Полный текст (562 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَقَالَ سَعِيد بْن حرب: دخلت عَلَى مَالِك ابْن مَسْعُود بالكوفة وَهُوَ فِي داره وحده فَقُلْتُ لَهُ: أما تستوحش وحدك؟ فَقَالَ: مَا كنت أرى أَن أحد يستوحش مَعَ اللَّه.
سمعت أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عَمْرو الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: من أراد أَن يسلم لَهُ دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل النَّاس فَإِن هَذَا زمان وحشة والعاقل من اختار فِيهِ الوحدة.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: قَالَ أَبُو يعقوب السوسي: الانفراد لا يقوى عَلَيْهِ إلا الأقوياء ولأمثالنا الاجتماع أوفر وأنفع يعمل بَعْضهم عَلَى رؤية بَعْض وسمعته يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الدامغاني يَقُول: أوصاني الشبلي فَقَالَ: الزم الوحدة، وامح اسمك عَنِ الْقَوْم، واستقبل الجدار حَتَّى تموت.
وجاء رجل إِلَى شُعَيْب بْن حرب فَقَالَ لَهُ: مَا جاء بك؟ فَقَالَ: أكون معك، قَالَ يا أخي إِن العبادة لا تكون إلا بالشركة، ومن لَمْ يستأنس بالله لَمْ يستأنس بشيء.
حكي أَن بَعْضهم قيل لَهُ: مَا أعجب مَا لقيت فِي سياحتك؟ فَقَالَ لَهُ: لقينى الخضر فطلب منى الصحبة فخشيت أَن يفسد عَلِي توكلي.
وقيل لبعضهم ههنا أحد تستأنس بِهِ؟ فَقَالَ: نعم ومد يده إِلَى مصحفه ووضعه فِي حجره وَقَالَ: هَذَا وَفِي معناه أنشدوا:
وكتبك حولي لا تفارق مضجعي ... وفيها شفاء للذي أنا كاتم
стр. 212
وَقَالَ رجل لذي النون الْمِصْرِي: مَتَى تصح لي العزلة؟ فَقَالَ: إِذَا قويت عَلَى عزلة نفسك.
وقيل لابن المبارك مَا دواء القلب؟ فَقَالَ: قلة الملاقاة لِلنَّاسِ.
وقيل: إِذَا أراد اللَّه أَن ينقل العبد من ذل المعصية إِلَى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة وبصره بعيوب نَفْسه فمن أعطي ذَلِكَ فَقَدْ أعطي خير الدنيا والآخرة.
стр. 213
بَاب التقوى قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدِ الأَعْلَى النَّرْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي.
فَقَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ "
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الأَسْفَاطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرْمُزَ نَافِعُ بْنُ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قِيلَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: «كُلُّ تَقِيٍّ»
فالتقوى جماع الخيرات وحقيقة الاتقاء التحرز بطاعة اللَّه عَن عقوبته يقال: اتقى فُلان بترسه، وأصل التقوى اتقاء الشرك ثُمَّ بعده اتقاء المعاصي والسيئات ثُمَّ بعده اتقاء الشبهات ثُمَّ تدع بعده الفضلات كَذَلِكَ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: سمعته يَقُول:
стр. 214
ولكل قسم من ذَلِكَ بَاب وجاء فِي تفسير قَوْله : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أَن معناه أَن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَاصِم يَقُول: سمعت سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: لا معين إلا اللَّه ولا دليل إلا رَسُول اللَّهِ ﷺ , ولا زاد إلا التقوى ولا عمل إلا الصبر عَلَيْهِ وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: قسمت الدنيا عَلَى البلوى وقسمت الآخرة عَلَى التقوى.
سمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: من لَمْ يحكم بينه وبين اللَّه التقوى والمراقبة لَمْ يصل إِلَى الكشف والمشاهدة.
وَقَالَ النصرأباذي: التقوى أَن يتقى العبد مَا سواه تَعَالَى.
وَقَالَ سهل من أراد أَن تصح لَهُ التقوى فليترك الذنوب كلها.
وَقَالَ النصرأباذي: من لزم التقوى اشتاق إِلَى مفارقة الدنيا، لأن اللَّه سبحانه يَقُول: ﴿وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] وَقَالَ بَعْضهم.
من تحقق من التقوى هون اللَّه عَلَى قلبه الإعراض عَنِ الدنيا.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري: التقوى مجانية مَا يبعدك عَنِ اللَّه.
стр. 215
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: التقى من لا يدنس ظاهره بالمعارضات ولا باطنه بالعلالات ويكون واقفا مَعَ اللَّه موقف الاتفاق.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الفارسي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول: للتقوى ظاهر وباطن فظاهره محافظة الحدود وباطنه النية والإخلاص وَقَالَ ذو النون.
فلا عيش إلا مَعَ رجال قلوبهم تحن إِلَى التقوى وترتاح للذكر سكون إِلَى روح اليقين وطيبه كَمَا سكن الطَّفْل الرضيع إِلَى الحجر.
وقيل: يستدل عَلَى تقوى الرجل بثلاث: حسن التوكل فيما لَمْ ينل وحسن الرضا فيما قَدْ نال وحسن الصبر عَلَى مَا قَدْ فات.
وَقَالَ طلق بْن حبيب: التقوى عمل بطاعة اللَّه عَلَى نور من اللَّه مخافة عقاب اللَّه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت محمدا الفراء يحكي عَن أَبِي حفص أَنَّهُ قَالَ: التقوى بالحلال المحض لا غَيْر.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الزنجاني يَقُول: من كَانَ رأس ماله التقوى كلت الألسن عَن وصف ربحه.
وَقَالَ الواسطي: التقوى أَن يتقى من تقواه يعنى من رؤية تقواه، والمتقي مثل ابْن سيرين اشترى أربعين حبا سمنا فأخرج غلامه فأرة من حب فسأله من أي حب أخرجتها فَقَالَ: لا أدري فصبها كلها، ومثل أَبِي يَزِيد اشترى بهمذان حب القرطم ففضل منه شَيْء فلما رجع إِلَى بسطام رأى فِيهِ نملتين فرجع إِلَى همذان فوضع النملتين.
стр. 216
ويحكى أَن أبا حَنِيفَة كَانَ لا يجلس فِي ظل شجرة غريمه وَيَقُول فِي الْخَبَر كُل قرض جر نفعا فَهُوَ ربا وقيل: إِن أبا يَزِيد غسل ثوبه فِي الصحراء مَعَ صاحب لَهُ فَقَالَ صاحبه: تعلق الثوب فِي جدار الكرم فَقَالَ: لا لا تغرز الوتد فِي جدار النَّاس فَقَالَ: نعلقه فِي الشجر؟ فَقَالَ: لا إنه يكسر الأغصان فَقَالَ: نبسطه عَلَى الإذخر؟ فَقَالَ: لا إنه علف الدواب لا نستره عَنْهَا، فولى ظهره إِلَى الشَّمْس والقميص عَلَى ظهره حَتَّى جف جانب ثُمَّ قلبه حَتَّى جف الجانب الآخر.
وقيل: إِن أبا يَزِيد دَخَلَ يوما الجامع فغرز عصاه فِي الأَرْض فسقطت ووقعت عَلَى عصا شيخ بجنبه ركز عصاه فِي الأَرْض فألقتها فانحنى الشيخ وأخذ عصاه فمضى أَبُو يَزِيد إِلَى بَيْت الشيخ واستحله وَقَالَ: كَانَ السبب فِي انحنائك تفريطي فِي غرز عصاي حيث احتجت إِلَى أَن تنحني.
