← Адаб

Адаб · id 9981

الأدب العربي المعاصر في مصر

شوقي ضيف

Полный текст (289 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولكنه لم يكن يريد بذلك مصر؛ إنما كان يريد شخصه ومطامعه في تحقيق إمبراطورية ضخمة، فلم تكن مصر هي الموضوعة نصب عينيه؛ إنما كانت أحلامه هي التي تدفعه إلى النهوض بالجيش وإعداد حياة علمية من أجله؛ ولذلك لم يحقق للمصريين حرياتهم الفردية والسياسية، ولا حقق لهم رخاء ماديًّا ينتهي بهم إلى رخاء أدبي، فوقف الأدب ووقف الشعر معه عند حياة جامدة خاملة. واقرأ في دواوين الشعراء الذين عاصروا محمد علي وعباسًا الأول وسعيدًا من مثل: إسماعيل الخشاب، والشيخ حسن العطار، والشيخ محمد شهاب الدين، والسيد الدرويش؛ فلن تجد سوى صور لفظية قد تدثرت بثياب غليظة من محسنات البديع، ولن تجد شعورًا ولا عاطفة. وفيمَ الشعور والعاطفة وكل شيء في الحياة المصرية خامد هامد؟ ولقد تبلدت الحياة، ولم تصب فيها تيارات قومية ولا نفسية جديدة، فجمد الشعر والشعراء، ولم يعد هناك إلا التقليد، وهو تقليد قاصر يقف عند النماذج العثمانية وما يقترب منها، تقليد يشهد بقصور الأدب وضعف الذوق والعجز عن التعبير الحر الصادق. وعن أي شيء يعبِّر الشاعر وكل ما يتصوره من الشعر أنه نظم لمعانٍ معروفة، وكل ما له من فضل تكديس ألوان البديع بل إثقاله، وإضافة أثقال جديدة من مثل أن ينظم الشاعر قصيدة من حروف معجمة أو مهملة، أو تُقرأ أبياتها من آخرها إلى أولها على نحو ما تقرأ من أولها إلى آخرها، أو ينظم قصيدة تأتلف من أوائل الحروف في أبياتها أبياتًا أخرى، أو يستخرج منها تاريخًا بحساب الجمل. وليس وراء هذا جميعه إلا الفساد؛ فقد أصبح الشعر حسابًا وأرقامًا وتمارين هندسية عسيرة الحل؛ فإن ترك ذلك الشاعر فإلى الاقتباس والتضمين والتشطير والتخميس لقصائد معروفة. وليس للشاعر من فضل في هذا العمل إلا أنه يُجري كلامًا على آلات العروض والقوافي، وهو كلام مفكك؛ إذ يرص الشاعر الألفاظ على نحو ما يصنع عمال المطابع، فتتألف صناديق من الحروف؛ ولكن لا تتألف أبيات من الشعر؛ وإنما تتألف ألعاب بهلوانية.

стр. 37

ولا تستطيع في أثناء هذا العبث أن تقرأ معنًى مبتكرًا؛ بل لا تستطيع أن تقرأ لفظًا جميلًا، فتلك مرتبة عليا كانت تستعصي على الشعراء في ذلك الحين. ومن الغريب أن معاصريهم مع هذا الإسفاف كانوا يعجبون بهم؛ لأن الذوق الفني كان واحدًا، وكان هذا الذوق عند الشاعر ومن يستمعون إليه لا يقوِّم الشعر تقويمًا صحيحًا؛ إذ كان يقومه بمقدار ما يتضمن من أغلال البديع والألعاب اللفظية المختلفة. فكان ذلك مقياس الشاعر والشاعرية، وكأنما أصبحت هذه الطرق الرديئة الملتوية هي كل المهارة التي تُطلب من الشعراء، فالناس لا يطلبون منهم ما يمتعون به أنفسهم أو يغذون به عواطفهم؛ إنما يطلبون هذا التكلف العقيم، وهو تكلف سقطت فيه حقائق الشعراء الذاتية، فقد أصبحوا أمثلة متشابهة، لا يتميز منهم شاعر عن شاعر لا بوجهة عاطفية، ولا بنزعة فكرية، ولا بسمة شخصية.

стр. 38

٢- نهضة وإحياء: رأينا شعرنا في النصف الأول من القرن التاسع عشر لا يكاد يخرج عن الإطار العثماني السقيم؛ ولكننا لا نكاد نمضي في النصف الثاني من هذا القرن حتى يأخذ هذا الإطار في التغير والتحطم في بعض جوانبه. وهيأت لهذا التطور بواعثُ مختلفة؛ فإن جذوة الحقوق السياسية التي استشعرتها مصر منذ مفتتح القرن التاسع عشر أخذ ينزاح عنها رماد الظلم الثقيل، وأخذ المصريون يحسون هذه الحقوق المقدسة، ويستضيئون بها في حياتهم. وكان قد وصل كثير منهم -منذ عهد سعيد ومنذ رجوع البعثات- إلى المناصب الكبرى. وكان لاستكشاف حجر رشيد، وقيام علم الآثار المصرية، وتأسيس المتحف المصري -فضل كبير في شعورهم بكرامتهم وكرامة أصلهم؛ فقد وقفوا على تاريخهم وعرفوا فيه حقائق غير تلك الأساطير القديمة التي كان يرويها المؤرخون -من مثل المقريزي- عن بلادهم.

стр. 39

واضطُر إسماعيل أن يستجيب لهذه الروح الجديدة؛ فأنشأ الحياة النيابية. وفي هذه الأثناء كانت تُطْبَع دواوين الشعر القديم، فاطلع المصريون على نماذج لم يكونوا يألفونها؛ إذ تخالف في جملتها النماذج التي كانوا يعرفونها، فقرءوا لشعراء العصر العباسي وما سبقه من عصور، وأمعنوا في ذلك حتى العصر الجاهلي. ولا بد أنهم التفتوا إلى أن الشعر العربي -وخاصة في منابعه الأولى- كان شعرًا طبيعيًّا يصور حياة أصحابه تصويرًا دقيقًا، فالشاعر في العصر الجاهلي مثل امرئ القيس وفي العصر الإسلامي مثل جرير كان يمثل حياة قبيلته تمثيلًا دقيقًا، فهو مرآة صافية نقية لها يسجل حوادثها ومفاخرها ومحامدها وكل ما يتصل بها، وهو في العصر العباسي مرآة صافية أيضًا تعكس كل ما في العصر من حياة، ولا تحول أعشاب البديع دون هذه الغاية، فهي وسيلة لا أقل ولا أكثر؛ ولكن حدث بعد ذلك أن اضطربت الغاية من تمثيل القبيلة والعصر، وأصبحت الوسيلة هي الغاية، فغاية الشاعر -وخاصة منذ العصر العثماني- أن يعبر عن لون من ألوان البديع. فكان اطلاع المصريين على النماذج القديمة المغرقة في القدم سببًا في انصرافهم عن الصورة السقيمة التي انتهى إليها الشعر في موطنهم. ورشح لذلك اطلاعهم على الآداب الأجنبية وخلو الشعر فيها من هذه الأثقال البديعية التي تفسد المعاني في أغلب الأمر، والتي تقف حائلًا بين الشاعر وبين التعبير الحر عن عصره ونفسه. وكان ذلك وما يتصل به من وقوف المصريين على حياة الأوربيين العلمية وحياتهم المادية دافعًا إلى تغير ذوقهم، فلم يعد ذوقًا متخلفًا؛ بل أصبح ذوقًا حيًّا تغذيه وترقيه الآداب الأجنبية. وكلما تعمقنا أو سرنا مع الزمن ازداد اتصالنا بالأدب العربي القديم والأدب الغربي الحديث، فمن جهة كثر طبع الدواوين العباسية وغير العباسية، ومن جهة أكثرنا من المدارس والبعوث إلى الغرب، ونما اتصالنا به لا عن طريق التعليم والبعوث فحسب، فقد نزلت بلادنا -وخاصة منذ فتح قناة السويس- طبقات من الأوربيين شاركت في حياتنا الثقافية بما فتحت من مدارس كما شاركت في حياتنا الاقتصادية والمادية، حتى أصبحت طائفة منا متحضرة تحضرًا أوربيًّا خالصًا، وخاصة صاحب القصر ومن اتصلوا به.

стр. 40

الفصل الثالث: أَعْلام الشعر: ١- محمود سامي البارودي ١٨٣٨-١٩٠٤م: أ- حياته: لا نكاد نصل إلى أواخر عصر محمد علي حتى تُهلل ربَّةُ الشعر، وتُصفِّق نشوة وطربًا، فقد وُلد في سنة ١٨٣٨ الشاعر الفذ، الذي كانت تبحث عنه في الأقاليم العربية منذ المتنبي والشريف الرضي ويعييها البحث ويضنيها. وُلد محمود سامي البارودي الذي سيبعث الشعر العربي من سُباته الطويل، ويخلع عنه ثيابه البالية من البديع وغير البديع، ويرد إليه الحياة والنشاط، فيصبح شعرًا ممتعًا يغذي القلب والشعور، ويمنح قارئه لذة فنية حقيقية. وقد نشأ في وسط ثري؛ إذ ولد لأبوين من الجراكسة، ينتميان إلى المماليك الذين حكموا مصر فترة من الزمن. وكان أبوه من أمراء المدفعية، ثم جعله محمد علي مديرًا لبربر ودنقلة، وظل بهما إلى أن توفي وابنه في السابعة من عمره، فكفله بعض أهله وقاموا خير قيام على تربيته، حتى إذا بلغ الثانية عشرة ألحقوه بالمدرسة الحربية على غرار لداته من الجراكسة والترك. وتخرج فيها سنة ١٨٥٤ وكانت مصر حينئذ تجتاز دورة بائسة من حياتها الحديثة؛ إذ عطل عباس الأول آلة نهضتها الكبيرة التي أخذت تدور منذ عهد أبيه محمد علي، فأغلق المدارس وسرَّح الجيش إرضاء للدولة العثمانية، وخلفه سعيد، فاحتذاه

