وتنفرد بنيابتها عن ظرف زمان كقولك: "جد ما دمت واجدا".
وزعم الزمخشري: أن "أن" تشاركها في ذلك، وجعل منه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ ١.
وهو مردود، لأن "أن" في الآية صالحة للتعليل، وهو المعنى المجمع عليه ولا عدول عنه.
وذهب الأخفش وابن السراج٢ أن "ما" المصدرية اسم فتحتاج إلى عائد.
والصحيح: أنها حرف فلا تحتاج إلى عائد، وهو مذهب سيبويه.
قلت: وذكر أبو البقاء٣ أنها على كلا القولين لا يعود عليها من صلتها شيء وهو خلاف ما نقله غيره.
و"كي" وتوصل بفعل مضارع "ولا تقع إلا مجرورة باللام أو مقدرا معها اللام"٤.
و"أن"٥ وتوصل باسمها وخبرها.
стр. 387
و"لو"١ خلافا لمن أنكرها، وعلامتها أن يصلح موضعها "أن" وأكثر وقوعها بعد ما يدل على تمن كقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ ٢.
قال المصنف: وأكثر النحويين لا يذكرون "لو" في الحروف المصدرية، وممن ذكر "من المتقدمين"٣ الفراء وأبو عليّ، ومن المتأخرين التبريزي٤, وأبو البقاء وتوصل بفعل متصرف غير أمر "كما".
وأما الموصول الاسمي: فقد بينه بقوله:
موصول الاسماء الذي الأنثى التي
الموصول الاسمي ضربان: مذكر ومؤنث، وكل منهما مفرد أو مثنى أو مجموع.
فالمفرد المذكر "الذي" وفيه ست لغات: إثبات يائه وحذفها مع إبقاء الكسرة، وحذفها مع إسكان الذال وتشديدها مكسورة ومضمومة، والسادسة حذف الألف "واللام"٥ وتخفيف الياء الساكنة.
وللواحدة المؤنثة "التي" وفيها تلك اللغات الست أيضا. ثم قال:
............................. ... واليا إذا ما ثنيا لا تثبت
بل ما تليه أوله العلامه ... .............................
يعني: أنك تقول في تثنيه "الذي، اللذان" فتحذف الياء وتولي الحرف الذي تليه الياء وهو "الذال"٦ علامة التثنية وهي الألف رفعا والياء جرا ونصبا, تليهما نون مكسورة.
وتقول في تثنية "التي: اللتان" فتحذف الياء أيضا وتولي علامة التثنية ما قبلها "وهي"٧ التاء كما في المذكر، وكان القياس إثبات الياء فيهما, فيقال:
стр. 388
"اللذيان واللتيانِ" كما يقال في تثنية "الشجي" ونحوه من المنقوص "الشجِيَان" بإثبات الياء.
إلا أن "الذي والتي" لما كان مبنيين لم يكن "ليائهما"١ حظ في التحريك، فلذلك لم تفتح قبل علامة التثنية، بل بقيت ساكنة، فحذفت لالتقاء الساكنين.
وقوله: "والنون إن تشدد فلا ملامه.
إشارة إلى جواز تشديد النون في تثنية "الذي والتي" فتقول: "اللذان واللتان", وهو مع الألف متفق على جوازه، وأما مع الياء فمنعه البصريون، وأجازه الكوفيون، وهو الصحيح لقراءة ابن كثير٢ ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ ٣ -بالتشديد.
تنبيه:
في تثنية "الذي والتي" لغة ثالثة وهي حذف النون كقول الفرزدق:
أبني كليب إن عمّيّ اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا٤
стр. 389
وقول الآخر:
هما اللتا لو ولدت تميم ... لقيل فخر لهم صميم١
وذكر في شرح التسهيل: أن حذف النون من قوله: "هما اللتا" لضرورة الشعر وهو مخالف لما في التسهيل، فإنه قال: يجوز إثبات "نونها"٢ وحذفها.
وقد ذكر فيه قبل ذلك أن من أسباب حذف نون التثنية تقصير الصلة، ومثله في الشرح بقوله:
أبني كليب إن عمّيّ اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
стр. 390
وقد ذكر غيره أن حذف هذه النون لغة بني الحارث بن كعب وبعض ربيعة.
وذكر في التسهيل لغة رابعة وهي: "لذان" بحذف الألف واللام١.
وقوله:
والنون من ذين وتين شددا ... أيضا.............................
يعني أن النون في تثنية اسم الإشارة قد تشدد أيضا مع الألف باتفاق.
ومنه قراءة ابن كثير وأبي عمرو٢: "فذانِّك برهانان"٣, ومع الياء على الصحيح كما تقدم٤.
ثم ذكر وجه التشديد فقال:
.... وتعويض بذاك قصدا
يعني: أن تشديد النون في "اللذين واللتين" قصد به التعويض عن الياء المحذوفة على غير قياس كما تقدم, والتشديد في "ذين وتين" عوض عن الألف المحذوفة من "ذواتا" فإن حقها أن تثبت كما ثبتت ألف المقصور, هذا ما ذهب إليه المصنف٥.
