← Акыда

Акыда · id 9933

قدم العالم وتسلسل الحوادث

كاملة الكواري

Полный текст (277 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(٨) ... لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية لتوقف حدوث الحادث اليومي على انقضاء ما لا نهاية له وما يتوقف على انقضاء ما لا نهاية له استحال وجوده فكان يلزم أن لا يوجد الحادث اليومي فلما وجد علمنا أن الحوادث الماضية متناهية (١) . والجواب على ذلك ما قاله الرازي في المباحث المشرقية (١/٧٨١) : (٢) . والجواب: أنه إما أن يعني بالتوقف المذكور أن يكون أمران معدومان في وقت وشرط وجود أحدهما في المستقبل أن يوجد المعدوم الثاني قبله فإن كان الأمر على هذا فقد وجدنا أمراً معدوماً ومن شرط وجوده أن توجد أمور بغير نهاية في ترتيبها وكلها معدومة فيبتدي في الوجود من وقت ما اعتبر هذا الاشتراط فالذي يكون كذلك كان ممتنع الحدوث في الوجود وأما إن عنى بهذا التوقف أنه لا يوجد هذا الحادث إلا وقد وجد قبله ما لا نهاية له ثم ادعى أن التوقف بهذا المعنى محال فهذا هو نفس المطلوب فإن النزاع ما وقع إلا فيه. وقال شيخ الإسلام في موافقة صحيح المنقول (٢/٧٩) : قال الرازي: السادس: لو كانت الأدوار الماضية غير متناهية كان وجود اليوم موقوفاً على انقضاء ما لا نهاية له، والموقوف على المحال محال. قال الأرموي: ولقائل أن يقول: انقضاء ما لا نهاية له محال، وأما انقضاء ما لا بداية له ففيه نزاع.

стр. 142

قلت: هنا نزاع لفظي ونزاع معنوي، أما اللفظي، فهو أنه إذا قدر تسلسل الحوادث في الماضي وعدم انقطاعها وأنها لا أول لها، فهل يعبر عن هذا بأن يقال: لا نهاية لها، أو يقال: لا بداية لها، ولا يقال لا نهاية لها؟ فالمستدل عبر بأنه لا نهاية لها، والمعترض أنكر ذلك، وهذا نزاع لفظي. وذلك أنه يقال: هذا غير متناه، بمعنى أنه ليس له حد محدود، وقال يقال " غير متناه " بمعنى أنه لا آخر له، ويقال " هذا له نهاية " أي: له آخر، وهذا لا نهاية له " أي: لا آخر له، والحوادث الماضية إذا قدر أنها لم تزل، فإنه يقال " لا نهاية لها " بالمعنى الأول، وأما بالمعنى الثاني: فقد انقضت وانصرمت ولها آخر. حجة أخرى للرازي واعترض الأموري عليها: وهذه الحجة اعتمد عليها أكثر المتكلمين كأبي المعالي ومن قبله وبعده من المعتزلة والأشعرية، وذكروا أنه اعتمد عليها يحيي النحوي وغيره من المتقدمين وظنوا أن ما لا يتناهى يمتنع أن يكون منقضياً منصرماً، فإن ما انقضى وانصرم فقد تناهى، فكيف يقال: إنه لا نهاية له؟ واشتبه عليهم لفظ " النهاية " لما فيه من الإجمال والاشتباه، فإن الماضي له آخر انتهى إليه، فهو منتهاه بهذا الاعتبار، فلا نزاع، وبهذا المعنى يقال: إنه انصرم وانقضى، وفرغ ونفد، وأما بالمعنى المتنازع فيه فهو انه لا بداية له: أي لم تزل آحاده متعاقبة. وأما النزاع المعنوي فهو أنه: هل يعقل انقضاء ما يقدر أنه لا بداية له ولا ينتهي من جهة مبدئه أولا؟ المستدل لم يذكر دليلا على امتناع انقضاء ذلك، لكن أخذ لفظ " ما لا يتناهى " وفيه إجمال، فقد يعني به ما لا يتناهى في المستقبل من جهة آخره، فإذا قيل: " إن هذا ينقضي " كان ذلك جمعاً بين النقيضين،

стр. 143

وقد يعني به ما لا بداية له، وهو ينازع في إمكان ذلك، لأنه حينئذ يكون له نهاية بلا بداية، وكأنه يقول: ما لا نهاية فلابد له من بداية، ومنازعوه يقولون: هذا مسلم في الأشخاص، فكل شخص ينتهي فلابد له من مبدأ، إذ لو لم يكن له مبدأ لكان قديماً، وما وجب قدمه امتنع عدمه كما سيأتي ينازعونه في النوع، ويقولون: يمكن أن يقال: الله لم يزل يفعل شيئاً بعد شيء.

стр. 144

المطلب الثاني: قول أهل الحديث وأدلتهم

стр. 145

قول أهل الحديث وأدلتهم: ذهب أهل الحديث إلى ان التسلسل جائز في الماضي كما أنه جائز في المستقبل، واستدلوا على ذلك بالكتاب وأقوال السلف والمعقول. أولاً: الكتاب: استدلوا بقوله تعالى ﴿فعال لما يريد﴾ فالآية تدل على أمور: أحدها: أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته. الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادماً لهذا الكمال في وقت من الأوقات، وقد قال تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧] ولما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله، لم يكن حادثاً بعد أن لم يكن. الثالث: أنه إذا أراد شيئاً فعله، فإن " ما " موصولة عامة، أي: يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله، وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد، فتلك لها شأن آخر؛ فإن أراد فعل العبد، ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلاً، لم يوجد الفعل، وإن أراده حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلاً وجد الفعل. وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية، وخبطوا في مسألة القدر، لغفلتهم عنها، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد، وإرادة أن يجعله فاعلاً.

стр. 146

الرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعله فعله وما فعله، فقد أراده، بخلاف المخلوق، فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما لا يريد، فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده. الخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال، وأن كل فعل له إرادة تخصه، هذا هو المعقول في الفطر، فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام، ويفعل ما يريد. السادس: أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته، جاز فعله، فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يرى عباده نفسه، وأن يتجلى لهم كيف شاء، ويخاطبهم، ويضحك إليهم، وغير ذلك مما يريد سبحانه - لم يمتنع عليه فعله، فإنه تعالى فعال لما يريد، وإنما تتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به، فإذا أخبر وجب التصديق، وكذلك محو ما يشاء، وإثبات ما يشاء، كل يوم هو في شأن، . والقول بأن الحوادث لها أول: يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وان الله لم يزل غير فاعل، ثم صار فاعلاً.

