← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 9986

الخصائص

ابن جني

Полный текст (1 357 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الاول المقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الواحد العدل القديم، وصلى الله على صفوته محمد وآله المنتخبين ١. وعليه وعليهم السلام أجمعين. هذا -أطال الله بقاء مولانا السيد المنصور "المؤيد"٢ بهاء الدولة وضياء الملة وغياث الأمة, وأدام ملكه ونصره، وسلطانه ومجده وتأييده وسموه, وكبت شانئه وعدوه- كتاب لم أزل على فارط الحال وتقادم الوقت ملاحظاً له, عاكف الفكر عليه, منجذب الرأي والروية إليه وادًّا أن أجد مهملاً٣ أصله به أو خللاً أرتقه٤ بعمله والوقت يزداد بنواديه٥ ضيقًا ولا ينهج لي إلى الابتداء طريقًا. هذا مع إعظامي له وإعصامي٦ بالأسباب المنتاطة به واعتقادي فيه أنه من أشرف ما صنف في علم العرب وأذهبه في طريق القياس والنظر وأعوده عليه بالحيطة والصون وآخذه له من حصة التوقير٧ والأون, وأجمعه٨ للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الحكمة ونيطت به من علائق الإتقان والصنعة،

стр. 2

فكانت مسافر وجوهه ومحاسر أذرعه وسوقه تصف لي ما اشتملت عليه مشاعره وتحي١ إلي بما خيطت عليه أقرابه٢ وشواكله وتريني أن تعريد٣ كل من الفريقين: البصريين والكوفيين عنه وتحاميهم طريق الإلمام به والخوض في أدنى أوشاله وخُلُجه فضلاً عن اقتحام غماره ولُجَجه إنما كان لامتناع جانبه، وانتشار شعاعه، وبادي تهاجر قوانينه وأوضاعه. وذلك أنا لم نر أحدًا من علماء البلدين٤ تعرض لعمل أصول النحو، على مذهب أصول الكلام والفقه. فأما كتاب أصول أبي بكر٥ فلم يلمم فيه بما نحن عليه، إلا حرفًا أو حرفين في أولهن وقد تعلق عليه به. وسنقول في معناه. على أن أبا الحسن٦ قد كان صنف في شيء من المقاييس كتيبا، إذا أنت قرنته بكتابنا هذا علمت بذاك أنا نبنا عنه فيه٧، وكفيناه كلفة التعب به، وكافأناه على لطيف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا، المفيضة ماء البشر٨ والبشاشة٩ علينا، حتى

стр. 3

دعا ذلك أقوامًا نُزرت من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم، وتأخرت عن إدراكه أقدامهم، إلى الطعن عليه، والقدح في احتياجاته وعلله. وسترى ذلك مشروحًا في الفصول بإذن الله تعالى. "ثم إن بعض من يعتادني١، ويُلم لقراءة هذا العلم بي، ممن آنس بصحبته لي، وأرتضي حالى أخذه عني، سأل فأطال المسألة، وأكثر الحفاوة والملاينة، أن أمضي الرأي في إنشاء هذا الكتاب، وأوليه طرفًا من العناية والانصباب٢. فجمعت بين ما أعتقده: من وجوب ذلك علي، إلى ما أوثره٣ من إجابة هذا السائل٤لي. فبدأت به، ووضعت يدي فيه، واستعنت الله على عمله، واستمددته سبحانه من إرشاده وتوفيقه", وهو -عز اسمه- مؤتِي ذاك بقدرته، وطَوله ومشيئته.

стр. 4

هذا باب القول على الفصل بين الكلام والقول: "ولنقدم أمام القول على فرق١ بينهما طرفًا من ذكر أحوال تصاريفهما واشتقاقهما مع تقلب حروفهما فإن هذا وضع يتجاوز قدر الاشتقاق ويعلوه إلى ما فوقه. وستراه فتجده طريقًا غريبًا ومسلكًا من هذه اللغة الشريفة عجيبًا "٢. فأقول: إن معنى " ق ول " أين وجدت وكيف وقعت٣، من تقدم بعض حروفها على بعض وتأخره عنه, إنما هو للخفوف والحركة ٤, وجهات تراكيبها الست مستعملة كلها لم يهمل شيء منها , وهي: " ق ول", "ق ل و ", " وق ل " , "ول ق " , " ل ق و ", "ل وق ". الأصل الأول "ق ول " وهو القول. وذلك أن الفم واللسان يخفان له ويقلقان ويمذلان به٥. وهو بضد السكوت الذي هو داعية إلى السكون ألا ترى أن الابتداء لما كان أخذًا في القول لم يكن الحرف المبدوء به إلا متحركًا ولما كان الانتهاء أخذًا في السكوت لم يكن الحرف الموقوف عليه إلا ساكنًا. الأصل الثاني "ق ل و " منه القلو: حمار الوحش وذلك لخفته وإسراعه قال العجاج:

стр. 5

#تواضخ التقريب قلوا مغلجا١:# ومنه قولهم: "قلوت البسر والسويق, فهما مقلوان ", وذلك لأن الشيء إذا قلي جفّ وخفّ, وكان أسرع إلى الحركة وألطف ومنه قولهم: "اقلوليت يا رجل " قال٢: قد عجبت مني ومن بعيليا ... لما رأتني خلقا مقلوليا أي خفيفا للكبر٣, "و" طائشا, "و"٥ قال ٦: وسرب كعين الرمل عوج إلى الصبا ... رواعف بالجادي حور المدامع٧ سمعن غناء بعد ما نمن نومة ... من الليل فاقلولين فوق المضاجع٨ أي خففن لذكره وقلقن فزال عنهن نومهن واستثقالهن على الأرض. وبهذا يعلم أن لام اقلوليت واو لا ياء. فأما لام اذلوليت٩ فمشكوك فيها.