وتقدم مذهب من جعل تشديد النون في "ذانك" دليلا على البعد.
قال في شرح التسهيل: ويبطل هذا القول جواز التشديد في "ذين وتين".
وأجيب بأنه لا يدل جواز التشديد في "ذين وتين"٦ في حالة القرب على عدم جعله على سبيل اللزوم دليلا على حالة البعد بل قد يلزم الشيء دلالة على شيء في حال، وإن كان جائزا في حال أخرى.
وذكر في البسيط في علة تشديد النون أقوالا لا يقوم على صحتها دليل.
стр. 391
ثم انتقل إلى الجمع فقال:
جمع الذي الأُلَى الذي مطلقا
يعني: أن الذي له جمعان: أحدهما "الألى" وتسميته جمعا تجوز١ وإنما هو اسم جمع.
وقد يرد الألى للمؤنث وهو قليل، وقد اجتمع الأمران في قوله:
وتبلى الألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحدإ القبل٢
стр. 392
وقد يقال "الألاء" بالمد ومنه قول كثير:
أبى الله للشم الألاء كأنهم ... سيوف أجاد القين يوما صقالها١
والآخر "الذين" مطلقا أي: رفعا ونصبا وجرا؛ لأنه مبني فلا يتغير.
وإطلاق الجمع على "الذين" فيه أيضا تجوز؛ لأنه مخصوص بأولي العلم "والذي علم"٢ فهو كالعالمين٣ وقد تقدم.
فإن قلت: قد تقدم أن تثنية اسم الإشارة وتثنية "الذي والتي" أعربت لأن التثنية من خواص الأسماء "فعارضت"٤ شبه الحرف, فهلا أعرب "الذين"؟ لأن الجمع من خواص الأسماء كالتثنية.
стр. 393
قلت: لما لم يجر على سنن الجموع لكونه أخص من واحدة كما "تقرر"١ لم تعتبر "معنى الجمعية"٢ فيه، فبقى على بنائه.
قال في شرح التسهيل: وعلى كل حال ففي "الذي والذين" شبه بالشجي، والشجيين، في اللفظ وبعض المعنى، فلذلك لم تجمع العرب على ترك إعراب الذيل بل إعرابه في لغة هذيل٣ مشهور, فيقولون: "نصر اللذون آمنوا على الذين كفروا" وإلى هذه اللغة أشار بقوله:
وبعضهم بالواو رفعا نطقا
قلت: ونقلها بعضهم عن عقيل.
تنبيه:
في "الذين" أربع لغات المشهورة ولغة هذيل وحذف نونه لطول الاسم بالصلة مطلقا، هكذا ذكر المغاربة وأنشدوا قول الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد٤
стр. 394
وفصل المصنف فقال: ويغني عنه "الذي" في غير تخصيص كثيرا، وفيه للضرورة قليلا١. ا. هـ. وأنشد البيت على أنه ضرورة "و"٢ قيل: "هو"٣ مخالف لما ذكره أول التسهيل، فإن ذكر لحذف النون أسبابا فقال: وتسقط "النون"٤ للإضافة وللضرورة ولتقصير صلة٥. ا. هـ.
قلت: هو غير مخالف له، فإن قوله: ويغني عنه الذي، معناه أن "الذي" المفرد اللفظ قد يعبر عن جمع، لا أنه جمع حذفت نونه.
ألا ترى قوله في الشرح: وإذا لم يقصد بالذي "تخصيص"٦ جاز أن يعبر به عن جمع حملا على "من".
وأما، "وإن"٧ الذي حانت، فمحتمل لأن يكون مفردا عبر به عن الجمع، وأن يكون جمعا حذفت نونه.
واللغة الرابعة: حذف الألف واللام, فيقال: "الذين". قال أبو عمرو: سمعت أعرابيا "يقرأ"٨: "صراط لَذين"٩ بتخفيف اللام.
ثم انتقل إلى جمع المؤنث فقال:
باللات واللاء التي قد جمعا
يعني أن "التي" لها جمعان: "أحدهما"١٠ "اللات" وفيه لغتان: إثبات الياء وحذفها.
стр. 395
والأخرى "اللاتي" وفيه لغتان أيضا: إثبات الياء وحذفها.
"وللتي" جموع أخر منها "اللواتي" بإثبات الياء وحذفها "واللواء" بالمد "وباللواء" بالقصر "واللا" بالقصر، مبنيا على الكسر "أ"١, ومعربا إعراب أولات وليست هذه بجموع حقيقية, وإنما هي أسماء جموع٢.
وفي شرح التسهيل "تفصيل"٣ في هذه الجموع قال: الصحيح أن "الذين" جمع "الذي" يراد به من يعقل وأن "اللاءات" جمع "اللائي" مرادف "اللاتي" وكذلك "اللواتي" و"اللوائي" جمعان "للاتي واللائي" على حد قولهم في الهادي -وهو العنق- الهوادي.
وأما "اللاتي" فيحتمل أن يكون اسما للجمع؛ لأنه ليس على بناء من أبنية الجمع، ويحتمل أن يكون جمعا لأنه متضمن "معنى٤ حروف" "التي".
ويفتقر كونه مخالفا لأبنية "الجموع، كما افتقر في "اللتيا" كونه مخالفا لأبنية٥ التصغير".
وأما "اللاتي والألى" وغيرهما من الموصولات الدالة على جمع فأسماء جموع.
وذكر أن "اللا واللوا" أصلهما "اللاتي واللواتي" فحذفوا التاء والياء.
قال: والأظهر عندي أن الأصل في اللوا اللواء وفي اللاء اللاتي ثم "قصرا"٦. وقوله:
واللاءى كالذين تزرا واقعا
يشير بها إلى نحو قوله:
فما آباؤنا بأمَنَّ منه ... علينا اللاء قد مهدوا الحجورا٧
стр. 396
فاستعمل "اللاء" بمعنى الذين، والأصل فيه أن يكون للمؤنث كما تقدم.
تنبيه:
من جموع "الذي" أيضا "اللائين" مطلقا وهذيل تعربه كما أعربت الذين "و" قد ذكر في شرح التسهيل أن "اللائين" جمع "اللائي" مرادف "الذين".
ثم أشار إلى ألفاظ أخرى من الموصولات بقوله:
ومن وما وأل تساوي ما ذكر
يعني أن هذه "الأسماء" تستعمل بمعنى "الذي" و"التي" وتثنيتهما وجمعهما.
"فمن" لمن يعقل نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ٢ أو لمنزل منزلته كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ ٣ فعبر عن الأصنام بمن لتنزيلها منزلة العاقل، أو لمختلط به كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ
стр. 397
يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ أو لمقترن به نحو: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ٢ أو وقع "من" على ما لا يعقل، لاقترانه بمن يعقل فيما فصل بمن.
قال في شرح التسهيل: كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ ٣ وأجاز قطرب وقوع "من" على ما لا "يعقل"٤ بلا شرط، واستدل بما لا حجة فيه. و"ما" لما لا يعقل نحو: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥ أو لصفة من يعقل نحو: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ٦ "أي وبانيها"٧, ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٨ أي الطيب، أو لمبهم أمره نحو أن ترى شبحا تقدر إنسانيته وعدم إنسانيته، فتقول: أخبرني ما "هنالك"٩.
قال في شرح التسهيل: وكذلك لو علمت إنسانيته ولم تدر أهو ذكر أم أنثى؟ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ ١٠.
قلت: وقال غيره: أتى بما دون "من" لأن الحمل حينئذ لم يتصف بالعقل, أو لمختلط "بما"١١ لا يعقل١٢ نحو: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ١٣ قال في الكافية:
وعند الاختلاط خير من نطق ... في أن يجيء منهما بما اتفق
стр. 398
وأجاز أبو عبيدة وابن درستويه وابن خروف١ ومن وافقهم، وقوع "ما" على آحاد من يعقل، ونسبه ابن خروف إلى سيبويه، واستدلوا بظواهر تأولها المخالف ووافقهم المصنف.
مسألة:
"من" لها أربعة أقسام موصولة وقد ذكرت، وشرطية نحو: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ ٢ واستفهامية نحو: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣ ونكرة موصوفة نحو: "مررت بمن معجب لك".
وزعم الكسائي أن العرب لا تستعمل "من" نكرة موصولة إلا "أن تقع"٤ في موضع يختص بالنكرة كوقوعها بعد "رب" في قوله:
ألا رب من تغتشه لك ناصح ... ومؤتمن بالغيب غير أمين٥
стр. 399
كما تكون "ما" نكرة موصوفة بعد "رب" في قول "الشاعر"١:
ربما تكره النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال٢
ورد بقول الشاعر:
فكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبي محمد إيانا٢
стр. 400
وأجيب بأن الكسائي يرى: أنها في هذا البيت زائدة؛ لأنه أجاز زيادة "من" ومذهب البصريين والفراء: أنها لا تزاد، لأنها اسم١.
وزاد أبو علي أقسام "من" أن تكون نكرة موصوفة، كقول الشاعر:
...................................... ... ونعم من هو في سر وإعلان٢
стр. 401
والصحيح أنها "لا تكون نكرة"١ غير موصوفة.
و"ما" لها سبعة أقسام موصولة نحو: ﴿وَلِلَّهِ " يَسْجُدُ "٢ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٣, وشرطية نحو: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ٤ واستفهامية نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ ٥ ونكرة موصوفة نحو: "مررت بما معجب لك" ويمكن أن يكون منه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ ٦ ونكرة غير موصوفة نحو: "ما أحسن زيد" "في التعجب"٧ على مذهب سيبويه٨.
أو صفة نحو: "لأمر ما جدع قصير أنفه"٩.
قال المصنف: والمشهور أن "ما" في هذا المثال ونحوه زائدة مبنية على وصل لائق بالمحل، ومعرفة تامة وذلك في باب نعم نحو: "غسلته غسلا نعما"
стр. 402
أي: نغم الغسل, وفي هذا خلاف يأتي في باب نعم١ فهذه أقسام "ما" الاسمية.
