Полный текст (562 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: القناعة ترك التشوف إِلَى المفقود والاستغناء بالموجود.
وقيل: فِي معني قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] يَعْنِي القناعة، وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: القناعة رضا النفس بِمَا قسم لَهَا من الرزق، ويقال القناعة الاكتفاء بالموجود وزوال الطمع فيما لَيْسَ بحاصل، وَقَالَ وهب: إِن العز والغنى خرجا يجولان يطلبان رفيقا فلقيا القناعة فاستقرا، وقيل: من كانت قناعته سمينة طابت لَهُ كُل مرقة، ومن رجع إِلَى اللَّه تَعَالَى عَلَى كُل حالة رزقه اللَّه القناعة، وقيل: مر أَبُو حازم بقصاب ومعه لحم سمين، فَقَالَ: خذا يا أبا حازم فَإِنَّهُ سمين، فَقَالَ: لَيْسَ معي درهم، قَالَ: أنا أنظرك فَقَالَ: نفسي أَحْسَن نظرة لي منك، وقيل: من أقنع النَّاس؟ فقيل أكثرهم لِلنَّاسِ معونة وأقلهم عَلَيْهِم مؤنة، وَفِي الزبور: القانع غنى وإن كَانَ جائعا، وقيل: وضع اللَّه تَعَالَى خمسة أشياء فِي خمسة مواضع: العز فِي الطاعة، والذل فِي المعصية، والهيبة فِي قيام الليل والحكمة فِي البطن الخالي، والغنى فِي القناعة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت نصر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت سُلَيْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان يَقُول: سمعت أبا القاسم بْن أَبِي نزار يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم المارستاني، يَقُول: انتقم من حرصك بالقناعة كَمَا تنتقم من عدوك بالقصاص، وَقَالَ ذو النون المصري: من قنع استراح من أهل زمانه واستطال عَلَى أقرانه،
стр. 282
وقيل: من قنع استراح من الشغل واستطال عَلَى الكل، وَقَالَ الكتاني: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالعز والمروءة.
وقيل: من تعبت عيناه مَا فِي أيدي النَّاس طال حزنه، وأنشدوا:
وأحسن بالفتى من يَوْم عار ... ينال بِهِ الغنى كرم وجوع
وقيل: رأى رجل حكيما يأكل مَا تساقط من البقل عَلَى رأس ماء فَقَالَ: لو خدمت السلطان لَمْ تحتج إِلَى أكل هَذَا فَقَالَ الحكيم: وأنت لو قنعت بِهَذَا لَمْ تحتج إِلَى خدمة السلطان، وقيل العقاب عزيز فِي مطاره لا يسموه إِلَيْهِ طرف صياد ولا طمعه فَإِذَا طمع فِي جيفة علقت عَلَى حبالة نزل من مطاره فتعلق فِي حباله، وقيل: لما نطق مُوسَى ﵇ بذكر الطمع فَقَالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] قَالَ الحضر لَهُ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] ، وقيل: لما قَالَ ذَلِكَ مُوسَى ﵇ وقف بَيْنَ يدي مُوسَى والخضر ﵉ ظبي وكانا جائعين الجانب الَّذِي يلي مُوسَى ﵇ غَيْر مشوي والجانب الَّذِي يلي الخضر مشوي، وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] هُوَ القناعة فِي الدنيا: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] هُوَ الحرص فِي الدنيا، وقيل: فِي قَوْله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أي فكها من ذل الطمع، وقيل: فِي قَوْله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يعنى البخل والطمع: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] يعنى بالسخاء والإيثار،
стр. 283
وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] أي مقاما فِي القناعة أنفرد بِهِ من أشكالي وأكون راضيا فِيهِ بقضائك، وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] يَعْنِي لأسلبنه القناعة ولأبتلينه بالطمع يَعْنِي اسأل اللَّه تَعَالَى أَن يفعل بِهِ ذَلِكَ، وقيل لأبي يَزِيد: بم وصلت إِلَى مَا وصلت فَقَالَ: جمعت أسباب الدنيا فربطتها بحبل القناعة ووضعتها فِي منجنيق الصدق ورميت بِهَا فِي بحر اليأس فاسترحت.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن فرحان بسامرة يَقُول: سمعت خالي عَبْد الْوَهَّاب يَقُول: كنت جالسا عِنْدَ الجنيد أَيَّام الموسم وحوله جَمَاعَة كثيرون من العجم والموالدين فجاء إِنْسَان بخمس مائة دِينَار ووضعها بَيْنَ يديه وَقَالَ تفرقها عَلَى هَؤُلاءِ الفقراء فَقَالَ: ألك غيرها؟ قَالَ: نعم , لي دنانير كثيرة فَقَالَ: أتريد غَيْر مَا تملك؟ فَقَالَ: نعم.
فَقَالَ الجنيد: خذها فإنك أحوج إِلَيْهَا منا وَلَمْ يقبلها.
стр. 284
بَاب التوكل قَالَ اللَّه : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وَقَالَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] وَقَالَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَوْرَكٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الْقَاهِرِ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ , عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: أُرِيتُ الأُمَمَ بِالْمَوْسِمِ فَرَأَيْتُ أُمَّتِي قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، فَقِيلَ لِي: أَرَضِيتَ.
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: وَمَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ لا يَكْتُوُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ , فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ , فَقَامَ آخَرٌ , فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
فَقَالَ ﷺ : سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر الوجيهي قَالَ: قَالَ أَبُو عَلَى الروذباري قُلْت لعمرو بْن سنان: احك لي عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ حكاية فَقَالَ: إنه قَالَ: علامة المتوكل ثَلاث لا يسأل ولا يرد ولا يحبس.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت أبا مُوسَى الدبيل يَقُول: قيل لأبي يَزِيد: مَا التوكل؟
стр. 285
فَقَالَ لي: مَا تقول أَنْتَ؟ قَالَ قُلْت: إِن أَصْحَابنا يقولون لو أَن السباع والأفاعي عَن يمينك ويسارك مَا تحرك لِذَلِكَ سرك فَقَالَ أَبُو يَزِيد: نعم هَذَا قريب ولكن لو أَن أهل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة يتنعمون وأهل النار فِي النار يعذبون ثُمَّ وقع لَك تمييز عليهما خرجت من جملة التوكل.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: أول مقام فِي التوكل أَن يَكُون العبد بَيْنَ يدي اللَّه كالميت بَيْنَ يدي الغاسل يقلبه كَيْفَ شاء لا يَكُون لَهُ حركة ولا تدبير.
وَقَالَ حمدون: التوكل هُوَ الاعتصام بالله تَعَالَى.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن أَحْمَد البلخي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن خضرويه يَقُول: قَالَ رجل لحاتم الأصم من أين تأكل؟ فَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] .
وأعلم أَن التوكل محله القلب والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب بعدما تحقق العبد أَن التقدير من قبل اللَّه تَعَالَى وإن تعسر شَيْء فبتقديره وإن اتفق شَيْء فبتيسيره.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدَانَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلانُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ , قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجُحْدَرِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَحْيَي , قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْمُغِيرَةُ بْنِ أَبِي قُرَّةَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَدَعَهَا وَأَتَوَكَّلُ , فَقَالَ: أَعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص من صح توكله فِي نَفْسه صح توكله فِي غيره وَقَالَ بشر الحافي يَقُول أحدهم توكلت عَلَى اللَّه تَعَالَى يكذب عَلَى اللَّه تَعَالَى لو توكل عَلَى اللَّه تَعَالَى لرضي بِمَا يفعل اللَّه تَعَالَى بِهِ.
وسئل يَحْيَي بْن معاذ: مَتَى يَكُون الرجل متوكلا فَقَالَ: إِذَا رَضِيَ بالله تَعَالَى وكيلا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الصامت يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الخواص يَقُول:
стр. 286
بينما أنا أسير فِي البادية وإذا بهاتف يهتف فالتفت إِلَيْهِ فَإِذَا أعرابي يسير فَقَالَ لي: يا إِبْرَاهِيم التوكل عندنا أقم عندنا حَتَّى يصح توكلك ألم تعلم أَن رجاءك لدخول بلد فِيهِ أطعمة يحملك أقطع رجاءك عَنِ البلدان وتوكل.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفارسي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء وسئل عَن حقيقة التوكل فَقَالَ: أَن لا يظهر فيك انزعاج إِلَى الأسباب مَعَ شدة فاقتك إِلَيْهَا ولا تزول عَن حقيقة السكون إِلَى الحق مَعَ وقوفك عَلَيْهَا.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: شرط التوكل مَا قاله أَبُو تراب النخشبي وَهُوَ طرح البدن فِي العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إِلَى الكفاية فَإِن أعطي شكر وإن منع صبر وكما قَالَ ذو النون التوكل ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة وإنما يقوى العبد عَلَى التوكل إِذَا علم أَن اللَّه سبحانه يعلم ويرى مَا هُوَ فِيهِ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الفرج الورثاني يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد القرمسيني يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر بْن الفرج يَقُول: رأيت رجلا يعرف بجمل عَائِشَة من الشطار يضرب بالسياط فَقُلْتُ لَهُ: أي وقت يَكُون ألم الضرب عليكم أسهل؟ فَقَالَ: إِذَا كَانَ من ضربنا لأجله يرانا.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد يَقُول: قَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور لإبراهيم الخواص ماذا صنعت فِي هذه الأسفار وقطع هذه المفاوزة قَالَ: بقيت فِي التوكل أصحح نفسي عَلَيْهِ فَقَالَ: الْحُسَيْن أفنيت عمرك فِي عمران باطنك فأين الفناء فِي التوحيد؟ سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: التوكل مَا قاله أَبُو بَكْر الدقاق وَهُوَ رد العيش إِلَى يَوْم واحد وإسقاط هُمْ غد , قَالَ: وَهُوَ كَمَا قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: التوكل الاسترسال مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا يريد.