ورؤي عتبة الغلام بمكان يتصبب عرقا فِي الشتاء فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنه مكان عصيت اللَّه فِيهِ فسئل عَنْهُ فَقَالَ: كشطت من هَذَا الجدار قطعة طين غسل بِهَا ضيف لي يده وَلَمْ أستحل من صاحبه.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم بت ليلة تَحْتَ الصخرة ببيت المقدس فلما كَانَ بَعْض الليل نزل ملكان فَقَالَ أحدهما لصاحبه: من ههنا؟ فَقَالَ الآخر: إِبْرَاهِيم بْن أدهم فَقَالَ: ذاك الَّذِي حط اللَّه درجة من درجاته؟ فَقَالَ: لَمْ؟ قَالَ: لأنه اشترى بالبصرة التمر فوقعت تمرة عَلَى تمره من تمر البقال فلم يردها عَلَى صاحبها قَالَ إِبْرَاهِيم: فمضيت إِلَى البصرة واشتريت التمر من ذَلِكَ الرجل وأوقعت تمرة عَلَى تمره ورجعت إِلَى بَيْت المقدس وبت فِي الصخرة فلما كَانَ بَعْض الليل إذ أنا بملكين نزلا من السماء فَقَالَ أحدهما لصاحبه: من ههنا؟
стр. 217
فَقَالَ الأخير: إِبْرَاهِيم بْن أدهم فَقَالَ: ذاك الَّذِي رد اللَّه مكانه ورفعت درجته وقيل: التقوى عَلَى وجوه للعامة تقوى الشرك وللخاصة تقوى المعاصي وللأولياء تقوى التوسل بالأفعال وللأنبياء تقوى نسبة الأفعال إذ تقواهم منه إِلَيْهِ وعن أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي رضى اللَّه عَنْهُ قَالَ: سادة النَّاس فِي الدنيا الأسخياء وسادة النَّاس فِي الآخرة الأتقياء.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَي بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَظَرَ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ فَغَضَّ بَصَرَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلاوَتَهَا فِي قَلْبِهِ "
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: كَانَ الجنيد جالسا مَعَ رويم , والجريري , وابن عَطَاء فَقَالَ الجنيد:
стр. 218
مَا نجا من نجا إلا بصدق اللجا قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] وَقَالَ رويم: مَا نجا من نجا إلا بصدق التقوى قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١] الآية وَقَالَ الجريري مَا نجا من نجا إلا بمراعاة الوفاء قَالَ اللَّه تعالي: الَّذِينَ يوفون بعهد اللَّه ولا ينقضون الميثاق: وَقَالَ ابْن عَطَاء: مَا نجا من نجا إلا بتحقيق الحياء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وَقَالَ الأستاذ إمام مَا نجا من نجا إلا بالحكم والقضاء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية وَقَالَ أيضًا: مَا نجا من نجا إلا بِمَا سبق لَهُ من الاجتباء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] .
стр. 219
بَاب الورع
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَي الْمُزَكِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الزَّاهِدُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْخُرَسَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ الْعَيْزَارِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ الأَجْلَحِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ , عَنْ أَبِي ذَرٍّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَالا يَعْنِيهِ»
قَالَ الأستاذ الإِمَام ﵁: أما الورع فَإِنَّهُ ترك الشبهات كَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم الورع ترك كُل شهبة وترك مالا يعنيك هُوَ ترك الفضلات وَقَالَ أَبُو بَكْر الصديق رضى اللَّه عَنْهُ: كُنَّا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أَن نقع فِي بَاب من الحرام.
وَقَالَ ﷺ لأبي هُرَيْرَة: كن ورعا تكن أعبد النَّاس سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السري يَقُول: كَانَ أهل الورع فِي أوقاتهم أربعة: حذيفة المرعشي ويوسف بْن أسباط وإبراهيم بْن أدهم وسليمان الخواص، فنظروا فِي الورع فلما ضاقت عَلَيْهِم الأمور فزعوا إِلَى التقلل، وسمعته يَقُول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: الورع أَن تتورع عَن كُل مَا سِوَى اللَّه تَعَالَى،
стр. 220
وسمعته يَقُول: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن حمزة قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن خلف قَالَ: الورع فِي المنطق أشد منه فِي الذهب والفضة، والزهد فِي الرياسة أشد منه فِي الذهب والفضة لأنك تبذلهما فِي طلب الرياسة.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: الورع أول الزهد كَمَا أَن القناعة طرف من الرضا وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: ثواب الورع خفة الحساب.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الورع الوقوف عَلَى حد العلم من غَيْر تأويل.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن دَاوُد الدينوري يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن الجلاء يَقُول: أعرف من أقام بمكة ثلاثين سنة لَمْ يشرب من ماء زمزم إلا مَا استقاه بركوته ورشائه وَلَمْ يتناول من طَعَام جلب من مصر.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُوسَى التاهرتي يَقُول: وقع من عَبْد اللَّهِ بْن مَرْوَان فلس فِي بئر قذرة فاكترى عَلَيْهِ بثلاثة عشر دِينَارًا حَتَّى أَخْرَجَهُ فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ عَلَيْهِ اسم اللَّه تَعَالَى وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت ابْن غاوية يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: الورع عَلَى وجهين ورع فِي الظاهر وَهُوَ أَن لا يتحرك إلا لِلَّهِ تَعَالَى، وورع فِي الباطن وَهُوَ أَن لا يدخل قلبك سواه تَعَالَى.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: من لَمْ ينظر فِي الدقيق من الورع لَمْ يصل إِلَى الجليل من العطاء وقيل: من دق فِي الدين نظره جل فِي الْقِيَامَة خطره وَقَالَ ابْن الجلاء: من لَمْ يصحبه التقى فِي فقره أكل الحرام النص.
стр. 221
وَقَالَ يُونُس بْن عُبَيْد: الورع الخروج من كُل شبهة ومحاسبة النفس فِي كُل طرفه وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِي: مَا رأيت أسهل من الورع مَا حاك فِي نفسك تركته.
وَقَالَ معروف الكرخي: احفظ لسانك من المدح كَمَا تحفظه من الذم.
وَقَالَ بشر بْن الْحَارِث: أشد الأعمال ثلاثة: الجود فِي القلة والورع فِي الخلوة وكلمة الحق عِنْدَ من يخاف منه ويرجى.
وقيل: جاءت أخت بشر الحافي إِلَى أَحْمَد بْن ابْن حنبل وَقَالَتْ: إنا نغزل عَلَى سطوحنا فتمر بنا مشاعل الظاهرية ويقع الشعاع عَلَيْنَا أفيجوز لنا الغزل فِي شعاعها فَقَالَ أَحْمَد: من أَنْتَ عافاك اللَّه تَعَالَى فَقَالَتْ: أخت بشر الحافي فبكى أَحْمَد وَقَالَ: من بيتكم يخرج الورع الصادق لا تغزلي فِي شعاعها.
وَقَالَ عَلَى العطار.
مررت بالبصرة فِي بَعْض الشوارع فَإِذَا مشايخ قعود وصبيان يلعبون فَقُلْتُ: أما تستحون من هَؤُلاءِ المشايخ؟ فَقَالَ صبي من بينهم: هَؤُلاءِ المشايخ قل ورعهم فَقُلْتُ هيبتهم.
وقيل: إِن مَالِك بْن دِينَار مكث بالبصرة أربعين سنة فلم يصح لَهُ أَن يأكل شَيْئًا من تمر البصرة ولا من رطبها حَتَّى مَات وَلَمْ يذقه وَكَانَ إِذَا انقضى وقت الرطب قَالَ: يا أهل البصرة هَذَا بطني مَا نقص منه شَيْء ولا زاد فيكم.
وقيل لإبراهيم بْن أدهم: ألا تشرب من ماء زمزم؟ فَقَالَ لو كَانَ لي دلو لشربت.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: كَانَ الْحَارِث المحاسبي إِذَا مد يده إِلَى طَعَام فِيهِ شبهة ضرب عَلَى رأس أصبعه عرق فيعلم أنه غَيْر حلال.
стр. 222
وقيل: إِن بشرا الحافي دعى إِلَى دعوة فوضع بَيْنَ يديه طَعَام فجهد أَن يمد يده إِلَيْهِ فلم تمتد ففعل ذَلِكَ ثَلاث مرات فَقَالَ رجل يعرف ذَلِكَ منه: إِن يده لا تمتد إِلَى طَعَام فِيهِ شبهة مَا كَانَ أغني صاحب الدعوة أَن يدعو هَذَا الشيخ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن يَحْيَي الصوفي قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي بْن يَحْيَي التميمي قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سالم بالبصرة يَقُول: سئل سهل بْن عَبْد اللَّهِ عَنِ الحلال الصافي فَقَالَ هُوَ الَّذِي لا يعصى اللَّه تَعَالَى فِيهِ.
وَقَالَ سهل: الحلال الصافي الَّذِي لا ينسى اللَّه فِيهِ.
ودخل الْحَسَن البصرى مَكَّة فرأى غلاما من أولاد عَلِي بْن أَبِي طَالِب رضى اللَّه عَنْهُ قَدْ أَسْنَدَ ظهره إِلَى الْكَعْبَة يعظ النَّاس فوقف عَلَيْهِ الْحَسَن وَقَالَ مَا ملاك الدين؟ قَالَ: الورع، قَالَ: فَمَا آفة الدين؟ فَقَالَ: الطمع، فتعجب الْحَسَن منه وَقَالَ الْحَسَن مثقال ذرة من الورع السالم خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة.
وأوحى اللَّه إِلَى مُوسَى ﵊: لَمْ يتقرب إِلَى المتقربون بمثل الورع والزهد.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: جلساء اللَّه تَعَالَى غدا أهل الورع والزهد.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ من لَمْ يصحبه الورع أكل رأس الفيل وَلَمْ يشجع.