وأما الحرفية: فتكون نافية وزائدة ومصدرية "وكافة ومهيئة"٢ وليس هذا موضع بسط الكلام على هذه الأقسام.
و"أل" "يشترك"٣ فيه العاقل وغيره "وهي"٤ اسم موصول عند الجمهور، وذهب المازني إلى أنها حرف موصول، وذهب الأخفش إلى أنها حرف تعريف.
والصحيح أنها اسم لأوجه: أحدها عود الضمير عليها في نحو: "قد أفلح المتقي ربه".
"وذهب"٥ المازني "بأن"٦ الضمير يعود على موصوف محذوف، ورد بأن لحذف الموصوف "مظان"٧ لا يحذف في غيرها إلا لضرورة وليس هذا منها.
الثاني: استحسان خلو٨ الصفة معها "عن"٩ الموصوف نحو: "جاء الكريم" فلولا "أنها"١٠ اسم موصول قد اعتمدت الصفة عليه كما تعتمد على الموصوف لقبح خلوها عن الموصوف.
الثالث: إعمال اسم الفاعل "معها"١١ بمعنى المضي، فلولا أنها موصولة واسم الفاعل معها في تأويل لقدح لحاقها في إعمال اسم الفاعل بمعنى الحال "أ"١٢ والاستقبال.
стр. 403
قلت: وقد التزم ذلك الأخفش، فذهب إلى أن اسم الفاعل لا عمل له مع "أل" وسيأتي بيانه في بابه١.
الرابع: دخولها على الفعل نحو: الترضى حكومته٢.
والمعرفة مختصة بالاسم.
واستدل المازني ومن وافقه على حرفيتها بأن العامل يتخطاها نحو: "مررت بالضارب" فالمجرور "هو"٣ "ضارب" ولا موضع لأل، ولو كانت اسما لكان لها موضع الإعراب.
قال الشلوبين: الدليل على أن الألف واللام حرف قولك "جاء٤ القائم" فلو كانت اسما "لكانت"٥ فاعلا واستحق "قائم" البناء؛ لأنه على هذا التقدير مهمل "لأنه"٦ صلة والصلة لا يسلط عليها عامل الموصول.
وأجاب في شرح التسهيل: بأن مقتضى الدليل أن يظهر عمل عامل الموصول في آخر الصلة؛ لأن نسبتها منه "نسبة عجز المركب منه"٧، لكن منع من ذلك كون الصلة جملة "والجمل"٨ لا تتأثر "بالعوامل"٩ "فلما"١٠ كان صلة الألف واللام "في اللفظ"١١ غير جملة جيء بها على مقتضى الدليل، لعدم المانع١٢.
стр. 404
وقوله:
وهكذا ذو عند طيئ شهر
يعني أن "ذو" عند طيئ اسم موصول يستعمل بمعنى الذي وفروعه بلفظ واحد "فيقال"١: "جاءني ذو فعل وذو فعلت وذو فعلا وذو فعلا وذو فعلن".
وتتميز معانيها بالعائد كما مثل، أو بما هي له كقول الشاعر:
فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت٢
أي: التي حفرت والتي طويت؛ لأن البئر مؤنثة.
تنبيهان:
أحدهما: تسمى "ذو" هذه٣ الطائية؛ لأنها لا يستعملها موصولة إلا طيئ أو من تشبه بهم من المولدين كأبي نواس وحبيب٤.
стр. 405
الثاني: المشهور في "ذو" الطائية أنها مبنية، وبعضهم يعربها إعراب "ذو" بمعنى صاحب١.
ويروى بالوجهين قول الشاعر:
.............................................. ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا٢
стр. 406
وقوله:
وكالتي أيضا لديهم ذات ... وموضع اللاتي أتى ذوات
يعني: أن بعض طيئ تقول: "ذات" إذا أراد معنى "التي" وذوات إذا أراد معنى "اللاتي" بالبناء على الضم فيهما.
وظاهر هذا أنه إذا أراد غير "التي واللاتي", يقول: "ذو" على الأصل، وأطلق ابن عصفور القول في تثنية "ذو و"ذات"١" وجمعها.
قال المصنف: أظن الحامل له على ذلك قولهم: "ذات وذوات" بمعنى "التي واللاتي" فأضربت "عنه"٢ لذلك. ا. هـ.
ونقل الهروي٣ وابن السراج عن العرب ما نقله ابن عصفور.
ثم قال:
ومثل ماذا بعد ما استفهام ... أو من إذا لم تلغ في الكلام
يعني أن من الموصولات التي تستعمل بمعنى "الذي" وفرعه بلفظ واحد "كذا" بشرطين:
الأول: أن تقع بعد "من" أو "ما" الاستفهاميتين خلافا لمن منع وقوعها بعد "من".
الثاني: أن تكون غير ملغاة، والمراد بالإلغاء أن تركب "ذا"٤ مع "ما أو من" "فيكونا"٥ اسما واحدا.
