← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9983

منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر

على عبد الباسط مزيد

Полный текст (470 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والاعتبار، ولا يخلو الحديث عن رسول الله ﷺ من يكون خيرًا أو شرًّا، فإن كان خيرًا -ولا شك في أنه خير- فالإكثار من الخير أفضل، وإن كان شرًّا فلا يجوز أن يُتوهم أن عمر يوصيهم بالإقلال من الشر١. وهذا يدلك أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن؛ لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه. وذكر مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز عن قيس بن عبادة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: من سمع حديثًا فأداه كما سمع فقد سلم. ومما يدل على هذا ما ذكرناه فيما يروى عن عمر أنه كان يقول: تعلموا الفرائض والسُّنة كما تتعلمون القرآن. فسوى بينهما. وكتب عمر: تعلموا السُّنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن. قالوا: اللحن معرفة وجوه الكلام وتصرفه والحجة به، وعمر هو الناشد للناس في غير موقف؛ بل في مواقف شتى: من عنده علم عن رسول الله ﷺ في كذا، نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها، وفي الجنين يسقط ميتًا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك. وكيف يتوهم على عمر ما توهمه الذين ذكرنا قولهم وهو القائل: "إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها". وعمر أيضًا هو القائل: خير الهدى هدى محمد ﷺ . وهو القائل: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. ثم يقول ابن عبد البر: وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة متفقة، ويخرج معناها على أن من شك في شيء تركه، ومن حفظ شيئًا وأتقنه جاز له أن يحدث به، وإن كان الإكثار يحمل الإنسان على التقَحُّم٢ في أن يحدث بكل ما سمع من جيد ورديء، وغث وسمين، وقد قال رسول الله ﷺ :

стр. 72

صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم١. ولو كان مذهب عمر ما ذكرنا؛ لكانت الحجة في قول رسول الله ﷺ دون قوله، فهو القائل: "نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها وبلغها"، وقال النبي: "تسمعون ويُسمع منكم" رواه أبو داود والإمام أحمد والحاكم٢. ويقول الخطيب البغدادي: إن قال القائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله ﷺ وتشديده عليهم في ذلك؟ قيل له: فعل ذلك عمر احتياطًا للدين وحسن نظر للمسلمين؛ لأنه خاف أن يتكلوا عن الأعمال، ويتكلوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها، ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يرد الحديث مجملًا ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أن يُحمل حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه، والحكم بخلاف ما أُخذ، ونحو من هذا. الحديث الآخر عن معاذ قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار له يقال له: عُفَيْر، فقال: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله"؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب مَن لا يشرك به"، قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا، فيتكلوا" ٣. وفي تشديد عمر على الصحابة في رواياتهم حِفْظٌ لحديث رسول الله ﷺ وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يُدخل في السنن ما ليس منها؛ لأنه إذا رأى الصحابي المقبول القول، المشهور بصحبة النبي ﷺ قد تُشُدِّدَ عليه في

стр. 73

روايته، كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب، وبهذا يسلم حديث رسول الله ﷺ فلا يتطرق إليه الكذب، ولا يزاد عليه ما ليس منه١. وروى الخطيب عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية على المنبر بدمشق يقول: "يأيها الناس، إياكم وأحاديث رسول الله ﷺ إلا حديثًا كان يذكر على عهد عمر ﵁ فإن عمر كان يخيف الناس في الله "٢. وإلى هذا المعنى الذي ذكرناه ذهب عمر في طلبه من أبي موسى الأشعري أن يحضر معه رجل يشهد أنه سمع من رسول الله ﷺ حديث السلام؛ لكن فعله على الوجه الذي بيناه من الاحتياط؛ لحفظ السنن والترهيب في الرواية، والله أعلم. انتهى٣. فلقد كان الصحابة جميعًا يتثبتون في الحديث، ويتأنون في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدثون بشيء إلا وهم واثقون من صحته، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تقضي إلى ذلك، فاتبعوا منهجًا سليمًا يمنع الشوائب من أن تدخل السُّنة النبوية فتفسدها. وتميز في حمل لواء هذه المحافظة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد ظهر لنا -مما رُوى عنه- اهتمامه الكبير بالسُّنة النبوية وإجلاله للحديث الشريف، وإن الأخبار التي رُويت عنه في هذا الشأن ليدعم بعضها بعضًا في سبيل نشر العلم والحرص على سلامة السُّنة؛ ومن ثَم ليس لأحد أن يرى تناقضًا بين وصية عمر لأهل العلم والآثار الأخرى المروية عنه، فهو إذا طلب الإقلال من الرواية، فإنما يطلبه من باب الاحتياط لحفظ السنن والترهيب في الرواية، وأما من كان يتقن ما

стр. 74

يحدث به ويعرف فقهه وحكمه، فلا يتناوله أمر عمر ﵁ فكل ما ورد عن أمير المؤمنين إنما يدل على المحافظة على السُّنة ونشرها وتبليغها صحيحة، والسبيل إلى ذلك أن يتثبت حاملوها من مروياتهم، والإقلال من الرواية مظنة عدم الوقوع في الخطأ؛ ولهذا أمر به ﵁ وهذا ما رآه ابن عبد البر والخطيب البغدادي من أئمة الحديث، وإليه أذهب، وبه أقول، فالصحابة لم يزهدوا في السُّنة؛ بل كان لهم الفضل الأول في المحافظة عليها١. وثَمَّة رواية عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه حبس بعض الصحابة؛ لأنهم أكثروا الرواية عن رسول الله ﷺ ! وقد ناقش بعض العلماء هذه الرواية وردوها: روى الحافظ الذهبي٢ عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة: "ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ ". هؤلاء ثلاثة من أجلة أصحاب الرسول ﷺ وأتقاهم وأورعهم، هل يُعقل من مثل عمر بن الخطاب أن يحبسهم؟! وهل يكفي لحبسهم أنهم أكثروا من الرواية؟ وقد ناقش ابن حزم هذا الخبر وردَّه وقال: "هذا مرسل ومشكوك فيه من "شعبة" فلا يصح، ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ سنن رسول الله ﷺ إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وألا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على النبي ﷺ فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلًا، ولئن

стр. 75

كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما ... ". ثم قال: "وقد حدث عمر بحديث كثير؛ فإنه قد روى خمسمائة حديث ونيفًا على قرب موته من موت النبي ﷺ فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية منه إلا بضعة عشر منهم"١. قال الدكتور محمد عجاج الخطيب: ولو سلمنا جدلًا بصحة الرواية فهناك خلاف في المحبوسين، فالذهبي يذكر: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، بينما يذكر ابن حزم: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، فهل تكرر الحبس من عمر؟ ولو تكرر لاشتهر، ثم إن حادثة كهذة سيطير خبرها في الآفاق من غير أن تحتمل الشك في المحبوسين؛ لأنهم من أعيان الصحابة، ولو سلمنا أن العبرة في الحادثة نفسها من حيث حبسه بعض الصحابة دون نظر إلى أعيانهم وأشخاصهم؛ لأنهم أكثروا الرواية، قلنا: قد كان غير هؤلاء أكثر منهم حديثًا ولم يردنا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضًا دون بعض في قضية واحدة هم فيها سواء، وهي الإكثار من الحديث، معاذ الله أن يفعل هذا عمر ﵁ فيحبس هؤلاء ويترك أبا هريرة مثلًا وهو أكثر حديثًا منهم، فقد رُوي عن أبي هريرة "٥٣٧٤" خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، وعن ابن مسعود "٨٤٨" ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثًا، وعن أبي الدرداء "١٧٩" مائة وتسعة وسبعون حديثًا، وعن أبي ذر "٢٨١" مائتان وواحد وثمانون حديثًا٢. فإن قيل: إن أبا هريرة لم يكثر من الرواية في عهد عمر ﵁ لأنه خشيه. فنقول: لِمَ لَمْ يخشه هؤلاء؟

стр. 76

إن عمر نفسه سمح لأبي هريرة أن يروي عن رسول الله ﷺ عندما عرف ورعه وخشيته من الله روى الذهبي عن أبي هريرة ﵁ قال: "بلغ عمر حديثي فأرسل إليَّ، فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله ﷺ في بيت فلان؟ قلت: نعم، وقد علمت لأي شيء سألتني. قال: ولِمَ سألتك؟ قلت: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، قال: أما لا، فاذهب فحدث١. ومن جهة أخرى، فإن عمر ﵁ عندما أرسل عبد الله بن مسعود إلى أهل الكوفة كتب إليهم: "إني والله الذي لا إله إلا هو، أثرتكم به على نفسي فخذوا منه"٢، وذكر عمرُ ابنَ مسعود فقال: كنيف مليء علمًا، آثرت به أهل القادسية٢. كيف يأمر الناس بالأخذ منه، ويشهد له بالعلم، ثم يحبسه؟! وما ورد على حبس ابن مسعود ﵁ يرد على حبس الصحابة الباقين، ففيهم أبو الدرداء ﵁ إمام الشام وقاضيها ومعلمها القرآن. وبهذا البيان لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر للصحابة ﵃ لأنهم أكثروا من الرواية عن رسول الله ﷺ بل إنه يُروى عن ابن مسعود أنه نهى عن الإكثار من الرواية، فهل يُتصور منه أن ينهى عن شيء وهو يفعله؟! وقد رُوي عنه قوله: "ليس العلم بكثرة الحديث؛ ولكن العلم الخشية"٣. وفي رواية سعد بن إبراهيم عن أبيه -التي ذكرها الخطيب- ما يدل على أنه استبقاهم في المدينة حتى عرف لفظهم سواء، وهذه هي رواية الخطيب. قال: بعث عمر بن الخطاب ﵁ إلى عبد الله بن مسعود ﵁ وإلى أبي الدرداء ﵁ وإلى أبي مسعود الأنصاري ﵁ فقال: ما هذا الحديث الذي

стр. 77

تكثرون عن رسول الله ﷺ ؟ فحبسهم بالمدبنة حتى استشهد لفظهم سواء١. فيكون هذا من باب تثبت عمر ﵁ في الحديث، وهذه الرواية تثبت أنه لم يزجَّ بهم في السجن؛ بل استبقاهم في المدينة ريثما يتثبت من لفظهم، فإن صح هذا فلا ضير عليهم. ومما يؤكد لنا أنه لم يحبس أحدًا -وهو ما استنبطناه من مناقشة الروايات السابقة- ما يرويه الرامهرمزي عن شيخه ابن البري من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي ﷺ فيهم ابن مسعود وأبو الدرداء فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ قال أبو عبد الله بن البري: يعني منعهم الحديث ولم يكن لعمر حبس"٢، فقد فسر ابن البري الخبر تفسيرًا جيدًا وإن جاء مقتضبًا، فهو يريد أنه منعهم كثرة الحديث خوفًا من ألا يتدبر السامعون كلام رسول الله ﷺ إذا كثر عليهم. فالخلاصة أن ما ورد من أخبار حول حبس عمر ﵁ للصحابة؛ لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله ﷺ أخبار فيها نظر. وفي عهد التابعين ازداد النشاط العلمي لانتشار الصحابة في الأمصار، ثم ما لبث التابعون أن تصدروا للرواية، ومع هذا سلكوا سبيل الصحابة، وساروا على نهجهم، فكانوا على جانب عظيم من الورع والتقوى، وليس بعيدًا ما نقول لأنهم تخرجوا في مدارس الصحابة تلامذة رسول الله ﷺ . فنسمع الشعبي -وهو أحد كبار التابعين الحفاظ الثقات- يقول: ليتني أنفلت من علمي كفافًا لا لي ولا عليَّ٣، وكأنه يشعر بأنه أكثر من التحديث فيقول: "كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث"٤. وكان شعبة بن الحجاج يقول: التدليس في الحديث أشد

стр. 78

من الزنا، ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلَيَّ من أن أدلِّس١. وفي رواية عنه أنه كان يقول: لأن أقع من فوق هذا القصر -لدار حياله٢- على رأسي أحب إليَّ من أقول لكم: قال فلان، لرجل ترونه، أني قد سمعت ذاك منه ولم أسمعه٣. ومنهم من كان يقتصد في رواية الحديث على طلابه؛ ليفهموا ما يحدثهم به ويعقلوه ويتدبروه، ومن هذا ما رواه خالد الحذاء قال: كنا نأتي أبلا قلابة، فإذا حدثنا بثلاثة أحاديث قال: قد أكثرتُ٤، ويؤكد هذا ما قاله ابن عبد البر: إنما عابوا الإكثار خوفًا من أن يرتفع التدبر والتفهم، ألا ترى إلى ما حكاه بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: "سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير فأجبته، فقال لي: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت: بالحديث الذي حدثتني أنت، ثم حدثته، فقال لي: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يُجمع أبواك٥، ما عرفت تأويله إلى الآن٦"، وروي نحو هذا: أنه جرى بين الأعمش وأبي يوسف وأبي حنيفة، فكان من قول الأعمش: "أنتم الأطباء ونحن الصيادلة٧"٨.

