← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9945

بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (212 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حق المسلم على المسلم ست: قيل: وما هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فشَمِّته. وَإِذَا مَرِضَ فعُدْه، وَإِذَا مَاتَ فاتْبَعه" رَوَاهُ مسلم١. هذه الحقوق الستة من قام بها في حقّ المسلمين كان قيامه بغيرها أولى. وحصل له أداء هذه الواجبات والحقوق التي فيها الخير الكثير والأجر العظيم من الله. الأولى: "إذا لقيته فسلّم عليه" فإن السلام سبب للمحبة التي توجب الإيمان الذي يوجب دخول الجنة، كما قال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"٢ والسلام من محاسن الإسلام؛ فإن كل واحد من المتلاقيين يدعو للآخر بالسلامة من الشرور، وبالرحمة والبركة الجالبة لكل خير، ويتبع ذلك من البشاشة وألفاظ التحية المناسبة ما يوجب التآلف والمحبة، ويزيل الوحشة والتقاطع. فالسلام حقّ للمسلم. وعلى المسلَّم عليه ردّ التحية بمثلها أو أحسن منها، وخير الناس من بدأهم بالسلام. الثانية: "إذا دعاك فأجبه" أي: دعاك لدعوة طعام وشراب فاجبر خاطر أخيك الذي أدلى إليك وأكرمك بالدعوة، وأجبه لذلك إلا أن يكون لك عذر. الثالثة: قوله: "وإذا استنصحك فانصح له" أي: إذا استشارك في عمل من الأعمال: هل يعمله أم لا؟ فانصح له بما تحبه لنفسك. فإن كان العمل نافعاً من كل وجه فحثه على فعله، وإن كان مضراً فحذره منه وإن احتوى على نفع وضرر فاشرح له ذلك، ووازن بين المصالح

стр. 72

والمفاسد. وكذلك إذا شاورك على معاملة أحد من الناس أو تزويجه أو التزوج منه فابذل له محض نصيحتك، وأعمل له من الرأي ما تعمله لنفس، وإياك أن تغشه في شيء من ذلك. فمن غش المسلمين فليس منهم، وقد ترك واجب النصيحة. وهذه النصيحة واجبة مطلقاً، ولكنها تتأكد إذا استنصحك وطلب منك الرأي النافع. ولهذا قيده في هذه الحالة التي تتأكد. وقد تقدم شرح الحديث "الدين النصيحة"١ بما يغني عن إعادة الكلام. الرابعة: قوله: "وإذا عطس فحمد الله فشمته" وذلك أن العطاس نعمة من الله؛ لخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء بدن الإنسان، يسر الله لها منفذاً تخرج منه فيستريح العاطس. فشرع له أن يحمد الله على هذه النعمة. وشرع لأخيه أن يقول له: "يرحمك الله" وأمره أن يجيبه بقوله: "يهديكم الله ويصلح بالكم" فمن لم يحمد الله لم يستحق التشميت، ولا يلومن إلا نفسه. فهو الذي فوّت على نفسه النعمتين: نعمة الحمد لله، ونعمة دعاء أخيه له المرتب على الحمد. الخامسة: قوله "وإذا مرض فعده" عيادة المريض من حقوق المسلم، وخصوصاً من له حق عليك متأكد، كالقريب والصاحب ونحوهما. وهي من أفضل الأعمال الصالحة. ومن عاد أخاه المسلم لم يزل يخوض الرحمة، فإذا جلس عنده غمرت الرحمة. ومن عاده أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي. ومن عاده آخر النهار صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وينبغي للعائد أن يدعو له بالشفاء، وينفس له، ويشرح خاطره بالبشارة بالعافية، ويذكره التوبة والإنابة إلى الله والوصية النافعة. ولا يطيل عنده الجلوس، بل بمقدار العيادة، إلا أن يؤثر المريض كثرة تردده وكثرة جلوسه عنده، فلكل مقام مقال. السادسة: قوله: "وإذا مات فاتّبعه" فإن من تبع جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط من الأجر. فإن تبعها حتى تدفن فله قيراطان. واتباع الجنازة فيه حق لله، وحق للميت، وحق لأقاربه الأحياء.

стр. 73

الحديث الثلاثون: أجر النيّة الصالحة . عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً" رواه البخاري١. هذا من أكبر مِنن الله على عباده المؤمنين: أن أعمالهم المستمرة المعتادة إذا قطعهم عنها مرض أو سفر كتبت لهم كلها كاملة؛ لأن الله يعلم منهم أنه لولا ذلك المانع لفعلوها، فيعطيهم تعالى بنياتهم مثل أجور العاملين مع أجر المرض الخاص، ومع ما يحصل به من القيام بوظيفة الصبر، أو ما هو أكمل من ذلك من الرضى والشكر، ومن الخضوع لله والانكسار له. ومع ما يفعله المسافر من أعمال ربما لا يفعلها في الحضر: من تعليم، أو نصيحة، أو إرشاد إلى مصلحة دينية أو دنيوية وخصوصاً في الأسفار الخيرية، كالجهاد، والحج والعمرة، ونحوها. ويدخل في هذا الحديث: أن من فعل العبادة على وجه ناقص وهو يعجز عن فعلها على الوجه الأكمل، فإن الله يكمل له بنيته ما كان يفعله لو قدر عليه؛ فإن العجز عن مكملات العبادات نوع مرض. والله أعلم. ومن كان من نيته عمل خير، ولكنه اشتغل بعمل آخر أفضل منه، ولا يمكنه الجمع بين الأمرين: فهو أولى أن يكتب له ذلك العمل الذي منعه منه عمل أفضل منه، بل لو اشتغل بنظيره. وفضل الله تعالى عظيم.

стр. 74

الحديث الحادي والثلاثون: الحثّ على الإسراع بِالْجِنَازَةِ . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ. فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تقدمونها إليه. وإن تك غير ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١. هذا الحديث محتوٍ على مسائل أصولية وفروعية. فقوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة" يشمل الإسراع بتغسيلها وتكفينها وحملها ودفنها، وجميع متعلقات التجهيز. ولهذا كانت هذه الأمور من فروض الكفاية. ويستثنى من هذا الإسراع إذا كان التأخير فيه مصلحة راجحة، كأن يموت بغتة، فيتعين تأخيره حتى يتحقق موته: لئلا يكون قد أصابته سكتة. وينبغي أيضاً - تأخيره لكثرة الجمع، أو لحضور من له حق عليه من قريب ونحوه. وقد علّل ذلك بمنفعة الميت لتقديمه لما هو خير له من النعيم، أو لمصلحة الحي بالسرعة في الإبعاد عن الشر. وإذا كان هذا مأموراً به في أمور تجهيزه، فمن باب أولى الإسراع في إبراء ذمته من ديون وحقوق عليه، فإنه إلى ذلك أحوج. وفيه: الحث على الاهتمام بشأن أخيك المسلم حياً وميتاً، وبالإسراع إلى ما فيه خير له في دينه ودنياه. كما أن فيه: الحق على البعد عن أسباب الشر، ومباعدة المجرمين، حتى في الحالة التي يبتلى الإنسان فيها بمباشرته. وفي هذا الحديث: إثبات نعيم البرزخ وعذابه. وقد تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم٢، وأن مبتدأ ذلك وضعه في قبره إذا تم دفنه، ولهذا يشرع في هذه الحال الوقوف على قبره والدعاء له، والاستغفار، وسؤال الله له الثبات. وفي هذا أيضاً: التنبيه على أسباب نعيم البرزخ وعذابه، وأن أسباب النعيم الصلاح؛

стр. 75

لقوله: "فإن كانت صالحة" والصلاح كلمة جامعة تحتوي على تصديق الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله. فهو تصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب النهي، وأن العذاب سببه الإخلال بالصلاح: إما لشك في الدين، أو اجتراء على المحارم، أو لترك شيء من الواجبات والفرائض. وجميع الأسباب المفصلة في الأحاديث والآثار ترجع إلى ذلك. ولذلك قال تعالى: ﴿لا يَصْلَاهَا إِلا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥-١٦] , كذب الخبر، وتولى عن الأمر.

