← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9993

قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث

جمال الدين القاسمي

Полный текст (465 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمات: السيد محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي لكاتب الشرق الأكبر أمير البيان المرحوم الأمير شكيب أرسلان: لا يخفى على أهل الأدب، أن الجمال والقسام في العربي واحد، وأن معنى القاسم هو الجميل. فلا يوجد إذن لتأدية هذا المعنى أحسن من قولنا: "الجمال القاسمي" الذي جاء أسمًا على مسمى، مع العلم بأن الجمال الحقيقي، هو الجمال المعنوي، لا الجمال الصوري، الذي هو جمال زائل. فالجمال المعنوي هو الذي ورد به الحديث الشريف: "إن الله جميل ويحب الجمال". وعلى هذا يمكنني أن أقول: إنه لم يعط أحد شطر الجمال المعنوي الذي يحبه الله تعالى، ويشغف به عباد الله تعالى، بدرجة المرحوم الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي، الذي كان في هذه الحقبة الأخيرة جمال دمشق، وجمال القطر الشامي بأسره، في غزارة فضله، وسعة علمه، وشفوف حسه، وزكاء نفسه، وكرم أخلاقه، وشرف منازعه، وجمعه بين الشمائل الباهية، والمعارف المتناهية، بحيث أن كل من كان يدخل دمشق، ويتعرف إلى ذاك الحبر الفاضل، والجهبذ الكامل، كان يرى أنه لم يكن فيها إلا تلك الذات البهية، المتحلية بتلك الشمائل السرية، والعلوم العبقرية، لكان ذلك كافيًا في إظهار مزيتها على سائر البلاد، وإثبات أن أحاديث مجدها موصولة الإسناد. لقد تعرفت إلى العلامة المشار إليه ﵀، منذ ثلاث وعشرين سنة أو أكثر وذلك بواسطة صديقه الأستاذ العلامة نادرة عصره، الشيخ عبد الرزاق البيطار، قدس الله روحه اللطفية، فقد كان هذان الجهبذان فرقدين في سماء الشام، يتشابهان كثيرًا في سجاحة الخلق، ورجاحة العقل، ونبالة القصد، وغزارة العلم، والجمع بين العقل والنقل، والرواية والفهم.

стр. 2

ولم يكن في وقتهما أعلى منهما فكرًا، وأبعد نظرًا، وأثقب ذهنًا، في فهم المتون والنصوص، والتمييز في بين العموم والخصوص؛ وكان وجودهما ضربة شديدة على الحشوية، وتلك الطبعة الجامدة، التي هي وأمثالها صارت حجة على الإسلام في تدهوره وإنحطاطه، وفقده معاليه السالفة. وقد كنت لا أغشى دمشق مرة من المرار -والله يعلم كم كنت أزورها كل سنة- إلا كان أول ما أبادر إليه زيارة الأستاذين: الشيخ عبد الرازق البيطار، والشيخ كمال القاسمي، رحمهما الله، وجزاهما عن الإسلام خيرًا، وكانت تستمر مجالستي مع كل منهما أو معهما مجتمعين، الساعات الطوال، في الأيام والليال، ولا نشرع بمرورها، بسبب طرافة الحديث، ولطفاة النكات، وجلالة المواضيع، ونصاعة البراهين، وغزارة الشواهد، والنظم بين المعقول والمنقول، والجمع بين الفروع والأصول. فكنت إذا سمعت محاضراتهما نسيت نفسي، ورأيتني في حياة غير الحياة التي أعهدها. وكم حفظت مما سمعته منهما من شوارد، وعلقت من نوادر، وفهمت من حقائق، وتذوقت من رقائق، أنا فيها عيال عليهما وإني لأجر ذيل التية بهذا السند. وقد كان للشيخ جمال ﵀ عدا إحاطته العلمية، معارف لا يساويه فيها أحد من المجتمع الإسلامي عمومًا، والعربي الشامي خصوصًا. فقد صح فيه ذلك التعريف الذي عرف به بعضهم "العالم" فقالوا: "هو قبل كل شيء العالم بأحوال عصره ومصره". وقد كنت إذا فارقت ذينك الأستاذين، لا أفتأ أعشو إلى منارهما، وأجاذبهما حبال المراسلة، استفادة منهما على البعد، واستحضارًا في الخيال لروحيهما اللتين هما معدن الأنس. وعندي منهما كتب أعدها من أنفس الذخائر، وأثمن ما يورثه الأول للآخر. وربما أنشر بعض كتابات الشيخ جمال في أول فرصة تتسنى لي. وكنت أعلم أن للشيخ جمال تآليف ممتعة، وربما كان يطلعني على بعضها، وربما طالعني ببعض آرائه فيها، واستأنس برأي القاصر، واستوري زندي الفاتر، وهو مع ذلك صاحب الرأي الذي انتهت إليه الأصالة، والقولخ الذي اندمجت فيه الدقة مع الجلالة.

стр. 3

ولكني لم أكن أطلعت على كتابه الذي هو تحت الطبع الآن، المسمى "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" فقد بعث به إلى ولده الأديب السيد ظافر القاسمي، أظفره الله بما أراده، وجعله فرعًا صالحًا لذلك الأصل المنقطع النظير. فرأيت من هذا الكتاب في حسن ترتيبه وتبويبه، وتقريب الطرق على مريد الحديث، والإحاطة بكل ما يلزم المسلم معرفته، من قواعد هذا العلم الشريف ما يقضي بالعجب لمن لم يكن يعرف علو درجة المؤلف، ولكنه مما لا يعجب منه مثلي ممن حضروا مجالسة الزاهرة. وسمعوا تقريراته الساحرة. وإني لأوصي جميع الناشئة الإسلامية، التي تريد أن تفهم الشرع فهمًا ترتاح إليه ضمائرها، وتنعقد عليه خناصرها، أن لا تقدم شيئًا على قراءة تصانيف المرحوم الشيخ جمال القاسمي، الذي قسم الله له من اكتناه أسرار الشرع، ما لم يقسمه إلا لكبار الأئمة، وأحبار الأمة. والله تعالى ينفع المسلمين بآثاره، ويهديهم في ظلمات هذه الحياة بزاهر أنواره آمين. جنيف ٥ رجب الفرد ١٣٥٣ شكيب أرسلان

стр. 4

قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث؛ لمصلح العصر المرحوم الإمام السيد محمد رشيد رضا: نُعي إلينا القاسمي في شهر رجب من سنة ١٣٣٢ فكتبت له ترجمة نشرتها في هذا الشهر والذي بعده من مجلد المنار السابع عشر وصفته في أولها بقولي١: "هو علامة الشام، ونادرة الأيام، والمجلد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل والتعليم، والتهذيب والتأليف، وأحد حلقات الاتصال بين هدي السلف، والارتقاء المدني الذي يقتضيه الزمن، الفقيه الأصولي، المفسر المحدث، الأديب المتفنن، التقي الأواب، الحليم الأواه، العفيف النزيه، صاحب التصانيف الممتعة، والأبحاث المقنعة صديقنا الصفي، وخلنا الوافي، وأخونا الروحي، قدس الله روحه، ونور ضريحه، وأحسن عزاءنا عنه". ثم ذكرت تصانيفه ورسائله٢ مرتبة على الحروف فبلغت ٧٩، ومنها هذا الكتاب "قواعد التحديث" الذي عني بطبعه نجله الكريم السيد ظافر القاسمي فتم في هذا الشهر "شوال سنة ١٣٥٣" وكان يرسل إلي ما يتم طبعه منه متفرقًا لأنظر فيه، وأكتب للقراء تعريفًا به، على علم تفصيلي بمباحثه وأسلوبه، وتقسيمه وترتيبه، فأقول: ليتني كنت أملك من وقتي الحاشك بالضروريات، الحاشد بالواجبات، فرصة واسعة أو نهزًا متفرقة في شهر أو شهرين أقرأ فيها هذا السفر النفيس كله، فأتذكر به من هذا العلم ما لعلي نسيت، وأتعلم مما جمعه المؤلف فيه ما جهلت، فهو الحقيق بأن يقرأ ما كتب، ويحصى ما جمعه، لتحريه النفع، وحسن اختياره في الجمع، وسلامة ذوقه في التعبير والتقسيم

стр. 5

والترتيب والوضع، وقد بلغ في مصنفه هذا سدرة المنتهى من هذا العلم الاصطلاحي المحض، الذي يوعى بكد الحافظة، وتستنبط بقوة الذاكرة، فلا يستلذه الفكر الغواص على حقائق المعقولات، ولا الخيال الجوال في جواء الشعريات، ولا الروح المرفرف في رياض الأدب أو المحلق في سماء الإلهيات إذ جعله كأنه مجموعة علوم وفنون وأدب وتاريخ وتهذيب وتصوف، مصطفاة كلها من علم حديث المصطفى صلوات الله عليه وعلى آله، ومن كتب طبقات العلماء المهتدين به، كأنه قرص من أقراص أبكار النحل، جنته من طرائف الأزهار العطرية، ومجت فيه عسلها المشتار من طوائف الثمار الشهية، فلعل الظمآن لهذا العلم لا يجد فيه كتابًا له مطالعته كله، فينله ويعله ولا يمله، كأنه أقصوصة حب، أو ديوان شعر، اللهم إلا هذا الكتاب. أقول هذا بعد أن طفت بجميع أبوابه، وكثير من مباحثه وفصوله، طوافًا سريعًا كأشواط الرمل في طواف النسك، ثم قرأت فيه بعض ما اختلفت العلماء في تحقيقه، وبعض ما لم يسبق لي الاطلاع عليه من مختارات نقوله، فصح لي أن أصفه وصفًا صحيحًا مجملًا يهدي إلى تفصيل: صفة للكتاب وما فيه: فأما تقسيمه وترتيب أبوابه وفصوله ومباحثه وضع عناوينها، فهو غاية في الحسن وتسهيل المطالعة والمراجعة بكثرتها، وجعلها عامة شاملة لوسائلها كمقاصدها، وفروعها كأصولها، وزادها حسنًا مراعاته في الطبع، بجعلها على أحدث وضع: من ترك بياض واسع بين سوادها، شامل للمعدود بالأرقام من مباحثها، مع إفراط فيه بترك بعض الصفات بعد ختام للفصل أو البحث خالية كلها. ومن آيات إخلاص المؤلف وحسن اختيار الناشر، أن طبعه في هذا العهد الذي توجهت فيه همم الكثيرين من أهل الدين وطلاب العلم إلى الاشتغال بما كان متروكًا من علم الحديث، والاهتداء بالسنن الصحيحة في هذه الأقطار العربية، واجتناب الروايات الموضوعة المنكرة والواهية، واشتدت حاجتهم إلى معرفة الشذوذ والعلل والتعارض والتراجيح فيها، وبيان