стр. 41

في كثير من سياسته، وخاصة من حيث الجيش وتسريحه. فلما تخرج البارودي في المدرسة الحربية لم يجد عملًا؛ ولكنه لم يخلد إلى الراحة؛ بل أخذ توًّا يعمل في ميدان جديد، هو ميدان الشعر العربي، وسُرعان ما تيقظت مواهبه فيه. ونراه يقول إنه ورثه من قِبَل أمه: أنا في الشعر عريق ... لم أرثه عن كلاله كان إبراهيم خالي ... فيه مشهور المقاله وشَعَرَ من أول الأمر أنه لا بد له من التمرين والإعداد، فانكب على صحف الشعر العربي يحاول أن يتخذ لصوته منها سندًا وإطارًا، ولم يعجبه الشعر الرديء الذي كان يعاصره وما يتصل به مما نُظم في عهود الركود القريبة، فانطلق يبحث عن غايته في شعر العصر العباسي وما سبقه في العصرين الجاهلي والإسلامي، ولم يلبث أن وجد طلبته وما يملك عليه لُبَّه، وكلما ازداد قراءة في هذا الشعر القديم ازداد به شغفًا وإعجابًا. وهذا الطموح الذي جعله يتجاوز ما في عصره من شعر مسف إلى ما في العصور القديمة من شعر خصب رائع هو فرع من طموح واسع في نفس الفتى، وقد دفعه هذا الطموح إلى البحث عن بيئة جديدة غير بيئته، كما بحث في الشعر عن عصر جديد غير عصره، فسافر إلى الآستانة، واشتغل بوزارة الخارجية فيها، وثَقِف هناك آداب اللغتين الفارسية والتركية، ونظم فيهما بعض أشعاره، وظل ينظم في العربية، وأتاحت له مكتبات الآستانة وما فيها من ذخائر الشعر العربي فرصة ذهبية جديدة؛ ليتزود من دواوين العباسيين ومَن سبقوهم من الإسلاميين والجاهليين. وفي هذه الأثناء زار إسماعيل الآستانة سنة ١٨٦٣ ليشكر أولي الأمر فيها على تقليده ولاية مصر، فتعرف على البارودي، وقَرُبَ من نفسه، فضمه إلى حاشيته، وأصبحت له مكانة أثيرة عنده، فلما عاد إلى مصر صحبه معه. وأخذ الحظ يبتسم له فعُيِّن في سلاح الفرسان، وما هي إلا فترة قليلة حتى سافر إلى

стр. 42

فرنسا مع طائفة من الضباط؛ ليشاهدوا استعراض الجيش الفرنسي السنوي، ولم يكتفوا بذلك فقد عبروا المانش إلى لندن؛ ليشاهدوا بعض الأعمال العسكرية في الديار الإنجليزية. ورجع إلى وطنه ينعم بما ورث من ثراء وما تغدقه عليه الوظيفة من مال وجاه، وأخذ شعره في هذه الحقبة من حياته يصور متاعه بدنياه وما تجتليه عينه من مشاهد الطبيعة المصرية، كما أخذ يصور ما انطبعت عليه نفسه من الشجاعة والقوة والروح العسكرية. وحدث أن اندلعت ثورة ضد الدولة العثمانية في جزيرة إقريطش "كريت" سنة ١٨٦٦ ورأى إسماعيل أن يمدها بفرقة مصرية، ورحل البارودي مع الفرقة، وأبلى في حرب الثوار بلاء حسنًا، فكافأته الدولة العلية ببعض أوسمتها، وفي هذه الحرب نظم نونيته المشهورة: أخذ الكَرى بمعاقد الأجفان ... وهفا السرَى بأعنة الفرسان ولما أعلنت روسيا الحرب على تركيا سنة ١٨٧٧ مدت مصر قوسها تساعدها في تلك الحرب، وكان البارودي من خير من رموا عن هذه القوس، فأنعم عليه بأوسمة مختلفة، وتغنى ببلائه حينئذ، ومزج غناءه بشوق وحنين شديد إلى وطنه على نحو ما يرى قارئه في قصيدته: هو البَيْنُ حتى لا سلامٌ ولا رَد ... ولا نظرة يقضي بها حقه الوَجْدُ ورجع إلى مصر مرفوع الرأس، فعين مديرًا للشرقية، ثم محافظًا للعاصمة. وكانت الحركة القومية قد أخذت في الظهور، بعامل الصحف وقيام طائفة من المصلحين ينددون بإسماعيل وسياسته المالية الفاسدة وتمكينه للأجانب أن يتدخلوا في شئون الحكم المختلفة، وما رضي به من صندوق الدين والمراقبة الثنائية، ومد البارودي يده إلى القائمين على هذه الحركة تحدوه في ذلك نفسه الطموح، وكأنما حلم برجوع مجد آبائه من المماليك ممثَّلًا في شخصه. ونزل إسماعيل عن ولاية مصر لابنه توفيق، فحاول في أول الأمر أن يستجيب إلى دعوة المصلحين، فوعد بإقامة الحكم النيابي، وعين البارودي

стр. 43

ناظرًا أو وزيرًا للأوقاف، ثم أسند إليه وزارة الحربية. وسرعان ما نكث توفيق عهده للأمة، فلم يُقم لها مجلس الشورى الذي تنتظره، واستقال البارودي، ثم عاد مع وزارة جديدة، ولكن توفيقًا لم يمضِ في طلبات الشعب، فتطورت الأمور. وعُهد إلى شاعرنا بتأليف الوزارة، وثار الجيش بقيادة عرابي ثورته المعروفة سنة ١٨٨٢ واستعان توفيق بحراب الإنجليز ضد الوطن وجيشه؛ حينئذ انضم البارودي إلى الثورة، وكان مترددًا كما يصور ذلك شعره؛ ولكنه عاد فحزم رأيه. ولما أخفقت الثورة قُدم إلى المحاكمة وحُكم عليه بالنفي إلى "سرنديب"، فظل بها سبعة عشر عامًا وبعض عام، يتغنى بآلامه وغربته وجروحه النفسية. وهناك تعلم الإنجليزية، وأخذ يؤلف مختاراته من الشعر القديم، فجمع لثلاثين شاعرًا عيون قصائدهم وأشعارهم. وأخيرًا صدر العفو عنه في سنة ١٩٠٠ فعاد إلى وطنه، واتخذ من بيته منتدى للأدباء والشعراء، إلا أن حياته لم تطل به، فقد اختطفه الموت سنة ١٩٠٤ ولم يكن قد طُبع ديوانه ولا مختاراته فطبعتهما أرملته، وبذلك قدَّمت للأجيال التالية هذين الكنزين النادرين من شعره ومنتخباته.

стр. 44

ب- شعره: ما قدمنا من حياة البارودي يدل دلالة واضحة على أن مؤثرات كثيرة اشتركت في تكوين شخصيته الأدبية، وكان منها ما ترك أثرًا عميقًا في نفسه، ومنها ما وقف عند السطح والظاهر، فلم يترك أثرًا بعيدًا لا في نفسه ولا في شعره. وأول ما يلاحظ من ذلك أنه من عنصر شركسي، كان له حكم مصر في وقت من الأوقات، وأورثه هذا العنصر حدة في المزاج وطموحًا واسعًا، وميلًا إلى حياة الحرب والفروسية. وهذا العنصر الوراثي يقابله عنصر عربي مكتسب من قراءاته للشعر القديم، وأضاف إلى هذا العنصر قراءات في الآداب التركية والفارسية، وفي الآداب الإنجليزية أخيرًا، ودعته ظروف حياته العسكرية إلى أن يسافر إلى أوربا ويشهد الحياة الأوربية. وهو بهذا كله يشبه الشعراء

стр. 45

العباسيين الذين كانوا يلمون بالثقافات الأجنبية المعروفة لعصورهم، وإن كان من المحقق أنه لم يتأثر في شعره تأثرًا واضحًا بما ألم به من ثقافات غير الثقافة العربية؛ ولكنها -على كل حال- تضيف إلى شخصيته شيئًا جديدًا لا نراه عند معاصريه من الشعراء المصريين. وليس هذا كل ما يُكوِّن شخصيته الأدبية، فهناك عنصر خطير كان له أعمق الأثر في تكوينه، وهو عنصر البيئة المصرية التي اضطرب في مشاهدها الطبيعية وأحداثها القومية والسياسية، وأثرت هذه البيئة في روحه وكيانه الأدبي؛ بل لقد استبدت به استبدادًا؛ حتى غدا في القرن الماضي شاعر مصر الذي لا يبارَى في تصوير الحياة المصرية من جميع أطرافها المكانية والزمانية. وإذا أخذنا ننعم النظر في شعره -على ضوء هذه العناصر التي ألفت شخصيته- لاحظنا قوة العنصر العربي المكتسب، وهو عنصر لم يكتسبه بطريق التعلم على أساتذة اللغة والأدب في عصره؛ وإنما اكتسبه بطريق مباشرة؛ هي قراءة النماذج القديمة للعباسيين ومن سبقوهم من الإسلاميين والجاهليين، وما زال يقرأ فيها حتى استقرت في نفسه سليقة الشعر العربي الأصيلة، فصدر عنها في نظمه وشعره. يقول الشيخ حسين المرصفي عنه في كتابه "الوسيلة الأدبية": "هذا الأمير الجليل ذو الشرف الأصيل والطبع البالغ نقاؤه والذهن المتناهي ذكاؤه لم يقرأ كتابًا في فن من فنون العربية، غير أنه لما بلغ سن التعقل وجد من طبعه ميلًا إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع بعض مَن له دراية وهو يقرأ بعض الدواوين، أو يقرأ بحضرته، حتى تصور في برهة يسيرة هيآت التراكيب العربية ومواقع المرفوعات منها والمنصوبات والمخفوضات حسب ما تقتضيه المعاني ... ثم استقل بقراءة دواوين الشعر ومشاهير الشعراء من العرب وغيرهم؛ حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها ناقدًا شريفها من خسيسها، واقفًا على صوابها وخطئها، مدركًا ما ينبغي وفق مقام الكلام وما لا ينبغي، ثم جاء من صنعة الشعر باللائق بالأمراء". ومعنى ذلك أنه لم يستنَّ سنة معاصريه من تعلم النحو والعروض والبديع حتى