وقيل: حمل إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز مسك من الغنائم فقبض عَلَى مشامه وَقَالَ إِنَّمَا ينتفع من هَذَا بريحه وأنا أكره أَن أجد ريحه دُونَ الْمُسْلِمِينَ.
وسئل أَبُو عُثْمَان الحيري عَنِ الورع فَقَالَ: كَانَ أَبُو صَالِح حمدون عِنْدَ صديق لَهُ وَهُوَ فِي النزع فمات الرجل فنفث أَبُو صَالِح فِي السراج فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِلَى الآن كَانَ الدهن لَهُ فِي المسرجة ومن الآن صار للورثة اطلبوا دهنا غيره.
стр. 223
وَقَالَ كهمس: أذنبت ذنبا أبكى عَلَيْهِ منذ أربعين سنة وَذَلِكَ أَنَّهُ زارني أخ لي فاشتريت بدانق سمكة مشوية فلما فرغ أخذت قطعة طين من جدار جار لي حَتَّى غسل يده وَلَمْ أستحله.
قيل: وَكَانَ رجل يكتب رقعة وَهُوَ فِي بَيْت بكراء فأراد أَن يترب الكتاب من جدار الْبَيْت فخطر بباله أَن الْبَيْت بالكراء ثُمَّ إنه خطر بباله أَنَّهُ لا خطر لِهَذَا فترب الكتاب فسمع هاتفا يَقُول: سيعلم المستخف بالتراب مَا يلقاه غدا من طول الحساب ورهن أَحْمَد بْن حنبل رحمه اللَّه تَعَالَى سطلا لَهُ عِنْدَ بقال بمكة حرمها اللَّه تَعَالَى فلما أراد فكاكه أخرج البقال إِلَيْهِ سطلين وَقَالَ: خذ أيهما لَك فَقَالَ أَحْمَد: أشكل عَلِي سطلي فَهُوَ لَك والدراهم لَك، فَقَالَ البقال: سطلك هَذَا وأنا أردت أَن أجربك فَقَالَ: لا آخذه ومضى وترك السطل عنده وَقَالَ سيب ابْن المبارك: دابة قيمتها كثيرة وصلى صلاة الظهر فرتعت الدابة فِي زرع قرية سلطانية فترك ابْن المبارك الدابة وَلَمْ يركبها.
وقيل: رجع ابْن المبارك من مرو إِلَى الشام فِي قلم استعاره فلم يرده عَلَى صاحبه.
واستأجر النخعي دابة فسقط سوطه من يده فنزل وربط الدابة ورجع فأخذ السوط فقيل لَهُ: لو حولت الدابة عَلَى الموضع الَّذِي فِيهِ سقط السوط فأخذته فَقَالَ: إِنَّمَا استأجرتها لأمضي هكذا لا هكذا.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الدقاق: تهت فِي تيه بنى إسرائيل خمسة عشر يوما، فلما وافيت الطريق استقبلني جندي فسقاني شربة من ماء فعادت قسوتها عَلَى قلبي ثلاثين سنة، وقيل: خاطت رابعة شقا فِي قميصها فِي ضوء شعلة سلطان ففقدت قلبها زمانا حَتَّى تذكرت فشقت قميصها فوجدت قلبها.
стр. 224
ورؤي سُفْيَان الثَّوْرِي فِي المنام وَلَهُ جناحان يطير بهما فِي الْجَنَّة من شجرة إِلَى شجرة، فقيل لَهُ: بم نلت هَذَا؟ فَقَالَ: بالورع.
ووقف حسان بْن أَبِي سنان عَلَى أَصْحَاب الْحَسَن فَقَالَ: أي شَيْء أشد عليكم؟ قَالُوا: الورع، فَقَالَ: ولا شَيْء أخف عَلِي منه، فَقَالُوا: فكيف؟ فَقَالَ: لَمْ أرو من نهركم منذ أربعين سنة.
وَكَانَ حسان بْن أَبِي سنان لا ينام مضطجعا ولا يأكل سمينا ولا يشرب ماء باردا ستين سنة فرؤي فِي المنام بَعْد موته، فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: خيرا إلا أني محبوس عَنِ الْجَنَّة بإبرة استعرتها فلم أردها.
وَكَانَ لعبد الْوَاحِد بْن زَيْد غلام خدمه سنين وتعبد أربعين سنة وَكَانَ ابتداء أمره كيالا فلما مَات رؤي فِي المنام، فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك؟ فَقَالَ: خيرا غَيْر أني محبوس عَنِ الْجَنَّة وَقَدْ أخرج عَلَى من غبار القفيز أربعين قفيزا.
ومر عيسى بْن مريم ﵉ بمقبرة فنادى رجلا منها فأحياه اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: من أَنْتَ؟ فَقَالَ: كنت جمالا أنقل لِلنَّاسِ فنقلت يوما لإِنْسَان حطبا فكسرت منه خلالا تخللت بِهِ فانا مطالب بِهِ منذ مت.
وتكلم أَبُو سَعِيد الخراز فِي الورع فمر بِهِ عَبَّاس بْن المهتدى، فَقَالَ: يا أبا سَعِيد أما تستحي تجلس تَحْتَ سقف أَبِي الدوانيق وتشرب من بركة زبيدة وتتعامل بالدراهم المزيفة، وتتكلم فِي الورع؟
стр. 225
بَاب الزهد
أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ الْجُرْجَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْن يَعْقُوبَ الْمُقْرِي بِبَغْدَادَ.
قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُجَاشِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ عَن أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِي خَلادٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذْ رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُوتِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَمَنْطِقًا فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلَقَّنُ الْحِكْمَةَ "
قَالَ الأستاذ الإِمَام أَبُو القاسم ﵀: اختلف النَّاس فِي الزهد فمنهم من قَالَ الزهد فِي الحرام، لأن الحلال مباح من قبل اللَّه تَعَالَى فَإِذَا أنعم اللَّه سبحانه عَلَى عبده بمال من حلال وتعبده بالشكر عَلَيْهِ فتركه لَهُ باختياره لا يقدم عَلَى إمساكه بحق إذنه، وَمِنْهُم من قَالَ: الزهد فِي الحرام واجب وَفِي الحلال فضيلة، فَإِن إقلال المال والعبد صابر فِي حاله راض بِمَا قسم اللَّه تَعَالَى لَهُ قانع بِمَا يعطيه أتم من توسعه وتبسطه فِي الدنيا، وأن اللَّه تَعَالَى زهد الخلق فِي الدنيا بقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧] وغير ذَلِكَ من الآيات الواردة فِي ذم الدنيا والتزهيد فِيهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: إِذَا انفق ماله فِي الطاعة وعلم من حاله الصبر وترك التعرض لما نهاه الشرع عَنْهُ فِي حال العسر فحينئذ يَكُون زهده فِي المال الحلال أتم، وَمِنْهُم من قَالَ: ينبغي للعبد أَن لا يختار ترك الحلال بتكلفه ولا طلب الفضول مِمَّا لا يحتاج إِلَيْهِ ويراعى القسمة فَإِن رزقه اللَّه مالا من حلال شكره وإن وقفه اللَّه
стр. 226
تَعَالَى عَلَى حد الكفاية لَمْ يتكلم فِي طلب مَا هُوَ فضول المال، فالصبر أَحْسَن بصاحب الفقر والشكر أليق بصاحب المال الحلال وتكلموا فِي معنى الزهد فَكُل نطق عَن وقته وأشار إِلَى حده.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيل الأزدي قَالَ: حَدَّثَنَا عمران بْن مُوسَى الإسفنجي قَالَ: حَدَّثَنَا الدورقي قَالَ: حَدَّثَنَا وكيع قَالَ: قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِي: الزهد فِي الدنيا قصر الأمل لَيْسَ بأكل الغليظ ولا بلبس العباء.
وسمعته يَقُول: سمعت سَعِيد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت عَبَّاس بْن عصام يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السري يَقُول: إِن اللَّه سلب الدنيا عَن أوليائه وحماها عَن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لَمْ يرضها لَهُمْ.
وقيل: الزهد من قَوْله : ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] لا يفرح بموجود من الدنيا ولا يتأسف عَلَى مفقود منها.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: الزهد أَن تترك الدنيا ثُمَّ لا تبالي بمن أخذها.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: الزهد أَن تترك الدنيا كَمَا هِيَ لا تقول أبني رباطا أَوْ أعمر مسجدا.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ.
الزهد يورث السخاء بالملك والحب يورث السخاء بالروح، وَقَالَ ابْن الجلاء: الزهد والنظر إِلَى الدنيا بعين الزوال لتصغر فِي عينك فيسهل عليك الإعراض عَنْهَا.