стр. 76

الحديث الثاني والثلاثون: تحديد نصاب زكاة الحبوب والثمار . عن أبي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أواقٍ مِنَ الوَرِق صَدَقَةٌ. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صدقة" متفق عليه١. اشتمل هذا الحديث على تحديد أنصبة الأموال الزكوية الغالية، والتي تجب فيه الزكاة: الحبوب، والثمار، والمواشي من الأنعام الثلاثة والنقود، وما يتفرع عنها من عروض التجارة. أما زكاة الحبوب والثمار: فإن نص هذا الحديث أن نصابها خمسة أوسق. فما دون ذلك لا زكاة فيه. والوَسْق: ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ . فتكون الخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع. فمن بلغت حبوب زرعه أو مَغَلَّ ثمره هذا المقدار فأكثر: فعليه زكاته فيما سُقي بمؤونة نصف العشر، وفيما سقي بغير مؤونة العشر. وأما زكاة المواشي: فليس فيما دون خمس من الإبل شيء. فإذا بلغت خمساً: ففيها شاة. ثم في كل خمس شاة، إلى خمس وعشرين: فتجب فيها بنت مخاض، وهي التي تم لها سنة، وفي ست وثلاثين: بنت لبون، لها سنتان. وفي ست وأربعين: حِقَّةٌ، لها ثلاث سنين. وفي إحدى وستين: جَذَعة، لها أربع سنين. وفي ست وسبعين: بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين: حقتان. فإذا زادت على عشرين ومائة: ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وأما نصاب البقر: فالثلاثون فيها تبيع أو تبيعة، له سنة. وفي أربعين مُسِنَّة، لها سنتان. ثم في كل ثلاثين تبيع. وفي كل أربعين مسنة. وأما نصاب الغنم: فأقله أربعون، فيها شاة. وفي إحدى وعشرين ومائة: شاتان. وفي

стр. 77

مائتين وواحدة: ثلاث شياه. ثم في كل مائة: شاة، وما بين الفرضين يقال له: "وَقْص" في المواشي خاصة، لا شيء فيه، بل هو عفو. وأما بقية الحيوانات، كالخيل والبغال والحمير وغيرها: فليس فيه زكاة، إلا إذا أعد للبيع والشراء. وأما نصاب النقود من الفضة: فأقله خمس أواق. والأوقية أربعون درهماً. فمتى بلغت عنده مائتا درهم: ففيه ربع العشر. وكذلك ما تفرع عن النقدين من عروض التجارة. وهو كل ما أعدّ للبيع والشراء لأجل المكسب والربح، فيُقَوَّم إذا حال الحول بقيمة النقود، ويخرج عنه ربع العشر. ولا بد في جميعها من تمام الحول إلا الحبوب والثمار، فإنها تخرج زكاتها وقت الحصاد والجذاذ، قال تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] . فهذه أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة. وأما مصرفها: فللأصناف الثمانية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] .

стр. 78

الحديث الثالث والثلاثون: فضل الصبر والعفّة . عن أبي سعيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعفّه اللَّهُ. وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغنه اللَّهُ. وَمَنْ يَتَصَبَّر يُصّبِّره اللَّهُ. وَمَا أعطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأوسع من الصبر" متفق عليه١. هذا الحديث اشتمل على أربع جمل جامعة نافعة. إحداها: قوله: "ومن يستعفف يعفه الله" والثانية: قوله: "ومن يستغن يغنه الله" وهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقاً به دون المخلوقين، فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبداً لله حقاً حُرّاً من رق المخلوقين. وذلك بأن يجاهد نفسه عن أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم. فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله. ولهذا قال ﷺ لعمر: "ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه. ومالا فلا تتبعه نفسَك"٢ فقطع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففاً وترفعاً عن مِنن الخلق، وعن تعلق القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة. وتمام ذلك: أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله، والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه. وهذا هو المقصود. والأول وسيلة إلى هذا. فإن من استعف عما في أيدي الناس وعما يناله منهم: أوجب له ذلك أن يقوى تعلقه بالله، ورجاؤه وطمعه في فضل الله وإحسانه، ويحسن ظنه وثقته بربه. والله تعالى عند حسن ظن عبده به إن ظن خيراً فله: وإن ظن غيره فله. وكل واحد من الأمرين يمد الآخر فيقويه. فكلما قوي تعلقه بالله ضعف تعلقه بالمخلوقين وبالعكس.

стр. 79

ومن دعاء النبي ﷺ : "اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى"١ فجمع الخير كله في هذا الدعاء. فالهدى: هو العلم النافع. والتقى: العمل الصالح، وترك المحرمات كلها. وهذا صلاح الدين. وتمام ذلك بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله. ومن كان غنياً بالله فهو الغني حقاً، وإن قلت حواصله. فليس الغني عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى القلب. وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله. والثالثة قوله: "ومن يتصبر يصبره الله". ثم ذكر في الجملة الرابعة: أن الصبر إذا أعطاه الله العبد فهو أفضل العطاء وأوسعه وأعظمه، إعانة على الأمور. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ [البقرة:٤٥] , أي: على أموركم كلها. والصبر كسائر الأخلاق يحتاج إلى مجاهدة للنفس وتمرينها. فلهذا قال: "ومن يتصبر" أي: يجاهد نفسه على الصبر "يصبره الله" ويعينه وإنما كان الصبر أعظم العطايا، لأنه يتعلق بجميع أمور العبد وكمالاته وكل حالة من أحواله تحتاج إلى صبر. فإنه يحتاج إلى الصبر على طاعة الله، حتى يقوم بها ويؤديها. وإلى صبر عن معصية الله حتى يتركها لله وإلى صبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يتسخطها. بل إلى صبر على نعم الله ومحبوبات النفس، فلا يدع النفس تمرح وتفرح الفرح المذموم، بل يشتغل بشكر الله، فهو في كل أحواله يحتاج إلى الصبر. وبالصبر ينال الفلاح. ولهذا ذكر الله أهل الجنة فقال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤] , وكذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥] , فهم نالوا الجنة بنعيمها، وأدركوا المنازل العالية بالصبر. ولكن العبد يسأل الله

стр. 80

العافية من الابتلاء الذي لا يدري ما عاقبته، ثم إذا ورد عليه فوظيفته الصبر. فالعافية هي المطلوبة بالأصالة في أمور الابتلاء والامتحان. والصبر يؤمر به عند وجود أسبابه متعلقاته. والله هو المعين. وقد وعد الله الصابرين في كتابه وعلى لسان رسوله أموراً عالية جليلة. وعدهم بالإعانة في كل أمورهم، وأنه معهم بالعناية والتوفيق والتسديد، وأنه يحبهم ويثبت قلوبهم وأقدامهم، ويلقي عليهم السكينة والطمأنينة، ويسهل لهم الطاعات، ويحفظهم من المخالفات، ويتفضل عليهم بالصلوات والرحمة والهداية عند المصيبات. والله يرفعهم إلى أعلى المقامات في الدنيا والآخرة. وعدهم النصر، وأن ييسرهم لليسرى ويجنبهم العُسرى. ووعدهم بالسعادة والفلاح والنجاح، وأن يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأن يخلف عليهم في الدنيا أكثر مما أخذ منهم من محبوباتهم، وأحسن، يعوضهم عن وقوع المكروهات عوضاً عاجلاً يقابل أضعاف أضعاف ما وقع عليهم من كريهة ومصيبة. وهو في ابتدائه صعب شديد. وفي انتهائه سهل حميد العواقب كما قيل: والصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل.