стр. 6

ذلك في كتاب سهل العبارة، جامع لأهم ما يحتاجون إليه من المصطلحات في الرواية والدراية ووصف دواوين السنة من المسانيد الصحاح والسنن، وكل ما يرشد إلى الاحتجاج والعمل، وأحسن أقوال الحفاظ، ورجال الجرح والتعديل وعلماء أصول الفقه في ذلك، وإنهم ليجدون كل هذه المطالب في هذا الكتاب دانية القطوف، مع زيادة يندر فيها المنكر ويكثر المعروف. وأما طريقة المؤلف في تدوينه فهو أنه طالع كثيرًا من مصنفات المحدثين والأصوليين والفقهاء والصوفية والمتكلمين والأدباء من المتقدمين والمتأخرين، وكتب مذاكرات فيما اختار منها في هذا الفن وما يتصل به من العلم، ثم جمعها ورتبها كما وصفناها، وقد وفى بعض المسائل حقها، ببيان كل ما تمس إليه حاجة طلابها، وأوجز في بعضها واختصر، إما ليمحصه في فرصة أخرى، وإما ليفوض أمره إلى أهل البحث والنظر، ولا غضاضة عليه في هذا، فإمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري قد سبقه في بعض أبواب جامعه الصحيح إلى مثله. وقد فتح فيه بعد الخطبة والمقدمة تسعة أبواب لمباحث الحديث: من فضله وعلومه ومصطلحاته، ورواته، وكتبه، ومصنفيها، ودرجاته، وما يحتج به وما لا يحتج به، وحكم العمل به، وغير ذلك من المسائل في نوعي الرواية والدراية، فاستغرق ذلك ٢٥٤ صفحة، وفتح الباب العاشر لفقه الحديث ومكانه من أصول الدين والمذاهب فيه، وما روي وألف في الاهتداء والعمل به، فبلغت صفحاته بهذه المباحث ٣٨٣، يليها الخاتمة وهي في فوائد متفرقة يضطر إليها الأثري. الكتب التي استمد منها هذا الكتاب: وأما المصنفات التي استمد منها مباحث الكتاب ومسائله، فأكثرها لأشهر علماء الإسلام من الأئمة المستقلين أو المنتسبين إلى المذاهب المتبعة في الأمصار المعتمدة عند أهلها، وأقلها للمشهورين عند عوام القراء ومقلدة العمائم بالعلم والعرفان، أو بالولاية والكشف والإلهام. لهذا تجد فيه كل فئة من القراء ما تنتقد عليه نقله، من حيث تجد فيه كل فئة ما تعتمد ممن تقبل علمه ورأيه.

стр. 7

وأما المؤلف فغرضه من هذا وذاك، أن تنتفع بكتابه كل فئة من الفئات، فأهل البصيرة والاستدلال يزدادون علمًا ونورًا بما اختاره لهم من كتب الأئمة وعلماء الاستقلال، ولا يضرهم ما لا يوثق به من أقوال المقلدين ومدعي الكشف والإلهام، ولكن الذين يقدسون هؤلاء يجدون من أقوالهم ونقولهم وكشفهم أنهم يتفقون مع الآخرين على أن أصل هذا الدين "الإسلام" الأساسي المقدس المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو كتاب الله وكلامه "القرآن العظيم" ويليه ما بينه للناس بأمره من سنة رسوله خاتم النبيين، التي تواترت أو اشتهرت عنه بعمل الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار، ويليها ما صح عند هؤلاء الأئمة من حديثه ﷺ المروي بنقل الثقات، وما دون هذا من الأخبار والآثار التي اختلف الحفاظ في أسانديها أو استشكل فقهاؤهم متونها، فهو محل اجتهاد. ويجد قارئ هذا الكتاب من أقوال أصناف العلماء ما فيه لعله لا يجده مجموعًا في غيره، وإنني أورد نموذجًا من مباحثه وطريقته في نقوله: المذاهب في الضعيف والمرسل والموقوف: من أهم هذه المباحث: أقوال المحدثين في معنى الحديث الضعيف الذي وقع الاختلاف في العمل به، فاستحبه بعضهم في فضائل الأعمال، والأخذ به في المناقب. ومن فروع هذا الاختلاف أن الضعيف في جامع الترمذي ودون الضعيف في مسند أحمد، فيقبل من ضعاف المسند ما لا يقبل من ضعاف الترمذي لأنها تساوي الحسان فيه. ومنها: الاحتجاج بالحديث المرسل واختلاف المذاهب فيه، واستثناء الجمهور مراسيل أصحابة، وحجتهم وحجة مخالفيهم، والأقوال في الموقوف على الصحابي الذي له حكم المرفوع، والذي يعد رأيا له، والأقوال في عدالة جميع الصحابة في الرواية عند جمهور أهل السنة وحجة مخالفيهم فيها، وغير ذلك من المسائل التي لا يستغني عن معرفتها الذين هداهم الله في هذا العهد إلى الاهتداء بهدي محمد ﷺ على صراط الله الذي استقام عليه السلف الصالح وهي كثيرة. وقد بين المؤلف رحمه الله تعالى رأيه وفهمه في بعض دون بعض، وما كان لمن يُعنى بكثرة النقل، وعرض وجوه الاختلاف في العلم، أن يمحص المسائل كلها فيه،

стр. 8

ويكون له حكم الترجيح بينها، على أن رأي كل مؤلف في مسائل الخلاف ينتظم في سلك سائر الآراء، والواجب على المطلع عليه من أهل العلم أن ينظر في دليله كدلائل غيره، ويعتمد ما يظهر له رجحانه، كما فعل المؤلف في بحث الجلال الدواني في الحديث الضعيف وأبدى رأيه في الاختلاف فيه إذ قال: بحث الدواني في الضعيف: "قال المحقق الجلال الدواني في رسالته أنموذج العلوم: اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا تثبت له الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز بل يستحب العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وممن صرح به النووي في كتبه لا سيما كتاب الأذكار وفيه إشكال؛ لأن جواز العمل واستحبابه كلاهما من الأحكام الشرعية الخمسة فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث الضعيف كان ثبوته بالحديث الضعيف، وذلك ينافي ما تقرر من عدم الأحكام بالأحاديث الضعيفة". ثم نقل عن الدواني أن بعضهم حاول التقصي من هذا الإشكال، وتصحيح كلام النووي بما أورده وناقش فيه، ثم نقل عن الشهاب الخفاجي مناقشة للدواني في المسألة من شرحه للشفاء، ورد عليه ردًّا شديدًا فوق المعهود من لين الأستاذ القاسمي، بأن حكم على كل مناقشات الخفاجي بأنها عادة استحكمت في مصنفاته لا يحظى واقف عليها بطائل، وأنه سود وجه القرطاس هنا، وأن كلام الجلال غبار عليه، وأن مؤاخذته بمطلق الفضائل افتراء أو مشاغبة، وختم الرد بقوله: "فتأمل لعلك تجد القوس في يد الجلال، كما رآه الجمال." ا. هـ. وأقول: نعم! إنها قد تحلت وتجلت بحلة الجلال والجمال؛ ولو أن الثاني حول نظره عن كتب هذه الطبقة الوسطى من العلماء المستدلين كالدواني والنووي والمناقشة العليمة فيها إلى كتب المناقب والفضائل لجامعي كل ما روي من المحدثين، وكتب الأوراد والتصوف التي لفقها من دونهم من المؤلفين، لوجد فيها من الغلو في الإطراء المنهي عنه والتشريع الذي لم يأذن به الله، ومن الاحتجاج بأقوال الصوفية ومقلدة الفقهاء وعبادتهم المبتدعة، ما فيه جناية على عقائد الإسلام القطعية، ومخالفة لنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة، ولوجدهم

стр. 9

يحتجون عليها بقول من قالوا إنه يجوز الأخذ والعمل بالأحاديث الضعيفة، وهم لا يميزون بين الضعاف التي ألحقوها بالحسن، والمنكرة الواهية التي لم يقل بالأخذ بها أحد والتي نقل لنا القاسمي عن الإمام مسلم في مقدمة صحيحه وعن غيره من الإنكار عليها ما نقل، ولعقده لهذا الحديث فصلًا خاصًّا به. الموضوعات والأحاديث غير المخرجة: عقد المؤلف المقصد ٤٨ من الباب الرابع للكلام على الحديث الموضوع بعد أن تكلم على الحديث الضعيف بما نقلنا بعضه عنه آنفًا، وأورد في هذا المقصد ١٤ مسألة، الخامسة منها فتوى الشيخ أحمد بن حجر الفقيه الشافعي في خطيب لا يبين مخرجي الأحاديث نقلها من كتابه الفتاوى الحديثية ملخصة، فلم يذكر فيها اعتماده على ما نقله عن الحافظ ابن حجر في منع ولي الأمر لهذا الخطيب من الخطابة إذا لم يكن محدثًا يروي الحديث بنفسه. فعلم بهذا أن ما اشترطه على نفسه من التزام نقل الأقوال بحروفها أغلبي لا مطرد١. أهم فوائد الكتاب المقصورة منه بالذات: الجمال القاسمي رحمه الله تعالى من المصلحين المجددين في هذا القرن "الرابع عشر للهجرة" وغرضه الأول من هذا الكتاب بث هداية الكتاب والسنة في الأمة على منهاج السلف الصالح وتسهيل سبيلها، وما أهلك المسلمين في دينهم ودنياهم إلا الإعراض عن هذه الهداية التي شرع الله الدين لأجلها. ولهذا الإعراض سببان: أهونهما الجهل البسيط، وهو عدم العلم بما خاطب الله الناس في كتابه، وبما بينه لهم رسوله ﷺ منه نسبته وهديه، وربما كان عليه أهل العصر الأول عصر النور من الاهتداء بالكتاب والسنة علمًا وعملًا وخلقًا، وجهادًا وفتحًا وحكمًا بين الناس وأعسرهما وأضرهما: الجهل المركب ووهم التعليم التقليدي لكتب المتأخرين من المتكلمين

стр. 10

والفقهاء والصوفية، والاستغناء بها عما كان عليه السلف ومنهم أئمة الأمصار من المحدثين والفقهاء بشبهة شيطانية، هي أن فهم الكتاب والسنة خاص بالمجتهدين وأن المتأخرين من العلماء أعلم بما فهمه المصنفون المقلدون للائمة في القرون الوسطى، وأولئك أعلم بما فهمه الأئمة المجتهدون منهما مباشرة، وأن العلماء على طبقات في تقليد بعضهم لبعض، عدها بعض متأخري الفقهاء خمسًا، وعدها الشعراني من متأخري الصوفية ستًّا، كل طبقة تحجب أهل عصرها عما قبله، حتى تجرأ بعض من يؤلفون ويكتبون في المجلات ممن أعدوا لقب "كبار علماء الأزهر" -وهم الطبقة العاشرة على حساب الشعراني- على التصريح على عصرنا هذا بأن من يؤمن بآيات القرآن في بعض صفات الله تعالى على ظاهرها يكون كافرًا "!!! " وتجرأ بعض من قبله منهم على التصريح في مجلس إدارة الأزهر بأن من يقول إنه يعمل بما صح من الأحاديث على خلاف فقهاء المذاهب فهو زنديق "كما بيناه في المنار وفي تاريخ الأستاذ الإمام" وهؤلاء يكرهون علم الحديث وأهله. وقد صرح الحفاظ الأولون بأن الوقيعة في أهل الأثر من أدب أهل البدع كما نقله المؤلف. نقوله ودروسه وغرضه الاصطلاحي فيهما: نقل لنا الجمال القاسمي بحسن اختياره وجماله وقسامته في إرشاده، نصوصًا من كتب أشهر الأئمة من علماء الملة المستقلين، وكتب المنتسبين إلى مذاهب الكلام والفقه والتصوف المقلدين، صريحة في اتفاق الجميع على وجوب الاهتداء والعمل بكتاب الله وسنة رسوله، واتباع سلف الملة في الدين، وعلى خطإ من يخالفهم في هذا بما يقطع ألسنة الذين يصدون عن سبيل الله من عميان الجهل المركب، الذين لا يعلمون، ولا يعلمون أنهم لا يعلمون، وهم الذين وصفهم أبو حامد الغزالي بقوله: "أولئك هم العميان المنكسون، وعماهم في كلتا العينين" فهذه حكمة نقله عن كل طبقة من العلماء المشهورين حتى المعاصرين له ولنا من المصنفين، ومحرري المجلات العلمية، ومنها المنار، ومما نقله عنه ما ترى في بحث "قراءة البخاري لنازلة الوباء" ولكنه لم يصرح باسمه ولا باسم صاحبه خوفًا من الحكومة١.

стр. 11

وصفت الأستاذ القاسمي في ترجمة المنار له بإصلاح، ورددت على من ينكر على هذا الوصف بما بينت طريقته فيه، واستنبطت مما أطلعت عليه من كتبه ومن حديثي معه أربعًا من مزاياه في الاستقامة على هذه الطريقة: أولاهن: سبب تدريسه لبعض الكتب المتداولة كجمع الجوامع وكتب السعد التفتازاني وما هي كتب إصلاح، بل فنون اصطلاح أشبه بالألغاز. الثانية: الاستعانة بنقول بعض المشهورين على إقناع المقلدين والمستدلين جميعًا من المعاصرين بما يقوم عليه الدليل. الثالثة: أنه كان يتحرى مذهب السلف في الدين وينصرف في دروسه ومصنفاته، وما مذهب السلف إلا العمل بالكتاب والسنة بلا زيادة ولا نقصان. وذكرت شاهدين من شعره على مذهبه هذا. الرابعة: أنه كان يتحرى في المسائل الخلافية الاعتدال والإنصاف، واتباع ما يقوم عليه الدليل من غير تشنيع على المخالف ولا تحامل. وقد أطلت في هذه بما لم أطل فيما قبلها، وذكرت ما أنكره عليه بعض متبعي السلف من أنه خالفهم في كتابه "تاريخ الجهمية والمعتزلة" وكتابه "نقد النصائح الكافية" وبينت ما توخاه من التأليف بين فرق المسلمين الكبرى فيهما، بما لا محل لإعادته هنا، وإنما ذكرت هذا الموضوع لأُذكر به من يستنكر مثله في هذا الكتاب، وقد نقل فيه عن داعية السلف المحقق العلامة ابن القيم سبقه إلى مثله، وتصريحه بأن في كلام كل فرقة ومذهب حقًّا وباطلًا. كذلك: وقد ألف الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري ﵀ بعده كتاب "توجيه النظر، إلى أصول أهل الأثر" وهو في موضوع "كتاب قواعد التحديث" والعلامتان الجزائري والقاسمي كانا سيين في سعة الاطلاع وحسن الاختيار، إلا أن الجزائري أكثر اطلاعًا على الكتب، وولوعًا بالاستقصاء، والبحث، والقاسمي أشد تحريًا للإصلاح، وعناية بما ينفع

стр. 12

جماهير الناس، فمن ثم كان كتاب الجزائري، وهو أطول، قاصرًا على المسائل الخاصة بمصطلح الحديث وكتب المحدثين التي قلما ينتفع بها إلا المشتغلون بهذا العلم، فقد وفى بعض مسائلها حقه من الاستقصاء بما لم يفعله القاسمي، ولكنه أطال كل الإطالة بتخليص "كتاب علوم الحديث" للحاكم النيسابوري وهي اثنان وخمسون نوعًا ثم بما لخصه من "كتاب علل الحديث" لابن أبي حاتم الرازي، ثم بما استطرد من الكلام في مبحث كتابة الحديث إلى الكلام في "الخط العربي وتدرجه بالترقي إلى وصله للكمال الذي عليه الآن، وما يحتاج إليه بعد هذا الكمال من علائم الوقف والابتداء" وهو على إطالته في هذا الفن لم يراعه في العمل فكتابه كأكثر الكتب القديمة، وكتاب القاسمي كما علمت في تقسيمه وتفصيل عناوينه والبياض بينها لتسهيل المطالعة والمراجعة، فهو في هذا وفي طبعه على أحسن ما انتهت إليه الكتب الحديثة، كما أنه أكثر جمعًا وأعم نفعًا. وخلاصة القول في تقريظ هذا الكتاب أننا لا نعرف مثله في موضوعه ومقصدًا ومبدأ وغاية، فنسأل الله تعالى أن يحسن جزاء مؤلفه وطابعه، وأن يوفق الأمة للانتفاع به. محمد رشيد رضا صاحب المنار.

стр. 13

السيد محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي ١: ١- ولادته: "ولد ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف ١٧ أيلول ١٨٦٦ في دمشق"٢. ٢- نسبه: "هو محمد جمال الدين أبو الفرج بن محمد بن سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكرن المعروف بالقاسمي، نسبة إلى جده المذكور، وهو الإمام فقيه الشام وصالحها في عصره، الشيخ قاسم المعروف بالحلاق، ولا يعرف من أجداده من خدم العلم حق الخدمة إلا جده المنوه به"٢. ٣- نشأته وشيوخه: نشأ القاسم في بيت عرف بالتقوى والعلم. وكان أبوه فقيها غلب عليه الأدب، ميالا إلى الموسيقى، وله معرفة بأنغامها، حلو الصوت. ففي جو من حرمة الدين وجلاله، وهداه وسلطانه، ورقة الأدب وروائه، وتهذيبه وصفائه، وطلاوة الموسيقى وحلاوتها، وعذوبتها ونشوتها، فتح عينيه على النور. فأعانه هذا كله، كما أعانه تشجيع أبيه على أن ينشأ نشأة صحيحة صالحة. فضلًا عما فطر عليه من عناصر الحق والخير. أخذ العلم على طريقة القدماء "فقرأ القرآن أولًا على الشيخ عبد الرحمن المصري، ثم تعلم الكتابة، على الشيخ محمود القوصي، نزيل دمشق، من صلحاء الأتراك، ثم انتقل إلى مكتب في المدرسة الظاهرية، وكان معلمه الشيخ رشيد قزيها، أخذ عنه مبادئ التوحيد والصرف والنحو والمنطلق والبيان والعروض وغيرها".

стр. 14

"ثم جود القرآن على شيخ القراء الشيخ أحمد الحلواني". "وكان مواظبًا على دورس الشيخ سليم العطار لقراءة حصة من الكتب المعينة كشرح الشذور، وابن عقيل، وشرح القطر، ومختصر السعد، وجمع الجوامع، وتفسير البيضاوي ... ". "وسمع منه مجالس من البخاري دراية، وحضر دروسه في الموطأ، والشفاء، ومصابيح السنة، والجامع الصغير، والطريقة المحمدية وغيرها". وذكر من مشايخة كلا من الشيخ بكري العطار، والشيخ محمد الخاني، وخال والده الشيخ حسن جبينة الشهير بالدسوقي. وأجازه كثير من علماء عصره. ٤- إقراؤه وإمامته للناس: بدأ في إقراء الطلاب مبادئ العلوم، وله من العمر أربعة عشر عامًا. وكان معيدًا لوالده بدرسه العام في جامع السنانية حتى عام ١٣٠٣-١٨٨٧ وانتدب من عام ١٣٠٩-١٣١٢هـ "١٨٩٣-١٨٩٦" لإلقاء دروس عامة خلال شهر رمضان في وادي العجم والنبك وبعلبك. وقام مقام أبيه في الدرس العام بعد وفاته عام ١٣١٧-١٩٠١. وبقي يؤم الناس في جامع السنانية، ويلقي الدرس العام فيه، إلى أن لقي وجه ربه. ٥- عصره: عاش القاسمي معظم حياته في أشد أيام الظلم والظلام. ولد ونظام الحكم المطلق قائم في الدولة العثمانية -وكانت البلاد الشامية جزءًا منها- فالحريات مفقودة، والأقلام مغلولة، والعقول مقيدة، والصحافة على ضعفها وقلتها مكبلة، والأحرار مطاردون، والدستور معلق والمجالس النيابية معطلة، والناس يحاسبون على الهمسة والنبسة، والجاسوسية تفتك بالأبرياء. أما العدالة فمفقودة، لفساد النظام القضائي، وشراء مراكز القضاء، وانتشار الرشوة علنا بين موظفي السلطة العامة والمواطنين.

стр. 15

وأما الحياة الثقافية، فكانت مفقودة أو بالمفقودة أشبه، فلا مدارس ولا معاهد، ولا جامعات، والطباعة والصحابة ضعيفتان، ليس فيهما أي غناء. واعتماد القلة من الناس على الكتاتيب، وحلقات الجوامع، والدروس الخاصة في البيوت. والأمية منتشرة لأن الدولة فرضت الجهل المطلق على الناس، ليعشوا في جو من الظلام والغباء، وليس على الحكم والمستغلين أطراد الأمور في سلك من الظلم والبطش والخضوع. وكان حال الحياة الدينية نتيجة طبعية للحياة الثقافية: جمود على القديم، وكتب صفراء يتداولها الطلاب، ومتون كثيرًا ما يحفظونها بدون فهم، وحواش وشروح وتقريرات وتعليقات تزيد في اضطراب عقول الطلاب وتشويشها. وتقليد أعمى غلت معه العقول، فكتب الحديث لا تقرأ إلا للتبرك. وكتب التفسير ممتنعة عن الخاصة بله العامة. ولا يقرأ الناس إلا كتب الفقه التي وضعها المتأخرون. أما كتب اللغة والنحو والصرف والأدب وما إليها فيقرؤها بعض الطلاب على أنها أداة لفهم الكتاب والسنة، لا لذاتها. وكانت الطرق، في ذلك العصر، في أوج انتشارها، يعتنقها بعض رجال الدين ويجمعون العامة حولهم، ويشغلونهم عن العمل النافع لإقامة المجتمع الإسلامي الصالح. والحياة الاجتماعية كانت مفقودة فلا ندوات، ولا جمعيات إصلاحية، ولا حلقات اجتماعية، حتى ولا جمعيات خيرية. والمرأة التي هي نصف المجتمع غائبة عنه، فليس لها في خدمته إلا نصيب قعيد البيت. في هذا الجو الخانق العجيب، المتخلف في جميع مرافق الحياة، نشأ القاسمي، فكان كالطائر المغني في غير سربه، غريبًا عن أهل الزمان. ولعل هذا كله كان أدعى لإقدامه، والاقتناع بقدسية رسالته، وضرورة العمل لها، والسعي لنشرها، والمضي في تبليغها. ٦- ثقافتة العامة: أخذ القاسمي معارفة الأولى على الطريقة المألوفة في عصره. ثم أخذت الآفاق تتسع أمامه،

стр. 16

فعكف على مكتبته الخاصة التي أسسها جده وأبوه، ينهل من معينها، ثم أخذ يتابع تطور الحرة العلمية في جميع نواحيها، راغبًا في الإحاطة بجميع أنواع المعرفة، لو أن الإحاطة ممكنة، وعنون ثقافته العامة مكتبته الخاصة، والكتب التي ألفها. فأما مكتبته الخاصة، التي تنوف على ألف مجلد، فلم يخل كتاب فيها من تصحيح أو تعليق وترى فيها إلى جانب كتب التفسير والحديث والفقه واللغة والتصوف والأدب والتاريخ والأصول وغيرها، كتب الفلسفة القديمة والحديثة، والاجتماع، والرياضيات، والقانون المقارب، وكتب الفرق الإسلامية كالمعتزلة والظاهرية والشيعة الزيدية وغيرها. كما أنها ضمت مجموعة قاربت مائة كتاب من كتب الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية. وأما الكتب التي ألفها فترى فيها إلى جانب كتب التفسير والحديث والأصول، كتابًا في تاريخ دمشق، ورسالة في الجن، وكتيبًا في الشاي والقهوة والدخان، ومقالة عن القلب، وسفرا في دلائل التوحيد، وكتابًا في الآداب والأخلاق، إلى غير ذلك مما تراه واضحًا في أسماء كتبه. وتقرأ هذه الكتب، فترى أنه عرف الاشتراكية قبل أكثر من نصف قرن، وما مدلولها، وما معناها، في وقت كان الذين سمعوا بها في العالم العربي أفرادًا معدودين١. ونلحظ فيها حصيلة حسنة من علوم الفلك والجغرافيا والحيوان والنبات والجيولوجيا٢. وينقل عن الفارابي بحثًا، فيرى أنه استعمل كلمة "أثولوجيا"، فيصححها في الهامش ويقول: كذا في الأصل، وصوابه "ته ثولوجيا"٣. ويضع رسالته الشهيرة عن الجن، فيترجم له طلابه ما جاء في معجم لاروس وفي دائرة المعارف البريطانية تحت كلمة "جن"٤. وترى في كتابه "إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق" بحثا عن "التلغراف" ومعناه، واشتقاقه من اللغة اليونانية، وأول من استعمل الكهرباء في المخابرة بعد. وكذلك "التليفون". ثم يشير إلى "التلغراف اللاسلكي" الذي كان حديث العهد بالظهور٥.

стр. 17

ويصاب بالبواسير، فيؤلف كتابًا يسميه "ما قاله الأطباء المشاهير في علاج البواسير"١. قال عنه عميد كلية الطب الأستاذ الدكتور عزة مريدن: "رسالة جامعة لكل ما يريد الباحث معرفته مما قيل عن هذا المرض قديمًا وحديثًا". ويشير إلى ما قاله علماء البيولوجيا من موافقة الأولاد لوالديهم في بعض الأوضاع الجسدية والصفات النفسية٢. ويبحث في ذرائع إصلاح الزراعة، فينبه إلى السمادات الكيماوية وأنواعها: الفوسفورية، والبوتاسية، وإلى ضرورة استعمال الآلات الميكانيكية في الحرث والحصاد، وإلى الآفات والأمراض والحشرات الزراعية، وطرق مكافتحها ... ٣. ويتناول الحياة الدستورية، ويعقد فصلا عن أدب النائب في مجلس المبعوثين، وعن شروطه فيقول: "لا يطلب النائب بين خزائن النقود، ولا من وراء سجوف النعمة، ورغد العيش، فإن من ترفع عنك لا يهبط إليك" ولا يفوته من أن يشترط على النائب تضلعه في علم الحقوق، ومعرفته لحركة المجالس النيابية عند الأمم الراقية، وإدراكه علائق حكومته بحكومات أوروبا، وما نلته من الامتيازات، وأن يكون قادرًا على الاستخراج من كتب السياسة والإدارة والقضاء بإحدى اللغات الأجنبية٤. واستشهد بشروح قانون التجارة وقوة المراسلات -ومنها البرق- في الإثبات بين الخصوم٥. ويدعو المفتين إلى ضرورة التضلع في العلوم الرياضية٦. ويبحث مشكلة من مشاكل هذا القرن الكبرى وهي التمييز بسبب العنصر أو العرق أو اللون عام ١٣٢١-١٩٠٤ فقرر أن "منشأ هذه الخرافة استعباد الزنوج، وأن من أحنى قامة الذل والهوان، نهض يطالب بحقوقه المهضومة، ويناقش ظلامه الحساب"٧.

стр. 18

وأولع عام ١٣٢٤ - ١٩٠٧ بفقة اللغات "الفيلولوجيا"، وأخذ يبحث عن أصول بعض الألفاظ المعربة من لغاتها الأصلية: اليونانية، والسريانية، والعبرية، والفارسية، والقبطية، والألمانية، والإيطالية، والفرنسية، وغيرها١. لقد كان آخذا بأطراف المعرفة من كل سبب، لم يمنعه عن ذلك مخالفة في الدين أو المذهب أو العقيدة أو الطريقة، وأتاحت له حريته الفكرية أن يجول في آثار عقول الأمم، إلى اختلاف مللهم ونحلهم. ٧- حرية واضطهاده: آمن القاسمي بالحرية وقدسها، وأحب رجالها، وعشق أبطالها، وسعي إليها، وقضى حياته كلها، هو يرى أن الإنسانية ملازمة للحرية. ولقد كان هذا واضحًا منذ طفولته المبكرة، فعرف بين أقرانه بالتحرير من الأوهام، وتقديسه لسلطان العقل، وحرية الفكر. ولم يكن هذا خافيًا على حكام ذلك الزمان، فلفقوا له من مطلع شبابه تهمه خطيرة هي "الاجتهاد"، وألفوا لذلك محكمة خاصة دُعي للمثول أمامها مع لفيف من العلماء فاستجوبوا جميعًا، وأطلق سراحهم، إلا القاسمي، فقد أوقف ليلة واحدة في دائرة الشرطة، ثم أخلي سبيله في الصباح. كان هذا في عام ١٣١٣ - ١٨٩٧، وله من العمر ثلاثون عامًا. لقد دون القاسمي وقائع المحاكمة في ترجمته لنفسه. ويغلب على ظني أن هذه الحادثة هي الحادثة الكبرى التي وقعت في أوائل القرن الرابع عشر الهجري -أواخر القرن التاسع عشر الميلادي- في البلاد الشامية. فلم يكن في البلاد أحزاب سياسية، ولا حركات قومية، وإنما كان قوام الدولة على الخلافة ومذهب الدولة الرسمي هو المذهب الحنفي، فاتهام القاسمي بالاجتهاد مذهب

стр. 19

خامس في الإسلام هو "المذهب الجمالي"، كان ممكنًا أن يؤدي به إلى أعماق السجون أو إلى أبعد المنافي. أضف إلى ذلك أن الاجتهاد يعني الحرية، وكلمة "الحرية" بمختلف أشكالها وألوانها، بما في ذلك الحرية الدينية، كانت تأباها سياسة الدولة، وتحاربها دون هوادة أو رحمة. ولئن كانت هذه الحادثة قد مرت دون أن تؤثر على حياة القاسمي، إلا أنها تركت آثارًا كبرى في طرائقه في الإصلاح، والتأليف والدعوة والإرشاد. ووقعت حادثة أخرى كانت أخف من الأولى وقعًا: ذلك أنه في ٨ من صفر ١٣٢٦ - ١٩ آذارأيار ١٩٠٨ فتشت كبته بالرسدة في الجامع، وفي حجرته بالدار. وبقيت الكتب التي أشتبه بها وصودرت حتى ١٨ ربيع الآخر ١٣٢٦ - ١٩ إيار ١٩٠٨ وأعيدت١. ثم يعلن استئناف الحياة الدستورية في المملكة العثمانية، فينتهج مع الأحرار، ويرى أن فجر عصر جديد قد آذن بالانبلاج. ولكن الواقع يكذب هذه الآمال، ويتضح أن الأتراك قبل الدستور كانوا أرحم من الأتراك بعد الدستور، فلم تكد تمضي سنة وبعض السنة، على إعلان الحرية، حتى يدعى القاسمي أمام قاضي التحقيق بدمشق ليستجوب عن التهم التي تضمنها إدعاء الحق العام عليه وهي: "أن جمعية النهضة السورية لم تنشأ إلا بتشويقه، هو والشيخ عبد الرزاق البيطار، وأنهما من أركانها، وأنها فرع لجميعات في البلاد كاليمن ونجد، وأنها تطلب الاستقلال الإداري، وتريد تشويش الأمور الداخلية بطلب حكومة عربية، وأن لهم مكاتبات مع أمراء نجد ومواصلات، وكذلك مع المتمهدي في اليمن، وأن الشيخ طاهرا المغربي هو المحرض للمتمهدي على القيام لأنه مغربي. وما مذهب الوهابية، وكما عدتهم في الشام.. إلى نحو ذلك"٢. وإذا كنا لا نعرف عن هذه الحاديثة التاريخية الكبرى أكثر من هذه الأسطر، لفقدان إضبارتها، ولأن الأحياء الذين عاصروها لا يذكرون عنها شيئًا، فإن في هذه

стр. 20

الأسطر من الدلالة على خطورتتها ما كان يمكن أن يؤدي بالقاسمي إلى المشنقة، أو إلى التنكيل القبيح. وهكذا فإن القاسمي قد عاش الدستور وبعده، وهو هدف للاضطهاد، بسبب آرائه الحرة، وأفكاره الجريئة. أما مظاهر حريته الكاملة فستراها حين بحث آرائه وأفكاره. ٨- آراؤه وأفكاره: في هذا البحث عناوين لبعض آراء القاسمي وأفكاره، والتقطتها من بعض كتبه دون استقصاء. وهذه العناوين التي كتبها بقلمه لا تغني عن الرجوع إلى أصول الأبحاث. وإنما تعطى فكرة عن عقل الرجل وتفكيره، فلقد كان يرى: إن الدين مدرسة أخلاق١ وأنه يدعو للوحدة لا للتفرق٢. وأن العقل حجة الله القاطعة البالغة، والنقل لا يأتي بما يناقض العقل٣. وأن العلماء اتفقوا على أنه إذا تعارض العقل والنقل، أول النقل بالعقل٤. إن باب التناظر، والتحاور في المسائل مفتوح، حتى في مثل أخبار الصحيحين، وهي ما هي، وإن غل الفكر عن النظر والتأمل هو أعظم هادم لصرح التحقيق، فإن الحقيقة بنت البحث٥. وإن حرية العلم والتأليف قضت أن لا يبخل بفكر، ولا يضن برأي، لا على أن يهمس به همسًا، بل على أن يبث وينشر، ويصدع به في المجامع والجوامع ويجهر به على المسامع٦. إن تبين وجه الحق إنما هو بالوقوف على تفصيل المتنازع فيه وتحليله، وطرح كل ما سبق إلى القلب وغرس فيه، من تقليد أو تحزب أو تقية، أو حمية٧ ... وإن الحق ليس منحصرًا في قول ولا مذهب، وقد أنعم الله على الأمة بكثرة مجتهديها٨.

стр. 21

وإن مراد الإصلاح العلمي بالاجتهاد ليس القيام بمذهب خاص، والدعوة له على انفراده، وإنما المراد إنهاض همم رواد العلم، لتعرف المسائل بأدلتها ١ ... إنا في الرأي مستقلون، ولسنا بمقليدن ولا متحزبين٢. ظهر لي أن قول بعض الفقهاء: "هو تعبدي لا يعقل معناه" فيه حجر على العقول والأفهم أن تنظر وتتأمل وتتدبر. فهو مناف لقاعدة إعمال الفكر لاستنباط المعاني٣. وله آراء في الدولة وقوتها والوطن والسياسة والعرب وغيرها جاء في بعضها: إن القرآن قد أمر بوجوب إعداد القوة الحربية، وإنه لما ترك المسلمون العمل بهذا الأمر، أهملوا فرضًا من فروض الكفاية، وأصبحت جميع الأمة أئمة. وأن طمع العدو في البلاد الإسلامية؛ لأنه ليس فيها معامل للأسلحة، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو. ولقد آن للأمة أن تنتبه من غفلتها قبل أن يداهم العدو ما بقي منها، فيقضي على الإسلام وممالك المسلمين، لاستعمار الأمصار، واستعباد الأحرار، ونزع الاستقلال المؤذن بالدمار٤. وإن حب الوطن من أمهات الفضائل، وهو أن يبذل المرء ما يقدر عليه، مما أعطاه الله من العلم والمال والخبرة والنصح في عامة الأحوال والأزمان لمنفعة وطنه ومواطنيه٥. وحض على الجهاد لأن العدو يريد أن يقضي على الدين، وأن ينهب الأموال والمقتنيات ويهتك الحرم، ويمحو تاريخ المجد، ويفني اللغة والعلوم٦. وهلل للدستور بكثير من الفرح٧. ودعا لتولية الأكفياء، وإعطاء كل ذي حق حقه، ووضع الأشياء في مواضعها، وتفويض الأعمال للقادرين عليها.. لأن كل من تتبع تواريخ الأمم، علم أنه ما انقلب عرش مجدها، إلا لتفويض الأعمال لمن لا يحسن القيام عليها، ويضع الأشياء في غير موضعها٨.

стр. 22

وكان يحترم آراء الفرق؛ لأن الخطأ من شأن غير المعصوم١. وقد ترك دفترًا تاريخه أواخر شوال ١٣٢١ - ١٩٠٤، قيد فيه من أوابد أفكاره ما يدعو إلى كثير من الإعجاب والتقدير٢. فهو يسر للانتقاد، ويعتبر الانتحار هربًا من القيام بالفروض، وأن القدر الذي يجب الإيمان به لا ينطوي على شيء يميت العزم أو يخمده، وأن الغرب قد اختارهم الله لتهذيب الأمم؛ لأنه أنزل القرآن بلغتهم، وأن قصص القرآن ليست إلا آيات وعبرًا. وأن وظيفة الأستاذ والرئيس أن ينظر في أمور جماعته، ويمهد لها سبيل المجد والارتقاء. وأن المناظرة في الأمور المذهبية التي توجب الضغائن. وتولد التعصب آفة العمران. وأن الكسل من النقائص التي تولد الحسائس والشرور. وأن من اشتهر بالبخل من الناس مرفوض. وكذلك من اشتهر بالنميمة والثلب والسفه والكبرياء.. وأن أعمال المتقين تفقًا حصرمًا في أعين الحاسدين. وأن المتعصبين يستعملون تعاليمهم الفاسدة في تفريق الناس بعضهم عن بعض. وأن الحق يصرع إذا عمد إلى إظهاره بالسباب والشتائم. وأن الحياة معترك هائل، يموج بالرزايا موجًا، وأن الإنسان فيها بمثابة المخاطر في معترك الحرب، إن فاتته ضربة سيف، ولا تفوته طعنة رمح، أو رمية سهم. وأن الإسلام لا يبيح الحرب لذاتها، وقد حرم الاعتداء، وإنما يوجب تعميم الدعوة، فمن عراضها وجب جهاده عند القدرة، حتى يقبلها، أو يكون لأهلها السلطان الذي يتمكنون به من نشرها بدون معارض. وأن اللباس من الأمور العادية. والدين لا يذم لباسًا إلا إذا كان في لبسه ضرر في الأخلاق. وأن السياسة مصابرة المكاره، ومسايرة الأهوال والمصاعب، وركوب الأسنة في سبيل المداراة والمجاراة، وتحين الفرص والظروف. وأنه لا ينبغي للإنسان أن تكون وظيفته في الحياة دون النبات: ذاك يتطاول، وهم يتقاصرون.

стр. 23

وأن العاقل لا ينتصر لرأيه الذاتي، ولا يصر عليه، فربما كان صوابًا أو خطأ. وأن عثمان كان محقًّا في نفي أبي ذر الغفاري لأن الحث على الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير والكف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية، والتباعد عن الزينة والمفاخرة.. كل هذه الأصول فقرات مخدرات لا يرتضيها عقل، ولم يأت بها شرع. وأن حال الأمة لا يستقيم ولا يثبت على أساس مكين ما لم يتفق الكبراء بعضهم مع بعض، ويتصافوا مع الذين دونهم، ويفصلوا كل خلاف وخصومة بالتحكيم. وأن الجبان يموت مرارًا قبل وفاته، والشجاع لا يذوق مرارة الموت إلا مرة واحدة. وبعد فهذا قليل من كثير مما ترك القاسمي. عرضنا منه عناوين، وتركنا التفصيل إلى كتابنا الذي نعده عنه. ٩- أسلوبه ومؤلفاته: كان الكتاب في العصر الذي عاش فيه القاسمي يعتبرون السجع المثل الأعلى في الإنشاء. وكانت "مقامات الحريري" القدوة التي يحتذيها الكتاب فيما يكتبون. ولقد درجوا على تحفيظها للطلاب، لتنمية الملكة الأدبية، وللنسج على منوالها. ولقد كان والده أديبًا، إلى جانب تعمقه بالفقه فنشأه نشأة أدبية، على الطريقة المألوفة في عصره، فلما أخذ في الكتابة والتأليف جرى على الأسلوب الذي لقن إليه. فالتزم السجع في أكثر ما كتب في مطلع حياته، ثم استمر على التزامه في أكثر مقدمات كتبه حتى آخر حياته، وفي بعض رسائله الخاصة. على أن سجعه في أوائل أيامه أقرب إلى سجع المبتدئين، وكان في أواخرها أقرب إلى سجع أئمة الكتاب المتقدمين١. ثم شاعت طرقة الترسل، وكان الأستاذ الإمام محمد عبده، من الذين استعملوها، ودعوا إلى نشرها. وكان القاسمي معجبًا بالأستاذ الإمام، فعدل عن السجع إلى الترسل، وفي أكثر ما كتب بعد تعرفه عليه عام ١٣٢١ - ١٩٠٤، فجاء أسلوبه فيه عربيًّا صافيًا، رائعًا

стр. 24

في قوة التركيب، وجزالة الألفاظ، ودقة الأداء، دليلًا على تمكنه من لغة العرب، وصفا ذهنه، وغوصه على المعاني١. أما كتبه التي ألفها فقد قاربت المائة. وأقدم ما عثرت عليه مؤلفاته، مجموعة سماها "السفينة" يرجع تاريخها إلى عام ١٢٩٩ - ١٨٨٣، ضم فيها طرائف من مطالعاته في الأدب والأخلاق والتصوف والتاريخ والشعر وغير ذلك وله من العمر ستة عشر عامًا. ومضى يكتب ويكتب إلى أن عجب الناس من بعده، كيف اتسع وقته -ولم يعش إلا تسعة وأربعين عامًا- لهذا الإنتاج الضخم، فضلًا عن تحمل مسئولية الرأي، وترجيح الأقوال ومناقشتها، والرجوع إلى المصادر، وفضلًا عن أعبائه العائلية، فلقد كان له زوج وسبعة أولاد، وفضلًا عن أمامته للناس في الأوقات الخمسة دون انقطاع، ودروسه العامة والخاصة، وتفقده للرحم ورحلاته، وزياراته لأصدقائه، وغير ذلك من المشاغل. وليس من شأن هذه المقدمة أن تعد لك مؤلفات القاسمي وقد قاربت المائة، ولا أن تعرفك بمواضيعها، فارجع إلى هذا البحث، إن شئت، في الكتاب الذي لخصنا عنه هذا الفصل. ١٠- أسلوبه في الدعوة: عرف عن القاسمي أنه كان عف اللسان والقلم، لم يتعرض بالأذى لأحد من خصومه، سواء أكان ذلك في دروسه الخاصة أو العامة، أو في مجالسه وندواته. وإنما كان يناقش بالبرهان والدليل، من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة والمراجع المعتمدة. وكانت له طريقة في مناقشة خصومه له يعرف أهدأ منها، ولا أجمل من صبرها. وكثيرًا ما قصده بعض المتقحمين في داره، لا مستفيدًا، ولا مستوضحًا، ولا مناقشًا، بل محرجًا. فكان يستقبلهم بصدره الواسع، وعلمه العميق، فلا يخرج المقتحم من داره إلا وقد أفحم وامتلأ إعجابًا وتقديرًا.

стр. 25

ولم تتضمن كتبه، على كثرتها، وبعضها إنما وضع للرد على مخالفيه، لفظًا نابيًا، وإنما اعتصم بالنقاض العلمي الأدبي. ومن الواضح لمن يطلع على هذه الكتب، أن القاسمي لم يكن يريد من الرد على مخالفيه، إفحام خصومه، أو تصغيره أقدارهم، أو الحط من مكانتهم، وإنما كان يهدف إلى الهدى والرشاد، وسواء السبيل، والدعوة إلى الصراط المستقيم، حتى ينقلب المخطئ مصيبًا، وحتى يعود المنحرف إلى الحق. "ادفع بالتي هي أحسن" طريقته الوحيدة في الدعوة إلى الحق، فلم تعرف عنه رغبة لجاجة ولا إلحاح مع معاند، ولا استمرار مع مكابر أو مغرض. ١١- وفاته: وافاه أجله مساء السبت ٢٣ جمادى الأولى ١٣٣٢ - ١٨ نيسان ١٩١٤ ودفن في مقبرة الباب الصغير بدمشق. الخاتمة: هذه لمحة عن سيرة هذا الرجل الذي عاش للعلم والحق والخير وترك أعمق الأثر في معاصريه وأقرانه وتلاميذه، وفي العصر الذي عاش فيه، وفي العصور التي أتت من بعده، سواء أكان في النهضة الدينية، أم في النهضة الإسلامية والعربية بوجه عام. لقد كان حلقة في سلسلة الهدى والإصلاح التي لا ينقطع نورها عن العالم الإسلامي خلال القرون، فجددت للناس حقائق الدين، وجلت عنها ما علق بها من الخرافات والأوهام. ظافر القاسمي

стр. 26

خطبة الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل أحسن الحديث، وأودع درر بيانه في محكم الحديث، وألهم حملته العدول، وحفظته الفحول، إيضاح مصطلحه وقواعده، ليدنوا اجتناء ثمرات فوائده فإنه لسماء المعارف الشمس البازغة، وللهداية إلى طريق الحق الحجة الدامغة، أحمده حمد من أعمل بالحمد لسانه، وشغل بالشكر أركانه وجنانه، وأشكره شكر معترف بامتنانه، مغترف من بحر بره وإحسانه وأصلي وأسلم على من أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، سيدنا محمد أفضل من كحلت به الرسالة أجفانها، ونظمت به النبوة جمانها، وعلى آله الفائزين بتلقي إرساله، واتباع أقواله وأفعاله، وعلى أصحابه الذين دأبوا في المآثر الصالحة، ونصبوا على تعاطي التجارت الرابحة، وعلى السادة الأتباع، الذين اقتفوا مسالك الأتباع، وجانبوا محدثات الابتداع، وعلى من تبعهم بإحسان، وتأسى بهم في حفظ الهدي النبوي المصون، ما أرسل راو الإسناد وعنعنه، وصحح متنه وحسنه. أما بعد. فإن من سعادة الأمة أن يكون لديها من العلماء طائفة مهتمة، يختص عملها بتنوير عقولهم بالمعارف الحقة، وتحليتها بالعلوم الصافية بكمال الدقة، لا ينون في تبيين طرق السعادة ومواردها. ولا يألون جهدًا في السلوك بهم في جوادها، وذلك أن بداهة العقل حاكمة بأن جل المعارف البشرية، والعقائد الدينية، والأحكام الشرعية، مكتسبة أي من العلوم النظرية، فإن لم يكن في الناس معلم حكيم، قصرت العقول عن درك ما ينبغي لها دركه من التقويم، وانقطعت دون الكفاية مما يلزم لسد ضرورات الحياة الأولى، والاستعداد لما يكون في الأخرى، وساوى الإنسان في معيشته سائر الحيوانات، وحرم سعادة الدارين وفارق هذه الدنيا على أتعس الحالات. وإن من أعظم ما يسعى إليه الساعون، ويتنافس في الدعوة إليه المتنافسون، علوم الحديث الكاشفة النقاب، عن جمال وجوه مجملات الكتاب، والمدار لتفصيل الأحكام، وتبيين أقسام الحلال والحرام: إذ مستندها ما صح من الأخبار، وثبت حسنه من الآثار، ولا طريق لتعريف ذلك، إلا

стр. 27

بما اصطلع عليه من أصول تلك المسالك. ولما كان الشيء يشرف بشرف موضوعه أو بمسيس الحاجة إليه، كان فن المصطلح مما جمع الأمرين، وفاز بالشرفين؛ لأنه يبصر من سواء السبيل الجواد، ويرقى الهمم لتعرف سنن الرشاد، وإني منذ تنشقت من علم الحديث أرج أردانه، حتى عمت من بحره في زاخره، وجريت طلقًا في ميدانه، لم أزل أسرح طرق الطرف في رياضه، وأورد ذود الفكر في حياضه، أستشيم بارقه إذا سرى، وأجرى مع هواه حيث جرى، وأنظم فرائده، وأقيد أوابده، وأدل على مقاصده، وأعوج إلى معاهده، حتى أشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهم، وأجبت داعي الفكر لمقترحه، من جمع ما كنت وعيت من مصطلحه؛ إذ هو قطب تدور عليه أفلاك الأخبار، وعباب تنصب منه جداول معاني الآثار، قد سجم وابل فضله في الأصول فأزهرها، وتبسم وجه إقباله في الفروع فنورها، فاستخرت الله فيما قصدت، وتوكلت عليه فيما أردت، وشرعت في جمع لبابه، والمهمات من أبوابه، وإبراز دفائنه وكنوزه، وحل غوامضه ورموزه، ومن الكتب المعول عليها، والأصول المرجوع إليها، حتى غدا جامعًا لمجمع المصطلحات، وحاصرًا لامهاتها المعتبرات، مع تنبيهات نافعة وتنويرات ساطعة، توضح معالم أسرار الآثار، وتصيرها كالشمس في رائعة النهار، وضممت إليه فرائد تبهج الألباب، عثرت على خباياها في غير ما كتاب، مما لم يذكر في أسفار المصطلح، ولا يعلم مظانها إلا من لزند التنقيب اقتدح، فقيدت شواردها، وقصرت أوابدها على أسلوب جديد، يسهل الوقوف على أسرار هذا الفن الباهرة، ويرقى إلى الرسوخ في مقاصد السنة الطاهرة، والحذق في رد الخلاف إلى الحق المأثور، الذي تطمئن به القلوب وتنشرح الصدور. مما يتنافس فيه الكاملون، ويتباهي بتحصيل معرفته الراغبون، وقد سميته: "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" ورتبته على مقدمة وعشرة أبواب، مذيلة بخاتمة في فوائد متنوعة يضطر إليها الأثرى، ثم بتتمة في مقصدين بديعين. وعلى الله التكلان، في كل وقت وأوان، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

стр. 28

مقدمة: في مطالع مهمة المطلع الأول: قال الزركشي في قواعده: "إن تصنيف العلم فرض كفاية على من منحه الله فهمًا واطلاعًا فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ ١ الآية، ولن تزال هذه الأمة في ازدياد وترق في المواهب والعلم". ا. هـ. وقال نابغة البلغاء ابن المقفع في مقدمة الدرة اليتيمة٢: "وجدنا الناس قبلنا لم يرضوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم حتى أشركونا معهم فيما أدركوا من علم الأولى والآخرة، فكتبوا به الكتب الباقية، وكفونا مئونة التجارب والفطن، وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم والكلمة من الصواب وهو بالبلد غيرالمأهول فيكتبه على الصخور مبادرة منه للأجل، وكراهية لأن يسقط ذلك على من بعده٣، فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشفيق على ولده الرحيم بهم الذي يجمع لهم الأموال، والعقد٤ إرادة أن لا تكون عليهم مئونة في الطلب وخشية عجزهم إن هم طلبوا فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم، وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل في آرائهم، والمنتقي من أحاديثم ولم تجدهم غادروا شيئًا يجد واصف بليغ في صفة له مقالًا لم يسبقوه إليه لا في تعظيم لله وترغيب فيما عنده ولا في تصغير للدنيا وتزهيد فيها ولا في تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامه وتجزئة أجزائها وتوضيح سبلها،

стр. 29

وتبيين مآخذهم، ولا في وجوه الأدب، وضروب الأخلاق. فلم يبق في جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال، وقد بقيت أشياء من عمل الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس" انتهى كلامه. وفي قوله: "وقد بقيت ... " فتح لباب التصنيف على نحو هذا المعنى وقد قالوا: ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها العلماء وهي: اختراع معدوم، أو جمع مفترق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، أو تهذيب مطول، أو ترتيب مخلط، أو تعيين مبهم، أو تبيين خطأ كذا عدها أبو حيان يمكن الزيادة فيها. قال ملا كاتب جلبي ﵀: "ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا الزمان مطلقًا، ولا وجه لإنكاره من أهله وإنما يحمله عليه التنافس والحسد الجاري بين أهل الأعصار والله در القائل: قل لمن لا يرى المعاصر شيئًا ... ويرى للأوائل التقديما إن ذاك القديم كان حديثًا ... وسيبقى هذا الحديث قديما واعلم: أن نتائج الأفكار لا تقف عند حد، وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية، بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له، وليس لأحد أن يزاحمه فيه لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر، والفيض الإلهي، ليس له انقطاع ولا آخر، والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما لم يدخر لكثير من المتقدمين، فلا تغتر بقول القائل: "ما ترك الأول للآخر! " بل القول الصحيح الظاهر: "كم ترك الأول للآخر! " فإنما يستجاد الشيء ويسترذل لجودته، ورداءته في ذاته لا تقدمه، وحدوثه. ويقال "ليس كلمة أضر بالعلم من قولهم: ما ترك الأول شيئًا" لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدم الأول من الظاهر، وهو خطر عظيم، وقول سقيم فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها، فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها كما قال ﵊:

стр. 30

"أمتي أمة مباركة لا يُدرى أولها خير أو آخرها" قال ابن عبد ربه في العقد: "إني رأيت آخر كل طبقة، واضعي كل حكمة، ومؤلفي كل أدب، أهذب لفظا وأسهل لغة، وأحكم مذاهب، وأوضح طريقة من الأول؛ لأنه ناقض متعقب، والأول بادي متقدم". وفي كتاب: "جامع بيان العلم وفضله" للحافظ ابن عبد البر١ عن علي ﵁ أنه قال في خطبة خطبها: "واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون وقدر كل آمري ما يحسن فتكلموا في العلم تتبين أقداركم". قال ابن عبد البر: "ويقال إن قول علي بن أبي طالب: قيمة كل امرئ ما يحسن، لم يسبقه إليه أحد، وقالوا: "ليس كلمة أحض على طلب العلم منها" وقالوا: "ولا كلمة أضر بالعلم والعلماء والمتعلمين من قول القائل: "ما ترك الأول للآخر شيئًا". ا. هـ. المطلع الثاني: أتأسى في هذا التصنيف الميمون بقول السيد مرتضى اليماني ﵀ في كتابه: "إيثار الحق على الخلق"٢: "وإنما جمعت هذا المختصر المبارك، إن شاء الله تعالى، لمن صنفت لهم التصانيف، وعنيت بهدايتهم العلماء؛ وهم من جمع خمسة أوصاف، معظهما: الإخلاص والفهم والإنصاف، ورابعها -وهو أقلها وجودًا في هذه الأعصار- الحرص على معرفة الحق من أقوال المختلفين وشدة الداعي إلى ذلك الحامل على الصبر والطلب كثيرًا وبذل الجهد في النظر على الإنصاف ومفارقة العوائد وطلب الأوابد". قال ﵀: "فإن الحق في مثل هذا الأعصار قلما يعرفه إلا واحد، وإذا عظم المطلوب قل المساعد، فإن البدع قد كثرت، وكثرت الدعاة إليها، والتعويل عليها، وطالب الحق اليوم شبيه بطلابه في أيام الفترة، وهم: سلمان الفارسي، وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما رحمهما الله تعالى؛ فإنهم قدوة الطالب للحق، وفيهم له أعظم أسوة فإنهم لما حرصوا

стр. 31

على الحق وبذلوا الجهد في طلبه، بلغهم الله إليه، وأوقفهم عليه، وفازوا من بين العوالم الجمة، فكم أدرك الحق طالبة في زمن الفترة! وكم عمي عنه المطلوب له في زمن النبوة! فاعتبر بذلك واقتد بأولئك فإن الحق ما زال مصونًا عزيزًا نفيسًا كريمًا، لا ينال مع الإضراب عن طلبه وعدم التشوف والتشوق إلى سببه ولا يهجم على المبطلين المعرضين ولا يفاجئ أشباه الأنعام الغافلين؛ ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطل ولا جاهل ولا بطال ولا غافل". انتهى كلامه رحمه الله تعالى. المطلع الثالث: لا خفاء أن من المدارك المهمة في باب التصنيف، عزو الفوائد والمسائل والنكت إلى أربابها تبرؤا من انتحال ما ليس له، وترفعًا عن أن يكون كلابس ثوبي زور. لهذا ترى جميع مسائل هذا الكتاب معزوة إلى أصحابها بحروفها وهذه قاعدتنا فيما جمعناه ونجمعه. وقد اتفق أني رأيت في "المزهر" للسيوطي هذا الملحظ حيث قال في ترجمة "ذكر من سئل عن شيء فلم يعرفه فسأل من هو أعلم منه" ما نصه١: "ومن بركة العلم وشكره، عزوه إلى قائله؛ قاله الحافظ أو طاهر السلفي: سمعت أبا الحسن الصيرفي، يقول: سمعت أبا عبد الله الصوري يقول: قال لي عبد الغني بن سعيد: "لما وصل كتابي إلى أبي عبد الله الحاكم، أجابني بالشكر عليه، وذكر أنه أملاه على الناس، وضمن كتابه إلى الاعتراف بالفائدة وأنه لا يذكرها إلا عني". وأن أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثهم، قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت أبا عبيد يقول: "من شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذكر لك قلت: خفي عليَّ كذا وكذا ولم يكن لي به علم، حتى أفادني فلان فيه كذا وكذا، فهذا شكر العلم. قال السيوطي: "ولهذا لا تراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفًا إلا معزوا إلى قائله من العلماء مبينا كتابه الذي ذكره فيه". ا. هـ.

стр. 32

المطلع الرابع: قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر١: "أول من صنف في الاصطلاح القاضي أبو محمد الرامهرمزي، فعمل كتابه: "المحدث الفاصل" لكنه لم يستوعب والحاكم أبو عبد الله النيسابوري لكنه لم يهذب ولم يرتب وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل كتابه مستخرجًا وأبقى أشياء للمتعقب ثم جاء بعده الخطيب البغدادي فعمل على قوانين الرواية كتابًا سماه: "الكفاية" وفي آدابها كتابًا سماه: "الجامع لآداب الشيخ والسامع" وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابًا مفردًا فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعده عيال على كتبه". ثم جمع ممن تأخر عنه القاضي عياض كتابه: "الإلماع" وأبو حفص الميانجي جزءًا سماه: "ما لا يسع المحدث جهله" والحافظ أبو بكر بن أحمد القسطلاني في: "المنهج المبهج عند الاستماع، لمن رغب في علوم الحديث على الاطلاع" إلى أن جاء الحافظ الإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري نزيل دمشق فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الإشرفية المعروفة بدار الحديث، كتابه المشهور، فهذب فنونه، وأملاه شيئًا فشيئًا واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة فجمع شتات مقاصدها وضم إليها من غيرها نخب فوائدها فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره فمنهم المختصر له كالنووي في تقريبه والناظم له كالعراقي والمستدرك والمعارض فجزاهم الله خيرًا". ا. هـ. وكتابنا هذا حوى بمعونته تعالى لباب مقاصد هذا الفن، من خلاصة المصنفات المنوه بها، ومن نخب كتب الأصول، وممن حام حول خدمة فقه السنة مما ستقف، على العزو إليه بحوله تعالى وقوته، وهو نعم المعين.

стр. 33

الباب الأول: في التنويه بشأن الحديث وفيه مطالب ١- شرف علم الحديث: عن أبي نجيح العرباض بن سارية السلمي ﵁ قال: وعظنا رسول الله رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون قلنا: يا رسول الله ﷺ كأنها موعظة مودع فأوصنا! قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد. وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: "حديث حسن" وأبو نعيم وقال: "حديث جيد من صحيح حديث الشاميين". وفي بعض الطرق: فماذا تعهد إلينا؟ قال: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها فلا يزيغ عنها إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ". وفي بعضها: "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". قال الحافظ المنذري: وقوله ﷺ : "عضوا عليها بالنواجذ" أي اجتهدوا على السنة وألزموها واحرصوا عليها كما يلزم العاض على الشيء بنواجذه خوفًا من ذهابه وتفلته والنواجذ الأنياب أو الأضراس. وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "العلم ثلاثة؛ آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وما سوى ذلك فهو فضل" رواه أبو داود وابن ماجه.

стр. 34

وعن جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: "أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة".... نحو ما تقدم". رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما. وفي رواية: "أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد" الحديث. قال الإمام النووي قدس الله سره: "إن من أهم العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات، أعني معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها وبقية أنواعها المعروفات ودليل ذلك: أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات؛ فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات وبيانها في السنن المحكمات. وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالمًا بالأحاديث الحكميات فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات وأفضل أنواع الخير وآكد القربات وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل على بيان حال أفضل المخلوقات عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الأعصار الخاليات حتى لقد كان يجتمع في مجلس الحديث من الطالبين ألوف متكاثرات فتناقص ذلك وضعفت الهمم فلم يبق إلا آثار من آثارهم قليلات والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات، وقد جاء في فضل إحياء السنن المماتات أحاديث كثيرة معروفات مشهورات فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات ولكونه أيضًا من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله وللأئمة والمسلمين والمسلمات وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات. ولقد أحسن القائل: "من جمع أدوات الحديث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات، وذلك لكثرة فوائده البارزات والكامنات وهو جدير بذلك فإنه كلام أفصح الخلق ومن أعطى جوامع الكلمات ﵌ صلوات متضاعفات". وقال العلامة الشهاب أحمد المنيني الدمشقي الحنفي في القول السديد: "إن علم الحديث

стр. 35

علم رفيع القدر، عظيم الفخر، شريف الذكر لا يعتني به إلا كل حبر، ولا يحرمه إلا كل غمر، ولا تفنى محاسنه على ممر الدهر؛ لم يزل في القديم والحديث يسمو عزة وجلالة، وكم عز به من كشف الله له عن مخبآت أسراره وجلاله؛ إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين ويظهر المقصود من حبله المتصل المتين، ومنه يُدرى شمائل من سما ذاتًا ووصفًا واسمًا ويوقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عربًا وعجمًا، وتمتد من بركاته للمعتنى به موائد الإكرام من رب البرية، فيدرك في الزمن القليل من المولى الجليل المقامات العلية، والرتب السنية من كرع من حياضه أو رتع في رياضه فليهنه الأنس بجنى جنانه السنة المحمدية، والتمتع بمقصورات خيام الحقيقة الأحمدية؛ وناهيك بعلم من المصطفى ﷺ بدايته، وإليه مستنده وغايته. وحسب الراوي للحديث شرفًا وفضلًا وجلالة ونبلًا أن يكون أول سلسلة آخرها الرسول وإلى حضرته الشريفة بها الانتهاء والوصول. وطالما كان السلف الصالح يقاسون في تحمله شدائد الأسفار، ليأخذوه عن أهله بالمشافهة ولا يقنعون بالنقل من الأسفار فربما ارتكبوا غارب الاغتراب بالارتحال إلى البلدان الشاسعة لأخذ حديث عن إمام انحصرت رواتيه فيه أو لبيان وضع حديث تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه وتأسى بهم من بعدهم من نقلة الأحاديث النبوية وحفظة السنة المصطفوية، فضبطوا الأسانيد وقيدوا منها كل شريد، وسبروا الرواة بين تجريح وتعديل، وسلكوا في تحرير المتن أقوم سبيل، ولا غرض لهم إلا الوقوف على الصحيح من أقوال المصطفى وأفعاله، ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله فهذه هي المنقبة التي تتسابق إليها الهمم العوالي والمأثرة التي يصرف في تحصيلها الأيام والليالي" وقال الإمام أبو الطيب السيد صديق خان الحسيني الأثري عليه الرحمة والرضوان قي كتابة: "الخطة": "اعلم أن آنف١ العلوم الشرعية ومفتاحها ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها وعمدة المناهج اليقينية ورأسها ومبني شرائع الإسلام وأساسها ومستند الروايات الفقهية كلها ومآخذ الفنون الدينية دقها وجلها وأسوة جملة الأحكام وأسها

стр. 36

وقاعدة جميع العقائد وأسطقسها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها، هو علم الحديث الشريف الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملاك كل نهي وأمر ولولاه لقال من شاء ما شاء وخبط الناس خبط عشواء وركبوا متن عمياء فطوبى لمن جد فيه وحصل منه على تنويه يملك من العلوم النواصي، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي. ومن لم يرضع من دره، ولم يخض في بحره، ولم يقتطف من زهره، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام فقد جار فيما حكم وقال على الله تعالى ما لم يعلم؛ كيف وهو كلام رسول الله ﷺ والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين، وقد أُوتي جوامع الكلم وسواطع الحكم، من عند رب العالمين. فكلامه أشرف الكلم وأفضلها، وأجمع الحكم وأكملها كما قيل: "كلام الملوك ملوك الكلام". وهو تلو كلام الله العلام وثاني أدلة الأحكام. فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها، وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها؛ وكذا الكشفيات والعقليات بنقيرها وقطميرها، تتوقف على بيانه ﷺ فإنها ما لم توزن بهذا القسطاس المستقيم ولم تضرب على ذلك المعيار القويم، لا يعتمد عليها ولا يصار إليها فهذا العلم المنصوص والبناء المرصوص بمنزلة الصراف لجواهر العلوم عقليها ونقليها وكالنقاد لنقود كل الفنون أصليها وفرعيها من وجوه التفاسير والفقهيات ونصوص الأحكام ومآخذ عقائد الإسلام وطرق السلوك إلى الله ذي الجلال والإكرام فما كان منها كامل العيار في نقد هذا الصراف فهو الحري بالترويج والاشتهار وما كان زيفا غير جيد عند ذاك النقاد فهو القمين بالرد والطرد والإنكار فكل قول يصدقه خبر الرسول فهو الأصلح للقبول وكل ما لا يساعده الحديث والقرآن فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان فهي مصابيح الدجى ومعالم الهدى وبمنزلة البدر المنير من أنقاد لها فقد رشد واهتدى وأُوتي الخير الكثير ومن أعرض عنها وتولى فقد غوى وهوى وما زاد نفسه إلا التخسير فإنه ﷺ نهى وأمر وأنذر وبشر، وضرب الأمثال وذكر، وإنها لمثل

стр. 37

القرآن بل هي أكثر١. وقد أرتبط بها اتباعه ﷺ الذي هو ملاك سعادة الدارين، والحياة الأبدية بلا مين كيف وما الحق إلا فيما قاله ﷺ أو عمل به أو قرره أو أشار إليه، أو تفكر فيه أو خطر بباله أو هجس في خلده واستقام عليه. فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب، والعمل بهما في كل إياب وذهاب ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء: "وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"٢ فيا له من علم سيط٣ بدمه الحق والهدى ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى. وقد كان الإمام محمد بن علي بن الحسين ﵇ يقول: "إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث". ولقد صدق فإنه لو تأمل المتأمل بالنظر العميق والفكر الدقيق لعلم أن لكل علم خاصية تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة وهذا علم تعطى مزاولته صاحب هذا العلم معنى الصحابية لأنها في الحقيقة هي الاطلاع على جزئيات أحواله ﷺ ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها وعند بعد الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول ويرتسم في خياله بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان وإليه أشار القائل بقوله: أهل الحديث هموا أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا" ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: "أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظ: قال رسول الله ﷺ . فالحاصل أن أهل الحديث، كثر الله تعالى سوادهم، ورفع عمادهم لهم نسبة خاصة، ومعرفة مخصوصة بالنبي لا يشاركهم فيها أحد من العالمين فضلا عن الناس أجمعين لأنهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العليا، وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم، وخيال وجهه الوسيم ونور حديثه المستبين يتردد في حاق وسط جنانهم فعلاقة باطنهم بباطنه العلي متصلة، ونسبة ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة فأكرم بهم من كرام يشاهدون عظمة المسمى حين يذكر الاسم ويصلون عليه كل لمحة ولحظة بأحسن الحد والرسم".

стр. 38

٢- فضل راوي الحديث: كفى خادم الحديث فضلًا دخوله في دعوته ﷺ حيث قال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها". رواه الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود، وأخرجه أبو داود والترمذي بلفظ: "نضر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع". قال الترمذي: "حسن صحيح" وعن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله المرء سمع منا حديثًا فبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه". رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه بزيادة وعن أنس بن مالك قال خطبنا رسول الله ﷺ بمسجد الخيف من منى فقال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها الحديث" رواه الطبراني وروى نحوه الإمام أحمد وغيره عن جبير بن مطعم. قال سفيان بن عيينة: "ليس من أهل الحديث أحد إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث". وقال ﷺ : "اللهم أرحم خلفائي" قيل: ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي، ويعلمونها الناس". رواه الطبراني وغيره. وكأن تلقيب المحدث بأمير المؤمنين مأخوذ من هذا الحديث، وقد لقب به جماعة منهم سفيان وابن راهويه والبخاري وغيرهم. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ١ ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك لأنه لا إمام لهم غيره ﷺ . كذا في التدريب٢ وعن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". ورواه من الصحابة غير واحد أخرجه ابن عدي، والدارقطني وأبو نعيم.

стр. 39

وتعدد طرقه يقضي بحسنه كما جزم به العلائي. وفيه تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية، وبيان لجلالة قدر المحدثين وعلو مرتبتهم في العالمين؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين، بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها. وقال النووي رحمه الله تعالى في أول تهذيبه: "هذا إخبار منه ﷺ بصيانة هذا العلم وحفظه، وعدالة ناقليه. وإن الله يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحمونه وينفون عنه التحريف، فلا يضيع". وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر. وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئًا من علم الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئًا منه. ومن شرف علم الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة". قال الترمذي: "حسن غريب" وقال ابن حبان في صحيحه: "في هذا الحديث بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله ﷺ في القيامة أصحاب الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم". وقال أبو نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله ﷺ أكثر ما يعرف لهذه العصابة. وكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: لولا أهل المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر. وقال أيضًا: "أهل الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم". وقال أيضًا: "إذا رأيت صاحب حديث فكأني رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ". وكان أحمد بن سريج يقول: "أهل الحديث أعظم درجة من الفقهاء لاعتنائهم بضبط الأصول".

стр. 40

وكان أبو بكر بن عياش يقول: "أهل الحديث في كل زمان؛ كأهل الإسلام مع أهل الأديان". وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله " نقله الشعراني في مقدمة ميزانه١. وقال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قدس الله سره في فتوحاته في الباب الثالث عشر وثلاثمائة٢ وللورثة حظ من الرسالة ولهذا قيل في معاذ وغيره: "رسول رسول الله ﷺ " وما فاز بهذه الرتبة ويحشر يوم القيامة مع الرسل إلا المحدثون الذين يروون الأحاديث بالأسانيد المتصلة بالرسول ﵇ في كل أمة فلهم حظ في الرسالة وهم نقلة الوحي وهم ورثة الأنبياء في التبليغ والفقهاء إذا لم يكن لهم نصيب في رواية الحديث فليست لهم هذه الدرجة ولا يحشرون مع الرسل بل يحشرون في عامة الناس ولا ينطلق اسم العلماء إلا على أهل الحديث وهم الأئمة على الحقيقة". "وكذلك الزهاد والعباد وأهل الآخرة، ومن لم يكن من أهل الحديث منهم كان حكمه حكم الفقهاء لا يتميزون في الورثة ولا يحشرون مع الرسل بل يحشرون مع عموم الناس ويتميزون عنهم بأعمالهم الصالحة لا غير كما أن الفقهاء أهل الاجتهاد يتميزون بعلمهم عن العامة". ا. هـ.
следующие страницы →