وَقَالَ ابْن خفيف: علامة الزهد وجود الراحة فِي الخروج عَنِ الْمَلِك.
стр. 227
وَقَالَ أَيْضًا: الزهد سلو القلب عَنِ الأسباب ونفض الأيدي من الأملاك وقيل الزهد عزوف النفس عَنِ الدنيا بلا تكلف.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: الزاهد غريب فِي الدنيا والعارف غريب فِي الآخرة.
وقيل: من صدق فِي زهده أتته الدنيا راغمة.
ولهذا قيل لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا عَلَى رأس من لا يريدها.
وَقَالَ الجنيد: الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: الصوف علم من أعلام الزهد فلا ينبغي أَن يلبس صوفا بثلاثة دراهم وَفِي قلبه رغبة خمسة دراهم.
وَقَد اختلف السلف فِي الزهد فَقَالَ سُفْيَان الثوري وَأَحْمَد بْن حنبل وعيسى بْن يُونُس وغيرهم: الزهد فِي الدنيا إِنَّمَا هُوَ قصر الأمل، وَهَذَا الَّذِي قالوه يحمل عَلَى أَنَّهُ من أمارات الزهد والأسباب الباعثة عَلَيْهِ والمعاني الموجبة لَهُ، وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ: الزهد هُوَ الثقة بالله تَعَالَى مَعَ حب الفقر وَبِهِ قَالَ شقيق البلخي ويوسف بْن أسباط، وَهَذَا أَيْضًا من أمارات الزهد فَإِنَّهُ لا يقوى العبد عَلَى الزهد إلا بالثقة بالله تَعَالَى.
وَقَالَ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد: الزهد ترك الدينار والدرهم.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: الزهد ترك مَا يشغل عَنِ اللَّه تَعَالَى.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت الجنيد وَقَدْ سَأَلَهُ رويم عَنِ الزهد فَقَالَ: استغفار الدنيا ومحو آثارها من القلب.
стр. 228
وَقَالَ سري لا يطيب عيش الزاهد إِذَا اشتغل عَن نَفْسه ولا يطيب عيش العارف إِذَا اشتغل بنفسه.
وسئل الجنيد عَنِ الزهد فَقَالَ: خلو اليد من الْمَلِك والقلب من التتبع.
وسئل الشبلي عَنِ الزهد فَقَالَ: أَن تزهد فيما سِوَى اللَّه تَعَالَى وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حَتَّى يَكُون فِيهِ ثَلاث خصال عمل بلا عقل وقول بلا طمع وعز بلا رياسة.
وَقَالَ أَبُو حفص: الزهد لا يَكُون إلا فِي الحلال ولا حلال فِي الدنيا فلا زهد.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: إِن اللَّه تَعَالَى يعطى الزاهد فَوْقَ مَا يريد ويعطي الراغب دُونَ مَا يريد ويعطى المستقيم موافقة مَا يريد وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ الزاهد يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك السمك والعنبر.
وَقَالَ الْحَسَن البصري: الزهد فِي الدنيا أَن تبعض أهلها وتبغض مَا فِيهَا.
وقيل لبعضهم: مَا الزهد فِي الدنيا؟ قَالَ: ترك مَا فِيهَا عَلَى من فِيهَا.
وَقَالَ رجل لذي النون الْمِصْرِي مَتَى أزهد فِي الدنيا؟ فَقَالَ: إِذَا زهدت فِي نفسك.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن الفضل: إيثار الزهاد عِنْدَ الاستغناء وإيثار الفتيان عِنْدَ الحاجة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَقَالَ الكتاني: الشيء الَّذِي لَمْ يخالف فِيهِ كوفي ولا مدني ولا عراقي ولا شامي الزهد فِي الدنيا وسخاوة النفس والنصيحة للخلق، يعنى أَن هذه الأشياء لا يَقُول أحد إنها غَيْر محمودة.
وَقَالَ رجل ليحيى بْن ماذ.
مَتَى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزهد وأقعد مَعَ الزاهدين
стр. 229
فَقَالَ: إِذَا صرت من رياضتك لنفسك فِي السر عَلَى حد لو قطع اللَّه عَنْك الرزق ثلاثة أَيَّام لَمْ تضعف فِي نفسك، فأما مَا لَمْ تبلغ هذه الدرجة فجلوسك عَلَى بساط الزاهدين جهل ثُمَّ لا آمن عليك أَن تفتضح.
وَقَالَ بشر الحافي: الزهد ملك لا يسكن إلا فِي قلب مخلى.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن الأشعث البيكندي يَقُول: من تكلم فِي الزهد ووعظ النَّاس ثُمَّ رغب فِي مالهم رفع اللَّه تَعَالَى حب الآخرة من قلبه وقيل: إِذَا زهد العبد فِي الدنيا وكل اللَّه تَعَالَى بِهِ ملكا يغرس الحكمة فِي قلبه وقيل: لبعضهم لَمْ زهدت فِي الدنيا فَقَالَ: لزهدها فِي.
وَقَالَ أَحْمَد بْن حنبل: الزهد عَلَى ثلاثة أوجه ترك الحرام وَهُوَ زهد العوام وَالثَّانِي ترك الفضول من الحلال وَهُوَ زهد الخواص والثالث ترك مَا يشغل العبد عَنِ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ زهد العارفين.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: قيل لبعضهم: لَمْ زهدت فِي الدنيا؟ قَالَ لما زهدت فِي أكثرها أنفت من الرغبة فِي أقلها وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ الدنيا كالعروس ومن يطلبها ماشطتها والزاهد فِيهَا يسخم وجهها وينتف شعرها ويخرق ثوبها والعارف مشتغل بالله تَعَالَى لا يلتف إِلَيْهَا.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أبا الطيب السامري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السري يَقُول
стр. 230
مَا رست كُل شَيْء من أمر الزهد فنلت منه مَا أريد إلا الزهد فِي النَّاس فإني لَمْ أبلغه وَلَمْ أطقه وقيل: مَا خرج الزاهدون إلا إِلَى أنفسهم، لأنهم تركوا النعيم الفاني للنعيم الباقي.
وَقَالَ النصرأباذي الزهد حقن دماء الزاهدين وسفك دماء العارفين وَقَالَ حاتم الأصم: الزاهد يذيب كيسه قبل نَفْسه والمتزهد يذيب نَفْسه قبل كيسه.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول حَدَّثَنَا عَلِي بْن الْحُسَيْن الموصلي قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْن قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ: سمعت الفصل بْن عياض يَقُول جعل اللَّه الشركاء فِي بَيْت وجعل مفتاحه حب الدنيا وجعل الخير كُلهُ فِي بَيْت وجعل مفتاحه الزهد.