стр. 407
ولها حالة الإلغاء معنيان: أحدهما وهو الأشهر أن يكون "المجموع"١ اسم استفهام، فلا يعمل فيه فعل متقدم.
والآخر أن يكون اسما موصولا أو نكرة موصوفة، وعليه بيت الكتاب:
دعى ماذا علمت سأتقيه ... ولكن بالمغيب نبئيني٢
أي: دعي الذي علمت أو شيئا علمت، ولذلك عمل فيها ما قبلها.
ولها شرط ثالث أهمله لوضوحه، وهو ألا تكون "إشارة"٣ نحو "من ذا" أو "ماذا".
وقد اتضح بما ذكر أن "ماذا" لها أربعة استعمالات، ويجوز في "نحو"٤ "ماذا صنعت؟ " وجهان: أحدهما أن تكون "ذا" موصولة فتكون "ما" حينئذ مبتدأ "وذا" وصلته خبر "ما"٥ والعائد محذوف "أي صنعته"٦ والآخر أن تكون أي
стр. 408
مركبة مع "ما"١ فيجعلان اسما واحدا من أسماء الاستفهام فتكون "ماذا" مفعولا مقدما لصنعت.
ويظهر "أثر"٢ الاحتمالين في البدل من اسم الاستفهام وفي الجواب، فبدل الأول مرفوع، وكذا جوابه على "المختار"٣ وبدل الثاني منصوب وكذا جوابه على المختار؛ لأن حق الجواب أن يطابق السؤال، وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٤ قرأ عمرو برفع "العفو"٥ والباقون بنصبه.
فتكون "ذا" في قراءته موصولة، وفي قراءتهم ملغاة.
ولما فرغ من عد الموصولات غير "أي" شرع في بيان صلتها وعائدها فقال:
وكلها يلزم بعده صله ... على ضمير لائق مشتمله
يعني: أن كل واحد من "هذه"٦ الموصولات لا بد له من صلة؛ لأنه اسم ناقص لا يتم معناه إلا بصلته.
فإن قلت: مقتضى قوله: "يلزم" أنها لا تحذف وحذفها جائز إذا دل عليها دليل أو قصد الإبهام ولم يكن صلة "أل" كقول الشاعر:
نحن الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا٧
стр. 409
أي نحن الألى عرفوا بالشجاعة ونحو ذلك.
قلت: المراد أنها تلزم لفظا "أ"١ وتقديرا فهي لازمة فيه وإن حذفت لفظا.
تنبيه:
فهم من قوله بعده "صلة"٢ أنه لا يجوز تقديم الصلة ولا شيء منها على الموصول, وأما نحو: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ٣ فالجار متعلق بمحذوف دلت عليه صلة "أل" لا بصلتها، والتقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين.
وقوله: على ضمير "لائق مشتمله"٤. هذا الضمير هو العائد على الموصول، وقوله: "لائق" أي: مطابق للموصول في الإفراد والتذكير وفروعهما.
تنبيه:
الموصول إن طابق لفظه معناه فلا إشكال في العائد، وإن خالف لفظه معناه، بأن يكون مفرد اللفظ مذكرا وأريد به غير ذلك، نحو: "من وما".
فلك في العائد عليه وجهان: مراعاة اللفظ وهو أكثر كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ٥ ومراعاة المعنى وهو دونه كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٦ ما يلزم من مراعاة اللفظ لبس نحو: "اعط من سألتك لا من سألك" أو قبح "من هي حمراء أمك"٧.
стр. 410
فتجب مراعاة المعنى.
أو بقصد لمعنى سابق فتختار مراعاته، كقول الشاعر:
وإن من النسوان من هي روضة ... تهيج الرياض قبلها وتصوح١
فإن قلت: يفهم من قوله على ضمير أنه لا يربط الصلة بالموصول غيره، وقد ورد الربط بالاسم الظاهر الواقع موقع الضمير. كقولهم: "أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، والحجاج الذي رأيت ابن يوسف".
стр. 411
وقال الشاعر:
......................................... ... وأنت الذي في رحمة الله أطمع١
أي في رحمته"٢ أو في رحمتك.
قلت: هذا من القلة بحيث لا يقاس عليه، فلذلك لم يذكره في هذا المختصر, "والله أعلم"٣.
وقوله:
وجملة أو شبهها الذي وصل ... به كمن عندي الذي ابنه كفل
يعني: أن الذي يوصل به الموصول غير "أل" شيئان: جملة وشبه جملة.
أما الجملة "فهي"٤ ضربان اسمية نحو: "جاء الذي أبوه فاضل" وفعلية نحو: "جاء الذي قام أبوه".
وأما شبه الجملة "فهو"٥ الظرف نحو: الذي عندك، والجار والمجرور نحو: "الذي في الدار".
стр. 412
وإنما كانت الظروف "والجار والمجرور"١ شبه الجملة؛ لأنهما يجب "هنا"٢ تعلقهما بفعل مقدر مسند إلى ضمير الموصول، والتقدير: الذي استقر عندك أو في الدار.
وقد مثل شبه الجملة بقوله: "من عندي" فمن موصولة وعندي "صلتها"٣.