стр. 79

الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف أبو هريرة راوية الإسلام ... الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف هناك كوكبة من الصحابة الأخيار الذين أكثروا من رواية الحديث الشريف، وقد اعتبر العلماء أن من رَوى أكثر من ألف حديث يُعد مكثرًا، وأشهر هؤلاء الصحابة سبعة هم على الترتيب: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- وفيهم أُنْشِدَ: سبْعٌ من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... من الحديث عن المختار خير مضر أبو هريرة سعد جابر أنس ... صدِّيقة وابن عباس كذا ابن عمر ١- أبو هريرة راوية الإسلام ١: هو عبد الرحمن بن صخر بن ثعلبة بن سُليم بن فهم بن غنم بن دوس اليماني، وكان اسمه في الجاهلية "عبد شمس"، وقيل غير ذلك، فسماه النبي ﷺ "عبد الرحمن"، وأمه "ميمونة بنت صخر" وقيل "أميمة"، وكنيته "أبو هريرة"، و "أبو هِر" بسبب هرة حملها في كُمه، أو هرة كان يداعبها. وهو من قبيلة دَوْس اليمنية، تُوفي والده وهو صغير فنشأ يتيمًا، وكان بعيد المنكبين، أبيض، ذا ضفيرتين، أفرق الثنيتين، يُخضب شيبه بالحمرة.

стр. 80

أسلم قديمًا قبل الهجرة وهو بأرض قومه على يد "الطفيل بن عمرو الدوسي"، وكان رجلًا شريفًا شاعرًا مضيافًا، وكانت قريش تعرف منزلته في قومه. وهاجر من اليمن إلى المدينة في أيام فتح خيبر، وقد لازم النبي ﷺ إلى آخر حياته، وكان يلازمه في حله وترحاله في ليله ونهاره حتى حمل عنه الحديث الكثير ... وقد أسلمت أمه بعد الهجرة وفرح بإسلامها فرحًا شديدًا. وقد أرسله النبي ﷺ مع العلاء الحضرمي إلى البحرين؛ لنشر الإسلام وتعليم الناس أمور دينهم. وكانت خيبر أول غزوة شارك فيها مع الرسول ﷺ ثم شهد جميع غزواته بعدها، وقاتل مع أبي بكر في حرب الردة، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ... " الحديث، وفيه المناقشة التي دارت بين أبي بكر وعمر، وفي آخره: "قال أبو هريرة: فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدًا"١. ولما وُلِّيَ عمر استعمله على البحرين، ودافع عن عثمان في الفتنة. وفي عهد "معاوية" ولاه على المدينة، كما ولى "مروان بن الحكم"، فكان إذا غضب من أبي هريرة ولى مروان، وإذا غضب من مروان ولى أبا هريرة. ورَوى عنه نحو ثمانمائة من الصحابة والتابعين. وتوفي بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة عن ثمانية وسبعين عامًا، وقيل: توفي "٥٨هـ"، وقيل: "٥٩ هـ". لقد كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم٢.

стр. 81

وأبو هريرة كغيره من الصحابة مُعدَّل بتعديل الله تعالى له في كتابه، ومُنزه عن الكذب والتقول على رسول الله ﷺ ، والصحابة جميعًا ملتزمون بما وعَوْه من توجيهات وتحذيرات نبوية، وخاصة قوله ﷺ : "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١. - محفوظات أبي هريرة: لقد بلغت محفوظات أبي هريرة ﵁ حدًّا يثير الدهشة والإعجاب، إلا أنها دهشة تزول وإعجاب ينمحي حين يعلم المرء أن ذلك ببركة دعاء النبي ﷺ له بكثرة الحفظ وعدم النسيان. ولم يُحدِّث أبو هريرة بكل ما علم من رسول الله ﷺ قال أبو هريرة: "حفظت من رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقُطع هذا البلعوم"٢. وقال أيضًا: "لو أنبأتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخرق٣ وقالوا: أبو هريرة مجنون". وفي رواية: "لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر"، قال الحسن راوي الحديث عن أبي هريرة: صدق والله! لو أخبرنا أن بيت الله يُهدم أو يُحرق ما صدقه الناس٤. وفي رواية: "يقولون: أكثرت يا أبا هريرة، والذي نفسي بيده لو حدثتكم بكل شيء سمعتُه من رسول الله ﷺ لرميتموني بالقشع -يعني بالمزابل- ثم ما نظرتموني"٥.

стр. 82

- مرويات أبي هريرة: اجتمعت عدة أسباب جعلت أبا هريرة أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثًا عن رسول الله ﷺ : ١- حبه للرسول ﷺ . ٢- دعاء الرسول ﷺ له بالحفظ. ٣- ملازمته له ﷺ . ٤- حرصه على طلب الحديث. ٥- جرأته في السؤال. ٦- مذاكرته لحديث الرسول ﷺ . ٧- وأنه عاش "٧٨" عامًا أتاحت له فرصة رواية قدر كبير من الحديث الشريف. - له في الصحيحين "٦٠٩"، منها "٣٢٦" متفق عليها، و"٩٣" انفرد البخاري بروايتها له، و"١٩٠" انفرد مسلم بروايتها له. - وروى له أصحاب السنن الأربعة والإمام مالك في الموطأ "١٦٠٩". - وروى له الإمام أحمد في مسنده "٣٨٤٨" بالمكرر، ويصفو له بعد حذف المكرر عدد كبير جدًّا. - وروى له الإمام بقي بن مخلد "٢٠١-٢٧٦هـ" في مسنده "٥٣٧٤". - وجمع أبو إسحاق إبراهيم بن حرب العسكري "ت٢٨٢هـ" مسند أبي هريرة، وتوجد نسخة منه في خزانة كوبرلي بتركيا١.

стр. 83

روى الشيخان أن أبا هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي ﷺ ، إني كنت امرأً مسكينًا، صحبت النبي ﷺ على بطني، وكان المهاجرون تشغلهم التجارة في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي ﷺ مجلسًا، فقال: "مَن يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئًا سمعه مني"؟ فبسطت ردائي عليَّ حتى قضى حديثه ثم قبضتها إليَّ، فوالذي نفسي بيده لم أنسَ شيئًا سمعته منه صلى الله عليه وسلم١. ورَوى النسائي وغيره أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة؛ فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا النبي ﷺ حتى جلس إلينا فسكتنا فقال: "عودوا إلى الذي كنتم فيه". قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي وأسألك علمًا لا يُنسى، فقال رسول الله ﷺ : "آمين"، فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي٢. وقد شهد له إخوانه من الصحابة بكثرة أحاديثه التي سمعها من رسول الله ﷺ ومن ذلك: أن رجلًا جاء إلى طلحة بن عُبيد الله ﵁، فقال: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني -يعني أبا هريرة- أهو أعلم بحديث رسول الله منكم، نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم هو يقول عن رسول الله ما لم يقل؟ قال: أما أن يكون سمع ما لم نسمع فلا أشك، سأحدثك عن ذلك: إنا

стр. 84

كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار، وكان مسكينًا ضيفًا على باب رسول الله ﷺ يده مع يده، فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول عن رسول الله ﷺ ما لم يقل١. وفي رواية: قد سمعنا كما سمع، ولكن حفظ ونسينا٢. فقد كان أعلم الصحابة بالسُّنة وأحفظهم لها، ومما يدل على ذلك ما رُوي عن أبي هريرة بسند صحيح أنه قال: أخذَتِ الناسَ ريحٌ بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح، فلم يرجعوا إليه شيئًا، فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته فقلت: يا أمير المؤمنين، أُخبرتُ أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الريح من رَوْح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها" ٣. وكان هذا الحديث دليلًا قاطعًا على قناعة عمر ﵁ بحفظ أبي هريرة بالرغم من كثرة حديثه٤. وروى الوليد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حدَّث عن النبي ﷺ قال: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها وتبعها فله قيراطان"، فقال عبد الله بن عمر ﵄: انظر ما تُحدِّث، فإنك تكثر من الحديث عن النبي ﷺ فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ذلك فقالت: صدق أبو هريرة! ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، إنه والله ما كان يشغلني عن رسول الله ﷺ الصفق في الأسواق، إنما كان يهمني كلمة من رسول الله ﷺ يُعَلِّمنيها، أو

стр. 85

لقمة يطعمنيها١. وفي رواية: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس بالوادي وصفق بالأسواق٢. فقال ابن عمر ﵄: "أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه"٣. وفي رواية: "أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأحفظنا لحديثه"٤. وعن أشعث بن سُليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب "الأنصاري" يحدث عن أبي هريرة، فقيل له: أنت صاحب رسول الله ﷺ ، وتحدث عن أبي هريرة؟! فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني أن أحدث عنه أحب إليَّ من أن أحدث عن رسول الله ﷺ ؛ يعني: ما لم أسمعه منه٥. ومن أهم العوامل التي أتاحت له كثرة مسموعاته وضخامة مروياته ملازمته للنبي ﷺ : روى قيس بن حازم عن أبي هريرة: صحبت النبي ﷺ ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني، ولا أحب إليَّ أن أعي ما يقول رسول الله ﷺ فيهن٦. ومن العوامل التي ساهمت في كثرة مسموعاته وأتاحت له كثرة رواياته: - جرأته في سؤال الرسول ﷺ : قال أُبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئًا على النبي ﷺ يسأله عن أشياء لا نسأله عنها٧.

стр. 86

ومن العوامل أيضًا: المداومة على مراجعة ما يحفظ ويأخذ عن رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة: إني لأجزِّئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا للقرآن، وجزءًا أنام، وجزءًا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم١. - ثبات حفظه وقوة ذاكرته: قال أبو الزعيزعة كاتب مروان: دعا مروان أبا هريرة فجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير، وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان رأس الحول دعا به، فأقعده من وراء حجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخَّر٢، وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم٣. - هل وضع أبو هريرة الأحاديث كَذِبًا على رسول الله ﷺ ؟ قد اتهم عبد الحسين وأبو رية أبا هريرة بالكذب على رسول الله ﷺ إرضاء للأمويين ونكاية بالعلويين٤، وأبو هريرة بريء من كل هذا، وقد أوردا أخبارًا ضعيفة وموضوعة لا أصل لها٥. مواقف عملية تتنافَى مع اتهامه بالكذب في السُّنة لأهواء شخصية: هناك العديد من المواقف التي تحسب لأبي هريرة ﵁ وتتنافى مع أي تهمة توجه إليه بالكذب أو التهاون في الحديث الشريف، ومنها ما يأتي:

стр. 87

الأول: أنه كان معروفًا بكثرة العبادة والنسك والزهد، قال أبو هريرة: إني لأجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا للقرآن، وجزءًا أنام، وجزءًا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم١. الثاني: أنه عارض مروان بن الحكم -والي المدينة- يوم أراد المسلمون دفن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ مع جده سيدنا محمد ﷺ وقال لمروان: تدَّخَّل فيما لا يعنيك؟! الثالث: وقف ضد الثوار مع الصحابة يدافع عن عثمان بن عفان ﵁. الرابع: وقف محايدًا في الفتنة التي قامت بين علي ومعاوية ﵄ ولم ينضم مع أحد الفريقين. قال الدكتور رفعت فوزي: "وكان موضع ثقة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكانت أحاديثه محل عناية الفقهاء وأئمة المجتهدين في مختلف أمصار الإسلام"٢. ودخل رجل على "طلحة بن عبيد الله" فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري! هذا اليماني -يعني أبا هريرة- أعلم برسول الله منكم، أو يقول على رسول الله ما لم يسمع أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع، وكان يدور معه حيثما دار، فما نشك أنه علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع. وفي رواية: كان أبو هريرة رجلًا مسكينًا يلزم رسول الله ﷺ يأكل معه، فوالله ما أشك أنه قد سمع ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.

стр. 88

ولقد كان أبو هريرة ﵁ أحرص الصحابة على سماع الحديث، ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أولَى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" ١. ومما يدل على حرصه على رواية الحديث الشريف قوله: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] ٢ إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"٣. فإذا كان أبو هريرة ألزم الصحابة بالرسول ﷺ وأنه كان يدور معه حيثما دار ويحضر ما لا يحضرون -بشهادة الصحابة أنفسهم- فمن البدهي إذن أن يكون أكثر الصحابة حفظًا للحديث الشريف، ومعرفة بما كان عليه رسول الله ﷺ . وحرصه على التبليغ كان انطلاقًا من الآيات التي تحذر من كتم العلم، وانطلاقًا من قول النبي ﷺ في مواقف عديدة: "اللهم هل بلغت، فليبلغ الشاهد الغائب" ٤،

стр. 89

وقوله: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع" ١، وقوله: "من سئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار يوم القيامة" ٢، ونحو ذلك. فلهذا كان من الطبيعي أن يبلغ أبو هريرة الناس أكثر مما يبلغهم غيره؛ فهو أكثر الصحابة سماعًا للحديث وأكثرهم رواية له، وقد أقرت الصحابة بذلك ولم يشكوا في سماعه البتة. ومن جهة أخرى، قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي: "إن أحاديث أبي هريرة قد محصها أئمة السنة وبينوا ما صح منها وما هو ضعيف أو موضوع، ولم تصح نسبة حديث واحد من الموضوع أو الضعيف إلى أبي هريرة، وإنما كان ذلك من بعض الرواة، والصحيح منها إذا دُرس وقُورن بأحاديث الصحابة تبين أنه لم ينفرد إلا بالقليل منه، فسمنده شائع في المسانيد كلها"٣. - أصح الطرق عن أبي هريرة: ذكر العلماء هذه الطرق٤: - حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. - أبو الزناد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. - ابن عون وأيوب، عن محمد بن سيرين، عنه.

стр. 90

- مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر، ويونس، وعقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. - إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عنه. - معمر، عن همام بن منبه، عنه. - يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. - الثناء على أبي هريرة والشهادة له بالحفظ والضبط: لقد حظي أبو هريرة ﵁ بثناء الرسول ﷺ والصحابة ومن تبعهم من كبار الأئمة والعلماء، قال رسول الله ﷺ : "لقد ظننت لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث" ١، وفي رواية: "والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم" ٢، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المرفوع: "أبو هريرة وعاء من العلم" ٣. وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد نهى أبا هريرة وغيره من الإكثار من الحديث؛ لأن الكثرة مظنة الخطأ، وخوفًا من أن يشتغل الناس بالحديث عن القرآن، ولكن عمر ﵁ سمح لأبي هريرة بعد ذلك بالتحديث، فروى الذهبي في السير عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديث، فأرسل إليَّ، فقال: كنتَ معنا يوم كنا مع رسول الله ﷺ في بيت فلان؟ قلتُ: نعم، وقد علمتُ لأي شيء سألتني. قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" قال: أما لا فاذهب فحدث٤، وفي رواية قال عمر: حدِّث الآن عن النبي ﷺ ما شئت٥.

стр. 91

وقال عبد الله بن عمر: يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه١. وقيل لعبد الله بن عمر: هل تنكر مما يحدث به أبو هريرة شيئًا؟ فقال: لا؛ ولكنه أجترأ وجَبُنا٢، وفي رواية قال ابن عمر: أبو هريرة خير مني، وأعلم بما يحدث٣، وكان يكثر الترحم عليه ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين٤. وقال أُبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئًا على النبي ﷺ يسأله عن أشياء لا نسأله عنها٥. وقال طلحة بن عبيد الله: لا نشك أنه سمع ما لم نسمع٦، وفي رواية: قد سمعنا كما سمع؛ ولكنه حفظ ونسينا٧. وقال محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم٨- وذلك حين حضر مجلسه الذي كان فيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ وهو يحدثهم، فلا يعرف بعضهم الحديث ثم يتراجعون فيه فيعرفونه. وقال أبو صالح السمان: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم٩-

стр. 92

وفي رواية عنه: ما أزعم أن أبا هريرة كان أفضلهم -يعني الصحابة- ولكن كان أحفظ١. وقال الإمام الشافعي: أبو هريرة أحفظ مَن روى الحديث في دهره٢. وقال الإمام البخاري: روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره٣. وقال ابن عبد البر "٣٦٨-٤٦٣هـ": كان أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار؛ لاشتغالهم بالتجارة والأنصار بحوائجهم٤. وقال ابن الأثير الجزري "٥٥٥-٦٣٠هـ": أبو هريرة صاحب رسول الله ﷺ وأكثرهم حديثًا عنه٥. وقال الحافظ الذهبي "٦٧٣-٧٤٨هـ": أبو هريرة الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ ، أبو هريرة الدوسي اليماني سيد الحفاظ الأثبات٦، وقال أيضًا: أبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول ﷺ ، وأدائه بحروفه٧، وقال أيضًا: كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث٨. وقال الحافظ ابن كثير "٧٠١-٧٧٤هـ": وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم٩، وقال

стр. 93

أيضًا: روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة١. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني "٧٧٣-٨٥٢هـ": إن أبا هريرة كان أحفظ كل من يروي الحديث في عصره، ولم يأتِ عن أحد من الصحابة كلهم ما عنه٢. وقال المؤرخ عبد الحي أحمد "ابن العماد" الحنبلي "١٠٣٢-١٠٨٩هـ": كان كثير العبادة والذكر، وحَسَن الأخلاق، ولِيَ إمرة المدينة، وكان حافظ الصحابة وأكثرهم رواية ٣. وقال يحيى بن أبي بكر العامري "٨١٦-٨٩٣هـ": أبو هريرة كان عريف أهل الصفة، حلفاء الفقر والصبر، وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ ، ملازمًا له في جميع الأحوال، لا يشغله عنه دنيا ولا أهل ولا مال، ولملازمته لوصيته الأخرى في الحفظ عن رسول الله ﷺ كان أكثر الصحابة رواية على وأحفظهم، وقال: وكان حافظًا مثبتًا ذكيًّا مفتيًا، صاحب صيام وقيام٤. - أبو هريرة وبعض الباحثين ٥: قد كشفت الصورة الصادقة التي رسمها التاريخ لأبي هريرة عن مناقب جمة كثيرة، والتي منها: تقواه وورعه في شبابه وهرمه وغناه وفقره، ومواقفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزامه بالسنة، واعتزاله وحبه للجماعة وسعيه للخير، وأخلاقه النبيلة، وسجاياه الكريمة، وكثرة وقوة حافظته. إن بعض الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية

стр. 94

والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى تزييف هذه الصورة الواقعية الصادقة، فرأوا في صحبته للرسول ﷺ غايات خاصة له؛ حيث يشبع بطنه ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وحديثه الكثير كذبًا على رسول الله ﷺ وبهتانًا، ورأوا في فقره مطعنًا وعارًا، وفي تواضعه ذلًّا، وفي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لونًا من المؤامرات لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزُّبًا، فهو صنيعة الأمويين الذين طوَوْه تحت جناحهم، فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية فكان لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على الرسول ﷺ افتراء وزورًا. هكذا كان أبو هريرة في نظر بعض أهل الأهواء مثل: النظام: إبراهيم بن سيار النظام، والمريسي: بشر المريسي، والبلخي، وأحمد أمين. وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين مثل: "جولد تسيهر" و "شبرنجر". ومن دعاة العلم عبد الحسين شرف الدين العاملي "الإمامي" في كتابه "أبو هريرة"، ومحمود أبو رية في كتابه "أضواء على السنة المحمدية" الذي استقى كتابه هذا من أستاذه عبد الحسين، فكان أشد تعنتًا ومجانبة للصواب، وغيرهم. وقد زعموا أن أبا هريرة أكثر فأفرط، وروى عنه أصحاب الصحاح والمسانيد فأكثروا وأفرطوا، وتصوروا أن أحاديثه موضوعة ومكذوبة، وقد تغلغلت في أصول الدين وفروعه وغفل عنها المسلمون، فلا بد من الدفاع عن الشريعة الغراء وحمايتها من الأكاذيب والأوهام. وتصوروا غموض نسبه في الجاهلية والإسلام، وأنه شب جاهليًّا لا يستضيء بنور بصيرة، وصعلوكًا قد أخمله الدهر، ويتيمًا أزرى به الفقر، مؤجِّرًا نفسه بطعام بطنه حافيًا عاريًا راضيًا بهوان الذل، وأنه لم يكن مذكورًا في عهد أول خليفتين؛ بل كان مهملًا، ولم يذكروا له سوى أن عمر بعثه واليًا على البحرين ثم عزله سنة إحدى وعشرين، وفي سنة ثلاثين عزله وولَّى عثمان بن أبي العاص الثقفي، وانتزع منه عشرة آلاف درهم سرقها من مال الله.