стр. 231
بَاب الصمت
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى الأَسَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْبَهَانِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَي بْن أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنٍ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ
قَالَ الأستاذ ﵀: الصمت سلامة وَهُوَ الأصل وعليه ندامة إذ ورد عَنْهُ الزجر فالواجب أَن يعتبر فِيهِ الشرع والأمر والنهى والسكوت فِي وقته صفة الرجال كَمَا أَن النطق فِي موضعه من أشرف الخصال سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: من سكت عَنِ الحق فَهُوَ شَيْطَان أخرس والصمت من آداب الحضرة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَقَالَ تَعَالَى مخبرا عَنِ الجن بحضرة الرسول ﷺ ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩]
стр. 232
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] وكم بَيْنَ عَبْد سكت تصاونا عَنِ الكذب والغيبة وبين عَبْد سكت لاستيلاء سلطان الهيبة عَلَيْهِ، وَفِي معناه أنشدوا:
أفكر مَا أقول إِذَا افترقنا ... وأحكم دائبا حجج المقال
فانساها إِذَا نحن التقينا ... فأنطق حِينَ أنطق بالمحال
وأنشدوا:
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة ... جئتكم لَمْ أدر يا ليل مَا هيا
وأنشدوا:
وكم حَدِيث لَك حَتَّى إِذَا ... مكنت من القيام أنسيته
وأنشدوا:
رأيت الْكَلام يزين الفتى ... والصمت خير لمن قَدْ صمت
فكم من حروف تجر الحتوف ... ومن ناطق ود أَن لو سكت
والسكوت عَلَى قسمين: سكون بالظاهر وسكوت بالقلب والضمائر فالمتوكل يسكت قلبه عَن تقاضي الأزراق والعارف يسكت قلبه مقابلة للحكم بنعت الوفاق فهذا بجميل صنعه واثق وَهَذَا بجميع حكمه قانع وَفِي معناه قَالُوا: تجرى عليك صروفه وهموم سرك مطرقه وربما يَكُون سبب السكوت حيرة البديهة فَإِنَّهُ إِذَا ورد كشف عَن وصف البغتة خرست العبارات عِنْدَ ذَلِكَ فلا بيان ولا نطق وطمست الشواهد هناك فلا علم ولا حس قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]
стр. 233
فأما إيثار أرباب المجاهدة السكوت فلما علموا فِي الْكَلام من الآفات , ثُمَّ مَا فِيهِ من حفظ النفس وإظهار صفات المدح والميل عَلَى أَن يتميز بَيْنَ أشكاله بحسن النطق وغير هَذَا من آفات الخلق وَذَلِكَ نعت أرباب الرياضات وَهُوَ أحد أركانهم فِي حكم المنازلة وتهذيب الخلق وقيل: إِن دَاوُد الطائي لما أراد أَن يقعد فِي بيته اعتقد أَن يحضر مجالس أَبِي حَنِيفَة إذ كَانَ تلميذا لَهُ ويقعد بَيْنَ أضرابه من الْعُلَمَاء ولا يتكلم فِي مسألة فلما قوى نَفْسه عَلَى ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة قعد فِي بيته عِنْدَ ذَلِكَ وآثر العزلة وَكَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز إِذَا كتب كتابا فاستحسن لفظه مزق الكتاب وغيره.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن إِسْحَاق السراج قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن الفتح يَقُول: سمعت بشر بْن الْحَارِث يَقُول: إِذَا أعجبك الْكَلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ لا يصح لأحد الصمت حَتَّى يلزم نَفْسه الخلوة ولا تصح لَهُ التوبة حَتَّى يلزم نَفْسه الصمت وَقَالَ أَبُو بَكْر الفارسي من لَمْ يكن الصمت وطنه فَهُوَ فِي الفضول وإن كَانَ صامتا والصمت لَيْسَ بمخصوص عَلَى اللسان لكنه عَلَى القلب والجوارح كلها وَقَالَ بَعْضهم من لَمْ يستغنم السكوت فَإِذَا نطق نطق بلغو.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت ممشاذ الدينوري يَقُول الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت والتفكر.
وسئل أَبُو بَكْر الفارسي عَن صمت السر فَقَالَ: ترك الاشتغال بالماضي والمستقبل وَقَالَ أَبُو بَكْر الفارسي إِذَا كَانَ العبد ناطقا فيما يعنيه وَمَا لابد منه فَهُوَ فِي حد الصمت
стр. 234
ويروى عَن معاذ بْن جبل أَنَّهُ قَالَ: كلم النَّاس قليلا وكلم ربك تَعَالَى كثيرا لعل قلبك يرى اللَّه تَعَالَى.
وقيل لذي النون الْمِصْرِي من أصون النَّاس لنفسه؟ قَالَ أملكهم للسانه وَقَالَ ابْن مَسْعُود مَا من شَيْء بطول السجن أحق من اللسان وَقَالَ عَلِي بْن بكار جعل اللَّه تَعَالَى لكل شَيْء بابين وجعل للسان أربعة أبواب فالشفتان مصراعان والأسنان مصراعان وقيل: إِن أبا بَكْر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يمسك فِي فِيهِ حجرا كَذَا كَذَا سنة ليقل كلامه وقيل: إِن أبا حمزة البغدادي كَانَ حسن الْكَلام فهتف بِهِ هاتف تكلمت فأحسنت بقى أَن تسكت فتحسن فَمَا تكلم بَعْد ذَلِكَ حَتَّى مَات وَمَاتَ قريبا من هذه الحالة عَلَى رأس أسبوع أَوْ أقل وأكثر وربما يَكُون السكوت يقع عَلَى المتكلم تأديبا لَهُ لأنه أساء أدبه فِي شَيْء.
كَانَ الشبلي إِذَا قعد فِي حلقته ولا يسألونه يَقُول ووقع القول عَلَيْهِم بِمَا ظلموا فَهُمْ لا ينطقون وربما يقع السكوت عَلَى المتكلم، لأن فِي الْقَوْم من هُوَ أولى منه بالكلام سمعت ابْن السماك يَقُول: كَانَ بَيْنَ شاه الكرماني ويحي بْن معاذ صداقة فجمعهما بلد فكان شاه لا يحصر مجلسه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الصواب هَذَا فَمَا زالوا بِهِ حَتَّى حضر يوما مجلسه وقعد ناحية لا يشعر بِهِ يَحْيَي بْن معاذ فلما أخذ يَحْيَي فِي الْكَلام سكت ثُمَّ قَالَ: ههنا من هُوَ أولى بالكلام منى وارتج عَلَيْهِ فَقَالَ شاه قُلْت لكم: الصواب أَن لا أحضر مجلسه وربما يقع السكوت عَلَى المتكلم لمعنى فِي الحاضرين وَهُوَ أَن يَكُون هناك من لَيْسَ بأهل لسماع ذَلِكَ الْكَلام فيصون اللَّه تَعَالَى لسان المتكلم غيرة وصيانة لِذَلِكَ الْكَلام عَن غَيْر أهله وربما كَانَ سببا السكوت الَّذِي يقع عَلَى المتكلم أَن بَعْض الحاضرين كَانَ معلوم اللَّه تَعَالَى
стр. 235
من حاله أَنَّهُ يسمع ذَلِكَ الْكَلام فيكون فتنة لَهُ إِمَّا لتوهمه أَنَّهُ وقته ولا يَكُون أَوْ لأنه يحمل نَفْسه مَا لا يطيق فيرحمه اللَّه تَعَالَى بأن يحفظ سمعه عَن ذَلِكَ الْكَلام إِمَّا صيانة لَهُ أَوْ عصمة عَن غلطه، وَقَالَ مشايخ هذه الطريقة: رُبَّمَا يَكُون السبب فِيهِ حضور من لَيْسَ بأهل لسماعه من الجن إذ لا تخلو مجالس الْقَوْم من حضور جَمَاعَة من الجن.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: اعتللت مرة بمرو فاشتقت أَن أرجع إِلَى نيسابور فرأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول لي لا يمكنك أَن تخرج من هَذَا البلد فَإِن جَمَاعَة من الجن قَد استحلوا كلامك ويحضرون مجلسك فلأجلهم تجلس ههنا.
وَقَالَ بَعْض الحكماء: إِنَّمَا خلق للإِنْسَان لسان واحد وعينان وأذنان ليسمع ويبصر أَكْثَر مِمَّا يَقُول.
ودعى إِبْرَاهِيم بْن أدهم إِلَى دعوة فلما جلس أخذوا فِي الغيبة فَقَالَ: عندنا يؤكل اللحم بَعْد الخبز وأنتم ابتدأتم بأكل اللحم أشار إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] وَقَالَ بَعْضهم: الصمت لسان الحلم، وَقَالَ بَعْضهم: تعلم الصمت كَمَا تتعلم الْكَلام فَإِن كَانَ الْكَلام يهديك فَإِن الصمت يقيك.
وقيل: عفة اللسان صمته، وقيل: مثل اللسان مثل السبع إِن لَمْ توثقه عدا عليك.
وسئل أَبُو حفص أي الحالين للولي أفضل الصمت أَوِ النطق؟ فَقَالَ: لو علم الناطق مَا آفة النطق لصمت إِن استطاع عُمَر نوح ولو علم الصامت مَا آفة الصمت لسأل اللَّه تَعَالَى ضعفى عُمَر نوح حَتَّى ينطق.
стр. 236
وقيل: صمت العوام بألسنتهم وصمت العارفين بقلوبهم وصمت المحبين من خواطر أسرارهم، وقيل لبعضهم: تكلم فَقَالَ: لَيْسَ لي لسان فأتكلم فقيل لَهُ: اسمع فَقَالَ: لَيْسَ فِي مكان فأسمع.
وَقَالَ بَعْضهم: مكثت ثلاثين سنة لا يسمع لساني إلا من قلبي ثُمَّ مكثت ثلاثين سنة لا يسمع قلبي إلا من لساني.
وَقَالَ بَعْضهم: لو سكت لسانك لَمْ تنج من كَلام قلبك ولو صرت رميما لَمْ تتخلص من حَدِيث نفسك ولو جهدت كُل الجهد لَمْ تكلمك روحك لأنها كاتمة للسر.
وقيل: لسان الجاهل مفتاح حتفه وقيل: المحب إِذَا سكت هلك والعراف إِذَا سكت ملك.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن نصر الصائغ يَقُول: سمعت مردويه الصائغ يَقُول: سمعت الفضل بْن عياض يَقُول: من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
стр. 237
بَاب الخوف قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْحِبْرِيُّ الْعَدْلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ أَحْمَدُ بْنِ دَلَوَيْهِ الدَّقَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَلِجَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَّانُ جَهَنَّمَ فِي مِنْخَرَيْ عَبْدٍ أَبَدًا
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الشَّرْقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا
قُلْت: الخوف معنى متعلقة فِي المستقبل لأنه إِنَّمَا يخاف أَن يحل بِهِ مكروه أَوْ يفوته محبوب ولا يَكُون هَذَا إلا لشيء يحصل فِي المستقبل.