стр. 46

يُحسن نظم الشعر؛ وإنما استن سنة جديدة صحح بها موقف الشعر والشعراء، فردهم إلى الطريقة القديمة، أو بعبارة أدق: ارتد هو إلى تلك الطريقة، ونقصد طريقة الرواية التي كان يتلقن بها الشاعر الجاهلي والأموي أصول حرفته. وكان هذا حدثًا خطيرًا في تاريخ شعرنا الذي تدهور إلى أساليب غثة مكسوة بخرق البديع البالية، تُكرَّرُ في صور من الهذيان على كل لسان. فأزال البارودي من طريقه هذه الأساليب، واتصل مباشرة بينابيع الشعر العربي القديمة في العصر العباسي وما قبله من عصور، ولم يلبث أن أساغها وتمثلها تمثلًا دقيقًا، فقد أُشْربتها روحه، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من شعره وفنه. وواضح من ذلك أن مذهبه الفني لم يكن يقوم على نبذ القديم كله؛ وإنما كان يقوم على نبذ صورة خاصة هي صورة الشعر الغث الذي ينتجه عصره والعصور القريبة منه، أما الشعر العباسي وما سبقه فينبغي للشاعر ألا يَنْبذه؛ بل عليه أن يسير في دروبه ويصب على صيغه وقوالبه. وكان هذه الاتجاه يعد ثورة في عصره؛ لأنه خروج عن مألوف معاصريه، وعَوْدٌ بهم إلى أساليب لا يعرفونها ولا يألفونها، وكانت قد فسدت أذواقهم فأصبحت لا تقدرها قدرها ولا تشعر بما فيها من متاع وجمال. أما البارودي فقد شعر بهذا المتاع والجمال إلى أبعد حد، وانطلق يصوغ شعره على طريقة العباسيين ومن سبقوهم، واتخذ ذلك مذهبًا له، وأعلنه في صراحة واضحة، فكان يحاكي الشعراء القدماء ويعارضهم من مثل: النابغة وبشار وأبي نواس والمتنبي وأبي فراس والشريف الرضي، وأتيح له أن يتفوق في أكثر معارضاته. وهذا هو مذهبه الفني؛ بَعْثُ الأسلوب القديم في الشعر وتعمد إحيائه، وهو لا يموه في ذلك ولا يكذب؛ بل يصرح به ويدعو الشعراء إلى تقليده، ولعل من الطريف أن الشعر حين انفك عنده من الأساليب التي عاصرته أخذ يعبر في حرية عن مزاج الشاعر ونفسيته وكل ما يتصل به من أحداث. فالبارودي إنما يستعير من القدماء إطارهم الذي يقوم على قوة الأسلوب

стр. 47

وجزالته؛ ولكنه يملأ هذا الإطار بروحه وبشخصيته، وكأنها خاتم يطبع على كل مأثور له اسمه. ومن هنا يأخذ مكانته في الشعر العربي الحديث، فقد رد إليه متانته ورصانته، وفرض عليه نفسه وبيئته وعصره؛ بحيث أصبح شعرًا حيًّا يصور منشئه وقومه تصويرًا بارعًا. ويستطيع القارئ أن يقرن ما قدمناه عن حياة البارودي الخاصة والعامة إلى ديوان فسيراها مرسومة فيه رسمًا دقيقًا بكل جزئياتها وتفصيلاتها، فحياته الأولى قبل الثورة العرابية وما ارتبط بها من نعيم العيش ورغده مصورة أوضح تصوير، فهو يصف لهوه ومرحه ومُتعه، كما يصف بيئته المصرية وما فيها من مشاهد الطير والأشجار والنبات، وله في ذلك طرائف كثيرة؛ كقوله في القطن وهو على سوقه: القطن بين مُلوِّز ومنور ... كالغادة ازدانت بأنواع الحلَى١ فكأن عاقده كُرات زمرد ... وكأن زاهره كواكب في الروَا٢ دبت به روح الحياة فلو وهت ... عنه القيود من الجداول قد مشى٣ فأصوله الدكناء تسبح في الثرى ... وفروعه الخضراء تلعب في الهوا٤ لم يَسْرِ فيه الطرف مذهب فكرة ... محدودة إلا تراجع المنى٥ ويشترك في حروب الدولة العثمانية فيصف وقائعها وصفًا دقيقًا تسعفه مخيلة ماهرة في التقاط المرئيات، وعاطفة حماسية ملتهبة. وبذلك يعيد لنا فن الحماسة القديم الذي عَفَّى عليه الزمن؛ إذ ينفخ فيه حياة وروحًا جديدة. وكان في قرارة نفسه يستشعر مجد آبائه المماليك الذين حكموا مصر، كما كان يستشعر مجد وطنه وما كشف علم الآثار المصرية من هذا المجد،

стр. 48

وصور هذا الشعور في قصيدة وصف بها الهرمين، وهي أول قصيدة حديثة في آثارنا الفرعونية، ومما يقول فيها: سل الجيزة الفيحاء عن هرمَيْ مصر ... لعلك تدري بعض ما لم تكن تدري بناءان ردا صولة الدهر عنهما ... ومن عجب أن يغلبا صولة الدهر أقاما على رغم الخطوب ليشهدا ... لبانيهما بين البرية بالفخر فكم أمم في الدهر بادت وأعصر ... خلت، وهما أعجوبة العين والفكر وبينهما بلهيب في زي رابض ... أكب على الكفين منه إلى الصدر١ مصانع فيها للعلوم غوامض ... تدل على أن ابن آدم ذو قدر وتدعوه الحركة القومية، فيلبي الدعاء، ويأخذ في نظم شعره السياسي الذي يدعو فيه إلى الإصلاح والأخذ بنظام الشورى، ويزداد للدعوة حمية، فيطالب بتغيير الساسة ومن في يدهم الحكم لعهد إسماعيل، ويندفع في ثورة قوية، ملوحًا بأمله في أن يصير الأمر له، فمن ذلك قوله من قصيدة طويلة: لكننا غرض للشر في زمن ... أهل العقول به في طاعة الْخمَل٢ قامت به من رجال السوء طائفة ... أدهى على النفس من بؤس على ثَكَل٣ ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت ... قواعد الملك حتى ظل في خلل وأصبحت دولة الفسطاط خاضعة ... بعد الإباء وكانت زهرة الدول٤ فبادروا الأمر قبل الفوت وانتزعوا ... شكالة الريث فالدنيا مع العجل٥ وقَلِّدوا أمركم شهمًا أخا ثقة ... يكون ردءًا لكم في الحادث الجلل٦ يجلو البديهة باللفظ الوجيز إذا ... عز الخطاب وطاشت أسهم الجدل

стр. 49

ويظله عهد توفيق، ويتولى الوزارة، فلا يخمد ما في نفسه من آمال؛ بل تزداد توهجًا واشتعالًا، وينضم إلى عرابي مع غيره من الثوار منشدًا مثل قوله: فيا قوم هبوا إنما العمر فرصة ... وفي الدهر طرق جمة ومنافع أرى أرؤسًا قد أينعت لحصادها ... فأين ولا أين السيوف القواطع١ وتخفق الثورة، ويَصْلى البارودي نار أعدائها بعد الإخفاق، فيُحاكم ويُنفى إلى سرنديب، ويتحول إلى دورة بائسة في حياته، ويتحول معه شعره، فيفيض بالألم والشكوى والشوق والحنين إلى وطنه، ويرثي من يموت من أهله، وكأنه يرثي نفسه. ومرثيته في زوجه الأولى: أيد المنون قدحت أي زناد ... وأطرت أية شعلة بفؤادي٢ سيل لاذع من الحزن والشجى والتفجع المرير. ويعود إلى وطنه، فيفرح فرحة الطائر ينطلق من قفصه، وينشد قصيدته: أبابل مرأى العين أم هذه مصر ... فإني رأى فيها عيونًا هي السحر وعلى هذه الشاكلة كان البارودي يصور نفسه وبيئته ووطنه وما مر به من أحداث تصويرًا صادقًا. ومن تمام هذا الصدق فيه شعوره الدقيق بعصره لا بأحداثه فحسب؛ بل أيضًا بمخترعاته، وكان يُجريها في تشبيهاته واستعاراته كقوله في الغزل: وسرت بجسمي كهرباءة حسنه ... فمن العروق به سلوك تخبر وبما قدمنا كله كان البارودي أول المجددين في الشعر العربي الحديث، وهو تجديد كان يقوم عنده على أصلين: بعث الأسلوب القديم في الشعر؛ بحيث تعود إليه جزالته ورصانته، وتصوير الشاعر لنفسه وقومه وبيئته وعصره تصويرًا مخلصًا صادقًا.

стр. 50

٢- إسماعيل صبري ١٨٥٤-١٩٢٣م: أ- حياته: وُلد إسماعيل صبري في القاهرة سنة ١٨٥٤ لأسرة متوسطة، وأخذ يختلف منذ نشأته إلى المدارس على غرار نُظَرائه من أبناء هذا الزمان، فالتحق بمدرسة المبتديان سنة ١٨٦٦ ثم بمدرستي التجهيزية والإدارة "الحقوق" وأتم دراسته في الأخيرة سنة ١٨٧٤. وبمجرد تخرجه فيها أُرسل في بعثة إلى فرنسا، فنال شهادة الليسانس في الحقوق من كلية إكس سنة ١٨٧٨، وفتحت هذه الشهادة الأبواب أمامه كي ينتقل في وظائف السلك القضائي بمصر، وفي سنة ١٨٩٦ عُيِّن محافظًا للإسكندرية، وظل بهذه الوظيفة ثلاث سنوات انتقل في نهايتها وكيلًا لوزارة العدل "الحقانية حينئذ". وما زال يشغل هذا المنصب حتى طلب إحالته إلى المعاش في سنة ١٩٠٧. وخلص منذ هذا التاريخ لشعره وفنه حتى لبَّى نداء ربه في سنة ١٩٢٣. وحياته على هذا النحو كانت حياة سهلة، ليس فيها شظف ولا حرمان؛ فقد وفَّر له راتبه غير قليل من الرزق وطيب العيش. وانعقدت أواصر الصداقة بينه وبين مصطفى كامل، ويقال: إن أولي الأمر طلبوا إليه ذات مرة -وهو محافظ بالإسكندرية- أن يحول بين مصطفى وبين الشعب هناك، فلا يدعه يخطب فيه، فأبى ذلك، وخلى بين الشعب وزعيمه الشاب، وقال: أنا مسئول عن الأمن والنظام. ويُؤْثَرُ عنه أنه لم يزر دار المندوب السامي الإنجليزي على نحو ما كان يصنع كبار الموظفين في عصره؛ إذ كان يرى في ذلك أكبر وصمات الذل والاستعباد. وظل وفيًّا لمصطفى كامل يزوره ويتردد على دار اللواء، حتى إذا عصفت به المنون انتظم في سلك مشيعيه، ووقف على قبره يندبه بقصيدته:

стр. 51

أداعي الأسى في مصر ويحك داعيا ... هددْتَ القُوَى إذ قمت بالأمس ناعيا وهي تصور جزعه عليه من ناحية، وتصور من ناحية ثانية مدى إخلاصه له وحزنه عليه، وكل بيت فيها دمعة وفاء يذرفها على صديقه وزعيمه. ومن الحق أن نفسه كانت كبيرة، وأنه كان يستشعر معاني الكرامة في أبلغ صورها. وقد تحول بيته إلى منتدى يألفه الأدباء والشعراء، وعُرف بين الأخيريين خاصة بذوقه الدقيق وحسه المرهف، فكانوا يعرضون عليه أشعارهم، ويستجيبون لنقده وملاحظاته، ولعل ذلك هو السبب في أن معاصريه كانوا يلقبونه "شيخ الشعراء" فهو شيخهم المجلِّي، واعترف بذلك حافظ وشوقي في رثائهما له، يقول حافظ: لقد كنت أغشاه في داره ... وناديه فيها زها وازدهر وأعرض شعري على مسمع ... لطيف يحس نبو الوَتَر ويقول شوقي: أيام أمرح في غبارك ناشئًا ... نَهْجَ الْمِهار على غبار خصاف١ أتعلم الغايات كيف ترام في ... مضمار فضل أو مجال قواف ويُجمع معاصروه على أنه كان رقيقًا دمثًا وديعًا حلو النادرة، وهو من هذه الناحية يمثل رقة أهل القاهرة، وما يشتهرون به من خفة الظل ولطف الحس. وكانت في عصره "صالونات" أو ندوات لبعض السيدات كن يُقمنها على الطريقة الفرنسية، كندوة الأديبة المشهورة "مي". وقد دعمت هذه الندوات الرقة التي امتاز بها. وأنت لن تجد مثله شاعرًا استولى على معاصريه برقته ودعته ودماثته، ولعل ذلك هو السبب في أنه خرج من معارك النقاد في أيامه دون أن ينالوه بسوء. ومما يتصل بهذا الجانب عنده أنه لم يكن يهمه أن يسمى شاعرًا كبيرًا، فحسبه أن يغنِّي شعره لنفسه وفي خلواته.

