بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب المقدمات:
مقدمة الطبعة الجديدة:
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد؛ فهذه هي الطبعة الجديدة لكتابي "حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة"، وهي تختلف عن سابقاتها بزيادات مهمة في جوانب عديدة، أهمها تلك الزيادة في الأحادث وآثار السلف الدالة على أن وجه المرأة وكفيها ليس بعورة، فمثلًا هناك زيادة خمسة أحاديث "من صفحة ٧٠ – ٧٢"، حيث أصبح عدد الأدلة ثلاثة عشر دليلًا بدلًا من ثمانية أدلة في الطبعات السابقة، وكذلك أضفنا في هذه الطبعة عددًا من أهم الآثار السلفية الدالة على ذلك، يجدها القارئ "في صفحة ٩٦ – ١٠٣"
وأهم من ذلك كله تلك الصفحات التي ألحقناها بـ "ص ٥١ – ٥٣" وبينا فيها دقة نظر ابن عباس ومن تبعه من الصحابة والمفسرين في تأويل قوله
стр. 2
تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ، وأن المراد الوجه والكفان، والمعنى: إلا ما ظهر عادة بإذن الشارع وأمره. فلا يرد حينئذ الاعتراض أو الإشكال الذي كنت أوردته على تفسير ابن جرير والقرطبي هناك، فراجعه فإنه مهم جدًّا، وفيه بيان أن الفضل في التنبه لهذا يعود إلى الحافظ ابن القطان الفاسي في كتابه الجامع النظر في أحكام النظر، وذلك من بركة الاستمرار في البحث وطلب العلم للوصول إلى الحق مما اختلف فيه الخلق.
وهناك زيادة تحت عنوان "فائدة مهمَّة" "ص١٤٤ – ١١٧" حول خطورة استخدام الخادمات الكافرات في بيوت المسلمين.
وكذلك الزيادة من "ص ١٢١ – ١٢٣" حول بعض ألوان ثوب المرأة، والتي قد تعتقد بعض النساء أنها من الزينة، وهي ليست كذلك، والأدلة عليها ...
بالإضافة إلى العديد من الزيادات المعلولة والمختصرة، يجدها القارئ مبثوثة في مواقع مختلفة، حسبما يقتضيه البحث والتدقيق العلمي.
ومن ناحية أخرى؛ فإن هناك فقرات كانت في الطبعات السابقة في الهامش، فرأينا في هذه الطبعة أن تنقل إلى المتن؛ لأهميتها وضرورة إبرازها؛ كالمادة الموجودة من صفحة "٧٤ – ٧٩" تحت عنوان: "إبطال دعوى أن هذه الأدلة كلها كانت قبل فرضية الحجاب"، بالإضافة إلى فقرات متفرقة نقلت من الهامش إلى المتن حسبما رأينا أن المصلحة تقتضي ذلك.
هذا، وقد شرعت منذ مدة ليست بالقصيرة –ربما قاربت السنتين- بكتابة مقدمة لهذه الطبعة الجديدة، اضطرت من خلالها أن
стр. 3
أتعرَّض لبعض الذين تناولوا كتابي هذا –أو بالأحرى قولي بأن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة- تناولوا بالنقد غير العلمي، والمصحوب بالتجريح كأني أنتصر لهذا الرأي متَّبعًا فيه هواي، ولا سلف لي فيه! فبدأت باستعراض أدلتهم وردودهم، وتتبع أقوالهم وشبهاتهم واحدة واحدة غالبًا، كما عُنيتُ بالرد على الشيخ التويجري عناية خاصة في كتابه: "الصارم المشهور"؛ لأنه كبيرهم في ذلك ومن أسبقهم! وأحيانًا أرد عليهم ردًّا عامًّا، وهذا حينما يكون الدليل واضحًا لا لبس فيه ولا غموض.... وهكذا، حتى وجدتني قد تجمع عندي ما يزيد على مائة صفحة بخط يدي من الحجم الكبير، أي أنه لو أتممته ونسقته؛ لقارب حجمه هذا الكتاب –الأصل- أو يزيد، مما جعل أمر إلحاق هذا الذي تجمع تحت اسم مقدمة الطبعة الجديدة لهذا الكتاب أمرًا غير مناسب من جوانب عديدة، منها أن حجمه سيزيد إلى الضعف، ومنها –وهو الأهم- تلك البحوث المتخصصة النادرة التي تناولتها بالبحث، فرأيت بعد نظر وتفكير أن أفصل هذا الذي كتبته عن هذه المقدمة، وأن أخرجه كتابًا مستقلًا؛ ليكون بيانًا للناس، ولعله –إن شاء الله- يكون هكذا أنفع لهم، وأسهل تداولًا، وسميته:
"الرَّد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب، وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها وأوجب، ولم يقنع بقولهم: إنه سنة ومستحب".
ولكن يبدو لي أنه لا بد هنا من أن أحصر أهم أخطاء المخالفين المتشددين بالقدر المستطاع من الإيجاز، فأقول:
أولًا: فسَّروا الإدناء في آية الجلابيب الآتية بتغطية الوجه، وهو
стр. 4
خلاف أصل هذه الكلمة في اللغة، وهو: التقرب؛ كما في كتب اللغة، وكما أفاده العلامة الراغب الأصبهاني في المفردات، ثم قال:
ويقال: دانيت بين الأمرين: أدنيت أحدهما من الآخر.
ثم ذكر الآية، ويكفي في ذلك حجة أن ابن عباس ترجمان القرآن فسرها بذلك، فقال:
تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به؛ أي: لا تستره.
وسيأتى تخريجه قريبًا، وأن ما احتجوا به مما ينافيه؛ لا يصح عنه.
ثانيًا: فسّروا الجلباب بأنه الثوب الذي يغطي الوجه، ولا أصل له في اللغة أيضًا، بل هو ينافي تفسير العلماء بأنه الثوب الذي تلقيه المرأة على خمارها، ولم يقولوا: على وجهها، حتى الشيخ التويجري نفسه حكي هذا التفسير عن ابن مسعود ﵁ وغيره من السلف، وهو الذي كنت ذكرته في الكتاب كما سيأتي ص٨٣.
ثالثا: أصروا جميعًا على أن الخمار غطاء الرأس والوجه! فزادوا تفسيره الوجه من عند أنفسهم؛ ليجعلوا آية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ حجة لهم، وهي عليهم؛ لأن الخمار لغة غطاء الرأس فقط، وهو المراد كلما جاء ذكره مطلقًا في السنة؛ كأحاديث المسح على الخمار وقوله ﷺ :
"لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" ١.
стр. 5
بل هذا الحديث يؤكد بطلان تفسيرهم؛ لأن المتشددين أنفسهم –فضلًا عن أهل العلم- لا يستدلون به على شرطية ستر المرأة لوجهها في الصلاة، وإنما الرأس فقط: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ .
ويزيده تأكيدًا تفسيرُهم لقوله تعالى في آية "القواعد": ﴿أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ بالجلباب، فقالوا: فيجوز للقاعدة أن تظهر أمام الأجانب بخمارها كاشفة وجهها، صرح بذلك أحد فضلائهم، أما الشيخ التويجري؛ فيشير إلى ذلك ولا يفصح! كما هو مشروح في موضعه من "الرد المفحم".
وقد تتبعت أقوال العلماء سلفًا وخلفًا في كل الاختصاصات، فرأيتهم أجمعوا على أن الخمار غطاء الرأس، وسميت ثمة أكثر من عشرين عالِمًا، وفيهم بعض الأئمة والحفاظ، ومنهم أبو الوليد الباجي المتوفى "٤٧٤ هـ"، وزاد هذا في البيان، فقال جزاه الله خيرا:
"ولا يظهر منها غير دور وجهها".
رابعا: ادعى الشيخ التويجري الإجماع على أن وجه المرأة عورة، وقلده في ذلك كثير ممن لا علم عنده وفيهم بعض الدكاترة! وهي دعوى باطلة، لم يسبقه أحد إليها، وكتب الحنابلة التي تفقه عليها –فضلًا عن غيرها- كافية للدلالة على بطلانها، وقد ذكرت هناك في الرد كثيرًا من عباراتهم؛ مثل عبارة ابن هبيرة الحنبلي في كتابه الإفصاح، وفيها أن مذهب الأئمة الثلاثة أنه ليس بعورة؛ قال:
"وهو رواية عن الإمام أحمد".
وقد رجح هذه الرواية كثير من الحنابلة في مصنفاتهم كابْني قدامة
стр. 6
وغيرهما، ووجه ذلك صاحب المغني بقوله:
"لأنَّ الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء".
ومنهم العلامة ابن مفلح الحنبلي الذي قال فيه ابن قيِّم الجوزية:
"ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مُفلح".
وقال له شيخه ابن تيمية:
"ما أنت ابن مفلح، بل أنت مفلح".
وهنا أرى لزامًا عليّ أن أبادر إلى نقل كلام هذا المفلح إلى القرّاء؛ لما فيه من العلم والفوائد العديدة، التي منها تأكيد بطلان دعوى الشيخ التويجري، ومنها موافقة كلامه ﵀ ومن ذُكِرَ معه من العلماء الأعلام لصحة ما اخترته في هذه المسألة سابقًا ولاحقًا.
قال في كتابه القيم "الآداب الشرعية" –وهو من مراجع الشيخ التويجري، الأمر الذي يدل على أنه على علم به، ولكنه يكتم الحقائق العلمية عن قراء كتابه، ثم يدعي خلافها! - قال المفلح ﵀:
هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟
ينبني "الجواب" على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها، أو يجب غض النظر عنها؟
في المسألة قولان:
стр. 7
قال القاضي عياض في حديث جرير ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم١:
"قال العلماء رحمهم الله تعالى:
وفي هذا حُجَّة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال؛ إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محيي الدين النووي ولم يزد عليه".
ثم ذكر المفلح قول ابن تيمية الذي يعتمد عليه التويجري في كتابه: "ص١٧٠" ويتجاهل أقوال جمهور العلماء، وقول القاضي عياض، وموافقة النووي عليه، ثم قال المفلح:
فعلى هذا؛ هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف، وقد تقدم الخلاف فيه.
فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة؛ فلا ينبغي الإنكار".
قلت: وهذا الجواب يلتقي تمامًا مع قول الإمام أحمد، ﵀ ورضي عنه:
"لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه"٢.
стр. 8
قلت: وهذا لو كان الحق معه؛ فكيف إذا كان مبطلًا مكابرًا مضللًا، إن لم نقل: مكفِّرًا؟! فقد قال التويجري في كتابه: "ص ٢٤٩":
"ومن أباح السفور للنساء يعني به سفور الوجه فقط، واستدلَّ على ذلك بمثل ما استدل به الألباني؛ فقد فتح باب التبرج على مصراعيه، وجرّأ النساء على ارتكاب الأفعال الذميمة التي تفعلها السافرات الآن"!
وفي مكان آخر "ص٢٣٣": "إلى الإلحاد في آيات الله! ".
كذا قال أصلحه الله وهداه؛ فماذا يقول في ابن المفلح والنووي والقاضي عياض وغيرهم من المقدسيين ومن سبقهم من الجمهور الذين هم سلفي فيما ذهبت إليه؟!
خامسًا: اتفاق التويجري ومن معه من المتشددين على تأويل الأحاديث الصحيحة حتى لا تتعارض مع رأيهم! كما فعلوا بحديث الخثعمية، وقد تلونوا في إبطال دلالته على وجوه مضحكة مبكية، رَدَدْتُها هناك، وأحدها سيأتي في الكتاب "ص ٦٤" مع إبطاله، ومع ذلك فلا تزال طائفة منهم يصرون عليه، وهو زعمهم أنها كانت محرمة! وهم يعلمون أن إحرامها لا يمنعها من السدل على وجهها! والتويجري يسلم تارة بأنها كانت سافرة، ولكنه يعطل دلالته بقوله:
"ليس في دليل على أنها كانت مستديمة لكشفه"!
يريد أن الريح كشفت عن وجهها، وفي هذه اللحظة رآه الفضل بن العباس!!
стр. 9
فهل يقول هذا عربي يقرأ في الحديث: "فأخذ الفضل ينظر يلتفت إليها، وفي الرواية الأخرى: "فطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها"؟!
أليست هذه مكابرة ولها قرنان بارزان؟!
وتارة يؤوله بالنظر إلى قدِّها وقوامها!!
إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة التي بينا بطلانها مع ذكر أحاديث أخرى تأولوها على هذا النحو، رددناها هناك.
سادسًا: تواطؤهم على الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية؛ كحديث ابن عباس في الكشف عن العين الواحدة، مع علمهم بصعفة المبين في الكتاب "ص ٨٨" ضمن الجواب عنه، بل قد ضعفه أحدهم.
إلى غير ذلك من الأحاديث التي فصلت القول بضعفها هناك، ومن أهمها حديث:
"أفعمياوان أنتما؟! ".
فقد تتابعوا على تقويته تقليدًا للتويجري، وهذا لغيره، وعلى الاحتجاج به على تحريم نظر المرأة إلى الرجل ولو كان أعمى! مع أنه ضعيف عند المحققين من الحفاظ كالإمام أحمد والبيهقي وابن عبد البر، ونقل القرطبي أنه لا يصح عند أهل الحديث، وعلى ذلك جرى كثير من الحنابلة من المقادسة وغيرهم، وهو الذي يقتضيه علم الحديث وأصوله؛ كما هو مبين في "الإرواء" "٦/ ٢١٠".
стр. 10
ومع ذلك كله تجرأ الشيخ عبد القادر السندي –مسايرة منه للشيخ التويجري وغيره- فزعم أن إسناده صحيح! ففضح بذلك نفسه، وكشف به عن جهله أو تجاهله –للأسف- لأن فيه مجهولًا لم يروِ عنه غير واحد، مع مخالفته لأولئك الأعلام، وقد جاء في تأييد زعمه –على خلاف ما عهدناه عنه- بالعجب العجاب من التدليس والتضليل والتقليد وكتم العلم والإعراض عن قواعده مما لا يخطر في بال أحد، وهذا كلُّه مشروح هناك في نحو أربع صفحات كبار، ومن ذلك تجاهله أنه معارض لحديث فاطمة بنت قيس، وإذنه لها بالنزول في دار ابن أم مكتوم الأعمى، وهى ستراه حتمًا، وعلل ذلك ﷺ بقوله لها:
"فإنك إذا وضعت خمارك؛ لم يرك".
وفي رواية للطبراني عنها قالت:
"وأمرني أن أكون عند ابن أم مكتوم؛ فإنه مكفوف البصر، لا يراني حين أخلع خماري".
وثمة أحاديث أخرى واهية حشرها التويجري في كتابه، وقد ذكرت هناك على سبيل المثال عشرًا منها، وفيها بعض الموضوعات!
سابعًا: تهافتهم على تضعيف بعض الأحاديث الصحيحة والآثار الثابتة عن الصحابة، وتجاهلهم الطرق المقوية لها، أو تضعيفها من بعضهم تضعيفًا شديدًا؛ كحديث عائشة في المرأة إذا بلغت: "لم يصلح أن يُرَى منها إلا وجهها وكفَّاها"؛ فقد أصروا على الاستمرار في تضعيفه؛ يقلد الجاهل فيهم من لا علم عنده! مخالفين في ذلك من قواه من حفاظ الحديث
стр. 11
كالبيهقي والذهبي؛ كما كنت ذكرت ذلك عنهما في الكتاب كما سيأتي "ص ٥٧ – ٥٩"، وتجاهل أكثرهم طرقه، ومنهم بعض الأفاضل، بل صرح التويجري "ص ٢٣٦" أنه لم يأت إلا من حديث عائشة، وقد رأى بعينه في الموضع المشار إليه من الكتاب طريقين آخرين: أحدهما: عن أسماء بنت عميس، والآخر: عن قتادة مرسلًا بسند صحيح عنه. وقلده في ذلك كثير من المقلدة، وفيهم بعض النسوة كمؤلفة ما سمته: "حجابك أختي المسلمة" ص٣٣، كما تجاهلوا تقوية من ذكرنا من الحفاظ وغيرهم كالمنذري والزيلعي والعسقلاني والشوكاني، وتنطع بعضهم ممن يظهر نفسه أنه من العارفين بهذا العلم الشريف –وفي مقدمتهم الشيخ السندي- فادعوا شدة ضعف بعض رواته؛ لكي يفروا من قاعدة تقوية الضعيف بمثله؛ موهمين ومدلسين على القراء أنه لا موثق لهم، ولا يستشهد بهم، ومنهم عبد الله بن لَهيعة؛ مخالفين في ذلك طريقة علماء الحديث في الاستشهاد به، ومنهم الإمام أحمد وابن تيمية رحمة الله عليهما، كما تجاهلوا جميعًا أن العلماء، ومنهم الإمام الشافعي يقوون الحديث المرسل إذا عمل به أكثر العلماء، وقد عملوا بهذا الحديث كما تقدم، ويأتى في الكتاب، يضاف إلى ذلك مقويات أخرى:
الأول: أنه رُوِيَ عن قتادة بسنده عن عائشة.
الثاني: أنه جاء من طريق أخرى عن أسماء.
الثالث: أنه عمل به هؤلاء الرواة الثلاثة:
أما قتادة؛ فقد قال في تفسير آية الإدناء: "أخذ الله عليهنَّ أن
стр. 12
يُقَنِّعْنَ على الحواجب"؛ يعني: وليس على وجوههن كما قال الطبري:
ب- وأما عائشة؛ فقالت في المحرمة:
"تُسدِل الثوب على وجهها إن شاءت".
رواه البيهقي بسند صحيح.
قلت: فتخيير عائشة المحرمة في السدل دليل واضح على أن الوجه عندها ليس بعورة، وإلا لأوجبت ذلك عليها كما يقول المخالفون، ولذلك كتم قولها هذا عن قرائهم جمهور هؤلاء المؤلفين المتشددين، وفي مقدمتهم التويجري، وتعمد حذفها من رواية البيهقي هذه مؤِّلف: "فصل الخطاب"! وله أشياء أخرى من هذا القبيل بينتها هناك.
والشاهد أن هذا الأثر الصحيح عنها مما يقوي حديثها المرفوع، وهذا مما جهله القوم أو تجاهلوه، وأحلاهما مرٌّ!
ج- وأما أسماء؛ فقد صح أن قيس بن أبي حازم رآها امرأة بيضاء موشومة اليدين كما سيأتي في الكتاب مخرجًا، وذلك من فوائد هذه الطبعة.
الرابع: أثر ابن عباس المتقدم "ص٦".
"تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به".
ومثله تفسيره لآية الزِّينة: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين كما تقدم أيضًا، ويأتي في الكتاب "ص٥٩".
ومعه أثر ابن عمر أيضًا مثله.
ولا بد لي بهذه المناسبة من التنبيه على حقيقة مرة للعبرة والتعريف
стр. 13
والتذكير بالحكمة القائلة: الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف الرجال. ذلك أن الشيخ التويجري في الوقت الذي يصر فيه على رفض حديث عائشة هذا مع ما له من الشواهد منها حديث قتادة المرسل؛ فإنه يقبل حديثًا آخر لها فيه: أنها انتقبت.... وفيه أنها قالت في صفية ونساء الأنصار "يهودية بين يهوديات"! وسنده أيضًا، ومتنه منكر جدًّا كما ترى، ومع ذلك فإن الشيخ يقويه بقوله "ص١٨١":
وله شاهد مرسل"، ثم ذكره من مرسل عطاء!
وفي إسناده كذاب!
فليتأمل القراء الفرق الكبير بين هذا الشاهد الموضوع وبين الشاهد الصحيح للحديث الأول عن قتادة مع الشواهد الأخرى له، ثم ليقل: لماذا قبل التويجري حديث عائشة هذا ورفض ذاك؟!
الجواب: لأن المقبول فيه الانتقاب –مع أنه لا يفيد الإيجاب- والمرفوض ينفيه! فإذن الشيخ لا ينطلق فيما يذهب إليه –هنا- من القواعد العلمية الإسلامية، وإنما من –مثل- القاعدة اليهودية: الغاية تبرر الوسيلة! والله المستعان.
ثامنًا وأخيرًا: من عجائب بعض المتأخرين من الحنفية المقلدين وغيرهم أنهم –تقليدًا منهم لأئمتهم- يتفقون معنا على المخالفين المتشديين، لكنهم سرعان ما يتفقون معهم على أئمتهم! وذلك أنهم اجتهدوا –وهم المقلدون- فقيدوا مذهب الأئمة فقالوا: بشرط أمن الفتنة؛ يعنون: فتنة الرجال بالنساء، ثم غلا أحد الجهلة من المقلدة المعاصرين
стр. 14
فنسب هذا الشرط إلى الأئمة أنفسهم! فنتج من ذلك عند بعض من لا علم عنده إلا التحطيب والتحويش: أن لا خلاف بين الأئمة والمخالفين!
وليس يخفى على الفقيه حقًّا أن الشرط المذكور باطل يقينًا؛ لأنه يعني الاستدراك على رب العالمين؛ ذلك لأن الفتنة بالنساء لم تحدث فيما بعد حتى نوجد لها حكمًا خاصًّا لم يكن من قبل، بل إنها كانت في عهد التشريع، وما قصة افتنان الفضل بن العباس بالمرأة الخثعمية وتكراره النظر إليها ببعيدة عن ذاكرة القراء الكرام.
ومن المعلوم أن الله تعالى لما أمر الرجال والنساء بغض الأبصار، وأمر النساء بالحجاب والتستر أمام الرجال؛ إنما جعل ذلك سدًّا للذريعة ودرءًا للفتنة، ومع ذلك لم يأمرهن بأن يسترن وجوههن وأيديهن أمامهم، وأكد ذلك النبي ﷺ في القصة المشار إليها بعدم أمره المرأة أن تستر وجهها، وصدق الله القائل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ .
والحقيقة أن الشرط المذكور إنما ذكره العلماء –ومنهم مؤلف الفقه على المذاهب الأربعة ص١٢- في نظر الرجل إلى وجه المرأة، فقالوا: يجوز ذلك بشرط أمن الفتنة، وهذا حق؛ بخلاف ما فعله المقلدة، فكأنهم استلزموا أن تستر المرأة وجهها وجوبًا، ولا تلازم؛ فإنهم يعلمون أن الشرط المذكور –بحق- لازم أيضًا على النساء، فلا يجوز لهن النظر إلى وجه الرجال إلا إذا أمنت الفتنة؛ فهل يستلزمون منه أن يستر الرجال أيضًا وجوههم عن النساء درءًا للفتنة كما كانت تفعل بعض القبائل المعروفين بـ "الملثمين"؟!
стр. 15
ولو أنهم قالوا: يجب على المرأة المتسترة بالجلباب الواجب عليها إذا خشيت أن تصاب بأذى من بعض الفساق لإسفارها عن وجهها: أنه يجب عليها في هذه الحالة أن تستره دفعًا للأذى والفتنة؛ لكان له وجه في فقه الكتاب والسنة، بل يقال: إنه يجب عليها أن لا تخرج من دارها إذا خشيت أن يخلع الجلباب من رأسها من قبل بعض المتسلطين الأشرار المدعمين من رئيس لا يحكم بما أنزل الله كما وقع في بعض البلاد العربية منذ بضع سنين مع الأسف الشديد.
أما أن يجعل هذا الواجب شرعًا لازمًا على كل النساء في كل زمان ومكان، وإن لم يكن هناك من يؤذي المتجلببات؛ فكلَّا ثم كلَّا، وصدق الذي قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ .
هذه هي أهم أخطاء المخالفين المتشديين التي رأيت أنه لا بد من ذكرها هنا مع الاختصار قدر الاستطاعة؛ لصلتها القوية بالكتاب كما هو ظاهر.
ثم ختمت الرد المفحم بالتذكير بأن التشدد في الدين –مع نهي الشارع الحكيم عنه- لا يأتي بخير، ولا يمكن أن يخرج لنا جيلا من الفتيات المسلمات يحملن الإسلام علمًا وتطبيقًا بتوسط واعتدال، لا إفراط فيه ولا تفريط، لا كما بلغني عن بعض الفتيات الملتزمات في بعض البلاد العربية، أنهن لما سمعن بقوله ﷺ : "لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين"؛ لم يتجاوبن معه، وقلن: ننتقب ونفدي!! وما كان هذا منهن إلا لما يقرع مسامعهن من التشديد في وجوههن!
стр. 16
إنني لا أستطيع أن أتصور أن مثل هذا التشديد –وهذا واحد من أمثلة لديَّ- يمكن أن يخرج لنا نساء سلفيات بإمكانهن أن يقمن بكل ما تطلبه حياتهن الاجتماعية المشروعة، على نمط ما كان عليه نساء السلف الصالح، ولا بأس من ذكر نماذج صالحة منهن، مع تخليص الروايات؛ اكتفاء بسوقها بألفاظها مخرجة هناك، فمنهن:
أم شريك الأنصارية التي كان ينزل عليها الضيفان؛ كما في الحديث الآتي في الكتاب "ص٦٦".
وامرأة أبي أسيد التي صنعت الطعام للنبي ﷺ ومن معه يوم دعاهم زوجها أبو أسيد يوم بنى بها، فكانت هي خادمهم وهي العروس.
وأسماء بنت أبي بكر التي كانت تخدم الزبير زوجها: تعلف فرسه، وتكفيه مؤنته، وتسوسه، وتنقل النوى على رأسها من أرض الزبير، وهي على بعد ثلثي فرسخ "أكثر من ثلاثة كيلو مترات"، وتدق النوى.
والمرأة الأنصارية التي استقبلت النبي ﷺ ، وبسطت له تحت النخيل، ورشت حوله، وذبحت له طعامًا، فأكل هو وأصحابه.
وعائشة وأم سليم اللتان كانتا تحملان القرب وتسقيان القوم؛ وكما سيأتي "ص٤٠".
والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ التي كانت تنفر مع نساء من الأنصار، فيسقين القوم، ويخدمنهم ويداوين الجرحى، ويحملن القتلى إلى المدينة.
стр. 17
وفي حديث آخر نحوه، وفيه: أنهن كن يعطين من الغنيمة.
وأم عطية التي غزت معه ﷺ سبع غزوات؛ تخلفهم في رحالهم، وتصنع لهم الطعام، وتداوي الجرحى، وتقوم على المرضى.
وأم سليم أيضًا التي أخذت يوم حنين خنجرًا، فقال أبو طلحة: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر، فلما سألها ﷺ ؟ قالت: اتَّخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه! فجعل ﷺ يضحك.
وجرى الأمر على هذا المنوال بعد النبي ﷺ .
فهذه أسماء بنت يزيد الأنصارية قتلت يوم اليرموك سبعة من الروم بعمود فسطاطها.
ومثلها نساء خالد بن الوليد؛ فقد رآهن عبد الله بن قرط في غزوة الروم مشمرات يحملن الماء للمهاجرين.
وهذه سمراء بنت نهيك الصحابية رآها أبو بلج عليها درع١ غليظ وخمار غليظ، بيدها سوط، تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.
إلى غير ذلك من النماذج الرائعة المبثوثة في كتب السير والتاريخ، ولكنني التزمت الصحة فيما ذكرت، وهي كلها واضحة الدلالة على أن هذه
стр. 18
الخدمات والبطولات ما كانت لتصدر من هذه النسوة الفاضلات لو كن متزمِّتات يرين أن الوجه والكفين من العورة؛ كتلك الفتيات! ذلك أمر بدهي فيما أرى؛ لأن النبي ﷺ رباهن على الحنيفية السمحة السهلة.
وهذا هو الذي نريده من إخواننا المشايخ وكل داعية إلى الإسلام: أن يكونوا مصداق قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، حذرين من الوقوع في الغلو المنهي عنه في قوله ﷺ : "إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ١.
وقوله ﷺ : "لا تشدِّدوا على أنفسكم؛ فإنما هلك من قبلكم بتشددهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات" ٢.
مذكرًا –والذكرى تنفع المؤمنين- أن تحقيق ذلك لا يمكن إلا بنبذ التعصب المذهبي، ودراسة السنة والسيرة النبوية الصحيحة من قول وفعل وتقرير، مع الاهتمام بمعرفة ما كان عليه السلف من أمور يصدق علينا –كما صدق عليهم- قول رب العالمين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي
стр. 19
تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
هذا، وقد بدا لي وأنا صدد تحضير مادة "الرد المفحم" أن أستبدل اسم الكتاب "حجاب المرأة المسلمة ... " بـ"جلباب المرأة المسلمة ... "؛ لما بينهما من الفرق في الدلالة والمعنى؛ كما كنت استظهرت ذلك في الكتاب كما سيأتي "ص٨٣"؛ ولأن موضوع الكتاب ألصق بهذا الاسم دون ذاك، فبينهما عموم وخصوص، فكل جلباب حجاب١، وليس كل حجاب جلبابًا كما هو ظاهر، وشجعني على ذلك أنني رأيت المخالفين خلطوا بينهما كما بينته في البحث الثاني من الرد المفحم، واستشهدت على ذلك بقول ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"فآية الجلابيب عند البروز من المساكن، وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن".
ولذلك فقد انشرح صدري لنشره الآن بهذا العنوان:
"جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة".
سائلين الله ﵎ التوفيق لما يحبه ويرضاه.
وقد قام بنشره صهري الكريم نظام سكجها صاحب المكتبة الإسلامية جزاه الله خيرًا، وللتاريخ أقول: إنه وحده يملك حق طبعه ونشره على هذه الحلة الجميلة التي تحلى بها لأول مرة.
стр. 20
وسابقًا كنت أعطيت حق طبعه الطبعة الثانية لصاحب المكتب الإسلامي زهير الشاويش، واستمر في طبعه على الأوفست عدة طبعات، وقفت على السادسة منها، وقد سقط منها السطر الأول من "الصفحة ٤٩"، ولا أدري إذا كان مستمرًا في طبعه، رغم أني أنذرته بأن لا يعيد طبع شيء من كتبي، لا صفًّا جديدًا، ولا تصويرًا، لما ظهر لي بعد هجرتي إلى عمان من إخلاله بالأمانة العلمية والمادية وحق الصحبة –لا أقول: حق المشيخة التي يدعيها لي- مما لا مجال لذكره في هذه المقدمة، وحسب القراء الكرام مثال واحد على ذلك: أنه قرن اسمه مع اسمي في تحقيق كتاب التنكيل، وليس له فيه ولا حرف واحد من التحقيق، ثم طبعه –دون علمي طبعًا- بهذا التزوير ونشره على الناس! ولقد كان أحد المشهورين بطبع الكتب سرقة في مصر قد سطا على الكتاب، وزور فيه اسْمًا آخر لعالم معاصر متوفَّى قرنه محققًا معي! فغار منه صاحبنا القديم!، فقرن اسمه الكريم معه ومعي، كل ذلك تغيير شكل من أجل الأكل! فلينظر القارئ الكريم أيهما شر؟
وقد فصلت القول في صنيعهما هذا في مقدمة الطبعة الجديدة لـ "التنكيل" نشر مكتبة المعارف في الرياض، وله من مثل هذا الشيء الكثير والكثير جدًّا مما هو مبسوط في مقدمات الكتب التالية: "صحيح الكلم الطيب" الطبعة الجديدة، مكتبة المعارف، "صفة الصلاة" الطبعة الجديدة للمكتبة نفسها، "مختصر صحيح مسلم" للمنذري الطبعة الجديدة للمكتبة الإسلامية، "مختصر صحيح البخاري" المجلد الثاني، وقد صدر حديثًا بهمة دار ابن القيم – الدمام.
стр. 21
خاتمة:
ثم إنني لما عزمت على وضع هذه المقدمة؛ كان الإخوة الذين نضَّدوا حروف الكتاب في "مركز دار الحسن لصف الكمبيوتر" قد قدموه إلينا مخرجا، منتظرين منا أن نقدم إليهم المقدمة لينضدوها أيضًا ويضموها إلى الكتاب، ولكني بسبب الاضطرار المذكور في أول المقدمة تبين لي أن الكتاب نشره، ولذلك وجدت نفسي ألحق بالكتاب المنضد والمخرج فوائد جديدة أخرى غير التي كانت نضجت من قبل، كنت أعثر عليها في أثناء تحضير "الرد"، ولا تسمح نفسي إلا أن أطلع القراء عليها، أفعل هذا وأنا ذاكر أن مثل هذا الإلحاق –والكتاب مخرج- مما لا يستسيغه المنضدون، من أجل ذلك فإنني أقدم اعتذاري إلى الإخوة الأفاضل القائمين على المركز مرتين: لهذا الإلحاق أولًا، ولا سيما وقد بلوا منا بنحوه سابقًا فتحملونا جزاهم الله خيرًا، ولهذا التأخير الذي لا عهد لنا ولا لهم بمثله ثانيًا، ولكنه مشيئة الله وقدره، فنعتذر إليهم، والعذر عند كرام الناس مقبول.
وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
عمَّان ٥ محرم ١٤١٢هـ
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 22
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وصلاة الله وسلامه على أفضل رسله، وخاتم أنبيائه، وعلى آله وأصحابه، وإخوانه١؛ المتمسكين بسنته، والمتهدين بهديه، إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فهذه هي الطبعة الثانية لكتابنا "حجاب المرأة المسلمة"، يصدرها المكتب الإسلامي –جزى الله صاحبه خيرًا- بعد أن مضى على الطبعة الأولى منه عشر سنوات؛ ازددنا فيها إيمانًا بضرورة نشره وإذاعته بين المسلمين، وخصوصًا النساء اللاتي اغتررن بالمدينة الأوربية الزائفة، وانجرفن وراء بهارجها ومفاتنها، فتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وكشفن من أبدانهن أمام الرجال الأجانب؛ ما كانت إحداهن من قبل لا تتجرأ أن تظهره أمام أبيها ومحارمها!
стр. 23
ولقد علمت أن كتابنا هذا كان له الأثر الطيب –والحمد لله- عند الفتيات المؤمنات، والزوجات المحصنات، فقد استجاب لما تضمنه من الشروط الواجب توفرها في جلباب المرأة المسلمة الكثيرات منهن، وفيهن من بادرت إلى ستر وجهها أيضًا، حين علمت منه أن ذلك من محاسن الأمور، ومكارم الأخلاق، مقتديات فيه بالنساء الفضليات من السلف الصالح، وفيهن أمهات المؤمنين ﵅.
ومع ذلك، فإن بعض أهل العلم وطلابه، ولا سيما المقلدين منهم –فإنهم مع إعجابهم بالكتاب وأسلوبه العلمي، وقوة حجته، ونصاعة برهانه- لم يرقهم ما جاء فيه من التصريح بأن وجه المرأة ليس بعورة، وقد كتب إلي بذلك أحد الأساتذة في المدارس الثانوية، وشافهني به آخرون هنا في سورية، وفي الحجاز أيضًا، وهؤلاء فريقان:
الأول:
من لا يزال يرى أن الوجه عورة، وليس ذلك عن دراسة الأدلة الشرعية، وتتبعها من مصادرها الأصلية، وإنما تقليدًا لمذهبه الذي نشأ عليه، أو البيئة التي عاش فيها، وفيها بعض المتحمسين لذلك أشد الحماسة بحسن نية، وعاطفة إسلامية، وغيرة دينية. وقد جلست إلى أحد هؤلاء الفضلاء جلسة دامت ساعات، تباحثنا فيها حول المسألة، وكان ذلك بطلب مني، لعلي أجد عنده، ما يؤيد رأيه، فلم أحظ بشيء من ذلك، وكل الذي سمعته منه، إنما هي شبهات عرضت له على بعض أدلة الكتاب، صدته عن الاقتناع بها، وتبني لازمها، فأجبته ليلتئذٍ عن شبهاته بما يسر الله، ثم فكرت
стр. 24
بعد ذلك في المسألة مرة أخرى، وأجلت النظر في أدلتها، وما وردني من شبهات حولها، فازددت بذلك اقتناعًا بصواب رأيي، وخطأ الرأي المخالف له، كيف لا، ورأينا هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من المفسرين والفقهاء؛ كما هو مشروح في هذا الكتاب، وقد أوردت تلك الشبهات، وما فتح الله علي من الجواب في هذه الطبعة منه.
الثاني:
من يذهب معنا إلى أن الوجه ليس بعورة، ولكنه يرى مع ذلك أنه لا يجوز إشاعة هذا المذهب نظرًا لفساد الزمان، وسدًّا للذريعة، فإلى هؤلاء أقول:
إن الحكم الشرعي الثابت في الكتاب والسنة لا يجوز كتمانه وطيه عن الناس؛ بعلة فساد الزمان أو غيره، لعموم الأدلة القاضية بتحريم كتمان العلم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] .
وقوله ﷺ : "من كتم علمًا ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار".
رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم، وصححه هو والذهبي، وغير ذلك من النصوص الرادعة عن كتم العلم.
فإذا كان القول بأن وجه المرأة ليس بعورة حكمًا ثابتًا في الشرع كما
стр. 25
نعتقد، فكيف يجوز القول بكتمانه، وترك تعريف الناس به؟! اللهم غُفرًا.
نعم؛ من كان يرى أنه مع ذلك لا يجوز العمل به سدًّا للذريعة، فعليه هو بدوره أن يبين ذلك الذي يراه للناس ولا يكتمه، ويأتي بالأدلة التي تؤيد رأيه، وهيهات هيهات! فهذا رسول الله ﷺ يرى الفضل بن العباس ﵁ يلتفت إلى المرأة الخثعمية، وكانت امرأة حسناء ينظر إليها، وتنظر إليه، وهي غير محرمة –كما سأبينه- ثم لا يكون منه ﵊ أكثر من أن يصرف وجه الفضل عنها، ولا يأمرها أن تستر وجهها عنه، فأي ذريعة ووسيلة أوضح من هذه، وهو ﷺ القائل بهذه المناسبة: "رأيت شابًّا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما" ١.
فهذا الحديث الصحيح، يقرر أن كشف المرأة عن وجهها –ولو كانت جميلة- حق لها، إن شاءت أن تأخذ به فعلت، وليس لأحد أن يمنعها من ذلك، بزعم خشية الافتنان بها، فمثل هذا الحديث منعنا من أن نقول برأي الفريق المذكور، وأوجب علينا إشاعة الرأي الصواب في المسألة.
على أنه لم يفتنا أن نلفت نظر النساء المؤمنات إلى أن كشف الوجه وإن كان جائزًا، فستره أفضل، وقد عقدنا لذلك فصلًا خاصًّا في الكتاب "الصفحة ١٠٤".
وبذلك أدينا الأمانة العلمية حق الأداء، فبينا ما يجب على المرأة، وما يحسن بها، فمن التزم الواجب فبها ونعمت، ومن أخذ بالأحسن فهو أفضل.
стр. 26
وهذا هو الذي التزمته عمليًّا مع زوجتي، وأرجو الله تعالى أن يوفقني لمثله مع بناتي حين يبلغن أو قبيل ذلك.
ومن الغريب ما جاء في كتاب الأستاذ الذي سبقت الإشارة إليه:
"وقد يلحظ أحدهم، أو يسمع حرصك الحسن على ستر أهلك الستر المطلوب دون السماح بإظهار الوجه، معاذ الله! فإذا قرأ ما كتبت، قال: خالفت فتواه تقواه، ورماك بما لا يجمل"!.
وقد كنت أرسلت إليه جواب كتابه بتاريخ "٢٣/ ٩/ ٧٤هـ"١، ومما فيه جوابًا على هذه الفقرة؛ قولي:
"إن رماني أحدهم ظلمًا "بما لا يجمل"، فإن لي أسوة حسنة بالأنبياء والصالحين صولات الله عليهم أجمعين، الذين لم يرمهم أعداؤهم "بما لا يجمل" فقط، بل وبما يقبح، ومما لا شك فيه عندي؛ أن الرامي بما أشار إليه حضرة الكاتب، معتد ظالم، أو جاهل ينبغي أن يعلم، وذلك لأمرين.
الأول: أن غاية ما قررته في الكتاب أن وجه المرأة ليس بعورة، وأنه يجوز أن تظهره بالشرط المذكور فيه، وهذا ليس معناه أنه يلزم القائل به أن يكشف وجه زوجه ولا بد؛ لأن هذا ليس من شأن الأمر الجائز، بل هو من لوازم الأمر الواجب، إذ إن كل واحد يعلم أن الجائز هو ما يجوز فعله، كما يجوز تركه، فإذا أنا أخذت بالترك أو أخذت بالفعل؛ فعلى الحالتين لم أخرج
стр. 27
عما أفتيت به من الجواز. فتبين من ذلك أن من قال فِيَّ: "خالفت فتواه تقواه"؛ كان بعيدًا جدًّا عن الفهم السليم، أو العدل.
والآخر: أنني بجانب تقريري أن الوجه ليس بعورة، قد قررت أيضًا أن الستر هو الأفضل، ووردت فيه "ص١٠٤" على من زعم أن الستر بدعة وتنطع في الدين؛ بأحاديث وآثار أوردتها، ثم ختمتهما بما نصه "ص١١٤":
فيستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات، أمر مشروع محمود، وإن كان لا يجب ذلك عليها، بل من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج".
فهذا مني نص صريح في تفضيل الستر، ورد على الطائفتين المتشددتين: القائلين منهم بوجوبه، والقائلين منهم ببدعته، و"خير الأمور أوساطها"١.
وحقيقة الأمر عندي؛ أنه وإن كان قلبي ليكاد يتفطر أسى وحزنًا من السفور المزري، والتبرج المخزي، الذي تهافتت عليه النساء في هذا العصر، تهافت الفراش على النار، فإنني لا أرى أبدًا أن معالجة ذلك يكون بتحريم ما أباح الله لهن من الكشف عن الوجه، وأن نوجب عليهن ستره بدون أمر من الله ورسوله. بل إن حكمة التشريع، والتدرج فيه، وبعض أصوله التي
стр. 28
منها بقوله ﷺ : "يسروا ولا تعسروا" ١، وأصول التربية الصحيحة، كل ذلك ليوجب على فقهاء الأمة ومربيها ومرشديها، أن يتلطفوا بالنساء، ويأخذوهن بالرفق لا بالشدة، ويتساهلوا معهن فيما يسر الله فيه، ولا سيما ونحن في زمن قل فيه من يأخذ بالعزائم من الأمور والفرائض، فضلًا عن المستحبات والنوافل!
فإذا كان بعض العلماء اليوم يرون أن في كشف المرأة عن وجهها مع سترها لما سواه من بدنها مما أمرها الله به خطرًا عليها –زعموا- فنرى أنه لا يليق بهم أن يكتفوا من المسألة بإظهار الإنكار الشديد على من يخالفهم في الرأي، واتخاذ القرار بمنع دخول الكتاب إلى بلادهم، بل إن عليهم أمرين اثنين لا بد لهم من القيام بهما:
الأول: أن يبينوا للناس حكم الله فيها، مستدلين عليه بالكتاب والسنة، لا تقليدًا للمذهب، أو اتباعًا للتقاليد، وبذلك فقط؛ يظهر للناس الصواب من الخطأ، بل الحق من الباطل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] . إنهم إن فعلوا ذلك استجاب لهم النساء المؤمنات، فهل يفعلون؟!
والآخر: أن يُعْنَوا بتربية الفتيات المسلمات تربية إسلامية صحيحة، وخصوصًا في المدارس والمساجد والجامعات، بتعليمهن وتثقيفهم الثقافة الشرعية النافعة، ومنع المجلات الخليعة أن تتسرب إليهن، وتفسد عليهم أخلاقهن، ونحو ذلك من الوسائل المبذولة في العصر الحاضر، مما يمك
стр. 29
استعماله في الشر والخير، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] .
بمثل هذا وذاك يمكن أن يوجد جيل من النساء المؤمنات اللاتي إذا سمعن مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ؛ بادرن إلى امتثال أمره كما فعلت نساء الأنصار ﵅ حين نزل قوله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ، بادرن فاختمرن بما تيسر لهن من الأزر كما هو مذكور في موضعه من الكتاب "الصفحة ٧٨".
فمثل هذه النسوة يمكن أن تؤمر بستر الوجه إن كان واجبًا، وأما أمر السواد الأعظم من النساء بذلك، في مثل بلادنا السورية، وغيرها كمصر ونحوها من البلدان الأخرى التي انتشر، أو بدأ ينتشر فيها التبرج والخلاعة بأبشع صوره، مما لم تنج منه مع الأسف حتى بلاد التوحيد التي كنا نأمل أن تكون الحصن الحصين للمسلمين من هذا التبرج، فأمر هذا الجنس من النساء بستر الوجه الذي لم يأمر الله به، وهن لا استعداد عندهن أن يسترن نحورهن وصدورهن وما هو أكثر من ذلك؛ مما لا يذهب إليه من كان عنده ذرة من رائحة فقه الكتاب والسنة.
فمن الحكمة إذن، أن يقنع العلماء في هذا العصر بأن يستجيب النساء لما أمر الله بع من حجب البدن كله؛ حاشا الوجه والكفين، فمن حجبهما أيضًا منهن، فذلك ما نستحبه لهن، وندعو إليه. وأما إيجاب ذلك عليهن، فهو عندي تشدد في الدين، وتنطع لا يحبه الله، وخصوصًا على النساء اللاتي وصانا بهن رسول الله ﷺ خيرًا، في أحاديث كثيرة، منها قوله عليه
стр. 30
الصلاة والسلام: "رفقًا بالقوارير" ١.
ويوم يستجيب النساء المسلمات لأمر الله؛ إلا من شذ منهن، وتكون غريبة مهينة بين المستجيبات، فيومئذ يعود إلى المسلمين عزهم ومجدهم، وتقوم لهم دولتهم، وينصرهم الله على عدوهم ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤] ، ولن يكون ذلك إلا إذا استجاب لأمره تعالى الرجال قبل النساء، وعسى أن يكون ذلك قريبًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
دمشق ٢٥/ ٧/ ١٣٨٥هـ
محمد ناصر الدين الألباني.
стр. 31
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] ، وصلى الله على محمد المبعوث رحمة للناس أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فهذه رسالة لطيفة، وبحوث مفيدة، إن شاء الله تعالى، جمعتها لبيان اللباس الذي يجب على المرأة المسلمة أن تدثر به إذا خرجت من دارها، والشروط الواجب تحققها فيه حتى يكون لباسا إسلاميًّا، واستندت في ذلك على الكتاب والسنة، مسترشدًا بما ورد فيه من الآثار والأقوال عن الصحابة والأئمة، فإن أصبت فمن الله تعالى وله الفضل والمنة، وإن كانت الأخرى؛ فذلك مني، وأسأله العفو والمغفرة لذنبي، إنه عفو كريم، غفور رحيم.
وقد كان ذلك بطلب من بعض الإخوان الأحبة، الذين نظن فيهم الصلاح والاستقامة، والحرص على العمل بما يدل عليه الكتاب والسنة.
стр. 32
وقد دنا يوم زفافه، جعله الله مباركًا عليه وعلى أهله وذريته، فرأيت من الواجب أن أبادر إلى إجابة طلبه، وتحقيق رغبته، على الرغم من ضيق وقتي، وانصرافي إلى العمل في مشروعي الذي أسميته "تقريب السنة بين يدي الأمة"، الذي شرعت فيه منذ سنتين وزيادة، مبتدئًا بـ "سنن أبي داود" ثم توقفت عنه منذ أشهر لعارض طرأ على عيني اليمنى، الذي أرجو الله تعالى أن يذهبه عني بفضله وكرمه. على الرغم من هذا فقد بادرت إلى تحرير هذه الرسالة القيمة، ثم قدمتها إليه هدية، عسى أن تكون له ولغيره -ممن عسى أن يقف عليها- عونًا على طاعة الله ورسوله في هذه المسألة، التي تهاون بها في هذا العصر أكثر الناس، وفيهم كثير من أهل العلم المفروض فيهم أن يكونوا قدوة لغيرهم في كل أمر من أمور الشريعة، فما بالك بغيرهم، حتى ندر أن ترى في هذه البلاد من وقف عند ما حدده الشارع فيها كما سترى.
ولكنا نحمد الله تعالى على أنه لا تزال طائفة من أمته ