فيه تضمين والتقدير لانتقمنا منه باليمين أي بالقوة القاهرة والقدرة الباهرة؛ (وقال) أي الله (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) أي قاربت تميل أدنى ميل (إِذاً) أي حينئذ (لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ [الإسراء: ٧٥] ) أي عذابا مضاعفا في الدنيا وبعد الوفاة (الآية) أي ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً أي معينا يكون دافعا عنا العقوبة؛ (ووجه ثان) لتوهين هذه القضية (وهو استحالة هذه القصّة نظرا) أي من جهة دلالة العقل لعصمته من مدح الآلهة وإثبات شفاعتها (وعرفا) أي من جهة استبعاد العادة أن يصدر عن الأنبياء مدح الشرك مع ذمهم له وحثهم على التوحيد على وجه التأكيد (وذلك) أي بيانه (أنّ هذا الكلام) أي المنقول في هذا المقام (لو كان) أي بالفرض والتقدير (صحيحا كما روي) أي كما نقلوه صريحا (لكان بعيد الالتئام) بل عديم النظام (لكونه متناقض الأقسام) أي متباين المرام (ممتزج المدح بالذّمّ) في الشرك بأن ذم الكفر في آيات بينات ومدح في هذه الآيات المخترعات مع أنه خلاف إجماع الأنبياء والمرسلين في جميع الحالات (متخاذل التّأليف) بالخاء والذال المعجمتين متفاعل من الخذلان وهو ترك النصرة أي متخالفة في ارتباط المرام (والنّظم) أي ونظم الكلام وقد قال تعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فمعناه أنه من عند الله ولم يجدوا فيه اختلاف كثيرا ولا يسيرا (ولمّا) بفتح لام وتخفيف ميم (كان النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي من أكابر الصحابة (وصناديد المشركين) أي رؤسائهم في مكة من قريش وغيرهم (ممّن يخفى عليه ذلك وهذا) أي ومثله (لا يخفى على أدنى متأمّل) أي من أفراد الموحدين (فكيف ممن) وفي نسخة بمن (رجح) بفتح الجيم المخففة أي غلب (حمله) أي تأنيه وتثبته في أمر الدين أو عقله (واتّسع في باب البيان) أي بيان المرام (ومعرفة فصيح الكلام علمه) بقوة فطرة وقدرة فطنة، (ووجه ثالث) في توهين هذه القصة (أنّه) أي الشأن (قَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْمُنَافِقِينَ وَمُعَانِدِي الْمُشْرِكِينَ) وفي نسخة ومعاندة وفي أخرى ومعاداة الْمُشْرِكِينَ (وَضَعَفَةِ الْقُلُوبِ وَالْجَهَلَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

стр. 993

نفورهم) بالرفع نائب فاعل علم أي تنفر المذكورين (لأوّل وهلة) أي في أول ساعة في دعوى النبوة (وتخليط العدوّ) أي وعلم انقلابهم (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لأقلّ فتنة) أي لأدنى ما يؤدي إلى فساد ومحنة (وتعييرهم) أي وعلم تعييبهم (المسلمين) بمتاركة المشركين (والشّماتة بهم) أي وعلم شماتة الكافرين بالمؤمنين (الفينة بعد الفينة) بالفاء والنون المفتوحتين بينهما تحتية ساكنة أي الحين بعد الحين والساعة بعد الساعة ويقال بال وبدونها وضبط الحلبي الشمات بضم الشين المعجمة وتشديد الميم وهو جمع شامت جمع تكسير وأما الشمات بكسر الشين وتخفيف الميم الخائنون بلا واحد قال في القاموس وهو من الشماتة التي هي الفرح ببلية العدو وفي نسخة الشمات بفتح الشين وتخفيف الميم وهو جنس الشماتة (وارتداد من في قلبه مرض) أي وعرف هذا أيضا (ممّن أظهر الإسلام لأدنى شبهة) علة للردة (ولم يحك أحد في هذه القصّة سببا) أي للطعن والمذمة مع العلل المتقدمة (سوى هذه الرّواية الضّعيفة الأصل) المخالفة للنقل والعقل (ولو كان ذلك) أي صحيحا فيما ذكر هنالك (لوجدت قريش) أي كفارهم (بها) أي بهذه القصة (على المسلمين الصّولة) أي الاستطالة والغلبة (ولأقامت بها اليهود عليهم الحجّة) أي في أن هذه غير الطريقة المحجة كيف وقال تعالى ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (كما فعلوا) أي أنكروا كفار قريش (مكابرة) أي معاندة (فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ حَتَّى كَانَتْ فِي ذَلِكَ) أي في إظهار ما ذكر فيها (لبعض الضّعفاء ردة) أي سبب ارتداد وفتنة مع أنه لم يكن فيه ما يوجب كفرا وإنما كان يتوهم منه أن يكون كذبا لوقوعه عجبا وهو مقتضى خوارق العادات مطلقا (وكذلك ما روي) يروى ما ورد (في قصّة القضيّة) أي في أمر قضية الحديبية وذلك أنه ﵊ رأى رؤيا عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فصده المشركون فرجع إلى المدينة فكان رجوعه بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم قال تَعَالَى وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أي امتحانا لشأنهم واختبارا في ضعف إيمانهم حيث قال بعض المنافقين والله ما رأينا المسجد الحرام وقوة إيمان الصحابة برهانهم حيث قال الصديق ما أخبرنا أنا ندخلها هذه السنة وأنا سندخلها إن شاء الله من غير شك وشبهة (وَلَا فِتْنَةَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ لَوْ وجدت) أي لو صحت هذه القضية (ولا تشغيب) بالشين والغين المعجمتين أي لا تهييج للشر والفتنة والفساد (للمعادي) أي للعدو من أهل العناد (حِينَئِذٍ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَوْ أَمْكَنَتْ) أي وقوعها في الجملة (فَمَا رُوِيَ عَنْ مُعَانِدٍ فِيهَا كَلِمَةٌ وَلَا عن مسلم) وروي عن متكلم وهو أولى (بسببها بنت شفة) أي لفظة تخرج من الشفة (فدلّ على بطلها) بضم أوله مصدر أي على بطلان هذه الرواية (واجتثاث أصلها) أي استئصال نقلها لمخالفة الدراية (وَلَا شَكَّ فِي إِدْخَالِ بَعْضِ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ أَوِ الْجِنِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى بَعْضِ مُغَفَّلِي المحدّثين) بفتح الفاء المشددة أي الغافلين عن الدراية في الرواية (ليلبّسن به

стр. 994

على ضعفاء المسلمين) أي ما يوجب الفتنة وقد قال تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم أنه قال سيكون في آخر الزمان ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم وعنه ﵊ يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم. (ووجه رابع) أي في توهين هذه القصة (ذكر الرّواة لهذه القصة) وفي نسخة لهذه القضية أي الواقعة في سورة النجم (أَنَّ فِيهَا نَزَلَتْ وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الْإِسْرَاءِ: ٧٣] ) أي ليضونك (الآيتين) أي عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ الْآيَتَيْنِ، (وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَرُدَّانِ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَوْهُ) أي تنافيانه وتعارضانه (لأنّ الله تعالى ذكر أنّهم كادوا ليفتنونه) أي قاربوا (حتّى يفتري) أي فلم يقع شيء (وأنّه) أي الله (لولا أن ثبّته لكاد) ويروى لقد كان أن (يركن إليهم) أي وقد ثبته فلم يقرب أن يميل إليهم أدنى ميل فلم يتحقق شيء (فمضمون هذا) أي ما ذكر من الآيتين (وَمَفْهُومُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ مِنْ أَنْ يفتري وثبّته حتّى لم يركن) يروى حتى لم يكن يَرْكَنْ (إِلَيْهِمْ قَلِيلًا فَكَيْفَ كَثِيرًا وَهُمْ يَرْوُونَ) الواو للحال أي وهم راوون (في أخبارهم الواهية) أي الضعيفة المنكرة (أنّه زاد على الرّكون) أي الميل إليهم (والافتراء) أي على الله تعالى بتبديل الوعد والوعيد عليهم (بمدح آلهتهم وأنه) أي ويروون أنه (قال ﵊ حين قال له جبريل ما جئتك بهذا (افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ مَا لَمْ يَقُلْ) أي اعترافا بذنبه وتصديقا لكلام ربه (وهذا) الذي ذكروه من الرواية (ضدّ مفهوم الآية) أي من عدم ركونه إليهم بحسب الدراية (وهي) أي الآية بصريح مفهومها (تضعّف الحديث) وتدفعه (لو صحّ) لأن دلالة القرآن قطيعة ورواية الحديث ظنية (فكيف ولا صحة له) أي لأصل هذه القضية (وهذا) أي مفهوم هذه الآية (مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ) أي بالنبوة والعصمة (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ ) أي من المنافقين (أَنْ ) عن القضاء بالحق بين الخلق (يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ [النساء: ١١٣] ) ولأن وبال ضلالهم راجع إليهم وضرر شرهم عائد عليهم (وقد روي عن ابن عبّاس) كما رواه ابن أبي حاتم وغيرهم (كلّ ما في القرآن كاد) أي بمعنى قارب (فهو ما لا يكون) يروى ما لم يكن أي إذا كان الكلام موجبا لأن نفس المقاربة تدل على عدم المواقعة ففي القاموس كاد يفعله قارب ولم يفعل مجردة تنبئ عن نفي الفعل ومقرونة بالجحد تنبئ عن وقوعه (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [النور: ٤٣] ولم يذهب) أي بها ويروى لم يذهبها وكذا قوله تعالى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ولم يخطفها (وقال) أي الله سبحانه (أكاد أخفيها ولم يفعل) وفيه بحث إذ ما أظهرها الله لأحد كما يدل عليه سائر الآيات نحو إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ

стр. 995

عِلْمُ السَّاعَةِ وقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها وقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ نعم قيل في الآية أَكادُ أُخْفِيها عن نفسي فيصح قوله ولم يفعل لأنه لم يتصور وإنما ذكره للمبالغة فتدبر أو يقال أكاد أخفي مجيئها فلا أقول هي آتية للمبالغة في إرادة إخفائها فيصح قوله ولم يفعل حينئذ أيضا وقد يقال أخفيها بمعنى أظهرها لأنه من الأضداد والله أعلم بما اراد هذا وقال في القاموس وقد يكون كاد بمعنى أراد ومنه قوله أَكادُ أُخْفِيها أي أريد اخفاءها عن غيري، (وقال القشيريّ القاضي) مر ذكره (ولقد طالبته) يروى ولقد طالبه (قريش) أي كفارهم (وثقيف) أي قبيلتهم من أهل الطائف (إذ مرّ بآلهتهم) أي معرضا عنها غير مقبل عليها (أن يقبل بوجهه إليها) ويلتفت ببصره إليها (ووعدوه الإيمان به) أي والحال أنهم وعدوه الإيمان به بسبب إقباله (إن فعل فما فعل) أي الإقبال الصوري في الحال الضروري (وما كان) وفي نسخة ولا كان أي ما صح منه (ليفعل) أي الإقبال المذكور أو ما كان الله بحسب تقديره أن يفعل بنبيه الرفيع هذا الفعل الشنيع نقلا وعقلا في تصويره فكيف يتصور مدحها في صلاة أو غيرها وإدراجها في سورة وآيها، (قال ابن الأنباريّ) وهو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي كان من أعلم الناس بالأدب والنحو ولد سنة إحدى وسبعين ومائتين روى عنه الدارقطني وابن حيوة والبزار وغيرهم كان صدوقا دينا من أهل السنة صنف التصانيف الكثيرة وصنف في القرآن والغريب والمشكل والوقف والابتداء روي عنه أنه قال احفظ ثلاثة عشر صندوقا وقيل إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها وقيل إنه يحفظ ثلاثمائة ألف شاهد في القرآن وقد أملى كتاب غريب الحديث قيل إنه خمس وأربعون ألف ورقة وكتاب شرح الكافي وهو نحو ألف ورقة وكتاب الأضداد وهو كبير جدا وكتاب الجاهليات في سبعمائه ورقة وكان رأسا في نحو الكوفيين توفي ليلة عيد النحر ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة (ما قارب الرّسول) أي الركون إلى الكفرة (ولا ركن) أي ولا مال إليهم فيما قصدوه لثبوت تثبيت الله تعالى إياه المفهوم من لولا الامتناعية في الآية (وقد ذكرت) بصيغة المجهول (في معنى هذه الآية) أي آية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ (تفاسير أخر) أي ضعيفة سخيفة (مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ اللَّهِ عَلَى عِصْمَةِ رسوله تردّ سفسافها) أي رديئها وأصله ما يطير من غبار الدقيق إذا نخل والتراب إذا أثير (فلم يبق في الآية) أي في معناها (إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى رَسُولِهِ بعصمته وتثبيته مما) وفي نسخة بما (كاده به الكفّار) أي مكروا (وراموا من فتنته) أي وقصدوا بعض محنته وبليته ليفتري على ربه ما يخالف مقتضى نبوته ورسالته (ومرادنا من ذلك) أي ما ذكرناه كله (تنزيهه) أي براءة ساحته (وعصمته) أي حمايته بما يجب من الرعاية (وهو مفهوم الآية) عند أرباب العناية وأصحاب الهداية؛ (وأمّا المأخذ الثّاني) أي في الكلام على مشكل هذا الحديث (فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ الْحَدِيثِ لَوْ صَحَّ) أي إسناده (وقد أعاذنا الله تعالى) أي