стр. 287
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت أبا بَكْر البردعي يَقُول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يَقُول التوكل عَلَى اللَّه تَعَالَى بكمال الحقيقة مَا وقع لإبراهيم ﵇ فِي الوقت الَّذِي قَالَ لجبريل ﵇: أما إليك فلا لأنه غابت نَفْسه بالله تَعَالَى فلم ير مَعَ اللَّه غَيْر اللَّه .
وسمعته يَقُول: سمعت سَعِيد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان الخياط يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي وسأله رجل فَقَالَ: مَا التوكل، فَقَالَ: خلع الأرباب وقطع الأسباب فَقَالَ السائل: زدني فَقَالَ: إلقاء النفس فِي العبودية وإخراجها من الربوية.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد المعلم يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ يَقُول: سمعت حمدون القصار وسئل عَنِ التوكل فَقَالَ: إِن كَانَ لَك عشرة آلاف درهم وعليك دانق دين لَمْ تأمن أَن تموت ويبقى ذَلِكَ فِي عنقك ولو كَانَ عليك عشرة آلاف درهم دين من غَيْر أَن تترك لَهَا وفاء لا تيأس من اللَّه تَعَالَى أَن يقضيه عَنْك.
وسئل أَبُو عَبْد اللَّهِ الْقُرَشِيّ عَنِ التوكل فَقَالَ: التعلق بالله تَعَالَى فِي كُل حال فَقَالَ السائل: زدني قَالَ: ترك كُل سبب يوصل إِلَى سبب حَتَّى يَكُون الحق هُوَ المتولى لِذَلِكَ وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ التوكل حال النَّبِي ﷺ والكسب سنته فمن بقى عَلَى حاله فلا يتركن سنته وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب وقيل: التوكل أَن يستوي عندك الإكثار والتقلل ,
стр. 288
وَقَالَ ابْن مسروق: التوكل الاستسلام لجيران الْقَضَاء والأحكام سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان الحيري يَقُول: التوكل الاكتفاء بالله تَعَالَى مَعَ الاعتماد عَلَيْهِ وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن غالب يحكي عَنِ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور قَالَ: المتوكل المحق لا يأكل وَفِي البلد من هُوَ أحق بِهِ منه وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت مَنْصُور أَحْمَد الحريري يَقُول: حكي لنا ابْن أَبِي شيخ قَالَ: سمعت عُمَر بْن سنان يَقُول: اجتاز بنا إِبْرَاهِيم الخواص , فقلنا لَهُ: حَدَّثَنَا بأعجب مَا رأيته فِي أسفارك فَقَالَ: لقيني الخضر ﵇ فسألني الصحبة فخشيت أَن يفسد عَلَى توكلي بسكوني إِلَيْهِ ففارقته.
وسئل سهل عَنِ التوكل فَقَالَ: قلب عاش مَعَ اللَّه تَعَالَى بلا علاقة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: التوكل ثَلاث درجات التوكل ثُمَّ التسليم ثُمَّ التفويض فالمتوكل يسكن إِلَى وعده وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضي بحكمه.
وسمعته يَقُول التوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية.
وسئل الدقاق عَنِ التوكل فَقَالَ: الأكل بلا طمع وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: لبس الصوف حانوت والكل فِي الزهد حرفة وصحبة القوافل تعرض وَهَذَهِ كلها علاقات.
وجاء رجل إِلَى الشبلي يشكو إِلَيْهِ كثرة العيال فَقَالَ: ارجع إِلَى بيتك فمن لَيْسَ رزقه عَلَى اللَّه فاطرده عَنْك.
стр. 289
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء يَقُول: قرأت عَلَى مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ: سهل بْن عَبْد اللَّهِ من طعن فِي الحركة فَقَدْ طعن فِي السنة ومن طعن فِي التوكل فَقَدْ طعن فِي الإيمان وسمعته يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت جعفرا الخلدي يَقُول: قَالَ إِبْرَاهِيم الخواص: كنت فِي طريق مَكَّة فرأيت شخصا وحشيا فَقُلْتُ: جنى أَوْ إنسي فَقَالَ: جنى فَقُلْتُ: إِلَى أين فَقَالَ: إِلَى مَكَّة فَقُلْتُ: بلا زاد فَقَالَ: نعم فينا أَيْضًا من يسافر عَلَى التوكل فَقُلْتُ إيش التوكل؟ فَقَالَ: الأخذ من اللَّه تَعَالَى.
سمعته يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت الفرغاني يَقُول كَانَ إِبْرَاهِيم الخواص مجردا فِي التوكل يدقق فِيهِ وَكَانَ لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل لَهُ يا أبا إِسْحَاق لَمْ تحمل هَذَا وأنت تمتنع من كُل شَيْء فَقَالَ: مثل هذا لا ينقض التوكل، لأن لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا فرائض والفقير لا يَكُون عَلَيْهِ إلا ثوب واحد , فربما يتخرق ثوبه فَإِن لَمْ يكن مَعَهُ إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عَلَيْهِ صلاته وإذا لَمْ يكن مَعَهُ ركوة تفسد عَلَيْهِ طهارته فَإِذَا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه فِي صلاته.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول التوكل صفة الْمُؤْمِنيِنَ والتسليم صفة الأولياء والتفويض صفة الموحدين فالتوكل صفة العوام والتسليم صفة الخواص والتفويض صفة خواص الخواص.
وسمعته يَقُول: التوكل صفة الأنبياء والتسليم صفة إِبْرَاهِيم ﵇ والتفويض صفة نبينا مُحَمَّد ﷺ .
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الحداد يَقُول مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل وأنا أعمل فِي السوق آخذ كُل يَوْم أجرتي ولا أنتفع منها بشربة ماء ولا بدخلة حمام وكنت أجئ بِهَا إِلَى الفقراء فِي الشونيزية وأكون عَلَى حالي
стр. 290
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت الخواص يَقُول: سمعت الْحَسَن أَخَا سنان يَقُول حجبت أربع عشرة حجة حافيا عَلَى التوكل فكان يدخل فِي رجلي الشوك فأذكر أني اعتقدت عَلَى نفسي التوكل فأحكها فِي الأَرْض وأمشي.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الواعظ يَقُول: سمعت خيرا النساج يَقُول: سمعت أبا حمزة يَقُول إني لأستحي من اللَّه تَعَالَى أَن أدخل البادية وأنا شبعان وَقَدِ اعتقدت التوكل لئلا يَكُون سعيي عَلَى الشبع زاد أتزوده.
وسئل حمدون عَنِ التوكل فَقَالَ: تلك درجة لَمْ أبلغها بَعْد وكيف يتكلم فِي التوكل من لَمْ يصح لَهُ حال الإيمان وقيل: المتوكل كالطفل لا يعرف شَيْئًا يأوي إِلَيْهِ إلا ثدي أمه كَذَلِكَ المتوكل لا يهتدي إلا إِلَى ربه تَعَالَى وعن بَعْضهم قَالَ: كنت فِي البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي واحدا فتسارعت حَتَّى أدركته فَإِذَا هِيَ امْرَأَة بيدها عكازة تمشي عَلَى التؤدة فظننت أَنَّهَا أعيت فأدخلت يدي فِي جيبي فأخرجت عشرين درهما فَقُلْتُ خذيها وامكثي حَتَّى تلحقك القافلة فتكتري بِهَا ثُمَّ ائتني الليلة حَتَّى أصلح أمرك فَقَالَتْ بيدها هكذا فِي الهواء فَإِذَا فِي كفها دنانير قَالَتْ: أَنْتَ أخذتا لدراهم من الجيب وأنا أخذت الدنانير من الغيب.
ورأى أَبُو سُلَيْمَان الداراني رجلا بمكة , شرفها اللَّه تَعَالَى , لا يتناول شَيْئًا إلا شربة من ماء زمزم فمضى عَلَيْهِ أَيَّام فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان يوما: أرأيت لو غارت زمزم إيش كنت تشرب فقام وقبل رأسه وَقَالَ جزاك اللَّه تعالى خيرا حيث أرشدتني فإني كنت أعبد زمزم منذ أَيَّام ومضى.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص رأيت فِي طريق الشام شابا حدثا حسن المراعاة فَقَالَ لي: هل لَك فِي الصحبة فَقُلْتُ: إني أجوع فَقَالَ: إِن جعتَ جعتُ معك
стр. 291
فبقينا أربعة أَيَّام ففتح عَلَيْنَا بشيء فَقُلْتُ: هلم فَقَالَ: أعتقدت أني لا آخذ بواسطة فَقُلْتُ: يا غلام دققت فَقَالَ: يا إِبْرَاهِيم لا تتبهرج فَإِن الناقد بصير مَالك والتوكل ثُمَّ قَالَ: أقل التوكل أَن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إِلَى من إِلَيْهِ الكفايات.
وقيل: التوكل نفى الشكوك والتفويض إِلَى ملك الملوك.
وقيل: دَخَلَ جَمَاعَة عَلَى الجنيد فَقَالُوا: أين نطلب الرزق فَقَالَ: إِن علمتم أي موضع هُوَ فاطلبوه قَالُوا: فنسأل اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ فَقَالَ: إِن علمتم أنه ينساكم فذكروه فَقَالُوا: ندخل الْبَيْت فتوكل فَقَالَ: التجربة شك قَالُوا فَمَا الحيلة فَقَالَ: ترك الحيلة.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني لأحمد بْن أَبِي الحواري: يا أَحْمَد إِن طرق الآخرة كثيرة وشيخك عارف بكثير منها إلا هَذَا التوكل المبارك فإني مَا شممت بمنه رائحة.
وقيل: التوكل الثقة بِمَا فِي يد اللَّه تعالى واليأس عما فِي أيدي النَّاس.
وقيل: التوكل فراغ السر عَنِ التفكر فِي التقاضي فِي طلب الرزق.
وسئل الْحَارِث المحاسبي عَنِ المتوكل هل يلحقه طمع فَقَالَ: يلحقه من طريق الطباع خطرات ولا يضره شَيْء ويقويه عَلَى إسقاط الطمع اليأس عما فِي أيدي النَّاس.
وقيل: جاع النوري فِي البادية فهتف بِهِ هاتف أيما أحب إليك سب أَوْ كفاية فَقَالَ: الكفاية فلبس فوقها نهاية فبقي سبعة عشر يوما لَمْ يأكل.
стр. 292
وَقَالَ أَبُو عَلَى الروذباري إِذَا قَالَ الفقير بَعْد خمسة أَيَّام أنا جائع فألزموه بالسوق ومروه بالعمل والكسب.
وقيل: نظر أَبُو تراب النخشبي إِلَى صوفي مد يده عَلَى قشر بطيخ ليأكله بَعْد ثلاثة أَيَّام فَقَالَ: لَهُ لا يصلح لَك التصوف الزم السوق وَقَالَ أَبُو يعقوب الأقطع البصرى: جعت مرة بالحرم عشرة أَيَّام فوجدت ضعفا فحدثني نفسي فخرجت إِلَى الوادي لعلى أجد شَيْئًا يسكن ضعفى فرأيت سلجمة مطروحة فأخذتها فوجدت فِي قلبي منها وحشة وكأن قائلا يَقُول لي جعت عشرة أَيَّام فآخره يَكُون حظك سلجمة متغيرة فرميت بِهَا ودخلت الْمَسْجِد فقعدت فَإِذَا أنا برجل أعجمي جلس بَيْنَ يدي ووضع قمطرة وَقَالَ هذه لَك فَقُلْتُ كَيْفَ خصصتني بِهَا فَقَالَ: اعلم أنا كُنَّا فِي البحر منذ عشرة أَيَّام وأشرفت السفينة عَلَى الغرق فنذر كُل واحد منا إِن خلصنا اللَّه تَعَالَى أَن يتصدق بشيء ونذرت أنا إِن خلصني اللَّه تَعَالَى أَن أتصدق بِهَذِهِ عَلَى أول من يقع بصرى عَلَيْهِ من المجاورين وأنت أول من لقيته فَقُلْتُ: افتحها ففتحه فَإِذَا فِيهَا كعك سميد مصري ولوز مقشور وسكر كعاب فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت: رد الباقي إِلَى صبيانك هُوَ هدية منى لكم وَقَدْ قبلتها ثُمَّ قُلْت فِي نفسي: رزقك يسير إليك من عشرة أَيَّام وأنت تطلبه من الوادي.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: كنت عِنْدَ ممشاد الدينوري فجرى حَدِيث الدين فَقَالَ: كَانَ عَلَى دين فاشتغل قلبي فرأيت فِي النوم كأن قائلا يَقُول: يا بخيل أخذت عَلَيْنَا هَذَا المقدار خذ عليك الأخذ وَعَلَيْنَا العطاء فَمَا حاسبت بَعْد ذَلِكَ بقالا ولا قصابا ولا غيرهم.
стр. 293
ويحكى عَن بنان الحمال قَالَ: كنت فِي طريق مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى أجئ من مصر ومعي زاد فجاءتني امْرَأَة وَقَالَتْ لي: يا بنان أَنْتَ حمال تحمل عَلَى ظهرك الزاد وتتوهم أَنَّهُ لا يرزقك قَالَ: فرميت بزادي ثُمَّ أتى عَلَي ثلاثة لَمْ آكل فوجدت خلخالا فِي الطريق فَقُلْتُ: فِي نفسي أحمله حَتَّى يجئ صاحبه فربما يعطيني شَيْئًا فأرده عَلَيْهِ فَإِذَا أنا بتلك المرأة فَقَالَتْ لي: أَنْتَ تاجر تقول حَتَّى يجيء صاحبه فآخذ منه شَيْئًا من الدراهم وَقَالَتْ أنفقها فاكتفيت بِهَا إِلَى قريب من مَكَّة.
ويحكى أَن بنانا احتاج إِلَى جارية تخدمه فانبسط إِلَى إخوانه فجمعوا لَهُ ثمنها وَقَالُوا: هُوَ ذا يجيء النفر فنشتري مَا يوافق فلما ورد النفر اجتمع رأيهم عَلَى واحدة وَقَالُوا: إنها تصلح لَهُ فَقَالُوا لصاحبها: بكم هذه فَقَالَ: إنها ليست للبيع فألحوا عَلَيْهِ فَقَالَ: إنها لبنان الحملة أهدتها إِلَيْهِ امْرَأَة من سمرقند فحملت إِلَى بنان وذكرت لَهُ القصة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن المخزومي يَقُول: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن صَالِح قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عبدون قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن الخياط قَالَ كنت عِنْدَ بشر الحافي فجاء نفر فسلموا عَلَيْهِ فَقَالَ: من أين أنتم قَالُوا: نحن من الشام جئنا نسلم عليك ونريد الحج فَقَالَ: شكر اللَّه تَعَالَى لكم فَقَالُوا: تخرج معنا فَقَالَ: بثلاث شرائط لا نحمل معنا شَيْئًا ولا نسأل أحدا شَيْئًا وإن أعطانا أحد شَيْئًا لا نقبل قَالُوا: أما أَن لا نحمل فنعم وَأَمَّا أَن لا نسأل فنعم وَأَمَّا أَن لا نقبل إِن أعطينا فهذا لا نستطيعه فَقَالَ: خرجتم متوكلين عَلَى زاد الحجيج ثُمَّ قَالَ يا حسن الفقراء ثلاثة: فَقِير لا يسأل، وإن أعطي لا يأخذ، فذاك من جملة الروحانيين، وفقير لا يسأل، وإن أعطي قَبِل فذاك توضع لَهُ موائد فِي حظائر القدس، وفقير يسأل وإن أُعطي قَبِل قدر الكفاية فكفارته صدقه.
وقيل: لحبيب العجمي لَمْ تركت التجارة؟ قال وجدت الكفيل ثقة.
وقيل: كَانَ فِي الزمن الأَوَّل رجل فِي سفر ومعه قرص فَقَالَ: إِن أكلته مت
стр. 294
فوكل اللَّه تَعَالَى بِهِ ملكا وَقَالَ إِن أكله فارزقه وإن لَمْ يأكله فلا تعطه غيره فلم يزل القرص مَعَهُ حَتَّى مَات وَلَمْ يأكله وبقي عنده القرص.
وقيل: من وقع فِي ميدان التفويض يزف إِلَيْهِ المراد كَمَا تزف العروس إِلَى أهلها.
والفرق بَيْنَ التضييع والتفويض أَن التضييع فِي حق اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ مذموم والتفويض فِي حقك وَهُوَ محمود وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ: من أخذ فلسا من حرام فليس بمتوكل.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت نصر بْن أَبِي نصر العطار يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد المصري يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الخراز يَقُول: دخلت البادية مرة بغير زاد فأصابتني فاقة فرأيت المرحلة من بعيد فسررت بأني وصلت ثُمَّ فكرت فِي نفسي أني سكنت واتكلت عَلَى غيره فآليت أَن لا أدخل المرحلة إلا أَن أحمل إِلَيْهَا فحفرت لنفسي فِي الرمل حفرة وواريت جسدي فِيهَا إِلَى صدري فسمعوا صوتا فِي نصف الليل عاليا يا أهل المرحلة إِن لِلَّهِ تَعَالَى وليا حبس نَفْسه فِي هَذَا الرمل فالحقوه فجاءني جَمَاعَة فأخرجوني وحملوني إِلَى القرية.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن المخزومي يَقُول: سمعت ابْن المالكي يَقُول: قَالَ أَبُو حمزة الخراساني حججت سنة من السنين فبينما أنا أمشى فِي الطريق إذ وقعت فِي بئر فنزعتني نفسي أَن أستغيث فَقُلْتُ لا والله لا أستغيث فَمَا استتممت هَذَا الخاطر حَتَّى مر براس البئر رجلان فَقَالَ أحدهما للآخر: تعال حَتَّى نسد رأس هذه البئر لئلا يقع فِيهَا أحد فأتوا بقصب وبارية وطموا رأس البئر فهممت أَن أصيح ثُمَّ قُلْت فِي نفسي: أصيح عَلَى من هُوَ أقرب منهما وسكنت فبينما أنا بَعْد ساعة إذ أنا بشيئ جاء وكشف عَن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يَقُول لي: تعلق بي فِي همهمة لَهُ كنت أعرف ذَلِكَ منه فتعلقت بِهِ
стр. 295
فأخرجني فَإِذَا هُوَ سبع فمر وهتف بي هاتف: يا أبا حمزة أليس هَذَا أَحْسَن؟ نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول:
أهابك أَن أبدي إليك الَّذِي أخفي ... وسري يبدي مَا يَقُول لَهُ طرفي
نهاني حيائي منك أَن أكتم الهوى ... وأغنيتني بالفهم منك عَنِ الكشف
تلطفت فِي أمري فأبديت شاهدي ... إِلَى غائبي واللطف يدرك باللطف
تراءيت لي بالغيب حَتَّى كأنما ... تبشرني بالغيب أنك فِي الكف
أراك وبي من هيبتي لَك وحشة ... فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيي محبا أَنْتَ فِي الحب حتفه ... وذا عجب كون الحياة مَعَ الحتف
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا سعدان التاهرتي يَقُول: سمعت حذيفة المرعشي يَقُول: وَقَدْ خدم إِبْرَاهِيم بْن أدهم وصحبه فقيل لَهُ: مَا أعجب مَا رأيت منه فَقَالَ: بقينا فِي طريق مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى أياما لَمْ نجد طعاما
ثُمَّ دخلنا الكوفة فأوينا
إِلَى مَسْجِد خراب فنظر إِلَى إِبْرَاهِيم بْن أدهم وَقَالَ: يا حذيفة أرى بك أثر الجوع فَقُلْتُ هُوَ مَا رأى الشيخ فَقَالَ: عَلَى بدواة وقرطاس فجئت بِهِ فكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أَنْتَ المقصود إِلَيْهِ بكل حال والمشار
إِلَيْهِ بكل معنى:
стр. 296
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ... أنا جائع أنا نائع أنا عاري
هِيَ ستة وأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك لهب نار خضتها ... فأَجِرْ عُبَيْدك من دخول النار
والنار عندي كالسؤال فهل ترى ... أَن لا تكلفني دخول النار
ثُمَّ دفع إِلَى الرقعة وَقَالَ: اخرج ولا تعلق قلبك بغير اللَّه تَعَالَى وادفع الرقعة إِلَى أول من يلقاك قَالَ فخرجت فأول من لقيني رجل كَانَ عَلَى بغلة فدفعتها إِلَيْهِ فأخذها وبكى وَقَالَ: مَا فعل صاحب هذه الرقعة فَقُلْتُ: هُوَ فِي الْمَسْجِد الفلاني فدفع إِلَى صرة فِيهَا ست مائة دِينَار ثُمَّ لقيت رجلا آخر , فَقُلْتُ: من صاحب هذه البغلة فَقَالَ: نصراني فجئت إِلَى إِبْرَاهِيم بْن أدهم وأخبرته بالقصة فَقَالَ لا تمسها فَإِنَّهُ يجئ الساعة، فلما كَانَ بَعْد ساعة وافى النَّصْرَانِي وأكب عَلَى رأس إِبْرَاهِيم بْن أدهم وأسلم.