стр. 81

الحديث الرابع والثلاثون: ما نقصت صدقة من مال . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا. وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ١. هذا الحديث احتوى على فضل الصدقة، والعفو والتواضع، وبيان ثمراتها العاجلة والآجلة، وأن كل ما يتوهمه المتوهم من نقص الصدقة للمال، ومنافاة العفو للعز، والتواضع للرفعة. وهم غالط، وظن كاذب. فالصدقة لا تنقص المال؛ لأنه لو فرض أنه نقص من جهة، فقد زاد من جهات أُخر؛ فإن الصدقة تبارك المال، وتدفع عنه الآفات وتنميه، وتفتح للمتصدق من أبواب الرزق وأسباب الزيادة أموراً ما تفتح على غيره. فهل يقابل ذلك النقص بعض هذه الثمرات الجليلة؟ فالصدقة لله التي في محلها لا تنفد المال قطعاً، ولا تنقصه بنص النبي ﷺ ، وبالمشاهدات والتجربات المعلومة. هذا كله سوى ما لصاحبها عند الله: من الثواب الجزيل، والخير والرفعة. وأما العفو عن جنايات المسيئين بأقوالهم وأفعالهم: فلا يتوهم منه الذل، بل هذا عين العز، فإن العز هو الرفعة عند الله وعند خلقه، مع القدرة على قهر الخصوم والأعداء. ومعلوم ما يحصل للعافي من الخير والثناء عند الخلق وانقلاب العدو صديقاً، وانقلاب الناس مع العافي، ونصرتهم له بالقول والفعل على خصمه، ومعاملة الله له من جنس عمله، فإن من عفا عن عباد الله عفا الله عنه. وكذلك المتواضع لله ولعباده ويرفعه الله درجات؛ فإن الله ذكر الرفعة في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] , فمن أجلّ ثمرات العلم والإيمان: التواضع؛ فإنه الانقياد الكامل للحق، والخضوع لأمر الله ورسوله؛ امتثالاً للأمر، واجتناباً للنهي، مع التواضع لعباد الله، وخفض الجناح لهم، ومراعاة الصغير والكبير، والشريف والوضيع. وضد ذلك التكبر؛ فهو غمط الحق، واحتقار الناس.

стр. 82

وهذه الثلاث المذكورات في هذا الحديث: مقدمات صفات المحسنين. فهذا محسن في ماله، ودفع حاجة المحتاجين. وهذا محسن بالعفو عن جنايات المسيئين. وهذا محسن إليهم بحلمه وتواضعه، وحسن خلقه مع الناس أجمعين. وهؤلاء قد وسعوا الناس بأخلاقهم وإحسانهم ورفعهم الله فصار لهم المحل الأشرف بين العباد، مع ما يدخر الله لهم من الثواب. وفي قوله ﷺ : "وما تواضع أحد لله" تنبيه على حسن القصد والإخلاص لله في تواضعه؛ لأن كثيراً من الناس قد يظهر التواضع للأغنياء ليصيب من دنياهم، أو للرؤساء لينال بسببهم مطلوبه. وقد يظهر التواضع رياء وسمعة. وكل هذه أغراض فاسدة. لا ينفع العبد إلا التواضع لله تقرباً إليه. وطلباً لثوابه، وإحساناً إلى الخلق؛ فكمال الإحسان وروحه الإخلاص لله.

стр. 83

الحديث الخامس والثلاثون: للصائم فرحتان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ. فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. ولَخَلُوف فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ١. وَالصَّوْمُ جُنَّة. وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سابَّه أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صائم" متفق عليه٢. ما أعظم هذا الحديث؛ فإنه ذكر الأعمال عموماً، ثم الصيام خصوصاً وذكر فضله وخواصه، وثوابه العاجل والآجل، وبيان حكمته، والمقصود منه، وما ينبغي فيه من الآداب الفاضلة. كلها احتوى عليها هذا الحديث. فبين هذا الأصل الجامع، وأن جميع الأعمال الصالحة - من أقوال وأفعال، ظاهرة أو باطنة، سواء تعلقت بحق الله، أو بحقوق العباد - مضاعفة من عشر إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. وهذا من أعظم ما يدل على سعة فضل الله، وإحسانه على عباده المؤمنين؛ إذ جعل جناياتهم ومخالفتهم الواحدة بجزاء واحد، ومغفرة الله تعالى فوق ذلك. وأما الحسنة: فأقل التضعيف أو الواحدة بعشر. وقد تزيد على ذلك بأسباب. منها: قوة إيمان العامل، وكمال إخلاصه. فكلما قوي الإيمان والإخلاص تضاعف ثواب العمل. ومنها: أن يكون للعمل موقع كبير، كالنفقة في الجهاد والعلم، والمشاريع الدينية العامة، وكالعمل الذي قوي بحسنه وقوته ودفعه المعارضات، كما ذكره ﷺ في قصة أصحاب

стр. 84

الغار١، وقصة البَغِيِّ التي سقت الكلب، فشكر الله لها وغفر لها٢. ومثل العمل الذي يثمر أعمالاً أُخر، ويقتدي به غيره، أو يشاركه فيه مشارك، وكدفع الضرورات العظيمة، وحصول المبرات الكبيرة، وكالمضاعفة لفضل الزمان أو المكان، أو العامل عند الله. فهذه المضاعفات كلها شاملة لكل عمل. واستثنى في هذا الحديث الصيام، وأضافه إليه، وأنه الذي يجزى به بمحض فضله وكرمه، من غير مقابلة للعمل بالتضعيف المذكور الذي تشترك فيه الأعمال. وهذا شيء لا يمكن التعبير عنه، بل يجازيهم بما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفي الحديث كالتنبيه على حكمة هذا التخصيص، وأن الصائم لما ترك محبوبات النفس التي طبعت على محبتها، وتقديمها على غيرها، وأنها من الأمور الضرورية، فقدم الصائم عليها محبة ربه، فتركها لله في حالة لا يطلع عليها إلا الله، وصارت محبته لله مقدمة وقاهرة لكل محبة نفسية، وطلب رضاه وثوابه مقدماً على تحصيل الأغراض النفسية. فلهذا اختصه الله لنفسه، وجعل ثواب الصائم عنده. فما ظنك بأجر وجزاء تكفل به الرحمن الرحيم الكريم المنان، الذي عمت مواهبه جميع الموجودات، وخصّ أولياءه منها بالحظ الأوفر، والنصيب الأكمل، وقدر لهم من الأسباب والألطاف التي ينالون بها ما عنده على أمور لا تخطر له بالبال. ولا تدور في الخيال؟ فما ظنك أن يفعل الله بهؤلاء الصائمين المخلصين؟ وهنا يقف القلم، ويسيح قلب الصائم فرحاً وطرباً بعمل اختصه الله لنفسه، وجعل جزاءه من فضله المحض، وإحسانه الصرف. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ودلّ الحديث على أن الصيام الكامل هو الذي يدع العبد فيه شيئين: المفطرات الحسية، من طعام وشراب ونكاح وتوابعها. والمنقصات العملية، فلا يرفث ولا يصخب، ولا يعمل عملاً محرماً، ولا يتكلم بكلام محرم. بل يجتنب جميع المعاصي، وجميع المخاصمات والمنازعات المحدثة للشحناء. ولهذا قال: "فلا يرفث" أي: لا يتكلم بكلام قبيح "ولا

стр. 85

يصخب"١ بالكلام المحدث للفتن والمخاصمات. كما قال في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"٢. فمن حقق الأمرين: ترك المفطرات، وترك المنهيات، تم له أجر الصائمين. ومن لم يفعل ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ثم أرشد الصائم إذا عرض له أحد يريد مخاصمته ومشاتمته أن يقول له بلسانه: "إني صائم". وفائدة ذلك: أن يريد كأنه يقول: اعلم أنه ليس بي عجز عن مقابلتك على ما تقول، ولكني صائم، أحترم صيامي وأراعي كماله، وأمر الله ورسوله. واعلم أن الصيام يدعوني إلى ترك المقابلة، ويحثُّني على الصبر. فما عملته أنا خير وأعلى مما عملته معي أيها المخاصم. وفيه: العناية بالأعمال كلها من صيام وغيره، ومراعاة تكميلها، والبعد عن جميع المنقصات لها، وتذكر مقتضيات العمل، وما يوجبه على العامل وقت حصول الأسباب الجارحة للعمل. وقوله: "الصيام جُنَّة" أي: وقاية يتقي بها العبد الذنوب في الدنيا ويتمرن به على الخير، ووقاية من العذاب. فهذا من أعظم حكم الشارع من فوائد الصيام، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] , فكون الصوم جنة، وسبب لحصول التقوى: هو مجموع الحكم التي فصلت في حكمة الصيام وفوائده فإنه يمنع من المحرمات أو يخففها، ويحث على كثير من الطاعات.