فأما مَا يَكُون فِي الحال موجودا فالخوف لا يتعلق بِهِ، والخوف من اللَّه تَعَالَى هُوَ أَن يخاف أَن يعاقبه اللَّه تَعَالَى إِمَّا فِي الدنيا وإما فِي الآخرة وَقَدْ فرض اللَّه سبحانه عَلَى الْعِبَاد أَن يخافوه فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]
стр. 238
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] ومدح الْمُؤْمِنيِنَ بالخوف فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] .
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: الخوف عَلَى مراتب: الخوف والخشية والهيبة فالخوف من شرط الإيمان وقضيته قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] والخشية من شرط العلم قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] والهيبة من شرط المعرفة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي الحيري يَقُول: سمعت محفوظا يَقُول: سمعت أبا حفص يَقُول: الخوف سوط اللَّه يقوم بِهِ الشاردين عَن بابه.
وَقَالَ أَبُو القاسم الحكيم: الخوف عَلَى ضربين رهبة وخشية فصاحب الرهبة يلتجئ إِلَى الهرب إِذَا خاف وصاحب الخشية يلتجئ إِلَى الرب.
قَالَ ﵀.
ورهب وهرب يصح أَن يقال هما واحد مثل جذب وجبذ فَإِذَا هرب أنجذب فِي مقتضى هواه كالرهبان الَّذِينَ اتبعوا أهواءهم فَإِذَا كبحهم لجام العلم وقاموا بحق الشرع فَهُوَ الخشية.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: سمعت أبا حفص يَقُول: الخوف سراج القلب بِهِ يبصر مَا فِيهِ من الخير والشر.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: الخوف أَن لا تعلل نفسك بعسى وسوف.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الدمشقي يَقُول: الخائف من يخاف من نَفْسه أَكْثَر مِمَّا يخاف من الشَّيْطَان،
стр. 239
وَقَالَ ابْن الجلاء: الخائف من تأمنه المخوفات، وقيل: لَيْسَ الخائف الَّذِي يبكي ويمسح عينيه إِنَّمَا الخائف من يترك مَا يخاف أَن يعذب عَلَيْهِ، وقيل للفضيل: مالنا لا نرى خائفا؟ فَقَالَ: لو كنتم خائفين لرأيتم الخائفين إِن الخائف لا يراه إلا الخائفون وإن الثكلى هِيَ الَّتِي فِي تحب أَن ترى الثكلي، وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: مسكين ابْن آدم لو خاف من النار كَمَا يخاف من الفقر لدخل الْجَنَّة، وَقَالَ شاه الكرماني: علامة الخوف الحزن الدائم، وَقَالَ أَبُو القاسم الحكيم: من خاف من شَيْء هرب منه ومن خاف من اللَّه هرب إِلَيْهِ.
وسئل ذو النون الْمِصْرِي رحمه اللَّه تَعَالَى: مَتَى يتيسر عَلَى العبد سبيل الخوف؟ فَقَالَ: إِذَا أنزل نَفْسه منزلة السقيم يحتمي من كُل شَيْء مخافة طول السقام.
وَقَالَ معاذ بْن جبل: إِن المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن روعته حَتَّى يخلف جسر جهنم وراءه.
وَقَالَ بشر الحافي: الخوف ملك لا يسكن إلا فِي قلب متق.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيري: عيب الخائف فِي خوفه السكون إِلَى خوفه لأنه أمر خفي.
وَقَالَ الواسطي: الخوف حجاب بَيْنَ اللَّه تَعَالَى وبين العبد وَهَذَا اللفظ فِيهِ إشكال ومعناه أَن الخائف متطلع لوقت ثان وأبناء الوقت لا تطلع لَهُمْ فِي المستقبل وحسنات الأبرار سيئات المقربين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيّ النهاوندي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت النوري يَقُول: الخائف يهرب من ربه إِلَى ربه.
وَقَالَ بَعْضهم: علامة الخوف التحير عَلَى بَاب الغيب.
стр. 240
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت عَلِي بْن إِبْرَاهِيم العبكري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول وسئل عَنِ الخوف فَقَالَ: توقع العقوبة مَعَ مجاري الأنفاس.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الصفار يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْمُسَيِّب، يَقُول: سمعت هاشم بْن خَالِد يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الداراني يَقُول: مَا فارق الخوف قلبا إلا خرب، وسمعته، يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول صدق الخوف هُوَ الورع عَنِ الآثام ظاهرا وباطنا وَقَالَ ذو النون النَّاس عَلَى الطريق مَا لَمْ يزل عَنْهُم الخوف فَإِذَا زال عَنْهُم الخوف ضلوا عَنِ الطريق وَقَالَ حاتم الأصم لكل شَيْء زينة وزينة العبادة الخوف وعلامة الخوف قصر الأمل وَقَالَ رجل لبشر الحافي أراك تخاف الْمَوْت فَقَالَ: القدوم عَلَى اللَّه شديد.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول دخلت عَلَى الإِمَام أَبِي بَكْر بْن فورك عائدا فلما رآني دمعت عيناه فَقُلْتُ لَهُ: إِن شاء اللَّه تَعَالَى يعافيك ويشفيك فَقَالَ: لَنْ تراني أخاف من الْمَوْت إِنَّمَا أخاف مِمَّا وراء الْمَوْت.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَمَانٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنٍ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَهُوَ الرَّجُلُ يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قَالَ: لا وَلَكِنِ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُ "
стр. 241
وَقَالَ ابْن المبارك الَّذِي يهيج الخوف حَتَّى يسكن فِي القلب دوام المراقبة فِي السر والعلانية.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن يَقُول: سمعت أبا القاسم بْن أَبِي مُوسَى يَقُول: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا عَلَى الرازي قَالَ: سمعت ابْن المبارك يَقُول ذَلِكَ.
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول إِذَا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه وطرد رغبة الدنيا عَنْهُ وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأَحْكَام، وقيل: الخوف حركة القلب من جلال الرب وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني ينبغي للقلب أَن لا يَكُون الغالب عَلَيْهِ إلا الخوف فَإِنَّهُ إِذَا غلب الرجاء عَلَى القلب فسد القلب ثُمَّ قَالَ يا أَحْمَد بالخوف ارتفعوا فَإِن ضيعوه نزلوا.
وَقَالَ الواسطي الخوف والرجاء زمامان عَلَى النفوس لئلا تخرج إِلَى رعوناتها.
وَقَالَ الواسطي إِذَا ظهر الحق عَلَى السرائر لا يبقى فِيهَا فضله لرجاء ولا لخوف قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: وَهَذَا فِيهِ إشكال ومعناه إِذَا اصطلمت شواهد الحق الأسرار مكتها فلا يبقى فِيهَا مساغ لذكر حدثان والخوف والرجاء من آثار بقاء الإحساس بأحكام البشرية وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور من خاف من شَيْء سِوَى اللَّه أَوْ رجا سواه أغلق عَلَيْهِ أبواب كُل شَيْء وسلط عَلَيْهِ المخافة وحجبه بسبعين حجابا أيسرها الشك وإن مِمَّا أوجب شدة خوفهم فكرهم فِي العواقب وخشية تغير أحوالهم قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤]
стр. 242
فكم من مغبوط فِي أحواله انعكست عَلَيْهِ الحال ومني بمفارقة قبيح الأفعال فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ ينشد كثيرا:
أحسنت ظنك بالأيام إِذَا حسنت ... وَلَمْ تخف سوء مَا يَأْتِي بِهِ القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بِهَا ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: كَانَ رجلان اصطحبا فِي الإرادة برهة من الزَّمَان ثُمَّ إِن أحدهما سافر وفارق صاحبه وأتى عَلَيْهِ مدة من الزَّمَان وَلَمْ يسمع منه خبرا فبينا هَذَا الآخر كَانَ فِي غزاة يقاتل عسكر الروم إذ خرج عَلَى الْمُسْلِمِينَ رجل مقنع فِي السلاح يطلب المبارزة فخرج إِلَيْهِ من أبطال الْمُسْلِمِينَ واحد فقتله الرومي ثُمَّ خرج آخر فقتله ثُمَّ ثالث فقتله فخرج إِلَيْهِ هَذَا الصوفي وتطاردا فحسر الرومي عَن وجهه فَإِذَا هُوَ صاحبه الَّذِي صحبه فِي الإرادة والعبادة سنين فَقَالَ هَذَا لَهُ: أيش الْخَبَر فَقَالَ: إنه ارتد وخالط الْقَوْم وولد لَهُ أولاد واجتمع لَهُ مال فَقَالَ لَهُ: وكنت تقرأ الْقُرْآن بقراءات كثيرة فَقَالَ لا أذكر منه حرفا فَقَالَ لَهُ هَذَا الصوفي لا تفعل وارجع فَقَالَ لا أفعل فلى فيهم جاه ومال فانصرف أَنْتَ إلا لأفعلن بك مَا فعلت بأولئك فَقَالَ لَهُ هَذَا الصوفي: أعلم أنك قتلت ثلاثة من الْمُسْلِمِينَ وليس عليك أنفة فِي الانصراف فانصرف أَنْتَ وأنا أمهلك فرجع الرجل موليا فتبعه هَذَا الصوفي وطعنه فقتله فبعد تلك المجاهدات ومقاسات تلك الرياضات قتل عَلَى النَّصْرَانِيَّة
стр. 243
وقيل: لما ظهر عَلَى إبليس مَا ظهر طفق جبريل وميكائيل ﵉ يبكيان زمانا طويلا فأوحى اللَّه تَعَالَى إليهما مالكما تبكيان كُل هَذَا البكاء فقالا يا رب لا نأمن مكرك فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: هكذا كونا لا تأمنا مكري ويحكى عَنِ السري السقطي، أَنَّهُ قَالَ: إني لأنظر إِلَى أنفي فِي اليوم كَذَا مرة مخافة أَن يَكُون قَد اسود لما أخافه من العقوبة.
وَقَالَ أَبُو حفص منذ أربعين سنة اعتقادي فِي نفسي أَن اللَّه تَعَالَى ينظر إِلَى نظر السخط وأعمالي تَدُل عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ حاتم الأصم لا تغتر بموضع صَالِح فلا فِي مكان أصلح من الْجَنَّة فلقي آدم ﵇ فِيهَا مَا لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فَإِن إبليس بَعْد طول تعبده لقي مَا لقي ولا تغتر بكثرة العلم فَإِن بلعام كَانَ يحسن اسم اللَّه الأعظم فانظر ماذا لقي ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر قدرا من المصطفى ﷺ وَلَمْ ينتفع بلقائه أقاربه أو أعداؤه وخرج ابْن المبارك يوما عَلَى أَصْحَابه فَقَالَ: إني قَد اجترأت البارحة عَلَى اللَّه سألته الْجَنَّة وقيل: خرج عيسى ﵇ ومعه صَالِح من صالحي بني إسرائيل فتبعهما رجل خاطئ مشهور بالفسق فيهم فقعد منتبذا عَنْهُمَا منكسرا فدعا اللَّه سبحانه وَقَالَ اللَّهُمَّ اغفر لي ودعا هَذَا الصالح وَقَالَ اللَّهُمَّ لا تجمع غدا بيني وبين ذَلِكَ العاصي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى عيسى ﵇ إني قَد استجبت دعاءهما جميعا رددت ذَلِكَ الصالح وغفرت لِذَلِكَ المجرم.
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي قُلْت لعليم: لَمْ سميت مجنونا قَالَ لما طال حبسى عَنْهُ صرت مجنونا لخوف فراقه وَفِي معناه أنشدوا:
لو أَن مَا بي عَلَى صخر لأنحله ... فكيف يحمله خلق من الطين
стр. 244
وَقَالَ بَعْضهم: مَا رأيت رجلا أَعْظَم رجاء لهذه الأمة ولا أشد خوفا عَلَى نَفْسه من ابْن سيرين وقيل: مرض سُفْيَان الثَّوْرِي فعرض دليله عَلَى الطبيب فَقَالَ: هَذَا رجل قطع الخوف كبده ثُمَّ جاء وحس عرقه ثُمَّ قَالَ مَا علمت أَن فِي الحنيفية مثله.
وسئل الشبلي لَمْ تصفر لشمس عِنْدَ الغروب فَقَالَ: لأنها عزلت عَن مكان التمام فاصفرت لخوف المقام وكذا المؤمن إِذَا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه لأنه يخاف المقام فَإِذَا طلعت الشَّمْس طلعت مضيئة كَذَلِكَ المؤمن إِذَا بعث من قبره خرج ووجهه يشرق.
ويحكي عَن أَحْمَد بْن حنبل رحمه اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: سألت ربي أَن يفتح عَلي بابا من الخوف ففتح فخفت عَلَى عقلي فَقُلْتُ يا رب أعطني عَلَى قدر مَا أطيق فسكن ذَلِكَ عني.
стр. 245
بَاب الرجاء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَد الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فَرَأَيْتُ عِنْدَهُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ قُلْتُ لِشَهْرٍ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعَالَى زَوِّدْنِي زَوَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ نَعَمْ حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ عَبْدِي مَا عَبَدَّتَنِي وَرَجَوْتَنِي وَلَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَوِ اسْتَقْبَلْتَنِي بِمِلْءِ الأَرْضِ خَطَايَا وَذُنُوبًا اسْتَقْبَلْتُكَ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً فَأَغْفِرُ لَكَ وَلا أُبَالِي "
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ طَرِيفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ شَعِيرٍ مِنْ إِيمَانٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ثُمَّ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَجْعَلُ مَنْ آمَنَ بِي سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ كَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي
الرجاء تعلق القلب بمحجوب سيحصل فِي المستقبل.
وكما أَن الخوف يقع فِي مستقبل الزَّمَان فَكَذَلِكَ الرجاء يحصل لما يؤمل فِي الاستقبال وبالرجاء عيش القلوب واستقلالها
стр. 246
والفرق بَيْنَ الرجاء وبين التمني أَن التمني يورث صاحبه الكسل ولا يسلك طريق الجهد والجد وبعكسه صاحب الرجاء فالرجاء محمود والتمني معلول وتكلموا فِي الجراء فَقَالَ شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة وَقَالَ ابْن خبيق الرجاء ثلاثة: رجل عمل حسنة فَهُوَ يرجو قبولها ورجل عمل سيئة ثُمَّ تاب فَهُوَ يرجو المغفرة والثالث الرجل الكاذب يتمادى فِي الذنوب وَيَقُول أرجو المغفرة ومن عرف نَفْسه بالإساءة ينبغي أَن يَكُون خوفه غالبا عَلَى رجائه وقيل: الرجاء ثقة الجود من الكريم والودود وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال وقيل: هُوَ قرب القلب من ملاطفة الرب وقيل: سرور الفؤاد بحسن المعاذ وقيل: هُوَ النظر إِلَى سعة رحمة اللَّه تَعَالَى.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول الخوف والرجاء هما كجناحي الطائر إِذَا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فِيهِ النقص وإذا ذهبا صار الطائر فِي حد الْمَوْت.
وسمعته يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: سمعت ابْن أَبِي حاتم يَقُول: سمعت عَلِي بْن شمرذان يَقُول: قَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي وسئل مَا علامة الرجاء فِي العبد؟ قَالَ أَن يَكُون إِذَا أحاط بِهِ الإحسان ألهم الشكر راجيا لتمام النعمة من اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الدنيا وتمام عفوه فِي الآخرة.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف الرجاء استبشار بوجود فضله.
وَقَالَ ارتياح القلوب لرؤيته كرم المرجو المحبوب.
стр. 247
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: من حمل نَفْسه عَلَى الرجاء تعطل ومن حمل نَفْسه عَلَى الخوف قنط ولكن من هذه مرة ومن هذه مرة.
وسمعته يَقُول: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس البغدادي قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن صفوان قَالَ: حدثا ابْن أَبِي الدنيا قَالَ حدثت عَن بَكْر بْن سليم الصواف قَالَ دخلنا عَلَى مَالِك بْن أَنَس فِي العشية الَّتِي قبض فِيهَا فقلنا يا أبا عَبْد اللَّهِ كَيْفَ تجدك فَقَالَ: مَا أدرى مَا أقول لكم غَيْر أنكم ستعاينون من عفو اللَّه تَعَالَى مَا لَمْ يكن لَك فِي حساب ثُمَّ مَا برحنا حَتَّى أغمضناه.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ يكاد رجائي لَك مَعَ الذنوب يغلب رجائي لَك مَعَ الأعمال لأني أجدني أعتمد فِي الأعمال عَلَى الإخلاص وكيف أحرزها وأنا بالآفة معروف وأجدني فِي الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف وكلموا ذا النون المصري وَهُوَ فِي النزع فَقَالَ: لا تشغلوني فَقَدْ تعجبت من كثرة لطف اللَّه تَعَالَى معى وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: إلهي أحلى العطايا فِي قلبي رجاؤك وأعذب الْكَلام عَلَى لساني ثناؤك وأحب الساعات إِلَى ساعة يَكُون فِيهَا لقاؤك.
وَفِي بَعْض التفاسير أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَصْحَابه من بَاب بَنِي شيبة فرآهم يضحكون، فَقَالَ: أتضحون لو تعلموا مَا أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثُمَّ مر ثُمَّ رجع القهقرى وَقَالَ: نزل عَلِي جبريل ﵇ وأتى بقوله تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ تَمِيمٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ أَيُّوبَ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنٍ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَضْحَكُ مِنْ يَأْسِ الْعِبَادِ وَقُنُوطِهِمْ وَقُرْبُ الرَّحْمَةِ مِنْهُمْ "، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ يَضْحَكُ رَبُّنَا ؟
стр. 248
فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيَضْحَكُ.
فَقَالَتْ: لا يَعْدِمُنَا خَيْرًا إِذَا ضَحِكَ
واعلم أَن الضحك فِي وصفه من صفات فعله وَهُوَ إظهار فضله كَمَا يقال ضحكت الأَرْض بالنبات وضحكه من قنوطهم إظهار تحقيق فضله الَّذِي هُوَ ضعف انتظارهم لَهُ.
وقيل إِن مجوسيا استضاف إِبْرَاهِيم الخليل ﵇ فَقَالَ لَهُ: إِن أستلمت أضفتك فَقَالَ: المجوسي إِذَا أسلمت فأي منه تكون لَك عَلَى فمر المجوسي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ يا إِبْرَاهِيم لَمْ تطمعه إلا بتغييره دينه نحن منذ سبعين سنة نطمعه عَلَى كفره فلو أضفته ليلة ماذا عليك فمر إِبْرَاهِيم ﵇ خلف المجوسي وأضافه فَقَالَ لَهُ المجوسي: إيش كَانَ السبب فِي الَّذِي بدا لَك؟ فذكر لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ المجوسي: أهكذا يعاملني ثُمَّ قَالَ أعرض عَلِي الإِسْلام فأسلم.
سمعت الشيخ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: رأى الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاج فِي النوم وَكَانَ يَقُول بوعيد ألابد فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ حالك فَقَالَ: وجدنا الأمر أسهل مِمَّا توهمنا.
سمعت أبا بَكْر بْن أشكيب يَقُول: رأيت أبا سهل الصعلوكي فِي المنام عَلَى هيئة حسنة لا توصف فَقُلْتُ لَهُ: يا أستاذ بِمَا نلت هَذَا فَقَالَ: حسن ظني بربي ورؤي مَالِك بْن دِينَار فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه بك فَقَالَ: قدمت عَلَى ربي بذنوب كثيرة محاها عنى حسن ظني بِهِ تَعَالَى.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: يَقُول اللَّه : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً.
стр. 249
أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإِسْفِرَايِينِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ , عَنِ الأَعْمَشِ , عَن أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُول ذَلِكَ
وقيل: كَانَ ابْن المبارك يقاتل علجا مرة فدخل وقت صلاة العلج فاستمهله فأمهله فلما سجد للشمس أراد ابْن المبارك أَن يضربه بسَيْفه فسمع من الهواء قائلا يَقُول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٤] فأمسك فلما سلم المجوسي قَالَ لَهُ لَمْ أمسكت عما هممت بِهِ فذكر لَهُ مَا سمع فَقَالَ لَهُ المجوسي نعم الرب رب يعاتب وليه فِي عدوه فأسلم وحسن إسلامه.
وقيل: إِنَّمَا أوقعهم فِي الذنب حِينَ سمى نَفْسه عفوا.
وقيل: لو قَالَ لا أغفر الذنوب لَمْ يذنب مُسْلِم قط كَمَا أَنَّهُ لما قَالَ: إِن اللَّه لا يغفر أَن يشرك بِهِ لَمْ يشرك مُسْلِم قط ولكن لما قَالَ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] طمعوا فِي مغفرته.
ويحكى عَن إِبْرَاهِيم بْن أدهم أَنَّهُ قَالَ: كنت أنتظر مدة من الزَّمَان أَن يخلو المطاف لي فكانت ليلة ظلماء فِيهَا مطر شديد فخلا المطاف فدخلت الطواف وكنت أقول فِيهِ اللَّهُمَّ عصمني اللَّهُمَّ اعصمني فسمعت هاتفا يَقُول لي يا ابْن أدهم أَنْتَ تسألني العصمة وكل النَّاس يسألوني العصمة فَإِذَا عصمتكم فلمن أرحم.
وقيل: رأى أَبُو الْعَبَّاس ابْن سريج فِي منامه فِي مرض موته كأن الْقِيَامَة قَدْ قامت وإذا الجبار سبحانه يَقُول أين الْعُلَمَاء قَالَ فجاءوا ثُمَّ قَالَ ماذا عملتم فيما علمتم قَالَ فقلنا يا رب قصرنا وأسأنا قَالَ فأعاد السؤال كَأَنَّهُ لَمْ يرض بِهِ وأراد جوابا آخر فَقُلْتُ أما أنا فليس فِي صحيفتي الشرك وَقَدْ وعدت أَن تغفر مادونه فَقَالَ: اذهبوا فَقَدْ غفرت لكم وَمَاتَ بَعْد ذَلِكَ بثلاث ليال.
стр. 250
وقيل: كَانَ رجل شريب جمع قوما من ندمائه ودفع إِلَى غلام لَهُ أربعة دراهم وأمره أَن يشترى بِهَا شَيْئًا من الفواكه للمجلس فمر الغلام بباب مجلس مَنْصُور بْن عمار وَهُوَ يسأل لفقير شَيْئًا وَيَقُول من دفع لَهُ أربعة دراهم دعوت لَهُ أربع دعوات قَالَ فدفع لَهُ الغلام الدراهم فَقَالَ مَنْصُور: مَا الَّذِي تريد أَن أدعو لَك فَقَالَ لي سيدي أريد أَن أتخلص منه فدعا لي مَنْصُور وَقَالَ: مَا الأخرى فَقَالَ: أَن يخلف اللَّه تَعَالَى عَلَى دراهمي فدعا ثُمَّ قَالَ وَمَا الأخرى فَقَالَ: أَن يتوب اللَّه عَلَى سيدي فدعا قَالَ وَمَا الأخرى فَقَالَ: أَن يغفر اللَّه تَعَالَى لي ولسيدي ولك وللقوم فدعا مَنْصُور فرجع الغلام إِلَى سيده فَقَالَ: لَمْ أبطأت؟ فقص عَلَيْهِ القصة فَقَالَ: وبم دعا فَقَالَ: سألت لنفسي العتق فَقَالَ أذهب فأنت حر وأيش الثَّانِي فَقَالَ: أَن يخلف اللَّه عَلِي الدراهم فَقَالَ: لَك أربعة آلاف درهم فَقَالَ: وأيش الثالث فَقَالَ: أَن يتوب اللَّه عليك فَقَالَ: تبت إِلَى اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: وأيش الرابع فَقَالَ: أَن يغفر اللَّه تَعَالَى لَك ولي وللقوم وللمذكر فَقَالَ: هَذَا الْوَاحِد لَيْسَ إلي فلما بات رأى فِي المنام كأن قائلا يَقُول لَهُ أَنْتَ فعلت مَا كَانَ إليك تراني لا أفعل مَا إلي قَدْ غفرت لَك وللغلام ولمنصور بْن عمار وللقول الحاضرين وقيل: حج رباح القيسي حجات كثيرة فَقَالَ: يوما وَقَدْ وقف تَحْتَ الميزاب إلهي وهبت من حجاتي كَذَا وكذا لرسول اللَّه ﷺ وعشرة منها لأَصْحَابه العشرة وثنتين لوالدي والباقي للمسلمين وَلَمْ بحبس شَيْئًا لنفسه فسمع هاتفا يَقُول هُوَ ذا يتسخى عَلَيْنَا لأغفرن لَك ولأبويك ولمن شهد شهادة الحق وَرَوَى عَن عَبْد الْوَهَّاب بْن عَبْد المجيد الثقفي قَالَ رأيت جنازة يحملها ثلاثة من الرجال وامرأة قَالَ فأخذت مكان المرأة وذهبنا إِلَى المقبرة فصلينا عَلَيْهَا ودفناها فَقُلْتُ المرأة من كَانَ هَذَا منك فَقَالَت ابني قُلْت: أَوْ لَمْ يكن لكم جيران قَالَتْ: نعم ولكنهم صغروا أمره
следующие страницы →