← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9925

السنة والتشريع - موسى شاهين لاشين

موسى شاهين لاشين

Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ [السنة والتشريع] ـ المؤلف: موسى شاهين لاشين (المتوفى: ١٤٣٠هـ) قدم له وعنى بإعداده وإخراجه: رئيس التحرير، د. علي أحمد الخطيب. الناشر: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف (هدية شهر شعبان ١٤١١ هـ - مجلة الأزهر) عدد الأجزاء: ١ أعدَّهُ للمكتبة الشاملة/ توفيق بن محمد القريشي - غفر الله له ولوالديه. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة]: إن الظروف التي نعيشها اليوم تجعل لهذا الموضوع أهمية خاصة، فهناك نهضة دينية، أو صحوة إسلامية تهتم بالسُنَّة النبوية، وهناك مقالات صحفية، ومؤلفات حديثة، ومؤتمرات عالمية، ومراكز بحوث للسُنَّة النبوية في بلاد إسلامية. وفي مقابل ذلك الجناح الآخر تشهير ومهاجمات، ومحاولات للنيل من قدسية النبوة، تعنِّفُ تارة وتلين أخرى، تأخذ شكل أمواج البحر، تعلو وتهبط، لكنها تتدافع في اتجاه واحد. وقد اختلف حجم هذه المحاولات من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، وكلما اشتد ضعف المسلمين اشتدت الحملة، وتوالى الهجوم، تماماً كميكروب الأمراض، كلما ضعفت المناعة والحصانة كلما اشتدَّ الهجوم والافتراس. إنَّ السُنّة كانت هدفاً لأعداء الإسلام منذ زمن بعيد، لكنها قاومت وتقاوم، وحطمت وتحطم محاولات المُبشِّرين والمستشرقين، بما رسخ في قلوب المؤمنين من إيمان وتقديس وحب اقتداء. لكن مشكلة العصر تشكيك بعض علماء المسلمين فيها بصفة عامة بهدف أو بآخر، ولا نبالغ إذا قلنا: إنَّ أعداء الإسلام والمستشرقين والمُبشِّرين بل والاستعمار والغزو الثقافي وراء هذه المحاولات، او بالأحرى وراء بعض هذه المحاولات، ومما لا شك فيه أنَّ كثيراً ممن يرفع عقيرته

стр. 3

في السُنَّة بغير علم قد رضع لبناً غير ألبانها، وفطم عن ثدي غير ثدي أمها، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، وسواء استهدف مطعماً دنيوياً من منصب أو جاه أو شهرة أم لم يستهدف. إنَّ الحرية الشخصية في العقيدة وفي إبداء الرأي فهمت في عالمنا الإسلامي المعاصر فهماً غير صحيح، واستغلت بشكل واسع وملحوظ في التدخل في الدين وأحكام الشريعة، وفي الحديث النبوي بشكل واسع. وقد يغتر مسلم بنفسه، ويظن أنه من أولى العلم لمجرد أنه قرأ كتاباً أو كُتُباً، أو أنه درس مسألة، أو أنه اشتهر بين الناس كعالم، أو أنه تولى منصباً، وقد تسوِّلُ له نفسه أنه لا يقل عن الصحابة في فهمهم، ولا عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل وأصحابهم في علمهم وفقههم، وقد ينخدع به أناس يستجيبون له، ويُرَوِّجون باطله وزيفه. هذه هي المشكلة التي تواجه التراث الإسلامي العريق والأحكام الشرعية الأصيلة في هذه الأيام. شراذم من البشر تعطي رئيسها أو أميرها حق الاجتهاد، وتنقاد لما يقول غير عابئة بأقوال جهابذة الصحابة وفحول العلماء، وإنْ كان أميرهم محدود العلم قليل البضاعة. وأفراد صفر اليدين من مبادئ العلوم الشرعية، يجهلون الأوليات منها يقولون: نأخذ أحكامنا رأساً من الكتاب والسُنّة. وعلماء تخصَّصُوا في فنون أخرى غير الشريعة، ظنوا في أنفسهم القدرة على دراسة القرآن والسُنّة، واستنباط

стр. 4

الأحكام منها، وهم يفتقدون وسائل الفهم الصحيح المبني على قواعد الشريعة وأصولها. وأصحاب أهداف سياسية وأغراض مشبوهة يصيحون بين الحين والحين: إنَّ باب الاجتهاد مفتوح، وكل مفكر مسلم أهل للاجتهاد في الشريعة، ولا حجر على العقول، وبين أيدينا المصحف وكُتب الحديث، وهم لا حفظون القرآن ولا يحفظون خمسة أحاديث، ولا يُميِّزون بين صحيحها وضعيفها. باب الاجتهاد مفتوح. نعم. هو مفتوح منذ رسالة محمد ﷺ وإلى قيام الساعة، ولكن البحث فيمن يطرق هذا الباب ويلِجُهُ، في مؤهلاته له، وفي الثقة فيه، وفي الأخذ عنه. الإسلام احترم العقل - نعم - ودعا إلى التفكير والبحث والاستنباط والترقي في المعارف إلى أقصى ما يطيق البشر، ولا حجر على العقول، ولكل أنْ يجتهد لنفسه، ويعمل بما يرى، وحسابه على الله، أما أنْ يُفتي للناس وهو غير أهل للفتوى، فإنه يخشى عليه ويخشى منه، يخشى أن يَضلَّ ويُضلَّ والعياذ بالله. لقد سُئِلْتُ من جماعة منحرفة عمن له حق الفتوى في الدين؟ فسألت السائل - وكان طبيب أنف وأذن وحنجرة: «من له الحق في الطب؟» قال: «الطبيب». قلتُ: «فمن له حق التشخيص الصحيح في مرض القلب؟» قال: «طبيب القلب طبعاً». قلتُ: «وليس طبيب الأنف والأذن والحُنجرة؟» قال:

стр. 5

" لا. أبداً». قلتُ: " فإنَّ طب الروح والدين لا يقل عن الجسد. فحق الفتوى في الدين لعلماء أفنوا حياتهم في علومه وفي دراسة دقائقه وأسراره. المشكلة أنَّ الساحة الإسلامية كثر فيها المُدَّعُون للاجتهاد، المُتَصَدُّون للفتوى بغير علم، الحريصون على اقتحام حصون الشريعة بتهوُّرٍ ودون مهابة، وبتبجُّجٍ دون حياء، وبغير زاد ولا سلاح، وتورَّعَ العالمون، وخافوا الاجتهاد وأكبروه، واستصغروا أنفسهم وعلمهم أمامه، هيبة وإجلالاً لأهله، وخوفاً من الله إذا هم أخطأوا، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١). خافوا أنْ يَصْدُقَ عليهم قول رسول الله ﷺ يَحْكِي عن آخر الزمان: «اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَأفْتوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأضَلُّوا» (٢). إن علماء الدين الذين يعرفون أنفسهم لا يتطاولون إلى الأئمة الذين خدموا الشريعة وأسَّسُوا فقهها وكانوا المنهل الذي اغترفوا منه، فهم لا بد أنْ يستنيروا بآرائهم وأنْ يقيسوا عليها ما يجد لهم في أطوار حياتهم. إنَّ علماء القرون الأولى كانوا موسوعة علمية في التفسير والحديث وعلومهما وما يخدمهما من علم الأصول واللغة العربية ك نحوها وصرفها وبلاغتها وأصولها وأسرار عباراتها، أما نحن فقد شغلتنا أموالنا وأهلونا ومواقعنا في تيارات الحياة المتدافعة، فمع إيماننا بأنَّ هذه العلوم يخدم بعضها بعضاً قسمناها إلى تخصُّصات بل كليات مختلفة: كلية اللغة العربية وكلية الشريعة وكلية أصول الدين،