стр. 297
بَاب الشكر
قَالَ اللَّه : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْفَاطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجَابٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَعْلَى , عَنْ أَبِي خَبَّابٍ , عَنْ عَطَاءٍ , قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَقُلْتُ: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ مَا رَأَيْتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَبَكَتْ، وَقَالَتْ: وَأَيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا إِنَّهُ أَتَانِي فِي لَيْلَةٍ فَدَخَلَ مَعِي فِي فِرَاشِي أَوْ قَالَتْ: فِي لِحَافِي حَتَّى مَسَّ جِلْدِي جِلْدَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ذَرِينِي أَتَعَّبَدُ لِرَبِّي.
قَالَتْ: قُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ قُرْبَكَ.
فَأَذِنْتُ لَهُ , فَقَامَ إِلَى قِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَأَكْثَرَ صَبَّ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَبَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعَهُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ رَكَعَ فَبَكَى ثُمَّ سَجَدَ فَبَكَى، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى جَاءَ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُبْكِيكَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا وَلِمَ لا أَفْعَلُ وَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] الآيَةَ
قَالَ الأستاذ: حقيقة الشكر عِنْدَ أهل التحقيق الاعتراف بنعمة المنعم عَلَى وجه الخضوع وعلى هذا القول يوصف الحق سبحانه بأنه شكور توسعا ومعناه أَنَّهُ يجازى الْعِبَاد عَلَى
стр. 298
الشكر فسمى جزاء الشكر شكرا كَمَا قَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
وقيل: شكره إعطاؤه الكثير من الثوابت عَلَى العمل اليسير من قولهم دابة شكور إِذَا أظهرت من السمن فَوْقَ مَا تعطى من العلف ويحتمل أَن يقال: حقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه فشكر العبد لِلَّهِ تَعَالَى ثناؤه عَلَيْهِ بذكر إحسانه إِلَيْهِ وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عَلَيْهِ بذكر إحسانه لَهُ ثُمَّ إِن إحسان العبد طاعته لِلَّهِ تَعَالَى وإحسان الحق إنعامه عَلَى العبد بالتوفيق للشكر لَهُ وشكر العبد عَلَى الحقيقة إِنَّمَا هُوَ نطق اللسان وإقرار القلب بإنعام الرب تَعَالَى والشكر ينقسم إلى شكر باللسان وَهُوَ أعترافه بالنعمة بنعت الاستكانة وشكر بالبدن والأركان وَهُوَ اتصاف بالوفاق والخدمة وشكر القلب وَهُوَ اعتكاف عَلَى بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة ويقال: شكر هُوَ شكر العاملين يَكُون من جملة أقوالهم وشكر هُوَ نعت العابدين يَكُون نوعا من أفعالهم وشكر هُوَ شكر العارفين يَكُون باستقامتهم لَهُ فِي عموم أحوالهم وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة وَقَالَ حمدون القصار شكر النعمة أَن ترى نفسك فِيهِ طفيليا وَقَالَ الجنيد: الشك فِيهِ علة لأنه طَالِب لنفسه المزيد فَهُوَ واقفا مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى حظ نَفْسه وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: الشكر معرفة العجز عَنِ الشكر ويقال: الشكر عَلَى الشكر أتم من الشكر وَذَلِكَ بأن ترى شكرك بتوفيقه ويكون ذَلِكَ التوفيق من أجل النعم عليك فتشكره عَلَى الشكر ثُمَّ تشكره عَلَى شكر الشكر إِلَى مالا يتناهى وقيل: الشكر إضافة النعم إِلَى موليها بنعت الاستكانة.
стр. 299
وَقَالَ الجنيد: الشكر أَن لا ترى نفسك أهلا للنعمة وَقَالَ رويم الشكر استفراغ الطاقة.
وقيل: الشاكر الَّذِي شكر عَلَى الموجود والشكور الَّذِي يشكر عَلَى المفقود ويقال: الشاكر الَّذِي يشكر على الرفد والشكور الَّذِي يشكر عَلَى الرد ويقال: الشاكر الَّذِي يشكر على النفع والشكور الَّذِي يشكر على المنع ويقال: الشاكر الَّذِي يشكر عَلَى العطاء والشكور الَّذِي يشكر عَلَى البلاء ويقال: الشاكر الَّذِي يشكر عِنْدَ البذل والشكور الَّذِي يشكر عِنْدَ المطل.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول كنت بَيْنَ يدي السري ألعب وأنا ابْن سبع سنين وبين يديه جَمَاعَة يتكلمون فِي الشكر فَقَالَ لي: يا غلام مَا الشكر فَقُلْتُ: أَن لا تعصى اللَّه بنعمة فَقَالَ: يوشك أَن يَكُون حظك من اللَّه تَعَالَى لسانك.
قَالَ الجنيد: فلا أزال أبكي عَلَى هذه الكلمة الَّتِي قالها السري.
وَقَالَ الشبلي: المنعم لا روية النعمة وقيل: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود وَقَالَ أَبُو عُثْمَان شكر العامة عَلَى المطعم والملبس وشكر الخواص عَلَى مَا يرد عَلَى قلوبهم من المعاني.
وقيل: قَالَ دَاوُد ﵇ إلهي كَيْفَ أشكرك وشكري لَك نعمة من عندك فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: الآن قَدْ شكرتني وقيل: قَالَ موسي ﵇ فِي مناجاته: إلهي خلقت آدم بيدك فعلت وفعلت , فكيف شكرك فَقَالَ: علم أَن ذَلِكَ منى فكانت معرفته بِذَلِكَ شكره لي.
وقيل: كَانَ لبعضهم صديق فحبسه السلطان فأرسل إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ صاحبه:
стр. 300
أشكر اللَّه تَعَالَى فضرب الرجل فكتب إِلَيْهِ فَقَالَ: اشكر اللَّه تَعَالَى فجئ بمجوسي مبطون وقيد وجعلت حلقة من قيده عَلَى رجل هَذَا وحلقه عَلَى رجل المجوسي فكان يقوم المجوسي بالليل مرات وَهَذَا يحتاج أَن يقوم عَلَى رأسه حَتَّى يفرغ فكتب إِلَى صاحبه فَقَالَ: أشكر اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: إِلَى مَتَى تقول وأي بلاء فَوْقَ هَذَا فَقَالَ لَهُ صاحبه: لو وضع الزنار الَّذِي فِي وسطه فِي وسطك كَمَا وضع القيد الَّذِي فِي رجله فِي رجلك ماذا كنت تصنع؟ .
وقيل: دَخَلَ رجل عَلَى سهل بْن عَبْد اللَّهِ فَقَالَ: إِن اللص دَخَلَ داري وأخذ متاعي فَقَالَ: اشكر اللَّه تَعَالَى لو دَخَلَ اللص قلبك وَهُوَ الشَّيْطَان وأفسد التوحيد ماذا كنت تصنع.
وقيل: شكر العينين أَن تستر عيبا تراه بصاحبك وشكر الأذنين أَن تستر عيبا تسمعه فِيهِ.
وقيل: الشكر التلذذ بثنائه عَلَى مَا لَمْ يستوجبه من عطائه.
سمعت السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: كَانَ السري إِذَا أراد أَن ينفعني يسألني فَقَالَ لي يوما: يا أبا القاسم إيش الشكر؟ فَقُلْتُ: أَن لا يستعان بشيء من نعم اللَّه تَعَالَى عَلَى معاصيه فَقَالَ: من أين لَك هَذَا؟ فَقُلْتُ من مجالستك وقيل: التزم الْحَسَن بْن عَلِيّ الركن وَقَالَ: إلهي نعمتني فلم تجدني شاكرا وابتليتني فلم تجدني صابرا فلا أَنْتَ سلبت النعمة بترك الشكر ولا أدمت الشدة بترك الصبر إلهي مَا يَكُون من الكريم إلا الكرم.