стр. 52

وعلى نحو ما كان يختلط بالأدباء والشعراء كان يختلط بالمغنين وأهل الموسيقى من الملحنين، وقد وضع لهم أدوارًا شاعت في عصره وما زال بعضها يغنَّى في عصرنا، وهو فيها يرتفع بعيدًا عن السفح الذي كان لا يتجاوزه أصحاب هذه الأدوار حينئذ؛ إذ أشاع فيها الطهر والعفة ومعاني الحب السامية.

стр. 53

ب- شعره: لعل فيما قدمناه من حياة إسماعيل صبري ما يدل على أن عناصر مختلفة أسهمت في تكوين شاعريته، فهو مصري صميم؛ بل هو قاهري، يمثل الروح القاهرية المصرية الخالصة، وما عُرف عن أهل القاهرة من اللين والدماثة والميل إلى الدعابة. وهو قد تعلم في فرنسا وعرف الآداب الفرنسية في عصر الرومانسية: عصر لامارتين وغيره، ولا ريب في أن ذلك أضاف إلى شاعريته شيئًا جديدًا، فقد نهل من منابع لا عهد للعرب ولا للعربية بها، وفي ديوانه إشارات إلى بعض أمثال وعبارات فرنسية استوحى منها بعض أبياته ومقطوعاته. على أننا نلاحظ أن أكبر شيء أثَّر في شاعريته حقًّا وسطه المصري وندوات السيدات التي كان يختلف إليها، فقد أثرا جميعًا أثرًا بعيدًا في روحه ومزاجه وتكوين شخصيته الأدبية. وأيضًا أثرت فيه أثرًا عميقًا قراءاته في الأدب العربي، ويظهر أنه قرأ كثيرًا في البهاء زهير وابن الفارض، ففي شعره آثار مختلفة منهما؛ بل لا نبالغ إذا قلنا: إنه امتداد لهما في كثير من جوانبه. وقد بدأ حياته الفنية أو الشعرية مبكرًا قبل بعثته إلى فرنسا؛ إذ كان ينشر في مجلة "روضة المدارس" مديحًا في إسماعيل، وظل ينظم بعد عودته في هذا الموضوع الرسمي. وشعره فيه تقليدي، وفيه كثير من فنون البديع على طريقة معاصريه. ومعنى ذلك أن العنصر الفرنسي أو الآداب الفرنسية لم تترك أثرًا سريعًا في فنه، فقد مضى في أشعاره الأولى يرسف في قيود التقليد. غير

стр. 54

أننا لا نمضي طويلًا معه، حتى نراه يتبين نفسه فينزع عنها رداء الشعر الرسمي، ويخلص للتغني بعواطفه الصادقة، وحينئذ تتراءى جميع العناصر التي أشرنا إليها آنفًا في تكوين شخصيته الأدبية، فإذا هو شاعر قاهري رقيق، وإذا هو امتداد للروح المصرية التي مثلها في عصورنا السابقة البهاء زهير من طرف وابن الفارض من طرف آخر، وأيضًا إذا هو يتأثر في بعض معانيه وأخيلته بما عرَف من معانٍ وأخيلة في الأدب الفرنسي. أما أنه امتداد للبهاء زهير، فإن ذلك يتضح فيما نظمه في الحب والمرأة؛ فقد عمد فيه إلى ضرب من الشعر الوجداني الصافي الذي يشف عن كل ما وراءه، في أسلوب ليس فيه تكلف ولا ما يشبه التكلف. ليس فيه ما كان يردده القدماء من وصف صخامة الرِّدْف ورقة الخصر والريق والنهود واللثم وغير ذلك مما يصور اللذة الحسية، وتأنف منه الأذواق السليمة؛ إنما فيه عاطفة الحب الطاهرة العفيفة، على شاكلة قوله في بعض الحِسَان: إن هذا الحسن كالماء الذي ... فيه للأنفس ري وشفاء لا تذودي بعضنا عن ورده ... دون بعض واعدلي بين الظماء وتجلي واجعلي قوم الهوى ... تحت عرض الشمس في الحكم سواء أقبلي نستقبل الدنيا وما ... ضُمِّنَتْه من معدات الهناء واسفري تلك حُلًى ما خُلقت ... لتُوارَى بلثام أو خباء واخطري بين الندامى يحلفوا ... أن روضا راح في النادي وجاء وابسمي من كان هذا ثغره ... يملأ الدنيا ابتسامًا وازدهاء لا تخافي شططًا من أنفس ... تعثر الصبوة فيها بالحياء راضت النخوة من أخلاقنا ... وارتضى آدابنا صدق الولاء أنت روحانية لا تدعي ... أن هذا الحسن من طين وماء وانزعي عن جسمك الثوب يَبِنْ ... للملا تكوين سكان السماء وأرِي الدنيا جناحي ملَك ... خلف تمثال مصوغ من ضياء

стр. 55

وواضح أن هذا غزل من نوع جديد يخالف ما كنا نألفه عند كثير من شعرائنا الماضين، أولئك الذين كانوا يتعبون أنفسهم في رصف أصداف التشبيهات حين يتغزلون بالمرأة على نحو ما نرى عند قائلهم: فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت ... وردًا وعضت على العُنَّاب بالبَرَد وقلما يصورون حركة نفس؛ إنما يحشدون الشتبيهات والاستعارات حشدًا، ويتبارون في ذلك، حتى طلع الشعراء المصريون من أمثال البهاء زهير، فإذا هم يفكون الغزل من هذه الأصداف أو من هذه القيود، ويرجعون به إلى نمط طبيعي، يعبرون فيه عن روحهم المصرية البسيطة؛ بل يعبرون عن أنفسهم وعن وجداناتهم وعواطفهم. ومن الحق أن إسماعيل صبري خطا بهذا الشعر الوجداني خطوات بتأثير البهاء زهير من جهة وتأثير ثقافته الفرنسية من جهة ثانية، وما نوعت في تفكيره ومعانيه، واقرأ له هذين البيتين: ولما التقينا قرَّب الشوق جهده ... شَجِيَّيْنِ فاضا لوعة وعتابا كأن صديقًا في خلال صديقه ... تسرب أثناء العناق وغابا فإنك ترى فيهما دقة الخيال والتصوير، كما ترى صورة النفس والعاطفة مع الرقة والحس الدقيق. ومهما قرأت في غزله فلن تجد عنده ما يخدش الذوق أو ينبو عنه، ومن المؤكد أنه كان لوسطه أثر في ذلك، ونقصد ندوات السيدات اللائي كان يختلط بهن، فإن معاشرته لهن أصابت غزله برقة شديدة، وجعلته يرتفع فيه إلى ضرب وجداني سام، ليس فيه حس ووصف للمتاع إلا ما يأتي عفوًا. وغزله لذلك يمتاز عن غزل معاصريه وسابقيه، وحقًّا أنه -كما قلنا- امتداد لغزل البهاء زهير؛ ولكنه امتداد فيه تنويع واسع للمعاني بفضل ما قرأ في الآداب الغربية، وفيه رقة حس وارتفاع بالذوق بفضل اختلاطه بالمرأة المصرية الحديثة.

стр. 56

وجانب آخر في غزله لم نتحدث عنه، وهو واضح في أساليبه؛ وذلك أنه يدنو من لغتنا اليومية المألوفة دنوًّا يجعلنا نذكر سلفه البهاء زهير، وما كان يصطنع في شعره من هذا القرب الشديد إلى ألفاظ العامة، واقرأ لصبري هذا المطلع لإحدى مقطوعاته: أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة ... ولا بشافعة في رد ما كانا فإنك تراه يتأثر تأثرًا واضحًا بما يشيع على ألسنة المصريين في حياتهم اليومية من قولهم: "لا ينفع ولا يشفع"، وكأنه يريد أن يعبر في غزله عن الروح المصرية بخواصها اللغوية. وكان يُشيع ذلك في جميع أشعاره؛ كقوله في رثاء مصطفى كامل: أجل أنا من يرضيك خلا موافيا ... ويرضيك في الباكين لو كنت واعيا فقد استخدم كلمة "واعيا" في القافية كما تستخدمها العامة، فهي ليست بمعناها المعروف في العربية وهو الحافظ؛ وإنما هي بمعنى ملتفت، أو كما نقول في العامية: "واخد بالك". ولا ريب في أن هذا القرب من لغتنا اليومية هو الذي جعل المغنين يقبلون على مقطوعات صبري الغزلية، فيغنونها أدوارًا، كأغنيته المشهورة: يا آسيَ الحي هل فتشت في كبدي ... وهل تبينت داء في زواياها أوَّاه من حُرَق أودت بأكثرها ... ولم تزل تتمشى في بقاياها يا شوقُ رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذُعْرًا في حناياها وحاول أن يقترب أكثر من ذلك إلى روحنا المصرية، فنظم للمغنين أدوارًا عامية ذاعت على كل لسان، من مثل قوله في بعض أغانيه: الحلو لما انعطف ... أخجل جميع الغصون والخد آه ما انأطف ... وَرْدُه بغير العيون

стр. 57

وقوله: يا ألب ادانت حبِّيت ... ورجعت تندم صبحت تشكي ما لإيت ... لك حد يرحم ومن تمام هذه الروح المصرية في شعر صبري أننا نجد عنده الدعابة الخفيفة والتهكم الساخر اللذين عُرف بهما المصريون على طوال عصورهم في تنكيتهم وتبكيتهم، في أدبهم العامي وأدبهم العربي الفصيح جميعًا؛ إذ تتأصل الفكاهة الحلوة والسخرية المرة في نفوسهم؛ حتى ليصبحان جوهرًا ثابتًا في أمزجتهم وطباعهم، وهو جوهر يتألق في شعر صبري، فتارة يكون دعابة بسيطة، وتارة يكون نقدًا ساخرًا وهجاء لاذعًا على نحو ما نرى في الأبيات التالية التي نظمها في مصطفى فهمي حين سقطت وزارته في سنة ١٩٠٨ مصورًا مدى ولائه للإنجليز، وكيف كان يصدر في حكمه عن مشيئتهم، يقول مخاطبًا له: عجبتُ لهم قالوا سقطت ومن يكن ... مكانك يأمن من سقوط ويسلم فأنت امرؤ ألصقت نفسك بالثرى ... وحرمت خوف الذل ما لم يحرَّم فلو أسقطوا من حيث أنت زجاجة ... على الصخر لم تُصْدَع ولم تتحطم وقد وقف مع أمته في حادثة دنشواي يصور فظائع الإنجليز وما ساموا أهل هذه القرية من الخسف والقتل وعذاب السجون، يقول: إنْ أنَّ فيها بائس مما به ... أو رن جاوَبه هناك مطوَّقُ ومضاجع القوم النيام أواهل ... بمعذَّب يُرْدَى وآخر يُرْهَق لن تبلغ الجرحى شفاء كاملًا ... ما دام جارحها المهنَّد يبرق ونراه يفزع فزعًا شديدًا حين طمَّ الخلاف بين المسلمين والأقباط سنة ١٩١١، وكاد يأتي على وحدتنا الوطنية، فينظم مثل قوله: خَفِّفوا من صياحكم ليس في مصـ ... ـر لأبناء مصر من أعداء دينُ عيسى فيكم ودين أخيه ... أحمد يأمراننا بالإخاء

стр. 58

مصر أنتم ونحن لا إذا قا ... مت بتفريقنا دواعي الشقاء مصر ملك لنا إذا ما تماسكـ ... ـنا وإلا فمصر للغُرَباء وقد تغنَّى في سنة ١٩٠٩ غناء خالدًا بعظمة مصر وأمجادها في قصيدته المشهورة التي جعلها على لسان فرعون مصر، والتي يستهلها بقوله: لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا وَنَى يوم تحصيل العُلا واني وهي تدور على كل لسان، وفيها يُلهب فرعون مشاعر الشباب ويذكي حماستهم بما ينفخ في روحهم من حمية ويستشير من عزيمة؛ لطلب العلا، تأسيًا بسيرة الأجداد، وما شادوا من مفاخر وأمجاد. وأشرنا -فيما أسلفنا- إلى أن صبري يُعد في بعض جوانبه امتدادًا لابن الفارض، الشاعر المصري المصري الصوفي الذي عاش يتغنَّى بالمحبة الإلهية وما يطوي فيها من ابتهال وعبادة. وحقًّا أن صبري لم يكن صوفيًّا على نحو ما كان ابن الفارض، فلم يكن يعشق الذات الإلهية عشقه، ولا كان يفنى فيها فناءه، ومع ذلك فهو متأثر به تأثرًا إن بدا ضيئلًا من الناحية الصوفية الخالصة فإنه قوي من الناحية الدينية والعقيدة الإلهية قوة يعبر فيها لا عن صلته بابن الفارض فحسب؛ بل أيضًا عن صلته بنفسية شعبه، هذا الشعب الذي يرسب الإيمان في أعماقه منذ أقدم أزمانه. فنحن نراه دائمًا يخلص وجهه لربه ودينه، مبتهلًا داعيًا، طالبًا لما عنده، مؤثرًا له على دنياه الزائلة، منيبًا إلى عفوه ورحمته. ويتردد هذا الشعور الديني ويفوح أريجه عنده في شكل دعاء حينًا ومناجاة حينًا آخر على هذه الشاكلة: يا رب أين تُرى تقام جهنم ... للظالمين غدًا وللأشرار لم يُبق عفوُك في السموات العلا ... والأرض شبرًا خاليًا للنار يا رب أهلني لفضلك واكفني ... شطط العقول وفتنة الأفكار ومر الوجود يشف عنك لكي أرى ... غضب اللطيف ورحمة الجبار ويتصل بهذا الجانب عنده استسلام عميق للقضاء، وما تأتي به الأقدار،

стр. 59

فهو يتقبل كل ما في الحياة راضيًا قرير العين، حتى الموت، فإنه يرحب بمقدمه: يا موت هأنذا فخذ ... ما أبقت الأيام مني بيني وبينك خطوة ... إن تخطها فرجت عني إن الموت أمر مقدور وفريضة مكتوبة كتبها الله على عباده، وينبغي أن نرضى بما كتب لنا، فتلك مشيئته، ولا رادَّ لمشيئته؛ بل إن في الموت والهمود في باطن الأرض لراحة لنا من هموم الحياة، يقول: إن سئمتَ الحياة فارجع إلى الأر ... ض تَنَمْ آمنًا من الأوصاب تلك أمٌّ أحنَى عليك من الأ ... م التي خلَّفَتْك للأتعاب وهي خطرات كانت تمر بنفسه، فيسجلها في هذا الرواء الشعري، وربما كان من أسبابها اعتلال طال عليه في صحته؛ لكنها -على كل حال- تدل على نزعة دينية كانت تتغلغل في أعماقه. وهذا هو صبري في شعره: رقيق الحس، عذب النفس، دمث الطبع، خفيف الظل، قلما ينظم القصائد المطولة؛ إنما ينظم المقطوعات القصيرة التي يضمنها مشاعره في الحب والسياسة والدين في صدق وإخلاص.

стр. 60

٣- حافظ إبراهيم ١٨٧٠-١٩٣٢م: أ- حياته: كان يقيم في ديروط إحدى بلدان الصعيد حوالي سنة ١٨٧٠ طائفة من المهندسين المصريين للإشراف على قناطرها القائمة على النيل، وكان من بينهم مهندس مصري صميم يسمى إبراهيم فهمي، اختار لسكناه سفينة "ذهبية" أقام فيها مع زوجته التركية "هانم بنت أحمد البورصه لي". وفي هذه الذهبية وُلد لهما على صفحة النيل حافظ، ففرح به الأبوان، وعاشا بجانبه هانئين، إلا أن الدهر لم يلبث أن قلب لهما ظهر المجن، فإذا الأب يموت، وابنه يخطو على عتبة السنة الرابعة. فانتقلت به أمه إلى القاهرة حيث كفله خاله، وكان مهندس تنظيم، فرعاه وقام على تربيته، وألحقه أولًا "بالكُتَّاب"، ثم تحول به إلى مدارس مختلفة كان آخرها المدرسة الخديوية. وتصادف أن نُقل خاله إلى بلدة "طنطا" فصحبه معه. ولم يختلف في هذه البلدة إلى مدرسة؛ بل أخذ يختلف إلى الجامع الأحمدي، وكانت تُلقى فيه دروس على نمط ما يلقى في الأزهر. وحافظ لا ينتظم في هذه الدروس؛ بل يُلم بها من حين إلى حين في غير نظام. وأخذ يتضح فيه ميله إلى الأدب والشعر، فكان يطارح بعض الطلاب ويستعرض معهم طرائف الشعراء القدماء والمحدثين وخاصة البارودي. وعلى هذا النحو مضى في حياته لا يحملها محمل الجد، فمله خاله، وأشعره بملله، فابتأس وأحس غير قليل من الألم، وعزم على أن يبدأ محاولاته في كسب قوته، ونوَّه بذلك في بيتين وجَّههما إلى خاله، على هذا النحو: ثَقُلتْ عليك مئونتي ... إني أراها واهيه فافرَحْ فإني ذاهب ... متوجِّهٌ في داهيه وتوجه توًّا إلى المحاماة، وكانت لا تزال مهنة حرة، وكأنما أغرته بها ذلاقة لسانه وحسن منطقه، فالتحق بمكاتب بعض المحامين، إلا أن القلق عاوده. وفجأة نجده راحلًا إلى القاهرة ليلتحق بالمدرسة الحربية، وينتظم بين طلابها، ويتخرج فيها سنة ١٨٩١، ويعين في وزارة الحربية ويظل بها ثلاث سنوات. ثم ينقل إلى وزارة الداخلية، فيمضي فيها عامًا وبعض عام، ثم يعود إلى الحربية، ويُدْعى إلى مرافقة الحملة الأخيرة إلى السودان، وكانت بقيادة اللورد كتشنر، فيرافقها على مضض، ولا يكاد يضع قدمه هناك حتى يتبرم، ويضج بالشكوى

стр. 61

ويراسل الشيخ محمد عبده معلنًا تبرمه وسخطه. وتقوم ثورة في الجيش فيشترك فيها ويُحاكَم، ويُحكم عليه في سنة ١٩٠٠ بإحالته إلى الاستيداع، ولا يلبث أن يطلب إحالته إلى المعاش. وحافظ في كل هذه الأطوار التي مرت بنا في حياته قلق ضيق بعيشه؛ فقد نشأ يتيمًا في أسرة متوسطة، ولم يلبث أن اضطر إلى كسب قوته بنفسه، وحاول أن ينظِّم حياته فدخل المدرسة الحربية وتخرج فيها؛ ولكن سوء الطالع لازمه، فأحيل إلى الاستيداع والمعاش. وكانت شاعريته قد استوت له، وكان ذا نفس حساسة مرهفة الشعور، فأحس بعمق بؤسه، وحاول أن يشتغل في صحيفة الأهرام؛ ولكنها أغلقت أبوابها من دونه، فاتجه إلى الشيخ محمد عبده، ولزمه حتى ليقول: "فلقد كنت ألصق الناس بالإمام، أغشى داره، وأرِدُ أنهاره، وألتقط ثماره". وقد تعرَّف عن طريقه على الطبقة الممتازة من المصريين أمثال: سعد زغلول وقاسم أمين وحسن عاصم ومصطفى كامل ولطفي السيد ومحمود سليمان، وهي الطبقة التي كانت تفكر في الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، والتي لا تزال آثارها فاعلة في حياتنا المصرية. وبذلك هيأ له اتصاله بالشيخ محمد عبده أن يعيش في البيئة الطامحة إلى الإصلاح، وكان في الوقت نفسه يعيش في بيئة الشعب الفقيرة التي نشأ فيها ويختلط بها بحكم بؤسه. وكانت قد نشأت فيها طائفة من الأدباء البائسين أمثال إمام العبد، وكانوا يجلسون في مقاهي الأحياء الوطنية، وينتقلون فيها بأدبهم، وهي طبقة أوجدتها ظروف الحياة الحديثة، فقد كان الشعراء والأدباء في القديم يرعاهم الملوك والخلفاء والأمراء، وبطلت هذه السنة في العصر الحديث، واضطر الأدباء والشعراء إلى أن يعتمدوا على أنفسهم في كسب أرزاقهم وسد حاجاتهم، وسرعان ما تكونت بينهم هذه الطبقة البائسة التي أخذ يتنازع إمامتها في أول القرن إمام العبد وحافظ إبراهيم. واضطر حافظ أن ينقطع إلى الطبقة الممتازة التي أشرنا إليها، وكان خفيف

стр. 62

الظل فقربوه منهم، فكان يمدحهم ويتندر لهم ويضحكهم، وينظم لهم الشعر في المناسبات المختلفة. وكان أكثر هذه الطبقة من أبناء الفلاحين الذين وصلوا بفضل جهودهم إلى المناصب العليا في مرافق الدولة، وكانوا يمتازون بشدة شعورهم بآمال الشعب وآلامه؛ فكان حافظ يجد في صحبتهم لذة، وكانوا يوسعون له في مجالسهم، فكان يروي لهم الشعر القديم وينشئ لهم قصائد فيما ينزعون إليه من وجوه إصلاح. وفي هذه الأثناء كتب "ليالي سطيح" وهي مقالات نثرية على طريقة المقامات، صوَّر فيها على لسان سطيح الكاهن الجاهلي كثيرًا من عيوب الشعب الاجتماعية، متأثرًا في ذلك أوضح التأثر بآراء الشيخ محمد عبده الإصلاحية. وحاول أن يتعلم الفرنسية ولم يتقنها، ومع ذلك ترجم البؤساء لفيكتور هيجو، ولم يستطع أن يترجمها ترجمة دقيقة، فاحتفظ بروحها، وزاد فيها ونقص حسب ذوقه. وأخيرًا ينقذه في سنة ١٩١١ حشمت "باشا" وزير التربية والتعليم حينئذ من هذه الحياة البائسة، ويعيِّنه في القسم الأدبي بدار الكتب المصرية، ويظل في هذه الوظيفة إلى سنة ١٩٣٢. وأخذت الوظيفة تغلُّ لسانه، فلم يعد ينظم في شئوننا السياسية والاجتماعية كما كان شأنه قبل توظفه، حتى إذا وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، ورُدت إلينا حريتنا أخذ يعود سيرته الأولى، غير أنه كان -فيما يظهر- يخشى أن يُفْصَل من وظيفته، فلم ينشر كثيرًا مما نظمه في الأحداث السياسية خشية أن يطرد من عمله ويحرم من قوته. وأحيل إلى المعاش في عهد وزارة صدقي "باشا"، وكانت الحريات مكبوتة فنظم كثيرًا من الشعر الثائر، ولكنه لم ينشره على الملأ في الصحف؛ بل ظل يخاف السجن. ومن هنا كان ديوانه لا يشتمل على جميع ما نظمه؛ بل إن جزءًا قيمًا منه -وخاصة في السياسة- ضاع ولم يصل إلينا. على أن القدر لم يمهله بعد خروجه إلى المعاش؛ إذ سرعان ما نعاه الناعون باكين فيه وطنيته ودماثته وتواضعه وسماحة نفسه وجمال عشرته.

стр. 63

٢- شعره: إذا أخذنا نبحث في شخصية حافظ الأدبية وجدنا عناصر مختلفة تشترك في تكوينها، وأول هذه العناصر الدم المصري الذي ورثه عن أبيه، حقًّا كانت أمه تركية، ولكن تركيتها لم تخلف أثرًا واضحًا فيه، فقد غلبتها مصريته، بل لقد استبدت به، وأصبحت كل شيء يجري في روحه ومزاجه، حتى غدا مثالًا حيًّا للمصري في عصره، مثالًا لروحه القومية ومزاجه الفكه الباسم، وما تزال الصحف والمجالس تتناقل نوادره وفكاهاته إلى اليوم. وأضاف إلى هذا العنصر الوراثي عنصرًا عربيًّا من قراءاته للأدب القديم، وتطاول طموحه منذ أخذ في نظم الشعر إلى مقام البارودي، وربما كان دخوله في المدرسة الحربية ناشئًا عن رغبة ملحة في نفسه لأن تصبح سيرته مثل سيرة البارودي من جميع الوجوه، وكذلك اشتراكه في ثورة الجيش على كتشنر في السودان هو الآخر يطوي رغبته في احتذائه وتقليده. فالبارودي كان مثله الأعلى، وأخذ يطابق مطابقة تامة بين هذا المثل وشعره، واستطاع أن يظفر من ذلك بما كان يطمح إليه، فقد أحيا في شعره صيغه الجزلة الرصينة، وإن كان قد حاول تبسيطها، إلا أن قوالبه تمتاز دائمًا بما تمتاز به قوالب البارودي من الرصانة والجزالة والبعث لأساليب العربية الأصيلة. ومن الحق أن البارودي كان أوسع ثقافة منه، حتى في صلته بالشعر العباسي وما قبله وبعده من شعر عربي، وقد استطاع أن يؤلف فيه مختاراته التي تقع في أربعة مجلدات، وهو من هذه الناحية مثل: البحتري وأبي تمام، اللذين ألفا لأنفسهما بجانب ديوانهما مختارات من الشعر القديم باسم الحماسة. ولم يستطع حافظ أن يصنع صنيع الشاعرين العباسيين ولا صنيع أستاذه الحديث؛ لأنه

стр. 64

لم يكن منظَّم الثقافة؛ إذ كان يقرأ بدون نظام في العقد الفريد والأغاني ودواوين العباسيين. وكان له ذوق جيد وذاكرة لاقطة تعرف كيف تختزن ما تقرأ. وهو يختلف عن البارودي أيضًا في أن ثقافته بالآداب الأجنبية كانت ضيقة محدودة، فقد مر بنا أن البارودي ثَقِفَ آداب اللغتين الفارسية والتركية، وحاول أن يتعلم الإنجليزية في منفاه وسافر إلى أوربا قبل ذلك، ورأى الحضارة الغربية المادية، وهيأت له أرستقراطيته أن يتأثر بها في معيشته. وكل ذلك يجعل البارودي واسع الثقافة، أما حافظ فقد تعلم تعليمًا متوسطًا كما يتعلم أنداده من أفراد الطبقة الوسطى، وعرف أطرافًا من الفرنسية، ولكنها كانت معرفة قاصرة لم تتح له التعمق في آداب هذه اللغة. فحافظ كان ضيق الثقافة بالقياس إلى البارودي، وكان أشد ضيقًا بالقياس إلى معاصريه من أمثال: شوقي ومطران، اللذين كانا يتقنان الفرنسية وآدابها، مما أفادت منه طبيعتهما الأدبية إفادة واسعة. أما هو فكان محدود الثقافة، واضطرته إلى ذلك ظروف مادية قاسية، فهو لم ينشأ في طبقة أرستقراطية مثل: البارودي وشوقي، وشتان السفر إلى أوربا والسفر إلى السودان، ومع ذلك لا بد أن نجلَّ عصاميته؛ إذ كان شاعرًا بطبعه لا بثقافته، واستطاع أن يثبت للمنافسة مع شوقي ومطران وغيرهما ممن رفدوا طبيعتهم بجداول الفكر الغربي وينابيعه العقلية. وهنا لا بد أن نلاحظ العنصر الثالث المهم في تكوين شخصيته الأدبية، وهو عنصر بيئته المصرية الاجتماعية، وكان عنصرًا مركبًا، فهو من جهة نشأ في طبقة وسطى ودعته ظروف الحياة إلى أن يحس آلام الشعب وما ينطوي فيها من بؤس وفقر وشقاء، وهو من جهة ثانية أخذ يختلط بالطبقة الممتازة من المصريين التي لم تكسب امتيازها عن الوراثة، وإنما كسبته بجهودها، وكانت هذه الطبقة التي نشأت في البيئة الشعبية وتهيأ لها أن تسمو بحياتها وأن تصبح من الطبقة الأرستقراطية تشعر بكل ما يشعر به الشعب من حزن وألم، وتتمنى لو استطاعت أن تغير حياته في السياسة والاجتماع والثقافة.

стр. 65

ونشأة حافظ في الطبقة الأولى واختلاطه بالطبقة الثانية طبعا شعره بطوابع قوية؛ بحيث أصبح شاعرًا مصريًّا تامًّا يصور النفس المصرية الطامحة في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تصويرًا دقيقًا، وماذا تريد من تصوير الشعب؟ أما إن كنت تريد تصوير شكواه وحزنه وبؤسه وفقره فقيثارة حافظ تسمعك كل هذه الألحان الشجية، وأما إن كنت تريد ما يضطرب في قلوب زعمائه ومصلحيه من دعوات عقلية وروحية وسياسية ووطنية، فالقيثارة نفسها تتدفق عليها هذه الأنغام وكأنه تعتصرها اعتصارًا. وكثر في أول هذا القرن المتعلمون، وأخذت الصحف تظهر بانتظام وتنشر الشعر والمقالات الأدبية، وأخذ الشعراء يتنافسون في نشر إنتاجهم بالصحف، ودعاهم ذلك إلى أن يفكروا في الجمهور، وأن يخاطبوا طبقاته الوسطى ويغنوا عواطفها السياسية والوطنية والاجتماعية، وكان حافظ هو الصوت الأول الذي لبى حاجة الجماعة المصرية. وانقسم المصريون حزبين: الحزب الوطني وحزب الأمة، وكثر الحوار في الآراء السياسية، وكثرت المقالات، وأخذ الكُتاب يكتبون في عيوبنا الاجتماعية، وتبعهم الشعراء ينظمون شعرًا سياسيًّا واجتماعيًّا، وتقدمهم حافظ ينشئ هذا الشعر ويذيعه في صورة قوية. وحافظ في هذه الجوانب يبلغ -وخاصة في أول القرن- ما لم يبلغه شوقي والبارودي، أما شوقي فكان موظفًا بالقصر، وكان بعيدًا عن الشعب ومصلحيه، وأما البارودي فمعروف أنه ممن ثاروا في ثورتنا الأولى مع عرابي، إلا أن المتعلمين في أيامه كانوا قلة قليلة، ولم تكن الصحف قد شاعت، ولم يكن قد تكوَّن جمهور واسع من القراء، ثم هو نشأ نشأة أرستقراطية، فكان شعوره بنفسه أقوى من شعوره بالشعب؛ بل لا نبالغ إذا قلنا: إنه في شعره السياسي إنما كان يصور نفسه وطموحه لحكم مصر أكثر من تصويره لحرية الشعب التي يريدها المصريون ويحلمون بها. على كل حال لم يقصد البارودي بشعره إلى الجمهور أولًا، أما حافظ فقد