стр. 6

ومن هذا الأصل أيضًا قوله: #أقب كمقلاء الوليد خميص١# فهو مفعال٢ من قلوت بالقلة, ومذكرها القال؛ قال الراجز: #وأنا في الضراب قيلان القلة# فكأن القال مقلوب قلوت وياء القيلان مقلوبة عن واو وهي لام قلوت ومثال٣ الكلمة فلعان. ونحوها عندي في القلب قولهم "باز " ومثاله فلع واللام منه واو لقولهم في تكسيره: ثلاثة أبواز ومثالها أفلاع. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه: من قلب هذه الكلمة قولهم فيها "البازي", وقالوا في تكسيرها "بُزاة" و"بوازٍ " أنشدنا أبو علي٤ لذي الرمة: كأن على أنيابها كل سدفة ... صياح البوازي من صريف اللوائك٥

стр. 7

وقال جرير: إذا اجتمعوا عليّ فخل عنهم ... وعن باز يصك حباريات١ فهذا فاعل؛ لاطراد الإمالة في ألفه, وهي في فاعل أكثر منها في نحو مال وباب. وحدثنا أبو علي سنة إحدى وأربعين٢ قال: قال أبو سعيد٣ الحسن بن الحسين "بازٌ " وثلاثة "أبواز " فإن كثرت فهي "البيزان" فهذا فلع وثلاثة أفلاع وهي الفلعان. ويدل على أن تركيب هذه الكلمة من "ب ز و " أن الفعل منها عليه تصرف, وهو قولهم " بزا يبزو " إذا غلب وعلا ومنه البازي -وهو في الأصل اسم الفاعل ثم استعمل استعمال الأسماء كصاحب ووالد- وبُزاة وبواز يؤكد ذلك وعليه بقية الباب من أبزى وبزواء وقوله: #فتبازت فتبازختُ لها٤#

стр. 8

والبزا١ لأن ذلك كله شدة ومقاولة٢ فاعرفه. فمقلاء من قلوت وذلك أن القال -وهو المقلاء- هو العصا التي يضرب بها القلة وهي الصغيرة، وذلك لاستعمالها في الضرب بها. "الثالث" "وق ل " منه الوقل٣ للوعل, وذلك لحركته, وقالوا: توقل في الجبل: إذا صعد فيه, وذلك لا يكون إلا مع الحركة والاعتمال. قال ابن مقبل: عودا أحم القرا إزمولة وقلا ... يأتي تراث أبيه يتبع القُذَفا٤ "الرابع" "ول ق " قالوا: ولق يلق: إذا أسرع. قال: #جاءت به عنس من الشام تلق٥# أي تخِف وتسرع. وقرئ٦ "إذ تِلقونه بألسنتكم " أي تخفون٧ وتسرعون. وعلى

стр. 9

هذا فقد يمكن أن يكون الأولق١ فوعلا من هذا اللفظ وأن يكون أيضا أفعل منه. فإذا كان أفعل فأمره ظاهر وإن سميت به لم تصرفه معرفة وإن كان فوعلا فأصله وولق فلما التقت الواوان في أول الكلمة أبدلت الأولى همزة لاستثقالها أولا كقولك في تحقير واصل: أويصل. ولو سميت بأولق على هذا لصرفته. والذي حملته الجماعة عليه أنه فوعل من تألق البرق إذا خفق وذلك لأن الخفوق مما يصحبه الانزعاج والاضطراب. على أن أبا إسحاق٢ قد كان يجيز فيه أن يكون أفعل من ولق يلق. والوجه فيه ما عليه الكافة: من كونه فوعلا من " أل ق " وهو قولهم "ألق الرجل فهو مألوق " ألا ترى إلى إنشاد أبي زيد فيه: تراقب عيناها القطيع كأنما ... يخالطها من مسه مس أولق٣ وقد قالوا منه ٤: ناقة مسعورة أي مجنونة وقيل٥ في قول الله سبحانه ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ : إن السعر هو الجنون وشاهد هذا القول قول القطامي ٦:

стр. 10

يتبعن سامية العينين تحسبها ... مسعورة أو ترى ما لا ترى الإبل١ "الخامس" "ل وق " جاء في الحديث٢: "لا آكل من الطعام إلا ما لوّق لي " , أي ما خُدِم وأعملت اليد في تحريكه وتلبِيقه٣، حتى يطمئن وتتضامّ جهاته. ومنه اللوقة للزُبْدة وذلك لخفتها وإسراع حركتها وأنها ليست لها مسكة الجبن وثقل المصل ونحوهما. وتوهم قوم أن الألوقة -لما كانت هي اللوقة في المعنى, وتقاربت حروفهما- من لفظها٤ وذلك باطل؛ لأنه لو كانت من هذا اللفظ لوجب تصحيح عينها إذ كانت الزيادة في أولها من زيادة الفعل والمثال مثاله فكان يجب على هذا أن تكون ألوقة كما قالوا في٥ أثوب وأسوق وأعين وأنيب بالصحة ليفرق بذلك بين الاسم والفعل وهذا واضح. وإنما الألوقة فعولة من تألق البرق إذا لمع وبرق واضطرب وذلك لبريق الزبدة واضطرابها. "السادس" "ل ق و " منه اللقوة للعقاب قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها قال٦: كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... دفوف من العقبان طأطأت شملال٧

стр. 11

ومنه اللقوة١ في الوجه. والتقاؤهما أن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه وطيش منه، وليست له مسكة الصحيح، ووفور المستقيم. ومنه قوله: #وكانت لقوة لاقت قبيسا٢# واللقوة: الناقة السريعة اللقاح وذلك أنها أسرعت إلى ماء الفحل فقبلته ولم تنب عنه نبو العاقر. فهذه الطرائق التي نحن فيها حزنة المذاهب, والتورد لها وعر المسلك, ولا يجب مع هذا أن تستنكر, ولا تستبعد فقد كان أبو علي ﵀ يراها ويأخذ بها ألا تراه غلب كون لام أثفية٣ -فيمن جعلها أفعولة- واوا على كونها ياء -وإن كانوا قد قالوا: "جاء يثفوه ويثفيه "٤ - بقولهم: " جاء يثفه " , قال: فيثفه لا يكون إلا من الواو, ولم يحفل بالحرف الشاذ من هذا وهو قولهم "يئس " مثل يعس٥؛ لقلته. فلما وجد فاء وثف واوا قوي عنده في أثفية كون لامها واوا فتأنس للام بموضع الفاء على بعد بينهما ٦. وشاهدته غير مرة إذا أشكل عليه الحرف: الفاء, أو العين، أو اللام، استعان على علمه ومعرفته بتقليب أصول المثال الذي ذلك الحرف فيه. فهذ