стр. 996

أجارنا (من صحّته) أي تصحيحه (ولكن على كلّ حال) وفي نسخة ولكن على ذلك من حال (فقد أجاب عن ذلك) أي عما نسب إليه من مدح الآلهة ويروى عَلَى ذَلِكَ (أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا الْغَثُّ) بفتح معجمة وتشديد مثلثة أي الضعيف مما لا يجدي نفعا (والسّمين) أي القول الذي يدفع الشبهة دفعا (فمنها) أي من الأجوبة (ما روى قتادة ومقاتل) قال الحلبي مقاتل اثنان مفسران لكل منها تفسير وينقل عنهما فأما الأول فهو مقاتل بن حيان البلخي الخراساني الخراز أحد الأعلام روى عن الضحاك ومجاهد وعكرمة والشعبي وخلق وعنه ابن المبارك وآخرون عابد كبير القدر صاحب سنة وصدوق وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما وقال النسائي ليس به بأس وروى أبو الفتح اليعمري عن وكيع أنه قال ينسب إلى الكذب قال الذهبي وأحسبه التبس عليه مقاتل بن حيان بمقاتل بن سليمان فإن ابن حيان صدوق قوي الحديث والذي كذبه وكيع فابن سليمان مات قبل الخمسين ومائة أخرج له مسلم والأربعة وأما ابن سليمان فروى عن مجاهد والضحاك قال ابن المبارك ما أحسن تفسيره ولو كان ثقة وقال ابن حبان كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم وكان يسبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث توفي مقاتل بن سليمان سنة خمسين ومائة انتهى ولا يدري من أراد القاضي منهما والحاصل أن قتادة ومقاتل رويا (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أصابته سنة) بكسرة ففتحة أي نوم وغفلة (عند قراءته هذه السّورة) أي النجم (فجرى هذا الكلام) أي مدح الآلهة (على لسانه بحكم النّوم) أي غلبته عليه (وهذا لا يصحّ) أي أصلا لا في النوم ولا في اليقظة (إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم مثله) أي مثل ما نسب إليه (في حالة من أحواله) إذ ثبت أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه وأيضا فإن كل إناء يترشح بما فيه فمثل هذا لا يتصور من النبي النبيه (ولا يخلقه الله على لسانه) ما لا يناسب عظمة شأنه (ولا يستولي الشّيطان عليه في نوم) ولذا لم يكن يحتلم (ولا يقظة) بالأولى (لعصمته في هذا الباب) أي باب الكفر والمعصية ولو صورة وقال الأنطاكي يريد فيما كان طريقه البلاغ عن الله تعالى (من جميع العمد والسّهو) إجماعا (وفي قول الكلبيّ) وهو محمد بن السائب مات سنة ست وأربعين ومائة وسبق ذكره قريبا (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حدّث نفسه) أي خطر في خاطره (فقال ذلك الشّيطان) أي الملقى في نفسه (على لسانه) أي سهوا قال الدلجي وهو باطل إذ لم يجعل الله للشيطان عليه كغيره من الأنبياء سبيلا وأقول لا يبعد أن يكون مراد الكلبي أن الشيطان قال ذلك على لسانه وفق صوته وحكاية بيانه، (وفي رواية ابن شهاب) أي الإمام الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرّحمن) أي ابن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي أحد الفقهاء السبعة على قول يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعائشة ولد زمن عمر وكف بصره بآخره ويسمى الراهب أخرج له الأئمة الستة توفي سنة أربع وتسعين (قال وسها) أي النبي ﵊ فيما جرى على لسانه أو سها عن بيان حاله وألقاه الشيطان في

стр. 997

مقاله ويؤيده ظاهر قوله (فَلَمَّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ قَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الشّيطان) أي من القائه وكان المصنف ذهب إلى أن المعنى من وسوسته ولذا قال (وكلّ هذا) أي جميع ما ذكرناه أي بحسب ظاهره (لا يصحّ أن يقوله ﵊ لَا سَهْوًا وَلَا قَصْدًا وَلَا يَتَقَوَّلَهُ الشَّيْطَانُ على لسانه) أي حقيقة (وقيل لعلّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله أثناء تلاوته على تقدير التّقرير) أي التسليم في صحته أو على تقدير استفهام الإنكار المقصود منه حمل المخاطب على الإقرار بأن الذي يضر وينفع إنما هو الإله الواحد القهار (والتّوبيخ للكفّار كقول إبراهيم ﵊ هذا رَبِّي [الأنعام: ٧٦] ) أي هذا الحقير أو المخلوق مثل ربي (على أحد التّأويلات) في تلك الحالات (وكقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ٦٣] ) أي على وجه التورية التي هي من معاريض الكلام ففيها غنية عن الكذب في المرام (بعد السّكت) وهو وقفة لطيفة على فعله كما اختاره بعض أرباب الوقوف (وبيان الفصل بين الكلامين) أي السابق واللاحق وفي رواية بين الكلمتين إشارة إلى أن التقدير بل فعله فاعله مطلقا أو فاعله الذي تعرفونه ثم قال مبتدأ كبيرهم هذا وجعل الدلجي هذا من المتن وقال ما عزى لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم بعد السكت أي بينه وبين ما تلاه قبله وبيان الفصل بين الكلامين أي كلام الله تعالى وما عزى إليه ويؤيده قوله (ثمّ رجع إلى تلاوته) أي بقية السورة (وهذا) التأويل (ممكن مع بيان الفصل) بين الكلامين (وقرينة) أي ومع قرينة (تدلّ على المراد) أي من أنه إنما قاله توبيخا وتقبيحا لقولهم وتقريعا وتسفيها لعقولهم (وأنّه ليس من المتلو) أي من القرآن (وهذا) أي التأويل وفي نسخة صحيحة وَهُوَ (أَحَدُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ) أي الباقلاني أو ابن العربي المالكيان (وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كان في الصلاة) أي والكلام مبطل فيها (فقد كان الكلام قبل) أي قبل النهي عنه (فيها غير ممنوع) منه كما قرر في حديث ذي اليدين حتى نزل قوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ أي ساكتين (والّذي يظهر ويترجّح في تأويله) أي في تأويل ما عزى إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (عنده) أي عند القاضي أبي بكر (وعند غيره من المحقّقين) أي من سائر العلماء المجتهدين المدققين (على تسليمه) أي فرض وقوعه (أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان كما أمره ربّه) أي بقوله وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (يرتّل القرآن ترتيلا) أي يقرأه مترسلا (ويفصّل الآي تفصيلا) أي ويبينها تبيينا مبينا (في قراءته) أي من كمال تؤدته (كما رواه الثّقات عنه) يروى كما قال الثقات فعن عائشة وقد سئلت عن قراءته لو أراد سامعها أن يعد حروفها لعدها (فيمكن ترصّد الشّيطان لتلك السّكتات) أي خلال تلاوة الآيات (ودسه) أي إدخاله على وجه الخفاء (فيها) أي في السكتات أو في اثناء القراآت (مَا اخْتَلَقَهُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ مُحَاكِيًا نَغْمَةَ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي صوته ولهجته (بحيث يسمعه) من السماع أو الاسماع (من دنا إليه) أي قرب (من الكفّار) أي دون الأبرار (فظنّوها من قول النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأشاعوها) أي أفشوها بينهم (ولم يقدح ذلك عند

стр. 998

المسلمين لحفظ السّورة) باللام والباء أي بسبب حفظهم سورة النجم (قبل ذلك) أي قبل دس الشيطان ما هنالك (عَلَى مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَتَحَقُّقِهِمْ مِنْ حَالِ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذمّ الأوثان وعيبها) أي وعيبه إياها (على ما عرف منه) ولا يخفى أن ما بين السكتات لا يتصور فيه جميع تلك الكلمات المختلقة ويبعد كون كل كلمة في حال سكتة فالظاهر أنه بعد قراءته ﵊ ومذمته الأصنام بقوله تعالى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى وقع له ﵊ سكتة طويلة لعارض من نحو شغله أو فكره فانتهز الشيطان الفرصة والقى تلك الجملة وسمعها الكفار دون الأبرار وهذا ليس كما توهم الدلجي ورد قول المحققين بأن هذا قول غير مرضي لا يذانه بأن الشيطان كان له عليه سبيل بتمكنه من دسه خلال تلاوته كلام ربه انتهى هذا ولا يخفى أن شيخ الإسلام خاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري أطال في ثبوت هذه القصة وأن لها طرقا صحيحة وطرقا أخر كثيرة صريحة تدل على أصل القضية فلا بد من تأويلها وهذا أحسن ما قيل في التأويل إن الشيطان ألقى ذلك في سكتة من سكتاته ولم يتفطن له ﵊ وسمعه غيره فأشاعه بين الأنام وأما ما ذكره البغوي من أن الأكثرين على أنها جرت على لسانه سهوا ونبه عليه وقرره الشيخ أبو الحسن البكري على ما نقله عنه شيخنا عطية السلمي أنه لا يقدح ذلك في العصمة لكونه من غير قصد كحركة المرتعش فقد رده صاحب المدارك من أئمتنا في تفسيره حيث قال إجراء الشيطان ذلك على لسانه صلى الله تعالى عليه وسلم جبرا بحيث لم يقدر على الامتناع عنه ممتنع لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره ففي حقه أولى والقول بأنه جرى ذلك على لسانه سهوا وغفلة مردود أيضا لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه حال تبليغ الوحي ولو جاز لبطل الاعتماد على قوله ثم اختار ما اختاره العسقلاني قال وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويسمع كلامه فقد روي أنه نادى يوم أحد إلا أن محمدا قد قتل وقال يوم بدر لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم (وقد حكى موسى بن عقبة) أي ابن أبي عياش (في مغازيه نحو هذا) أي نحو ما ذكر عن المحققين قال الحلبي هو مولى آل الزبير ويقال مولى أم خالد زوج الزبير روى عنها وعن علقمة بن وقاص وعروة وخلق وعنه مالك والسفيانان وجماعة ثبت ثقة أخرج له الأئمة الستة ومغازيه أصح المغازي كما قاله الإمام مالك بن أنس وهي مجلدة لطيفة وله أولاد فقهاء محدثون ووقع في بعض النسخ محمد بن عقبة والأول هو الصواب؛ (وَقَالَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسْمَعُوهَا وَإِنَّمَا أَلْقَى الشّيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم) أي صدور الشاكين (ويكون ما روي) أي فيما مر (من حزن النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذِهِ الْإِشَاعَةِ وَالشُّبْهَةِ وَسَبَبِ هَذِهِ الفتنة وقد قال الله تعالى) في هذه تسلية (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ [الحج: ٥٢] الآية) أي إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في أثناء قراءته ما ليس من تلاوته (فمعنى تمنّى تلا) أي قرأ

стр. 999

والأمنية معناها التلاوة، (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨] ) وهي جمع أمنية (أي تلاوة) أي مجرد قراءة خالية عن دراية (وقوله) أي في بقية الآية (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ [الْحَجِّ: ٥٢] أَيْ يذهبه) أي يفنيه ويعدم اعتباره (ويزيل اللّبس به) بفتح اللام أي خلط الحق بالباطل بسببه (ويحكم آياته) في التنزيل ثم يحكم الله آياته أي يثبتها؛ (وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ هُوَ مَا يَقَعُ لِلنَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم من السّهو) أي الناشىء من النسيان (إذا قرأ فينتبه) من الانتباه أو التنبه أي فيتفطن (لذلك) ويتذكر لما هنالك (ويرجع عنه وهذا) التأويل (نَحْوُ قَوْلِ الْكَلْبِيِّ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ حَدَّثَ نَفْسَهُ وَقَالَ إِذَا تَمَنَّى أَيْ حَدَّثَ نَفْسَهُ) يعني على طريق السهو، (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نحوه) وهذا السهو بطريق النسيان الغالب على الإنسان أجمعوا على جوازه منه ﵊ وقد قال تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (وهذا السّهو في القراءة إنّما يصحّ) أي صدوره عنه ﵊ (فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ تَغْيِيرَ الْمَعَانِي وَتَبْدِيلَ الْأَلْفَاظِ) أي المباني (وزيادة ما ليس من القرآن) أي في وجوه السبع المثاني (بَلِ السَّهْوُ عَنْ إِسْقَاطِ آيَةٍ مِنْهُ أَوْ كلمة) أو انتقال من كلمة أو آية إلى أخرى لا يترتب عليه فساد المعنى (ولكنّه) أي مع هذا (لا يقرّ) بصيغة المجهول وتشديد الراء أي لا يترك (على هذا السّهو بل ينبّه عليه) من التنبيه من باب التفعيل بصيغة المجهول وكذا قوله (ويذكّر به) أي بما وقع له لينتهي عنه (للحين) أي في وقته (عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي حُكْمِ مَا يَجُوزُ عليه من السّهو وما لا يجوز) أي عليه من السهو (وَمِمَّا يَظْهَرُ فِي تَأْوِيلِهِ أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدًا روى هذه القصّة والغرانقة العلى) بضم المهملة (فإن سلّمنا القصّة) أي صحتها (قلنا لا يبعد أنّ هذا) أي ما وقع فيها (كان قرآنا) أي ثم نسخ تلاوته (وَالْمُرَادُ بِالْغَرَانِقَةِ الْعُلَى وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى الْمَلَائِكَةُ على هذه الرّواية) أي رواية مجاهد الغرانقة العلى ولا يظهر وجه تخصيص هذا التأويل بهذه الرواية إذ يصح على ما تقدم من الروايات أيضا كما لا يخفى على أرباب الدراية (وبهذا فسّر الكلبيّ الغرانقة العلى) أي في روايته ولا يلزم منه أنه لا يجوز هذا التفسير لرواية غيره (أنّها الملائكة وذلك) أي الباعث له على تفسيرها بها هنالك (أنّ الكفار) أي من قريش وغيرهم (كانوا يعتقدون الأوثان) وفي نسخة أن الْأَوْثَانَ (وَالْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ كَمَا حَكَى اللَّهُ تعالى عنهم) أي بقوله تعالى وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً الآية وذمهم بقوله أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وبقوله وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً وبقوله أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (وردّ عليهم في هذه السّورة) وهي النجم (بقوله أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى فأنكر الله كل هذا) أي الذي ذكره (مِنْ قَوْلِهِمْ وَرَجَاءُ الشَّفَاعَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ صَحِيحٌ) وهذا التأويل وأمثاله يتعين لئلا يلزم كفر صريح وبه يندفع قول الدلجي وهذا التأويل وإن كان صحيحا في نفسه فمباين للمقام يأبى عن سياق الكلام قلت ويمكن تأويل سائر الروايات على وجه يحصل به الالتئام على أن التأويل من شأنه أن يكون

стр. 1000

خلاف ظاهر المرام وإنما يحتاج إليه للتخلص عما يرد في الكلام من الملام (فلمّا تأوّله المشركون على) حسب غرضهم من فساد عقيدتهم (أنّ المراد بهذا) وفي نسخة بذلك (الذّكر آلهتهم) أي مدح آلهتهم ورجاء شفاعتهم (ولبّس) من التلبيس (عليهم الشّيطان) أي إبليس (ذلك) أي ما توهموه (وزيّنه في قلوبهم وألقاه إليهم) أي المراد به ما فهموه مما سمعوه (نسخ الله ما ألقى) ويروى ما يلقى (الشّيطان) أي أزال ما كان موجبا لإلقائه وباعثا لإغوائه (وأحكم آياته) أي أثبت بقية آياته (ورفع تلاوة تلك اللّفظتين) أي إحديهما وفي نسخة صحيحة تينك اللفظتين (اللّتين وجد الشّيطان بهما) أي بسبب ما يتوهم من ظاهرهما (سبيلا) ويروى سببا (للتلبيس) وفي نسخة للإلباس أي للشبهة المفتنة للناس والاشتباه والالتباس (كما نسخ كثير من القرآن) أي دراسته (ورفعت تلاوته) أي مع حكمه أو بدونه منها آية الرجم ومنها على ما ورد لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب (وَكَانَ فِي إِنْزَالِ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ حِكْمَةٌ) وفي نسخة حكم أي له أيضا (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) كما قال الله تعالى يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً (وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) أي الخارجين عن طريق وفاقه الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ (ولِيَجْعَلَ) أي ليصير الله تعالى (ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أي مما يلبس به (فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي داء شك من المنافقين (وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) من المشركين المعاندين (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) من الجنسين (لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) خلاف بعيد عن طريق سديد وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أي من المؤمنين (أَنَّهُ) أي ما نزله ثم نسخه (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي زيادة على إيمانهم (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج: ٥٣- ٥٤] ) أي تطمئن زيادة على إيقانهم (الآية) أي وأن الله لهادي الذين آمنوا بالدين القويم إلى صراط مستقيم (وقيل إنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم لمّا قرأ هذه السّورة) أي النجم (وبلغ ذكر اللات) بالنصب على الحكاية وبالجر على الإعراب (وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى خَافَ الْكُفَّارُ أَنْ يأتي) أي النبي ﵊ (بشيء من ذمّها) أي زيادة على عيبها (فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين) وفيه ما سبق أن الصواب كما في نسخة بتينك الكلمتين (ليخلّطوا) أي ليرموا (به) بالتخليط (في تلاوة النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ويشغبوا) بتشديد الغين المعجمة أي يثيروا الشر ويهيجوا الفتنة وفي نسخة يشنعوا من التشنيع أي ليعيبوا ويعيروا (عليه على عادتهم وقولهم) أي وعلى منهج مقالتهم (لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ) أي مهما قدرتم (وَالْغَوْا فِيهِ) أي تشاغلوا عند قراءته برفع أصواتكم إذا عجزتم (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] ) عليه في قراءته (ونسب هذا الفعل) يعني الالقاء (إلى الشّيطان) مع أنه فعلهم (لحمله لهم عليه) لأنه السبب الداعي إليه (وأشاعوا ذلك) أي ما سبقوا به إلى مدحها افتراء منهم (وأذاعوه) أي أفشوه فيما بينهم (وأنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله) أي هو الذي قاله افتراء منهم في نسبته إليه

стр. 1001

(فَحَزِنَ لِذَلِكَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ فَسَلَّاهُ الله تعالى) عن حزنه (بِقَوْلِهِ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ [الْحَجِّ: ٥٢] الْآيَةَ) إيماء إلى أن هذا من سنة الله التي قد خلت في عباده وإشعارا بأن الكفرة من شياطين الإنس وأنهم من اتباع شياطين الجن، (وبيّن) أي ميز الله تعالى (للنّاس الحقّ) المنزل (من ذلك) أي مما ذكره (من الباطل) الملقى (وحفظ القرآن) أي جميع كلماته (وأحكم آياته ودفع ما لبّس) بتشديد الموحدة (به العدوّ) من الإباطيل (كما ضمنه الله تعالى) أي تكلفه وتضمن حفظه المفهوم (من قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] ) أي من زيادة ونقص وتحريف وتبديل ولم يكل حفظه إلى غيره بل تولاه بنفسه بخلاف الكتب الإلهية المنزلة قبله فإنه لم يتول حفظها بل استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيها وحرفوها وبدلوها وهذا لا ينافي أن حفظ القرآن بحسب مبناه ومعناه فرض كفاية لأن المعنى أنه تعالى تكفل حفظ القرآن بهم وأنه لم يكلهم في مراعاته إلى أنفسهم بل يكون دائما في عون حماتهم (ومن ذلك) أي من سؤالات بعض الطاعنين في مراتب النبيين (ما روي من قصّة يونس) وفي نسخة في قصة يونس ﵇ أنه وعد قومه العذاب عن ربّه) أي وخرج من عند قومه (فلمّا تابوا) أي بعد خروجه وظهور مقدمة وعيده (كشف عنهم العذاب) قيل يوم جمعة في عاشوراء (فقال لا أرجع إليهم كذّابا أبدا) أي ولو بحسب الصورة استحياء من قومه (فذهب مغاضبا) أي على هيئة الغضبان على قومه. أو على قوله وكان عليه أولا أي يصابرهم منتظرا من ربه الإذن له في خروجه وثانيا أن يرجع إليهم حيث تاب الله عليهم (فاعلم أكرمك الله تعالى) بالعقيدة الثابتة (أنه) أي الشأن وفي نسخة أَنْ (لَيْسَ فِي خَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ في هذا الباب) لا في السنة ولا في الكتاب (أن يونس ﵇ قال لهم إنّه) أي الله (مهلكهم) وفي نسخة يهلكهم وفي أخرى مهلككم وعلى التسليم فيكون مقيدا بما أن ثبتوا على كفرهم فلا يستقيم أن يقول لا أرجع إليهم كذابا أبدا إلا بظاهره (وإنّما فيه) أي وإنما الوارد في حقه من الأخبار (أنّه دعا عليهم بالهلاك) أي إن أصروا على الإشراك، (والدّعاء) إنما هو إنشاء بطلب (لَيْسَ بِخَبَرٍ يُطْلَبُ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ، لَكِنَّهُ) أي يونس (قَالَ لَهُمْ إِنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُكُمْ وَقْتَ كَذَا وكذا) فيه أن هذا اخبار لا انشاء (فكان ذلك) أي مجيئه لهم فيما هنالك وفي نسخة كذلك أي كما قال فلا يكون كذابا أبدا غايته أنه لما أغامت السماء غيما شديدا اسود بدخان سود سطوح بيوتهم لبسوا المسوح وعجوا في السوح مظهرين الإيمان والتوبة النصوح (ثمّ رفع الله عنهم العذاب وتداركهم) برحمته المخصوصة بهم في هذا الباب؛ (قال الله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) استثناء منقطع من القرى إذ المراد أهلها أي لكن قومه أو متصل من ضمير آمنت والجملة في معنى النفي أي ما آمنت قرية من القرى المحكوم على أهلها بالهلاك إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ (لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ [يونس: ٩٨] الآية) أي في الحياة الدنيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (وروي في الأخبار) أي في بعض الآثار (أنهم رأوا دلائل

стр. 1002

العذاب ومخايله) أي مظانه جمع مخيلة أي مظنة أو سحابة فيها عقوبة وفي الحديث أنه ﵊ إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر وفي رواية إذا رأى في السماء اختيالا تغير لونه خشية أن يكون عذابا أرسل كما وقع لقوم هود فإذا أمطرت سرى عنه، (قاله ابن مسعود) كما رواه ابن مردويه عنه مرفوعا وابن أبو حاتم موقوفا، (وقال سعيد بن جبير غشّاهم) أي غطاهم الله تعالى (العذاب كما يغشّي الثّوب القمر) وفي نسخة كما يغشي السحاب القمر. (فإن قلت فما معنى ما روي) عن ابن جرير عن عكرمة مولى ابن عباس مِنْ (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَرْحٍ) بفتح السين المهملة وسكون الراء وفي آخره مهملة اسلم قبل الفتح وهاجر وكتب الوحي ثم ارتد ثم اسلم ومات ساجدا لله (كان يكتب لرسول الله ﵌ ثمّ ارتدّ مشركا) ويروى ارتد كافرا (وسار) وفي نسخة وصار أي رجع (إلى قريش) أي بمكة (فقال لهم إني كنت أصرف محمدا) أي أغيره (حيث أريد) أي من تغيير كلامه وتعبير مرامه (كان يملي عليّ عزيز حكيم فأقول) أي استفهاما (أعلي حكيم) وفي نسخة فَأَقُولُ أَوْ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (فَيَقُولُ نَعَمْ كُلٌّ صواب) أي في نفس الأمر إذ نزل عليه بهذا كتاب فيكون من السبعة الأحرف التي نسخ من كل باب؛ (وفي حديث آخر) كما رواه ابن جرير عن السدي (فيقول له النّبي صلى الله تعالى عليه وسلم اكتب كذا) كناية عما كان يأمره بكتابته في املاء نظرته (فيقول) أي ابن أبي سرح (أكتب كذا) بألف استفهام ملفوظة أو محذوفة وأغرب الدلجي في تقدير إنما أكتب كذا (فيقول) أي النبي ﵊ كما في نسخة (اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ وَيَقُولُ اكْتُبْ عَلِيمًا حَكِيمًا فَيَقُولُ أَكْتُبُ سَمِيعًا بَصِيرًا؟ فَيَقُولُ لَهُ اكْتُبْ كيف شئت) وهذا على اطلاقه غير صحيح فقد روي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم بدل عزيز حكيم ولم يكن قارئا فأنكره وقال إن كان هذا كلام الله فلا يذكر الغفران عند الزلل لأنه اغراء عليه بالعمل؛ (وفي الصّحيح) أي في البخاري من طريق عبد العزيز وفي مسلم من طريق ثابت كلاهما (عن أنس رضي الله تعالى عَنْهُ أَنَّ نَصْرَانِيًّا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي ما أوحي إليه (بعدما أسلم) وقرأ البقرة وآل عمران (ثمّ ارتدّ) كافرا فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب فاعجبوا به فما لبث أن قسم الله عنقه فيهم الحديث (وكان يقول ما يدري محمّد ما كتبت) أي له كما في نسخة والمعنى ما يشعر بكتابتي فيما غيرت سهوا أو قصدا وفي نسخة مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ (فاعلم ثبّتنا الله وإيّاك على الحقّ) أي البين دليلا (ولا جعل للشّيطان وتلبيسه الحقّ) أي تخليطه (بِالْبَاطِلِ إِلَيْنَا سَبِيلًا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ) ولو على طريق الرواية (أَوَّلًا لَا تُوقِعُ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ رَيْبًا) أي شكا وشبهة (إِذْ هِيَ حِكَايَةٌ عَمَّنِ ارْتَدَّ وَكَفَرَ بِاللَّهِ) وفي حال كفره رواه (ونحن) أي معاشر المحدثين من علماء المسلمين (لا نقبل خبر المسلم المتّهم) أي في عدالته بالكذب والمعصية (فكيف بكافر) أي مستحق العقوبة (افترى هو ومثله) من الكفرة والفجرة (على الله ورسوله ما هو أعظم من هذا) الافتراء المروي عنهما فلا عبرة بهما

стр. 1003

(والعجب لسليم العقل) وفي نسخة لسليم القلب (يشغل بمثل هذه الحكاية سرّه) أي إلا بإرادة أنه يدفع شره (وَقَدْ صَدَرَتْ مِنْ عَدُوٍّ كَافِرٍ مُبْغِضٍ لِلدِّينِ) اسم فاعل من أبغض ضد أحب وروي منغص من التنغيص وهو التكدير وروي بالقاف من النقض (مفتر على الله ورسوله ولم يرد) أي هذه الحكاية (عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا ذَكَرَ أَحَدٌ من الصّحابة أنّه شاهد) لا برؤية ولا بسماع قضية (ما قاله وافتراه على نبيّ الله وإنّما) كان حقه أن يقول وقد قال تعالى إِنَّما (يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) فيه اقتباس من القرآن الكريم اشعارا بأنه نزل ردا لقولهم إنما يعلمه بشر وإنه على الله مفتر، (وَمَا وَقَعَ مِنْ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ) ولو في الصحيح (وظاهر حكايتها) ولو بالتصريح (فليس فيه ما يدلّ على أنّه) أي إنسا (شاهده) أي الحاكي حال إسلامه وفي نسخة شاهدها أي الحكاية القضية (ولعلّه حكى ما سمع) أي من غيره وهكذا بغير انتهاء أمره إلى تحقيق سنده (وقد علّل البزّار حديثه ذلك) أي لذلك أو لعلة خفية فادحة في إسناد ذكر هنالك (وقال) أي البزار (رواه ثابت) وفي نسخة عنه أي عن أنس (عنه ولم يتابع عليه) بصيغة المجهول، (ورواه حميد) أي الطويل لطول كان في يده مات وهو قائم يصلي وثقوه على أنه كان يدلس (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال) أي البزار (وأظنّ حميدا إنّما سمعه من ثابت) أي فدلس وروي عن أنس؛ (قال القاضي الإمام) الظاهر أنه المصنف ويؤيده أنه في نسخة قال القاضي أبو الفضل ﵀ (وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يُخَرِّجْ أَهْلُ الصّحيح) وفي نسخة أهل الصحة (حديث ثابت ولا حميد) فيه بحث إذ سبق أن حديثهما في الصحيحين وكأنه أراد غير هذا الحديث المتنازع فيه (والصّحيح حديث عبد الله بن عزيز بن رفيع) وهو تابعي جليل ثقة روى عن ابن عباس وابن عمر وعنه شعبة وأبو بكر بن عياش توفي سنة ثلاث ومائة وأخرج له الأئمة الستة (عَنْ أَنَسٍ ﵁ الَّذِي خَرَّجَهُ أهل الصّحّة) أي كلهم (وذكرناه) أي سابقا (وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ قَوْلُ شَيْءٍ مِنْ ذلك) أي مما حكى (مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ إِلَّا مِنْ حِكَايَتِهِ عَنِ المرتدّ النّصرانيّ) على ما تقدم والله تعالى أعلم (ولو) وفي نسخة فلو (كانت) أي تلك الرواية أو الحكاية (صحيحة) أي فرضا وتقديرا (لما كان فيها) أي في مضمونها (قدح) أي طعن له (ولا توهيم) أي نسبة إلى وهم وفي نسخة ولا توهين أي نسبة إلى وهن وضعف في ضبط (للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما أوحي إليه) أي من عند ربه (ولا جواز للنّسيان والغلط عليه والتّحريف) أي الزيغ والميل (فيما بلّغه) أو أوصله من الحق إلى الخلق (ولا طعن في نظم القرآن) أي لا من جهة مبانيه ولا من طريق معانيه (وأنّه من عند الله تعالى) أي العزيز الحميد (إذ ليس فيه) أي فيما قاله الكاتب (لو صحّ) أي قوله (أكثر من أنّ الكاتب قال له) أي للنبي ﵊ (عليم حكيم أو كتبه) أي قبل أن يتم النبي ﵊ كلامه وفي نسخة إذا كتبه (فقال له النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كذلك هو) أي مثل ما قلته أو كتبته (فسبقه لسانه أو قلبه لِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ مِمَّا

стр. 1004

نَزَلَ عَلَى الرَّسُولِ قَبْلَ إِظْهَارِ الرَّسُولِ لَهَا) أي لتلك الكلمة (إِذْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا أَمْلَاهُ الرَّسُولُ يدلّ عليها) أو يشير إليها (ويقتضي وقوعها) أي في محلها اللائق بها (بقوّة قدرة الكاتب على الكلام) حيث كان من فصحاء الأنام (ومعرفته به) أي بالكلام نظما ونثرا في ترتيب المرام (وجودة حسّه) أي إدراكه ودرايته (وفطنته) أي سرعة فهمه عند سماع روايته ونظير ذلك ما وقع لعمر رضي الله تعالى عنه في موافقته حيث روي أنه لما نزل قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ الآية فلما بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ قال عمر رضي الله تعالى عنه فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقال له النبي ﵊ كذلك أنزلت (كما يتّفق ذلك للعارف) بأساليب الكلام (إذا سمع البيت) من الشعر (أن يسبق) فهمه لقوته (إلى قافيته) قبل التمام (أو مبتدأ الكلام) أي أو إذا سمع ابتداء الكلام (الحسن) في النثر فإنه يسبق طبعه (إلى ما يتمّ به) أي قبل تمام المرام كما في وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وفي إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها (ولا يتّفق ذلك) التوافق (في جملة الكلام) أي مما لا تدل فاتحته عل خاتمته (كما لا يتّفق ذلك في آية) أي كاملة (ولا سورة) أي شاملة؛ (وكذلك) أي يأول (قوله ﵊ لعبد الله بن أبي سرح (كلّ صواب) أي كل ما قلته أو كتبته (إن صح) سنده ويروى إن صحت أي أسانيده (فَقَدْ يَكُونُ هَذَا فِيمَا) كَانَ (فِيهِ مِنْ مقاطع الآي) أي رؤوسها وموافقتها ويروى الآيات (وجهان) أي جائزان في صدر الإسلام (وقراءاتان) أي متواتران (أنزلتا جميعا على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) إلا أن إحديهما صارت شاذة (فأملى إحداهما وتوصّل الكاتب بفطنته) ببركة صحبته وانعكاس مرآته (ومعرفته بمقتضى الكلام) وما يتعلق بفصاحته وبلاغته (إلى الأخرى) أي قبل ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لها كما في نسخة (فذكرها) أي الكاتب (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قبل ذكره لها) كما قدمناه على ما يشير إليه قَوْلِهِ تَعَالَى يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ عند ظهور الإيمان يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ كعمر يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ كابن أبي سرح وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ بل له نار في غاية من ظهور والأمور مخبوءة تحت حجب ظلال وستور (فصوّبها) أي القراءة الأخرى (له النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بحسب الموافقة (ثمّ أحكم الله من ذلك) أي مما ذكر من عليم حكيم بدل غفور رحيم ونحوه مما تقدم هنالك (ما أحكم) أي أثبته (ونسخ ما نسخ) أي أزاله لحكمه اقتضت هنالك كقوله تعالى (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) وقوله وبلغوا عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا نزل فيمن قتل ببئر معونة من القرآن ثم نسخ (كما قد وجد ذلك) الاختلاف الآن أيضا (في بعض مقاطيع الْآيِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) أي القوي القادر على ثوابهم وعقابهم (الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] ) في إرادته من تعذيبه وإثابته

стр. 1005

(وهذه قراءة الجمهور) وهم السبعة أو العشرة (وقد قرأ جماعة) أي بطرق شاذة (فإنّك أنت الغفور الرّحيم وليست) أي هذه الجملة (في المصحف) وفي نسخة من المصحف أي فهي متلوة لا مكتوبة ولذا صارت شاذة (وَكَذَلِكَ كَلِمَاتٌ جَاءَتْ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي غَيْرِ المقاطع) بل في أثناء الآي من المواضع (قرأ بهما معا) أي كليهما (الجمهور وثبتتا في المصحف) أي في مصحف الإمام أو جنس المصاحف العثمانية (مثل وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ) أي عظام الحمار (كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩] ) بالراء وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو أي نحييها (وننشزها) بالزاء في قراءة الباقين أي نحركها ونرفع بعضها إلى بعض في تركيبها (ويقضي الحقّ) بضاد معجمة مكسورة في قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحذف ياؤه في الرسم على خلاف القياس تنزيلا للوقف منزلة الوصل أي يقضي القضاء الحق؛ (ويقصّ الحقّ) بضم صاد مهملة مشددة أي يتبعه ويحكيه ويأمر به (وكلّ هذا) أي ما ذكر من الخلاف في القراءة أو الرواية (لا يوجب ريبا) يورث شبهة (ولا يسبّب) بتشديد الباء الأولى مكسورة أي لا يصير سببا وفي نسخة صحيحة لا ينسب (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم غلطا) أي سهوا (ولا وهما) بفتح الهاء وسكونها أي توهما (وقد قيل إنّ هذا) أي قول ابن أبي سرح لقريش بعد ردته كنت أصرف محمدا كيف أريد (يحتمل أن يكون فيما يكتبه) أي فيما كان يكتبه مكاتيب (عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على لسانه (إلى النّاس) أي من الملوك وغيرهم (غير القرآن فيصف) أي ابن أبي سرح (الله) بصفات تليق به من سمع بصير وعليم خبير وعليم حكيم وغفور رحيم حسب ما يوافق سجع الكلام ووفق المرام (ويسمّيه في ذلك الكتاب) أي المكتوب (كيف شاء) على نهج المطلوب ويروى بما شاء وكثيرا ما يقع ذلك الاختلاف بين المملي والمملى عليه ثم يحصل الائتلاف. فصل [فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ] (هذا القول) أي الذي تقدم (فيما طريقه البلاغ) أي التبليغ في باب الرسالة (وأمّا ما ليس سبيله البلاغ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا مُسْتَنَدَ لَهَا إِلَى الأحكام) المتعلقة بالأمور الدنيوية في حسن المعاش وتحسين الزاد (ولا أخبار المعاد) بفتح الميم أي أحاديث الأحوال الأخروية في أبد الآباد (ولا تضاف إلى وحي) أي الهي جلي أو خفي (بل في أمور الدّنيا) أي ليس لها تعلق بالأخرى (وأحوال نفسه) أي من حكاية غده وأمسه (فالّذي يجب) أي اعتقاده كما في نسخة (تنزيه النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي تبرئته (عن أن يقع خبره) أي حديثه (في شيء من ذلك) أي مما قدمناه هنالك (بخلاف مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة أي بضد ما أخبر به (لا عمدا ولا سهوا) أي نسيانا (ولا غلطا) أي خطأ (وأنّه معصوم من ذلك) أي من جميع ما ذكر (في حال رضاه وفي حال سخطه) بفتحتين وضم فسكون أي كراهته وغضبه (وجدّه) بكسر الجيم وهو ضد الهزل (ومزحه) فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا ومنه قوله

стр. 1006

لامرأة لا تدخل الجنة عجوز (وصحّته ومرضه) أي لسلامة قلبه وصحة لسانه (ودليل ذلك) أي ما ذكر (اتّفاق السّلف) أي من الصحابة والتابعين (وإجماعهم عليه) أي على أنه لا يصدر شيء منه بخلاف إخباره عنه (وذلك) أي بيانه (أنّا نعلم من دين الصّحابة) أي ديدنهم (وعادتهم مبادرتهم) أي مسارعتهم (إلى تصديق جميع أحواله) أي أفعاله وأقواله (والثّقة) أي الاعتماد (بجميع أخباره) أي أحاديثه وآثاره (في أيّ باب كانت) من أطواره (وعن أيّ شيء) وفي نسخة وفي أي شيء (وقعت) أي أخباره (وأنّه) أي الشأن وفي نسخة صحيحة وأنهم (لم يكن لهم توقّف) أي تلبث وتمكن (ولا تردّد في شيء منها) أي من صحة أقواله وأفعاله وثبوت أحواله (ولا استثبات) أي ولا طلب ثبات نشأ عن تردد بعد نقل ثقات (عَنْ حَالِهِ عِنْدَ ذَلِكَ هَلْ وَقَعَ فِيهَا سهو أم لا) لكمال متابعتهم في أقواله وموافقتهم لأفعاله حتى ورد أنه ﵊ لما خلع نعله في الصلاة ورمى بها خلعوا نعالهم ورموا بها وكذلك في طرح الخاتم تبعا له صلى الله تعالى عليه وسلم، (ولمّا احتجّ ابن أبي الحقيق) بضم المهملة وفتح القاف الأولى وسكون التحتية (اليهوديّ) من يهود خيبر (على عمر) فيما رواه البخاري في حديث إجلاء يهود خيبر (حين أجلاهم) أي أخرجهم عمر (من خيبر) وهو وطنهم ويروى عن خيبر (بإقرار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) متعلق باحتج أي استدل اليهودي بتقريره ﵊ (لهم) في ابقائهم فيها (وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ بِقَوْلِهِ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لابن أبي الحقيق (كيف بك إذا أخرجت من خيبر) بصيغة المجهول المخاطب (فقال اليهوديّ كانت) أي مقالته ﵊ (هزيلة) تصغير هزلة وهي المرة من الهزل (من أبي القاسم) كنيته ﵊ بابنه القاسم (قال له عمر كذبت يا عدوّ الله) وإنما كذبه لنسبته له ﵊ لما لا يليق به من الهزل وللإشارة إلى أن كلامه كله قول فصل وما هو بالهزل فإنه كان إخبارا عما سيقع من عزة الإسلام وقوة الاحكام فيكون معجزة جزيلة لا هزيلة رذيلة (وأيضا فإنّ أخباره وآثاره) أي من أقواله وأفعاله (وسيره) أي سائر أحواله (وشمائله) جمع شمال بالكسر وهو الخلق أي الجبلة من صفات كماله ونعوت جماله (معتنّى) أي مهتم (بها) وهو بصيغة المجهول وكذا (مستقصى) أي مستوفي (تفاصيلها ولم يرد) أي وما ورد (في شيء منها) أي من أقواله وشمائل أحواله (استدراكه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَلَطٍ فِي قَوْلٍ قَالَهُ أَوِ اعترافه بوهم) أي بوقوع سهو (فِي شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ) أي ما ذكر من الغلط والوهم واقعا (لنقل) أي إلينا (كما نقل) على ما رواه مسلم عن طلحة وأنس ورافع بن خديج (من قصّته رجوعه ﵊ وفي نسخة في قصته ﵊ ورجوعه (عَمَّا أَشَارَ بِهِ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي تَلْقِيحِ النّخل) أي تأبيرها وهو جعل شيء من النخل الذكر في الأنثى وذلك أنه مر بهم وهو يلقحونها فسألهم عن ذلك فأخبروه فقال لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرا فتركوا فلم تثمر على العادة فقال لهم أنتم أعلم بدنياكم وقال إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دينكم

стр. 1007

فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فإنما أنا بشر (وكان ذلك) أي قوله ﵊ للأنصار (رأيا) أي من نفسه (لا خبرا) عن وحي من ربه ومن ثمة قال أنتم أعلم بدنياكم وفيه تنبيه نبيه على أنه لا يشترط في حق أرباب النبوة العصمة على الخطأ في الأمور الدنيوية التي لا تعلق لها بالأحكام الدينية والأحوال الأخروية لتعلق هممهم العليا بعلوم العقبى وغيرهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا (وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ هذا الباب) أي باب تنزيهه ﵊ عن أن يقع خبره خلاف مخبره في فصل الخطاب (كقوله) فيما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اسأله الحملان إلى غزوة تبوك فقال والله وفي نسخة زيادة أني لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ثم أتى صلى الله تعالى عليه وسلم بذود غر الذري فأعطاه إياها فقال تغفلنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يمينه فرجع إليه فأخبره فقال ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم (والله لا أحلف على يمين) أي على عقد وعزم ونية قال الأنطاكي أي على شيء مما يحلف عليه وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين (فأرى غيرها) أي فعل غير المحلوف عليه يعني فاعلم أن تركها (خيرا منها) أي من بقائها (إلّا فعلت الّذي حلفت عليه) كترك حملانهم (وكفّرت عن يميني؛ وقوله) فيما رواه الشيخان عن أم سلمة (إنّكم تختصمون إليّ الحديث) تمامه ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئا فكأنما اقتطع له قطعة من النار (وقوله ﵊ فيما رواه الأئمة الستة عن الزبير من أمره ﵊ للزبير بن العوام أن يسقى نخله ولا يستوعب ثم يرسل الماء إلى جاره من الأنصار فقال الأنصاري إن كان ابن عمتك فقال صلى الله تعالى عليه وسلم (اسق) بفتح الهمزة (يا زبير) أي نخلتك أو حديقتك (حتّى يبلغ الماء الجدر) بفتح الجيم وكسرها وسكون الدال المهملة وبالراء لغة في الجدار والمراد ههنا أصل الحائط كما ذكر النووي وقيل أصول الشجر وقيل جدر المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول الشجرة وفي نسخة الجدر بضمتين وهو جمع الجدار فاستوعب له ﵊ بعد أن أمره أن يسقي بدون استيعاب رعاية لجاره (كما سنبيّن كلّ ما في هذا) أي الذي ذكرناه (مِنْ مُشْكِلِ مَا فِي هَذَا الْبَابِ وَالَّذِي بعده إن شاء الله مع أشباهها) أي نظائرها مما وقع في هذا الكتاب ويروى مَعَ أَشْبَاهِهِمَا (وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَذِبَ مَتَى عُرِفَ) أي صدوره (من أحد في شيء من الأخبار) ولو جزئيا وهو بفتح الهمزة ويروى في شيء والإخبار فهو بكسر الهمزة (بخلاف ما هو) متعلق بعرف حال من ضميره (على أيّ وجه كان) من المزاح ونحوه (استريب بخبره) بصيغة المجهول وكذا قوله (واتّهم في حديثه) وهو تفسير لما قبله قال أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما عليك بالرائب من الأمور وإياك والرائب منها أي الزم الصافي الخالص منها واترك المشتبه منها فالأول من راب اللبن يروب والثاني من رابه يريبه أي أوقعه في الشك ومنه قوله ﵊ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك بضم الياء وفتحها (ولم يقع قوله

стр. 1008

في النّفوس موقعا) أي لم يؤثر فيها تأثيرا تقبله وتطمئن به (ولهذا) أي ولكون الكذب يورث الريبة في الخبر والتهمة في الأثر (ترك المحدّثون) وفي نسخة ما ترك المحدثون على أن ما موصولة وقال الدلجي ما مزيدة لتأكيد معنى الترك وهو غريب (والعلماء) أي المجتهدون فهو أعم مما قبله (الحديث) أي نقله (عمّن عرف) أي شهر (بالوهم) بفتح الحاء أي الغلط وبسكونها أي السهو (والغفلة) أي الذهول وعدم اليقظة (وسوء الحفظ) بقلة الضبط (وكثرة الغلط) في المتن والسند (مع ثقته) أي اعتماده في ديانته وأمانته في روايته وقد حكي أن البخاري امتنع عن الرواية ممن أخذ بذيله تحديبا لدابته أن في حجره شعيرا ونحوه (وَأَيْضًا فَإِنَّ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا معصية) ويروى منقصة أي خصلة تورث المذمة عاجلا والعقوبة آجلا إذ هي الخروج عن الطاعة (والإكثار منه) أي من تعمد الكذب (كبيرة بإجماع) أي من العلماء الأعلام كأبي حنيفة ومالك وغيرهما من غير نزاع (مسقط للمروءة) ومخل بالعدالة (وكلّ هذا) أي ما ذكر (ممّا ينزّه عنه منصب النّبوّة) بفتح الميم وكسر الصاد أي ساحة الرسالة (والمرّة الواحدة) مبتدأ وصفة مؤكدة له (منه) أي من الكذب (فيما) ويروى عما (يستشنع) بصيغة المجهول من مادة الشناعة وهي القباحة وكذا قوله (ويستبشع) من البشاعة وهي الكراهة وفي نسخة ويشاع من الإشاعة وفي أخرى ويشيع بالياء أو النون من التشييع أو التشنيع أي فيما يستقبح ويستكره (ممّا يخلّ بصاحبها) أي المرة (ويزري بقائلها) أي يعيبه وينقصه ويحقره (لاحقة بذلك) خبر المبتدأ أي متصلة بما ينزه عنه منصب النبوة (وأمّا فيما لا يقع هذا الموقع) أي من الأمر المستبشع كالكذبة الواحدة في حقيرة من الدنيا (فإن عددناها) أي هذه المعصية (من الصّغائر فهل تجري على حكمها) أي حكم المرة الواحدة من الكذب (في الخلاف فيها) أي قبل البعثة هل يصدر من الأنبياء صغيرة أو لا (مختلف فيه) وقد سبق بيان الخلاف (والصّواب تنزيه النّبوّة) أي صاحبها أو ذاتها مبالغة (عن قليله) أي الكذب (وكثيره) أي بالأولى (وسهوه وعمده) بخلاف غيرها من الصغائر إذ فيها القولان المشهوران للسلف والخلف (إذ عمدة النّبوّة) أي مدار أمورها المقرونة بالرسالة (البلاغ) أي تبليغ الأحكام (والإعلام) أي بما يتعلق به حق الأنام (والتّبيين) أي تبيين ما أنزل إليهم من الابهام (وتصديق ما جاء به النبي) أي فيما جاء به النبي ﵊ (وتجويز شيء من هذا) أي الذي يخل بمنصب النبوة سواء كان صغيرة أو كبيرة قليلة أو كثيرة (قادح في ذلك) أي في العمدة التي هي إبلاغ النبوة (ومشكّك فيه) أي وموقع في الريبة (مناقض للمعجزة) أي التي هي عبارة عن قول الرب صدق عبدي (فلنقطع عن يقين) أي لا عن ظن وتخمين وفي نسخة على يقين (بأنّه) أي الشأن (لا يجوز على الأنبياء خلف) أي تخلف كما في نسخة أي مخالفة وقوع (في القول) من أقوالهم (في وجه من الوجوه) أي في حال من أحوالهم (لا بقصد ولا بغير قصد ولا نتسامح) أي نحن وفي نسخة وبصيغة المجهول أي ولا ينبغي أن يتسامح ويتساهل وفي أخرى ولا يتسامح بباء الجر والتنوين (مع من تسامح) بصيغة الماضي وفي

стр. 1009

نسخة بصيغة المضارع الغائب كلاهما من باب التفاعل وفي نسخة سامح من باب المفاعلة وفي أخرى ولا يتسامح بتسامح على لفظ المصدر (في تجويز ذلك) أي الخلف في القول (عليهم) ولو كان (حال السّهو مما) وفي نسخة فيما (ليس طريقه البلاغ، نعم) كذا في بعض النسخ المصححة ولم يتعرض له أحد من المحشيين ولم يظهر لنا وجهه المستبين (وبأنّه) أي وكذا نقطع بأنه (لا يجوز عليهم الكذب قبل النّبوّة) أي إظهارها (ولا الاتّسام) بتشديد التاء افتعال من الوسم وهو العلامة أي ولا يجوز الاتصاف (به في أمورهم) المتعلقة بآخرتهم (وأحوال دنياهم لأنّ ذلك) أي الكذب لو صدر عنهم (كان يزري) أي يحقرهم (ويريب بهم) أي يوقع أممهم في التهمة فيما جاؤوا به عن ربهم (وينفر القلوب عن تصديقهم بعد) أي بعد إرسالهم بما أمروا بتبليغ أحوالهم (وانظر أحوال عصر النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ) أي من العرب والعجم (وسؤالهم) بالنصب أو الجر (عن حاله) أي تحول شأنه (في صدق لسانه وما عرفوا به) بتشديد الراء مبنيا للمفعول أو الفاعل مشددا أو مخففا أي والذي عرف قريش (من ذلك) أي صدق لسانه (واعترفوا به) حين سألوا عنه (ممّا عرف) بصيغة المفعول ويروى واعترفوا بما عرف به أي علم من تحقق شأنه (واتّفق النّقل) ويروى واتفق أهل النقل (على عصمة نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم منه) أي من الكذب ونحوه (قبل وبعد) أي قبل البعثة وبعدها (وقد ذكرنا من الآثار فيه) أي فيما يتعلق به (فِي الْبَابِ الثَّانِي أَوَّلَ الْكِتَابِ مَا يُبَيِّنُ لك صحّة ما أشرنا إليه) من تنزيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الكذب ونحوه مما يشين لديه ومن جملته قَوْلُهُ تَعَالَى قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتشديد والتخفيف أي لا ينسبونك إلى الكذب قبل النبوة ولا بعدها. فصل (فإن قلت فما معنى قوله ﵊ في حديث السّهو) أي الحديث الدال على السهو على ما رواه الشيخان (الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بن جعفر حدّثنا القاضي أبو الأصبغ) بفتح الهمزة والموحدة بعدها غين معجمة (ابن سهل) هو القاضي عيسى ابن سهل (قال حدّثنا حاتم بن محمد) تقدم، (حدّثنا أبو عبد الله بن الفخّار) بفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة، (حدّثنا أبو عيسى) أي الترمذي على ما صرح به الدلجي وقال الحلبي تقدم أنه يحيى بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، (حدّثنا عبيد الله) قال الحلبي تقدم مرارا أنه أبو مروان عبد الله بن يحيى بن يحيى الليثي، (حدّثنا يحيى) تقدم أنه يحيى بن يحيى الليثي (عن مالك) أي ابن أنس الإمام، (عن داود بن الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وثقه جماعة توفي سنة خمس وثلاثين ومائة أخرج له الأئمة الستة، (عن أبي سفيان) تابعي ثقة مولى ابن أبي أحمد أخرج له الأئمة الستة (أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا

стр. 1010

هريرة ﵁ قال الحلبي الحديث أخرجه من الموطأ كما ترى وهو في مسلم والنسائي من رواية أبي سفيان عن أبي هريرة وأخرجاه جميعا عن عقبة عن مالك فإن قلت لم لم يخرجه القاضي من مسلم فالجواب أن بينه وبين مالك في الموطأ سبعة أشخاص ولو رواه عن مسلم كان كذلك ولكن الموطأ عندهم مقدم على غيره أيضا الموطأ يقع له من بعض الطرق أعلى مما ذكره بدرجة فيعلو له على مسلم ولكن لو أخرجه من عند النسائي كان يقع له أعلى من الموطأ عن أبي هريرة (يقول صلّى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلاة العصر) وقيل الظهر (فسلّم في ركعتين) أي بعد فراغه منهما ومن تشهدهما (فقام ذو اليدين) وسمي به لأن في يديه أو أحدهما طولا وقيل لأنه كان يعمل بكلتا يديه ووهم هنا الزهري مع سعة علمه فقال ذو الشمالين ولا يصح لأن ذا الشمالين استشهد ببدر وذو اليدين شهد قصة أبي هريرة وإسلام أبي هريرة بعد خيبر تأخر موته حتى روى عنه متأخرو التابعين كمطير وقيل إنهما واحد هذا لا يصح لأن ذا الشمالين خزاعي وذا اليدين سلمي (فقال يا رسول الله أقصرت الصّلاة) على بناء المفعول من القصر ضد الإتمام أو بفتح فضم صاد وتاء تأنيث على صيغة الفاعل بمعنى النقص قاله ابن الأثير وقال النووي كلاهما صحيح والأول أشهر وأصح وقال المزي الصحيح بناء قصرت لما لم يسم فاعله من قبل الرواية ومن قبل الدراية لأن غيرها قصرها ولموافقة لفظ القرآن أن تقصروا من الصلاة انتهى ولا يخفى أن هذا يشير إلى احتمال وجه آخر وهو أن يكون قصرت بفتحتين وتاء الخطاب وحينئذ يطابق قوله (أم نسيت) بفتح فكسر ثم تاء خطاب (فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جوابا له (كلّ ذلك لم يكن) روي بالرفع والنصب فعلى الأول مبتدأ خبره لم يكن وعلى الثاني خبر كان مقدم عليها والمعنى كل ذلك لم يقع من قبلي بل إنما كان من عند ربي ليس الحكم في أمتي من جهتي (وفي الرّواية الأخرى ما قصرت) بصيغة الغائبة للفاعل أي الصلاة كما في نسخة (وما نسيت) بصيغة المتكلم وما يحتمل نافية واستفهامية ويؤيد الأول أنه في رواية أخرى لم أنس ولم تقصر وفي نسخة ولا نسيت (الحديث بقصّته) أي مشهور في روايته (فأخبر بنفي الحالتين) أي معا بناء على ما اختاره المصنف من أن ما ناقيه (وأنّها لم تكن) أي حالة منهما أي مطلقا أو القضية أصلا وفي رواية أنهما لم يكونا أي النقص والنسيان (وقد كان أحد ذلك) أي أحد ما ذكر من الحالتين في الواقع (كما قال له) وفي نسخة كَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ (قَدْ كَانَ بَعْضُ ذلك يا رسول الله) فهذا يرجح كون ما نافية (فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذلك أجوبة بعضها بصدد الإنصاف) أي متمسك بطريق الانصاف في الرجوع إلى الحق (ومنها) أي وبعضها (ما هو بنيّة التّعسّف والاعتساف) التعسف هو الخروج عن الجادة وركوب الأمر بالمشقة وفي معناه الاعتساف وإنما جمع بينهما للمبالغة ورعاية الفاصلة والمراد بالنية القصد والتوجه بالطوية وفي نسخة بتيه بكسر الفوقية فياء ساكنة فهاء وفسره الحلبي بالكبر والأظهر أنه بمعنى التحير في تيه الضلالة وبيداء الجهالة ولذا فسره التلمساني بعدم الاهتداء (وها أنا

стр. 1011

أقول) مبتدأ وخبر قرنا بتنبيه في حق نبي نبيه (أمّا على القول) أي قول بعضهم (بتجويز الوهم) بفتح الهاء وسكونها أي السهو (والغلط ممّا ليس طريقه من القول البلاغ) بالنصب أي الإبلاغ وفي نسخة من البلاغ أي من جهة التبليغ (وهو) أي هذا القول هو (الّذي زيّفناه) أي ضعفناه (من القولين) أعني الجواز وعدمه (فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه) ولا إشكال في تجويز نحوه (وأمّا على مذهب من يمنع السّهو والنّسيان في أفعاله) أي الشاملة لأقواله ﵊ (جملة) أي جميعها مجملة (ويرى أنه) أي ويعتقد أنه ﵊ (في مثل هذا عامد لصورة النّسيان) أي كالعامد في هذه الصورة (ليسنّه فَهُوَ صَادِقٌ فِي خَبَرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَا قَصُرَتْ وَلَكِنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَعَمَّدَ هذا الفعل في هذه الصّورة) ليسنه (لمن اعتراه مثله) أي أصابه نحوه من الأمة فيقتدى به في تدارك الحالة (وهو قول مرغوب عنه) أي مردود لنسبته إلى التعمد في القضية (نذكره) وفي نسخة ونذكره (في موضعه) أي مع بيان ضعفه (وأمّا على إحالة السّهو) أي على كون السهو محالا (عَلَيْهِ فِي الْأَقْوَالِ وَتَجْوِيزِ السَّهْوِ عَلَيْهِ فِيمَا ليس طريقه القول) أي التبليغ (كما سنذكره) أي على القول الأصح (ففيه أجوبة) أي مرضية (منها أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر عن اعتقاده وضميره) أي بحسب ظنه في قوله كل ذلك لم يكن (أَمَّا إِنْكَارُ الْقَصْرِ فَحَقٌّ وَصِدْقٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا) فلا شبهة فيه (وأمّا النّسيان فأخبر صلى الله تعالى عليه وسلم عن اعتقاده) أي وفق اجتهاده (وَأَنَّهُ لَمْ يَنْسَ فِي ظَنِّهِ فَكَأَنَّهُ قَصَدَ الخبر بهذا) أي بعدم نسيانه (عن ظنّه وإن لم ينطق به) أي وإن لم يصرح به وإن لم يقل لم أنس فيما ظن به (وهذا) ويروى وهو (صدق أيضا) لا ريبة فيه ولا شبهة (وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ أَنْسَ رَاجِعٌ) أي مفعوله (إِلَى السَّلَامِ أَيْ إِنِّي سَلَّمْتُ قَصْدًا وَسَهَوْتُ عَنِ الْعَدَدِ أَيْ لَمْ أَسْهُ فِي نَفْسِ السّلام وهذا محتمل) أي من جهة العربية (وفيه بعد) أي عن صحة حمل القضية (ووجه ثالث وهو أبعدها) ويروى أبعدها أي من النقل والعقل في تحقيق المعنى (مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَإِنِ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ) أي المبنى (مِنْ قَوْلِهِ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَيْ لَمْ يَجْتَمِعِ الْقَصْرُ وَالنِّسْيَانُ بَلْ كَانَ أَحَدُهُمَا) وهذا بحسب مفهوم المعنى وهو غير معتبر عند الجمهور (ومفهوم اللّفظ) أي المعتبر (خلافه) أي مخالف له لا سيما (مَعَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ مَا قصرت الصّلاة وما نسيت) وفي نسخة ولا نسيت فإنه دال على نفي وجودهما كليهما سواء تكون نافية أو استفهامية وأيضا لو كان مفهومه ما تقدم لم يقل ذُو الْيَدَيْنِ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رسول الله؛ (هذا) أي الوجه الثالث (ما رأيت فيه لأئمّتنا) أي المالكية أو الأعم فيشير إلى أنه مما ظهر له والله تعالى أعلم (فكلّ من هذه الوجوه) أي الثلاثة (محتمل اللّفظ) وفي نسخة محتمل للفظ أي للمبنى وإن كان الأخيران بعيدين في المعنى (على بعد بعضها) وهو الوجه الثاني (وتعسّف الآخر منها) وهو الوجه الثالث؛ (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) يعني المصنف (والّذي أقول) أي واختاره (وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كلّها أن قوله لَمْ أَنْسَ إِنْكَارٌ لِلَّفْظِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ نفسه) لأن أصل النسيان الترك

стр. 1012

فكره ﵊ أن يقول تركت باختياري (وأنكره على غيره) جملة حالية أي وقد أنكره ﵊ فيما رواه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (بقوله بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وكذا ولكنّه نسّي) بضم النون وتشديد السين المكسورة أي أنساه الله إياها ولأبي عبيد بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت ليس هو نسي ولكنه نسي وهو أبين من الأول لكن فيه أن ظاهر الحديث يخص النسيان بآي القرآن فلا يعم سائر الأقوال والأفعال من الشأن ولعله مقتبس من قوله تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي ما أراد الله تعالى انساءك إياه فينسيكه ربما يعم الحكم كما نبه عليه المصنف وقال (وبقوله في بعض روايات الحديث الأخر) وفي نسخة في بعض رواية الحديث الأخر (لست أنسى) بفتح الهمزة والسين (ولكن) وفي نسخة ولكن (أنسّى) بصيغة المجهول مشددا ويجوز مخففا (فلمّا قال له السّائل) وهو ذو اليدين (أَقْصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ أَنْكَرَ قَصْرَهَا كَمَا كان) أي في نفس الأمر (ونسيانه) أي وأنكر نسيانه هو (هو من قبل نفسه) أي باختياره وتقصير من جانبه (وأنه) أي الشأن (إِنْ كَانَ جَرَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ نسّي) بصيغة المجهول مشددا (حتّى سأل غيره) أي الصحابة كأبي بكر وعمر ﵄ بقوله أحق ما يقول ذو اليدين قالوا نعم (فتحقّق أنّه نسّي) بصيغة المجهول مشددا أي أنساه الله (وأجري عليه ذلك) بالبناء للمفعول وكذا قوله (ليسنّ) أي ليقتدي وفي نسخة بالبناء للفاعل أي ليجعله سنة تقتدي بها الأمة (فَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ) للبناء للفاعل أو المفعول (وكلّ ذلك) أي وقوله كل ذلك وفي نسخة إذ كل ذلك (لم يكن صدق) خبر لقوله فقوله (وحقّ) تأكيد (لم تقصر) أي كما في نفس الأمر (ولم ينس حقيقة) أي من قبل نفسه (ولكنّه نسّي) أي أنساه الله تعالى إياه فكراهته ﵊ نسبة النسيان إلى النفس إنما هي لاستناد الحوادث كلها إلى الله تعالى إذ هو المقدر لها وللإشعار بأنه لم يقصد إلى نسيانه ولم يكن باختياره فلم ينسب إلى تقصيره. (ووجه آخر) يؤذن بالفرق بين السهو والنسيان (استثرته) أي استخرجته من استثار بالمثلثة من باب الافتعال وأصله استثورته ومنه قوله تعالى فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً والمعنى استنبطته (من كلام بعض المشايخ) أي مأخوذ من متفرقات كلامه في تحقيق مرامه (وذلك أنّه) أي بعض المشايخ (قال إنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْهُو وَلَا يَنْسَى وَلِذَلِكَ نفى عن نفسه النّسيان قال) أي بعض المشايخ (لأنّ النّسيان غفلة وآفة) أي بلية ناقصة ولذا قال تعالى فَلا تَنْسى أي باختيارك إلا ما شاء الله بأن ينسيك من غير تقصير منك (والسّهو إنّما هو شغل) بضم وسكون وبضمتين وفي نسخة بالإضافة إلى بال أي اشتغال حال وهو لا ينافي صاحب كمال لأنه يتنبه منه بأدنى تنبيه فيه. (قال) أي ذلك البعض (فكان النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْهُو فِي صِلَاتِهِ وَلَا يَغْفَلُ) بضم الفاء أي ولا يذهل (عنها) بالكلية (وكان يشغله عن حركات الصّلاة) أي وسكناتها من قراءتها وركوعها وسجداتها (ما في الصّلاة شغلا بها) أي بتحصيلها وتكميلها من حضور ومرور وخضوع وخشوع وتدبر قراءة في مبانيها أو

стр. 1013

معانيها (لا غفلة عنها) بصرف الخاطر إلى غيرها من الأمور الدنيوية والأحوال الدنية بل لاستغراق وقع له فيها مما لا ينافيها (فهذا) أي القول بهذا المبنى (إن تحقّق) بصيغة المفعول أو الفاعل أي ثبت (عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ ما قصرت) أي هي (وما نسيت) أي أنا (خلف) بضم أي اخلاف (في قول) لعصمته ﵊ من الخلف في الكلام والله تعالى أعلم بحقيقة المرام (وعندي أنّ قوله صلى الله تعالى عليه وسلم مَا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ بِمَعْنَى التَّرْكِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ وَجْهَيِ النِّسْيَانِ أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُسَلِّمْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ تَارِكًا لِإِكْمَالِ الصَّلَاةِ وَلَكِنِّي نَسِيتُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله تعالى عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأسنّ) وهذا واضح وأثر التكرار عليه لائح. (وأمّا قصّة كلمات إبراهيم المذكورة) أي في الحديث كما في نسخة (أنّها كذباته) جمع كذبة بفتح فكسر في المفرد والجمع خلافا للتلمساني حيث قال بفتح الذال جمع كذبة بسكونها (الثّلاث المنصوصة) أي الصريحة (في القرآن) ففيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات (منها اثنتان قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] ) في الصافات فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ٦٣] ) في سورة الأنبياء قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (وقوله للملك عن زوجته) أي سارة حين أخذها وسأله عنها فقال (إنّها أختي) أي في الإسلام خشية أن يقتلها لو قال إنها زوجتي ولقد نجاها الله منه بما اعتراه من الخوف وأخدمها هاجر أم إسماعيل أبي العرب جد نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أحد الذبيحين على ما ورد قال الحلبي فإن قيل ما الحكمة في عدوله عن قوله هذه زوجتي إلى هذه أختي وظاهر الحال أنه لو قال هذه زوجتي ربما كان الملك لا يتطرق إلى امرأة زوجها معها إن كان يعمل بالشرع ولكنه صار كما وصف في الحديث فما يبالي أكانت زوجة أم أختا بخلاف ما إذا قال هذه اختي ربما كان يقول الملك زوجنيها ويكون عدوله عن امرأتي إلى أختي أدعى لأخذ الملك لها فالجواب ما قاله بعض مشايخي فيما قرأته عليه عن ابن الجوزي أنه وقع له أن القوم كانوا على دين المجوس وفي دينهم أن الأخت إذا كانت مزوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحق بها من غيره وكان إبراهيم ﵇ أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله فإذا الجبار يراعي دينه وقد اعترض على هذا الجواب بأن الذي جاء بمذهب المجوس زرادشت وهو متأخر عن إبراهيم ﵇ وأجيب بأن لمذهبهم أصلا قديما ادعاه زرادشت وزاد عليه خرافات أخر انتهى وقيل كان من عادة ذلك الجبار أن لا يتعرض إلا لذات الأزواج ولذلك قال الخليل لها أن يعلم أنك أمرأتي يغلبني عليك وحكى أن الملك كان بمصر وأراد إبراهيم أن يجتاز منها هو ومن معه من المؤمنين وكانوا ثلاثمائة وعشرين رجلا وجمع بينهما حناطه الذي يبيع طعامه وهو الذي وشى بسارة وحملها إلى الملك فأهوى إليها بيده مرارا فلم يستطع وإبراهيم ينظر

стр. 1014

إليهما من خارج القصر بعد أن أمر الملك بإخراجه ومثل الله تعالى لإبراهيم القصر كالقارورة حتى أنه ينظر من خارجه كل ما كان في داخله (فاعلم أكرمك الله أنّ هذه) أي كلمات إبراهيم ﵊ (كلّها خارجة عن الكذب) بفتح فكسر ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه (لا في القصد ولا في غيره) أي من السهو والخطأ والنسيان (وهي) أي الكلمات الثلاث (دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَةٌ عن الكذب) أي سعة وفسحة عنه ومنه قول أم سلمة لعائشة قد جمع ذيلك فلا تندحيه أي لا توسعيه وتنشريه أرادت قوله تعالى وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وهذا مأخوذ من حديث أبي عبيد وغيره عن عمران بن حصين يرفعه أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وهو جمع معراض من التعريض ضد التصريح من القول فهي في الحقيقة صدق عرض بها ليتوصل إلى غرضه من مكايدة قومه والزامهم الحجة في ذات الله تعالى ومرضاة ربه فمعاريض الكلام أن يتكلم الرجل بكلمة يظهر من نفسه شيئا ومرداه شيء آخر وقد كان السلف يورون عند الحاجة والضرورة فقد روي عن إبراهيم النخعي أنه كان إذا طلبه في الدار من يكرهه قال للجارية قولي له اطلبه في المسجد وكان الشعبي إذا طلبه أحد يكرهه يخط دائرة ويقول للجارية ضعي الأصبع فيها وقولي ليس ههنا (أَمَّا قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ [الصَّافَّاتِ: ٨٩] فَقَالَ الْحَسَنُ) أي البصري (وغيره معناه سأسقم) من باب فرح وكرم والأول أفصح (أي أنّ كلّ مخلوق معرّض لذلك) بتشديد الراء المفتوحة أي معرض للسقم ومقابل له (فاعتذر لقومه من الخروج) أي تفاديا منه (معهم إلى عيدهم) أي محل اجتماعهم (بهذا) التعريض روي أنه أرسل إليه ملكهم أن غدا عيدنا فاخرج معنا وقد أراد التخلف عنهم فنظر إلى نجم فقال إن هذا النجم ما طلع قط إلا اسقم أي مشارف للسقم وهو الطاعون لأنه كان أغلب اسقامهم وكانوا يرهبون العدوى فنفروا عنه وتخلصوا منه (وَقِيلَ بَلْ سَقِيمٌ بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنَ الموت) أي عرض لهم بأن من كان هدفا للمنايا وغرضا للبلايا فهو سقيم بما قدر عليه من الموت كما روي أن رجلا مات فجأة فقيل مات وهو صحيح فقال أعرابي أصحيح وفي عنقه الموت (وقيل سقيم القلب بما أشاهده) ويروى بما شاهدته (من كفركم) بالرب الأحد (وعنادكم) بالميل عن طريق الحق والأدب (وقيل بل) قال سقيم لأنه (كَانَتِ الْحُمَّى تَأْخُذُهُ عِنْدَ طُلُوعِ نَجْمٍ مَعْلُومٍ) له أولهم (فلمّا رآه اعتذر بعادته) التي تعتريه عند طلوعه وتغيره في حالته (وكلّ هذا) أي ما ذكر من الأجوبة (ليس فيه كذب) أي صريح (بل خبر صحيح صدق) أي هو قول حق (وقيل بل عرّض) بتشديد الراء وروي في قوله (بسقم حجّته عليهم) أي بعدم نفع موعظته لديهم (وَضَعْفِ مَا أَرَادَ بَيَانَهُ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ النّجوم التي كانوا يشتغلون بها) أي تعظيما لها إذ عمدة الناظر فيها التخمين وهو لا يجدي نفعا في مقام اليقين قيل كان القوم نجامين أي متعاطين لعلوم النجوم فأوهمهم أنه استدل بإمارة في علم النجوم على أنه سقيم وعرض بسقم حجته وضعف ما أراد من بيان بينته (وأنّه) أي إبراهيم ﵊ كان (أثناء نظره في ذلك) إليهم

стр. 1015

(وَقَبْلَ اسْتِقَامَةِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ سَقَمٍ) بفتحتين وبضم فسكون أي تغير باله (ومرض) حاله لديهم فجعل سقم حجته وضعف موعظته سقما مجازا عن تعب القلب (مع أنّه) أي إبراهيم ﵊ (لم يشكّ هو) بل تيقن إيقانه (ولا ضعف إيمانه) بل قوي كل ساعة برهانه (ولكنّه ضعف) أي بيانه (في استدلاله عليهم وسقم نظره) أي فكره فيما يتوجه إليهم (كما يقال حجّة سقيمة ونظر معلول) اللغة الفصحى معل أو معلل فقد قال ابن الصلاح قول الفقهاء والمحدثين معلول مردود عند أهل العربية وقال النووي إنه لحن وقال صاحب المحكم والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول كثيرا ولست منها على ثقة لأن المعروف إنما هو أعله فهم معل اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه في قولهم مجنون ومسلول من أنهما جاءا على جننته وسللته وإن لم يستعملا في الكلام استغناء عنهما بأفعلت وإذا أرادوا جن وسل فإنما يقولون حصل فيه الجنون والسل (حتّى ألهمه الله باستدلاله) أي الواضح لديهم (وَصِحَّةِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ مَا نصّه الله تعالى) أي ما صرحه وفي نسخة ما قصه أي حكاه حيث ذكر تبيانه (وقدّمنا) وفي نسخة وقد قدمنا (بيانه) أي ما يوضح حجته وبرهانه (وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الْأَنْبِيَاءِ: ٦٣] الآية) أي فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (فإنّه علّق خبره) أي بفعل كبيرهم (بشرط نطقه) مع غيره (كأنّه قال إن كان ينطق) أي كبيرهم (فهو فعله) مع علمه بأنه لا ينطق فهو (على طريق التّبكيت) أي التوبيخ والتقريع (لقومه) في اعتقادهم الفاسد وزعمهم الكاسد في ألوهية كواكب وحجارة لا تضر ولا تنفع وتعظيمهم لها وعبادتهم إياها (وهذا) القول بهذا المعنى (صدق) أي وحق (أيضا ولا خلف فيه) أصلا؛ (وَأَمَّا قَوْلُهُ أُخْتِي فَقَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ) أي الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لم يكذب إبراهيم فذكره (وقال إنّك) وفي نسخة فَإِنَّكِ (أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ صِدْقٌ وَاللَّهُ تعالى يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] ) وقد روي أنها كانت بنت عمه ومثل هذه قد يقال لها الأخت في النسب أيضا (فإن قلت هذا) وفي نسخة فهذا (النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قد سمّاها) أي الكلمات الثلاث (كِذْبَاتٍ وَقَالَ لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ وَقَالَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ وَيَذْكُرُ كِذْبَاتِهِ) على ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (فمعناه) أي معنى وصفها بكونها كذبات (أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلَامٍ صُورَتُهُ صُورَةُ الْكَذِبِ وإن كان حقّا في الباطن) أي في نفس الأمر (إلّا هذه الكلمات) أي الثلاث وهي إني سقيم وفعله كبيرهم وهذه أختي (وَلَمَّا كَانَ مَفْهُومُ ظَاهِرِهَا خِلَافَ بَاطِنِهَا أَشْفَقَ إبراهيم عليه الصلاة السّلام) أي خاف (من مؤاخذته) وفي نسخة بمؤاخذته (بها) لعلو شأن الأنبياء عن الكناية بالحق في باب الانباء فيقع ذلك منهم موقع الكذب من غيرهم فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار (وأمّا الحديث) أي الذي رواه الشيخان عن كعب بن مالك (كان النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أراد غزوة) أي ويريد سترها (ورّى بغيرها) بتشديد الراء من التورية وهي الإخفاء وكأنه جعل

стр. 1016

الشيء وراءه وجعل غيره نصب عينه وقيل روى ستر مقصده وأظهر غيره بأن سئل عن طريق لا يريده فإنه كان ﵊ يسأل عن ناحية وطريقها ويخرج إلى غيرها لئلا يأخذ العدو حذره (فَلَيْسَ فِيهِ خُلْفٌ فِي الْقَوْلِ إِنَّمَا هُوَ ستر لمقصده) وفي نسخة ستر مقصده بالإضافة وفي أخرى ستر بصيغة الماضي ونصب مقصده أي أخفى جهة قصده خوفا من اشتهاره (لئلّا يأخذ عدوّه حذره) بكسر أوله أي احتراسه واحترازه (وكتم وجه ذهابه) بالإضافة وفي نسخة بصيغة الماضي وفي أخرى كتم لوجه ذهابه أي جهة مقصده وطريق مطلبه (بِذِكْرِ السُّؤَالِ عَنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْبَحْثِ عَنْ أخباره) أي أحوال الموضع الآخر (والتّعريض بذكره) أي التلويح به وعدم التصريح بمقصده وقد ورد استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان وفي الصحيح الحرب خدعة (لَا أَنَّهُ يَقُولُ تَجَهَّزُوا إِلَى غَزْوَةِ كَذَا أو وجهتنا) بكسر الواو أي جهة قصدنا (إلى موضع كذا خلاف مقصده) ليكون خلفا (فهذا لم يكن) ولا يتصور أن يكون منه ﵊ (والأوّل) وهو التعريض (ليس فيه خبر يدخله الخلف) بضم الخاء أي الإخلاف فيترتب عليه الكذب في القول. (فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى ﵇، وَقَدْ سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أنا أعلم) بناء على ظنه (فعتب الله عليه ذلك) حيث لم ينتظر الوحي هنالك أو لم يفوض (إذ لم يردّ العلم إليه تعالى) بأن يقول الله تعالى أعلم أو يقول أنا والله اعلم ومن هنا تأدب العلماء في أجوبتهم بقول والله تعالى اعلم (الحديث) رواه الشيخان عن أبي بن كعب مطولا (وفيه قال) أي الله تعالى (بل) وفي رواية بلى (عبد لنا بمجمع البحرين) وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وقال السهيلي هو بحر الأردن وبحر القلزم وقيل غيره (أعلم منك) أي في بعض العلوم لما في الحديث يا موسى إني على علم علمنيه الله تعالى لا تعلمه وأنت على علم علمك الله لا اعلمه وذكر السهيلي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن حكمة لله تعالى في جمع موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام عند مجمع البحرين أنهما بحران أحدهما اعلم بالظاهر أعني علم الشرعيات وما يتعلق بالذات والصفات وهو موسى ﵇ والآخر اعلم بالباطن وأسرار الملكوت من الكائنات وهو الخضر ﵇ فكأن اجتماع البحرين بمجمع البحرين هذا وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن موسى ﵊ ذكر الناس يوما حتى فاضت العيون ورقّت القلوب فأدركه رجل فقال أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال لا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى (وهذا) أي قول موسى أنا أعلم (خبر قد أنبأنا الله تعالى أنّه ليس كذلك فاعلم أنّه) أي الشأن (وقع) وفي نسخة قَدْ وَقَعَ (فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ تَعْلَمُ أحدا) أي من الناس (أعلم منك) ينصب اعلم على أنه مفعول ثان وفي نسخة برفعه فتقديره هو أَعْلَمَ مِنْكَ (فَإِذَا كَانَ جَوَابُهُ عَلَى عِلْمِهِ) أي مبنيا على ما غلب عنده من علمه (فهو) أي قوله أنا اعلم بهذا الوجه (خَبَرُ حَقٍّ وَصِدْقٍ لَا

