← Общие книги

Общие книги · id 9989

الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (643 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمات: فاتحة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم: الحمد لله الرحمن الرحيم، ذي السلطان العظيم، والمن القديم، والوجه الكريم، والكلمات التامات، والدعوات المستجابات، والمشيئات النافذات، الذي لا يتم شيء من ذوي الإرادات إلا بإذنه وتيسيره، وإمداده بالحول والقوة، فإنه لا حول ولا قوة إلا به. والصلاة والسلام على خاتم أنبياء الله ورسله محمد بن عبد الله الذي ختم به وبما أنزل عليه رسالاته للناس، وعلى سائر الأنبياء الطاهرين الأبرار، والمرسلين المصطفين الأخيار الذين بلغوا رسالات ربهم، فأدوا الأمانة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وكانوا بناه مخلصين صادقين في صرح الحضارة المجيدة التي اصطفاها الله للناس أجمعين، وكان كل لاحق منهم عاملًا في إكمال بنائه النظري الفكري والتدريب على بنائه العملي، حتى ختم الله ذلك بمحمد بن عبد الله العربي الهاشمي الأمين، الذي أنزل عليه القرآن المبين، ومثله معه من وحي وتبيين. وبعد: فقد مضى قرابة "٢٨" سنة على إخراجي لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها" الذي كنت قد وعدت فيه بأن أُتِم -إن شاء الله- الخطة العامة لكتاب "الحضارة الإسلامية" بكتاب لاحق يشتمل على البابين الثالث والرابع من الخطة

стр. 2

- صورة من تطبيقات المسلمين للحضارة الإسلامية النظرية. - لمحات من تأثير الحضارة الإسلامية وتطبيقاتها في سائر الأمم التي لم تدن بالإسلام، ولكنها التقت بالمسلمين لقاء مودة أو لقاء خصام. وخلال هذه المدة الطويلة قضى الله ﷻ بأن تشغلني عن إكمال الكتاب بهذين البابين اجتهادات في إخراج مؤلفات كثيرات زادت على "٢٨" مؤلفًا، في موضوعات مختلفات، وبعد طبعتين من كتاب "أسس الحضارة ووسائلها" توقفت دار القلم بدمشق التي تنشر كتبي عن تجديد طباعته؛ لانشغالها بطباعة المؤلفات الأخرى. وقبيل أواخر سنة "١٤١٧هـ" اتصل بي صاحب دار القلم وطلب مني أن أوافق على إعادة طبعه، فألهمني الله ﷻ أن أطلب منه التريث، لعل الله جلت قدرته يقضي لي بإكمال ما سبق أن وعدت به، فوجهت العزيمة والمهمة، وسألت الله العون والتوفيق والإمداد بالحول والقوة، وشرعت في إعادة النظر في الكتاب، وفي كتابة البابين الذين كنت وعدت بأن أوافي القراء بهما إن شاء الله ﵎. وقد شاء الله بفضله ومنه وكرمه بعد نحو "٢٨" عامًا بأن أحقق ذلك؛ إذ كان وعدي معلقًا على مشيئته ﷻ كما أمرنا في كتابه بقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] . واخترت أن أجعل الأصل واللاحق في كتاب واحد بعنوان "الحضارة الإسلامية" أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها، ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم. فالحمد لله على ما يسر ووفق وقضى، وأسأله أن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته. والآن أدفع الكتاب للنشر، بعد أن تمت العناصر التي كانت مرسومة في خطته.

стр. 3

والله أسأل أن ينفع به علمًا للجاهلين، وتنبيهًا للغافلين، وإقناعًا للشاكين، وتبصيرًا للمتأثرين بزيوف الضالين المضلين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الطائف في صباح يوم السبت ١٣ من ربيع الآخر ١٤١٨هـ الموافق لـ"١٦" من شهر آب "أغسطس" ١٩٩٧م. عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني

стр. 4

مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها ": بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وجعل دينه الذي اصطفى للناس دين حضارة سليمة وارتقاء صحيح إلى مجد الإنسان في دار الابتلاء ثم في دار الجزاء. وبعد: فأقدم لقراء العربية الطبعة الثانية من كتابي هذا "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها" بعد أن نفدت نسخ الطبعة الأولى منه، سائلًا الله تعالى أن ينفع به شباب هذه الأمة، فيعملوا على بناء الحضارة الإسلامية بناء صحيحًا، مستهدين في ذلك بكتاب الله وسنة رسوله محمد خاتم الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- والمتمم لرسالات من سبقه من رسل الله. والمطلع على هذا الكتاب من ذوي الثقافة الواعية، يرى أنني في تصور الحضارة الإسلامية وتحديد مفاهيمها قد جعلت مرجعي كتاب الله وسنة رسوله وسيرته في حياته، ولم تحرفني عن ذلك مفاهيم قاصرة أو منحرفة للحضارة، أخذت بها الحضارات غير الإسلامية القديمة والحديثة. والحق الذي جاء به الإسلام بطريقة فذة كاملة لا بد أن يتفق مع عناصر الحق الموجودة لدى المفاهيم الإنسانية، ويختلف مع عناصر الباطل الموجودة لديها، فما كان من لقاء بينه وبينها فهو اتفاق في الحق، وما كان من افتراق بينه وبينها فهو اختلاف بين الحق الذي جاء هو به، والباطل الذي أخذت هي به.

стр. 5

رب أرزقنا العلم الصحيح، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل، واجعلنا هادين مهديين، ولا تجعلنا ضالين ولا مضلين، بفضلك ومنك وكرمك يا رب العالمين. مكة المكرمة ١/ ١/ ١٣٩٨هـ عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني

стр. 6

فاتحة كتاب؛ "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها ": الحمد لله، والصلاة والسلام على رسله منشئي الحضارات الإنسانية الراقية، وفاتحي سبل التقدم والرقي الإنسانيين، وأتم الصلاة والتسليم على من كملت ببعثته الأسس الحضارية محمد النبي العربي الذي اصطفاه الله لتبليغ رسالته للناس جميعًا، فأدى الأمانة، وأخلص النصيحة، ووضع الإنسانية بتعاليمه وتربيته في طريق المجد الصاعد إلى قمم الحضارة المثلى الفكرية والروحية والنفسية والمادية، الفردية والاجتماعية، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان من الذين أسهموا في بناء حضارة المسلمين، مستهدين بهدي كتاب الله، وسنة رسوله، وبعد فقد كلفت تدريس مادة "الحضارة الإسلامية" في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة، بدءًا من العام الدارسي ١٣٨٩-١٣٩٠ للهجرة النبوية، فأمعنت النظر في هذه الحضارة المجيدة، فوجدت أن البحث فيها لا بد أن يتناول عدة جوانب تقع في مخطط كلي عام ذي أربع شعب: الشعبة الأولى: البناء الفكري لهذه الحضارة، وهو يشمل الأسس الفكرية، والكليات الكبرى التي تقوم عليها هذه الحضارة. الشعبة الثانية: وسائل بناء هذه الحضارة بناءً واقعيًّا. الشعبة الثالثة: أثر البناء الفكري للحضارة الإسلامية، وأثر وسائلها في المسلمين، ونماذج وأمثلة مما أنجزه المسلمون من أعمال حضارية، دفعتهم إليها أسس الحضارة الإسلامية. الشعبة الرابعة: أثر الحضارة الإسلامية في الأمم الأخرى التي احتكت بالمسلمين، غالبة أو مغلوبة.