стр. 95

وهذه المزاعم كلها باطلة، ويكذبها الواقع التاريخي والأمانة في التوثيق والاستقراء، فقد اشترك في حرب الردة في عهد أبي بكر، وروى الإمام أحمد في مسنده: "فلما كانت الردة قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا؟ فقال أبو بكر: والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من فرَّق بينهما، قال أبو هريرة: فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدًا"١. واستشهدوا برواية مجردة من السند وفيها: أن عمر اتهم أبا هريرة وهو على البحرين بسرقة مال المسلمين، وأنه ضربه بالدرة حتى أدماه. والثابت أن عمر قال لأبي هريرة: فمن أين هي لك؟ قلتُ: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطِيَة تتابعت عليَّ، فنظروا فوجدوه كما قال٢، وفي رواية أن عمر أخذ منه اثني عشر ألفًا٣، وفي رواية أن عمر عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وشاطره ماله، وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله٤. ويصورونه مستغلًّا للفتنة في عهد عثمان، وأنه راح يضع الأحاديث التي روجها بنو أمية وأولياؤهم للاحتجاج بها لتحقيق مآربهم. وفي عهد علي صوروا أبا هريرة بان صوته خفت وخمل، وأن معاوية جنده للقيام بأعمال ترضيه. وأنه في عهد معاوية وضع الأحاديث التي تشيد بفضل معاوية وحدث بأحاديث لا يقبلها عقل ولا يرضاها ضمير، وله في صحيحي البخاري ومسلم أحاديث أفرغها على هذا القالب وحاكها على هذا المنوال ... ، إلى غير ذلك من المزاعم والأباطيل التي دللوا عليها بالروايات المكذوبة والأخبار الموضوعة والآثار التي لا أصل لها.

стр. 96

٢- عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ ١: - نسبه ومولده وإسلامه: عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزي بن رباح بن قرط بن رزايح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، الإمام القدوة شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي، ثم المدني. ولد في السنة الثانية أو الثالثة من البعثة، وأسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم. وقال الذهبي: أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه ولم يحتلم، واستُصغر يوم أحد، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وأمه أمُّ أمِّ المؤمنين حفصة: زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون الجمحي٢. - أوصافه: قال أبو إسحاق السبيعي: رأيت ابن عمر آدم جسيمًا، إزاره إلى نصف الساقين يطوف٣. وقال هشام بن عروة: رأيت ابن عمر له جُمَّة٤.

стр. 97

ورُوي عن نافع: كان ابن عمر يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة١. وقال أبو بكر البرقي: كان رَبْعةً يخضب بالصفرة٢. وقال هشام بن عروة: رأيت شعر ابن عمر يضرب منكبيه، وأُتِي به إليه فقبلني٣. ورُوي عنه بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن أنه كان يصفر لحيته بالخلوق والزعفران، فقيل له: تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها٤. وقال موسى بن دهقان: رأيت ابن عمر يتزر إلى أنصاف ساقيه٥. وعن نافع: أن ابن عمر اعتم، وأرخاها بين كتفيه٦. وعن وكيع: عن النضر أبي لؤلؤة، قال: رأيت على ابن عمر عمامة سوداء٧. وقال ابن سيرين: كان نقش خاتم ابن عمر: "عبد الله بن عمر"٨. وروى ابن سعد عن ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة٩. وروى البخاري في صحيحه عن نافع: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فَضُل أخذه١٠.

стр. 98

- أولاده: قال الذهبي: وأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة. ومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن، وبه يُكنى. ومن سُرِّيَّة أخرى: زيد، وعائشة. ومن أخرى: أبو سلمة وقلابة. ومن أخرى: بلال، فالجملة ستة عشر١. وعن أبي مجلز، عن ابن عمر قال: إليكم عني، فإني كنت مع من هو أعلم مني، ولو علمت أني أبقى حتى تفتقروا إليَّ لتعلمت لكم٢. - مشاهده: روى البخاري في صحيحه قوله: عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني٣. فالخندق هي أول غزوة شارك فيها، ولم يتخلف عن غزوة أو عن معركة بعدها، فشارك في مؤتة واليرموك وفتح مصر وإفريقية، وقدم الشام والعراق والبصرة وفارس غازيًا، ولم يصح أنه شارك في بدر كما روى علي بن جدعان عن أنس وابن المسيب٤، فهذا خطأ وغلط كما قال الذهبي٥. وروى البخاري عن البراء قال: عرضت أنا وابن عمر يوم بدر فاستصغرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.

стр. 99

وقال مجاهد: شهد ابن عمر الفتح وله عشرون سنة١. وقال ابن يونس: شهد ابن عمر فتح مصر، واختط بها، وروى عنه أكثر من أربعين نفسًا من أهلها٢. وقد أضافت أمجاده الحربية إليه مكانة في النفوس وخاصة أهل الشام. - علمه وفتواه: لقد تربَّى ابن عمر في مدرسة النبوة واغترف من فيوضها، وكان من النابهين فيها، قال النبي ﷺ يومًا لأصحابه وهو فيهم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فحدثوني ما هي"؟ قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ووقع الناس في شجر البوادي، ثم قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: "النخلة"، وقد أخبر أباه بأن حياءه منعه من الجواب، فقال له أبوه: وددت لو قلتها ولا أملك كذا وكذا، تشجيعًا له. وقال الذهبي: روى علمًا كثيرًا نافعًا عن النبي ﷺ وعن أبيه، وأبي بكر، وعلي، وبلال، وصهيب، وعامر بن ربيعة، وزيد بن ثابت، وزيد عمه، وسعد، وابن مسعود، وعثمان بن طلحة، وأسلم، وحفصة أخته، وعائشة وغيرهم٣. ولقد نهم ابن عمر من المدرسة النبوية علمًا غزيرًا جاد به على بعض الصحابة وجماهير التابعين ومن بعدهم. قال الذهبي: ولابن عمر أقوال وفتاوى يطول الكتاب بإيرادها٤. وقد مَنَّ الله تعالى عليه بعشرات السنين التي مكنته من إفادة الناس بعلمه