ومثل الجملة بقوله: "الذي ابنه كُفِل", فالذي موصول "وابنه كفل" جملة اسمية هي الصلة.
تنبيه:
شرط الجملة الموصول بها أن تكون خبرية٤ خلافا للكسائي في جواز الأمر والنهي: وأجاز المازني أن تكون دعاء الخبر نحو: "جاء الذي رحمه "الله"٥". ويلزم الكسائي موافقته.
فإن قلت: من أين يعلم هذا الشرط من كلامه؟
قلت من مثاله "فإنه إنما"٦ مثل ليقاس عليه، والمشهور اشتراطه كون الجملة الموصول بها معهودة.
قال المصنف وليس ذلك بلازم؛ لأن الموصول قد يراد به الجنس فتوافقه صلته، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ ٧, وقد يقصد تعظيم الموصول فتبهم صلته كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٨ وشرط أكثرهم ألا تكون
стр. 413
تعجبية فلا يجوز "مررت بالذي ما أحسنه" إن كانت عندهم خبرية. ومن النحاة من أجاز ذلك وهو مذهب ابن خروف كما أجاز النعت بها.
وزاد المغاربة في "شروط"١ الصلة، ألا تستدعي كلاما قبلها، فلا يجوز "جاء الذي حتى أبوه قائم".
ثم ذكر صلة أل فقال:
وصفة صريحة صلة أل ... وكونها بمعرب الأفعال قل
المراد بالصفة هنا اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، خلافا لمن منع وصلها بالصفة المشبهة.
والمراد بالصريحة الخالصة الوصفية احترازا مما "يوصف"٢ به وليس بمشتق نحو: "أسد" ومن الصفة التي تغلب عليها الاسمية نحو: "أبطح وأجرع وصاحب"٣ فأل في ذلك حرف تعريف لا موصولة.
وقوله:
وكونها بمعرب الأفعال قل
يعني: "أن "أل" قد وردت موصولة بمعرب الأفعال وهو المضارع لكونه مشابه لاسم الفاعل وذلك قليل.
ومنه قول الشاعر:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته٤
وقد سمع منه أبيات.
стр. 414
ومذهب الناظم جوازه اختيارا١ وفاقا لبعض الكوفيين وخصه الجمهور بالضرورة.
تنبيه:
شذ وصل "أل" بمبتدأ وخبر في قول الشاعر:
من القوم الرسول الله منهم ... لهم دانت رقاب بني معد٢
стр. 415
وبظرف في قوله:
من لا يزال شاكرا على المعه ... فهو حر بعيشة ذات سعه١، ٢
أي: الذي معه، ولا يقاس على هذين باتفاق، وقد قيل: "أل" في البيت الأول زائدة وفي الثاني بقية الذي.
ثم قال:
أي كما وأعربت ما لم تضف ... وصدر وصلها ضمير انحذف
قوله: "أي "كما"" يعني أنها تستعمل موصولة بمعنى "الذي والتي"، وفروعها خلافا لأحمد بن يحيى٣ في قوله: إنها لا تستعمل إلا "شرطا"٤ أو استفهاما، وقد تؤنث بالتاء إذا أريد بها المؤنث.
وقال أبو موسى: وإذا أريد بها المؤنث ألحقت التاء في الأشهر.
стр. 416
وحكى ابن كيسان أن أهل هذه اللغة "يثنونها"١ ويجمعونها.
وقوله: "وأعربت" يعني: دون إخوتها، "فلذلك"٢ أفردها بالذكر وقد تقدم سبب إعرابها مع أن فيها ما في أخواتها من شبه الحرف في أول الكتاب.
وقوله: ما لم تضف، وصدر وصلها ضمير انحذف.
يعني أنها أعربت ما لم يجتمع فيها هذان الأمران: الإضافة وحذف الصدر "فإن فقدا أو أحدهما أعربت"٣، فالصور أربع:
الأولى: ألا تضاف ويثبت الصدر نحو: "جاءني أي هو فاضل" فتعرب، "لفقد الأمرين"٤.
الثانية: ألا تضاف ويحذف الصدر نحو٥: "جاءني أي فاضل" فتعرب لفقد الأول وهو الإضافة.
الثالثة: "أن تضاف"٦ ويثبت الصدر نحو: "جاءني أيهم هو فاضل" فتعرب أيضا لفقد الثاني وهو حذف الصدر.
الرابعة: أن تضاف ويحذف الصدر: كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ ٧.
فهذه تبنى لاجتماع الأمرين هذا مذهب سيبويه٨. خلافا للخليل
стр. 417
ويونس١ فإنهما لا يريان البناء, بل هي معربة "عندهما"٢ في الأحوال كلها "وتأولا"٣ الآية.
أما الخليل فجعلها استفهامية محكية بقول مقدر، والتقدير: ثم لننزعن من كل شيعة "الذي"٤ يقال فيه أيهم أشد.
وأما يونس فجعلها استفهامية أيضا وحكم بتعليق الفعل "قبلها"٥؛ لأن التعليق عنده غير مخصوص بأفعال القلوب، والحجة عليها قول الشاعر:
إذا ما لقيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل٦
стр. 418
"لأن حروف الجر لا تعلق، ولا يضمر "قول"١ بينها وبين معمولها"٢.
وبهذا يبطل قول من زعم أن شرط بنائها ألا تكون مجرورة، بل مرفوعة أو منصوبة، ذكر هذا الشرط ابن إباز، وقال نص عليه النقيب٣ في الأمالي٤.
وفي الآية أقوال أخر: قال الأخفش "من" زائدة"، و"كل" مفعول، و"أيهم أشد" جملة مستأنفة.
وذهب الكوفيون إلى أن "أيهم" علق عنه "شيعة" بما فيه من معنى الفعل، كأنه "قيل"٥ لننزعن من كل "متشيع٦ "في"٧" أيهم أشد، أي: من كل من نظر في أيهم، وكأنهم رأوا أن لننزعن لا تعلق فعدلوا إلى هذا، وقال ابن الطراوة: غلطوا، ولم تبن إلا لقطعها عن الإضافة.
وهم مبتدأ، وأشد خبره، وليس بشيء؛ لأنها لا تعرب إلا إذا أضيفت؛ ولأن أيا أتت في رسم المصحف٨ موصولة بالضمير ولو كان مبتدأ لفصل.
ثم قال: "وبعضهم أعرب مطلقا" أي: وبعض العرب أعرب أيا مطلقا يعني في الصور الأربع وقرئ شاذا: "أيهم أشدَّ" بالنصب على هذه اللغة.
ويحتمل أن يريد بقوله: "وبعضهم" بعض النحويين فيكون "إشارة"٩ إلى مذهب الخليل ويونس ومن وافقهما.
وقوله:
............................. وفى ... ذا الحذف أيا غير أي يقتفى
أن يستطل وصل........ ... .............................
стр. 419
يعني: أن غير "أي" من الموصولات يقتفى "أيا" أي: يتبعها في جواز "هذا"١ الحذف: يعني حذف العائد إذا كان مبتدأ, لكن بشرط:
وهو: أن يكون في الصلة طول "كقولهم"٢: "ما أنا بالذي قائل لك سوءا".
أي: هو قائل ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٣ أي: هو في السماء إله وفي الأرض إله.
ثم قال:
......... وإن لم يستطل ... فالحذف نزر..............
يعني: أن الصلة إذا لم يكن فيها طول كان حذف العائد الذي هو المبتدأ نزرا، أي قليلا ضعيفا وليس بممتنع، ومنه قراءة بعض السلف: "تماما على الذي أحسنُ"٤ "أي: هو أحسن"٥ وقراءة بعضهم: "مثلا مَّا بعُوضةٌ"٦ "أي: هو بعوضة"٧.
ومذهب البصريين: أن ذلك لا يقاس عليه، ولم يشترط الكوفيون طول الصلة بل أجازوا الحذف مطلقا، واتفقوا على عدم اشتراطه "في أي"٨، ٩.
ثم قال:
.......... وأبوا أن يختزل
إن صلح الباقي لوصل مكمل
يعني: أنه يشترط في حذف العائد إذا كان مبتدأ أن يكون "ما يبقى"١٠ بعد حذفه غير صالح، لأن يكون صلة كاملة.
стр. 420
وهذا الشرط معتبر في "أي" وفي غيرها وضابط ذلك: أن خبره إن كان مفردا جاز حذفه نحو: "أيهم فاضل" هو فاضل؛ لأن المفرد "لا يصلح"١ لأن يكون صلة كاملة بل جزء صلة فيعلم أن أحد الجزءين محذوف، وإن كان الخبر جملة أو ظرفا أو جارا ومجرورا لم يجز حذفه؛ لأنه لو حذف والحالة هذه لم يبق عليه دليل؛ لأن الجملة الظرف والجار والمجرور يصلح لأن يكون صلة كاملة.
فإذا قلت: "جاء الذي هو يفعل، أو هو عندك، أو هي في الدار" لم يجز حذفه لما ذكر.
وقد اتضح بما ذكر أن العائد "إذا"٢ كان مرفوعا، فإما أن يكون مبتدأ أو غير مبتدأ.
فإن كان غير مبتدأ لم يجز حذفه وذلك مفهوم من سكوته عنه.
وإن كان مبتدأ جاز حذفه من صلة "أي" بشرط واحد: وهو أن يكون خبره مفردا، وفي صلة غيره بشرطين: عند البصريين أن يكون الخبر مفردا وأن تطول الصلة.
تنبيه:
ذكر غير الناظم لحذف العائد الذي هو مبتدأ شروطا أخر:
أحدها: ألا يكون معطوفا نحو: "جاء الذي زيد وهو فاضلان".
والثاني: ألا يكون معطوفا عليه، نحو "جاء الذي هو وزيد قائمان".
وأجاز الفراء حذفه في هذا المثال ونحوه، وأجازه أيضا ابن السراج. قال بعضهم: وهو غير مسموح ونقل اشتراطه هذا الشرط عن البصريين.
والثالث: ألا يكون بعد "لولا"، نحو "جاء الذي لولا هو لأكرمتك"٣, ثم انتقل إلى العائد المنصوب فقال:
..................................... ... والحذف عندهم كثير منجلي
في عائد متصل إن انتصب ... بفعل أو وصف كمن نرجو يهب
стр. 421
اعلم أن العائد المنصوب، إما أن يكون متصلا أو منفصلا.
فإن كان منفصلا لم يجز حذفه لئلا تفوت فائدة الانفصال، نحو: "جاء الذي إياه أكرمت" ولذلك قال "في عائد متصل".
وإن كان متصلا، فإما أن يتصل بفعل أو بوصف أو بحرف، فإن اتصل بفعل أو بوصف جاز حذفه، وقد مثل المتصل بالفعل بقوله: "كمن نرجو يهب" أي "من"١ نرجوه.
ومنه قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ٢ أي بعثه.
ومثال المتصف بالوصف قول الشاعر:
ما الله موليك فضل فاحمدنه به ... فما لدى غيره نفع ولا ضرر٣
стр. 422
أي: الذي الله موليكه فضل١.
وإن كان منتصبا بحرف لم يجز حذفه، نحو "جاء الذي إنه فاضل أو كأنه أسد".
وهذا مفهوم من اقتصاره على الفعل والوصف.
تنبيهات:
الأول٢: حذف العائد المنصوب بفعل أكثر من حذف العائد المنصوب بوصف وإن اشتركا في الجواز.
الثاني: لا يخلو المنصوب بالوصف من أن يكون في صلة "أل" أو في صلة غيرها فإن كان في صلة غيره جاز حذفه كما تقدم، وإن كان في صلتها فمذهب الجمهور أنه لا يجوز، وأجازه بعضهم نحو "الضارب زيد هند" يريد الضاربها.
واختلف فيه عن الكسائي٣.
وقال في التسهيل: وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام ومثال ذلك قول الشاعر:
ما المستفز الهوى محمود عاقبة ... ولو أتيح له صفو بلا كدر٤
стр. 423
وقول الآخر:
في المعقب البغي أهل البغي ما ... ينهي امرأ حازما أن يسأما١
стр. 424
أي: في الذي أعقبه البغي على خلاف في هذا الضمير أمنصوب "هو"١ أم مجرور٢.
وعلى كل حال فحذفه نادر.
ومقتضى عبارة الناظم أن حذف المنصوب بالوصف كثير "مطلقا"٣ وليس كذلك٤.
الثالث: شرط ابن عصفور في جواز حذف المنصوب أن يكون متعينا للربط فإن لم يتعين لم يجز حذفه نحو "جاء الذي ضربته في داره".
وشرط قوم أن يكون الفعل الناصب له تاما، فلو كان ناقصا لم يجز حذفه نحو "جاء الذي ليسه زيد".
الرابع: إذا حذف العائد المنصوب بشرطه ففي توكيده والنسق عليه خلاف أجازه الأخفش والكسائي٥ ومنعه ابن السراج وأكثر المغاربة واختلف عن الفراء.
الخامس: اتفقوا على مجيء الحال منه إذا كانت مؤخرة "عنه"٦ نحو: "هذه التي عانقت مجردة" "أي عانقتها مجردة"٧.
فإن كانت الحال متقدمة نحو: "هذه التي مجردة عانقت" فأجازها ثعلب٨ ومنعها هشام٩.
ثم انتقل إلى المجرور فقال:
كذاك حذف ما بوصف خفضا ... كأنت قاض بعد أمر من قضا
стр. 425
العائد المجرور إما أن ينجر بإضافة أو بحرف، فإن انجر بإضافة والمضاف وصف عامل جاز حذفه، كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ١ أي: "الذي"٢ أنت قاضيه, وإلى هذه الآية أشار بقوله:
"كأنت قاض بعد أمر -أي بعد فعل الأمر- من قضا".
وهو في قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ﴾ وليس حذفه بضعيف جدا خلافا لابن عصفور، بل فصيح لوروده في القرآن؛ ولأنه منصوب في "المعنى"٣.
على أن النحويين من زعم أنه منصوب.
وإن كان المضاف غير وصف نحو: "جاء الذي وجهه حسن".
أو وصفا غير عامل نحو: "جاء الذي أنا ضاربه أمس" لم يجز حذفه٤, فإن قلت: أطلق الناظم الوصف ولم يقيده بالعامل.
قلت: "كأنه"٥ اكتفى بالمثال عن التقييد؛ لأنه قد فهم من استقراء هذا النظم أنه قد "يتمم"٧ الحكم بالتمثيل.
وأما المجرور بحرف فقد ذكره في قوله:
كذا الذي جر بما الموصول جر ... كمر بالذي مررت فهو بر
يعني: أنه يجوز حذف العائد المجرور بالحرف بشروط:
الأول: أن ينجر الموصول بمثل الحرف "الجار"٧ للعائد لفظا، فلو اختلفا لفظا لم يجز الحذف نحو "حللت في الذي حللت به"٨.