стр. 1017

خلف فيه ولا شبهة) مؤكدات لكونه خبرا حقا؛ (وعلى الطّريق الآخر) أي المروي عن أبي ابن كعب كما مر (فمحمله على ظنّه) أي الغالب (ومعتقده) أنه اعلم بحسب علمه (كما لو صرّح به) أي بظنه ومعتقده كان يقول أنا اعلم فيما أظن واعتقد وإنما ظن ذلك واعتقد بما ذكر هنالك (لأنّ حاله) أي مرتبته (في النّبوّة) المؤيدة بالرسالة (والاصطفاء يقتضي ذلك) أي كونه اعلم الناس في زمانه (فَيَكُونُ إِخْبَارُهُ بِذَلِكَ أَيْضًا عَنِ اعْتِقَادِهِ وَحُسْبَانِهِ) بكسر أوله لا بضم أوله كما وهم الدلجي أي ظنه (صدقا لا خلف فيه) فلا إشكال فيه أصلا (وقد يريد بقوله أنا أعلم) متعلقا خاصا وهو ما بينه بقوله (بما يقتضيه وظائف النّبوّة من علوم التّوحيد) المتعلقة بالذات والصفات (وأمور الشّريعة) أي وظائف العبادات (وسياسة الأمّة) أي بحدودها الزواجر والمنهيات وهو لا ينافي أن يكون غيره أعلم منه في غيرها كما ورد أنتم اعلم بأمور دنياكم وكما عرف في قضية الهدهد قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وكما وقع لعمر في موافقاته فإنه قد يكون في المفضول ما لا يكون في الفاضل مما لا ينقص في فضله ومن هنا ورد في معرفة الأنساب علم لا ينفع وجهل لا يضر بل وقد يكون بعض العلوم مضرته أكثر من منفعته فلا محذور حينئذ أن يكون بعض أفراد الأمة اعلم بوجه من صاحب النبوة (ويكون الخضر أعلم منه) أي من موسى ولو كان من أمته على القول بولايته أو نبوته (بأمور أخر) اختص بها (مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ تعالى) له إياها (من علوم غيبه) الخاص به وفي نسخة من علوم غيبية (كالقصص المذكورة في خبرهما) من قضية السفينة والغلام والجدار (فكان موسى أعلم) الناس مطلقا (على الجملة) أي عموما (بما تقدّم) من علوم النبوة والرسالة وأمور الشريعة وأحكام السياسية (وهذا) أي الخضر ﵊ (أعلم على الخصوص بما أعلم) بصيغة المجهول أي بما اعلمه (ويدلّ عليه) أي على أن ما اعلمه خاص (قوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا) أي مما يختص علمه بنا (عِلْماً [الكهف: ٦٥] ) بطريق الوحي الجلي والخفي (وعتب الله) بسكون التاء أي ويدل عليه عتابه (ذلك) أي قوله أنا اعلم (عليه فيما قاله العلماء) أي المحدثون (إنكار هذا القول عليه لأنّه) كما في حديثه (لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا أَوْ لأنّه) أي الله (لم يرض قوله) أي لم يستحسن قول موسى ﵊ أنا اعلم (شرعا) أي من جهته رعاية لأمته والمعنى لم يرض أن يكون قوله شرعا يقتدي به (وذلك) أي وسببه (وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ مَنْ لم يبلغ كماله) أي كمال موسى من جهة مرتبته (في تزكية نفسه) أي طهارة حالته (وعلوّ درجته من أمّته) متعلق بيقتدي (فيهلك) بالنصب أي يضيع من يقتدي به من أمته في قوله أنا اعلم من غير تفويض واستثناء (لما تضمّنه) أي قوله أنا اعلم (من مدح الإنسان نفسه) أي عند اطلاقه وقد قال الله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (ويورثه ذلك) القول وهو أنا اعلم (من الكبر والعجب) إلا أن يكون تحدثا بنعمة ربه ظاهرا وباطنا (والتّعاطي)

стр. 1018

الاجتراء على الاعطاء وأخذ الأشياء (والدّعوى) الخارجة عن المعنى (وإن نزّه عن هذه الرّذائل) أي المذكورة (الأنبياء) بشرف مقاماتهم ورفع درجاتهم وإن تفاوتت في الفضائل والفواضل وحسن الشمائل (فغيرهم بمدرجة سبيلها) بفتح الميم والراء أي مسلك طريقها وفي نسخة سيلها أي ممرها (ودرك ليلها) بفتح الراء بأن يدركه ظلامها وفي أصل التلمساني نيلها بالنون أي يدركه فيصيبه ضررها ويحصل له خطرها (إلّا من عصمه الله تعالى) من الاتصاف بها أو التخلص عنها (فالتّحفّظ منها أولى لنفسه) قبل وقوعه فيها (وليقتدى به) بصيغة المجهول أي ليقتدي غيره به، (ولهذا) أي التحفظ أو الاقتداء (قال صلى الله تعالى عليه وسلم تحفّظا من مثل هذا) أي مدح النفس وما يترتب عليه له ولغيره (ممّا قد علم به) بصيغة المجهول وفي نسخة أعلم به (أنا سيّد ولد آدم) أي يوم القيامة على ما رواه مسلم وغيره (ولا فخر) أي لا أقوله افتخارا لنفسي بل تحدثا بنعمة ربي (وهذا الحديث) يعني سئل أي الناس أعلم (إحدى حجج القائلين بنبوّة الخضر لقوله) وفي نسخة بقوله أي الخضر (فيه) أي في حديثه (أنه) وفي نسخة أنا (أعلم من موسى) وهكذا وقع في كثير من الأصول وهو غير الصواب لأن الضمير المضاف إليه القول عائد حينئذ على الخضر والضمير المجرور بفي عائد على الحديث السابق وليس فيه أن الخضر قال أنا اعلم من موسى فالصواب ما في بعض النسخ وهو لقوله فيه أنا اعلم من موسى ويكون الضمير المضاف إليه القول عائدا إلى الله والضمير المنصوب بان عائدا على الخضر وقد سبق أن في الحديث بَلْ عَبْدٌ لَنَا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَعْلَمُ مِنْكَ (ولا يكون الوليّ أعلم من النّبيّ) أي جنس الأنبياء وفي نسخة من نبي وفيه أنه لا يجوز أن يكون الولي اعلم من النبي مطلقا لا كما بينه الخضر مقيدا (وأمّا الأنبياء فيتفاضلون في المعارف) كما قال تَعَالَى وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وكذا في الدرجات كما قال وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (وبقوله وما فعلته عن أمري) أي من رأيي بل فعلته بأمر ربي؛ (فدلّ) (أنه بوحي) إما بواسطة ملك أو بدونها وأيضا ليس لولي يقدم على قتل صبي بمجرد ما ينكشف له بإعلام أو الهام أنه كافر في علم الله ، (وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ يُحْتَمَلُ أن يكون فعله) للأمور الثلاثة أو قتل الصبي فإن غيره لا يحتاج أن يكون (بأمر نبيّ آخر) كان في زمانه، (وهذا) القول (يضعف) أي ضعفا ظاهرا (لِأَنَّهُ مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَى نَبِيٌّ غَيْرُهُ إِلَّا أَخَاهُ هَارُونَ وَمَا نقل أحد من أهل الأخبار) أي الأحاديث (في ذلك) أي في كون نبي غيرهما حينئذ (شيئا يعوّل عليه) أي يعتمد ويستند إليه ويستعان به لديه؛ (وإذا جعلنا) أي قول السائل لموسى هل تعلم أحدا (أعلم منك ليس على العموم) أي على إطلاقه (وإنّما هو) أي قول اعلم محمول (عَلَى الْخُصُوصِ وَفِي قَضَايَا مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَحْتَجْ إلى إثبات نبوّة خضر) وفيه أنه يشكل قتله الصبي على ما قدمنا فلا بد من القول بنبوته أو بوجود نبي غير موسى وهارون في مدته، (وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَانَ مُوسَى أَعْلَمَ مِنَ الْخَضِرِ فِيمَا أَخَذَ عَنِ اللَّهِ وَالْخَضِرُ أعلم) بالرفع أو النصب (فيما

стр. 1019

دفع إليه) بصيغة المجهول (من موسى) متعلق بأعلم وهذا بعينه في نفس الحديث تقدم، (وقال آخر) أي من الشيوخ (إنّما ألجىء) أي اضطر (موسى إلى الخضر للتّأديب) أي التهذيب (لا للتّعليم) ويرده قوله هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً الآيات. فصل (وأمّا ما يتعلّق بالجوارح) أي بالأركان (من الأعمال ولا يخرج) بالواو لا بالفاء كما في نسخة لأن جواب لما سيجيء والجملة فيما بينهما معترضة والتقدير والحال أنه لا يخرج (من جملتها) ويروى عن جملتها أي الأعمال (الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ فِيمَا عَدَا الْخَبَرَ الَّذِي وَقَعَ فيه الكلام) من قسميه الذي سبيله البلاغ والذي ليس سبيله البلاغ من المرام (ولا الاعتقاد) أي ولا يخرج من جملتها أيضا الاعتقاد (بالقلب) لأن محله الجنان ويروى في القلب (فيما عدا التّوحيد) وما يتبعه من الإيمان والإسلام والإحسان ومراتب الإيقان والاتقان ما عقدت عليه قلوب الأنبياء (وما قدّمناه من معارفه المختصة به) أي بالقلب وأحواله فإنها لا تخرج من جملتها لأنها من أعماله (فأجمع المسلمون) أي السلف المعتمدون (على عصمة الأنبياء من الفواحش) أي قولا وفعلا وعقدا وهي الذنوب التي فحش قبحها وحرم على هذه الأمة ومن قبلها (والكبائر الموبقات) بكسر الموحدة أي المهلكات وهو عطف تفسير ويروى والموبقات والأولى مختصة بارتكاب السيئات والأخرى باجتناب العبادات (ومستند الجمهور) أي أكثر العلماء (في ذلك) أي في القول بعصمتهم (الإجماع الّذي ذكرناه) من المسلمين المتقدمين (وهو مذهب القاضي أبي بكر) أي ابن الطيب الباقلاني المالكي (ومنعها) أي عصمتهم (غيره) أي غير القاضي (بدليل العقل) لعدم احالته منع عصمتهم لإمكانه في نفسه (مع الإجماع) أي مع تكاثر قيامه عليها (وهو) أي الإجماع (قول الكافّة) أي عامة المتأخرين، (واختاره الأستاذ) بالدال المهملة والمعجمة (أبو إسحاق) الإسفراييني الشافعي ولعل هذا الخلاف لفظي والجواز وعدمه عقلي وإلا فلا خلاف في عصمة الأنبياء عن الكفر قبل النبوة وبعدها وإنما الخلاف فيما عداه من الكبائر والصغائر والجمهور على عصمتهم من الكبائر بخلاف ما سيأتي من الخلاف في الصغائر (وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كِتْمَانِ الرّسالة) لقوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (والتّقصير في التّبليغ) أي ومن التقصير فيه لقوله فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ، (لأنّ ذلك) وفي نسخة لأن كل ذلك أي كل واحد من الكتمان والتقصير (يقتضي العصمة) بالنصب (منه المعجزة) بالرفع ويروى مقتضى الْعِصْمَةَ مِنْهُ الْمُعْجِزَةُ (مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ) أي على ما ذكر من أن عصمتهم من قبل الله تعالى باختيارهم وكسبهم واقتدارهم بمعنى أنه تعالى لم يخلق فيه كفرا ولا ذنبا كبيرا (من الكافّة) أي من جهة عامة العلماء، (والجمهور قائل) يروى وَالْجُمْهُورُ قَائِلُونَ (بِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ مُعْتَصِمُونَ بِاخْتِيَارِهِمْ وَكَسْبِهِمْ إِلَّا حُسَيْنًا النّجّار) وفي نسخة

стр. 1020

خلافا للنجار من المعتزلة (فإنّه قال لا قدرة لهم) ويروى لا قوة لهم (على المعاصي أصلا) وهو بنون وجيم مشددة حسين بن محمد وإليه ينسب النجارية وهم اتباعه وهم يوافقون القدرية في بعض أصولهم من نفي الرؤية ونفي الحياة والقدرة ويقولون بحدوث الكلام والقدرية يكفرونهم بسبب مخالفتهم إياهم في بعض المسائل وهم أكثر من عشر فرق فيما بينهم كالبرغوثية والزعفرانية والمستدركية وغيرهم وهم فرقة من ثلاث وسبعين فرقة، (وأمّا الصّغائر فجوّزها) أي وجودها ووقوعها (جماعة من السّلف وغيرهم) من الخلف كإمام الحرمين منا وأبي هاشم من المعتزلة حيث جوزوا الصغائر غير المنفرة (عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وغيره من الفقهاء) أي المجتهدين (والمحدّثين والمتكلّمين) أي في أصول الدين والمراد بعض من كل منهم، (وسنورد بعد هذا) أي في فصل الرد على من أجاز الصغائر على الأنبياء (ما احتجّوا به) أي ما استدلوا به من الأدلة، (وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف) أي التوقف في أمرهم (وقالوا العقل لا يحيل وقوعها) أي الصغائر ولا الكبائر (منهم ولم يأت في الشّرع) أي من الكتاب والسنة (قاطع بأحد الوجهين) أي بجواز صدورها عنهم، (وذهبت طائفة أخرى من المحقّقين من الفقهاء والمتكلّمين إلى عصمتهم من الصّغائر) المختلف في وقوعها منهم (كعصمتهم من الكبائر) أي المتفق على عدم صدورها عنهم، (قالوا لاختلاف النّاس في الصّغائر) أي في تعريفها وتبيينها (وتعيينها) أي وعدم تمييزها (من الكبائر وإشكال ذلك) أي ولاشتباه تعينها من بين الكبائر فقال بعضهم هي كل ما يجب فيه حد وقيل ما ورد فيه وعيد وقيل هي أمر وتوقف بعضهم عن الفرق (وقول ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) أي ولقوله (وَغَيْرِهِ إِنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فهو كبيرة) كما رواه ابن جرير عنه (وأنّه) بفتح الهمز أي وأن الشأن (إِنَّمَا سُمِّيَ مِنْهَا الصَّغِيرُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا هو أكبر منه) كالمس والقبلة والمعانقة والمعالجة بالنسبة إلى المجامعة فكل باعتبار ما فوقه صغير وما تحته كبير وكلها معصية حتى الخلوة بالأجنبية (ومخالفة الباري في أيّ أمر كان يجب كونه كبيرة) أي من حيث إنها مخالفة لصاحب الكبرياء والعظمة وإلا فلا شبهة في تفاوت مراتب المخالفة ولذا قال تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وقال الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ أي الصغائر وقد أنشد صلى الله تعالى عليه وسلم: إن تغفر اللهم فاغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما وعن أبي العالية اللمم ما بين حد الدنيا وحد الآخرة أي بين ما يجب به الحد في الدنيا كشرب الخمر والزنا وبين ما أوعد الله عليه العقاب في العقبى كعقوق الوالدين وأكل الربا وأموال اليتامى ظلما؛ (قال القاضي أبو محمد عبد الوهّاب) أي البغدادي المالكي صاحب الرحبة كان فقيها دينا له تصانيف جيدة العبارة منها كتاب المعونة في شرح الرسالة توفي
следующие страницы →