стр. 100

وفتاواه، قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس١. وروى مالك عن نافع: كان ابن عمر وابن عباس يجلسان للناس عند مقدم الحاج، فكنت أجلس إلى هذا يومًا، وإلى هذا يومًا، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سُئل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يُفتي٢، قال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إليَّ بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافَّ اللسان عن أعراضهم، لازمًا لأمر جماعتهم، فافعل٣. وروى الحارث بن أبي أسامة عن رجل: بعثت أم ولد لعبد الملك بن مروان إلى وكيلها تستهديه غلامًا وقالت: يكون عالمًا بالسنة، قارئًا لكتاب الله فصيحًا، عفيفًا، كثير الحياء، قليل المراء، فكتب إليها: قد طلبتُ هذا الغلام، فلم أجد غلامًا بهذه الصفة إلا عبد الله بن عمر، وقد ساومت به أهله، فأبوا أن يبيعوه٤. قال ابن حزم في كتاب "الإحكام" في الباب الثامن والعشرين: المكثرون من الفتيا من الصحابة: عمر وابنه عبد الله، وعلي، وعائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سِفْر ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتابًا. وأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام.

стр. 101

وروى أبو حمزة السكري عن إبراهيم الصائغ، عن نافع: أن ابن عمر كان له كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس، قال الذهبي: هذا غريب١. - ثناء النبي ﷺ عليه وتبشيره بالجنة: روى الشيخان عن سالم عن أبيه قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله ﷺ وكنت غلامًا عَزَبًا شابًّا، فكنت أنام في المسجد، فرأيت كأن ملكين أتياني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، ولها قرون كقرون البئر، فرأيت فيها ناسًا قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقينا ملَك، فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" قال: فكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل٢، وروى نحوه نافع، وفيه: "إن عبد الله رجل صالح". وروى سعيد بن بشير عن قتادة، عن ابن سيرين، عن ابن عمر قال: كنت شاهد النبي ﷺ في حائط نخل، فاستأذن أبو بكر، فقال النبي ﷺ : "ائذنوا له وبشروه بالجنة" ثم عمر كذلك، ثم عثمان فقال: "بشروه بالجنة على بلوى تصيبه" فدخل يبكي ويضحك، فقال عبد الله: فأنا يا نبي الله؟ قال: "أنت مع أبيك"٣.

стр. 102

- تلاميذه: لما كان ابن عمر من أحرص الصحابة على تلقي العلم الكثير من رسول الله ﷺ مباشرة، ومن أكثرهم حفظًا لحديث رسول الله ﷺ وروايته؛ كان من الطبعي أن يكثر تلاميذه الذين حرصوا على الأخذ عنه، فقد روى عنه خلق كثير؛ منهم: أسلم مولى أبيه، وأمية بن عبد الله الأموي، وأنس بن سيرين، وبشر بن حرب، وبشر بن عائذ، وبكر المزني، وبلال بن عبد الله ابنه، وتميم بن عياش، وثابت البناني، وجبير بن نفير، وحبيب بن أبي ثابت، وحبيب بن أبي مليكة، وحرملة مولى أسامة، والحسن البصري، وابن أخيه حفص بن عاصم، والحكم بن ميناء، وحميد بن عبد الرحمن الزهري، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وذكوان السمان، وزياد بن جبير الثقفي، وزيد بن جبير الطائي، وابنه زيد، وابنه سالم، وسالم بن أبي الجعد، والسائب والد عطاء، وسعد مولى أبي بكر، وسعد مولى طلحة، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مرجانة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن يسار، وسليمان بن يسار، وشهر بن حوشب، وطاوس، وعبد الله بن بريدة، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعبد الله بن شقيق، وابن أبي مليكة، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الله بن كيسان، وعبد الله بن مالك الهمداني، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن مرة الهمداني، وعبد الله بن موهب الفلسطيني، وحفيده عبد الله بن واقد العمري، وعبد الرحمن بن سعد مولاه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي نعيم، وعبد الرحمن بن يزيد الصنعاني، وعبد الملك بن نافع، وعبيد بن عمير، وعراك بن مالك، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، وعمرو بن دينار، وعمير بن هانئ، والعلاء بن اللجلاج، والقاسم بن عوف، والقاسم بن محمد، وقَزَعة بن يحيى، وكثير بن مرة، وكُليب بن وائل، ومجاهد بن جبر،

стр. 103

ومحارب بن دثار، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن عباد بن جعفر، وأبو جعفر الباقر، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن المنتشر، ومسروق، ومسلم بن جندب، ومعاوية بن قرة، والمغيرة بن سلمان، ومكحول الأزدي، وموسى بن طلحة، وميمون بن مهران، ونافع مولاه، وواسع بن حبان، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، ويحيى البكاء، ويونس بن جبير، وأبو أمامة التيمي، وأبو بردة بن أبي موسى، وأبو بكر بن حفص، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الصديق الناجي، وأبو عثمان النهدي ... وخلق آخرون. - عبادته، وورعه، وتقواه، وزهده، ورقة قلبه: كان عبد الله بن عمر ﵄ مثالًا يُحتذى به في كثرة العبادة، وشدة التقوى، والزهد في أطايب العيش، والزهد في السلطة، والخوف من الله، ورقة القلب. قال إبراهيم: قال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر١. وقال ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله: لقد رأيتنا ونحن متوافرون وما فينا شاب هو أملك لنفسه من ابن عمر٢. وروى سالم بن أبي الجعد، عن جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به، إلا ابن عمر٣. وعن عائشة: ما رأيت أحدًا ألزم للأمر الأول من ابن عمر٤. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مات ابن عمر وهو في الفضل مثل أبيه٥. وقال أبو إسحاق السبيعي: كنا نأتي ابن أبي ليلى، وكانوا يجتمعون إليه،

стр. 104

فجاءه أبو سامة بن عبد الرحمن فقال: أعُمَر كان أفضل عندكم أم ابنه؟ قالوا: بل عمر، فقال:١ إن عمر كان في زمان له فيه نظراء، وإن ابن عمر بقي في زمان ليس فيه نظير. وقال ابن المسيب: لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر، قال الذهبي٢: رواه ثقتان عنه. وقال قتادة: سمعت ابن المسيب يقول: كان ابن عمر يوم مات خير من بقي٣. وعن طاوس وميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر٤. وبإسناد وسط عن ابن الحنفية: كان ابن عمر خير هذه الأمة٥. وروى عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا ليلته٦. وقال الوليد بن مسلم: حدثنا ابن جابر، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحَرْنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة إلى أن أقول: نعم، فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح٧. وقال طاوس: ما رأيت مصليًا مثل ابن عمر أشد استقبالًا للقبلة بوجهه وكفيه وقدميه٨.