стр. 147

ثانياً: ورد عن السلف ما يدل على دوام فاعلية الرب ومن ذلك (١) : ١- قول ابن عباس ﵄: روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أنه سأله سائل عن قوله: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ ﴿عزيزاً حكيماً﴾ ﴿سميعاً بصيراً﴾ فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي: لم يزل كذلك) (٢) هذا لفظ البخاري وهو رواه مختصراً. ولفظ البوشنجي محمد بن إبراهيم الإمام، عن شيخ البخاري الذي رواه من جهته البرقاني في صحيحه: ٠ فإن الله سمى نفسه ذلك ولم ينحله غيره، فذلك قوله: (وكان الله) أي: لم يزل كذلك) هكذا رواه البيهقي عن البرقاني. وذكر الحميدي لفظه: (فإن الله جعل نفسه وسمى نفسه، وجعل نفسه ذلك ولم ينحله أحد غيره (وكان الله) أي: لم يزل كذلك) . ولفظ يعقوب بن سفيان عن يوسف بن عدي شيخ البخاري: (فإن الله سمى نفسه ذلك، ولم يجعله غيره (وكان الله) أي: لم يزل كذلك) فقد أخبر ابن عباس أن معنى القرآن: أن الله سمى نفسه بهذه الأسماء لم ينحله ذلك غيره، وقوله: ﴿وكان الله﴾ يقول: إني لم أزل كذلك.

стр. 148

ومن المعلوم أن الذي قاله ابن عباس هو مدلول الآيات، ففي هذا دلالة على فساد قول الجهمية من وجوه: أحدها: أنه إذا كان عزيزاً حكيماً، ولم يزل عزيزاً حكيماً، والحكمة تتضمن كلامه ومشيئته، كما أن الرحمة تتضمن مشيئته، دل على أنه لم يزل متكلماً مريداً، وقوله: ﴿غفوراً﴾ أبلغ، فإنه إذا كان لم يزل غفوراً فأولى أنه لم يزل متكلماً، وعند الجهمية بل لم يكن متكلماً ولا رحيماً ولا غفوراً، إذ هذا لا يكون إلا بخلق أمور منفصلة عنه، فحينئذ كان كذلك. والثاني: قول ابن عباس: فإن الله سمى نفسه ذلك، يقتضي أنه هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء، لا أن المخلوق هو الذي سماه بها، ومن قال: إنها مخلوقة في جسم، لزمه أن يكون ذلك الجسم هو الذي سماه بها. الثالث: قوله: ولم ينحله ذلك غيره، وفي اللفظ الآخر: ولم يجعله ذلك غيره، وهذا يتبين بجعله ذلك في الرواية أي: هو الذي حكم لنفسه بذلك لا غيره، ومن جعله مخلوقاً لزمه أن يكون الغير هو الذي جعله كذلك ونحله ذلك. الرابع: أن ابن عباس ذكر ذلك في بيان معنى قوله: ﴿وكان الله غفوراً رحيما﴾ ، ﴿عزيزاً حكيماً﴾ ، ﴿سميعاً بصيراً﴾ ، ليبين حكمة الإتيان بلفظ كان في مثل هذا، فأخبر في ذلك أنه هو الذي سمى نفسه ذلك ولم ينحله ذلك غيره. ووجه مناسبة هذا الجواب، أنه إذا نحل ذلك غيره كان ذلك مخلوقاً بخلق ذلك الغير، فلا يخبر عنه بأنه كان كذلك، وأما إذا كان هو الذي سمى به نفسه ناسب أن يقال: إنه كان كذلك وما زال كذلك، لأنه هو لم يزل - سبحانه

стр. 149

وتعالى - وهذا التفريق إنما يصح إذا كان غير مخلوق، ليصح أن يقال: لما كان هو المسمي لنفسه بذلك، كان لم يزل كذلك ا ٠ هـ من التسعينية لشيخ الإسلام (٢/٥٧٨) . ٢- الإمام جعفر الصادق: روى الثعلبي في " تفسيره " بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق ﵁: أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿أفحسبتم إنما خلقنا كم عبثاً﴾ لم خلق الله الخلق؟ فقال: لأن الله كان محسناً بما لم يزل فيما لم يزل إلى ما لم يزل، فأراد الله أن يفيض إحسانه إلى خلقه، وكان غنياً عنهم، لم يخلقهم لجر منفعة ولا لدفع مضرة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتى يفصلوا بين الحق والباطل، فمن أحسن كافأه بالجنة، ومن عصى كافأه بالنار ا ٠ هـ من فتاوى شيخ الإسلام. ٣- الإمام الدارمي: فقد قال ان الفعل لازم للحياة، فكل حي لابد أن يكون فعالاً، وما ليس بفعال فهو ليس بحي، فالحياة والفعل متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود. انظر شرح هراس على النونية (١/١٧٠) ٤- الإمام أحمد بن حنبل: قال في رده على الجهمية ص٣٤: وقلنا للجهمية من القائل يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، أليس الله هو القائل؟ قالوا: فيكون الله شيئاً

стр. 150

فيعبر عن الله، كما يكون شيئاً فعبر لموسى. قلنا: فمن القائل ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين. فلنقصن عليهم بعلم﴾ أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا هذا كله إنما يكون شيئاً فيعبر عن الله. فقلنا قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم. فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله يتكلم ولكن كلامه مخلوق. قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق. ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا ولا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلاماً. فقد جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا تقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام. ولا نقول أنه قد كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول أنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه، عظمة، فقالت الجهمية لنا لما وصفنا الله بهذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته. قلنا لا نقول: عن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره ولكن نقول لم يزل بقدرته ونوره، لا متى قدر، ولا كيف قدر فقالوا: لا تكونن موحدين أبداً حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء. قلنا: نحن نقول قد كان الله ولا شيء. ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها. أليس إنما يصف إلهاً واحداً بجميع صفاته وضربنا لهم في ذلك مثلاً. فقلنا: أخبرنا عن هذه النخلة، أليس لها جذع وكرب وليف

стр. 151

وسعف وخوص وجمار، واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة. بجميع صفاتها؟ فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إلاه واحد لا نقول أنه قد كان في وقت من الأوقات ولا بقدرة حتى خلق قدرة والذي ليس له قدرة هو عاجز ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات، ولا يعلم حتى خلق له علماً فعلم، والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول لم يزل الله عالماً قادراً. لا متى ولا كيف. ٥- ... الإمام ابن المبارك: قال: لم يزل لله متكلماً إذا شاء، نقله شيخ الإسلام في منهاج السنة (٢/٣٨٣) . ٦- ... الإمام البخاري: قال في كتابه خلق أفعال العباد ص١٠٧: قال أبو عبد الله: ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق وأن العرب لا تعرف الحى من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حى ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به. وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيماً ومن نحا نحوه ليس بمفارق ولا مبتدع، بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى، إذ يفتون بالآراء المختلفة، مما لم يأذن به الله.