стр. 66

قصد به أولًا إلى الجمهور، ولعل ذلك ما جعل شعره أكثر وضوحًا وأقرب فهمًا؛ إذ كان يبسِّط لغته وأساليبه. حقًّا صب شعره في القوالب القديمة ولكنها عنده أدنى إلى الجمهور منها عند البارودي لسبب بسيط؛ وهو أنه كان يذيعها في صحفه اليومية، وكان كثير منها يُطْبَع بطابع السياسيين من معاصريه، وخاصة الخطباء منهم، فنحن في أحوال كثيرة نشعر عنده أنه يخطب، على نحو ما يخطب مصطفى كامل وغيره. وحافظ بذلك صورة حية لعصره، فهو ينقله إلينا في شعره بأفكاره وآراء كتابه وخطبائه، وأساليبهم أحيانًا. فكل ما يضطرب في نفوس معاصريه يستوعبه استيعابًا رائعًا ويحوِّله شعرًا، فإذا وجدته يقول: وما أنتِ يا مصر دار الأديب ... ولا أنتِ بالبلد الطيب أيعجبني منك يوم الوفاق ... سكوت الجماد ولعب الصبي يقولون في النشء خير لنا ... وللنش شر من الأجنبي فإنما يعبر عن سخط من حوله من السياسيين والاجتماعيين، فهو يشير إلى سكوت المصريين على الاتفاق الذي تم بين فرنسا وإنجلترا سنة ١٩٠٤، وكان يتيح لأولاهما أن تطلق يدها في مراكش، ولثانيتهما أن تطلق يدها في مصر وتأخذها بما تريد من حكم جائر. ونراه يعيب على الشباب عكوفه على الملاهي وانصرافه عن الجد والعمل المثمر لأمته. ولحافظ شعر كثير يقرِّع فيه الشباب كأنه يريد أن يستثيرهم بما يغرس من الحميَّة فيهم. وكان لا يجد بِرًّا ولا عملًا نبيلًا إلا يشيد به ويتغنى بالقائمين على أمره، وله في فتح المدارس والجامعة القديمة وإنشاء الملاجئ شعر كثير؛ كقوله في رعاية الطفولة: أنقذوا الطفل إن في شقوة الطفـ ... ـل شقاء لنا على كل حال أنقذوه فربما كان فيه ... مصلح أو مغامر لا يبالي شاع بؤس الأطفال والبؤس داء ... لو أتيح الطبيب غير عضال

стр. 67

وبجانب هذا الضرب من الشعر الاجتماعي، يكثر عنده الشعر السياسي، ومن أروع ما قاله في قصيدته في حادثة دنشواي، وقد نظمها على هذا النمط الساخر: أيها القائمون بالأمر فينا ... هل نسيتم ولاءنا والودادا خفِّضوا جيشكم وناموا هنيئًا ... وابتغوا صيدكم وجُوبوا البلادا وإذا أعوزتكم ذات طوق ... بين تلك الرُّبَى فصيدوا العبادا إنما نحن والحمام سواء ... لم تغادر أطواقنا الأجيادا ويمضي في القصيدة فيصور ظلم الإنجليز وبغيهم وسخط الأمة المصرية عليهم سخطًا شديدًا. ويلاحَظُ عليه في هذه القصيدة وغيرها من شعره السياسي ضرب من الحذر والاحتياط، فهو لا يثور على الإنجليز ثورة عنيفة، بل يشفع الثورة عليهم بضرب من اللباقة والحيلة، حتى يتقي غياهب سجونهم. وفي رأينا أن هذا الاحتياط جاءه من الطبقة المثقفة الممتازة التي كان يعيش في كنفها؛ إذ كانت تصطنع مع الإنجليز الحذر والتقية. وإن من الظلم أن نقيس حافظًا في شعره الوطني بما نُشر منه، فقد مر بنا أن كثيرًا من هذا الشعر لم يُنشر، وأنه كان يكتفي بإنشاده في النوادي والمجالس. وقد أنشأ بعد إحالته إلى المعاش قصيدة ثائرة تربو على مائة وخمسين بيتًا، وليس في ديوانه منها سوى أبيات معدودة. وحسبه قلادته الرائعة التي أنشدها على لسان مصر، والتي تُغَنَّى في عصرنا وتدور على كل لسان، وهي تلك التي يفتتحها بقوله: وقف الخلق ينظرون جميعًا ... كيف أبني قواعد المجد وحدي وفيها رسَم مصرَ تحوطها هالة من أمجادها الفرعونية، وما زال يعرض هذه الأمجاد في الفن والتشريع والسياسة، ثم عرض لغزاتها وكيف أن راميًا لم يرمها بسهم إلا رُد في نحره. وتحول الى الاستعمار البغيض، وصور كفاحنا وصراعنا له، وكيف نبني مصرنا الحديثة بناء شامخًا.

стр. 68

وهذه النزعة الوطنية يقترن بها في شعره نزعتان: عربية وإسلامية، وتبدو الأولى في كثير من قصائده، وخاصة في قصيدته التي تكلم فيها بلسان اللغة العربية، وقد نشرها في أول القرن حين كانت تهب عاصفة العامية ضد العربية، وهي من غُرَرِ قصائده، ومطلعها: رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتسبت حياتي١ وأما النزعة الإسلامية فتبدو في قصيدته العمرية التي قصرها على عمر بن الخطاب وأعماله، كما تبدو في شعر كثير له نظمه في الخلافة العثمانية؛ إذ كان المسلمون يتجهون إليها في أول القرن كما يتجهون إلى مكة، فهذه قلب الإسلام الخافق وتلك سنده الذي يذود عنه بالسلاح. وكل هذا كان في سبيل الغاية الجديدة من التغني بأهواء الجماهير. ونشأ عن ذلك أن أصبح شعرنا في كثير من جوانبه -وعلى الأخص عند هؤلاء الرواد- شعرًا صحفيًّا يصور أحداثنا السياسية. وانطلق الشعراء به يصورون الأحداث العالمية، فإذا انتصرت اليابان تغنَّى حافظ بالشرق وأمجاده، وإذا حدث بركان أو زلزال في صقع من الأصقاع ذهب يصور بؤس المنكوبين فيه، وكأنه يصور بؤسه وبؤس المصريين. وأخذ هو وغيره من الشعراء يصفون المخترعات، كأنهم يرون في ذلك مجاراة لروح العصر، وله شعر مختلف في القطار والطيارة والباخرة. وليس من شك في أن حافظًا كان بذلك مجددًا في شعره بالمقدار الذي يستطيعه؛ وهو تجديد يستجيب فيه لبيئته وعصره، أما الآداب الأجنبية فلم تسعفه معرفته لها بغذاء عقلي جديد. وقد نظم في موضوعات قديمة كالإخوانيات والخمريات والغزل، وهو فيها مقلد، وإن كان له جمال السبك والصياغة أحيانًا. وربما كان خير موضوع قديم أجاد فيه فن الرثاء، ومرجع ذلك إلى أنه كان يتفق وطبعه الحزين ونفسه القلقة الشاكية، وأيضًا فإنه كان

стр. 69

شديد التأثر بالشعب وآلامه، فإذا حزن الشعب لموت مصلح كبير مثل الشيخ محمد عبده أو مصطفى كامل انطبع هذا الحزن في نفسه. وعلى هذا النحو كان حافظ يشعر بما يشعر به شعبه شعورًا دقيقًا؛ لأن نفسه كانت خالصة، واستطاع أن يصوغ هذا الشعور في لغة جزلة متينة صياغة باهرة، وبذلك يتبوأ مكانته في تاريخ شعرنا الحديث.

стр. 70

٤- شوقي ١٨٦٩-١٩٣٢م: أ- حياته: في مهد من مهاد الترف والثراء وُلد شوقي سنة ١٨٦٩ لأب وأم تنحدر إليهما عناصر مختلفة، فقد كان أبوه يجري فيه الدم العربي والكردي والشركسي، وكانت أمه يجري فيها الدم التركي واليوناني؛ إذ كان أبوها تركيًّا من بطانة إبراهيم ومن خلفوه إلى إسماعيل، وأصبح في عهد الأخير وكيلًا لخاصته، أما أمها فكانت يونانية من سبي إبراهيم في بلاد المورة. فشوقي نشأ في بيئة أرستقراطية مترفة، وأخذ يختلف منذ سنته الرابعة إلى الكُتاب، ثم انتقل إلى المدارس الابتدائية والثانوية، فكان ذلك فرصة له ليختلط بأبناء الشعب وحياتهم الديمقراطية؛ ولكنه سرعان ما كان يعود إلى بيئته وما بها من نعيم الحياة. ولما أتم تعليمه الثانوي في سنة ١٨٨٥ ألحقه أبوه بمدرسة الحقوق ليدرس فيها القانون، وأُنشئ بها قسم للترجمة فالتحق به. وفي هذه المدرسة تعرَّف إلى أستاذه في العربية الشيخ محمد البسيوني، وكان قد أخذ يتفجر ينبوع الشعر على لسانه، فأعجب به أستاذه، وكان هو الآخر يجيد نظم الشعر إلا أنه لم يكن يفهم منه

стр. 71

إلا مديح الخديو توفيق في المواسم والأعياد. فدفع تلميذه في هذا الاتجاه. وتخرج شوقي في قسم الترجمة سنة ١٨٨٧، فعينه توفيق بالقصر، ثم أرسله في بعثة إلى فرنسا ليدرس الحقوق، فانتظم في مدرسة بمبونبلييه لمدة عامين، ثم انتقل إلى باريس، وظل بها عامين آخرين، حصل فيهما على إجازته النهائية. وهُيئت له فرص مختلفة ليذرع فرنسا طولًا وعرضًا، وليزور لندن وبلاد الإنجليز. وكان طوال إقامته في باريس يشاهد مسارحها ويتصل بحياتها الأدبية، وأقبل على قراءة فيكتور هيجو ودي موسيه ولافونتين ولامرتين، وترجم للأخير قصيدة البحيرة شعرًا. وعاد شوقي إلى مصر، فعمل رئيسًا للقسم الإفرنجي بالقصر، وسرعان ما أصبح شاعر عباس، بل سرعان ما أصبحت له حظوة كبيرة عنده، فقد جعل له تدبير كثير من الأمور وتصريفها، وأصبح مقصد طلاب الجاه والرتب والألقاب. وأمضى في هذا العمل الرتيب عشرين عامًا هي زهرة حياته. ومن محاسن الصدف أنه تزوج من سيدة ثرية كانت مثالًا للزوجة الصالحة، وقد رزق منها بابنيه علي وحسين وابنته أمينة. وكان أهم ما يعجب عباسًا فيه مدائحه له في أعياد حكمه لمصر وفي كل مناسبة كبيرة تمر به. وأخذ شوقي يدور معه في كل أهوائه السياسية، فتارة يمدح له الخليفة العثماني الذي كان يبتغي رضاه، وتارة يلوم الإنجليز ويندد بهم حين يغاضبهم وينازعهم بعض السلطان. ولم يكن شوقي حينئذ يختلط بالشعب؛ لذلك تفوق عليه حافظ في ميدان الوطنية وما يتصل بها من عواطف الجمهور السياسية؛ إذ كان ابن الشعب وكان يحس آلامه في عمق وقوة. ومن المحقق أن شوقي لم تكفل له حريته في هذه الحقبة؛ إذ كان مشدودًا بحكم وظيفته إلى القصر وصاحبه، ولكنه مع ذلك حاول أن يفرغ لنفسه ولفنه، فنظم على ألسنة الحيوان شعرًا على نسق ما قرأه في الفرنسية للشاعر لافونتين. وحاول محاولة أروع من تلك المحاولة؛ إذ قرأ عند بعض الشعراء الفرنسيين شعرًا تاريخيًّا رائعًا من مثل "أساطير القرون" لفيكتور هيجو، فرأى أن ينظم على هذا المثال قصيدته الطويلة "كبار الحوادث في وادي النيل"، وألقاها في مؤتمر