وقيل: إِذَا قصرت يدك عَنِ المكافأ فليطل لسانك بالشكر.
وقيل: أربعة لا ثمرة لأعمالهم
стр. 301
مسارة الأصم وواضع النعمة عِنْدَ من لا يشكر والباذر فِي السبخة والمسرج فِي الشَّمْس وقيل: لما بشر إدريس ﵇ بالمغفرة سأل الحياة فقيل لَهُ فِيهِ فَقَالَ: لأشكره فإني كنت أعمل قبله للمغفرة فبسط الْمَلِك جناحه وحمله إِلَى السماء.
وقيل: مر بَعْض الأنبياء ﵈ بحجر صَغِير يخرج منه الماء الكثير فتعجب منه فأنطقه اللَّه تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَ: مذ سمعت اللَّه تَعَالَى يَقُول: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] أنا أبكى من خوفه قَالَ فدعا ذَلِكَ النَّبِي أَن يجير اللَّه ذَلِكَ الحجر فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: إني أجرته من النار فمر ذَلِكَ النَّبِي فلما عاد وجد الماء يتفجر منه مثل ذَلِكَ فعجب فأنطق اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ الحجر مَعَهُ فَقَالَ: لَمْ تبكى وَقَدْ غفر اللَّه تَعَالَى لَك فَقَالَ: ذَلِكَ كَانَ بكاء الحزن والخوف وَهَذَا بكاء الشكر والسرور.
وقيل: الشاكر مَعَ المزيد لأنه فِي شهود النعمة قَالَ اللَّه : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والصابر مَعَ اللَّه تَعَالَى لأنه بشهود المبتلى قَالَ اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وقيل: قدم وفد على عمر بْن عَبْد الْعَزِيز وَكَانَ فيهم شاب فأخذ يخطب فَقَالَ عُمَر: الكبر الكبر فَقَالَ الشاب: يا أمير الْمُؤْمِنيِنَ لو كَانَ الأمر بالسن لكان فِي الْمُسْلِمِينَ من هُوَ أسن منك فَقَالَ: تكلم فَقَالَ: لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة.
أما الرغبة فَقَدْ أوصلها إلينا فضلك.
وَأَمَّا الرهبة فَقَدْ أمننا منها عدلك فَقَالَ: فمن أنتم؟ فَقَالَ: وفد الشكر جئناك نشكرك وننصرف، وأنشدوا:
ومن الرزية أَن شكري صامت ... عما فعلت وأن برك ناطق
ورأى الصنيعة منك ثُمَّ أسرها ... إني إذن ليد الكريم لسارق
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇: ارحم عبادي المبتلى والمعافى فَقَالَ: مَا بال المعافى فَقَالَ: لقلة شكرهم عَلَى عافيتي إياهم.
стр. 302
وقيل: الحمد عَلَى الأنفاس والشكر عَلَى نعم الحواس وقيل: الحمد ابتداء منه والشكر افتداء منك، وَفِي الْخَبَر الصحيح أول من يدعى إِلَى الْجَنَّة الحامدون لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُل حال.
وقيل: الحمد عَلَى مَا دفع والشكر عَلَى مَا صنع.
وحكى عَن بَعْضهم أَنَّهُ قَالَ: رأيت فِي بَعْض الأسفار شيخا كبيرا قَدْ طعن فِي السن فسألته عَن حاله فَقَالَ: إني كنت فِي ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي وَهِيَ لي كَذَلِكَ تهواني فاتفق أَنَّهَا زوجت منى فليلة زفافها قُلْنَا: تعال حَتَّى نحيي هذه الليلة شكرا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا جمعنا فصلينا تلك الليلة وَلَمْ يتفرغ أحدنا لصاحبه فلما كانت الليلة الثَّانِيَة قُلْنَا: مثل ذَلِكَ فمنذ سبعين أَوْ ثمانين سنة نحن عَلَى تلك الصفة كُل ليلة أليس كَذَلِكَ يا فلانة؟ فَقَالَت العجوز: كَمَا يَقُول الشيخ.
стр. 303
بَاب اليقين قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]
حَدَّثَنَا الأُسْتَاذُ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَوْرَكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ خَرْزَاذَ الأَهْوَازِيُّ بِهَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: لا تَرْضِيَنَّ أَحَدًا بِسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلا تَحْمِدَنَّ أَحَدًا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ ، وَلا تَذُمَّنَّ أَحَدًا عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ رِزْقَ اللَّهِ تَعَالَى لا يَسُوقُهُ إِلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلا يَرُدُّهَ عَنْكَ كَرَاهَةُ كَارِهٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالْفَرَحَ فِي الرِّضَا، وَالْيَقِينِ وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ
أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد الرازي , قَالَ: حَدَّثَنَا عياش بْن حمزة , قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري , قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الأنطاكي: إِن أقل اليقين إِذَا وصل إِلَى القلب يملأ القلب نورا وينفي عَنْهُ كُل ريب ويمتلئ القلب بِهِ شكرا ومن اللَّه تَعَالَى خوفا.
ويحكى عَن أَبِي جَعْفَر الحداد قَالَ: رآني أَبُو تراب النخشبي وأنا فِي البادية جالس عَلَى بركة ماء ولى ستة عشر يوما لَمْ آكل وَلَمْ أشرب فَقَالَ لي: مَا جلوسك؟ فَقُلْتُ: أنا بَيْنَ العلم واليقين أنتظر مَا يغلب فأكون مَعَهُ يَعْنِي: إِن غلب العلم شربت وإن غلب اليقين مررت فَقَالَ: سيكون لَك شأن وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيرى: اليقين قلة الاهتمام لغد
стр. 304
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: اليقين من زيادة الإيمانه ومن تحقيقه، وَقَالَ سهل أَيْضًا: اليقين شُعْبَة من الإيمان وَهُوَ دُونَ التصديق.
وَقَالَ بَعْضهم: اليقين هُوَ العلم المستودع فِي القلوب يشير هَذَا القائل إِلَى أَنَّهُ غَيْر مكتسب.
وَقَالَ سهل: ابتداء اليقين المكاشفة ولذلك قَالَ بَعْض السلف: لو كشف الغطاء مَا ازددت يقينا ثُمَّ المعاينة والمشاهدة، وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: اليقين تحقق الأسرار بأحكام المغيبات.
وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن طاهر: العلم بمعارضة الشكوك، واليقين لا شك فِيهِ أشار إِلَى العلم الكسبي وَمَا يجري مجرى البديهي وَكَذَلِكَ علوم الْقَوْم فِي الابتداء كسبي وَفِي الانتهاء بديهي.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: قَالَ بَعْضهم: أَوِ المقامات المعرفة ثُمَّ اليقين ثُمَّ التصديق ثُمَّ الإخلاص ثُمَّ الشهادة ثُمَّ الطاعة والإيمان اسم يجمع هَذَا كُلهُ أشار هَذَا القائل إِلَى أَن أول الواجبات هُوَ المعرفة بالله والمعرفة لا تحصل إلا بتقديم شرائطها وَهُوَ النظر الصائب، ثُمَّ إِذَا توالت الأدلة وحصل البيان صار بتوالي الأنوار وحصول الاستبصار كالمستغني عَن تأمل البرهان وَهُوَ حال اليقين ثُمَّ تصديق الحق سبحانه فيما أخبر عِنْدَ إصغائه إِلَى إجابة الداعي فيما يخبر من أفعاله سبحانه فِي المستأنف، لأن التصديق إِنَّمَا يَكُون فِي الإخبار ثُمَّ الإخلاص فيما يتعقبه من أداء الأوامر ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ إظهار الإجابة بجميل الشهادة ثُمَّ أداء الطاعات بالتوحيد فيما أمر بِهِ والتجرد عما زجر عَنْهُ، وإلى هَذَا المعنى أشار الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك فيما سمعته يَقُول: ذكر اللسان فضلة يفيض عَلَيْهَا القلب.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: حرام عَلَى قلب أَن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إِلَى غَيْر اللَّه تَعَالَى.
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: اليقين داع إِلَى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إِلَى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر فِي العواقب.
стр. 305
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: ثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة النَّاس فِي العشرة، وترك المدح لَهُمْ فِي العطية، والتنزه عَن ذمهم عِنْدَ المنع.
وثلاثة من أعلام يقين اليقين: النظر إلى الله تَعَالَى فِي كُل شَيْء، والرجوع إِلَيْهِ فِي كُل أمره، والاستعانة بِهِ فِي كُل حال.
وَقَالَ الجنيد: اليقين هُوَ استقرار العلم الَّذِي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير فِي القلب.
وَقَالَ ابْن عَطَاء: عَلَى قدر قربهم من التقوى أدركوا مَا أدركوا من اليقين.
وأصل التقوى مباينة النهي، ومباينة النهى مباينة النفس، فعلى قدر مفارقتهم النفس وصلوا إِلَى اليقين، وَقَالَ بَعْضهم: اليقين هُوَ المكاشفة، والمكاشفة عَلَى ثلاثة أوجه: مكاشفة بالإخبار ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان.
واعلم أَن المكاشفة فِي كلامهم عبارة عَن ظهور الشيء للقلب باستيلاء ذكره من غَيْر بقاء للريب، وربما أرادوا بالمكاشفة مَا يقرب مِمَّا يراه الرائي بَيْنَ اليقظة والنوم , وكثيرا مَا يعبر هَؤُلاءِ عَن هذه الحالة بالثبات , سمعت الإِمَام أبا بَكْر بْن فورك يَقُول سألت أبا عُثْمَان المغربي، فَقُلْتُ مَا هَذَا الَّذِي تقول؟ قَالَ الأشخاص أراهم كَذَا وكذا، فَقُلْتُ تراهم معاينة أَوْ مكاشفة؟ قَالَ: مكاشفة وَقَالَ عامر بْن عَبْد قَيْس: لو كشف الغطاء مَا ازددت يقينا، وقيل: اليقين رؤية العيان بقوة الإيمان، وقيل: اليقين زوال المعارضات.