стр. 152

ثالثاً: المعقول: ذكرنا فيما سبق أن التسلسل قد يكون واجباً وهو في الأفعال، وقد يكون جائزاً وهو في المفعولات. أما أدلة التسلسل الواجب من المعقول فهو: (١) ١- أن المتصف بالفعل أكمل ممن لا يتصف ولو خلا الرب تعالى منه لكان خالياً من كمال يجب له وهذا ممتنع. ٢- أن الفعل لازم من لوازم الحياة فكل حي فهو فعال والله حي فهو فعال وحياته لا تنفك عنه أبداً وأزلاً فيمتنع حدوث الفعل له بعد أن لم يكن فيجب دوامه أبداً وأزلاً. ٣- أن الفرق بين الحي والميت الفعل والله حي فلابد وأن يكون فاعلاً وخلوه من الفعل في أحد الزمانين ممتنع لأنه حي فيهما فوجب دوام فعله أزلاً وأبداً. ٤- قوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾ والفعال هو من يفعل على الدوام ولو خلا من الفعل في أحد الزمانين لم يكن فعالاً فوجب دوام الفعل أزلاً وأبداً. ٥- قدم الفعل يمنع حدوثه فيكون دائماً في الأزل والأبد. ٦- ويقال لهم كذلك ان الله لم يزل قاراً مريدا عالما حيا، وهذه الأربعة صفات ذاتية له، وليس يحتاج الفاعل في كونه فاعلاً إلى غير هذه الأربع

стр. 153

فهي التي بها تمام الفعل لأنها أركانه التي لا يتحقق بدونها الفعل، وإذا كان ذلك فلماذا تأخر فعله سبحانه عن وجود الموجب التام لجميع أركانه، فإن قلتم: تأخر الفعل لأنه كان ممتنعاً في الأزل، قلنا: كذبتم بل لم يزل الفعل ممكناً، إذ لو كان ممتنعاً في الأزل لم يقبل الوجود فيما لا يزال لأن الممتنع لا ينقلب ممكناً. وأما أدلة التسلسل الجائز من المعقول فهو: ١- لعدم امتناع ذلك في العقل فإن العقل لا يمنع أن يخلق الله خلقاً بعد خلق ويرتب وجود الثاني على الأول وهكذا. ٢- أن هذا واقع فما زال الإنسان والحيوان منذ خلقه يترتب خلقه على خلق أبيه وأمه. ٣- أنه تابع لدوام فعل الخلق فإن وجب دوامه في الأزل والأبد جاز دوام مفعوله لأنه حادث بعد أن لم يكن. ٤- دلالة قوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد﴾ فبين أن عدم عجزه في الأزل على الخلق دليل على عدم عجزه في الأبد. فالتسلسل المثبت عند السلف قسمان: أواجب وهو التسلسل في الأفعال. ب جائز وهو التسلسل في المفعولات والشروط. ويعبرون عنه بدوام أفعال الله ومفعولاته.

стр. 154

وبهذا العرض تتبين لنا الأمور التالية: ١- أن الدوام في أفعال الله يمثل الجزء الثاني من عقيدة السلف في أفعال الله والتي تقوم على عنصرين: - أإثبات الأفعال في ذاتها. ب إثبات دوام فاعليته تعالى. ٢- أن لله كمالاً من أفعاله وكمالاً من صفاته. ٣- إثبات دوام أفعال الله ومفعولاته. ٤- بطلان قول من منع التسلسل مطلقاً. ٥- أن الدوام في الماضي كالدوام في المستقبل في وجوبه وإثباته في أفعال الله. ٦- أن ما كان من التسلسل يستلزم تأثير الذوات في الذوات هو الممتنع سواء كان في الفاعلين أو الأفعال أو المفعولات وأما ما كان من الأفعال والمفعولات بتأثير الفاعل فهو غير ممتنع فإن كان في أفعال الله وجب وإن كان في مفعولاته جاز. ٧- اتفاق جميع الطوائف على امتناع التسلسل في المؤثرين والفاعلين وذوات المفعولات في بعضها مما يدل على بطلان أقوال الدهريين والطبائعيين في القديم والشيوعيين في الحديث. ٨- أن اثبات خالق قديم ومخلوق محدث أمر من ضرورات العقول. ٩- امتناع فرض محدث بلا محدث ومخلوق بلا خالق. ١٠-تناقض الدهريين والطبائعيين والشيوعيين إذ منتهى أقوالهم كون المخلوق هو الخالق

стр. 155

١١-بطلان قول الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية بكون الفعل هو المفعول فإن تسلسل فعل الله واجب والمفعول تسلسه جائز والواجب لا يكون جائزاً. ١٢- بيان الفرق بين فعل الله ومفعوله من وجوه: أالفعل قديم والمفعول محدث. ب دوام الفعل واجب ودوام المفعول جائز. جـ- ... الفعل صفة الفاعل والمفعول أثره. د الفعل يؤثر في المفعول عند تعلقه به والمفعول متعلق الفعل. هـ - ... أن نسبة الفعل للفاعل تقتضي اتصافه به ونسبة المفعول للفاعل تقتضي تأثير فعله فيه وأنه مخلوق للفاعل فنسبة الأول نسبة الصفات والثاني نسبة المخلوقات. وأخيراً يقال للمتكلمين الذين منعوا تسلسل الحوادث خوفاً من مقارنتها الله: أننا نقول بتسلسل الحوادث وهذا القول لا يؤدي إلى مقارنة المخلوقات للخالق قطعاً والذي يقول بأن المخلوقات أزلية مقارنة لله فإنه كافر ومشرك. لكن ابن تيمية يقول بأن الله لا يزال فعالاً فعندنا هنا ثلاثة أشياء: فاعل وهو الرب. وفعل الله يكون بعده. والمفعول يكون بعد الفعل. إذاً الفاعل متقدم والمفعول يكون بعده قطعاً وعلى هذا لا يلزم من القول بأزلية الحوادث أو أنها لا أول لها أن تكون مع الله أو مقارنة له فلا محذور إذا من قولنا وإنما المحذور أن نقول بدوام عين المخلوق في الماضي أي أن الكون لم يزل

стр. 156

موجوداً فهذا كفر لأنه يقتضي ألا خالق له مع أنه محدث من عدم ثم يقال للمتكلمين أيضاً: هل كان الله في الأزل قادراً على الخلق أم لا؟ فإن قالوا أنه غير قادر على الخلق ثم خلق كان ذلك تعطيلاً للرب سبحانه من الفعل. وإن قالوا إن الفعل كان ممكناً ولكن تأخر قلنا هل التأخر واجب أم جائز؟ فإن كان واجباً فمن الذي أوجبه؟! وإن كان جائزاً فهذا قول بحوادث لا أول لها لأن الرب أزلي ومذ كان خالقاً أمكن أن يخلق فهذا هو القول بحوادث لا أول لها وهو ما نقول به. رابعاً: الفطرة: وأما الفطرة فأننا نسمع الناس في دعائهم واستغاثتهم، وطلبهم الحاجات من الله يلهجون بهذه العبارات من قولهم: يا قديم الإحسان، يا قديم المعروف والسلطان، يا دائم الجود والامتنان إلى غير ذلك مما يفهم أنهم فطروا على اعتقاد ذلك فطرة دون أن يوصي بعضهم بعضاً بذلك، أو يعلمه إياه ودون أن ينكر بعضهم على بعض ا ٠ هـ من شرح هراس على النونية (١/١٧٠) .

стр. 157

المبحث الثالث: المخالفون لابن تيمية ونقل كلامهم في ذلك

стр. 158

المبحث الثالث: المخالفون لابن تيمية: بعد ان ذكرنا اختلاف الناس في تسلسل الحوادث، وعرفنا أن المتكلمين على منعه! عقدت هذا المبحث للذين خالفوا ابن تيمية تصريحاً أو تلميحاً، واتهموهما بقدم العالم وأن الله موجب بالذات لا فاعلاً بالاختيار، وكذلك من أنكر عليهما من غير اتهامهما، وكذلك من اضطرب كلامه في شيخ الإسلام. وسوف أكتفي بمجرد النقل للأقوال في هذا المبحث إلا إذا دعت الحاجة إلى التعليق! وسأخصص المبحث الرابع للرد على الطاعنين في ابن تيمية من كلام ابن تيمية نفسه إن شاء الله فإن صاحب البيت أدرى بما فيه. وأما المخالفون فهم: ١- تقي الدين السبكي الكبير في السيف الصقيل ص٨٦، وقدر رد فيه على نونية ابن القيم الذي نصر رأي شيخه في هذه المسألة فقال السبكي: وقد صرح بقبائح منها إمكان التسلسل، ومنها نسبة أكابر علماء الأشعرية إلى التلبيس، ومنها نسبة ذلك إلى القرآن والسنة وأنه لم يجيء أثر ينص على العدم المتقدم وقد جاء (كان الله ولا شيء معه) والشيء يشمل الجسم والفعل والنوع والآحاد. ٢- ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (٦/٤٢١) فقال: وهي أصرح في الرد على من أثبت حوادث لا أول لها من رواية الباب، وهي من مستشنع المسائل المنسوبة لابن تيمية، ووقفت في كلام له على هذا الحديث يرجح الرواية التي في هذا الباب على غيرها، مع أن قضية الجمع بين الروايتين

стр. 159

تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس، والجمع يقدم على الترجيح بالاتفاق. ٣- ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية ص١١٦: واعلم أنه خالف الناس في مسائل نبه عليها التاج السبكي وغيره، فمما خرق فيه الإجماع قوله في ان العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوقاً دائماً فجعله موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار (١) ا ٠هـ ٤- تقي الدين الحصني صاحب كفاية الأخيار في كتابه دفع شبه من شبه وتمرد ص ٦٠ حيث قال: ومما انتقد عليه: وهو من أقبح القبائح ما ذكره في مصنفه المسمى بحوادث لا أول لها وهذه التسمية من أقوى الأدلة على جهله فإن الحادث مسبوق بالعدم (٢) والأول ليس كذلك وبنى أمره فيه على اسم من أسماء الأفعال ونفى المجاز في القرآن وهو من الجهل أيضاً فإن القرآن معجز ومحشو بالمجازات والاستعارات حتى أن أول حرف فيه أحد أنواع المجاز وتضمن هذا المصنف مع صغره شيئين عظيمين تكذيب الله في قوله هو الأول فجعل معه قديماً وتكذيب النبي ﷺ في قوله كان الله ولا شيء معه وفي البخاري من رواية عمران بن حصين ﵁ كان الله ولم يكن شيء قبله وليس وراء ذلك زيغ وكفر.

стр. 160

وقال ص ٤٥: فصار كفره مجمعاً عليه ا ٠ هـ ٥- ... زاهد الكوثري في حاشيته على السيف الصقيل وفي حاشيته على الإجماع لابن حزم: قال في حاشيته على السيف ص ٨١: ونسجل هنا على الناظم اعتقاده قيام الحوادث بذات الله واعتقاده أن هذه الحوادث لا أول لها (١) . وإني ألفت نظر حضرة القارئ إلى هذه العقيدة وهل تتفق مع دعوى أنه إمام دونه كل إمام؟ بل هل تتفق هذه العقيدة مع دعوى أنه في عداد المسلمين فقط؟ وقال في حاشية السيف ص٨٢: وهذا (٢) تصريح منه بأن الله سبحانه فاعل بالإيجاب انخداعاً منه بقول الفلاسفة القائلين بقدم العالم وقد أتى أهل الحق بنيانهم من القواعد، وإن كان الناظم المسكين بعيداً عن فهم أقوال هؤلاء وأقوال هؤلاء، ثم يناقض الناظم نفسه ويثبت لله الاختيار وهو في الحالتين غير شاعر بما يقول (٣) ، تعالى الله عما يقول، وأرجو أن يفهم القارىء هنا معنى لابد من اعتقاده وهو أن القائل بأن الله فاعل بالإيجاب في ناحية ودين الإسلام كله في ناحية، وأي مسلم يستطيع أن يقول إن ربنا مرغم على فعل ما يفعله.

стр. 161

وقال في حاشيته السيف ص ٨٣: لو كان الناظم سعى في تعلم أصول الدين (١) عند أهل العلم قبل أن يحاول الإمامة في الدين لبان له الفرق بين الماضي والمستقبل في ذلك، ولعلم أن كل ما دخل في الوجود من الحوادث متناه محصور وأما المستقبل فلا يحدث فيه حادث محقق إلا وبعده حادث مقدر لا إلى غير نهاية بخلاف الماضي كما سبق وقال في ص٨٤: عدم فناء النوع في الأزل بمعنى قدمه، وأين قدم النوع مع حدوث أفراده؟ وهذا لا يصدر إلا ممن به مس بخلاف المستقبل وقد سبق بيان ذلك. وقال في ص ٨٥: القول بدوام فعله في جانب الماضي قول بحوادث لا أول لها وقد سبق تسخيف ذلك مرات ا ٠ هـ

стр. 162

وقال في ص ٨٧: وهذا (١) يناقض القول بحوادث لا أول لها ودوام الفعل في جانب الماضي، والناظم كم ينقض غزله وله هوى في إكفار الأمة بكل وسيلة، ولا أدري ماذا يكسب هذا المتهوس إذا لم يبق من الأمة مسلم سوى مكسرى الحشوية. وقال في حاشيته على الإجماع لابن حزم ص١٦٩ العجب كل العجب اجتراء ابن تيمية هنا على القول بحوادث لا أول لها والقول بالقدم النوعي في العالم وبقيام الحوادث به سبحانه، متعامياً عن حجة إبراهيم المذكورة في القرآن الكريم ومنكراً لما يعزوه لصحيح البخاري (كان الله ولا شيء معه) (٢) مع أنه هو القائل بأن ما في الصحيحين يفيد العلم - يعني اليقين إجراء له مجرى الخبر المتواتر - ومخالفاً للإجماع اليقيني في ذلك، وأنى يتصور قدم للنوع الذي لا وجود له إلا في الذهن! وعدم تناهي ما دخل بالفعل تحت الوجود لا يتصوره إلا عقل عليل، وعلى فرض وجود النوع في الخارج لا يكون موجوداً إلا في ضمن أفراده، وأني يكون للنوع قدم مع حدوث أفراده؟ !! ودعوى (أن الله لم يزل ومعه شيء) (٣) توازن في البشاعة القول بقدم شيء بعينه سواه تعالى بل القول بالقدم النوعي كالقول بالقدم الشخصي في

стр. 163

البطلان بل ذاك أسقط من هذا وكلاهما يستلزم نفي الإرادة عن الله (١) سبحانه. ٦- ... سلامة القضاعي في كتابه فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان ص٧٧ نقلاً عن التقي: وتعدى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزمه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات فقال بحوادث لا أول لها، فاثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاثة والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم همة، وكل ذلك وإن كان كفراً شنيعاً مما تقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع " ا ٠هـ ٧-د ٠ محمد البوطي في كتابه السلفية ص ١٦٦ حيث قال: هذا هو كلام ابن تيمية بطوله تعليقاً على ما جاء في كلام ابن حزم، من أن الإجماع قد انعقد على أن الله تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كلها كما شاء. ثم أطال في بيان ما يقرره طوائف من علماء الكلام، والفلاسفة في هذه المسألة، لينتهي إلى ما يقرره الفلاسفة (٢) من أن الأشياء حادثة بالعين والجزئيات ولكنها قديمة بالنوع وسلسلة التوالدات، وأكد ذلك بقوله:

стр. 164

" ولكن فرق بين حدوث الشيء المعين، وحدوث الحوادث شيئاً بعد شيء " أي فالأول هو الحادث بعد أن لم يكن، أما سلسلة الحوادث المتوالدة شيئاً بعد شيء على حد تعبيره - فهي قديمة مستمرة (١) . ومن تأمل الكلام الطويل الذي ساقه في الرد على ابن حزم في نقله الإجماع على أن الله خالق كل شيء، وأنه كان وليس معه شيء ثم خلق الأشياء كما أراد، وقع على خلط وتخبط عجيبين في كلامه هذا. ولا تدري ما الذي أقحمه في هذه المخاضة الفلسفية التي يبرأ إلى الله منها السلف الصالح (٢) بعصورهم الثلاثة، شكلاً ومضموناً؛ وهو الذي ما زال يحذرنا من أضاليل الفلاسفة وابتداعاتهم ويوصينا بالوقوف عند نصوص الكتاب والسنة! والعجب كل العجب أن نرى ابن تيمية الذي يسفه الفلسلفة والفلاسفة، ويشدّ أزره دوماً بانتمائه إلى السلف والسير على صراطهم، والبعد عن كل ما ترفعوا عن الخوض فيه، وقد أصابته من الفلاسفة لوثة وأي لوثة، وأصبح يدافع عن رأيهم (٣) في القول بقدم النوع الأساسي وحدوث الأعيان الجزئية. ففي سبيل الدفاع عن رأيهم هذا، يعلن أنه لا إجماع على كفر من نازع في أن

стр. 165

الله كان وحده ولا شيء معه ثم خلق الأشياء كما شاء! أي فلنا أن نقرر بأن المادة الأولى للمكونات كانت قديمة ولم تستحدث، وأنها تشترك مع الله اشتراكاً ذاتياً في صفة القدم (١) ، لنا أن نقرر هذا ولا حرج! . بل يزيدنا ابن تيمية ﵀ تعجباً واستغراباً عندما يقول بأن تكفير القائلين بهذا الرأي لم يأت عليه دليل صريح لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ . إذن فما معنى قول الله : ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الرعد ١٦، والزمر: ٦٢] وقد علمت أن المادة بمعناها النوعي، الذي توالدت منها الأشياء، على حد تصور الفلاسفة، بفريقيهم اليونانين والإشراقيين، داخلة في عموم كل شيء. ولا شك أن خالقيته بإرادة واختيار، لا بتسبب ولا بفيض أو اضطرار. إذن فكل الأشياء حادثة مهما سبق بعضها بعضاً، وليس انتقاء بعض منها (٢) دون بعض لإعطائها صفة القدم إلا ترجيحاً بين أشياء متساوية دون أي مرجع، وهو باطل يرفضه العقل. وما معنى قول الله : ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق﴾ [العنكبوت: ٢٢] وقد علمنا أن بداءة الشيء تعني كونه مسبوقاً بالعدم (٣) فلو كان أصل المادة ذا وجود قديم مع وجود الله، إذن لما كانت له بداءة، ولما اتصف

стр. 166

خلق الله له - إن صح أن يسمى ذلك خلقاً - بالبدء كما يقرر أكثر من مرة في محكم كتابه، والخلق في الآية عام يشمل الإنسان وغيره من سائر الموجودات والمخلوقات، فلا يوهمنك مبطل من ذوي السمادير الفلسفية بأن الآية تعني الإنسان وتلفت لنظر إلى كيفية خلق الله له من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار فإن لفت النظر إلى خصوص نشأة الإنسان لا يحتاج إلى الأمر بالسير في الأرض وتأمل قصة الكائنات عموماً. وما معنى اسم الله (الأول) في قوله : ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ [الحديد: ٣] وهل منا من لا يعلم أن أول اسم تفضيل أصله أوءل على وزن أفعل، وأنه على تقدير: أول من كذا أي أسبق في الوجود منه؟ فما هو هذا (الكذا) الذي يدل عليه اسم الله (الأول) ؟ وهل منا من يجهل أن التقدير: أول من كل شيء، أي أسبق في الوجود من كل شيء؟ وهل من مسلم يجرؤ أن يقول: لا بل التقدير: أول من بعض الأشياء، أي باستثناء أصل الأشياء ونوعها الأول (١) ، فهي قديمة كقدمه وهي الأخرى جديرة أن تكتسب الاشتراك مع اسمه (الأول) ! ولا يقف العجب بنا عند تجاهل ابن تيمية (٢) ﵀ لهذه النصوص البينة في كتاب الله ، بل الأغرب من ذلك أنه يبذل جهداً شاقاً متكلفاً لينتقي

стр. 167

من الروايات الثلاثة الصحيحة التي وردت عن النبي ﷺ في هذا الموضوع، ما هو أقرب إلى التناسب مع رأيه هذا، فيرجحها على الروايتين الأخريين ويشطب عليها بالوهم والبطلان، دون أي مسوغ لهذا الترجيح. فقد ورد في البخاري في كتاب (بدء الخلق) بلفظ " كان الله ولم يكن شيء غيره " وورد في رواية أبي معاوية في الكتاب ذاته " كان الله ﵎ قبل كل شيء " وورد في كتاب (التوحيد) بلفظ " كان الله ولم يكن شيء قبله " ولما كانت الروايتان الأوليان أصرح في الرد على الفلاسفة الذين أثبتوا حوادث لا أول لها، أي أثبتوا ما يسمونه القدم النوعي، فقد اختار ابن تيمية أن يشطب عليهما، ويرجح عليهما رواية " ولم يكن قبله شيء " مع أن ابن تيمية ﵀ يعلم ما هو معلوم لدى جميع علماء أصول الفقه، من أن الترجيح إنما يلجأ إليه عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فأما ان كان الجمع بين الروايات ممكناً بل لا تعارض بينها، فيجب المصير إليه ويمنع من الإلغاء والترجيح. والروايات الثلاث هنا منسجمة مع بعضها ولا تعارض بينهما. فقد كان الله وليس معه شيء (١) ، وليس غيره شيء وليس قبله شيء. فما المسوغ إذن لترجيح واحدة منها واعتمادها، وإلغاء الروايتين الآخريين؟ وهذه من القواعد الأصولية التي لا خلاف فيها والتي لا تخفى على أحد، فضلاً عن ابن تيمية ﵀. وقد علمت أن الدافع الوحيد الذي حمله على اختيار رواية " ولا شيء قبله " التي لا تخالف الروايات الأخرى مخالفاً القاعدة المتفق عليها في تفسير النصوص، هو أن لا يجد أمامه ما يمنعه من القول باستمرار حوادث متوالدة من بعضها إلى ما لا نهاية كما يقول الفلاسفة، وأن يصح له التفريق في المنع بين " حدوث

стр. 168

الشيء المعين وحدوث شيئاً بعد شيء " على حد تعبيره، أي فالأول هو الذي يمنع في حقه القدم، أما الثاني فقديم مع الله (١) ! ثم أن الأغرب من هذا وذاك أن يدعي ﵀ أنه لا إجماع على كفر من يقول بقدم المادة نوعاً إذا علم أنها حادثة من حيث الأعيان الجزئية (١) ! كل تلك النصوص القرآنية، وهذا البيان النبوي الصحيح، لا يجعل المسألة من ضروريات العقيدة الإسلامية، ولا يستتبع إجماعاً من أئمة المسلمين وعلمائهم على كفر من اعتقد بقدم المادة أو أعتقد بأصلها النوعي! إذن فما هي الأسباب الثلاثة التي أجمع أئمة المسلمين على كفر الفلاسفة بها؟ (٢) ومع هذا فلعل أنصح ردّ على كلام ابن تيمية هذا، كلام ابن تيمية نفسه! فقد أثبت كفر من قال بقدم العالم (٣) (قدماً نوعياً أو عينياً) ونقل الإجماع على ذلك في أكثر من موضع ومناسبة، في رسائله وكتاباته. ٨- د ٠ عبد الفتاح بركة في شرح السنوسية الكبري ص ١٠٠ (ش) اعلم أن الملل كلها أجمعت على حدوث كل ما سوي الله جل وعلا،

стр. 169

حتى اليهود والنصارى، وحتى المجوس. ولم يخالف في ذلك إلا شر ذمة من الفلاسفة. وتبعهم على ذلك بعض من ينسب نفسه للإسلام، وليس له فيه نصيب. والاشتغال بتفصيل مذاهبهم في ذلك يطول. ٩- د ٠ محمد عبد الستار نصار في كتابه العقيدة الإسلامية (١/٢٢٨) : العالم عند النظام له بداية ونهاية، أي أنه مخلوق بعد العدم المحض خلافاً لما ذهب إليه جمهور الفلاسفة، اعتقاداً منهم بأنه معلول لعلة قديمة والعلة والمعلول - في نظرهم - متساوقان في الزمان والوجود، وهم لا يتصورون مدة يكون " الله " فيها معطلاً عن الفعل، من ثم يذهبون إلى " الفاعلية "، المستمرة أزلاً وأبداً، وقد وافقهم على هذا الرأي بعض المفكرين الذين ينتسبون إلى المذهب السلفي، وقد طوعوا لمذهبهم هذا، بعض الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى: " فعال لما يريد " وفهموا من هذه الآيات دوام الفعل أزلاً وأبداً، ولم يغفلوا عن اللازم الذي يترتب على هذا الفهم، وهو أن يكون مع الله قديم سواه، فقالوا بقدم جنس العالم وحدوث أعيانه ١٠-الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم ١٣٣ حيث قال: (وفيه رد أيضاً على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق، إلا ومسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى ما لا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق، فالحديث يبطل هذا القول ويعين أن القلم هو أول مخلوق،

стр. 170

فليس قبله قطعاً (١) أي مخلوق. ولقد أطال ابن تيمية ﵀ الكلام في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنه يقول ويصرح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له. كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية (٢) ، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض بهذا الحديث، وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية ﵀ هذا المولج، لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه، ولكن صدق الإمام مالك ﵀ حين قال: " ما منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر ﷺ " ١١-الحبشي في كتابه الدليل القويم ص٤١ وليس عندي كتابه فسأنقله من كتاب موسوعة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية (٢/١٠٩١) : قال الحبشي " فإن قلت أين قال ابن تيمية بأن دوام النوع أزليته قلنا مراده بدوام النوع الأزلية كما لا يخفى فلم ينقل الحبشي شيئاً من كتب ابن تيمية وانما قال

стр. 171

"لا يخفى أن يكون هذا مراده " أي مقصوده. ولو كان لابن تيمية نص صريح لتمسك به الحبشي وأظهره على الملأ لكنه لا يملك نصاً فلم يسعه إلا أن يقول: ومراده بدوام النوع الأزلية كما لا يخفى " وهذا تلبيس ماكر لا يتفطن له العامة من الناس. وهو لا يخبرهم أن ابن تيمية يرى أن الصفات الفعلية لله تعالى وإن كانت أزلية النوع إلا أنها حادثة الإفراد كالخلق والكلام. لكن الظالمين قلبوها إلى " قدم العالم النوعي " وجعلوا ذلك موافقاً لقول ابن سينا والفارابي وابن رشد الحفيد، بطريقة اعتباطية جائزة، وهذا كقولهم عن الحنابلة أنهم يعتقدون بأزلية وقدم ورق المصحف والحبر وجلد الغلاف. وقد جهلوا أن الله مطلع على هذا التلبيس الذي لا يزيد طالب الحق إلا نفوراً من مذهب الظلم. وقد أفتى ابن تيمية بكفر الفلاسفة لقولهم بقدم العالم، وصرّح مراراً بأن الله لم يزل خالقاً فعالاً وأن دوام خالقيته من لوازم وجوده فهذا ليس قولاً بقدم شيء من العالم. ١٢- د ٠ أحمد الحجازي السقا في كتابه دفع الشبهات عن الشيخ محمد لغزالي حيث قال ص١٣: وللشيخ ابن تيمية عبارات تل على قدم العالم فإنه يقول: إن الله والعالم كالخاتم والإصبع، لا يتصور تحرك أحدهما منفصلاً عن الآخر اهـ. (١)

стр. 172

١٣- حسن السقاف في كتابه التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد حيث قال ص٦ وما بعده: مسألة قدم العالم اعلم أن عقيدة الإسلام جاءت مبينة بأن الله تعالى: (هو الأول) الذي تفرد وحده بالقدم، حيث لم كن أنس ولا جان، ولا ملائكة أو شيطان، ولا مكان ولا زمان، ولا أرض ولا سماء، ولا قلم ولا ماء، ولا عرش ولا هواء، ولا فرش ولا ضياء، ولا ظلمة ولا نور لقوله ﷺ كما في صحيح البخاري وغيره: (كان الله ولم يكن شيء قبله) وفي رواية (كان الله ولم يكن شيء معه) وفي رواية (كان الله ولم يكن شيء قبله) وجاء أيضاً في صحيح الحديث: (ان أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون) وأئمة المسلمين نقلوا الإجماع على ان الله تعالى كان وحده في الأزل ولم يكن معه شيء من المخلوقات (١) ، بل نقلوا الإجماع على كفر من خالف في هذا ووافقهم ابن حزم في مراتب الإجماع ص١٦٧ وذكره الحافظ القاضي عياض في الشفاء وغيرهم، وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة ولننقل ما يقوله الإمام القاضي عياض في الشفا ٢/٦٠٦، ناقلاً لجملة من الاعتقادات الكفرية التي يجب حفظ الإيمان منها، قال: (أو - اعتقد - ان معه في الأزل شيئاً قديماً غيره، أو ان ثم صانعا للعالم سواه، أو مدبراً غيره فذلك كله كفر بإجماع المسلمين) .

стр. 173

فقوله هنا: (أو انه معه في الازل شيئاً قديماً غيره) نفي لقدم العالم بالنوع وتكفير لقائل ذلك ومعتقده وناشره (١) ، وكذا لقدم الإفراد عند كل مبصر لبيب لم يغشى على عقله، وقد صرح جماعات من العلماء بلفظ (نوع) كما سيمر ان شاء الله تعالى، وكذا بلفظة (حوادث لا أول لها) وأن ذلك كله كفر بواح (٢) صراح، وقال القاضي عياض أيضاً في نفس المرجع السابق: (وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية) (٣) الشفا ٢/٦٠٦. فاتضح ان قدم العالم نوعا أو فرداً شيء واحد من حيث أن مؤدى كل منهما إلى الكفر، وان الكل يطلق عليه قدم العالم (٤) ، وأينما أطلق لفظ قدم العالم في كلام العلماء فالمراد به ما يشمل النوع والفرد، إلا عند كل عنيد معثار، ومعنى قدم العالم بالنوع هو (٥) : أن هذا العالم كان قبله عالم آخر وقبل ذلك آخر وهكذا إلى غير بداية أي إلى عدد غير متناه وغير محدود، وإني أعجب ممن

стр. 174

يصف الله تعالى بالحد وينزه المخلوق عن عدد يبلغه الحد، أو يدركه العد، والقول بعدم تناهي المخلوقات إلى اللابداية يبطله قول الله تعالى: ﴿وأحصى كل شيء عدداً﴾ وقوله ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ ، وبعض من يعتقد قدم العالم بالنوع أي تسلسل الحوادث إلى لا بداية يقول متبجحاً: انه إذا قال ان الله تعالى كان وحده في الأزل ولم يكن معه أحد من المخلوقات اقتضى ذلك أنه لم يكن خالقاً ثم صار خالقاً، وان هذا تعطيل لصفة الخلق، وهذا الاشكال مع كونه منهاراً باطلاً فجوابه: ان الله تعالى كان في الأزل خالقاً ولم يخلق، أي أنه اقتضت ارادته ومشيئته أن لا يخلق فهو خالق ولم يخلق (١) ، ولو شاء لخلق متى شاء (والله على كل شيء قدير) كما أخبر، وقد أخبرنا أنه كان وحده ولم يكن معه شيء في القرآن وعلى لسان رسوله الصادق المصدوق، والذي وصفه بأنه لا ينطق عن الهوى. وقال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر: وكان الله خالقاً قبل أن يخلق ورازقاً قبل أن يرزق أ ٠ هـ. وقد قال الإمام حجة الإسلام الغزالي واصفاً الفلاسفة الذين عارضوا القرآن والسنة بعقولهم الفاسدة: بثلاثة كفر الفلاسفة العدا ... في نفيها وهي حقا مثبته علم يجزئي حدوث عوالم ... حشر لأجساد وكانت ميتة.

стр. 175

فعقيدة قدم العالم هي قضية الفلاسفة التي يبرأ منها المسلمون. - القول بتسلسل الحوادث إلى غير بداية، من غير أن يكون هناك مخلوق قديم بعينه وهذا هو المعبر عنه بقدم العالم النوعي، أي معية المخلوقات لله في الأزل بجنسها، د ون أن يكون لابتدائها أول وهذا الذي يعتقده ابن تيمية ويقول به، وهو الموجود في كتبه ومؤلفاته كما سننقله حرفياً منها، وهذا القول أبطله الله تعالى كما في نصوص قرآنية، منها قوله تعالى: (هو الأول) ومنها قوله تعالى: ﴿وأحصى كل شيء عدداً﴾ فلو كانت الحوادث متسلسلة إلى غير أول ما يتصور حشر ما لا نهاية له على محدود، كما أبطل هذا القول أيضاً رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى في قوله: (كان الله ولم يكن شيء غيره) رواه البخاري وإجماع الأمة على ذلك أيضاً، وأما قول بعض الفلاسفة ومن تبعهم: أننا إذ قلنا بأن الله تعالى كان في الأزل ولم يكن معه شيء غيره اقتضى ذلك تعطيله من الخالقية، فظاهر البطلان. وقول ابن تيمية عند إثباته قدم العالم بالنوع: (إن كل ما سوى الله مخلوق وجد بعد ان لم يكن) لا ينفي قوله: بقدم العالم بالنوع، وإنما ينفي به قدم شيء بعينه، ارضاء وإيهاما في هذا المقام، ولا سيما أنه قد صرح بهذا الكلام الذي قررته في منهاج السنة ١/١٠٩ حيث قال: (وحينئذ فيمتنع كون شيء من العالم أزلياً وإن جاز أن يكون نوع الحوادث (١)

стр. 176

دائماً لم يزل) فتأمل هذا، فإن قال بعضهم: انما أراد ابن تيمية بهذا الكلام: أن الأشياء متعلقة بالمشيئة الأزلية ولم يرد قدم العالم بالنوع. فنقول له: قولك هذا فاسد، ينقضه قول ابن تيمية نفسه: (وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائماً لم يزل) فنوع الحوادث الذي يصفه بالديمومة الأزلية ليس هو المشيئة، يثبت ذلك أيضاً نصوص كثيرة قالها ابن تيمية ستأتي، علماً بأن مشيئة الله تعالى متعلقة بالنوع والفرد، فلا معنى لقول المدافع بباطل ان المراد تعلقها بالمشيئة، وهل المشيئة متعلقة بالنوع دون الفرد؟ !!!! فابن تيمية قائل بهذه المسألة الثانية بلا شك ولا ريب، وقوله مع ذلك ان كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد ان لم يكن لا ينجيه من ذلك بداهة، وقد اعترف بذلك حتى الألباني (١) في سلسلته الصحيحة عند حديث رقم ١٣٣ (أول ما خلق الله القلم) فليراجع. - القول بقدم بعض أفراد العالم كالعرش أو الكرسي أو غير ذلك في العالم العلوي، وهذا قول باطل أيضاً، وأدلة نقضه نفس الأدلة الناقضة للمسألة الثانية، وقد صرح ابن تيمية بقدم بعض الأشياء وإن حاول أحياناً أن يقول بأن العرش مخلوق، فهو يقول مخلوق لكن يقول بنفس الوقت أنه لا أول له (٢) ، ومراده أحياناً بقوله ان العالم مخلوق وله أول هو: العالم السفلي الذي هو: السموات والأرض، الذي خلقه الله تعالى على حسب ما يراه في ستة أيام، وأما العالم

стр. 177

العلوي الذي فيه العرش والكرسي والقلم واللوح ففيه حوادث لا أول لها. (إيضاح قضية أن قدم نوع العالم أمر ذهني فقط) (١) : اعلم ان معنى قولهم أن قدم العالم أمر ذهني، أي: أن هذا التسلسل الذي لا أول له بزعمهم غير موجود في وقت معين بأجمعه، وإنما يتصوره الذهن فقط أي العقل، لكن هذا التسلسل الذي لا أول له بزعمهم غير موجود في وقت معين بأجمعه، يعني أن هذه الأعداد الهائلة لا يتصور وجودها في لحظة واحدة أو في وقت معين بأجمعها، وإنما يتصورها الذهن فقط أي العقل، لكن هذا التسلسل الباطل واقع حتماً بالنسبة لله تعالى على زعمهم. وتقريب المسألة أكثر للفهم بمثال نقول: ان تسلسل الإنسان من الآن إلى ألف سنة سبقت يدرك بالنسبة إلينا من جهة أفراده فوجوده الآن أمر ذهني مع كونه حقيقة ملموسة من أوله إلى الآن، وخصوصاً عند من عاش مثلاً أكثر من ألف سنة فإنه يشاهده من أوله إلى هذه اللحظة. فتبين أن قول بعضهم: أن قدم العالم أمر ذهني أي غير موجود حقيقة باطل فاسد صادر عن عقل عليل. واتضح أيضاً أن معنى قدم العالم بالنوع هو: أن هذا العالم كان قبله عالم آخر، وقبل ذلك كان آخر وهكذا إلى غير بداية وقد هدمت عقيدة الإسلام هذه العقيدة الباطلة العارية عن الدليل المستمد من آراء أرسطو، بقول النبي ﷺ (١) لا زال الكلام للسقاف.

стр. 178

"كان الله ولا شيء معه (١) " فالحمد لله على توفيقه. والفلاسفة الزائغون (٢) قبحهم الله تعالى قال قسم منهم أن العالم العلوى وهو السماء وما فيها أزلي بمادته وأفراده، ومن هؤلاء أرسطو وتبعه الفارابي وابن سينا، ومنهم من يقول أن العالم بأسره قديم الجنس والنوع حادث الأفراد وهؤلاء متأخروا الفلاسفة وتبعهم في ذلك أبو العباس ابن تيمية من غير ان ينسب نفسه إلى اتباعهم بل نسب ذلك لأهل الحديث ظلماً منه لهم وهم بريئون من ذلك قطعاً. وقوله: (أكثر أهل الحديث) افتراء منه عليهم وعلى الأبرياء، لأن أهل الحديث وغيرهم من علماء المسلمين يكفرون من قال بقدم العالم إجماعاً، سواء بنوعه أو بأفراده، إذ لا فرق بين قدم العالم نوعاً أو فرداً، إذ ان الكل يطلق عليه قدم العالم، (٣) وإن كان هناك فرق بين الفرد والجنس، فلا يفرق بينهما إذ أن مؤدي كل منهما إلى قعر سقر، فمن قال بواحد منهما أو بكليهما فإنه باعتقاده الفاسد هذا أثبت أولاً قديماً غير الله تعالى وهذا مما نقضته عقيدة الإسلام في القرآن والسنة مع إجماع من يعتد به في الإجماع.

стр. 179

والذين اضطرب كلامهم في المسألة هم: ١- ... محمد خليل هراس: يقول في كتابه ابن تيمية السلفي ص١٢٢: ولكننا نتعجل فنقول إن ابن تيمية قد بني على هذه القاعدة (قدم الجنس وحدوث الأفراد) كثيراً من العقائد وجعلها مفتاحاً لحل مشاكل كثيرة في علم الكلام وهي قاعدة لا يطمئن إليها العقل كثيراً فإن الجملة ليست شيئاً أكثر من الأفراد مجتمعة فإذا فرض أن كل فرد منها حادث لزم من ذلك حدوث الجملة قطعاً. وقد رأيت سعد الدين التفتازاني في رده على الفلاسفة القائلين بقدم الحركة بالنوع مع حدوث أشخاصها يقول بأن ماهية الحركة لو كانت قديمة أي موجودة في الأزل لزم أن يكون شيء من جزئياتها أزلياً، إذ لا تحقق للكلي إلا في ضمن جزئياته. ويذكر أيضاً عند بيان امتناع تعاقب الحوادث لا إلى بداية أنه لما كان كل حادث مسبوقاً بالعدم كان الكل كذلك فإذا كان كل زنجي أسود كان الكل أسود ضرورة. وقد تعقبه الجلال الدواني في شرحه للعقائد العضدية وعد ذلك سخافة منه وبين أن مراد الفلاسفة بقدم الحركة هو قدم نوعها بمعنى أن لا يزال فرد من أفراد ذلك النوع موجوداً بحيث لا ينقطع بالكلية ثم قال ومن البين أن حدوث كل فرد لا ينافي ذلك أصلاً وضرب لذلك مثلاً بالورد الذي لا يبقى منه فرد أكثر من يوم أو يومين مع أن الورد باق أكثر من شهر أو شهرين. ونحن نقول له هذا قياس باطل فإن الكلام ليس فيما لا نهاية له من الحوادث في جانب المستقبل كما يقول به كثير من المتكلمين في نعيم أهل الجنة ونحو ذلك

стр. 180

حتى يعترض ببقاء الورد مع فناء كل فرد من أفراده وإنما كلامنا فيما لا بداية له من الحوادث في جانب الماضي بمعنى انه ما من حادث إلا وهو مسبوق بحادث لا إلى أول بحيث يكون جنس هذه الحوادث قديماً، وكل فرد منها حادثاً هل هو معقول أم لا، الحق أنه يحتاج في تصوره إلى جهد كبير ا ٠ هـ وقد سبق الرد على ذلك من كلام شيخ الإسلام في منهاج السنة. ٢-سليم الهلالي: قال في كتابه عن ابن تيمية ص ٨٣: ان ابن تيمية لم يثبت حوادث لا أول لها وإنما أجاز هذا الاحتمال العقلي لابقاء حجج الخصمين. اهـ. وصواب العبارة أن يقول: وابن تيمية لم يقطع أو لم يجزم بحوادث لا أول لها، هذا إن كان يقصد بالحوادث هنا المفعولات أما ان قصد أفعال الرب فلا شك انه يجزم بأنه لا أول لها. وقال ص ٨٦: يجب التفريق بين الاحتمال والإثبات وابن تيمية أجاز ذلك عقلاً ولم يثبته شرعاً ا ٠ هـ، وقال مثله: ص٨٨ ويقال فيه ما قيل في سابقه. وقال في ص٩٣: إن مما يشرح الصدر إلى ما قدمناه من تبرئه ساحة ابن تيمية من القول بالقدم النوعي للعالم وإثبات حوادث لا أول لها أن هذه الأمور لم ترد في شيء مما صنفه مبيناً عقيدته كالعقيدة الواسطية والحموية والرسالة التدمرية وعقيدة الفرقة الناجية وغيرها بل لاحظنا ذلك كله في أثناء مناقشة الخصمين وإيراد حجج الفريقين.
следующие страницы →