стр. 72

المستشرقين الذي انعقد في سنة ١٨٩٤. واستمر طويلًا في هذا الاتجاه، فنظم فرعونياته المشهورة في أبي الهول والنيل وتوت عنخ آمون وقصر أنس الوجود. ومدَّ شعره إلى ينابيع الإسلام، فاستقى منها قصائد رائعة في مديح الرسول، من مثل الميمية التي عارض فيها بردة البوصيري، كما استقى في شعره أحيانًا من ينابيع العروبة. وكل ذلك معناه أنه كان يريد الانطلاق من قيود القصر وصاحبه والتحليق في آفاق أوسع وأرحب. وأُعلنت الحرب العالمية الأولى وكان عباس غائبًا بتركيا، فمنعه الإنجليز من دخول مصر، وأقاموا عليها السلطان حسين كامل، وأخذوا يُبعدون عن القصر من يستشعرون الولاء لعباس، ولم يسكت شوقي؛ بل نظم قصيدة تحدث فيها عن الحماية التي أعلنتها إنجلترا على مصر، وقال فيها: "إن الرواية لم تتم فصولًا". فنفاه الإنجليز إلى إسبانيا، وظل بها طوال الحرب هو وأسرته، وهناك أخذ ينظم قصائده في أمجاد العرب ودولتهم الزاهرة التي اندثرت في الأندلس، ويضمنها حنينًا شديدًا إلى وطنه. ورجع إلى مصر، فوجد أرضها تخضبها دماء شبابنا في ثورتنا الوطنية الأولى، ولم تلبث حريتنا أن رُدت إلينا، كما ردت حرية شوقي إليه. ومن هنا تبدأ الدورة الثانية في حياته الأدبية، فإنه لم يعد يفكر في القصر ولا في وظيفته فيه، فقد أصبح حرًّا طليقًا، وهيأ له ثراؤه أن ينعم إلى أقصى حد بهذه الحرية، فخلص لفنه ولشعبه وأخذ يغنيه أغاني وطنية رائعة. ولم يكن يبدأ هذه الأغاني حتى بذ حافظًا الذي كان يتفوق عليه في هذا المجال قبل الحرب وقبل توظفه في دار الكتب المصرية. ومرجع ذلك أن فنه كان أروع من فن حافظ، فلما اتجه به إلى تصوير عواطفنا الوطنية وحياتنا السياسية بلغ من ذلك الغاية التي لا تمتد إليها الأعناق. ولم يُغنِّ مواطنيه وحدهم أهواءهم وعواطفهم السياسية؛ بل أخذ يغني الشعوب العربية أهواءها وعواطفها القومية، وله في ثورات سوريا على الفرنسيين

стр. 73

قصائد باهرة. ولا نبالغ إذا قلنا: إنه كان بشيرًا بفكرة الجامعة العربية التي تأسست من بعده، فشعره في هذه الدورة من حياته يَفيض بالوَحْدَة العربية، وأن العرب جسم واحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ومن أبياته الدائرة في نوادي العرب ومجالسهم قوله: ونحن في الشرق والفصحى بنور حم ... ونحن في الجرح والآلام إخوان وقوله: كلما أنَّ بالعراق جريح ... لمس الشرق جنبه في عمانه وبمثل هذا الشعر الذي نظمه في العرب، وبما نظمه من سياسيات ووطنيات في قومه، احتل شوقي مكانة مرموقة في سِنيه الأخيرة، فلما أعاد طبع ديوانه "الشوقيات" في سنة ١٩٢٧ أقيم له حفل تكريم عظيم، اشتركت فيه الحكومة المصرية والبلاد العربية؛ إذ قدمت منها وفود مختلفة تمجِّد شاعر مصر وتشيد بعبقريته ونبوغه. وقد وضع الشعراء في هذا الحفل على مفرقه تاج إمارة الشعر لا في مصر وحدها؛ بل في سائر الأقطار العربية. وأعلن حافظ هذا التتويج أو هذه البيعة قائلًا: أميرَ القوافي قد أتيتُ مبايعًا ... وهذي وفود الشرق قد بايعت معي ولم تسترح نفس شوقي الكبيرة عند هذا الظفر العظيم؛ بل طمحت إلى أن تحقق أملًا منشودًا كان يراود دعاة التجديد عندنا منذ أوائل القرن الحاضر، وهو إدخال الشعر التمثيلي إلى دوائر شعرنا العربي، فنظم مسرحياته التي تحدثنا عنها في غير هذا الموضع، ولقيت نجاحًا منقطع النظير، ورأى أن يصوغ بعض الأزجال للغناء، فنظم منها طائفة بديعة من مثل زجله: النيل نجاشي ... حليوه أسمر عجب للونه ... دهب ومرمر غير أن قيثارة الشعر العربي لم تلبث أن سقطت من يده في أكتوبر سنة ١٩٣٢ فلبى داعي ربه، مخلفًا لمصر والبلاد العربية تراثه الشعري الخالد.

стр. 74

ب- شعره: تتشابك في تكوين شاعرية شوقي وشخصيته الأدبية عناصر كثيرة، منها الجنسي ومنها الثقافي، أما من حيث الجنس فقد التأمت فيه خمسة عناصر، جعلته عربيًّا كرديًّا تركيًّا شركسيًّا يونانيًّا، وازدواج هذه العناصر الجنسية فيه يؤذن منذ أول الأمر بأنه سيكون شاعرًا كبيرًا، وخاصة أنه يجمع بين الجنسين العربي واليوناني، اللذين يشتهران من قديم بالشعر والشاعرية. وأما من حيث الثقافة فقد حذق العربية والفرنسية، وتلقَّن التركية في بيته، ولكن أثرها لم يكن واسعًا في فنه سوى بعض أبيات ترجمها منها وأثبتها في ديوانه، أما تيارا العربية والفرنسية فيجريان واضحين في شعره، وكان للتيار الأول الغلبة، فهو الذي تتدفق في شعره مياهه أروع ما يكون التدفق وأبهجه. وكان أكبر نبع يستقى منه هذه المياه كتاب "الوسيلة الأدبية" للشيخ حسين المرصفي، وهو يضم بين دفتيه أروع ما للقدماء من نماذج كما يضم بعض نماذج البارودي الحديثة، ولم يكد يلم شوقي بهذه النماذج الأخيرة حتى احتواها لنفسه وفنه، فقد تمثلها تمثلًا رائعًا. وعكف على تمثل النماذج العباسية عند أبي نواس والبحتري وأبي تمام والمتنبي والشريف الرضي وأبي فراس وأمثالهم، وكان إعجابه شديدًا بالبحتري والمتنبي خاصة. وسُرعان ما اهتدى إلى أسلوبه، وهو أسلوب يسلك نفس الدروب التي سلكها البارودي من قبله، أسلوب يقوم على الاحتذاء للقوالب العباسية، ولا يجد صاحبه جرحًا في أن يعارض أصحابها؛ بل يعلن ذلك إعلانًا كما كان يعلنه سلفه، فتلك أمارة الإجادة الفنية، وهي إجادة تقوم على بعث الصياغة القديمة وإحيائها. وعلى هذا النحو استطاع شوقي أن يكوِّن لنفسه أسلوبًا أصيلًا، أسلوبًا لا يتحرر من القديم؛ ولكن في الوقت نفسه يعبر عن الشاعر وعصره وكل

стр. 75

ما يريد من معانٍ وأفكار، وهو أسلوب يقوم على الجزالة والرصانة والمتانة والقوة؛ بحيث تؤلف الكلمات ما يشبه البناء الضخم الشاهق. وهو في ذلك يقترب من ذوق البارودي بأكثر مما كان يقترب حافظ، فقد كان بحكم نشأته في الشعب يميل أكثر منهما إلى لغته، فكان يستخدم في كثير من شعره لغة الصحف السهلة. أما شوقي والبارودي جميعًا فكانا يميلان إلى تقليد العباسيين، وكانا لذلك أكثر منه محافظة على التقاليد الفنية الموروثة. وليس معنى ذلك أن صياغة شوقي لا تفترق عن صياغة البارودي في شيء، فشعره أكثر سلاسة من شعر أستاذه، وكأنما أشربت روحه روح البحتري، فموسيقاه أكثر صفاء وعذوبة من موسيقى البارودي، وكأنه كان يعرف أسرار مهنته معرفة دقيقة، وخاصة من حيث الصوت وما يتصل به من أنغام وألحان، ولعل ذلك ما جعل شعره أطوع للغناء من شعر صاحبيه البارودي وحافظ معًا، فقد أكثر المغنون في عصرنا من تلحين شعره وتوقيعه. وربما كانت موسيقاه أروع خصاله الفنية، فلا تستمع إلى شيء من شعره حتى تعرفه، وإن لم يذكر لك اسمه ما دامت أذنك قد تعودت سماع شعره، وثبتت في نفسك نغماته التي تتوالى نغمة حلوة بجانب نغمة حلوة. ولا نغلو إذا قلنا: إن شعره يؤلف أروع ألحان عرفت في عصرنا الحديث؛ إذ نراه يعتصر من الألفاظ والأساليب خير ما فيها من ألحان، تسعفه في ذلك فطرة موسيقية رائعة، تقيس قياسًا دقيقًا ذبذبات الحروف والحركات وتآلف النغم في الألفاظ والكلمات. وهذه الخصلة الموسيقية في شعره تسندها عنده خصلة التصوير البارع؛ إذ كان يعرف كيف يفيد من كنوز التشبيهات والاستعارات القديمة، ولم يكن يكتفي بذلك؛ بل كان يضيف إلى هذا الاستغلال للقديم كثيرًا من الأخيلة الحالمة. ويتضح ذلك في جوانب كثيرة من شعره، وخاصة حين يعمد إلى الوصف أو إلى الفرعونيات والتاريخ، وقصيدته في "قصر أنس الوجود" لوحة باهرة. ومن رائع أخيلته قوله على لسان توت عنخ آمون، وقد تخيل أنه بُعِثَ من
следующие страницы →