وَقَالَ الجنيد: اليقين ارتفاع الريب فِي مشهد الغيب.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول فِي قَوْل النَّبِي ﷺ فِي عيسى بْن مريم ﵇ لو ازداد يقينا لمشى فِي الهواء قَالَ رحمه اللَّه تَعَالَى: إنه أشار بِهَذَا إِلَى حال نَفْسه ﷺ ليلة المعراج، لأن فِي لطائف المعراج أَنَّهُ قَالَ: رأيت البراق قَدْ بقى ومشيت.
стр. 306
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السري يَقُول وَقَدْ سئل عَنِ اليقين فَقَالَ: اليقين سكونك عِنْدَ جولان الموارد فِي صدرك لتيقنك أَن حركتك فِيهَا لا تنفعك ولا ترد عَنْك مقضيا، وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت عَلِي بْن سهل يَقُول الحضور أفضل من اليقين، لأن الحضور وطنات واليقين خطرات كَأَنَّهُ جعل اليقين ابتداء الحضور والحضور دوام المشاهدة يعنى أَن فِي المشاهدة يقينا لا شك فِيهِ لأنه لا يشاهده من لا يثق بِمَا منه وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق اليقين ملاك القلب وَبِهِ كمال الإيمان وباليقين عرف اللَّه تَعَالَى وبالعقل عقل عَنِ اللَّه تَعَالَى وَقَالَ الجنيد: قَدْ مشى رجال باليقين على الماء وَمَاتَ بالعطش أفضل مِنْهُم يقينا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: قَالَ إِبْرَاهِيم الخواص: لقيت غلاما فِي التيه كَأَنَّهُ سبيكة فضة فَقُلْتُ: إِلَى أين يا غلام فَقَالَ: إِلَى مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى فَقُلْتُ: بلا زاد ولا راحة ولا نفقة فَقَالَ لي: يا ضعيف اليقين الَّذِي يقدر عَلَى حفظ السموات والأرضين لا يقدر عَلَى أَن يوصلني إِلَى مَكَّة بلا علاقة قَالَ فلما دخلت مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى إذ أنا بِهِ فِي الطواف وَهُوَ يَقُول:
يا عين سجي أبدا ... يا نفس موتي كمدا
ولا تحبي أحدا ... إلا الجليل الصمدا
فلما رآني قَالَ لي: يا شيخ أَنْتَ بَعْد عَلَى ذَلِكَ الضعف من اليقين.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: إِذَا استكمل
стр. 307
العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة والرخاء مصيبة.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق: اليقين عَلَى ثلاثة: أوجه يقين خبر ويقين دلالة ويقين مشاهدة وَقَالَ أَبُو تراب: رأيت غلاما فِي البادية يمشى بلا زاد فَقُلْتُ: إِن لَمْ يكن مَعَهُ يقين فَقَدْ هلك فَقُلْتُ: يا غلام فِي مثل هَذَا الموضع بلا زاد فَقَالَ: يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غَيْر اللَّه فَقُلْتُ: الآن اذهب حيث شئت.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عيسى يَقُول: قَالَ أَبُو سَعِيد الخراز العلم مَا استعملك واليقين مَا حملك.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان الأدمي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الخواص يَقُول طلبت المعاش لأكل الحلال فاصطدت السمك فيوما وقعت فِي الشبكة سمكة فأخرجتها وطرحت الشبكة فِي الماء فوقعت أُخْرَى فِيهَا فرميت بِهَا ثُمَّ عدت فهتف بي هاتف لَمْ تجد معاشا إلا أَن تأتي من يذكرنا فتقتلهم قَالَ فكسرت القصبة وتركت الاصطياد.
стр. 308
بَاب الصبر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَرَّازُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ , عَنِ الزَّيَّاتِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَن عَائِشَةَ ﵂ رَفَعَتْهُ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِرْادَسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى
ثُمَّ الصبر عَلَى أقسام: صبر عَلَى مَا هُوَ كسب للعبد وصبر عَلَى مَا لَيْسَ بكسب , فالصبر عَلَى المكتسب عَلَى قسمين: صبر عَلَى مَا أمر اللَّه تَعَالَى بِهِ وصبر عَلَى مَا نهى عَنْهُ وَأَمَّا الصبر عَلَى مَا لَيْسَ بمكتسب للعبد فصبره عَلَى مقاساة مَا يتصل بِهِ من حكم اللَّه فيما يناله فِيهِ مشقة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: المسير من الدنيا إِلَى الآخرة سهل هين عَلَى المؤمن وهجران الخلق فِي جنب اللَّه شديد والمسير من النفس إِلَى اللَّه تَعَالَى صعب شديد والصبر مَعَ اللَّه أشد فسئل عَنِ الصبر فَقَالَ: تجرع المرارة من غَيْر تعبيس وَقَالَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب كرم اللَّه وجهه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد
стр. 309
وَقَالَ أَبُو القاسم الحكيم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ [النحل: ١٢٧] أمر بالعبادة وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] عبودية فمن ترقى من درجة لَك إِلَى درجة بك فَقَد انتقل من درجة العبادة إِلَى درجة العبودية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بك أحيا وبك أموت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الرازي يَقُول: سمعت عياشا يَقُول: سمعت أَحْمَد يَقُول: سألت أبا سُلَيْمَان عَنِ الصبر فَقَالَ: والله مَا نصبر عَلَى مَا نحب فكيف عَلَى مَا نكره وَقَالَ ذو النون: الصبر التباعد عَنِ المخالفات والسكون عِنْدَ تجرع غصص البلية وإظهار الغنى مَعَ حلول الفقر بساحات المعيشة وَقَالَ ابْن عَطَاء: الصبر الوقوف مَعَ البلاء بحسن الأدب وقيل: هُوَ الفناء فِي البلوى بلا ظهور شكوى وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: الصبار الذي عود نَفْسه الهجوم عَلَى المكاره وقيل: الصبر المقام مَعَ البلاء بحسن الصحبة كالمقام مَعَ العافية وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أَحْسَن الجزاء عَلَى عُبَادَة الجزاء عَلَى الصبر ولا جزاء فوقه قَالَ اللَّه : ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] وَقَالَ عَمْرو بْن عُثْمَان: الصبر هُوَ الثبات مَعَ اللَّه تَعَالَى وتلقى بلائه بالرحب والدعة وَقَالَ الخواص: الصبر الثبات عَلَى أحكام الكتاب والسنة وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين واعجبا كَيْفَ يصبرون وأنشدوا:
الصبر يجمل فِي المواطن كلها ... إلا عليك فَإِنَّهُ لا يجمل
وَقَالَ رويم: الصبر ترك الشكوى،
стр. 310
وَقَالَ ذو النون: الصبر هُوَ الاستعانة بالله تَعَالَى.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول: الصبر كاسمه.
وأنشدني الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ، قَالَ: أنشدني أَبُو بَكْر الرازي، قَالَ: أنشدني ابْن عَطَاء لنفسه:
سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة ... وحسبي أَن ترضى ويتلفني صبري
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: الصبر عَلَى ثلاثة أقسام: متصبر وصابر وصبار.
وَقَالَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁: الصبر مطية لا تكبو.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت عَلِي بْن عَبْد اللَّهِ البصري، يَقُول: وقف رجل عَلَى الشبلي، فَقَالَ: أي صبر أشد عَلَى الصابرين؟ فَقَالَ: الصبر فِي اللَّه ، فَقَالَ: لا، فَقَالَ: الصبر لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: لا، قَالَ: الصبر مَعَ اللَّه تَعَالَى.
قَالَ: لا، قَالَ: فأي شَيْء؟ قَالَ: الصبر عَنِ اللَّه .
قَالَ: فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه أَن تتلف، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان، يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري، يَقُول: الصبر أَن لا يفرق بَيْنَ حال النعمة والمحنة مَعَ سكون الخاطر فيهما، والتصبر هُوَ السكون مَعَ البلاء مَعَ وجدان أثقال المحنة، وأنشد بَعْضهم:
صبرت وَلَمْ أطلع هواك عَلَى صبري ... وأخفيت مَا بي منك عَن موضع الصبر
مخافة أَن يشكو ضميري صبابتي ... إِلَى دمعتي سرا فتجري ولا أدري
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول:
стр. 311
فاز الصابرون بعز الدارين، لأنهم نالوا من اللَّه تَعَالَى معيته، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] ، وقيل: فِي معنى قَوْله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ، الصبر دُونَ المصابرة، والمصابرة دُونَ المرابطة، وقيل: اصبروا بنفوسكم عَلَى طاعة اللَّه تَعَالَى، وصابروا بقلوبكم عَلَى البلوى فِي اللَّه تَعَالَى، ورابطوا بأسراركم عَلَى الشوق إِلَى اللَّه تَعَالَى، وقيل: اصبروا فِي اللَّه تَعَالَى وصابروا بالله تَعَالَى ورابطوا مَعَ اللَّه تَعَالَى.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇: تخلق بأخلاقي وإن من أخلاقي أنني أنا الصبور، وقيل: تجرع الصبر فَإِن قتلك قتلك شهيدا، وإن أحياك أحياك عزيزا، وقيل: الصبر لِلَّهِ تَعَالَى عناء، والصبر بالله تَعَالَى بقاء، والصبر فِي اللَّه تَعَالَى بلاء، والصبر مَعَ اللَّه تَعَالَى وفاء، والصبر عَنِ اللَّه تَعَالَى جفاء، وأنشدوا:
والصبر عَنْك فمذموم عواقبه ... والصبر فِي سائر الأشياء محمود
وأنشدوا:
وكيف الصبر عمى حل منى ... بمنزلة اليمين من الشمال
إِذَا لعب الرجال بكل شَيْء ... رأيت الحب يلعب بالرجال
وقيل الصبر عَلَى الطلب عنوان الظفر والصبر فِي المحن عنوان الفرج.
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: جرد واحد للسياط فلما رد إِلَى السجن دعا ببعض أَصْحَابه فتفل عَلَى يده وألقى من فمه دقاق الفضة عَلَى يده فسئل فَقَالَ: كَانَ فِي فمي درهمان وَكَانَ عَلَى حاشية الحلقة لي عين لَمْ أرد أَن أصيح لرؤيته إياي فكنت أعض عَلَى الدرهمين فتكسرا فِي فهمي
стр. 312
وقيل: حالك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا رباطك وَمَا دُونَ اللَّه تَعَالَى أعداؤك فأحسن المرابطة فِي رباط حالك.
وقيل: المصابرة هِيَ الصبر عَلَى الصبر حَتَّى يستغرق الصبر فِي الصبر فيعجز الصبر عَنِ الصبر كَمَا قيل: صابر الصبر فاستغاث بِهِ الصبر فصاح المحب بالصبر صبرا وقيل حبس الشبلي وقتا فِي المارستان فدخل عَلَيْهِ جَمَاعَة فَقَالَ: من أنتم؟ فَقَالُوا: أحباؤك جاءوا زائرين فأخذ يرميهم بالحجر وأخذوا يهربون فَقَالَ: يا كذابون لو كنتم أحبائي لصبرتم عَلَى بلائي وَفِي بَعْض الأخبار: بعيني مَا لَمْ يتحمل المتحملون من أجلى وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وَقَالَ بَعْضهم: كنت بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى فرأيت فقيرا طاف بالبيت وأخرج من جيبه رقعة ونظر فِيهَا ومر فلما كَانَ بالغد فعل مثل ذَلِكَ فترقبته أياما وَهُوَ يفعل مثله فيوما من الأيام طاف ونظر فِي الرقعة وتباعد قليلا وسقط ميتا فأخرجت الرقعة من جيبه فَإِذَا فِيهَا: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وقيل: رؤى حدث يضرب وجه شيخ بنعله فقيل لَهُ: ألا تستحي تضرب حر وجه شيخ مثل هَذَا فَقَالَ: جرمه عظيم فقيل: وَمَا ذاك؟ فَقَالَ: هَذَا الشيخ يدعى أَنَّهُ يهواني ومنذ ثَلاث مَا رآني، وَقَالَ بَعْضهم: دخلت بلاد الهند فرأيت رجلا بفرد عين يسمى فلانا الصبور فسألت عَن حاله فقيل هَذَا فِي عنفوان شبابه سافر صديق لَهُ فخرج فِي وداعه فدمعت إحدى عينيه وَلَمْ تبك الأخرى فَقَالَ: لعينه الَّتِي لَمْ تدمع لِمَ لَمْ تدمعي على فراق صاحبي؟ لأحرمنك النظر إلى الدنيا وغمض عينه فمنذ ستين سنة لَمْ يفتح عينه.
стр. 313
وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا﴾ [المعارج: ٥] الصبر الجميل أَن يَكُون صاحب المصيبة فِي الْقَوْم لا يدرى من هُوَ وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رضى اللَّه عَنْهُ: لو كَانَ الصبر والشكر بعيرين لَمْ أبال أيهما ركبت وَكَانَ ابْن شبرمة إِذَا نزل بِهِ بلاء قَالَ: سحابة ثُمَّ تنقشع وَفِي الْخَبَر.
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سئل عَنِ الإيمان فَقَالَ: الصبر والسماحة
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طَاهِرٍ الصُّوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّيجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ
وسئل السري عَنِ الصبر فجعل يتكلم فِيهِ فدب عَلَى رجله عقرب وَهِيَ تضربه بإبرتها ضربات كثيرة وَهُوَ ساكن فقيل لَهُ: لِمَ لَمْ تنحها؟ قَالَ: استحييت من اللَّه تَعَالَى أَن أتكلم فِي الصبر وَلَمْ أصبر وَفِي بَعْض الأخبار: الفقراء الصبر هُمْ جلساء اللَّه يَوْم الْقِيَامَة.
وأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض أنبيائه أنزلت بعبدي بلائي فدعاني فماطلته بالإجابة فشكاني فَقُلْتُ: عبدي كَيْفَ أرحمك من شَيْء بِهِ أرحمك وَقَالَ ابْن عيينة فِي معنى قَوْله تَعَالَى: وجعلنا مِنْهُم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا قَالَ: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤساء سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يَقُول: إِن الصبر حده أَن لا تعترض عَلَى التقدير فأما إظهار البلاء عَلَى غَيْر وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي قصة أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤] مَعَ مَا أَخْبَرَنَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]
стр. 314
وسمعته يَقُول: استخرج اللَّه منه هذه المقالة يَعْنِي قَوْله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] لتكون متنفسا لضعفاء هذه الأمة.
وَقَالَ بَعْضهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] وَلَمْ يقل: صبورا لأنه لَمْ يكن جَمِيع أحواله الصبر بَل كَانَ فِي بَعْض أحواله يستلذ البلاء ويستعذبه فلم يكن فِي حالة الاستلذاذ صابرا فلذلك لَمْ يقل صبورا.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يَقُول: حقيقة الصبر الخروج من البلاء عَلَى حسب الدخول فِيهِ مثل أيوب ﵇ قَالَ فِي آخر بلائه: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] فحفظ أدب الْخَطَّاب حيث عرض بقوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وَلَمْ يصرح بقوله ارحمني.
واعلم أَن الصبر عَلَى ضريين صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين أحسنه أَن يَكُون محفوظا وصبر المحبين أحسنه أَن يَكُون مرفوضا.
وَفِي معناه أنشدوا:
تبين يَوْم البين أَن اعتزامه ... عَلَى الصبر من إحدى الظنون الكواذب
وَفِي هَذَا المعني سمعت الأستاذ أبا عَلي رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول أصبح يعقوب ﵇ وَقَدْ وعد الصبر من نَفْسه فَقَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣] أي: فشأني صبر جميل , ثُمَّ لَمْ يمس حَتَّى قَالَ ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
стр. 315
بَاب المراقبة
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ , قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ.
قَالَ: صَدَقْتَ.
قَالَ: فَتَعَجَّبْنَا مِنْ تَصْدِيقِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَسْأَلُهُ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ أَنْ تُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ , وَتَصُومَ رَمَضَانَ , وَتَحُجَّ الْبَيْتَ قَالَ: صَدَقْتَ.
قَالَ: فَأَخْبَرْنِي مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ: صَدَقْتَ الْحَدِيثَ
قَالَ الشيخ: هَذَا الَّذِي قاله ﷺ : فَإِن لَمْ تكن تراه فَإِنَّهُ يراك إشارة إِلَى حال المراقبة، لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب عَلَيْهِ واستدامته لِهَذَا العلم مراقبة لربه وَهَذَا أصل كُل خير لَهُ ولا يكاد يصل إِلَى هذه الرتبة إلا بَعْد فراغه من المحاسبة فَإِذَا حاسب نَفْسه عَلَى مَا سلف وأصلح حاله فِي الوقت ولازم طريق الحق وأحسن بينه وبين اللَّه تَعَالَى مراعاة القلب وحفظ مَعَ اللَّه تَعَالَى الأنفاس راقب اللَّه تَعَالَى فِي عموم أحواله فيعلم أَنَّهُ سبحانه عَلَيْهِ رقيب ومن قلبه قريب يعلم أحواله ويرى أفعاله ويسمع أقواله ومن تغافل عَن هذه الجملة فَهُوَ بمعزل عَن بداية الوصلة فكيف عَن حقائق القربة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: من لَمْ يحكم بينه وبين اللَّه تَعَالَى التقوى والمراقبة لَمْ يصل إِلَى الكشف والمشاهدة.
стр. 316
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: كَانَ لبعض الأمراء وزير وَكَانَ بَيْنَ يديه يوما فالتفت إِلَيْهِ بَعْض الغلمان الَّذِينَ كَانُوا وقوفا لا لريبة ولكن لحركة أَوْ صوت أحس بِهِ مِنْهُم فاتفق أَن ذَلِكَ الأمير نظر إِلَى هَذَا الوزير فِي تلك الحالة فخاف الوزير أَن يتوهم الأمير أَنَّهُ نظر إليهم لريبة فجعل ينظر إِلَيْهِ كَذَلِكَ فبعد ذَلِكَ اليوم كَانَ هَذَا الوزير يدخل عَلَى هَذَا الأمير وَهُوَ أبدا ينظر إِلَى جانب حَتَّى توهم الأمير أَن ذَلِكَ خلقه وحول فِيهِ فهذا مراقبة مخلوق لمخلوق فكيف مراقبة العبد لسيده.
سمعت بَعْض الفقراء يَقُول كَانَ أمِير لَهُ غلام يقبل عَلَيْهِ أَكْثَر من إقباله عَلَى غيره من غلمانه وَلَمْ يكن أكثرهم قيمة ولا أحسنهم صورة فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ فأراد الأمير أَن يبين لَهُمْ فضل الغلام فِي الخدمة عَلَى غيره فيوما من الأيام كَانَ راكبا ومعه الحشم وبالبعد مِنْهُم جبل عَلَيْهِ ثلج فنظر الأمير إِلَى ذَلِكَ الثلج وأطرق رأسه فركض الغلام فرسه وَلَمْ يعلم الْقَوْم لماذا ركض فلم يلبث إلا يسيرا حَتَّى جاء ومعه شَيْء من الثلج فَقَالَ لَهُ الأمير: مَا أدراك أني أردت الثلج فَقَالَ الغلام: لأنك نظرت إِلَيْهِ ونظر السلطان إِلَى شَيْء لا يَكُون عَن غَيْر قصد صحيح.
فَقَالَ الأمير: إِنَّمَا أخصه بإكرامي وإقبالي، لأن لكل أحد شغلا وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي وَقَالَ بَعْضهم: من راقب اللَّه تَعَالَى فِي خواطره عصمه اللَّه تَعَالَى فِي جوارحه وسئل أَبُو الْحُسَيْن بْن هند: مَتَى يهش الراعي غنمه بعصا الرعاية من مراتع الهلكة فَقَالَ: إِذَا علم أَن عَلَيْهِ رقيبا.
وقيل: كَانَ ابْن عُمَر فِي سفر فرأى غلاما يرعى غنما فَقَالَ لَهُ: تبيع من هذه الغنم.
واحدة فَقَالَ: إنها ليست لي فَقَالَ: قل لصاحبها إِن الذئب أخذ منها واحدة فَقَالَ العبد: فأين اللَّه فكان ابْن عُمَر يَقُول بَعْد ذَلِكَ إِلَى مدة قَالَ ذَلِكَ العبد فأين اللَّه.
وَقَالَ الجنيد: من تحقق فِي المراقبة خاف عَلَى فوت حظه من ربه لا غَيْر وَكَانَ بَعْض المشايخ لَهُ تلامذة فكان يخص واحدا مِنْهُم بإقباله عَلَيْهِ أَكْثَر مِمَّا يقبل عَلَى غيره فَقَالُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أبين لكم فدفع إِلَى كُل واحد من تلامذته طائرا
стр. 317
وَقَالَ لَهُ: اذبحه بحيث لا يراه أحد ودفع إِلَى هَذَا أَيْضًا فمضوا ورجع كُل واحد مِنْهُم وَقَدْ ذبح طائره وجاء هَذَا بالطائر حيا فَقَالَ: هلا ذبحته فَقَالَ: أمرتني أَن أذبحه بحيث لا يراه أحد وَلَمْ أجد موضعا لا يراه فِيهِ أحد فَقَالَ: لِهَذَا أخصه بإقبالي عَلَيْهِ.
وَقَالَ ذو النون: علامة المراقبة إيثار مَا آثر اللَّه تَعَالَى وتعظيم مَا عظم اللَّه تَعَالَى وتصغير مَا صغر اللَّه تَعَالَى.
وَقَالَ النصرأباذي: الرجاء يحركك إِلَى الطاعات والخوف يبعدك عَنِ المعاصي والمراقبة تؤديك إِلَى طرق الحقائق سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول سألت جَعْفَر بْن نصير عَنِ المراقبة فَقَالَ: مراعاة السر لملاحظة الحق سبحانه مَعَ كُل خطرة وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: أمرنا هَذَا مبنى عَلَى فصلين: وَهُوَ أَن تلزم نفسك المراقبة لِلَّهِ تَعَالَى ويكون العلم عَلَى ظاهرك قائما وسمعته يَقُول: سمعت أبا القاسم البغدادي يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: المراقبة مراعاة السر بملاحظة الغيب مَعَ كُل لحظة ولفظة وسئل ابْن عَطَاء مَا أفضل الطاعات فَقَالَ: مراقبة الحق عَلَى دوام الأوقات وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص المراعاة تورث المراقبة والمراقبة تورث خلوص السر والعلانية لِلَّهِ تَعَالَى.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول أفضل مَا يلزم بِهِ الإِنْسَان نَفْسه فِي هذه الطريقة المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم وسمعته يقول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: قَالَ لي أَبُو حفص إِذَا جلست لِلنَّاسِ فكن واعظا لقلبك ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله تَعَالَى يراقب باطنك وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الصيدلاني يَقُول:
стр. 318
سمعت أبا سَعِيد الخراز يَقُول: قَالَ لي: بَعْض مشايخ عليك بمراعاة سرك والمراقبة قَالَ فبينا أنا يوما أسير فِي البادية إِذَا أنا بخشخشة خلفي فهالني ذَلِكَ وأردت أَن ألتفت فلم ألتفت فرأيت شَيْئًا واقفا عَلَى كتفي فانصرف وأنا مراع لسري ثُمَّ التفت فَإِذَا أنا بسبع عظيم وَقَالَ الواسطي: أفضل الطاعات حفظ الأوقات وَهُوَ أَن لا يطالع العبد غَيْر حده ولا يراقب غَيْر ربه ولا يقارن غَيْر وقته.
стр. 319
بَاب الرضا
قَالَ اللَّه : ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] الآية.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْكَرِيمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السَّلالُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَادَانِيُّ , عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرَّقَاشِيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَجْلِسٍ لَهُمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ سَلُونِي.
فَقَالُوا: نَسْأَلُكَ الرِّضَا عَنَّا.
قَالَ تَعَالَى: رِضَايَ قَدْ أَحَلَّكُمْ دَارِي وَأَنَالَكُمْ كَرَامَتِي هَذَا أَوَانُهَا فَسَلُونِي.
قَالُوا: نَسْأَلُكَ الزِّيَادَةَ.
قَالَ: فَيُؤْتَوْنَ بِنَجَائِبِ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ أَزِمَّتُهَا زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ وَيَاقُوتٍ أَحْمَرَ، فَجَاءُوا عَلَيْهَا تَضَعُ حَوَافِرَهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرَفِهَا، فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِأَشْجَارٍ عَلَيْهَا الثِّمَارُ، وَتَجِيءُ جَوَارٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَهُنَّ يَقُلْنَ: نَحْنُ النَّاعِمَاتِ فَلا نَبْؤُسُ وَنَحْنُ الْخَالِدَاتِ فَلا نَمُوتُ أَزْوَاجَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ كِرَامٍ وَيَأْمُرُ اللَّهُ بِكُثْبَانَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ أَذْفَرَ فَتُثِيرُ عَلَيْهِمْ رِيحًا يُقَالُ لَهَا: الْمُثِيرُ حَتَّى تَنْتَهِيَ بِهِمْ إِلَى جَنَّةِ عَدْنٍ وَهِيَ قَصَبَةُ الْجَنَّةِ فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: يَا رَبَّنَا قَدْ جَاءَ الْقَوْمُ فَيَقُولُ اللَّهُ: مَرْحَبًا بِالصَّادِقِينَ مَرْحَبًا بِالطَّائِعِينَ قَالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ فَيَتَمَتَّعُونَ بِنُورِ الرَّحْمَنِ حَتَّى لا يُبْصِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ يَقُولُ: أَرْجِعُوهُمْ إِلَى الْقُصُورِ بِالتُّحَفِ قَالَ: فَيَرْجِعُونَ وَقَدْ أَبْصَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢]
وَقَد اختلف العراقيون والخراسانيون فِي الرضا هل هُوَ من الأحوال أَوْ من المقامات فأهل خراسان قَالُوا: الرضا من جملة المقامات وَهُوَ نهاية التوكل ومعناه أَنَّهُ يئول إِلَى أَنَّهُ مِمَّا يتوصل إِلَيْهِ العبد باكتسابه
стр. 320
وَأَمَّا العراقيون فإنهم قَالُوا: الرضا من جملة الأحوال وليس ذَلِكَ كسبا للعبد بَل هُوَ نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال ويمكن الجمع بَيْنَ اللسانين فيقال: بداية الرضا مكتسبة للعبد وَهِيَ من المقامات ونهايته من جملة الأحوال وليست بمكتسبة وتكلم النَّاس فِي الرضا فَكُل عبر عَن حاله وشربه فَهُمْ فِي العبارة عَنْهُ مختلفون كَمَا أنهم فِي الشرب والنصيب من ذَلِكَ متفاوتون فأما شرط العلم والذي هُوَ لابد منه فالراضي بالله تَعَالَى هُوَ الَّذِي لا يعترض عَلَى تقديره.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: لَيْسَ الرضا أَن لا تحس بالبلاء إِنَّمَا الرضا أَن لا تعترض عَلَى الحكم والقضاء.
واعلم أَن الواجب عَلَى العبد أَن يرضى بالقضاء الَّذِي أمر بالرضا بِهِ إذ لَيْسَ كُل مَا هُوَ بقضائه يَجُوز للعبد أَوْ يجب عَلَيْهِ الرضا بِهِ كالمعاصي وفنون محن الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ المشايخ: الرضا بَاب اللَّه الأعظم يعنون أَن من أكرم بالرضا فَقَدْ لقى بالترحيب الأوفى وأكرم بالتقريب الأعلى.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن حمزة قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي الحواري قَالَ: قَالَ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد: الرضا بَاب اللَّه الأعظم وجنة الدنيا.
واعلم أَن العبد لا يكاد يرضى عَنِ الحق سبحانه إلا بَعْد أَن يرضى عَنْهُ الحق سبحانه، لأن اللَّه قَالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: قَالَ تلميذ لأستاذه: هل يعرف العبد أَن اللَّه تَعَالَى راض عَنْهُ؟ فَقَالَ لا كَيْفَ يعلم ذَلِكَ ورضاه غيب فَقَالَ التلميذ: الولي يعلم ذَلِكَ، فَقَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: إِذَا وجدت قلبي راضيا عَنِ اللَّه تَعَالَى علمت أَنَّهُ راض عني، فَقَالَ الأستاذ: أحسنت يا غلام.
وقيل: قَالَ مُوسَى ﵇ إلهي دلني عَلَى عمل إِذَا عملته رضيت بِهِ عنى فَقَالَ:
следующие страницы →