стр. 105

وروى نافع أن ابن عمر كان يحيي بين الظهر والعصر١. وروى هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة: أن ابن عمر قرأ فبلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فبكى حتى خر، وامتنع عن قراءة ما بعدها٢. وروى معمر، عن أيوب، عن نافع أو غيره: أن رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس، أو ابنَ خير الناس. فقال: "ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه"٣. وروى الذهبي في السير، وأبو نعيم في الحلية، وابن سعد في الطبقات بسند صحيح عن عروة يقول: خطبت إلى ابن عمر ابنته ونحن في الطواف، فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة. فقُدِّر له أنه صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت فدخلت مسجد الرسول ﷺ فسلمت عليه، وأديب إليه حقه، فرحب بي وقال: متى قدِمتَ؟ قلت: الآن، فقال: كنتَ ذكرت لي سودة ونحن في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموطن، فقلتُ: كان أمرًا قُدِّر، قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط، فدعا ابنيه: سالمًا وعبد الله وزوَّجني٤. وروى عبد الرزاق، وأبو نعيم، والبيهقي، والذهبي بسند صحيح عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر زاحم على الحجر قط، ولقد رأيته مرة زاحم حتى رثم أنفه وابتدر منخراه دمًا٥.

стр. 106

ورُوي عن ابن عمر أنه كان يتبع أمر رسول الله ﷺ وآثاره وحاله، حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك١. وروى وكيع عن أبي مودود، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول: لعل خُفًّا يقع على خف، يعني: خف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم٢. ورُوي عن نافع أن ابن عمر كان يتبع آثار رسول الله ﷺ كان مكان صلى فيه، حتى إن النبي ﷺ نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس٣. وقال نافع: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لو تركنا هذا الباب للنساء"، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات٤. وروى عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: ما سمعت ابن عمر ذكر النبي ﷺ إلا بكى٥. وروى عكرمة بن عمار عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه: أنه تلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] فجعل ابن عمر ﵄ يبكى حتى لثِقَت لحيته وجيبه من دموعه، فأراد رجل أن يقول لأبي: أقْصِر، فقد آذيتَ الشيخ٦. وروى عثمان بن واقد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتى يغلبه البكاء ٧.

стр. 107

وقال حبيب بن الشهيد: قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما١. وقال ابن المبارك: أخبرنا عمر بن محمد بن زيد، أخبرنا أبي أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءه الطائرة، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة٢. وقال نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر٣. وروى أبو الزبير المكي، عن عطاء مولى ابن سباع قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفَّانيها بزائد مائتي درهم٤. وروى معمر عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله قال: لو أن طعامًا كثيرًا كان عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلًا، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جمسه، فكلمه فقال: إنه ليأتي عليَّ ثمان سنين ما أشبع فيها شبعة واحدة، أو قال: إلا شبعة، فالآن تريد أن أشبع حين لم يبقَ من عمري إلا ظِمْءُ حمار! ٥

стр. 108

وروى ابن سعد عن ميمون قال: ولقد دخلت على ابن عمر، فقوَّمت كل شيء في بيته من أساس ما يساوي مائة درهم١. روى أبو حازم المديني، عن عبد الله بن دينار، قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة، فعرَّسنا، فانحدر علينا راعٍ من جبل، فقال له ابن عمر: أراعٍ؟ قال: نعم، قال: بعني شاة من الغنم، قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ؟ قال ابن عمر: فأين الله!! ثم بكى، ثم اشتراه فأعتقه. وروى أسامة بن زيد عن نافع، عن ابن عمر نحوه. وفي رواية ابن أبي روَّاد، عن نافع: فأعتقه، واشترى له الغنم٢. وروى الذهبي قال: أخبرنا إسحاق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا اللبان، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أحمد بن جعفر، أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبو كامل، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب عن قزعة، قال: رأيت على ابن عمر ثيابًا خشنة أو جَشَبة، فقلت له: إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي أن أراه عليك، قال: أرِنيهِ، فلمسه وقال: أحرير هذا؟ قلت: لا، إنه من قطن، قال: إني أخاف أن ألبسه، أخاف أن أكون مختالًا فخورًا، والله لا يحب كل مختال فخور٣.

стр. 109

- سخاؤه: روى ابن سعد بسند حسن عن أبي جعفر القارئ: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان له جفنة من ثريد يجتمع عليها بنوه وأصحابه، وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائمًا، ومعه بعير له، عليه مزادتان، فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ١. وروى عبد الله بن وهب عن عبيد الله، عن نافع قال: ما أعجبَ ابنَ عمر شيءٌ من ماله إلا قدَّمه، بينا هو يسير على ناقته؛ إذ أعجبته فقال: إخ إخ، فأناخها وقال: يا نافع، حط عنها الرحل، فجللها وقلدها وجعلها في بدنه٢. وروى عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حُمُر له حتى أدى خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان فقال: أمجنون أنت؟ أنت هاهنا تعذب نفسك، وابن عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يعتقهم، ارجع إليه فقل: عجزت، فجاء إليه بصحيفة فقال: يا أبا عبد الرحمن، قد عجزت، وهذه صحيفتي، فامحها، فقال: لا،

стр. 110

ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبد الله وقال: اذهب فأنت حر، قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابنيَّ. قال: هما حران. قال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولديَّ. قال: هما حرتان١. وروى أبو نعيم من طريق الإمام أحمد بسند صحيح عن عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها قالت: فما تنتظر؟ فهلا ما هو خير من ذلك، وهو حر لوجه الله. فكان يخيل إلى أنه كان ينوي قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ٢. وروى جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن نافع: أُتِيَ ابن عمر ببضعة وعشرين ألفًا، فما قام حتى أعطاها٣، ورواها عيسى بن كثير، عن ميمون وقال: باثنين وعشرين ألف دينار. وقال أبو هلال: حدثنا أيوب بن وائل قال: أتَى ابن عمر بعشرة آلاف فرقها، وأصبح يطلب لراحلته عَلَفًا بدرهم نسيئة٤. وروى برد بن سنان، عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليُفرِّق في المجلس ثلاثين ألفًا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم٥. وروى عمر بن محمد العمري، عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد٦.
следующие страницы →