стр. 7

ومن أجل ذلك قسمت البحث في هذه المادة العلمية إلى أربعة أبواب، فجعلت لكل شعبة من الشعب الآنفة الذكر بابًا خاصًّا بها، التزامًا بمتطلبات التقسيم المنطقي السليم، وتسلسلًا مع ما تمليه طبيعة البحث العلمي المتدرج من أسس موضوع البحث إلى فروعه، فثمراته، فكل مظاهر زينته. وبعد البحث المقرون بشيء من الأناة والتبصر كان هذا الكتاب الذي أقدمه إلى طلاب المعرفة، عسى أن يستنير به المستبصرون، وينتبه به الغافلون، ويصحو به المفتونون، ويفرح به المؤمنون. وكلي أمل ورجاء أن يعود المسلمون إلى رشدهم، ويأخذوا بأسباب الحضارة الإسلامية المجيدة، حتى يعود لهم مجدهم الغابر، ومجد جديد يبنونه عليه في ارتقاء وتقدم تتطلبهما حاجات التطلع الإنساني إلى الكمال. والله أسأل أن يهيئ للمسلمين وسائل النصر والتأييد، والرجوع إلى مركز القيادة الذي كانوا يحتلونه من قبل يوم كان الإسلام فيهم عقيدة وعملًا، ولقد تصادف أيها القارئ الكريم كثرة في الاستشهادات القرآنية بالنسبة إلى بعض البحوث، والداعي إلى ذلك أن البحوث أبكار، ومما تختلف فيه وجهات الأنظار، وقد أردت أن تشاركني ما استبان لي منها بالتأمل، فرأيت أن أضع بين يديك الشواهد القرآنية، وما تتضمنه من دلالات واضحات. وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. مكة المكرمة في ١/ ٦/ ١٣٩٠هـ عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني

стр. 8

الفصل الأول: تحليل معنى الحضارة وموقف الإسلام من التقدم الحضاري المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري ... المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري ١- تحليل معنى الحضارة: إذا كانت الحضارة تعني في أصل اللغة إقامة مجموعة من الناس في الحضر، أي في مواطن العمران، سواء كانت مدنًا أم حواضر أم قرى، فإن معناها قد توسع عند المؤرخين والباحثين الاجتماعيين حتى صار شاملًا لجميع أنواع التقدم والرقي الإنسانيين؛ لأنهما لا يزدهران إلا عند المستقرين في مواطن العمران. وبإحصاء صور التقدم والرقي عند الإنسان نستطيع أن نرجعها إلى الأصناف الثلاثة التالية: الصنف الأول: ما يخدم الجسد ويمتعه من وسائل العيش، وأسباب الرفاهية والنعيم، ومعطيات اللذة للحس أو للنفس. ويدخل في هذا الصنف أنواع التقديم العمراني والزراعي والصناعي والصحي والأدبي والفني، والتقدم في الإنتاج الحيواني، واستخراج كنوز الأرض، والاستفادة من الطاقات المنبثة فيها، وما أشبه ذلك. ويدخل ضمن هذا جميع أنواع العلوم والثقافات التي تخدم هذا الصنف. الصنف الثاني: ما يخدم المجتمع الإنساني، ويكون من الوسائل التي تمنحه سعادة التعاون والإخاء والأمن والطمأنينة والرخاء، وتمنحه سيادة النظام والعدل والحق، وانتشار أنواع الخير والفضائل الجماعية. ويدخل في هذا الصنف أنواع التقدم الاجتماعي الشامل للنظم الإدارية، والحقوقية، والمالية، والأحوال الشخصية، والشامل للأخلاق والتقاليد والعادات

стр. 9

الفاضلات، وسائر طرق معاملة الناس بعضهم بعضًا في علاقاتهم المختلة. وكل أنواع الثقافات والعلوم التي تخدم هذا الصنف. الصنف الثالث: ما يأخذ بيد الإنسان فردًا كان أم جماعة إلى السعادة الخالدة التي تبدأ منذ مدة إدراك الإنسان ذاته والكون من حوله، وتستمر مع نفسه وروحه الخالدتين إلى ما لا نهاية له في الوجود الأبدي، الذي ينتقل من حياة جسدية مادية يكون فيها الابتلاء، إلى حياة نفسية روحية برزخية يكون فيها بعض الجزاء، ثم إلى معاد جسدي نفسي وروحي يكون فيه كامل الجزاء. ويدخل في هذا الصنف أنواع التقدم الفكري القائم على التأملات الحكمية، التي توصل الإنسان إلى معرفة الخالق، وسر وجود الإنسان، وغايته ومصيره، وواجبه في الحياة الدنيا، وسبل سعادته الأبدية الخالدة, وهي الأمور التي تحمل اسم المعتقدات والواجبات الدينية وسائر التكاليف والآداب الشرعية الإسلامية. ٢- السبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري: ولتحقيق التقدم والرقي الحضاريين عدة سبل: ١- ما ينزل به الوحي، أو يفيض به الإلهام. ٢- ما يتوصل إليه العقل بالبحث العلمي. ٣- ما يكتسبه الإنسان عن طريق الاختبار والتجربة والممارسة التطبيقية مع الملاحظة الدقيقة لجوانب الخطأ والنقص، وما يستدعيه الكمال. أما الصنف المادي لصور التقدم والرقي عند الناس فالسبيل الطبيعي إليه إنما هو استخدام العقل في البحث العلمي والاختبار والتجربة والممارسة التطبيقية العملية، مع الملاحظة الدقيقة لجوانب الخطأ والنقص وما يستدعيه الكمال.

стр. 10

وقد يُسعف الوحي أو يفيض الإلهام بشيء من ذلك فنجده أخصر طريق إلى الكمال فيه. وأما الصنف الذي يخدم المجتمع الإنسان فللتقدم والرقي فيه سبيلان: السبيل الأول: التلقي التعلمي عن طريق الوحي، وذلك في كل ما تكفلت الشرائع الربانية ببيانه، ولا يعدل عن ذلك إلا متنكب سواء السبيل. السبيل الثاني: استخدام العقل في البحث العلمي والاختبار والتجربة والممارسة التطبيقية العملية، مع الملاحظة الدقيقة لجواجب الخطأ والنقص، وما يستدعيه الكمال. وأما الصنف الذي يأخذ بيد الناس إلى السعادة الخالدة، وهو المشتمل على المعتقدات والواجبات الدينية، وسائر التكاليف والآداب الشرعية التعبدية فالسبيل إلى تحقيق التقدم والرقي فيه إنما يكون بالتلقي التعليمي عن طريق الوحي فقط. وبدهي أن تلقي ما يأتي به الوحي وينطق به الرسل عليهم الصلاة والسلام لا بد أن يرافقه إعمال العقل في التأمل، والتدبر، والفهم الصحيح، والتحليل والتركيب، والاستنباط، وقياس الأشباه والنظائر بعضها على بعض، ولا بد أن يرافقه أيضًا إعمال العقل في التحقق والتثبت من سلامة النصوص من التحريف والتبديل، بحثًا في الرواية، ونظرًا في صحة المعنى. ترتيب الأصناف الثلاثة: بالنظر إلى الثمرات التي يجنيها الإنسان من كل صنف من أصناف التقدم والرقي السابقة لا بد أن نلاحظ أن سلم الرقي مرتب الدرجات بشكل صاعد، بدءًا من الصنف الأول الذي يخدم الجسد الفانين وارتقاء إلى الصنف الثاني الذي يخدم المجتمع الإنسان، ثم إلى الصنف الثالث الذي تنضوي تحته أسباب

стр. 11

سعادة الإنسان الخالدة، بما فيه من سمو المعرفة الكبرى وبما فيه من تحقيق لرضا الله تعالى. وبذلك يكون سلم الرقي الإنساني والحضارة المثلى ذا مراتب ثلاث، أسماها مرتبة ما يأخذ بيد الإنسان فردًا كان أم جماعة إلى السعادة الخالدة، ومن دونها تأتي مرتبة الرقي الذي يمنح المجتمع الإنساني سعادة التعاون والإخاء، والأمن والطمأنينة والرخاء، وسيادة النظام والحق والعدل، ثم تأتي من دونهما مرتبة الرقي المادي الذي يخدم الجسد الفاني ويمتعه. ولكل من هذه المراتب درجات كثيرات يتفاضل الناس فيها بمقدار ما يرتقون منها، وفي درجات هذه المراتب يتنافس المتنافسون من الأمم في إحراز السبق الحضاري الأمثل. وقد تحرز أمة من الأمم سبقًا حضاريًّا في إحدى هذه المراتب في حين أنها قد تكون في أقصى دركات التخلف الهمجي بالنسبة إلى غيرها من المراتب. أما الإسلام فإنه قد هيأ للملتزمين به كل أسباب التقدم والرقي الحضاريين، ودفعهم بقوة إلى قمم المجد المادية والمعنوية، الفردية والاجتماعية، أما عوامل التخلف في عصور الانحطاط، فهي من صنع الجاهلين، وتضليلات المعادين.