стр. 12

أغرب مأخذًا مما تقتضيه صناعة الاشتقاق؛ لأن ذلك إنما يلتزم فيه شرْج١ واحد من تتالي الحروف, من غير تقليب لها ولا تحريف. وقد كان الناس: أبو بكر ﵀ وغيره من تلك الطبقة, استسرفوا٢ أبا إسحاق ﵀, فيما تجشمه من قوة حشده, وضمه شعاع ما انتشر من المثل المتباينة إلى أصله. فأما أن يتكلف تقليب الأصل ووضع كل واحد من أحنائه٣ موضع صاحبه فشيء لم يعرض له ولا تضمن عهدته. وقد قال أبو بكر: "من عرف أنس ومن جهل استوحش " وإذا قام الشاهد والدليل وضح المنهج والسبيل. وبعد فقد ترى ما قدمنا في هذا أنفًا٤ وفيه كاف من غيره؛ علي أن هذا وإن لم يطرد وينقد في كل أصل, فالعذر على كل حال فيه أبين منه في الأصل الواحد من غير تقليب لشيء من حروفه فإذا جاز أن يخرج بعض الأصل الواحد من أن تنظمه قضية الاشتقاق له كان فيما تقلبت أصوله: فاؤه وعينه ولامه أسهل والمعذرة فيه أوضح. وعلى أنك إن أنعمت النظر ولاطفته وتركت الضجر وتحاميته, لم تكد تعدم قرب بعض من بعض وإذا تأملت ذاك وجدته بإذن الله.

стр. 13

وأما "ك ل م " فهذه أيضًا حالها, وذلك أنها حيث تقلبت فمعناها الدلالة على القوة والشدة. والمستعمل منها أصول خمسة, وهي: "ك ل م " "ك م ل " "ل ك م " "م ك ل " "م ل ك ", وأهملت١ منه٢ "ل م ك ", فلم تأت في ثبت. فمن ذلك الأصل الأول "ك ل م " منه الكلم للجرح. وذلك للشدة التي فيه وقالوا في قول الله سبحانه: ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قولين: أحدهما من الكَلام والآخر من الكِلام أي تجرحهم وتأكلهم وقالوا: الكُلام: ما غلظ من الأرض وذلك لشدته وقوته وقالوا: رجل كليم أي مجروح وجريح قال: عليها الشيخ كالأسد الكليم٣ ويجوز الكليم بالجر والرفع, فالرفع على قولك: عليها الشيخ الكليم كالأسد والجر على قولك: عليها الشيخ كالأسد "الكليم"٤, إذا جرح فحمي أنفًا وغضب فلا يقوم له شيء, كما قال:

стр. 14

كأن محربا من أسد ترج ... ينازلهم لنابيه قبيب١ ومنه الكلام وذلك أنه سبب لكل شر "وشدة"٢ في أكثر الأمر؛ ألا ترى إلى قول٣ رسول الله ﷺ : "من كفي مئونة لقلقه وقبقبه وذبذبه دخل الجنة" , فاللقلق: اللسان, والقبقب: البطن, والذبذب: الفرج. ومنه قول٤ أبي بكر ﵁ في لسانه: "هذا أوردني الموارد". وقال: وجرح اللسان كجرح اليد٥ وقال طرفة: فإن القوافي يتلجن موالجا ... تضايق عنها أن تولجها الإبر٦

стр. 15

وامتثله الأخطل وأبر عليه، فقال: حتى اتقوني وهم مني على حذر ... والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر١ وجاء به الطائي٢ الصغير, فقال: عتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المنكعر وهو باب واسع. فلما كان الكلام أكثره إلى الشر, اشتق له من هذا الموضع. فهذا أصل. الثاني "ك م ل " من ذلك كمَل الشيء وكمُل وكمِل فهو كامل وكميل. وعليه بقية تصرفه. والتقاؤهما أن الشيء إذا تم وكمل كان حينئذ أقوى وأشد منه إذا كان ناقصًا غير كامل. الثالث "ل ك م " منه اللكم إذا وجأت الرجل ونحوه, ولا شك في شدة ما هذه سبيله؛ أنشد الأصمعي:

стр. 16

كان صوت جرعها تساجل ... هاتيك هاتا حتنى تكايل١ لدم العجى تلكمها الجنادل وقال: وخفان لكامان للقلع الكبد٢ الرابع "م ك ل " منه بئر مكول, إذا قل ماؤها, قال القطامي: كأنها قلب عادية مكل٣ والتقاؤهما أن البئر موضوعة الأمر على جمتها بالماء, فإذا قل ماؤها٤ كره موردها, وجفا جانبها. وتلك شدة ظاهرة.

стр. 17

الخامس "م ل ك " من ذلك ملكت العجين, إذا أنعمت عجنه فاشتد وقوي. ومنه ملك الإنسان ألا تراهم يقولون: قد اشتملت عليه يدي, وذلك قوة وقدرة من المالك على ملكه ومنه الملك, لما يعطى١ صاحبه من القوة والغلبة, وأملكت الجارية؛ لأن يد بعلها تقتدر عليها. فكذلك بقية الباب كله. فهذه أحكام هذين الأصلين على تصرفهما وتقلب حروفهما. فهذا أمر قدمناه أمام القول على الفرق بين الكلام والقول؛ ليرى منه غور هذه اللغة الشريفة, الكريمة اللطيفة, ويعجب من وسيع مذاهبها, وبديع ما أمد به واضعها ومبتدئها. وهذا أوان القول على الفصل. أما الكلام فكل لفظ مستقل بنفسه, مفيد لمعناه. وهو الذي٢ يسميه النحويين الجمل, نحو زيد أخوك, وقام محمد وضرب سعيد, وفي الدار أبوك, وصه, ومه, ورويد, وحاء وعاء في الأصوات, وحس, ولب٣، وأف, وأوه, فكل لفظ استقل بنفسه, وجنيت منه ثمرة معناه فهو كلام. وأما القول فأصله أنه كل لفظ مذل به اللسان, تامًّا كان أو ناقصًا. فالتام هو المفيد, أعني الجملة وما كان في معناها, من نحو صهٍ وإيهٍ. والناقص ما كان بضد ذلك, نحو زيد, ومحمد, وإن, وكان أخوك, إذا كانت الزمانية لا الحدثية ٤. فكل كلام قول, وليس كل قول كلامًا. هذا أصله. ثم يتسع فيه؛ فيوضع

стр. 18

القول على الاعتقادات والآراء؛ وذلك نحو قولك: فلان يقول بقول أبي حنيفة, ويذهب إلى قول مالك ونحو ذلك, أي يعتقد ما كانا يريانه, ويقولان به, لا أنه يحكي لفظهما عينه, من غير تغيير لشيء من حروفه؛ ألا ترى أنك لو سألت رجلًا عن علة رفع زيد, من نحو قولنا: زيد قام أخوه فقال لك: ارتفع بالابتداء لقلت: هذا قول البصريين. ولو قال: ارتفع بما يعود عليه من ذكره١ لقلت: هذا قول الكوفيين, أي هذا رأي هؤلاء, وهذا اعتقاد هؤلاء. ولا تقول: كلام البصريين, ولا كلام الكوفيين, إلا أن تضع الكلام موضع القول, متجوزًا بذلك. وكذلك لو قلت: ارتفع لأن عليه عائدًا من بعده, أو ارتفع لأن عائدًا عاد عليه أو لعود ما عاد من ذكره, أو لأن ذكره أعيد عليه أو لأن ذكرًا له عاد من بعده, أو نحو ذلك, لقلت في جميعه: هذا قول الكوفيين, ولم تحفل باختلاف ألفاظه؛ لأنك إنما تريد اعتقادهم لا نفس حروفهم. وكذلك يقول القائل: لأبي الحسن في هذه المسئلة قول حسن, أو قول قبيح, وهو كذا, غير أني لا أضبط كلامه بعينه. ومن أدل الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا: القرآن كلام الله, ولا يقال: القرآن قول الله؛ وذلك أن هذا موضع ضيق متحجر, لا يمكن تحريفه, ولا يسوغ تبديل شيء من حروفه. فعبر لذلك عنه بالكلام الذي لا يكون إلا أصواتًا تامة مفيدة, وعدل به عن القول الذي قد يكون أصواتًا غير مفيدة, وآراء معتقدة. قال سيبويه ٢: " واعلم أن "قلت " في كلام العرب إنما وقعت على أن

стр. 19

يحكى بها, وإنما يحكى بعد القول ما كان كلامًا لا قولًا". ففرق بين الكلام والقول كما ترى. نعم وأخرج الكلام هنا مخرج ما قد استقر في النفوس, وزالت عنه عوارض الشكوك. ثم قال في التمثيل: "نحو قلت زيد منطلق, ألا ترى أنه يحسن أن تقول: زيد منطلق" فتمثيله بهذا يعلم منه أن الكلام عنده ما كان من الألفاظ قائمًا برأسه مستقلًا معناه وأن القول عنده بخلاف ذلك إذ لو كانت حال القول عنده حال الكلام لما قدم الفصل بينهما ولما أراك فيه أن الكلام هو الجمل المستقلة بأنفسها الغانية عن غيرها وأن القول لا يستحق هذه الصفة من حيث كانت الكلمة الواحدة قولًا وإن لم تكن كلامًا ومن حيث كان الاعتقاد والرأي قولًا وإن لم يكن كلامًا. فعلى هذا يكون قولنا قام زيد كلامًا فإن قلت شارطًا: إن قام زيد, فزدت عليه "إن " رجع بالزيادة إلى النقصان فصار قولًا لا كلامًا ألا تراه ناقصًا ومنتظرًا للتمام بجواب الشرط. وكذلك لو قلت في حكاية القسم: حلفت بالله أي كان قسمي هذا لكان كلامًا لكونه مستقلًا ولو أردت به صريح القسم لكان قولًا من حيث كان ناقصًا لاحتياجه إلى جوابه. فهذا ونحوه من البيان ما تراه. فأما تجوزهم في تسميتهم الاعتقادات والآراء قولًا؛ فلأن الاعتقاد يخفى, فلا يعرف إلا بالقول, أو بما يقوم مقام القول: من شاهد الحال فلما كانت لا تظهر إلا بالقول سميت قولًا إذ كانت سببًا له, وكان القول دليلًا عليها كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان ملابسًا له. ومثله في الملابسة قول الله سبحانه: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ ومعناه -والله أعلم- أسباب الموت؛

стр. 20

إذ لو جاءه الموت نفسه لمات به لا محالة. ومنه تسمية المزادة١ الراوية١ والنجو٢ نفسه الغائط, وهو كثير. فإن قيل: فكيف عبروا عن الاعتقادات والآراء بالقول, ولم يعبروا عنها بالكلام, ولو سووا بينهما أو قلبوا الاستعمال، كان ماذا؟ ٣. فالجواب أنهم إنما فعلوا ذلك من حيث كان القول بالاعتقاد أشبه منه بالكلام وذلك أن الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره, وهو العبارة عنه كما أن القول قد لا يتم معناه إلا بغيره ألا ترى أنك إذا قلت: قام وأخليته من ضمير فإنه لا يتم معناه الذي وضع الكلام عليه وله؛ لأنه إنما وضع على أن يفاد معناه مقترنًا بما يسند إليه من الفاعل, وقام هذه نفسها قول, وهي ناقصة محتاجة إلى الفاعل كاحتياج الاعتقاد إلى العبارة عنه. فلما اشتبها من هنا عبر عن أحدهما بصاحبه. وليس كذلك الكلام؛ لأنه وضع على الاستقلال, والاستغناء عما سواه. والقول قد يكون من الفقر٤ إلى غيره على ما قدمناه فكان إلى الاعتقاد المحتاج إلى البيان أقرب وبأن يعبر به عنه أليق. فاعرف ذلك.

стр. 21

فإن قيل: ولم وضع الكلام على ما كان مستقلًا بنفسه البتة والقول على ما قد يستقل بنفسه, وقد يحتاج إلى غيره ألاشتقاق قضى بذلك أم لغيره من سماع متلقى بالقبول والاتباع قيل: لا؛ بل لاشتقاق١ قضى بذلك٢ دون مجرد السماع. وذلك أنا قد قدمنا في أول القول من هذا الفصل أن الكلام إنما هو من الكَلم والكَلام والكُلوم وهي الجراح؛ لما يدعو إليه, ولما يجنيه في أكثر الأمر على المتكلمة٣, وأنشدنا في ذلك قوله: وجرح اللسان كجرح اليد ومنه قوله ٤: قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم ونحو ذلك من الأبيات التي جئنا بها هناك وغيرها مما يطول به الكتاب، وإنما ينقم من القول ويحقر٥, ما ينثى٦ ويؤثر, وذلك ما كان منه تامًّا غير ناقص ,ومفهومًا غير مستبهم وهذه صورة الجمل وهو ما كان من الألفاظ قائمًا برأسه غير محتاج إلى متمم له, فلهذا سموا ما كان من الألفاظ تامًا مفيدًا كلامًا؛ لأنه

стр. 22

في غالب الأمر وأكثر الحال مضر بصاحبه وكالجارح له. فهو إذًا من الكلوم التي هي الجروح. وأما القول فليس في أصل اشتقاقه ما هذه سبيله؛ ألا ترى أنا قد عقدنا تصرف " ق ول" وما كان أيضًا من تقاليبها الستة, فأرينا أن جميعها إنما هو للإسراع والخفة, فلذلك سموا كل ما مذل به اللسان من الأصوات قولًا, ناقصًا كان ذلك أو تامًّا. وهذا واضح مع أدنى تأمل. واعلم أنه قد يوقع١ كل واحد من الكلام والقول موقع صاحبه, وإن كان أصلهما قبل ما ذكرته؛ ألا ترى إلى رؤبة كيف قال: لو أنني أوتيت علم الحكل٢ ... علم سليمان كلام النمل يريد قول٣ الله : ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ وعلى هذا اتسع فيهما جميعًا اتساعًا واحدًا فقال أبو النجم: قالت له الطير تقدم راشدا ... إنك لا ترجع إلا حامدا وقال الآخر: وقالت له العينان سمعًا وطاعة ... وأبدت كمثل الدر لما يثقب٤

стр. 23

وقال الراجز: امتلأ الحوض وقال قطني١ وقال الآخر: بينما نحن مرتعون٢ بفلج ... قالت الدلح الرواء إنيه إنيه: صوت رزمة السحاب وحنين الرعد وأنشدوا: قد قالت الأنساع للبطن الحق٣ فهذا كله اتساع في القول. ومما جاء منه في الكلام قول الآخر: فصبحت والطير لم تكلم ... جابية طمت بسيل مفعم٤ وكأن الأصل في هذا الاتساع إنما هو محمول على القول ألا ترى إلى قلة الكلام هنا وكثرة القول وسبب ذلك وعلته عندي ما قدمناه من سعة مذاهب القول, وضيق مذاهب الكلام. وإذا جاز أن نسمي الرأي والاعتقاد قولًا, وإن لم يكن صوتًا, كانت تسمية ما هو أصوات قولًا أجدر بالجواز. ألا ترى أن الطير لها هدير والحوض له غطيط, والأنساع لها أطيط, والسحاب له دوي. فأما

стр. 24

قوله: وقالت له العينان سمعًا وطاعة فإنه وإن لم يكن منهما صوت فإن الحال آذنت بأن لو كان لهما جارحة نطق لقالتا: سمعًا وطاعة. وقد حرر هذا الموضع وأوضحه عنترة بقوله: لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي وامتثله شاعرنا١ آخرًا فقال: فلو قدر السنان على لسان ... لقال لك السنان كما أقول وقال أيضًا: لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا ولا تستنكر ذكر هذا الرجل -وإن كان مولدًا- في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه ولطف متسربه؛ فإن المعاني يتناهبها المولدون كما يتناهبها المتقدمون. وقد كان أبو العباس٢ -وهو الكثير التعقب لجلة الناس- احتج بشيء من شعر حبيب٣ بن أوس الطائي في كتابه في الاشتقاق, لما كان غرضه فيه معناه دون لفظه, فأنشد فيه له ٤: لو رأينا التوكيد خطة عجز ... ما شفعنا الأذان بالتثويب٥

стр. 25

وإياك والحنبلية بحتًا؛ فإنها خلق ذميم, ومطعم على علاته وخيم ١. وقال سيبويه ٢: "هذا باب علم ما الكلم من العربية " فاختار الكلم على الكلام وذلك أن الكلام اسم من كلم بمنزلة السلام من سلم, وهما بمعنى التكليم والتسليم, وهما المصدران الجاريان على كلم وسلم قال الله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وقال -عز اسمه: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فلما كان الكلام مصدرًا, يصلح لما يصلح له الجنس, ولا يختص بالعدد دون غيره٣, عدل عنه إلى الكلم, الذي هو جمع كلمة, بمنزلة٤ سلمة٥ وسلم, ونبقة ونبق, وثفنة٦ وثفن. وذلك أنه أراد تفسير ثلاثة أشياء مخصوصة, وهي الاسم, والفعل, والحرف, فجاء بما يخص الجمع, وهو الكلم, وترك ما لا يخص الجمع, وهو الكلام, فكان ذلك أليق بمعناه, وأوفق لمراده. فأما قول مزاحم العقيلي: لظل رهينًا خاشع الطرف حطه ... تخلب جدوى والكلام الطرائف٧

стр. 26

فوصفه بالجمع, فإنما ذلك وصف على المعنى, كما حكى أبو الحسن عنهم, من قولهم: "ذهب به الدينار١ الحمر والدرهم البيض " وكما قال: تراها٢ الضبع أعظمهن رأسا فأعاد الضمير على معنى الجنسية لا على لفظ الواحد, لما كانت الضبع هنا جنسًا. وبنو تميم يقولون: كِلمة وكِلَم, ككِسرة وكِسَر. فإن قلت: قدمت في أول كلامك أن الكلام واقع على الجمل دون الآحاد, وأعطيت ههنا أنه اسم الجنس؛ لأن المصدر كذلك حاله؛ والمصدر يتناول الجنس وآحاده تناولًا واحدًا. فقد أراك انصرفت عما عقدته على نفسك: من كون الكلام مختصًا بالجمل المركبة, وأنه لا يقع على الآحاد المجردة وأن ذلك إنما هو القول لأنه فيما زعمت يصلح للآحاد, والمفردات, وللجمل المركبات. قيل: ما قدمناه صحيح وهذا الاعتراض ساقط عنه, وذلك أنا نقول: لا محالة أن الكلام مختص بالجمل, ونقول مع هذا: إنه جنس أي جنس للجمل, كما أن الإنسان من قول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ جنس للناس, فكذلك الكلام, جنس للجمل, فإذا قال: قام محمد فهو كلام, وإذا قال: قام محمد, وأخوك جعفر فهو أيضًا كلام؛ كما كان لما وقع على الجملة الواحدة كلامًا؛ وإذا قال:

стр. 27

قام محمد وأخوك جعفر, وفي الدار سعيد, فهو أيضًا كلام؛ كما كان لما وقع على الجملتين كلامًا. وهذا طريق المصدر لما كان جنسًا لفعله؛ ألا ترى أنه إذا قام قومة واحدة فقد كان منه قيام, وإذا قام قومتين فقد كان منه قيام, وإذا قام مائة قومة فقد كان منه قيام. فالكلام إذًا إنما هو جنس للجمل التوام: مفردها, ومثناها, ومجموعها؛ كما أن القيام جنس للقومات: مفردها ومثناها ومجموعها. فنظير القومة الواحدة من القيام الجملة الواحدة من الكلام. وهذا جلي. ومما يؤنسك بأن الكلام إنما هو للجمل التوام دون الآحاد أن العرب لما أرادت الواحد من ذلك خصته باسم له لا يقع إلا على الواحد, وهو قولهم: "كلِمة ", وهي حجازية, و "كِلمة " وهي تميمية. ويزيدك في بيان ذلك قول كثير: لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا١ ومعلوم أن الكلمة الواحدة لا تشجو٢, ولا تحزن, ولا تتملك قلب السامع، إنما ذلك فيما طال من الكلام, وأمتع سامعيه, بعذوبة مستمعه, ورقة حواشيه؛ وقد قال سيبويه ٣: "هذا باب أقل ما يكون عليه الكلم " فذكر هنالك حرف العطف, وفاءه, وهمزة الاستفهام, ولام الابتداء, وغير ذلك مما هو على حرف واحد, وسمى كل واحد٤ من ذلك كلمة. فليت شعري: كيف يستعذب قول القائل, وإنما نطق

стр. 28

بحرف واحد! لا بل كيف يمكنه أن يجرد للنطق حرفًا واحدًا؛ ألا تراه أن لو كان ساكنًا لزمه أن يدخل عليه مكن أوله همزة الوصل, ليجد سبيلًا إلى النطق به, نحو "أِب أِص أِق " وكذلك إن كان متحركًا فأراد الابتداء به والوقوف عليه قال في النطق بالباء من بكر: بَه وفي الصاد من صلة: صِه وفي القاف من قدرة: قُه؛ فقد علمت بذلك أن لاسبيل إلى النطق بالحرف الواحد مجردًا من غيره ساكنًا كان, أو متحركًا. فالكلام إذًا من بيت كثير إنما يعني به المفيد من هذه الألفاظ, القائم برأسه المتجاوز لما لا يفيد ولا يقوم برأسه من جنسه، ألا ترى إلى قول الآخر ١: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت٢ بأعناق المطي الأباطح فقوله بأطراف الأحاديث يعلم منه أنه لا يكون إلا جملًا كثيرة, فضلًا عن الجملة الواحدة, فإن قلت: فقد قال الشنفرى: كأن لها في الأرض نسيًا نقصه ... على أمها وإن تخاطبك تبلت٣

стр. 29

أي تقطع كلامها, ولا تكثره, كما قال ذو الرمة: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر١ فقوله: رخيم الحواشي: أي مختصر٢ الأطراف وهذا ضد الهذر والإكثار وذاهب في التخفيف والإختصار قيل: فقد قال أيضًا: ولا نزر, وأيضًا فلسنا ندفع أن الخفر يقل معه الكلام, ويحذف فيه أحناء المقال إلا أنه على حال لا يكون ما يجري منه وإن قل ونزر أقل من الجمل التي هي قواعد الحديث, الذي يشوق موقعه ويروق مستمعه. وقد أكثرت الشعراء في هذا الموضع, حتى صار الدال عليه كالدال على المشاهد غير المشكوك فيه؛ ألا ترى إلى قوله: وحديثها كالغيث يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا! فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول من فرح هيا ربا ٣ -يعني حنين السحاب وسجره٤, وهذا لا يكون عن نبرة واحدة, ولا رزمة مختلسة, إنما يكون مع البدء فيه والرجع, وتثنى الحنين على صفحات السمع- وقول ابن الرومي ٥:

стр. 30

وحديثها السحر الحلال لو انه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز شرك القلوب وفتنة ما مثلها ... للمطمين وعقلة المستوفز١ فذكر أنها تطيل تارة وتوجز أخرى, والإطالة والإيجاز جميعًا إنما هما في كل كلام مفيد مستقل٢ بنفسه ولو بلغ بها الإيجاز غايته لم يكن له٣ بد من أن يعطيك تمامه وفائدته مع أنه لا بد فيه من تركيب الجملة, فإن نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ولا استعذاب؛ ألا ترى إلى قوله ٤: قنا لها قفي لنا قالت قاف وأن هذا القدر من النطق لا يعذب, ولا يجفو, ولا يرق, ولا ينبو, وأنه إنما يكون استحسان القول واستقباحه فيما يحتمل٥ ذينك, ويؤديهما إلى السمع, وهو أقل ما يكون جملة مركبة. وكذلك قول الآخر -فيما حكاه سيبويه٦: "ألا تا " فيقول مجيبه:

стр. 31

"بلى فا ". فهذا ونحوه مما يقل لفظه, فلا يحمل حسنًا ولا قبحًا, ولا طيبًا ولا خبثًا. لكن قول الآخر "مالك بن أسماء "١: أذكر من جارتي ومجلسها ... طرائفًا من حديثها الحسن ومن حديث يزيدني مقة ... ما لحديث الموموق من ثمن أدل شيء على أن هناك إطالة وتمامًا٢, وإن كان بغير حشو ولا خطل؛ ألا ترى إلى قوله: " طرائفًا من حديثها الحسن " فذا لا يكون مع الحرف الواحد, ولا الكلمة الواحدة, بل لا يكون مع الجملة الواحدة, دون أن يتردد الكلام, وتتكرر فيه الجمل فيبين ما ضمنه من العذوبة وما في أعطافه من النعمة واللدونة؛ وقد قال بشار: وحوراء المدامع من معد ... كأن حديثها ثمر الجنان٣ ومعلوم أن٤ من حرف واحد, بل كلمة واحدة, بل جملة واحدة لا يجنى ثمر جنة واحدة, فضلًا عن جنان كثيرة. وأيضًا فكما أن المرأة قد توصف بالحياء والخفر فكذلك أيضًا قد توصف بتغزلها ودماثة حديثها ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا، لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ وأن العروب في التفسير هي المتحببة إلى زوجها المظهرة له ذلك؛ بذلك فسره أبو عبيدة. وهذا لا يكون مع الصمت٥, وحذف أطراف القول, بل إنما يكون مع الفكاهة والمداعبة وعليه بيت الشماخ:

стр. 32

ولو أني أشاء كننت جسمي ... إلى بيضاء بهكنة شموع١ قيل فيه: الشماعة هي المزح والمداعبة. وهذا باب طويل جدًا وإنما أفضى بنا إليه ذرو٢ من القول أحببنا استيفاءه تأنسًا به وليكون هذا الكتاب ذاهبًا في جهات النظر إذ ليس غرضنا فيه الرفع والنصب والجر والجزم لأن هذا أمر قد فرغ في أكثر الكتب المصنفة فيه منه. وإنما هذا الكتاب مبني على إثارة معادن المعاني وتقرير حال الأوضاع والمبادي, وكيف سرت أحكامها في الأحناء والحواشي. فقد ثبت بما٣ شرحناه وأوضحناه أن الكلام إنما هو في لغة العرب عبارة عن الألفاظ القائمة برءوسها المستغنية عن غيرها وهي التي يسميها أهل هذه الصناعة الجمل على اختلاف تركيبها. وثبت أن القول عندها أوسع من الكلام تصرفًا وأنه قد يقع على الجزء الواحد وعلى الجملة وعلى ما هو اعتقاد ورأي لا لفظ وجرس. وقد علمت بذلك تعسف المتكلمين في هذا الموضع وضيق القول فيه عليهم حتى لم يكادوا يفصلون بينهما. والعجب ذهابهم عن نص سيبويه فيه، وفصله بين الكلام والقول. ولكل قوم سنة وإمامها٤

стр. 33

باب القول على اللغة وما هي ١: أما حدها "فإنها أصوات"٢ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. هذا حدها. وأما اختلافها فلما سنذكره في باب القول عليها: أمواضعة هي أم إلهام. وأما تصريفها ومعرفة حروفها فإنها فعلة من لغوت. أي تكلمت وأصلها لغوة٣ ككرة وقلة وثبة كلها لاماتها واوات لقولهم. كروت بالكرة, وقلوت بالقلة؛ ولأن ثبة كأنها من مقلوب ثاب يثوب. وقد دللت على ذلك وغيره من نحوه في كتابي في " سر الصناعة "٤. وقالوا فيها: لغات ولغون ككرات وكرون٥ وقيل منها لغى يلغى إذا هذى؛ "ومصدره اللغا"٦ قال: ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم٧ وكذلك اللغو قال الله : ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ أي بالباطل وفي الحديث: " من٨ قال في الجمعة: صه فقد لغا " أي تكلم ٩. وفي هذا كاف.

стр. 34

باب القول على النحو: هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير والإضافة والنسب والتركيب وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها وإن لم يكن منهم وإن شذ١ بعضهم عنها رد به إليها. وهو في الأصل مصدر شائع أي نحوت نحوًا كقولك: قصدت قصدًا ثم خص به انتحاء هذا القبيل من العلم كما أن الفقه في الأصل مصدر فقهت الشيء أي عرفته ثم خص به علم الشريعة من التحليل والتحريم وكما أن بيت الله خص به الكعبة وإن كانت البيوت كلها لله. وله نظائر في قصر ما كان شائعًا في جنسه على أحد أنواعه. وقد استعملته العرب ظرفًا وأصله المصدر. أنشد أبو الحسن: ترمي الأماعيز مجمرات ... بأرجل روح مجنبات٢ يحدو بها كل فتى هيهات ... وهن نحو البيت عامدات٣

стр. 35

باب القول على الإعراب: هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه وشكر سعيدًا أبوه علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول ولو كان الكلام شرجًا١ واحدًا لاستبهم أحدهما من صاحبه. فإن قلت: فقد تقول ضرب يحيى بشرى فلا تجد هناك إعرابًا فاصلًا وكذلك نحوه قيل: إذا اتفق ما هذه سبيله مما يخفى في اللفظ حاله ألزم الكلام من تقديم الفاعل وتأخير المفعول ما يقوم مقام بيان الإعراب. فإن كانت هناك دلالة أخرى من قبل المعنى وقع التصرف فيه بالتقديم والتأخير نحو أكل يحيى كمثرى: لك أن تقدم وأن تؤخر كيف شئت وكذلك ضربت هذا هذه وكلم هذه هذا وكذلك إن وضح الغرض بالتثينة أو الجمع جاز لك التصرف نحو قولك أكرم اليحييان البشريين وضرب البشريين اليحيون٢ وكذلك لو أومأت إلى رجل وفرس فقلت ٣: كلم هذا هذا فلم يجبه لجعلت الفاعل والمفعول أيهما شئت لأن في الحال بيانًا لما تعني. وكذلك قولك ولدت هذه هذه من حيث كانت حال الأم من البنت معروفة غير منكورة. وكذلك إن ألحقت الكلام ضربًا من الإتباع جاز لك التصرف لما تعقب٤ من البيان نحو ضرب يحيى نفسه بشرى أو كلم بشرى العاقل معلى أو كلم هذا وزيدًا يحيى. ومن أجاز قام وزيد عمرو لم يجز ذلك في نحو "كلم هذا وزيد يحيى " وهو يريد كلم هذا يحيى وزيد كما يجيز "ضرب زيدًا وعمرو جعفر ".

стр. 36

فهذا طرف من القول١ أدى إليه ذكر الإعراب. وأما لفظه فإنه مصدر أعربت عن الشيء إذا أوضحت عنه؛ وفلان معرب عما في نفسه أي مبين له, وموضح عنه؛ ومنه عربت الفرس تعريبًا إذا بزغته, وذلك أن تنسف أسفل حافره, ومعناه أنه قد بان بذلك ما كان خفيًا من أمره لظهوره إلى مرآة العين بعد ما كان مستورًا وبذلك تعرف حاله: أصلب هو أم رخو؟ و"أصحيح"٢ هو أم سقيم وغير ذلك. وأصل هذا كله قولهم "العرب " وذلك لما يعزى إليها٣ من الفصاحة, والإعراب والبيان. ومنه قوله٤ في الحديث " الثيب تُعرِب عن نفسها " والمعرب: صاحب الخيل العراب وعليه قول الشاعر: يصهل في مثل جوف الطوى ... صهيلًا يبين للمعرب٥

стр. 37

أي إذا سمع صاحب الخيل العراب صوته علم أنه عربي. ومنه عندي عروبة والعروبة للجمعة١ وذلك أن يوم الجمعة أظهر أمرًا من بقية أيام الأسبوع لما فيه من التأهب لها والتوجه إليها وقوة الإشعار بها؛ قال: بوائم رهطًا للعروبة صيمًا٢ ولما كانت معاني المسمين مختلفة كان الإعراب الدال عليها مختلفًا أيضًا وكأنه من قولهم: عربت معدته أي فسدت كأنها استحالت من حال إلى حال كاستحالة الإعراب من صورة إلى صورة. وفي هذا كاف بإذن الله.

стр. 38

باب القول على البناء: وهو لزوم آخر الكلمة ضربًا واحدًا: من السكون أو الحركة لا لشيء أحدث ذلك من العوامل. وكأنهم إنما سموه بناء لأنه لما لزم ضربًا واحدًا فلم يتغير تغير الإعراب سمي بناء من حيث كان البناء لازمًا موضعه لا يزول من مكان إلى غيره وليس كذلك سائر الآلات المنقولة المبتذلة١ كالخيمة والمظلة والفسطاط والسرادق ونحو ذلك. وعلى أنه قد أوقع على هذا الضرب من المستعملات المزالة من مكان إلى مكان لفظ البناء تشبيهًا لذلك٢ -من حيث

стр. 39

كان مسكونًا, وحاجزًا ومظلًا -بالبناء من الآجر والطين والجص؛ ألا ترى إلى قول أبي مارد الشيباني: لو وصل الغيث أبنين امرأ ... كانت له قبة سحق بجاد١ أي لو اتصل الغيث لأكلأت الأرض وأعشبت فركب الناس خيلهم للغارات فأبدلت الخيل الغني الذي كان له قبة من قبته سحق بجاد فبناه بيتًا له بعد ما كان يبني لنفسه قبة. فنسب ذلك البناء٢ إلى الخيل لما كانت هي الحاملة للغزاة الذين أغاروا على الملوك فأبدلوهم من قبابهم ونظير معنى هذا البيت ما أخبرنا به أبو بكر محمد٣ بن الحسن عن أحمد٤ بن يحيى من قول الشاعر: قد كنت تأمنني والجدب دونكم ... فكيف أنت إذا رقش الجراد نزا٥ ومثله أيضًا ما رويناه عنه "عنه"٦ أيضًا من قول الآخر: قوم إذا اخضرت نعالهم ... يتناهقون تناهق الحمر٧

стр. 40

قالوا في تفسيره: إن النعال جمع نعل وهي الحرة أي إذا اخضرت الأرض بطروا وأشروا١ فنزا بعضهم على بعض. وبنحو من هذا فسر أيضًا قول النبي٢ ﷺ : "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال" أي إذا ابتلت الحرار. ومن هذا اللفظ والمعنى ما حكاه أبو زيد من قولهم: "المعزى تبهى ولا تبنى". ف "تبهى " تفعل من البهو أي تتقافز على البيوت من الصوف فتخرقها فتتسع الفواصل من الشعر فيتباعد ما بينها حتى يكون في سعة البهو ٣. "ولا تبنى " أي لا ثلة لها وهي الصوف فهي لا يجز منها الصوف ثم ينسجونه ثم يبنون منه بيتًا. هكذا فسره أبو زيد. قال: ويقال أبنيت الرجل بيتًا إذا أعطيته ما يبني منه بيتًا. ومن هذا قولهم: قد بنى فلان بأهله وذلك أن الرجل كان إذا أراد الدخول بأهله بنى بيتًا من أدم أو قبة أو نحو ذلك من غير الحجر والمدر ثم دخل بها فيه فقيل لكل داخل بأهله: هو بان بأهله وقد بنى بأهله. وابتنى بالمرأة هو افتعل من هذا اللفظ وأصل المعنى منه. فهذا كله على التشبيه لبيوت الأعراب ببيوت ذوي الأمصار. ونحو من هذه الاستعارة في هذه الصناعة استعارتهم ذلك في الشرف والمجد قال لبيد: فبنى لنا بيتًا رفيعًا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
следующие страницы →