стр. 6

وأصبح التفسير وعلوم القرآن قسماً يتخصَّصُ فيه طالب غير الطالب الذي يتخصَّصُ في قسم الحديث وعلومه، وأصبحنا في كل تخصُّص نقرأ كتب الأوائل ونحاول استيعابها. وهيهات ... وإنما يعرف الفضل من الناس ذوُوهُ. لا تشغلنا هذه المشكلة المتسعة الأطراف عن مشكلتنا المحصورة في المُشكّكين أو المُتشكِّكين في السُنَّة النبوية وهي طرف من المشكلة الواسعة التي أشرنا إليها. إنَّ الذين يحاولون النيل من السُنَّة تختلف مشاربهم وأهدافهم واتَّجاهاتهم، وإنَّ كثيراً منهم يفتح له مجال واسع في الإعلام الذي يجري وراء المادة الغريبة المستحدثة والشاذة التي تجذب الجماهير. فإذا أراد العلماء أن يكشفوا الزيف ويردُّوا الشبهات لم يجدوا المجال الكافي المتكافئ مع نشر السموم. ومن هنا يُتَّهَم العلماءُ والمُتخصِّصُون بالقصور أو التقصير .. إنَّ أملنا في القاعدة الإسلامية الصلبة التي لا تؤثر فيها معاول الهدم. إنَّ أملنا في القاعدة الإسلامية الراسخة التي لا تزعزعها العواصف، ولولا إيمانها في عقيدتها وشريعتها لكانت النتيجة خطيرة. إنَّ علماء الأُمَّة الإسلامية منذ العصر الأول تصدَّوْا للدفاع عن السُنَّة وحمايتها من عبث العابثين بالأسلوب العملي والأسلوب العلمي. أما العملي فحرصوا على الاقتداء، حتى بالغ بعضهم

стр. 7

فيه، فكان يتحرَّى أنْ ينيخ ناقته في المكان الذي أناخ فيه رسول الله ﷺ ناقته. وأما الأسلوب العلمي فاهتموا بالإسناد، واشتغلوا بنقد الحديث، وجاهدوا في دفع الدخيل، وقَعَّدُوا القواعد، ووضعوا الضوابط، حتى أصبح علم الحديث علوماً متعدِّدة وليس علماً واحداً، فورثنا عنهم: ١ - علم مصطلح الحديث، وهو يهتم بتاريخ بالأسماء والمسميات، وأسباب الضعف ومواصفات صحة الحديث. ٢ - وعلم رجال الحديث: ويهتم بتاريخ الرُواة من حيث مولدهم ووفاتهم وموطنهم ورحلاتهم وشيوخهم وتلامذتهم؛ ليتبيَّنَ من ذلك اتصال الإسناد أو عدم اتصاله. ٣ - وعلم نقد الحديث أو علم الجرح والتعديل: ويهتم بوضع كل راوٍ في درجة معينة من حيث العدالة والضبط، ويكفي أن نشير إلى أنهم وضعوا التعديل خمس درجات، أعلاها [أثبت الناس] و [أوثق الناس]، وأدناها [صدوق]، ووضعوا للجرح اثنتي عشرة درجة أدناها [مختلق كذاب]، ووضعوا كل راوٍ في درجة معينة من هذه الدرجات. ٤ - وعلم التخريج ويهتم بعزو الحديث إلى موضعه من المصادر الأصلية المعتبرة في الحديث. ٥ - وعلم دراسة الأسانيد والحكم على الحديث، ويهتم بتطبيق القواعد والضوابط والموازين ليحكم على الحديث بالصحة أو بالحسن أو بالضعف. ٦ - وعلم مختلف الحديث ويهتم برفع التناقض فيما ظاهره التناقض بين الأحاديث.

стр. 8

٧ - وعلم شرح الحديث تحليلياً أو موضوعياً ويهتم بشرح المفردات واستنباط الأحكام، أو بجمع أحاديث الموضوع الواحد وشرحها. ٨ - وعلم مناهج المُحدِّثين ويهتم ببيان منهج كل مؤلف حديثي وما يحتويه كل كتاب من الموضوعات. ونستطيع القول بأنَّ هذا البحر الزاخر من العلوم لا يسبح فيه إلاَّ ماهر متخَصِّصٌ بذل الليالي والشهور والسنين ثم قال: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢). وكلما دخل في الأعماق شعر بصغار نفسه، وكلما تبَحَّرَ عرف قلة علمه، وباب العلم أنْ تعرف نفسك، فما يزال المرء عالماً ما ظن أنه يجهل، فإنْ ظنَّ أنه قد علم فقد جهل. أي جهل نفسه، وهذا هو الجهل المركَّب كما يقولون. ومن هنا نجد علماء الحديث وطلابه الراسخين في العلم يحتاطون عند الكلام وعند الفتوى في الحديث، ونجد غيرهم ممن يلبس مسوحهم ويتقمَّصُ شيخصيتهم أكثر جرأة على تناوله وعلى القول فيه بغير علم. نعود إلى مشكلة هذا العصر، وإنها تكمن في حنجرة من يَدَّعِي علم الحديث والفقه والأصول وكل العلوم، ثم يهاجم الحديث النبوي، ويستبيح حرمه، وينتهك قدسيته، وقد اتخذت هذه المحاولات في أيامنا ثلاث شعب: الشعبة الأولى: اتجهت إلى تحطيم الرُواة حَمَلَةَ الحديث من مصدره إلينا، وإذا تحطَّمت الوسيلة، وفسدت يُصبح الأصل معتمداً على لا شيء فيصبح لا شيء، ويمثل هذه

стр. 9

الشعبة (أبو رية) في كتابه عن أبي هريرة ﵁ فيتَّهمه بالكذب والاختلاق والافتراء على رسول الله ﷺ وأبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ ، أو ثاني المكثرين من الصحابة، وهو من أوثق المُحدِّثين عند أهل الحديث، فطعنه وإصابته في المقتل طعن لمن هو مثله أو دونه. الشعبة الثانية: اتجهت إلى تحطيم كتاب من كتب الحديث الأصلية، وكما اختارت الشعبة الأولى أبرز الرُواة، فصوَّبتْ سهامها في صدره ليسقط غيره بسقوطه، اختارت الشعبة الثانية أبرز كتب الحديث وأصحها، وهو " صحيح البخاري "، إذْ سقوطه واهتزاز الثقة فيه تهتز الثقة بجيمع كتب الحديث من باب أولى. ويمثل هذا الاتجاه ما كتبه (المولوي جراغ علي الهندي) في كتاب أسماه: «أعظم الكلام في ارتقاء الإسلام» قال: «إنَّ الحديث النبوي ليس قطعياً كما يظنه المسلمون، بل صحَّته وحُجيته محل نظر وشك، وهو لا يصلح لأنْ يعتمد عليه في معرفة الأحكام، وإنَّ " الجامع الصحيح للإمام البخاري " ﵀ يتضمَّنُ أحاديث موضوعة كثيرة، ولكنَّ المسلمين يَظُنُّونَهُ أَصَحَّ الكتب بعد كتاب الله، بناءً على مغالاتهم في الاعتقاد وتقليدهم الأعمى». اهـ. ومن هذه الشعبة، وعلى طريقة ما نشره عالم مصري، يحتل درجة أستاذ الحضارة الإسلامية، كتب في صحيفة " أخبار اليوم " المصرية في شهر مايو ١٩٨٣ م ثلاث مقالات

стр. 10

بعنوان: " لا تصدّقوا ما في البخاري من أكاذيب الإسراء والمعراج " يستبعد أو يكذب ما جاء بشأن (البراق)، وصلاة النبي ﷺ بالأنبياء، وعروجه إلى السماء، وتردُّده بين موسى ﵇ وبين ربه، ويبني تكذيبه على الاستبعاد العقلي. وهذا القول منشور في كتاب من كتبه. وإذا ثبتت الأكاذيب في " البخاري " فقد الثقة كمصدر كبير من مصادر السُنّة، وفقد من هو دونه هذه الثقة من باب أولى. وقد رَدَدْتُ عليه في الصحيفة نفسها بتاريخ ١٨/ ٦ / ١٩٨٣. الشعبة الثالثة: وهي أخطر الشُعَب، هي المتوجِّهة إلى رسول الله ﷺ رأساً. لم تتوجه إلى الرُواة كالشعبة الأولى، فالرُواة أدُّوا الأمانة، ولم تتوجه إلى الكتب، ولا إلى " البخاري ". فعبارة ممثل هذه الشعبة [لن نمس بذلك روايات " البخاري " وصحتها، فالبخاري وغيره مِمَّنْ روَوْا هذا الحديث - حديث الذباب - قد روَوْهُ بسند صحيح لا مطعن فيه، ونقلوا إلينا نقلاً صحيحاً ما صدر عن الرسول ﷺ وأدُّوا بذلك الأمانة التي التزموا بها، ولا كلام لأحد في هذا]، إذن فَمِنْ أين العيب والمأخذ؟ في الرسول ﷺ نفسه. يقول الرأي ويظهر الصواب في خلافه، ولا نقول: يخطئ، تأدُّباً. بين يديَّ كُتيِّبٌ منشور بدار الكتاب المصري بالقاهرة منذ شهور قليلة بعنوان " السُنّة والتشريع " للدكتور الشيخ عبد المنعم النمر، حدَّد الباحث هدفه على هيئة سؤال في أوله، وانتهى بفتواه وقراره وحكمه، ففي صفحة «٤» يقول: «هل يجوز لنا أن نجتهد في الأحكام فيها

стр. 11

الرسول ﷺ ولو أدى إلى حكم غير الحكم الذي حكم به. ثم خلص في صفحة «٩» إلى قوله «لا يمكن أن نشد المسلمين الآن في معاملاتهم التي سادت في عصر الرسول ﷺ وبعده، ودونها الفقهاء، في كتب الفقه، فإما أن تكون كتلك المعاملات، وإما كانت مرفوضة. إنَّ ذلك في العقائد والعبادات، وفيما جاء في القرآن عن المعاملات أمر مُسَلَّمٌ به، لا نستطيع تغييره، وإنْ كان يمكن الاجتهاد في فهمه وطريقة تنفيذه كما حصل. أما المعاملات وأحكامها القائمة على الاجتهاد البشري وحده، ولم تكن من الوحي في شيء، سواء من الرسول ﷺ ، أو ممن جاء بعده من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء فلا بد من النظر إليها من جديد، على أساس القواعد التي بنيت عليها من قبل، وعلى ضوء الظروف الجديدة، فما كان موافقاً للمصلحة في أيامنا أبقيناه، وما وجدناه غير ذلك كان علينا أن نجتهد فيه». فهذا التصريح وهذا الرأي الجديد يمكن أنْ يوضع في فقرات محدَّدةٍ. الأولى: أنه لا يمكن إخضاع المسلمين اليوم في معاملاتهم إلى إطار المعاملات في عصر الرسول ﷺ وبعده إلى اليوم. الثانية: أنَّ ما جاء عن المعاملات في الأحاديث النبوية، ولم يرد في القرآن، يمكن إهماله وتغييره، بل لا بُدَّ من النظر فيه من جديد.

стр. 12

فالباحث لا يعتدُّ في المعاملات إلاَّ بالقرآن الكريم، ولا يعتدُّ بالأحاديث النبوية فيها، ويكثر من التصريح بذلك، وبدون أدنى غموض، فهو يقول في صفحة «٣٥»: «إنَّ المكلفين يعرفون مصالحهم ويدبِّرونها فيما لم يأت به دليل خاص من الكتاب، وهم أعلم بشؤون دنياهم». ويقول في صفحة «٥٧»: «وهذا وحده يقضي علينا بالدوران مع المصلحة وقصدها أينما تكن ما دام ذلك لا يتعارض مع النصوص القرآنية ولا مع القواعد الشرعية». الثالثة: يقرِّرُ الباحث أنَّ له أنْ يجتهد كما كان الرسول ﷺ يجتهد، ويُبِيحُ لنفسه أنْ يخالف حكم الرسول ﷺ وصريح لفظه ونص حديثه، فيقول في صفحة «٤٧»: «ما دام الرسول كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات، أفلا يجوز لمن يأتي بعده من أيام الصحابة وحتى الآن أنْ يُدلي في الموضوع باجتهاده أيضاً، ولو أدَّى اجتهاده إلى غير ما قرَّرَهُ رسول الله باجتهاده ولا يصبح ما قرَّرَهُ الرسول باجتهاده حُكماً ثابتاً للأبد». الرابعة: يُقَرِّرُ الباحث أنه لا يعتَدُّ في المعاملات بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء، فله أنْ يضرب بها كلهاعرض الحائط، وبنص عبارته السابقة [سواء من الرسول ﷺ أو مِمَّنْ جاء بعده من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء] وبكل صراحة واعتداد يقول في صفحة «٥٧»: «وإذا كنا نقول هذا من أقوال الرسول الاجتهادية فمِنْ باب أولى نقوله بالنسبة لأقوال الصحابة والتابعين والأئمة ومَنْ جاء بعدهم من فقهاء المذاهب».

стр. 13

الخامسة: يُقَرِّرُ عدم وجوب اتباع الرسول ﷺ في المعاملات، لأنه قد يخطئ فيقول في صفحة «٧٢»: «إنَّ الرسول قد يرى الرأي في أمور الدنيا والأمر بخلافه، فلا يجب اتباعه». هذا هدف البحث الخطير. فماذا استخدم له الباحث من شبهات وأساليب؟ هذا ما سنعرض له ونرُدُّ عليه. الصلاة على النبي ﷺ -: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). فضل كتابة النبي ﷺ : يختلف العلماء في وجوب الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر، لكنهم لا يختلفون في استحباب ذلك، وأحاديث الترغيب كثيرة ومشهور منها: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِِهَاعَشْرًا» (٢). ومنها: «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (٣). ولفظ الحاكم: «بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»، ولفظ الطبراني: «شَقِيَ عَبْدٌ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ولفظ عبد الرزاق: «مِنَ الجَفَاءِ أَنْ أُذْكَرَ عِنْدَ رَجُلِ فَلاَ يُصَلِّي عَلَيَّ». وعلماء الحديث يجعلون الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر كتابة من آداب طالب الحديث، ويلتزمون ذلك وإنْ تكرَّرَ ذكره

стр. 14

- ﷺ في السطر الواحد، ولا تكاد تجد كتاب حديث أغفل الصلاة على النبي ﷺ مرة، وكيف يغفلها الكاتب وهو يحصل لنفسه بكتابتها عشر صلوات من الله، والصلاة من الله رحمة، ويحصل لنفسه أيضاً بقراءة القارئ لها عشر رحمات أخرى؟ إساءة المستشرقين: لكن المستشرقين في كتاباتهم يتعمَّدون عدم الصلاة عليه أصلاً، وهذا منهم غير مستغرب، أما المستغرب حقاً أنْ يحاكيهم المسلمون بأيِّ قصد أو يبخلوا بكتابة جميع أحرف الصلاة والسلام عليه فيرمزوا لها بـ (ص) أو بـ (صلعم) وكأنَّ سطورهم التي حشوها بساقط القول ضاقت عن الصلاة والتسليم صراحة وحروفاً، فيخسرون بذلك حسنات ورحمات وخيراً كثيراً. ولئن قبل ذلك وعذر فيه عامة المسلمين فلا يعذر عالم من علماء المسلمين في كتاباتهم فلا يعذر من يكتب عن حديث رسول الله ﷺ ، وإنْ عذر من يكتب عن حديث رسول الله ﷺ يهو يُقدِّسُهُ ويُجِلُّهُ ويدعو لطاعته والعمل بقوله فلا يعذر عن عدم الصلاة والسلام عليه من يدعو إلى مخالفته، وإلى عدم وجوب اتباعه، وهذا ما لا حظناه على الباحث وقد أحصينا عدد المرات التي لم يُصلِّ ويُسَلِّمَ فيها على النبي ﷺ في بحثه الصغير فوجدناها ١٩٦ (ستاً وتسعين ومائة مرة).

стр. 15

نحن لا نُشكِّكُ في إيمان الباحث ولا في حُبِّهِ وتقديسه للنبي ﷺ ، ولا نظنه قصد ترك الصلاة والتسليم للتقليل من قدسية أوامره ﷺ والاسترخاء في طاعته والاقتداء به، ولكن خطورة البحث وما يدعو إليه يجعل هذا السلوك محل نظر وتعقيب، ويجعل اعتذاره عن ذلك بأي عذر اعتذاراً غير مقبول. هذه ملاحظة عاجلة نخلص منها إلى الشبهات. وبالله التوفيق.

стр. 16

الشبهات: ركز الباحث على تقرير ثلاث قواعد، ليخلص منها إلى القاعدة الرابعة التي يهدف إليها، أما القواعد الثلاث فهي: الأولى: أنَّ الرسول ﷺ كان يجتهد وليس كل نطقه وحياً. الثانية: أنَّ الرسول ﷺ كان يخطئ في اجتهاده، وكان الصحابة يُصَحِّحُون له الخطأ، وكان يُقرِّرُ الشيء ويرجع عنه في نفس الجلسة. الثالثة: أنَّ حُكمه ﷺ في كثير من المعاملات كان من اجتهاده مراعاة لمصالح يراها لأمَّته وليس حُكماً لله، ولا يسانده وحي. وليس حُكماً ثابتاً للأبد. أما الرابعة: فهي أنَّ الأُمَّة أعلم بشؤون دنياها، فلا تعتمد أحكامه في المعاملات التي لم يرد فيها نص من القرآن الكريم، وتقرَّرَ ما تراه صالحاً لها، ولو خالفت نص أحاديثه ﷺ . الأمر حقاً خطير، ولكن يعزينا ويهدئ روعنا أنَّ الباحث - كما يقول - في نفسه شبهات، وينشد الوصول إلى الحق، ويُصَرِّحُ في كُتَيِّبِهِ أنَّ الحكمة ضالة المؤمن، وأنه مسارع - بعون الله - إلى الحق إنْ وجده في غير ما قرَّرَهُ، وأنه سَيُسَرُّ به كما يُسَرُّ صاحب الضالة بوجودها. ومن هنا كان واجب العلماء المُتخَصِّصِين الغيورين أنْ يزيلوا هذه الشبهات وأنْ يُبرزوا الحق والحقيقة، وأنْ يكشفوا الغموض الذي حولها. والله الهادي سواء السبيل.

стр. 17

اجتهاد الرسول ﷺ -: موضوع قديم، قتله العلماء بحثاً، ولم يترك الأوائل للأواخر بشأنه شيئاً، وخلاصته أنهم اختلفوا: فمنهم من لم يُجِزْ له ﷺ الاجتهاد، واعتبر ما ورد من ذلك صورة اجتهاد، وليس اجتهاداً في الواقع والحقيقة؛ لأنَّ الله معه ﷺ وهو مع الله؛ ولأنه في جُلِّ أوقاته ﷺ يناجي مَنْ لا نُناجي، وإلهامه وحي ورؤيا منامه وحي، والقرآن يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). ويفسِّرون ما ظاهره الرأي، وما ظاهره المشورة، وما ظاهره قبول رأي الآخرين، وما ظاهره الخطأ في الرأي والرجوع إلى قول الغير بأنَّ ذلك اجتهاد في الظاهر لتدريب الأمَّة على البحث والتفكير والاجتهاد في الأسباب والأخذ بالمشورة، وحقيقته: أنَّ الله يوحي إليه أنْ قُلْ كذا وسيقول لك فلان كذا فقُلْ له كذا وسنطبق هذا القول على الأمثلة التي ذكرها الباحث إنْ شاء الله. وجمهور العلماء على أنَّ النبي ﷺ يجوز له أنْ يجتهد، وأنه اجتهد فعلاً، وأنَّ اجتهاده في بعض الأحيان القليلة كان خلاف حكم الله، فجاء الوحي بتصحيح الحُكم، والإرشاد إلى ما ينبغي، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). أو جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده مع التنبيه بما

стр. 18

ينبغي. كما في قوله تعالى عن أسارى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). نعم نقول: إن الرسول ﷺ أذن له بالاجتهاد واجتهد ونعم نقول: إنَّ بعض اجتهاداته لم تصادف الصواب، لكن أين حكم الله تعالى في الأمر الذي اجتهد فيه محمد ﷺ ولم يصب؟ الاحتمالات العقلية أربعة: ١ - أما ألاَّ يكون الله تعالى حكم فيه أصلاً. وهذا باطل، فكل شيء عنده بمقدار، و ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٢). ٢ - أنْ يكون لله تعالى فيه حكم مخالف لما حكم به محمد ﷺ ، فيترك - جَلَّ شَأْنُهُ - حكم محمد ﷺ سارياً على الأُمَّة ويوقف حكم نفسه ، وهذا واضح البطلان، لأنَّ محمداً ﷺ في هذه الحالة يكون مُشَرِّعاً غير شرع الله. ٣ - أنْ يكون لله تعالى حُكم مخالف لما حكم به محمد ﷺ باجتهاده، فيعدل سبحانه حكم محمد ﷺ ليوافق حكم الله. ٤ - أنْ يكون لله تعالى حكم موافق لما حكم به محمد ﷺ باجتهاده، أو بعبارة أدق: أنْ يكون حكم محمد ﷺ موافقاً لحكم الله، ومثل ذلك قوله ﷺ لسعد بن معاذ حين حُكِّمَ في بني قريظة فَحَكَمَ حُكمَهُ المشهور، فقال له رسول الله ﷺ : «حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» (٣). والحاصل الذي يجب الإيمان به أنَّ لله تعالى حُكماً في العباد، هو شريعته في أرضه.

стр. 19

وأنَّ اجتهاد محمد ﷺ إنْ وافق حُكم الله فهو حُكم الله على لسان نبيه ﷺ ، وإنْ لم يوافق حُكم الله عدله إلى حكمه - جَلَّ شَأْنُهُ -. وإذن تصبح الأحكام الدينية التي حكم بها محمد ﷺ أحكام الله في النهاية. وقبل لقائه الرفيق الأعلى ﷺ . اللفظ والمراد منه: نعم قد يكون النص الشرعي عاماً مراداً به الخصوص، وهناك قرائن حال، وقرائن ألفاظ تمنع من العموم وتحدِّدُ المراد من المخصوص: ففي تخصيص عموم الأمكنة مثلاً قوله ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الأَرَضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١) خصَّصَ هذا العموم بغير الأماكن النجسة. وفي تخصيص عموم الأزمنة ما صحَّ في " البخاري " أنَّ النبي ﷺ في عام قحط وجدب قال لأصحابه: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلاَ يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» فأكل الصحابة وتصدَّقُوا بأضحيتهم قبل ثالث ليلة، وفي العام القابل - وكان عام رخاء - قهم الصحابة أنَّ الطلب السابق كان خاصاً بزمن، فسألوا رسول الله ﷺ : نفعل بأضحيتنا كما فعلنا العام الماضي؟ وكان ما توقَّعُوا. قال ﷺ : «كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهِ». وفي تخصيص الأفراد قال ﷺ : «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (٢)، ولم يكن المقصود بالأحد عموم

стр. 20

المسلمين، حتى يشمل الضعفاء والمرضى والأطفال والنساء، وإنما كان المقصود خصوص المقاتلين الذين عادوا من غزو الخندق. ومن هذا القبيل قوله ﷺ : «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلْبُهُ» (١)، فعموم القتيل غير مراد، لئلا يشمل القتيل ظلماً من المسلمين، وإنما المراد به قتيل الكفار المحاربين. كذلك عموم «مَنْ قَتَلَ» ليس المقصود به كل من قاتل وقتل إلى آخر الزمان، وإنما المراد العصر الأول الذي تَطَلَّبَ تشجيع الغزو والجهاد، وكذا كل عصر يشبهه إذا رأى حاكم المسلمين ذلك. أما الأحكام العامة في المعاملات وغيرها والتي لم يدخلها تخصيص بالأفراد ولا بالأماكن ولا بالأزمنة، فهي باقية على عمومها صالحة لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة، والجهل بالمصلحة فيها، وظن المصلحة في غيرها، لا يمنع من الالتزام بها، فما أكثر ما يجهل الإنسان مصلحة نفسه، فضلاً عن مصلحة غيره. وفي الشرع مصالح العباد بالتحقيق، فالمُشَرِّعُ هو الخالق الذي يعلم من خلق ويعلم ما يصلحه، وفي كل طلب للمصلحة من غير الشرع طلب للماء من السراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢). يقول الإمام ابن القيم: «إنَّ شريعة الله مبناها وأساسها

стр. 21

على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. الشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي أبصر به المُبصرون، وهُداهُ الذي به اهتدى المهتدون». اهـ (١). السُنَّةُ: تَشْرِيعٌ وَغَيْرُ تَشْرِيعٍ: غفر الله للقائلين بأنَّ السُنَّة تشريع وغير تشريع، والقائلين بالمصلحة. غفر الله لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء باباً لم يخطر لهم على بال. القائلون بأنَّ السُنَّة تشريع وغير تشريع قصدوا بغير التشريع ما ورد منها خاصاً بالصناعات والخبرات كالزراعة والطب،، ولم يقصدوا أنَّ أحاديث المعاملات غير تشريعية، ولم يخطر ببالهم أنَّ باحثاً بعدهم سَيَسْتَدِلُّ بتقسيمهم ليدخل المعاملات وأحاديث البيع والشراء والإجارة وغيرها في السُنَّة غير التشريعية، وهُم من هذا القول برءاء، ولنا مع بعضهم وقفة قصيرة لإزالة لُبسٍ قد يفهم من كلامهم. بعضهم أدخل في السُنَّة غير التشريعية، الأكل والشرب والنوم واللبس وهذا القول في حاجة إلى تحقيق. الأكل والشرب مثلاً، كلام عام يشمل المأكول والمشروب، ويشمل الأواني، والهيئة أو الكيفية. فأخذ الكلام على عمومه مرفوض. هل بيان المأكول والمشروب المُحَرَّم والمكروه والمباح من السُنَّة غير التشريعية؟

стр. 22

هل حديث: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»، وحديث: «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مِائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » سُنَّة غير تشريعة؟ اللهم. لا. أحلَّ لنا رسول الله ﷺ الطيبات وحرَّمَ علينا الخبائث، فالمأكول والمشروب سُنَّة تشريعية من حيث الحِلِّ والحرمة، أما أنه أكل نوعاً من الحلال وترك غيرها يأكل نوعاً آخر، فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أُكِلَ وما لم يُأْكَلْ مما لم يَنْهَ عنه. وأما الأواني فقد نهى ﷺ عن الأكل والشرب في صحاف الذهب والفضة، ونهى عن الأكل في أواني الكفار إلا بعد غسلها. وهذا تشريع قطعاً. أما أنه ﷺ أكل في قصعة من الفخار ونحن نأكل في الأواني الفاخرة غير الذهبية والفضية فهذا من المُباحات. والإباحة تشريع. وأما الهيئة: فهناك هيئات مأمور بها وهيئات منهي عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة، والكل تشريع. «يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» هيئة أكل مشروعة، و «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ»، أي الشرب من أفواهها هيئة ممنوعة شرعاً، أما أنه ﷺ أكل بأصابعه ويده ونحن نأكل بالملاعق والشوك والسكاكين فهو من المباحات المشروعة. فماذا في الأكل والشرب من السُنَّة غير التشريعية؟ إن قصدوا بالسُنَّة غير التشريعية في ذلك السُنَّة غير الملزمة، وهي المباحات كان الخلاف بيننا لفظياً.

стр. 23

وإن قصدوا ما هو مطلوب على وجه الوجوب أو الندب، وما هو منهي عنه على وجه الحرمة أو الكراهة فهو غير مُسَلَّم. ومثل ذلك يقال في النوم واللبس وكل ما هو خاص بالحاجة والطبيعة البشرية كما يقولون، حتى قضاء الشهوة مع الزوجة له قواعده وأصوله وحدوده المشروعة. ولست أرى سُنَّةً تشريعية بالمعنى الحقيقي اللهم إلاَّ ما ورد فيما طريقه الخبرة والصنعة والتخصص كالزراعة والصناعة، ويمكن أن يلحق بها الطب وقيادة الجيوش وفن الحرب. وستأتي زيادة إيضاح إنْ شاء الله. أما القائلون بالمصلحة كمصدر من مصادر التشريع فقد اشترطوا لها ألاَّ تُصادم نصاً من الكتاب أو السُنَّة الصحيحة، فهم أخذوا بمراعاة المصالح فيما لم يرد فيه قرآن أو حديث صحيح، أما ما ورد فيه قرآن أو حديث صحيح فالمصلحة فيما جاء به النص. **** لكن الباحث اندفع من هذا الباب مُحَطِّماً كل الحواجز، ينادي: لا يقف في طريقي ولا في طريق ما أراه مصلحة أي حديث. يستدل بكلام الإمام نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى سنة ٧١٠ هـ حيث يقول: «إنَّ مصلحة سياسة المُكَلَّفين في حقوقهم معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها علمنا أنا أُحِلْنا في تحصيلها على رعايتها، كما أنَّ النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنا

стр. 24

أُحِلْنَا بتمامها على القياس، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه لجامع بينهما». هذا كلام نجم الدين الطوفي في المصلحة، فبماذا استدل به الباحث؟ حمل الباحث عبارتي الطوفي «دليل الشرع» و «النصوص» على القرآن فقط دون السُنَّة، فقال: صفحة «٣٥»: «والشاهد هنا - كما هو ظاهر - أنَّ المُكَلَّفين يعرفون مصالحهم ويدبرونها فيما لم يأت به دليل خاص من الكتاب، وهم أعلم بشؤون دنياهم» أي من الرسول ﷺ . ثم يقول صفحة «٤٦»: «فما دام الرسول كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات أفلا يجوز لمن يأتي بعده أنْ يُدلي في الموضوع باجتهاده أيضاً هادفاً إلى تحقيق المصلحة، ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرَّره الرسول باجتهاده». إنَّ الباحث هنا يعطي نفسه الحق في الاجتهاد على قدم المساواة مع رسول الله ﷺ غير عابئ بالفرق بين الثَّرَى والثُريا. وإنَّ الباحث مُتخصِّصٌ في التاريخ، يستخدم منهج المؤرِّخِين عند بحث الحديث النبوي، ويتعامل مع رسول الله ﷺ ويتحدَّثُ عنه كما يتحدَّثُ مُؤرِّخٌ عن ملك أو قائد زال عهده، فكلُّ بحثه يدور حول جمع أخطاء في اجتهاده ﷺ ، بل يُصَوِّرُ مَنْ حَوْلَهُ بأنهم أدرى بالمصلحة منه ﷺ وأنه يتَّخذُ القرار فينقضه بعد لحظات برأي أحد أصحابه. فهو ﷺ ينهى عن قطع أشجار الحَرَمِ، فيقول له عمُّهُ العباس: إلاَّ الإذخِر، فيقول ﷺ : «إِلاَّ الإِذْخِرَ».

стр. 25

وهو ﷺ يأمر أبا هريرة أن يُبَشِّرَ الناس أنَّ مَنْ قال: لا إله إلاَّ الله دخل الجنة، فيقول له عمر: لا. يا رسول الله. إذن يتَّكِلُوا. فلا يُبَشِّر أبو هريرة فيقول ﷺ : لا يبشر. وينزل ﷺ بجيشه على صلح مع قبيلة غطفان، فيرفض أصحابه الصلح والاتفاق فيترك موضوع الصلح ويمضي قول أصحابه. وينهى ﷺ عن أكل لحوم الحمر الأهلية وكانوا قد طبخوها في قدورهم الفخارية، فأمر ﷺ بكسرها، فقال عمر للرسول ﷺ كاقتراح منه: أو نريقها ونغسلها؟ فوافق في الحال على اقتراح عمر. ووجدهم ﷺ يبيعون الرُطب على النخل بتمر جاف فقال: «لاَ تَبِيعُوا». فاشتكوا إليه المشقة من عدم البيع، فغيَّرَ رأيه وأجازه لهم. ونهاهم ﷺ عن بيع المعدوم، فَشَكَوْا إليه أنهم في حاجة إليه، فرخَّص لهم في السلم. ومنع ﷺ التقاط ضالة الإبل وأباحها عثمان بن عفان ﵁. ولم يضمن ﷺ الصانع والأجير إذا تلف عنده الشيء وضمنهم عليٌّ ﵁. ومنع تأبير النخل فجاء التمر شيصاً فاعتذر لأصحابه وقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ». لماذا كل هذا؟

стр. 26

ليقول: إنَّ الرسول ﷺ كان يجتهد، وكان يراعي مصلحة قومه، وكان يخطئ ويرُدُّهُ أصحابُهُ، فحكمُهُ في المعاملات والبيع والشراء والقراض وغيرهما غير ملزم، إذْ لم يكن عن وحي، ولم يكن يسانده وحي، فلنا أنْ نُراعي مصلحة شعبنا وأُمَّتِنا فنجتهد كما اجتهد، ونُراعِي مصلحة أُمَّتِنَا كما راعى مصلحة شعبه، ولو أدَّى ذلك إلى اتخاذ قرار غير قراره وحُكم غير حُكُمِهِ. وعبارته الصريحة في ذلك صفحة «٤٦» يقول: «فما دام الرسول كان يجتهد، وما دام اجتهاده كان قائماً على القواعد الموجودة حتى الآن، وهادفاً إلى تحقيق المصلحة التي يراها في واقع الناس حوله، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات في زمنه على ضوء الظروف التي كانت سائدة في أيامه. أفلا يجوز لمن يأتي بعده أنْ يُدْلِي في الموضوع باجتهاده أيضاً هادفاً إلى تحقيق المصلحة؟ ولو أدَّى اجتهاده إلى غير ما قرَّرَهُ الرسول باجتهاده؟». يا سبحان الله!!! كأنه ليس هناك شرع الله. وكأنَّ الله ترك عباده يتعاملون دون قواعد أو ضوابط حتى يضعوا لأنفسهم في كل بلد ما يرون من ضوابط وقوانين حسبما يجتهدون في مصالحهم، وهم أعلم بشؤون دنياهم!!! وكأنَّ الأُمَّة الإسلامية التي التزمت تشريع محمد ﷺ أربعة عشر قرناً خاطئة في هذا الالتزام، أو وضعت نفسها في قيود ما كان أغناها عنها ... ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.

стр. 27

المعاملات حلال وحرام وتشريع من لله: يقول الباحث صفحة «٢٥»: «نسارع فنُقرِّرُ أنَّ كل ما يصدر عن الرسول من شؤون الدين في العقيدة والعبادة، والحلال والحرام والعقوبات والأخلاق والآداب لا شأن لنا به إلاَّ من ناحية فهمه .. فما جاء خاصاً بتوحيد الله .. وما جاء خاصاً بالتحريم أو التحليل .. كل هذا ممَّا لا دخل للإنسان فيه من حيث المبدأ، لأنَّ ذلك من اختصاص الرسول الموحَى إليه». ويقول في صفحة «٢٦»: «لكن هناك أحاديث كثيرة تتصل بمعاملات الناس في الحياة من بيع وشراء ورهن وإجارة وقراض ولقطة وسلم .. هل هذه الأمور تأخذ حكم الأولى في أنها موحى بها من الله .. سواء كان الوحي مباشراً أو سُكُوتياً أو إقرارياً؟ أو لها وصف آخر؟». كأنَّ الباحث لا يجعل المعاملات من قبيل التحريم والتحليل، وهذا فهم عجيب. هل النهي عن مُطْلِ الغَنِيِّ ليس التحريم؟ هل النهي عن النَّجَشِ (١) ليس التحريم؟ هل النهي عن بيع المصراة (٢) ليس للتحريم؟ هل النهي عن البيع على البيع ليس للتحريم؟ هل من فعل شيئاً من ذلك لا يعاقب من الله؟

стр. 28

أنا لا أفهم المعاملات إلاَّ أنها تحليل أو تحريم، واجبة أو مندوبة أو مباحة، أو مُحرَّمة أو مكروهة، ولها أو عليها ثواب أو عقاب حتى معاملة الرجل لزوجه وقضاء مأربه منها يحكمها الحلال والحرام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، يَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟». الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزكاة. إنَّ الميزة الكبرى التي امتاز بها الإسلام عن غيره من الديانات تظهر بشكل واضح في تنظيمه المعاملات بين الناس من بيع وشراء ورهن وإجارة وقراض ومزارعة ومساقاة ولقطة وشركة ووكالة وشُفعة وحوالة واستقراض وربا وكفالة وهِبَة ونكاح وخصومات وشهادات وصُلح وشروط ووصايا وغير ذلك، حتى الخدمات العامة عنى بها الإسلام، فجعل إزالة الشوكة من الطريق شُعبة مِنْ شُعَبِ الإيمان. إنَّ الإسلام ارتفع بالمعاملات إلى السماحة والرفق والإحسان، بعد أنْ ثبت أركان الحقوق وحذَّر من المظالم، تدبر معي هذه الحادثة: خصمان ترتفع أصواتهما على بابه ﷺ وهما في الطريق. دائن ومدين، دائن حلَّ ميعاد دَيْنِهِ، فأجَّلَ المَدِينُ غير القادر مرَّةً ومرَّةً، ومدين يعتذر للدائن ويسترفقه، ويطلب منه أنْ يَحُطَّ عنه بعض الدَيْنِ أو يؤجله مرة أخرى، والدائن يقسم ألاَّ يفعل.

стр. 29

يخرج ﷺ ويقول: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّى عَلَى اللَّهِ ألاَّ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟». فيقول الدائن: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فَلَهُ أَىُّ ذَلِكَ أَحَبَّ (١). طاعة رائعة في المعاملات لمجرد الإشارة، لم يقل الدائن: حقي أتمسَّك به، ولم يرفض عرض التسامح، ولو أنه فعل - كما فعل أبو لبابة في الواقعة الآتية - لم يكن آثماً، وإنما استحباب للتنازل عن الحق للغير طلباً للأجر عند الله الذي وعد به رسول الله ﷺ . نعم كان بعض المسلمين يتمسك بحقه، فليس كل الناس يرقى، ولكنهم كانوا لا يظلمون، وهذا هو الحد الأدنى في المعاملات، ولئن وجد بعض المتمسِّكين بحقوقهم فإنه يوجد بجوارهم من يؤثر ويُضَحِّي ويشتري الآخرة بالأولى. تخاصم يتيم وأبو لبابة في نخلة، ولم يكن مع اليتيم بيِّنَة، فحكم النبي ﷺ بالنخلة لأبي لبابة، فبكى اليتيم، فقال النبي ﷺ لأبي لبابة: «أعطه النخلة ولك بها نخلة في الجنة». فقال أبو لبابة: لا. فسمع بذلك أبو الدحداح، فاشترى النخلة من أبي لبابة بعد أن أخذ يزيده في ثمنها حتى قبِلَ بدلها حديقة كاملة، ثم قال أبو الدحداح للنبي ﷺ : ألِي نخلة في الجنة إنْ أعطيتها اليتيم؟ قال ﷺ : «نَعَمْ». فأعطاها اليتيم .. فلما مات أبو الدحداح شيَّعَهُ ﷺ إلى قبره، ثم قال للمُشَيِّعِين: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ فِي الْجَنَّةِ لأَبِي الدَّحْدَاحِ» (٢). هل يقال بعد ذلك: إنَّ المعاملات ليست من الحلال والحرام؟ هل يقال بعد

стр. 30

بعد ذلك: إنَّ المعاملات لا شأن لها بالوحي مباشراً أو سُكوتياً أو إقرارياً؟ إنَّ مجتمعنا يقيم شريعة الله التي جاءت على لسان محمد ﷺ عبادات ومعاملات لهو أرقى المجتمعات في الدنيا وأسعدها يوم الدين. حديث تأبير النخل: حديث تأبير النخل رواه الإمام مسلم والإمام أحمد وابن ماجه. ورواياته كما في " صحيح مسلم ": «عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ - أي يأخذون شيئاً أو فروعاً من طلع النخل الذكر ويضعونه في طلع الأنثى - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلاَ تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ». وعن رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قال: «قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ - يَقُولُونَ: يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ - فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ. قَالَ لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا، فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ

стр. 31

دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ». وعَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (١). هذا الحديث هو عمدة أدلة الباحث في بحثه: تَرَكَ سبب الورود وحادثته وأخذ يكرِّرُ «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» كرَّرَهُ ثماني مرات في صفحات ثمان، يحاول أنْ يستدلَّ به على أنَّ أمور الدنيا لا علاقة لها بالتشريع». وأنَّ أوامره ﷺ ونواهيه في البيع والشراء وبقية المعاملات من هذا القبيل وليست من الدين. وأنَّ الناس اليوم أعلم بها منه ﷺ ، فليتركوا تشريعه، وليُشَرِّعُوا لأنفسهم ما يرون أنه يصلحهم. هُواةُ التحلُّلِ: إنَّ هذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذي يعلق عليه من شاء ما شاء من أمور الشرع التي يراد التحلل منها: فبعضهم أدخل تحته الأكل والشرب والنوم والفراش واللباس والمشي والجلوس وغير ذلك من الأمور الخاصة بالحاجة والطبيعة البشرية. والتحقيق أنه من الخطأ أنْ نُطلق هذا الإطلاق، فكل مِنْ هذه الأمور منها الواجب شرعاً، ومنها المُحَرَّمُ شرعاً، ومنها

стр. 32

المكروه، ومنها المندوب، ومنها المباح، فبعض المأكولات محرَّمٌ، وبعض المشروبات محرَّمٌ، والنوم قد يكون ممنوعاً شرعاً، كالنوم عن الصلاة، أو نوم السائق الذي يعرِّضُ حياته وحياة الراكبين معه للخطر، والفراش واللباس قد يكون مُحرّماً لاستعمال الأقمشة المُحرَّمة فيه. وحتى إذا أردنا كيفية هذه الأمور نجد منها الممنوع شرعاً، كالأكل بالشمال، والأكل مما يلي الآخرين، وتحريك اليد في جنبات الإناء، ولباس المتكبِّرين ومشيتهم، والإسراف في الفراش، والجلوس على هيئة إقعاءة الكلب، وإقامة الرجل الرجل في مجلسه ثم الجلوس فيه، والجلوس على الطرقات إلاَّ بحقها. نعم. في هذه الأمور مباحات، اختار الرسول ﷺ أحدهما ولم يمنع الآخر، فكان مثلاً يحب من اللحم الذراع، ومن المشروب اللبن، وكان فراشه من جلد حشوه ليف، وكان يمُرُّ على بيوته ﷺ الشهر والشهران، ثلاثة أهلَّة في شهرين وما يوقد في بيته نار لعدم وجود ما يطهى بالنار، وإنما كان يعيش هو وأهله على التمر والماء. في حين كان بعض الصحابة يحب الفخذ من اللحم، وينام على لين الفراش، ويلبس من أفخر الثياب، ويأكل من أشهى الطعام، وليس في شيء من ذلك التزام شرعي، شأن جميع المباحات، وإنْ كانت نية التأسي به ﷺ والاقتداء به في المباحات لا تخلو من أجر وثواب. فإذا أريد إدخال المباحات من الأكل والشرب والنوم واللباس والمشي والجلوس في حديث «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» فلا بأس، حتى في المعاملات، كل إنسان أعلم

стр. 33

بشؤون دنياه في الأمور المباحة، له أنْ يشتري سيارة أو أنْ يشتري بيتاً، وله أن يبيع حديقة أو أنْ يبيع عمارة من ملكه ما دام ذلك مباحاً شرعاً. لكن إدخال المعاملات الممنوعة شرعاً تحت هذا الحديث هو الذي لم نسمع به من قبل، لم يسبق به الباحث على مدى علمي، وأرجو ألاَّ يتبعه في ذلك أحد بعد، بل أرجو له أن يعدل عن رأيه، والحق أحق أنْ يتبع. والباحث نفسه يشعر أنه أتى أمراً يفزع له كل مسلم، وتقشعرُّ منه جلود الذين يخشون ربهم بالغيب، فهو يقول صفحة «٦٢»: «لا داعي للانزعاج، هذه نتيجة منطقية حتمية، ولو أنها قد تصدم بعض الناس، لأنهم لم يتعودوا أنْ يسمعوا أو يقرأوا مثلها». ويقول في صفحة «٤٥»: «أرجو أن يُحَكِّمَ القارئ عقله معي، وَيُحَكِّمَ المنطق السليم، ولا تَقْلَقُ نفسُهُ لمجرَّد رأي ربما لم يسمعه من قبل، وربما يكون مخالفاً لما استقرت عليه نفسه» ونعود إلى حديث تأبير النخل، فنقول: إنَّ هناك أعمالاً للبشر تكتسب عن طريق العلم والتدريب والممارسة والتجارب والخبرة. كالزراعة والنجارة والحدادة والغزل والنسيج والحياكة ومعرفة خصائص النباتات والمعادن ونحو ذلك مما يتخصَّصُ فيه ويُجيده بعض البشر. فهذه الأمور ليست من مهمة الرسالة، وليست من مهمة

стр. 34

الرسول ﷺ ولا من مؤهلاته أنْ يكون ماهراً فيها، ولا خبيراً بدقائقها، ولا يضيره أنه ليس عالماً بالذرةولا بطبقات الأرض، ولا بتفاعل الكيمياويات، ولا ينقل الصور والأصوات عبر الآلات، ومثل ذلك أمور الطب وفنون الحرب. فإذا ما تكلم ﷺ مع الخبراء فيه فكلامه مبني على الظن الذي قد يخطئ، كأي إنسان غير متخصِّص، ولهذا جاء في بعض روايات حديث تأبير النخل: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ». «إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنّاً» وحديث تأبير النخل من هذا القبيل، فهو كلام مع المُتخصِّصين في الزراعة، العالمين بما يصلح النخيل. فمحاولة الباحث جَرَّ هذا الحديث إلى المعاملات. لتستظل بظل هذا الحديث محاولة فاشلة ومرفوضة ومكشوفة البطلان، لما سنُبَيِّنُهُ في شرح الحديث تحليلياً، فنقول وبالله التوفيق: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» جملة تقسم إلى ثلاثة مقاطع: «أَنْتُمْ» والمراد من المخاطبين. و «أَعْلَمُ» والمراد من المفضل عليه. و «شُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» وتحديد المراد منها. وبعبارة أخرى: مَنْ؟ أعلم مِنْ مَنْ؟ وبأي شيء هم أعلم؟ أما المقطع الأول فالخطاب الشرعي عند الأصوليين هو أصالة لمن سمعوا الخطاب، وقد يقصر عليهم إذا كان التكليف لهم وحدهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ

стр. 35

فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (١) فالخطاب هنا لجنود طالوت لا يتعداهم إلى غيرهم. وقد يراد بالتكليف غيرهم معهم، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) فالتكليف قطعاً موجه للسامعين إلى يوم القيامة، لكن غير السامعين هل هم مُكلَّفون بالخطاب والنص؟ على معنى أقيموا الصلاة يا من يتأتى خطابكم بهذا التكليف في أي زمان وفي أي مكان؟ أو مكلَّفُون بالقياس على السامعين؟ قولان عند الأصوليين. فالخطاب في الحديث «أَنْتُمْ» للعشرة والعشرين الذين كانوا يلقِّحُون النخل بالمدينة أصالة، وحين يراد غيرهم معهم يبحث في المقصود بهذا الغير ليعطي الحكم نفسه. و «أَعْلَمُ»، أفعل للتفضيل، فهل المفضَّل عليه رسول الله ﷺ ؟ كأنه قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ مِنِّي»؟ أو هو ومن على شاكلته مِمَّنْ يجهل هذا الشيء، أو المفضَّل عليه من عدا المخاطبين أصلاً. أي أنتم أعلم من كل الناس؟ و «شُؤُونِ الدُنْيَا» هل المراد بها مصلحة النخل فقط؟ أو مصلحة النخل وما على شاكلتها من المهن والخبرات؟ أو كل شؤون الدنيا؛ فتدخل المعاملات؟ لنتصوَّر الاحتمالات، ثم نختار منها، ما يصلح لأن يكون مراد الشرع الحكيم: الاحتمال الأول: أنتم أيها الذين تُلَقِّحُون النخل أعلم بما يصلح النخل منِّي ومِمَّنْ لا علم له بالزراعة، أي أنتم أعلم

стр. 36

بشؤون دنياكم هذه التي تباشرونها، والتي لم تنجح فيها مشورتي، أعلم مني ومن مثلي، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلاً. الاحتمال الثاني: أنتم أيها الذين تٌلَقِّحُون النخل ومن على شاكلتكم مني. ومِمَّنْ ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى: أنَّ كل أهل صنعة أعلم بها مِمَّنْ ليسوا من أهلها، كما يقال: أهل مكة أدى بشعابها. الاحتمال الثالث: أنتم أيها الذين تٌلَقِّحُون النخل بالمدينة أعلم بما يصلح النخل مني ومن غيركم من زارعي النخل في البلاد والأزمان المختلفة، وهذا الاحتمال واضح البطلان، ففي بعض البلاد وفي بعض الأزمان من هم أعلم منهم بذلك. الاحتمال الرابع: أنتم أيها الذين تٌلَقِّحُون النخل بالمدينة أعلم بالخبرات والصناعات المختلفة مني ومن غيري، حتى من أهل الصناعات أنفسهم، على معنى أنتم أعلم بالطب مثلاً مني ومن الأطباء. وهذا الاحتمال واضح البطلان. هذه الاحتمالات الأربعة مبنية على أنَّ المراد من شؤون الدنيا الصناعات والمهارات والخبرات فإذا أردنا من شؤون الدنيا مصالح كل فرد أو مصالح كل مجموعة من مباحات الدنيا، كالمقارنة بين شراء بيت أو شراء سيارة كان الاحتمال الآتي: الاحتمال الخامس: أنتم الذين تٌلَقِّحُون النخل بالمدينة ومثلكم جميع الناس أعلم بشؤون دنياكم وما يصلح لكم من

стр. 37

غيركم والكلام على قاعدة: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أحاداً، تقول: أعطيت الطلاب كتباً على معنى أعطيت كل طالب كتاباً، فيصبح المعنى كل واحد أعلم من غيره بشؤون ومصالح نفسه، وهذا الاحتمال إنْ صحَّ في المباحات لا يصح في الواجبات والمُحرَّمات، فالشرع وحده هو الذي حدَّدها على أنها المصلحة، بناء على سبق علم الله الذي خلق ثم إنَّ هذا الاحتمال لا يتناسب مع قصة الحديث. ومِمَّا هو واضح أنَّ الاحتمال الثاني هو المراد، ثم يليه الأول، وعلى كل حال لا يصحُّ الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير والمعاملات: لأنَّ الحديث - كما رأينا - تطرَّقَ إليه أكثر من احتمال، والدليل إذا تطرَّقَ إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. احتمال دخول المعاملات مستبعد: مع أنَّ احتمال دخول المعاملات في الحديث كأحد الاحتالات مستبعد أصالة وابتداء؛ لأنَّ المعاملات كما يفهم من معناها علاقة الأفراد والجماعات بعضهم ببعض فيما يتعلق بمعاشهم، وهذه العلاقة تحكمها دائماً قواعد وأصول وضوبط، لئلاَّ يحيف بعض الأطراف على بعض، والأمم غير الإسلامية وضعت لذلك قوانين، والإسلام وضع لها أرقى أنواع التشريع. وليس من المعقول أنَّ الله الذي أنزل أطول آياته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ... ﴾ (١)

стр. 38

وحدَّدَ فيها: كتابة الدين، ومواصفات الكاتب وواجباته، وحق الدَيْنِ في الإملاء، وإملاء وليِّهِ في حالة عدم صلاحيته، وصفات الشهود، وشروطهم، وواجباتهم، وقال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) ليس من المعقول أنَّ الله الذي اهتم بالدَّيْنِ هذا الاهتمام يترك البيع والشراء وتفصيل الربا والرهن والشركة وغيرها من المعاملات دون تشريع. هل يعقل أنَّ الله يترك البشرية تنظِّمُ أمورها ومعاملاتها على حسب أهوائها حتى يضع القيود لضعيفهم باسم القوانين؟ وهو الحَكَمُ العدل العليم الخبير الذي راقب حركة عين محمد ﷺ في نظرتها لابن أم مكتوم فوضع لها قانوناً يُتلى في القرآن ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٢)؟ هل يعقل أنْ يترك البشرية هملاً يأكل بعضهم مال بعض ظلماً وعُدواناً تحت عنوان «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»؟ هل يعقل أنْ يترك الله تعالى هذه القوانين لمحمد ﷺ دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأُمَّة مجتمعة بالخطأ أربعة عشر قرناً حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها ويخالف حكم محمد ﷺ ؟ أظنُّ أنَّ العقل المسلم يستبعد ذلك كل الاستبعاد. ولزيادة الإيضاح، وحتى تنقطع كل شبهة لمشتبه، ولتقطع كل المعاذير نذكر خمس مُسَلَّمات لا يعارض فيها أي مسلم: الأولى: أنَّ السامعين للخطاب «أَنْتُمْ» يدخلون في الحكم دخولاً أولياً.

стр. 39

الثانية: أن الرسول ﷺ يدخل في المفضّل عليه «أَعْلَمُ» دخولاً أولياً، أي أنتم أعلم مني. الثالثة: أنَّ غير الأعلم لا يصدر أوامره ونواهيه إلى الأعلم فيما هو فيه أعلم، فلو أنَّ المخاطبين والأمَّة الإسلامية أعلم منه ﷺ بأحكام البيع والشراء والربا والهبة والشركة واللقطة والكفالة والوكالة والشُفعة والاستقراض والنكاح ما أصدر أوامره ونواهيه إليهم في هذه المعاملات؛ أما وأنه أصدر فهو أعلم فيما أصدر، وليس هذا مما هم فيه أعلم. الرابعة: أنَّ الإيمان يفرض علينا أنْ نعتقد أنَّ الرسول ﷺ حكيم، يضع الأمور في نصابها، ولا يتدخل فيما لا يخصه، ولا يحشر نفسه فيما لا يعنيه، لقد ظن حين تدخل في تأبير النخل أنه بذلك يغرس فيهم أنَّ الله هو الفاعل لكل شيء، وأنَّ الواجب عدم الاعتماد على الأسباب ونسيان الله، ظن أنه بذلك يوجِّهُهُم إلى الله، وكان من الممكن أنْ تحمل الريح دقيق الذكورة إلى الأنوثة، كما هو الشأن في تلقيح بعض الثمار، ولِمَ لاَ؟ والقدرة الإلهية جعلت مريم تحمل من غير ذكر أصلاً، لكن المشيئة العليا قضت ذلك لحكمة، كأنها تقول له: دع مثل هذه الأمور، فليست من مُهِمَّتك، وَدَعْ الناس يتنافسون في صنائعهم، ويجتهدون في الترقي بشؤون معاشهم، معتمدين على الأسباب، فالله خالق السبب والمُسبّب جميعاً. ومنذ هذا أمسك ﷺ عن هذا النوع، فلم يتدخَّل في شؤون الزراعة، فلم يسألهم ثانية: لم تحرثون؟ ولا: لم تسمدون؟

стр. 40

ولا: لِمَ تختارون وقت كذا الزراعة كذا؟ ولا شيئاً من ذلك لأنه قال لهم عنه: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ». فهل لو قصد دخول المعاملات في هذا أكان يتدخَّل فيها؟ ويأمر وينهى؟ لقد تدخَّل في المعاملات صغيرها وكبيرها، ورسم لهم صحيحها من باطلها، وحلالها من حرامها، كان يذهب إلى السوق بنفسه يرى ويسمع ويوجِّهُ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا». «لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ». «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ». «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». «لاَ يَمْنَعَ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِى جِدَارِهِ» (١). وهكذا عشرات الأحاديث فيكل معاملة، مما لا يدع مجالاً للشك في أنَّ المعاملات مما تعنيه هو في رسالته ﷺ ، وليست مما قال فيها: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ». الخامسة: أنَّ الأعلم لا يستجيب عادة ولا يخضع ولا يُنّفِّذُ كل متطلَّبات غير الأعلم، فلو كانوا أعلم بشؤون المعاملات منه ﷺ لتوقَّفُوا ولو مرة، وقالوا: نحن أعلم بشؤون دنيانا. هذا، وفَهْمُ المخاطبين من الحديث أساس في تحديد المراد منه.
следующие страницы →