стр. 12

المقولة الثانية: موقف الإسلام من أنواع التقدم الحضاري بدراسة موقف الإسلام من أنواع التقدم الحضاري تبين لنا أن الإسلام قد تولى تحديد المرتبة العظمى، وإقامة معالمها، وإنارة سبيلها، ودعا الناس جميعًا إلى الأخذ بها، والانتفاع من ثمراتها العاجلات والآجلات. ورسم للناس المنهاج القويم الذي يكفل لهم سبقًا عظيمًا في درجات المرتبة الوسطى، فأنزل لهم الشرائع والأحكام الكفيلة بأن تقيم لهم مجتمعًاإنسانيًّا فاضلًا، إذا التزموا بتطبيقها، وترك لهم مجالًا واسعًا للاستزادة من النظم الحضارية التي أذن لهم بأن يتابعوا تطويرها وتحسينها بحسب ما تقضي به مصالح معاشهم ورفاهيتهم، أما المرتبة الدنيا التي تحتوي على ما يخدم الجسد ويمتعه فقد أطلق الإسلام للناس مجالات الابتكار فيها والتحسين والتنافس، استجابة لدوافع غرائزهم وشهواتهم، ومختلف أنواع ميلهم النفسي إلى زينة الحياة الدنيا ما لم يتجاوزوا في شيء من ذلك بالاستعمال جانب الخير إلى جانب الشر. وحثهم في جانب كل ذلك على العمل والإتقان، والانتفاع من كل ما جعل بين أيديهم من كنوز وطاقات في الأرض وفي السماء. وبذلك تكون الحضارة الإسلامية معنية بالبدء من القمة نظرًا إلى شرف الغاية التي توصل إليها المرتبة العليا من مراتب الحضارة الإنسانية، ثم توجه عنايتها البالغة إلى المرتبة الوسطى، ثم تنتقل بالناس إلى المرتبة الدنيا، وتأخذ بأيديهم، وتدفعهم للارتقاء في درجاتها بكل ما يستطيعون من قوة ابتكار وتحسين من التقدم الحضاري أوفى نصيب وأسماه، وذلك لأن الإسلام قد أحب للناس كل أنواع التقدم والرقي الحضاريين، إلا أنه باشر بنفسه الأهم فتولاه تداركًا لبني آدم حتى لا يطول أمدهم في الهمجية والانحراف والشتات، وتحقيقًا لحكمة الابتلاء التي يكمن فيها سر خلق الله الإنسان كائنًا ذا عقل وإرادة ومقدار من القدرة على التنفيذ، وهذه هي الشروط اللازمة للابتلاء. أما المهم فقد تركه الإسلام للعمل الإنساني الذي يقوم على التطوير والتحسين والابتكار والتنافس، لإحراز السبق في شتى الميادين الحضارية. وربما نلاحظ في أمم الأرض صورًا حضارية كثيرة، لكنها في معظم أحوالها لا تعدو درجات المرتبة الدنيا، وبعض درجات المرتبة الوسطى من مراتب الرقي الحضاري، وكثيرًا ما تصاب الإنسانية بويلات جسام نتيجة لسبق حضاري مادي مجرد عن حضارة خلقية ونفسية ذات سلوك فاضل، فيكون هذا

стр. 13

السبق المادي وسيلة للطغيان وخراب العمران، والإفساد في الأرض، وحلول الشر المستطير. وبذلك تنقلب الصورة الحضارية المادية إلى وجه همجي متجهم كالح، مقعم بالخشية واللؤم والشر والفساد. وذلك لأن الغرائز النفسية في الناس إذا بقيت على حالتها الهمجية، ووجدت بين يديها الوسائل المادية المتقدمة، فإنها ستحرض الناس على استخدام هذه الوسائل المتقدمة في السطو والظلم والعدوان والتكالب على الشهوات واللذات، استخدامًا مفرطًا في الهمجية بعيدًا عن كل معنى حضاري كريم. وحينئذ يكون التقدم الحضاري في تحسين الوسائل المادية فقط سببًا من أسباب الإمعان في البعد عن المنهج الحضاري الأمثل للإنسانية الفضلى، وسببًا من أسباب الإغراق في الهمجية المفرطة، التي لا تعرف إلا الأنانية المادية، والتكالب على الشهوات، وتناهب اللذات، والرغبة بالسطو والظلم والعدوان. وقد كان من الخير لهذه الهمجية المفرطة المنصرفة عن كل رقي في المفاهيم الفكرية والعقائد والأخلاق والعلاقات الاجتماعية أن تظل على وسائلها البدائية، حتى لا تجد بين يديها ما توسع به دائرة الإثم والشر والإفساد والضر، والفتك بالآخرين، إرضاء للغرائز المتوحشة التي لا تحد أنانياتها ومطامعها وغضبها وكراهيتها وحقدها حدود من الغريزة. وإن إنسانًا من هذا النوع لا بد أن يكون أضل سبيلًا من الأنعام، بل أضل سبيلًا من الوحوش المفترسة العقورة. وذلك لأن هذه الأحياء المتوحشة ذات غرائز محدودة المطامع والآمال بحدود حاجاتها العضوية، فإذا أخذت حاجاتها كفت واستغنت، ريثما تتجدد حاجاتها مرة أخرى.

стр. 14

بيد أن الإنسان مفطور على غرائز ترافقها آمال ومطامع نفسية غير ذات حدود، فهي لا تكف عن الطلب والمتابعة، والرغبة بالحيازة والتملك، أو السطو والتسلط، مهما نالت ما يكفيها ويغنيها، ومهما جمعت ما يكفي ذرياتها ويغنيهم، ولو إلى ألوف الأجيال من وارئها، فلو أوتي ابن آدم واديًا من ذهب لابتغى إليه ثانيًا، ولو أتى لابتغى إليه ثالثًا، وهكذا تتجدد مطامعه إلى ما لا نهاية له، وكم أدى الحقد ببعض المتسلطين إلى أن يدمروا مدنًا، ويقوضوا حضارات، ويقتلوا مئات الألوف من الناس. ولما جعل الخالق العظيم غرائز الإنسان منفتحة الحدود وهبه العقل والإرادة ليكبح جماح غرائزه وشهواته ومطامعه، ويحدها في الحدود النافعة، ويكفها عن التجاوز الضار به أو بالمجتمع الإنساني المشارك له في سكنى الأرض، والعيش في هذه الحياة الدنيا، وأنزل له الشرائع السماوية تعليمًا وتربية، وترغيبًا وترهيبًا، وذلك ليبلوه في ظروف الحياة الدنيا، ثم ليحاسبه ويجازيه يوم الدين. وحينما يعطل الإنسان عقله وإرادته عما خلقا من أجله، فإنه سيهوي حتمًا إلى همجية سحيقة، أحسن مرتبة من همجية الأنعام، بل أخس مرتبة من همجية الوحوش المفترسة. إذن فلا يصح أن تقاس حضارة الإنسان المثلى على وجه العموم بمقدار ما يتوصل إليه من تقدم في ابتكار الوسائل المادية، التي تخدم الجسد الفاني، وتحقق لذاته، ومتعه وراحته وقوته، واختصاره الزمن له، وتقريب المسافات وإنما هي لون حضاري يتناول جانبًا من جوانب النشاط الإنساني، وهو الجانب المادي. ولا يرتقي هذا النشاط المادي في سلم الخير ما لم يرافقه تقدم حضاري اجتماعي ونفسي وفكري ضمن الأسس الدينية الربانية، وإلا كان تدنيا في درك الشر، وسببًا للإفراط في الهمجية، والبعد عن كل مرتقى حضاري كريم.

стр. 15

وهنا نلاحظ أنه يعسر على كثير من قصيري النظر أن يفهموا الرقي الحضاري إلا في مجال التقدم المادي، القائم على إمتاع الجسد ورفاهيته، واختصار الزمن، وتنمية وسائل القوة، وهؤلاء هم الذين يقعون في الغالب فريسة تضليلات أعداء الإسلام. مع أن الرقي الحضاري في جانب الوسائل المادية فقط، والمقرون بالتخلف الحضاري في جوانب المفاهيم الفكرية الراقية، عن الكون والإنسان والحياة والوجود بأسره، والمقرون بالتخلف الحضاري، في العقائد الصحيحة، والأخلاق الكريمة، والعلاقات الاجتماعية الخيرة، والمراقي النفسية والروحية المشرقة، لا بد كما أوضحنا آنفًا من أن يسوق الإنسانية إلى شر مستطير، تقوض فيه بنفسها أركان حضارتها، التي تصنعها في أجيال وقرون، وتذمر فيه بنفسها أبنية مجدها المادي الذي بلغته، مهما تكن درجته تبهر الناظرين، وتدهش الأنفس، فيأخذ بتمجيدها قصار النظر الذين ينظرون إلى السطوح فقط، ولا يتفكرون فيما وراء هذه السطوح من شرور كمينة، سيصيبها الانفجار، الذي يحدث به الدمار، متى لامستها شرارة من الغضب أو الحقد أو الطمع أو الحسد، أو الأنانية الضيقة، أو التعصب الذميم، أو الجنوح الفكري عن منهج الحق والعدل والخير للإنسانية جمعاء. وذلك لأن التقدم في تحسين وسائل الرفاهية وقوى الفتك، مع همجية المفاهيم الفكرية، والمعتقدات الفاسدات، ومع الأخلاق الشرسة، والغرائز المتوحشة، والشهوات العارمات، والرغبة بالتسلط والانتقام، والاستئثار بكل خيرات الدنيا، أشد خطرًا على الإنسانية ومعالم حضارة القرون الزاهرة من التخلف في هذا المجال، مهما يكن تخلفًا قبيحًا. فالوسائل المتقدمة ستغري الغرائز المتوحشة الهمجية بالفتك والعدوان والظلم، كما تثير نزوات الغضب، وحفائظ الحقد والتعصب في طبائع الإنسان الهمجي، وذلك بما تشعره من قدرة على تلبية نزواته وأهوائه، ورعوناته، دون أن يكون عرضة لانتقام الآخرين منه بشكل مؤكد.

стр. 16

أما الإسلام فإن مثله -إذا يسير بالإنسانية في جوانب التقدم المختلفة، ومنها جانب التقدم المادي- كمثل الذي يصنع القنبلة الذرية، ويصنع معها صمام الأمان، الذي يحمي من خطر انفجارها في غير الوقت والمكان اللذين يحسن أن تنفجر فيهما. وقنبلة التقدم المادي إنما يحسن انفجارها في نظر الإسلام حينما يكون ذلك وسيلة خير للإنسانية جمعاء، ودرء لضر مردة الشياطين من الإنس، وصمام الأمان لكل أنواع التقدم المادي لا يكون إلا بالتزام ما جاءت به الشرائع السماوية الصحيحة من عقائد وأخلاق وفضائل وأنظمة اجتماعية وفردية.

стр. 17

الفصل الثاني: أثر الأسس الفكرية والنفسية في بناء الحضارات لكل حضارة من الحضارات الإنسانية أسس فكرية ونفسية كانت لها هي القوة الدافعة، والموجهة، والمحددة لخط سيرها. ولذلك لا بد أن تكون المظاهر الحضارية لكل أمة نتائج ملائمة لمجموعة الأفكار والعقائد والتقاليد والعوامل النفسية المهيمنة عليها، يشهد لهذه الحقيقة الأمثلة التالية. أولًا: كانت الأسس الفكرية عند اليونان الإغريق قائمة على تمجيد العقل. ولذلك كانت مظاهر حضارتهم ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لهم خلال قرون علومًا فلسفية ورياضية ونفسية وطبية، وفنونًا جمالية مختلفة. ولما كانت أسسهم الفكرية غير شاملة لحاجات الحياة كلها لم تستطع حضارتهم أن تعطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية. ثانيًا: وكانت الأسس الفكرية عند الرومان قائمة على تمجيد القوة، والرغبة ببسط السلطان الروماني على الشعوب، لذلك كانت مظاهر حضارتهم ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لهم خلال قرون إعداد أجساد قوية، وجيوش متقنة البناء، حسنة الاستعدادات والتدريبات الحربية، وأورثتهم هذه القوة سلطانًا ممتدًا في الأرض على شعوب كثيرة، غلبوها واستعمروها، واستغلوا خيراتها، كما أثمرت لهم أيضًا اشتراع مجموعة من القوانين والتنظيمات المدنية والعسكرية.

стр. 18

ولما كانت أسسهم الفكرية والنفسية غير شاملة لحاجات الحياة كلها لم تستطع حضارتهم أن تعطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية. ثالثًا: وكانت الأسس الفكرية عند الفرس قائمة على تمجيد اللذة الجسدية، والسلطان، والقوة الحربية، ولذلك كانت مظاهر حضارتهم ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لهم خلال قرون قصورًا فخمة، ومجالات كثيرة للترف المفرط، وجيوشًا حربية ذات بأس، بسطت سلطانهم على شعوب كثيرة غلبوها واستعمروها، واستغلوا خيراتها. ولما كانت أسسهم الفكرية والنفسية غير شاملة لحاجات الحياة كلها، لم تستطع حضارتهم أن تغطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية. رابعًا: وكانت الأسس الفكرية عند الهنود قائمة على تمجيد القوى الروحية وتنميتها بقهر مطالب الجسد وكبت غرائزه، ولذلك كانت مظاهر حضارتهم ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لهم خلال قرون مجموعة كبيرة من التعاليم الروحية التي أخذت بتطاول الأمد صبغة ملل ونحل وديانات، ووجهتهم للتعلق بالعلوم الروحانية المختلفة، كالسحر، وفنون الحيلة الخادعة للحواس، التي تعتمد على التلاعب بها، والتأثير على النفوس من ورائها، ومنحتهم مهارات مختلفة في التأثير على الأحياء الشرسة، فكثر فيهم حواة الثعابين والحيات والعقارب، ونحو ذلك من الهوام السامة المؤذية. ولما كانت أسسهم الفكرية والنفسية غير شاملة لحاجات الحياة كلها لم تستطع حضارتهم أن تُعطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية. خامسًا: أما حضارة القرون الحديثة التي بدأت منذ أواخر القرن الثامن عشر للميلاد واستمرت في نموها المادي تمتد وتنتشر من مهدها في أوروبا إلى كثير من بلاد العالم فأسسها قائمة على تمجيد العلوم المادية، والاستفادة من جميع الطاقات الكونية الكمينة والظاهرة لخدمة الجسد، ومنحه وافر الرفاهية والمتعة واللذة؛ واختصار الزمن له، وتقريب المسافات، وتخفيف الجهد عنه،

стр. 19

ودفع الآلام الجسدية، وقائمة أيضًا على الرغبة ببسط السلطان على الشعوب، واستغلال خيراتها، وإعداد القوة الكفيلة بتحقيق ذلك بدءًا واستمرارًا. ولذلك نلاحظ أن مظاهر هذه الحضارة الحديثة ذات صلة وثيقة بهذه الأسس؛ إذ أثمرت لإنسان هذه القرون الحديثة ولمن يأتي من بعده مجموعة كبيرة جدًّا من العلوم المادية المتطورة المتقدمة، ومجموعة ضخمة من المبتكرات والمخترعات التي أفادت الإنسان في مختلف نواحي مطالبه المادية، السلمية والحربية، ومجموعة ضخمة من النظم والتشريعات الوضعية، التي ساهمت في تنظيم علاقات الناس أفرادًا وجماعات وأممًا وشعوبًا ودولًا، كما أثمرت له ذخائر كبيرة جدًّا من القوى الحربية الدفاعية والهجومية. ولا بد أن يلاحظ الباحثون المنصفون في هذه الحضارة الحديثة أن أسسها الفكرية غير شاملة لحاجات الحياة كلها، وذلك لإهمالها جوانب مهمة من حياة الإنسان النفسية والروحية والخلقية والسلوكية، ولاستهانتها بالجوانب الفكرية العليا، المتصلة بمنشأ الإنسان ومعاده، والغاية من وجوده. من أجل ذلك فإن هذه الحضارة الحديثة لن تستطيع أن تعطي الصورة المثلى للحضارة الإنسانية الراقية، وربما يكون تقدمها الباهر في وسائل الرفاهية وأعتدة القوة سببًا من أسباب دمارها المذهل إن عاجلًا أو آجلًا. سادسًا: وأما الحضارة الإسلامية فهي الحضارة الوحيدة التي تشتمل أسسها الفكرية والنفسية على حاجات الحياة كلها، من مختلف جوانبها الفكرية والروحية والنفسية والجسدية والمادية، الفردية والاجتماعية، ومن جميع المجالات العلمية والعملية. لذلك فهي جديرة بأن تمنح الأمم التي تلتزم بها وتسير في منهجها سيرًا قويمًا الصورة المثلى للحضارة الإنسانية الراقية. وقد استطاعت أسس هذه الحضارة ووسائلها ومناهجها أن تدفع الأمة الإسلامية في حقبة من الدهر للارتقاء في سلم الحضارة المجيدة المثلى، على مقدار التزامهم بأسسها ووسائلها ومنهجها السديد، وكانت نسبة الارتقاء الذي

стр. 20

أحرزته هذه الأمة نسبة مدهشة إذا قيست بالزمن والطاقات التي تيسرت لهم حينئذ، واستمروا في ارتقائهم المدهش حتى أدركهم الوهن والانحراف عن أسس الحضارة الإسلامية الصحيحة، ووسائلها الفعالة، ومنهجها السديد. ويظل ارتقاء قمم الحضارة المثلى أبد الدهر رهنًا بالتزام أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها ومنهجها. ولكن أعداء هذه الحضارة يوجهون قوى شتى خفية وظاهرة لمنعها من أن تسير في منهجها الإنساني القويم، لذلك فهي في صراع مستمر مع عوامل الهدم والشر والإفساد في الأرض، الأمر الذي يعوق تقدمها، ويعرقل سبيلها باستمرار.

стр. 21

الباب الأول: البناء الفكري للحضارة الإسلامية الفصل الأول: الحق والباطل ١- تعريفات: الحق: اسم عام يطلق على كل صورة فكرية أو قولية مطابقة لما عليه حال الشيء الذي تحكيه هذه الصورة وجودًا أو عدمًا. الباطل: نقيض الحق، فهو اسم يطلق على كل صورة فكرية أو قولية مخالفة لما عليه حال الشيء الذي تحكيه هذه الصورة وجودًا أو عدمًا. وقد تكون الصورة الفكرية أو القولية مطابقة من بعض الوجوه، ومخالفة من بعض الوجوه، فيكون فيها من الحق على مقدار المطابقة ومن الباطل على مقدار المخالفة. الأمثلة: فالصورة الفكرية أو القولية التي تحكي أن مكة المكرمة تقع في أرض الحجاز من شبه الجزيرة العربية من قارة آسيا حق. وصورة فكرية أو قولية أخرى تحكي أن مكة المكرمة موجودة في قارة أمريكا باطل. والصورة الفكرية أو القولية التي تحكي أن الله موجود وهو خالق كل شيء حق. وصورة فكرية أو قولية أخرى تحكي أن الله غير موجود أو أن لله شريكًا في خلقه وأمره باطل.

стр. 22

استعمالات قرآنية: أ- قال الله في سورة "الحج: ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول": ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . الصورة الفكرية الاعتقادية التي تثبت أن الله هو الرب الخالق الذي لا إله غيره حق. والصورة الفكرية الاعتقادية التي تجعل مع الله إلهًا آخر باطل. ب- وقال الله في سورة "الأحزاب: ٣٣ مصحف/ ٩٠ نزول": ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ . فكل صورة قولية يقولها الله تعالى هي حق لا شك فيه. ج- وقال تعالى في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول": ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ . وهذه الآية تعلن أن الصور القولية التي يجادل بها الكافرون لا سند لها من الواقع فهي باطل، وغرضهم منها أن يدحضوا بها الحق الذي جاء به المرسلون من عند ربهم. ٢- نشدان الحقيقة: اقترن الدفع الإسلامي إلى مجد القمم الحضارية بنشدان الحقيقة أنى كانت، وطرح الخرافات والأباطيل من أية جهة صدرت، وتبصير الناس بالطرق المنطقية السليمة التي تهدي إلى الرشد، حقًّا كان أم خيرًا أم جمالًا.

стр. 23

فهو إذ يعرض على الناس الحقائق العلمية والاعتقادية يقدمها إليهم مقترنة بأدلتها المنطقية، وحينما ينكر على الناس خرافاتهم وأباطيلهم الاعتقادية أو غيرها يقيم الأدلة المنطقية على بطلانها، ويطالبهم بالأدلة المثبتة لها، إن كان لهم أدلة عليها، ويناقشهم ضمن الأسس المنطقية السليمة، ومع ذلك فهو لا يُعفي أدلته من مناقشات الناس الحرة المنطقية السليمة أيضًا، إذا كانت له مناقشات حولها. ويرى أن من كان الحق بيده فإنه لا يخشى عليه من أي بحث أو مناقشة بريئين من الاحتيال والمكر، والتضليل والتشويه. ولذلك نجد في القرآن العظيم حشدًا كبيرًا من الأدلة المنطقية المثبتة للحقائق والعقائد الإسلامية، وحشدًا كبيرًا من المناقشات والمجادلات للمشركين والكافرين، وسائر ذوي المعتقدات المخالفة للحق، والمجافية للصواب، ويعلم القرآن العظيم المسلمين أن يقولوا لمخالفيهم لدى بحث أي موضوع من الموضوعات الإسلامية كما جاء في سورة "سبأ: ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول": ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ . وذلك ليشعروهم بالنزاهة التامة في طلب الحقيقة والبحث عنها، وليهونوا عليهم التنازل عن عصبياتهم وتقاليدهم وموروثاتهم الفكرية القديمة ويضعوا ما لديهم منها على منصة البحث والنقد، وتمييز الحق من الباطل. ويتضمن هذه الأسلوب الإسلامية الرباني تمجيدًا رائعًا للعقل الإنساني، وتحريرًا له من رواسب الخرافات والأباطيل، وسائر الموروثات الفاسدات، سواء كانت اعتقادية، أم عملية، أم خلقية، أم تربوية، أم سلوكية، فردية أم اجتماعية. ٣- أسماء أنواع الأدلة: ومن الأسماء التي سُمى القرآن بها أنواع الأدلة التي تقدم لإثبات فكرة ما الأسماء التالية:

стр. 24

الاسم الأول: الحجة، قال الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول": ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ . وقال تعالى أيضًا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ . ويطلق اسم "الحجة" على أي دليل يقدمه صاحب الدعوى، سواء كان دليلًا صحيحًا، أم دليلًا فاسدًا. ومن أمثلة الحجج الفاسدة حجة منكري البعث؛ إذ قالوا فيما حكى الله عنهم في سورة "الجاثية: ٤٥ مصحف/ ٦٥ نزول": ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . وظاهر أن الاحتجاج على إنكارهم للبعث بعدم إتيان الرسل بآبائهم احتجاج فاسد، لا تقوم به حجة صحيحة، فإثبات الرسل للبعث قائم على أدلة منطقية مستندة إلى قدرة الله القادر على كل شيء، وإخباره فيما أنزل للناس عن طريق الوحي وهؤلاء المنكرون لم يستطيعوا أن ينقضوا أدلة الإثبات، ولا أن يعارضوها، وإنما جاءوا باحتجاج فاسد. الاسم الثاني: البرهان، ويطلق لفظ البرهان في القرآن على الدليل القاطع المثبت للحقيقة، الذي لا يحتمل النقض. أ- قال الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٣ نزول": ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ . فالبرهان الذي جاء من عند الله دليل قاطع لا يحتمل النقض. ب- وقال تعالى في سورة "المؤمنون: ٢٣ مصحف/ ٧٤ نزول": ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ .

стр. 25

فمن المعروف أن الذين يدعون مع الله إلهًا آخر لهم حجج ولكنها حجج فاسدة، والمطلوب منهم أن يقدموا براهين، والبراهين هي الحجج القاطعة التي لا تحتمل النقض، ولن يستطيعوا ذلك لأن الحقيقة على خلاف ما يدعون. ج- وقد أمر الله رسوله محمدًا صلوات الله عليه بأن يطلب اليهود والنصارى ببرهانهم على بعض ما يدعون مما هو مخالف للحقيقة بقوله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول". ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . ولن يستطيعوا أن يقدموا البرهان على هذا القول الباطل. د- وكذلك فعل بالنسبة إلى مزاعم المشركين الذين يثبتون مع الله إلهًا آخر، قال الله تعالى في سورة "الأنبياء: ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول": ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ . الاسم الثالث: السلطان، ولفظ سلطان حينما يراد به الدليل المثبت يطلق غالبًا على النصوص الإخبارية أو التعليمية المنزلة من عند الله؛ لأنها منزلة من عند من له هيمنة وسلطان على الحقائق كلها الغيبية والمشهودة. فمن ذلك قوله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول": ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ . فالمراد من السلطان هنا الدليل الشرعي المنزل من عند الله المثبت لما يدعون، ولن يستطيعوا الإتيان به لأن الله لم ينزل شيئًا من ذلك. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة "غافر: ٤٠ مصحف/ ٦٠ نزول": ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . فهؤلاء الذين يجادلون في آيات الله إنما يجادلون بحجج باطلة، ولن

стр. 26

يستطيعوا أن يجادلوا بسلطان جاءهم من عند الله؛ لأن الله لم ينزل شيئًا من ذلك ينقض به دلائل آياته. ٤- من أسس الحضارة الإسلامية؛ الالتزام بمبدإ الحق ومناصرته والنفور من الباطل ومكافحته: الالتزام بمبدأ الحق: لما كان مبدأ الحق من أهم الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية كان من البدهي أن يحتل هذا المبدأ مركز الصدارة والتمجيد، في نصوص الدفع الإسلامي إلى القمم الحضارية المثلى، وأن تحمل هذه النصوص حربًا شعواء على الباطل حيث وجد، ومن أي مصدر ظهر. ونظرة سريعة في القرآن الكريم كافية لأن تكشف لنا مبلغ اهتمام هذا الكتاب الرباني بمبدإ الحق، وذلك بوصفه أساسًا للدعوة الإسلامية، ورسالة الإسلام الحضارية للناس جميعًا. وبالتأمل نلاحظ أن مادة الحق قد وردت في القرآن قرابة مائتي مرة. أ- فالإسلام دين الحق؛ لأن أصوله الاعتقادية مطابقة للواقع، ولأن أخباره ومواعيده مطابقة للواقع، ولأن تعاليمه وشرائعه موافقة لأكمل صورة ممكنة تتحقق بها سعادة الناس في حياتهم الأولى وحياتهم الأخرى، قال الله تعالى في سورة "التوبة: ٩ مصحف/ ١١٣ نزول": ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . ب- وآيات الله تتلى على نبيه بالحق، وذلك لأن مضمون آيات الله لا يعدو صراط الحق، قال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":

стр. 27

﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ . ج- والقرآن الكريم أنزله الله بالحق، وذلك لأن كل ما فيه حق لا ريب فيه، قال الله تعالى في أول سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول": ﴿الم، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ . د- ويأمر الله رسوله أن يدعو الناس إلى الحق الذي جاءهم من ربهم، وفي ذلك تنبيه لهم أن يتبينوا الحق الذي جاءهم به، بالنظر الشديد والبحث العلمي والمناقشة، قال الله تعالى في سورة "يونس: ١٠ مصحف/ ٥١ نزول": ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ . هـ- ومن صفات المؤمنين بشكل مستمر أنهم يتواصون بالحق فيما بينهم، قال الله تعالى في سورة "العصر: ١٠٣ مصحف/ ١٣ نزول": ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . وعلى هذا النسق تسير آيات كثيرات في القرآن الكريم، وعلى هذه الصورة الرائعة يبرز مبدأ الحق محتلًّا مركز الصدارة والتمجيد في أسس الحضارة الإسلامية. النفور من الباطل: أما الباطل الذي هو نقيض الحق فقد لقي من أسس الحضارة الإسلامية ما يستحق من نفرة وتجهم وحرب مركزة، كلما حاول أن يظفر بعلو في الأرض، واستحواذ على نفوس الناس أو عقولهم، أو أعمالهم، وبمقدار ما أبرزت الحضارة الإسلامية مبدأ الحق، وشددت على الالتزام به، بوصفه أساسًا من أسسها، وجهت ضد الباطل نفرتها وتجهمها وحربها المركزة.

стр. 28

أ- فالله جل وعلا إذ يرسل المرسلين مبشرين ومنذرين، حاملين للناس لواء الحق، يقابلهم الكافرون بالمجادلة بالباطل، ليغلبوا به الحق الذي يرفع المرسلون لواءه، قال الله تعالى في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول": ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ . ب- ومن عجيب أمر المنحرفين عن سنن الحق وضعهم الأشياء في غير مواضعها، فهم يؤمنون بالباطل لا خير عنده، ولا نعمة ترجى من قبله، ويكفرون بنعمة الله، وهذا الانتكاس الفكري يجعلهم يعبدون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعًا ولا يدفع عنه ضرًّا، ولا يملك شيئًا من ذلك، قال الله تعالى في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول": ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ، وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ . ج- أما القرآن فإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف يأتيه الباطل وهو تنزيل من حكيم حميد؟ قال الله تعالى في سورة "فصلت: ٤١ مصحف/ ٦١ نزول": ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . د- ويضع القرآن المؤمنين والكافرين في طريقين متعاكستين متنافرتين، فالذين آمنوا اتبعوا الحق، والذين كفروا اتبعوا الباطل، قال الله تعالى في سورة "محمد: ٤٧ مصحف/ ٩٥ نزول": ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ .

стр. 29

إحقاق الحق وإبطال الباطل: فليس بدعًا بعد هذا أن تحمل أسس الحضارة الإسلامية رسالة إحقاق الحق وإبطال الباطل؛ لأنه لا وجود لا ناصر له، ولا متمسك به، ولا ظهور لحق ما دام للباطل أنياب تفترس وأظفار تنشب، وأنصار مستأسدون تحركهم الغرائز الجانحة، والمطامع الجامحة. أ- فالله يريد بما ينزل للناس من شرائع أن يحق الحق ويبطل الباطل، قال تعالى في سورة "الأنفال: ٨ مصحف/ ٨٨ نزول": ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ . ب- ومن شأن الحق المقرون ببراهينه القاطعة أن يدمغ الباطل ويزهقه، ومن أجل ذلك يقذف الله بالحق على الباطل، قال تعالى في سورة "الأنبياء: ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول": ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ . ج- ويدخل الإسلام مكة ظافرًا يوم الفتح، فيقول الله لرسوله في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول": ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ . وتذكر المسلمون يومئذ أيام خرجوا من مكة مهاجرين يتسللون لواذًا، فارين بدينهم، من كيد المشركين، ومكرهم، وأذاهم، وإكرامهم لهم على أن يعودوا إلى الكفر، بعد أن أنقذهم الله بالإسلام، وهداهم إلى صراط الحق. لقد برز الصراع بين الحق والباطل على مسرح الأحداث الإنسانية في تلك الحقبة من الزمن؛ إذ تجمعت هيئات المنتفعين من الباطل، للدفاع عما في أيديها من مغتصبات لا حق لها بها، وأخذت تصارع الحق النامي على مراحل. بدأت أول الأمر تلفق الحجج المزورة التي لا سند لها من العقل، ولكن

стр. 30

سرعان ما تهاوت حجمها، وتساقطت واهنة ضعيفة أمام براهين الحق الإسلامي الدامغة القاطعة. ثم انتقلت إلى سلاح آخر، إنه سلاح الهزء والسخرية والتعاظم والتكبر وازدراء أنصار الحق واحتقارهم، فما كان من المؤمنين أنصار الحق ودعائه إلا التغاضي والحلم والصبر وكل خلق كريم، وهنا تنتصر الفضائل على الرذائل في ميادين العلاقات الاجتماعية، ويزداد بذلك أنصار الحق. وعند ذلك ضربت الجاهلية في رءوس المبطلين ففزعوا إلى إسكات كلمة الحق بالقوة، والحرب المسلحة، ووجد المؤمنون أنصار الحق أنفسهم أمام أمر لازب، فأخذوا يدفعون بما أوتوا من قوة فيقتلون ويقتلون، حتى إذا أبلوا بلاء حسنًا، وأثبتوا صدقهم وإخلاصهم، ببذل ما عندهم من طاقة تداركهم الله بحكمته ومعونته فوهبهم النصر، ودخلوا فاتحين، وبمجيئهم جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا، إنه لما لم يكن للحق أنصار استعلى الباطل واستكبر، فلما صار للحق أنصار عاد الباطل إلى طبيعته زاهقًا. ولقد صور القرآن الصراع بين الحق والباطل أبدع تصوير بقوله تعالى في سورة " الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول": ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ . الانحراف عن الحق: ونظرة مستقصية تكشف للباحث أن الانحراف عن الحق يكون بعدة أمور منها الأمور التالية: الانحراف الأول: يكون بجعل الباطل حقًّا والحق باطلًا، ومن أمثلة هذا الانحراف حال الكافرين إذ يؤمنون بالباطل ويكفرون بنعمة الله، ولما أصر الكافرون على انحرافهم هذا بعد بيان الحق لهم على لسان رسول الله

стр. 31

صلوات الله عليه أنكر الله عليهم ذلك بقوله تعالى في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول": ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ . الانحراف الثاني: يكون بلبس الحق بالباطل، وذلك بإدخال صور من الباطل ضمن مجموعة صور من الحق، للإيهام بأنها حق كلها، ولا بد أن يكون الباعث عليه هوى من أهواء النفوس المنحرفة. الانحراف الثالث: يكون بكتمان الحق مع العلم به، والسكوت عن الباطل مع معرفة أنه باطل، ولا بد أن يكون الباعث على هذا الانحراف هوى من أهواء النفوس المنحرفة أيضًا. ومن أمثلة هذين الانحرافين الثاني والثالث ما عليه حال أهل الكتاب، فهم يلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون, ولذلك خاطبهم الله بكثير من التأنيب والتثريب بقوله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول": ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . خاتمة: وهكذا تظهر أسس الحضارة الإسلامية لا دجل فيها ولا تخريف، ولا تعرج فيها ولا التواء، إنها ذات منهج وضاح مشرق؛ إذ أخذت بمبدإ الحق، والتزمته في كل ما انطلقت إليه من مجد فكري واعتقادي، أو عملي تطبيقي، والتزامها بمبدإ الحق جعلها تنفر من الباطل وتتجهم له حيث كان، وجعلها تقاومه وتصارعه مهما وقف في سبيلها وأعاق تقدمها وارتقاءها. وأعداء الحق وأنصار الباطل هم أعداء الحضارة الإسلامية الصحيحة، وهم الذين يصنعون العثرات في طريقها. وأنصار الحق يكسحون باستمرار هذه العثرات وهم يقولون: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

стр. 32

الفصل الثاني: الخير والشر المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر تطلق لفظتا الخير والشر على وجوه ثلاثة: الوجه الأول: يطلق الخير على ما يرى فيه الإنسان لنفسه نعمة أو منفعة أو لذة. فهو يحبه لذلك، وقد يكون في حقيقة حاله شرًّا أو سوءًا أو سببًا لوقوع الشر، أو السوء به، وقد نبه الله على هذه الحقيقة بقوله في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ . ومن هذا الوجه ما اشتهر في لسان العرب من تسمية المال وسائر أسباب الرزق خيرًا، ويدخل في هذا الوجه ما يصيب الإنسان من نعم ومنافع ولذات مما لا كسب له فيه، ومن ذلك الخصائص الجسدية والنفسية التي تتجلى فيها نعم الله على عبده. ويستعمل في مرادف كلمة الخير على هذا الوجه كلمة: نعمة، أو منفعة، أو مصلحة أو لذة أو نحو ذلك. وفي مقابل هذا تطلق كلمة الشر على كل ما يرى فيه الإنسان لنفسه سوءًا أو ضرًّا أو أذى، فهو يكرهه لذلك، وقد يكون في حقيقة حاله خيرًا له، أو سببًا لحصول خير كثير له، كما جاء في الآية التي سبق الاستشهاد بها. ويستعمل في مرادف كلمة الشر على هذا الوجه كلمة: سوء، أو ضر، أو أذى، أو مصيبة، أو نحوها. استعمالات قرآنية على هذا الوجه: وقد ورد في القرآن الكريم استعمال لفظتي الخير والشر على هذا الوجه من وجوه الاستعمال العربي، فمن ذلك الأمثلة التالية:

стр. 33

أ- قول الله تعالى في وصف الإنسان في سورة "العاديات: ١٠٠ مصحف/ ١٤ نزول": ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ . أي: لحب المال وسائر الوسائل التي يرى الإنسان فيها لنفسه نعمة أو منفعة أو لذة أو جاهًا. ب- وقول الله تعالى في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول": ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . أي: ولو كنت أعلم ما ستجري به المقادير في الدنيا لأخذت بالأسباب التي قضى الله بأن تأتي المنافع والخيرات من ورائها، ولابتعدت عن كل جهة قضى الله بأن يأتي السوء من قبلها، واختيرت كلمة السوء هنا للاستعمال في مقابل كلمة الخير للدلالة على أن المراد بكلمة الخير هنا المنافع الدنيوية التي يتولاها القضاء والقدر بنفسه دون أن يكون لإرادة الإنسان وساطة فيها، بخلاف الخيرات الأخروية فإن لإرادة الإنسان دخلًا في استحقاقها بحسب وعد الله. ج- وقول الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول": ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . فقد أطلقت كلمة الخير هنا مرادًا بها النعم الدنيوية التي يبتلي الله بها عباده بمحض مشيئته، فإتيان الملك، ومنح العز وما أشبه ذلك أنواع من المتع والخيرات الدنيوية التي هي بيد الله، فهو يختبر بها من يشاء من عباده. د- وقول الله تعالى في سورة "الأنبياء: ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول": ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ . وهذه الآية أوضحت أن الشر "ويراد به هنا المصائب والمؤلمات الدنيوية" وأن الخير "ويراد به هنا النعم والأمور السارة الدنيوية" ما هما إلا مظهران لابتلاء إرادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، فمن اجتاز الابتلاء بنجاح كانت المصائب

стр. 34

والمؤلمات الدنيوية سبب خير كبير له في الآخرة، ومن تجاوز حدود الله وآثر الحياة الدنيا لم تنفعه النعم والخيرات الكثيرات التي تمتع بها في دنياه، بل تكون عليه وبالًا يوم القيامة، وسبب شر كبير يجازي به على ما فرط في جنب الله. هـ- وقول الله تعالى في سورة "يونس: ١٠ مصحف/ ٥١ نزول": ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . وفي هذه الآية جاء استعمال كلمة الضر في مقابل كلمة الخير للدلالة على أن المراد بالخير هنا النعم الدنيوية، جريًا مع الاستعمال الشائع عند الناس. الوجه الثاني: وتطلق لفظة "خير" أيضًا على أنها أفعل تفضيل بمعنى أخير ويرادها بهذه المعنى كلمة أفضل أو نحوها، وقد يستعمل في مقابل لفظة خير على هذا المعنى كلمة أدنى أو نحوها. كما قد تطلق كلمة "شر" على أنها أفعل تفضيل بمعنى أشر ويرادفها بهذا المعنى كلمة أدنى أو أخس أو نحوهما. استعمالات قرآنية على هذا الوجه: وقد ورد في القرآن الكريم استعمال كلمتي "خير وشر" على هذا الوجه من وجوه الاستعمال العربي، فمن ذلك الأمثلة التالية: أ- قول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول": ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ . فقد أنكر موسى صلوات الله عليه على قومه أن يطلبوا استبدال البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل بالمن والسلوى، مع أنهما أفضل لذة وغذاء من هذه النباتات التي يطلبونها ويشتهونها، وظاهر هنا أنه لا معنى للخيرة إلا الأفضلية المادية؛ لأن كلا من الرزقين، من نعم الله على عباده.

стр. 35

ب- وقوله الله تعالى في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول": ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ . فقول إبليس الذي يحكيه الله عنه: أنا خير منه، يريد به أنه أفضل تكوينًا من آدم، ودلل على ذلك بحجته الساقطة: خلقتني من نار وخلقته من طين، فاعتبر النار أشرف من الطين، وبنى على ذلك استعلاءه بالنظر في أصله الناري عن السجود لآدم، متجاهلًا أن الذي خلقه هو الذي يأمره بالسجود، وأمره واجب التنفيذ على أي وجه. الوجه الثالث: وهو الوجه المقصود في أسس الحضارة الإسلامية. ويطلق الخير ويراد به ما يكسبه الإنسان بإرادته في الحياة الدنيا من عمل قلبي أو نفسي أو جسدي يحقق له عند الله خيرًا باقيًا، وسعادة خالدة، وثوابًا حسنًا، ولو كان ذلك العمل شاقًّا أو مضنيًا أو مؤلمًا، أو فيه تعرض للضر والأذى. ويرادف الخير بهذا المعنى الطاعة لله والبر ونحوهما. وفي مقابل هذا يطلق الشر ويراد به ما يكتسبه الإنسان بإرادته من عمل قلبي أو نفسي أو جسدي يستحق عليه جزاء سيئًا، ولو جلب له في الدنيا متعة أو منفعة أو لذة. ويرادف الشر على هذا المعنى المعصية لله والإثم ونحوهما. وقد لوحظ في هذا الوجه المراد من الخير والشر أمران: الأمر الأول: ما سيؤول إليه العمل يوم القيامة من جزاء بالثواب أو بالعقاب، لما يتضمن من طاعة الله أو معصية له. الأمر الثاني: ما يؤدي إليه العمل من آثار ونتائج حسنة أو سيئة على الفرد أو على المجتمع في الحياة الدنيا، وذلك لأن الأحكام الإسلامية تهدف إلى

стр. 36

تحقيق أكبر نسبة من الخير، وتفادي أكبر نسبة من الشر، في نظرة كلية جامعة ينظر بها الإسلام إلى الإنسانية على وجه العموم، ثم إلى الحياة، ثم إلى الوجود بأسره. ولا يظن ظان أن الإسلام يرفع من حسابه على هذا المفهوم للخير والشر ملاحظة المنافع والمتع واللذات، أو ملاحظة المضار والآلام والأكدار، بل الإسلام يدخل كل ذلك في حسابه، ولكن ضمن نظرة كلية شاملة، سيأتي تفصيلها، وتوضيح جوانبها إن شاء الله. ويدني هذه الحقيقة من الفكر المثال التالي: يشتهي الطفل المريض قطعة من الحلوى، وفي تناوله لهذه القطعة لذة عظيمة له، ومتعة تندفع إليها نفسه بإلحاح، وذلك في تقديره من الخير الذي يصح أن يسعى إليه، ولكن هذه القطعة من الحلوى ستسبب له آلامًا كثيرة إذا هي وصلت إلى أمعائه، وهذا شر أكبر نسبة من الخير الذي يهفو إلى تحقيقه من طريق متعة الفم، وهو للنتيجة المؤلمة جاهل، أو عنها غافل. فماذا يحكم العاقل البصير على تناول هذا المريض لهذه القطعة من الحلوى؟ هل هو خير أم شر؟ إنه لا شك يحكم على تناولها بأنه شر. وهنا يقال: هل رفع العاقل البصير من حسابه متعة الفم ولذته بتناول قطعة الحلوى؟ الجواب: إنه لم يرفع ذلك من حسابه، ولكنه أدخل في حسابه أيضًا أشياء أخرى؛ إذ نظر إلى الأمر نظرة كلية شاملة، تناولت العمل، وجميع ما يؤدي إليه. إن عاجلًا أو آجلًا. وكذلك الإسلام في كل أحكامه وشرائعه. وهنا لا بد من لفت النظر إلى واقع هذه الحياة الدنيا؛ إذ بث الله فيها أسباب اللذة وأسباب الألم، ونشر فيها عوامل المنفعة وعوامل المضرة، ومزج كل ذلك بعضه في بعض، وجعل كثيرًا من الآلام جسورًا لتحقيق الخير العظيم،

стр. 37

وجعل كثيرًا من اللذات مزالق تُقضي إلى الشر المستطير، لتتم بكل ذلك حكمة الابتلاء التي أرادها الله في هذه الحياة، وبدون ذلك لا تتم حكمة الابتلاء على الوجه الأكمل، وفي حكمة الابتلاء يكمن سر خلق الله الإنسان. استعمالات قرآنية على هذا الوجه: لدى تتبع النصوص القرآنية نجد أن أكثر ما جاء فيها من مادتي الخير والشر مستعمل في حدود هذا الوجه الثالث، ومن أمثلة ذلك ما يلي: أ- قول الله تعالى في سورة "الزلزلة: ٩٩ مصحف/ ٩٣ نزول": ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . فالخير والشر هنا تابعان للعمل الإرادي الذي يمارسه الإنسان في حياته الدنيا ضمن حدود الابتلاء الرباني. ب- وقول الله تعالى في سورة "الحج: ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول": ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . ففي هذه الآية يأمر الله سبحانه الذين آمنوا بفعل الخير، ويرتب عليه رجاء فلاحهم، وفعلهم الخير هو من الأعمال الإرادية التي يمارسونها في حياتهم. ج- وقول الله تعالى في سورة "المزمل: ٧٣ مصحف/ ٣ نزول": ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فما يقدمه الإنسان لنفسه إنما هو عمله الإرادي، سواء كان عملًا قلبيًّا أم نفسيًّا أم جسديًّا. د- وقول الله تعالى في سورة "آل عمران: ٣ مصحف/ ٨٩ نزول": ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .

стр. 38

أي: لكان إيمانهم خيرًا لهم، والإيمان مما يكسبه الإنسان بإرادته، وهو من أعمال القلوب. هـ- وقول الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول": ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ . وما يوعظون به شامل لكل مواعظ الشريعة الإسلامية، وتعاليمها، وفعل ما يوعظون به خير؛ لأنه سبب في جلب الثواب الحسن لهم، واستحقاقهم له عند الله تعالى، ولأنه سبب في تحقيق أكبر نسبة يمكن تحقيقها من الخير في الحياة الدنيا، ودفع أكبر نسبة يمكن دفعها من الشر في الحياة الدنيا. ونظرًا إلى أن هذا الوجه الثالث هو الوجه المقصود من الخير والشر في أسس الحضارة الإسلامية، فهو الوجه الذي يعنينا التركيز عليه فيما يأتي من بحوث تنضوي تحت عنوان "الخير والشر".

стр. 39

المقولة الثانية: من أسس الحضارة الإسلامية "مبدأ فعل الخير والعمل على نشره، وترك الشر والعمل على قمعه " توضيح لمعاني الخير والشر: سنعالج في الفقرات التاليات توضيح معاني الخير والشر وفق الوجه الثالث الذي سبق بيانه في التعريفات، وهو الوجه المقصود في أسس الحضارة الإسلامية، ويستدعينا هذا التوضيح أن نلمح إلى نظرات الباحثين من الفلاسفة وعلماء الأخلاق في هذا المضمار، وأن نمر بشكل تفصيلي على المفاهيم العامة التي تشتمل عليها معاني الخير والشر، والنظرات الدقيقات التي تهدف إليها هذه المفاهيم، وفق المدركات الإسلامية الشاملة، وعندئذ يتبين لنا المستوى الرفيع الذي ارتقى إليه الإسلام؛ إذ جعل مبدأ "فعل الخير والعمل على نشره، وترك الشر والعمل على قمعه" أساسًا راسخًا من أسس حضارته المجيدة التي رفع لواءها، ودعا الناس إليها.

стр. 40

نظرات الباحثين: يختلف الباحثون من الفلاسفة وعلماء الأخلاق في تحديد معنى الخير، وتحديد معنى الشر؛ إذ يرجعهما بعضهم إلى مبدأي المنفعة والمضرة، ضمن حدود المنافع والمضار الدنيوية العاجلة، التي لا يرافقها نظرة شاملة للزمن والإنسانية والكون والحياة على وجه العموم، ويرجعهما بعضهم إلى مبدأي اللذة والألم ضمن حدود الإحساسات الجسدية والنفسية التي يحسها الإنسان، ويرجعهما بعضهم إلى مبدأي المصلحة والمفسدة في حدود النظرات الضيقات التي ينظر بها فرد أو مجموعة من الناس، ويلاحظ بعضهم جانب الفرد مهملًا حق الجماعة الإنسانية كله أو بعضه، ويلاحظ بعضهم جانب الجماعة مهملًا حق الفرد كله أو بعضه، ويجعلهما بعضهم من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها في الحقيقة، فهي تختلف باختلاف الأزمنة والأوضاع الاجتماعية والعادات والتقاليد، ويخضعها بعضهم إلى المؤثرات الاقتصادية أو السياسية أو غيرهما. وهكذا اضطربت مفاهيم الناس لحدود الخير والشر. نظرة الإسلام: أما الإسلام فإن له نظرته الخاصة الفاذة العامة الشاملة، فهو يشرق على العالم بتحديد رائع للخير والشر، ذي مستويين: ١- مستوى قريب يفهمه كل إنسان مهما ضعفت مداركه وقل تتبعه وبحثه. ٢- ومستوى رفيع يرتقي إليه ذوو الأفهام الرفيعة، وأصحاب الهمم الغالية في التتبع، والبحث العلمي. المستوى القريب: أما المستوى القريب الذي يفهمه كل إنسان ويريح به نفسه من عناء التأمل والبحث، فهو المفهوم الذي سبق أن عرفنا به "الخير والشر" وفق الوجه الثالث من وجوه استعمال هذين اللفظين؛ ونعيد ذلك فيما يلي مع بعض توضحيات:
следующие страницы →