стр. 86

وقوله ﷺ : "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لقاء ربه". هذا ثوابان: عاجل، وآجل. فالعاجل: مشاهد إذا أفطر الصائم فرح بنعمة الله عليه بتكميل الصيام. وفرح بنيل شهواته التي منع منها في النهار. والآجل: فرحه عند لقاء ربه برضوانه وكرامته. وهذا الفرح المعجل نموذج ذلك الفرح المؤجل، وأن الله سيجمعهما للصائم. وفيه: الإشارة إلى أن الصائم إذا قارب فطره، وحصلت له هذه الفرحة، فإنها تقابل ما مر عليها في نهاره من مشقة ترك الشهوات. فهي من باب التنشيط، وإنهاض الهمم على الخير. وقوله: "وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ريح المسك". الخلوف: هو الأثر الذي يكون في الفم من رائحة الجوف عند خلوه من الطعام وتصاعد الأبخرة. فهو وإن كان كريهاً للنفوس، فلا تحزن أيها الصائم؛ فإنه أطيب عند الله من ريح المسك، فإنه متأثر عن عبادته والتقرب إليه. وكل ما تأثر عن العبادات من المشقات والكريهات فهو محبوب لله. ومحبوب الله عند المؤمن مقدم على كل شيء.

стр. 87

الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ الْأَوْلِيَاءِ . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ. فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا. وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأعطينَّه، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤمِنِ: يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ. وَلَا بُدَّ لَهُ منه" رواه البخاري١. هذا حديث جليل، أشرف حديث في أوصاف الأولياء، وفضلهم ومقاماتهم. فأخبر أن معاداة أوليائه معاداة له ومحاربة له. ومن كان متصدياً لعداوة الرب ومحاربة مالك الملك فهو مخذول. ومن تكفل الله بالذَّبِّ عنه فهو منصور. وذلك لكمال موافقة أولياء الله لله في محابه؛ فأحبهم وقام بكفايتهم، وكفاهم ما أهمهم. ثم ذكر صفة الأولياء الصفة الكاملة، وأن أولياء الله هم الذين تقربوا إلى الله بأداء الفرائض أولاً: من صلاة وصيام وزكاة وحج وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد، وقيام بحقوقه وحقوق عباده الواجبة. ثم انتقلوا من هذه الدرجة إلى التقرب إليه بالنوافل، فإن كل جنس من العبادات الواجبة مشروع من جنسه نوافل فيها فضائل عظيمة تكمل الفرائض، وتكمل ثوابها. فأولياء الله قاموا بالفرائض والنوافل، فتولاهم وأحبهم وسهل لهم كل طريق يوصلهم إلى رضاه. ووفقهم وسددهم في جميع حركاتهم، فإن سمعوا سمعوا بالله. وإن أبصروا فلله. وإن بطشوا أو مشوا ففي طاعة الله.

стр. 88

ومع تسديده لهم في حركاتهم جعلهم مجابي الدعوة: إن سألوه أعطاهم مصالح دينهم ودنياهم، وإن استعاذوه من الشرور أعاذهم. ومع ذلك لطف بهم في كل أحوالهم، ولولا أنه قضى على عباده بالموت لسلم منه أولياءه؛ لأنهم يكرهونه لمشقته وعظمته. والله يكره مساءتهم، ولكن لما كان القضاء نافذاً كان لا بد لهم منه. فبين في هذا الحديث: صفة الأولياء، وفضائلهم المتنوعة، وحصول محبة الله لهم التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون، وأنه معهم وناصرهم، ومؤيدهم ومسددهم، ومجيب دعواتهم. ويدل هذا الحديث على: إثبات محبة الله، وتفاوتها لأوليائه بحسب مقاماتهم. ووصف النبي ﷺ لأولياء الله بأداء الفرائض والإكثار من النوافل، مطابق لوصف الله لهم بالإيمان والتقوى في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] . فكل من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً؛ لأن الإيمان يشمل العقائد، وأعمال القلوب والجوارح. والتقوى ترك جميع المحرمات. ويدل على أصل عظيم: وهو أن الفرائض مقدمة على النوافل، وأحب إلى الله وأكثر أجراً وثواباً. لقوله: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مما افترضت عليه"، وأنه عند التزاحم يتعين تقديم الفروض على النوافل.

стр. 89

الحديث السابع والثلاثون: البيّعان بالخيار . عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "البيِّعان بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. فَإِنْ صَدَقَا وبيَّنا: بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا: مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١. هذا الحديث أصل في بيان المعاملات النافعة، والمعاملات الضارة وأن الفاصل بين النوعين: الصدق والبيان. فمن صدق في معاملته، وبين جميع ما تتوقف عليه المعاملة من الأوصاف المقصودة، ومن العيوب والنقص. فهذه معاملة نافعة في العاجل بامتثال أمر الله ورسوله، والسلامة من الإثم، وبنزول البركة في معاملته. وفي الآجلة بحصول الثواب، والسلامة من العقاب. ومن كذب وكتم العيوب، وما في العقود عليه من الصفات فهو مع إثمه معاملته ممحوقة البركة. متى نزعت البركة من المعاملة خسر صاحبها دنياه وأُخراه. ويستدل بهذا الأصل على تحريم التدليس، وإخفاء العيوب، وتحريم الغش، والبخس في الموازين والمكاييل والذرع وغيرها؛ فإنها من الكذب والكتمان. وكذلك تحريم النجش, والخداع في المعاملات وتلقي الجلب ليبيعهم، أو يشتري منهم٢. ويدخل فيه: الكذب في مقدار الثمن والمثمن، وفي وصف المعقود عليه، وغير ذلك. وضابط ذلك: أن كل شيء تكره أن يعاملك فيه أخوك المسلم أو غيره ولا يخبرك به، فإنه من باب الكذب والإخفاء والغش. ويدخل في هذا: البيع بأنواعه، والإجارات، والمشاركات وجميع المعاوضات، وآجالها ووثائقها. فكلها يتعين على العبد فيها، الصدق والبيان، ولا يحل له الكذب والكتمان.

стр. 90

وفي هذا الحديث: إثبات خيار المجلس في البيع، وأن لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الإمضاء أو الفسخ، ما داما في محل التبايع. فإذا تفرّقا ثبت البيع ووجب، وليس لواحد منهما بعد ذلك الخيار إلا بسبب يوجب الفسخ، كخيار شرط، أو عيب يجده قد أخفى عليه، أو تدليس أو تعذر معرفة ثمن، أو مثمن. والحكمة في إثبات خيار المجلس: أن البيع يقع كثيراً جداً، وكثيراً ما يندم الإنسان على بيعه أو شرائه؛ فجعل له الشارع الخيار؛ كي يتروى وينظر حاله: هل يمضي، أو يفسخ؟ والله أعلم.

стр. 91

الحديث الثامن والثلاثون: من البيوع المنهي عنها . عن أبي هريرة ﵁ قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرر" رَوَاهُ مسلم١. وهذا كلام جامع لكل غَرر. والمراد بالغَرر: المخاطرة والجهالة. وذلك داخل في الميسر، فإن الميسر كما يدخل في المغالبات والرهان -إلا رهان سباق الخيل والإبل والسهام٢- فكذلك يدخل في أمور المعاملات. فكل بيع فيه خطر: هل يحصل المبيع، أو لا يحصل؟ -كبيع الآبق والشارد والمغصوب من غير غاصبه، أو غير القادر على أخذه، وكبيع ما في ذمم الناس -وخصوصاً المماطلين والمعسرين - فإنه داخل في الغرر. وكذلك كل بيع فيه جهالة ظاهرة يتفاوت فيها المقصود؛ فإنها داخلة في بيع الغرر، كبيعه ما في بيته من المتاع، أو ما في دكانه، أو ما في هذا الموضع، وهو لا يدري به ولا يعلمه، أو بيع الحصاة التي هي مثال من أمثلة الغرر، كأن يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أيّ متاع وقعت، فهو عليك بكذا، أو ارمها في الأرض فما بلغته من المدى، فهو لك بكذا، أو بيع المنابذة أو الملامسة، أو بيع ما في بطون الأنعام، وما أشبه ذلك: فكل ذلك غرر واضح. ومن حكمة الشارع: تحريم هذا النوع؛ لما فيه من المخاطرات، وإحداث العداوات التي قد يغبن فيها أحدهما الآخر غبناً فاحشاً مضراً. ولهذا اشترط العلماء للبيع: العلم بالمبيع، والعلم بالثمن. واشترطوا أيضاً: أن يكون العاقد جائز التصرف، بأن يكون بالغاً عاقلاً رشيداً؛ لأن العقد مع الصغير أو غير الرشيد لا بد أن يحصل به غبن مضر. وذلك من الغرر.

стр. 92

وكذلك اشترطوا: العلم بالأجل، إذا كان الثمن أو بعضه، أو المبيع في السلم مؤجلاً؛ لأن جهالة الأجل تصيِّر العقد غرراً. وكما يدخل في النهي عن بيع الغرر، الغررُ الذي يتفقان عليه. فمن باب أولى أن يدخل فيه التغرير، وتدليس أحدهما على الآخر شيئاً من أمور المعاملة: من معقود به، أو عليه، أو شيء من صفاته. والغش كله داخل في التغرير، وأفراد الغش وتفاصيله، لا يمكن ضبطها. وهي معروفة بين الناس. وحاصل بيع الغرر يرجع إلى بيع المعدوم، كحبَل الحبَلة، والسنين، أو بيع المعجوز عنه، كالآبق ونحوه، أو بيع المجهول المطلق في ذاته، أو جنسه، أو صفاته.

стр. 93

الحديث التاسع والثلاثون: أنواع الصلح وشروطه عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا. وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حراماً" رواه أهل السنن إلا النسائي١. جمع في هذا الحديث الشريف بين أنواع الصلح والشروط - صحيحها وفاسدها - بكلام يشمل من أنواع العلم وأفراده ما لا يحصى، بحد واضح بيِّن. فأخبر أن الأصل في الصلح: أنه جائز لا بأس به، إلا إذا حرم الحلال، أو أحل الحرام. وهذا كلم محيط، يدخل فيه جميع أقسام الصلح. والصلح خير؛ لما فيه من حسم النزاع، وسلامة القلوب، وبراءة الذمم. فيدخل فيه: الصلح في الأمور في الإقرار، بأن يقرَّ له بدين، أو عين، أو حق، فيصالحه عنه ببعضه أو بغيره. وصلح الإنكار، بأن يدعي عليه حقاً من دين، أو عين، فينكر. ثم يتفقان على المصالحة على هذا بعين أو دين، أو منفعة أو إبراء، أو غيره: فكل ذلك جائز. وكذلك الصلح عن الحقوق المجهولة، كأن يكون بين اثنين معاملة طويلة، اشتبه فيها ثبوتُ الحق على أحدهما أو عليهما، أو اشتبه مقداره، فيتصالحان على ما يتفقان عليه، ويتحريان العدل. وتمام ذلك: أن يحل كل منهما الآخر، أو يكون بين اثنين مشاركة في ميراث أو وقف، أو وصية أو مال آخر: من ديون، أو أعيان، ثم يتصالحان عن ذلك بما يريانه أقرب إلى العدل والصواب.

стр. 94

وكذلك يدخل في ذلك: المصالحة بين الزوجين في حق من حقوق الزوجية: من نفقة أو كسوة أو مسكن أو غيرها، ماضية أو حاضرة، وإن اقتضت الحال أن يغض أحدهما عن بعض حقه: لاستيفاء بقيته، أو لبقاء الزوجية، أو لزوال الفضل، أو لغير ذلك من المقاصد، فكل ذلك حسن. كما قال تعالى في حقهما: ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] , وكذلك الصلح عن القصاص في النفوس، أو الأطراف بمال يتفقان عليه، أو المعاوضة عن ديات النفوس والأطراف والجروح أو يصلح الحاكم بين الخصوم بما تقتضيه الحال، متحرياً في ذلك مصلحتهما جميعاً. فكل هذا داخل في قوله ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين". فإن تضمن الصلح تحريم الحلال، أو تحليل الحرام، فهو فاسد بنص هذا الحديث، كالصلح على رق الأحرار، أو إباحة الفروج المحرمة، أو الصلح الذي فيه ظلم. ولهذا قيده الله بقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] , أو صلح اضطرار كالمكره، وكالمرأة إذا عضلها زوجها ظلماً لتفتدي منه، وكالصلح على حق الغير بغير إذنه وما أشبه ذلك، فهذا النوع صلح محرم غير صحيح. وأما الشروط: فأخبر في هذا الحديث أن المسلمين على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، وهذا أصل كبير. فإن الشروط هي التي يشترطها أحد المتعاقدين على الآخر مما له فيه حظ ومصلحة، فذلك جائز. وهو لازم إذا وافقه الآخر عليه، واعترف به. وذلك مثل إذا اشترط المشتري في المبيع وصفاً مقصوداً، كشرط العبد كاتباً، أو يحسن العمل الفلاني، أو الدابة هملاجة أو لبوناً، أو الجارح صيوداً، أو الجارية بكراً أو جميلة أو فيها الوصف الفلاني المقصود. ومثل أن يشترط المشتري: أن الثمن أو بعضه مؤجل بأجل مسمى، أو يبيع الشيء ويشترط البائع: أن ينتفع به مدة معلومة، كما باع جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله

стр. 95

عنهما للنبي ﷺ جمله، واشترط ظهره إلى المدينة١. ومثل أن يشترط سكنى البيت، أو الدكان مدة معلومة، أو يستعمل الإناء مدة معلومة، وما أشبه ذلك. وكذلك شروط الرهن والضمان والكفالة هي من الشروط الصحيحة اللازمة. ومثل الشروط التي يشترطها المتشاركان في مضاربة، أو شركة عنان، أو وجوه أو أبدان، أو مساقاة، أو مزارعة: فكلها صحيحة، إلا شروطاً تحلل الحرام، وعكسه، كالتي تعود إلى الجهالة والغرر. ومثل شروط الواقفين والموصين في أوقافهم ووصاياهم من الشروط المقصودة: فكلها صحيحة، ما لم تدخل في محرم. وكذلك الشروط بين الزوجين، كأن تشترط دارها أو بلدها، أو نفقة معينة أو نحوها. فإن أحق الشروط أن يوفى به هذا النوع.

стр. 96

الحديث الأربعون: المعاسرة في إعطاء الحقّ الواجب ظلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَطْل الغنيِّ ظُلْمٌ. وَإِذَا أُتْبع أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فليَتْبع" متفق عليه١. تضمن هذا الحديث الأمر بحسن الوفاء، وحسن الاستيفاء والنهي عما يضاد الأمرين أو أحدهما. فقوله: "مطل الغني ظلم" أي: المعاسرة في أداء الواجب ظلم؛ لأنه ترك لواجب العدل؛ إذ على القادر المبادرة إلى أداء ما عليه، من غير أن يحوج صاحب الحق إلى طلب وإلحاح، أو شكاية. فمن فعل ذلك مع قدرته على الوفاء فهو ظالم. "والغني" هو الذي عنده موجودات مالية يقدر بها على الوفاء. ومفهوم الحديث: أن المعسر لا حرج عليه في التأخير. وقد أوجب الله على صاحب الحق إنظاره إلى الميسرة. ونفهم من هذا الحديث: أن الظلم المالي لا يختص بأخذ مال الغير بغير حق، بل يدخل في كل اعتداء على مال الغير، أو عل حقه بأي وجه يكون. فمن غصب مال الغير، أو سرقه، أو جحد حقاً عنده للغير، أو بعضه، أو ادعى عليه ما ليس له من أصل الحق أو وصفه، أو ماطله بحقه من وقت إلى آخر، أو أدى إليه أقل مما وجب له في ذمته - وصفاً أو قدراً - فكل هؤلاء ظالمون بحسب أحوالهم. والظلم ظلمات يوم القيامة على أهله. ثم ذكر في الجملة الأخرى حسن الاستيفاء، وأن من له الحق عليه أن يَتْبَع صاحبه بمعروف وتيسير، لا بإزعاج ولا تعسير، ولا يرهقه من أمره عسراً، ولا يمتنع عليه إذا وجهه إلى جهة ليس عليه فيها مضرة ولا نقص. فإذا أحاله بحقه على ملئ -أي: قادر على الوفاء

стр. 97

غير مماطل ولا ممانع - فليتحول عليه؛ فإن هذا من حسن الاسيتفاء والسماحة. ولهذا ذكر الله تعالى الأمرين في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨] , فأمر صاحب الحق أن يتبع من عليه الحق بالمعروف، والمستحسن عرفاً وعقلاً، وأن يؤدي من عليه الحق بإحسان. وقد دعا ﷺ لمن اتصف بهذا الوصف الجميل، فقال: "رحم الله عبداً سَمْحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى"١. فالسماحة في مباشرة المعاملة، وفي القضاء، والاقتضاء، يرجى لصاحبها كل خير: ديني ودنيوي، لدخوله تحت هذه الدعوة المباركة التي لا بد من قبولها. وقد شوهد ذلك عياناً. فإنك لا تجد تاجراً بهذا الوصف إلا رأيت الله قد صبّ عليه الرزق صباً، وأنزل عليه البركة. وعكسه صاحب المعاسرة والتعسير، وإرهاق المعاملين. والجزاء من جنس العمل. فجزاء التيسير التيسير. وإذا كان مطل الغني ظلماً: وجب إلزامه بأداء الحق إذا شكاه غريمه. فإن أدى وإلا عُزر حتى يؤدي، أو يسمح غريمه. ومتى تسبب في تغريم غريمه بسبب شكايته: فعليه الغرم لما أخذ من ماله، لأنه هو السبب، وذلك بغير حق. وكذلك كل من تسبب لتغريم غيره ظلماً فعليه الضمان. وهذا الحديث أصل في باب الحوالة، وأمن حُوِّلَ بحقه على مليء فعليه أن يتحول، وليس له أن يمتنع. ومفهومه: أنه إذا أحيل على غير مليء فليس عليه التحول، لما فيه من الضرر عليه. والحق الذي يتحول به: هي الديون الثابتة بالذمم، من قرض أو ثمن مبيع، أو غيرهما. وإذا حوله على المليء فاتبعه: برئت ذمة المحيل، وتحوَّل حق الغريم إلى من حُوِّلَ عليه. والله أعلم.

стр. 98

الحديث الحادي والأربعون: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه . عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ، حَتَّى تؤدِّيَه" رواه أهل السنن إلا النسائي١. وهذا شامل لما أخذته من أموال الناس بغير حق كالغضب ونحوه، وما أخذته بحق، كرهن وإجارة. أما القسم الأول: فهو الغصب. وهو أخذ مال الغير بغير حق بغير رضاه. وهو من أعظم الظلم والمحرمات؛ فإن رسول الله ﷺ يقول: "من غصب قيد شبر من الأرض طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين"٢. وعلى الغاصب أن يرد ما أخذه، ولو غَرَم على رده أضعاف قيمته، ولو صار عليه ضرر في رده، لأنه هو الذي أدخل الضرر على نفسه. فإن نقص ردَّه مع أرش نقصه. وعليه أجرته مدة بقائه بيده، وإن تلف ضمنه. وأما إذا كانت اليد أخذت مالك الغير برضى صاحبه، بإجارة، أو رهن، أو مضاربة، أو مساقاة، أو مزارعة، أو غيرها: فصاحب اليد أمين؛ لأن صاحب العين قد ائتمنه، فإن تلفت وهي بيده، بغير تعدٍّ ولا تفريط: فلا ضمان عليه. وإن تلفت بتفريط في حفظها أو تعدٍّ عليها: ضمنها ومتى انقضى الغرض منها ردها إلى صاحبها. ودخل في هذا الحديث "على اليد ما أخذت حتى تؤديه". وكذلك العارية على المستعير أن يردها إلى صاحبها بانقضاء الغرض منها، أو طلب ربها؛ لأن العارية عقد جائز لا لازم.

стр. 99

فإن تلفت العارية بغير تعد ولا تفريط. فمن العلماء من ضَمَّنه، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. ومنهم من لم يضمنه كسائر الأمناء. ومنهم من فصَّل: فإن شرط ضَمَانَها ضمِنَها، وإلا فلا. وهو أحسن الأقوال الثلاثة. ولكن لو وجد المال بيد مجنون، أو سفيه، أو صغير، فأخذه ليحفظه، فتلف بيده بغير تعدّ ولا تفريط: فإنه محسن، وما على المحسنين من سبيل. ولو أخذ اللقطة التي يجوز التقاطها، فعليه تعريفها عاماً كاملاً. فإن لم تعرف: فهي لواجدها. فإن وجد صاحبها بعد ذلك ووصفها: سلمها إليه إن كانت موجودة، وضمنها إن كان قد أتلفها باستعمال أو غيره. وإن تلفت في حول التعريف بغير تفريط ولا تعد: فلا ضمان على الملتقط؛ لأنه من جملة الأمناء، وهي حينئذ لم تدخل في ملكه. والله أعلم.

стр. 100

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَحْكَامُ الشُّفْعَةِ . عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: "قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وصُرفت الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ" رَوَاهُ البخاري١. يؤخذ من هذا الحديث: أحكام الشفعة كلها، وما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه. والشفعة إنما هي في الأموال المشتركة. وهي قسمان: عقار وغيره. فأثبت في هذا الحديث الشفعة في العقار. ودلّ على أن غير العقار لا شفعة فيه، فالشركة في الحيوانات، والأثاثات، والنقود، وجميع المنقولات لا شفعة فيها، إذا باع أحدهما نصيبه منها. وأما العقارات: فإذا أفرزت وحددت الحدود، وصرفت الطرق واختار كل من الشريكين نصيبه فلا شفعة فيها، كما هو نص الحديث لأنه يصير حينئذ جاراً، والجار لا شفعة له على جاره. وأما إذا لم تحد الحدود ولم تصرف الطرق، ثم باع أحدهم نصيبه: فللشريك أو الشركاء الباقين الشفعة، بأن يأخذوه بالثمن الذي وقع عليه العقد، كُلٍّ على قدر ملكه. وظاهر الحديث: أنه لا فرق بين العقار الذي تمكن قسمته [وبين ما لا يقسم] ٢, وهذا هو الصحيح؛ لأن الحكمة في الشفعة - وهي إزالة الضرر عن الشريك - موجودة في النوعين. والحديث عام. وأما ما استدل به على التفريق بين النوعين: فضعيف. واختلف العلماء في شفعة الجار على جاره، إذا كان بينهما حق من حقوق الملكين، كطريق مشترك، أو بئر أو نحوهما. فمنهم: من أوجب الشفعة في هذا النوع، وقال: إن هذا الاشتراك في هذا الحق نظير

стр. 101

الاشتراك في جميع الملك، والضرر في هذا كالضرر هناك. وهو الذي تدل عليه الأدلة. ومنهم: من لم يثبت فيه شفعة، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. ومنهم: من أثبت الشفعة للجار مطلقاً. وهذه الصورة عنده من باب أولى، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة. والنبي ﷺ أثبت للشريك الشفعة: إن شاء أخذ، وإن شاء لم يأخذ، وهو من جملة الحقوق، التي لا تسقط إلا بإسقاطها صريحاً، أو بما يدل على الإسقاط. وأما اشتراط المبادرة جداً إلى الأخذ بها، من غير أن يكون له فرصة في هذا الحق المتفق عليه: فهذا قول لا دليل عليه. وما استدلوا به من الحديثين اللذين أوردهما: "الشفعة كحل العقال"١، و"الشفعة لمن واثبها"٢ فلم يصح منهما عن النبي ﷺ شيء. فالصحيح: أن هذا الحق كغيره من الحقوق من خيار الشرط، أو العيب أو نحوها الحق ثابت إلا إن أسقطه صاحبه بقول أو فعل. والله أعلم.

стр. 102

الحديث الثالث والأربعون: فضل الشركات وبركتها . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ، مَا لم يَخُن أحدهما صاحبه. فإن خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ١. يدل هذا الحديث بعمومه على جواز أنواع الشركات كلها: شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة وغيرها من أنواع الشركات التي يتفق عليها المتشاركان. ومن منع شيئاً منها فعليه الدليل الدال على المنع، وإلا فالأصل الجواز، لهذا الحديث، وشموله. ولأن الأصل الجواز في كل المعاملات. ويدل الحديث على فضل الشركات وبركتها، إذا بنيت على الصدق والأمانة. فإن من كان الله معه بارك له في رزقه، ويسر له الأسباب التي ينال بها الرزق، رزقه من حيث لا يحتسب، وأعانه وسدده. وذلك: لأن الشركات يحصل فيها التعاون بين الشركاء في رأيهم وفي أعمالهم. وقد تكون أعمالاً لا يقدر عليها كل واحد بمفرده، وباجتماع الأعمال والأموال يمكن إدراكها. والشركات أيضاً يمكن تفريعها وتوسيعها في المكان والأعمال وغيرها. وأيضاً: فإن الغالب أنها يحصل بها من الراحة ما لا يحصل بتفرد الإنسان بعلمه. وقد يجري ويدير أحدهما العمل مع راحة الآخر، أو ذهابه لبعض مهماته، أو وقت مرضه. وهذا كله مع الصدق والأمانة. فإذا دخلتها الخيانة ونوى أحدهما أو كلاهما خيانة الآخر، وإخفاء ما يتمكن منه خرج الله من بينهما. وذهبت البركة. ولم تتيسر الأسباب. والتجربة والمشاهدة تشهد لهذا الحديث. والله أعلم.

стр. 103

الحديث الرابع والأربعون: ما ينفع العبد بعد وفاته . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ١. دار الدنيا جعلها الله دار عمل، يتزود منها العباد من الخير، أو الشر، للدار الأخرى، وهي دار الجزاء. وسيندم المفرطون إذا انتقلوا من هذه الدار، ولم يتزودوا منها لآخرتهم ما يسعدهم، وحينئذ لا يمكن الاستدراك. ولا يتمكن العبد أن يزيد [في] ٢ حسناته مثقال ذرة، ولا يمحو من سيئاته كذلك. وانقطع عمل العبد عنه إلا هذه الأعمال الثلاثة التي هي من آثار عمله. الأول - الصدقة الجارية: أي: المستمر نفعها. وذلك كالوقف للعقارات التي ينتفع بمغلِّها، أو الأواني التي ينتفع باستعمالها، أو الحيوانات التي ينتفع بركوبها ومنافعها، أو الكتب والمصاحف التي ينتفع باستعمالها والانتفاع بها، أو المساجد والمدارس والبيوت وغيرها التي ينتفع بها. فكلها أجرها جارٍ على العبد ما دام ينتفع بشيء منها. وهذا من أعظم فضائل الوقف. وخصوصاً الأوقاف التي فيها الإعانة على الأمور الدينية، كالعلم والجهاد، والتفرغ للعبادة، ونحو ذلك. ولهذا اشترط العلماء في الوقف: أن يكون مصرفه على جهة بر وقربة. الثاني - العلم الذي ينتفع به من بعده: كالعلم الذي علمه الطلبة المستعدين للعلم، والعلم الذي نشره بين الناس، والكتب التي صنفها في أصناف العلوم النافعة. وهكذا كل ما تسلسل الانتفاع بتعليمه مباشرة، أو كتابة، فإن أجره جار عليه. فكم من علماء هداة ماتوا من مئات من السنين، وكتبهم مستعملة، وتلاميذهم قد تسلسل خيرهم.

стр. 104

وذلك فضل الله. الثالث - الولد الصالح: ولد صلب، أو ولد ابن، أو بنت، ذكر أو أنثى - ينتفع والده بصلاحه ودعائه. فهو في كل وقت يدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة، ورفع الدرجات، وحصول المثوبات. وهذه المذكورة في هذا الحديث هي مضمون قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] , فما قدموا: هو ما باشروه من الأعمال الحسنة أو السيئة. وآثارهم ما ترتب على أعمالهم، مما عمله غيرهم، أو انتفع به غيرهم. وجميع ما يصل إلى العبد من آثار عمله ثلاثة: الأول: أمور عمل بها الغير بسببه وبدعايته وتوجيهه. الثاني: أمور انتفع بها الغير أيّ نفع كان، على حسب ذلك النفع باقتدائه به في الخير. الثالث: أمور عملها الغير وأهداها إليه، أو صدقة تصدق بها عنه أو دعا له، سواء أكان من أولاده الحسيين أو من أولاده الروحيين الذين تخرجوا بتعليمه، وهدايته وإرشاده، أو من أقاربه وأصحابه المحبين، أو من عموم المسلمين، بحسب مقاماته في الدين، وبحسب ما أوصل إلى العباد من الخير، أو تسبب به. وبحسب ما جعل الله له في قلوب العباد من الود الذي لا بد أن تترتب عليه آثاره الكثيرة التي منها: دعاؤهم، واستغفارهم له. وكلها تدخل في هذا الحديث الشريف. وقد يجتمع للعبد في شيء واحد عدة منافع. كالولد الصالح العالم الذي سعى أبوه في تعليمه، وكالكتب التي يقفها أو يهبها لمن ينتفع بها. ويستدل بهذا الحديث على الترغيب في التزوج الذي من ثمراته حصول الأولاد الصالحين، وغيرها من المصالح، كصلاح الزوجة وتعليمها ما تنتفع به، وتنفع غيرها. والله أعلم.

стр. 105

الحديث الخامس والأربعون: السبق في المباحات عَنْ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ له" رواه أبو داود١. يدخل في هذا الحديث: السبق إلى جميع المباحات التي ليست ملكاً لأحد، ولا باختصاص أحد. فيدخل فيه: السبق إلى إحياء الأرض الموات. فمن سبق إليها باستخراج ماء، أو إجرائه عليها، أو ببناء: مَلَكها. ولا يملكها بدون الإحياء. لكن لو أقطعه الإمام أو نائبه، أو تحجر مواتاً من دون إحيائه: فهو أحق به، ولا يملكه. فإن وجد متشوف للإحياء قيل له: إما أن تعمرها، وإما أن ترفع يدك عنها. ويدخل في ذلك: السبق إلى صيد البر، والبحر، وإلى المعادن غير الظاهرة، وغير الجارية. والسبق إلى أخذ حطب أو حشيش أو منبوذ رغبة عنه. والسبق إلى الجلوس في المساجد والمدارس والأسواق والرُّبُط إن لم يتوقف ذلك على ناظر جعل له الترتيب والتعيين، فيرجع فيه إلى نص الواقفين والموصين. فمن سبق إلى شيء من المباحات التي لا مالك لها: فهو أحق بها. والملك فيها مقصور على القدر المأخوذ. وكذلك من سبق إلى الأعمال في الجعالات التي يقول فيها صاحبها: من عمل لي هذا العمل فله كذا: فهو المستحق للتقديم والجعل. وكذلك من سبق إلى التقاط اللقطة واللقيط، وغيرها فكله داخل في هذا الحديث. والله أعلم.

стр. 106

الحديث السادس والأربعون: ألحقوا الفرائض بأهلها . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال رسول الله ﷺ : "ألحَقوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا. فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلى رجل ذكر" متفق عليه١.

стр. 107

الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ . عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حقَّه، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" رَوَاهُ أَبُو داود والترمذي وابن ماجة١. هذان الحديثان اشتملا على جلّ أحكام المواريث، وأحكام الوصايا فإن الله تعالى فصَّل أحكام المواريث تفصيلاً تاماً واضحاً، وأعطى كل ذي حق حقه. وأمر ﷺ أن يلحق الفرائض بأهلها، فيقدمون على العصبات. فما بقي فهو لأوْلى رجل ذكر. وهم العصبة من الفروع الذكور، والأصول الذكور، وفروع الأصول الذكور، والولاء. فيقدم من هذه الجهات إذا اجتمع عاصبان فأكثر: الأقرب جهة. فإن كانوا في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة. فيقدم الابن على ابن الابن، والعم مثلاً على ابن العم. فإن كانوا في منزلة واحدة، وتميز أحدهم بقوة القرابة ولا يتصور ذلك إلا في فروع الأصول، كالإخوة والأعمام مطلقاً وبنيهم: قدم الأقوى - وهو الشقيق- على الذي لأب. وهذا هو المراد بقوله ﷺ : "لأولى رجل ذكر" أي: أقربهم جهة، أو منزلة، أو قوة، على حسب هذا الترتيب. وعلم من هذا: أن صاحب الفرض مقدم على العاصب في البداءة، وأنه إن استغرقت الفروض التركة سقط العاصب في جميع مسائل الفرائض، حتى في الحِمَارِيَّة، وهي ما إذا خَلَّفت زوجاً، وأُمَّاً، وإخوة لأم وإخوة أشقاء: فللزوج النصف، وللأم السدس؛ وللإخوة لأم الثلث. فهؤلاء أهل فروض ألحقنا بهم فروضهم، وسقط الأشقاء؛ لأنهم عصبات. وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة. هذا أوضحها.

стр. 108

ويستدل بقوله ﷺ : "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا" على أن الفروض إذا كثرة تزاحمت ولم يحجب بعضها بعضاً، فإنه يعول لهم، وتنقص فروضهم بحسب ما عالت به كالديون إذا أدلت على موجودات الغريم التي لا تكفي لدينهم؛ فإنهم يعطون بقدر ديونهم وهذا من العدل. فكل مشتركين في استحقاق شيء لا يمكن أن يكمل لكل واحد منهم، وليس لواحد منهم مزية تقديم: فإنهم ينقصون على قدر استحقاقهم، وذلك في الهبات والوصايا والأوقاف وغيرها، كما أن الزائد لهم بقدر أملاكهم واستحقاقهم. ويدل الحديث على أنه إذا لم يوجد صاحب فرض، فالمال كله للعصبات على حسب الترتيب السابق. وكذلك يدلّ على أنه إذا لم يوجد إلا أصحاب الفروض، ولم يوجد عاصب، فإنه يرد عليهم على قدر فروضهم، كما تعال عليهم؛ لأن من حكمة فرض الفروض وتقديرها: أن تبقى البقية للعاصب. فإذا لم يوجد رُدَّ على المستحقين لعدم المزاحم. ويدل الحديث على صحة الوصية لغير الوارث. ولكن في ذلك تفصيل: إن كان الموصي غنياً ويدع ورثته أغنياء، استحبت. وإن كان فقيراً وورثته يحتاجون جميع ميراثه، لفقرهم أو كثرتهم: فالأولى له أن لا يوصى، بل يدع ماله لورثته. وأما الوصية للوارث: فالحديث دلّ على منعها. وعلل ذلك بقوله ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حقه، فلا وصية لوارث". فمن أوصى لوارث فقد تعدى حدود الله، وفضل بعض الورثة على بعض. وسواء وقع ذلك على وجه الوصية أو الهبة للوارث، كما هو اتفاق العلماء، أو على وجه الوقف لثلثه على بعض ورثته. وشذ بعضهم في هذه المسألة، فأجازها. وهو منافٍ للفظ الحديث ومعناه١. وأما الوصية للأجنبي، أو للجهات الدينية، فتجوز بالثلث فأقل. وما زاد على الثلث: يتوقف على إجازة الورثة.

стр. 109

الحديث الثامن والأربعون: ثلاث حقّ على الله عَوْنِهِمْ . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثلاثةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهم: المُكاتب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْمُتَزَوِّجُ يُرِيدُ العَفاف، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ إلا النسائي١. وذلك: أن الله تعالى وعد المنفقين بالخلف العاجل، وأطلق النفقة. وهي تنصرف إلى النفقات التي يحبها الله؛ لأن وعده بالخلف من باب الثواب الذي لا يكون إلا على ما يحبه الله. وأما النفقات في الأمور التي لا يحبها الله: إما في المعاصي، وإما في الإسراف في المباحات: فالله لم يضمن الخلف لأهلها، بل لا تكون إلا مغرماً. وهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث من أفضل الأمور التي يحبها الله. فالجهاد في سبيل الله: هو سنام الدين وذروته وأعلاه. وسواء كان جهاداً بالسلاح، أو جهاداً بالعلم والحجة. فالنفقة في هذا السبيل مخلوفة وسالكُ هذا السبيل معانٌ من الله، مُيَسَّرٌ له أمرُه. وأما المكاتب: فالكتابة قد أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] , أي: صلاحاً في تقويم دينهم ودنياهم. فالسيد مأمور بذلك. والعبد المكاتب الذي يريد الأداء، ويتعجل الحرية والتفرغ لدينه ودنياه يعينه الله، وييسر له أموره، ويرزقه من حيث لا يحتسب. وعلى السيد: أن يرفق بمكاتبه في تقدير الآجال التي تحل فيها نُجُوم الكتابة، ويعطيه من مال الكتابة إذا أدَّاها ربعها. وفي قوله تعالى في حق المكاتبين ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] أمر للسيد ولغيره من المسلمين. ولذلك جعل الله له نصيباً من الزكاة في قوله:

стр. 110

﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠] , وهذا من عونه تعالى. وقد ثبت عن النبي ﷺ ما هو أعمّ من هذا، فقال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" رواه البخاري١. وأما النكاح: فقد أمر الله به ورسوله. ورتب عليه من الفوائد شيئاً كثيراً: عون الله، وامتثال أمر الله ورسوله، وأنه من سنن المرسلين. وفيه: تحصين الفرج، وغض البصر، وتحصيل النسل، والإنفاق على الزوجة والأولاد؛ فإن العبد إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له أجراً، وحسنات عند الله، سواء كانت مأكولاً أو مشروباً أو ملبوساً أو مستعملاً في الحوائج كلها. كله خير للعبد، وحسنات جارية. وهو أفضل من نوافل العبادات القاصرة. وفيه: التذكر لنعم الله على العبد، والتفرغ لعبادته، وتعاون الزوجين على مصالح دينهما ودنياهما، وقد قال تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء:٣] , وقال ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها: فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يمينك"٢ لما فيها من صلاح الأحوال والبيت والأولاد، وسكون قلب الزوج وطمأنينته، فإن حصل مع الدين غيره فذاك، وإلا فالدين أعظم الصفات المقصودة، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ [النساء:٣٤] . وعلى الزوجة: القيام بحق الله، وحق بَعْلها، وتقديم حق البعل على حقوق الخلق كلهم. وعلى الزوج: السعي في إصلاح زوجته، وفعل جميع الأسباب التي تتم بها الملاءمة بينهما، فإن الملاءمة هي المقصود الأعظم. ولهذا ندب النبي ﷺ إلى النظر إلى المرأة التي يريد خطبتها؛ ليكون على بصيرة من أمره والله أعلم.
следующие страницы →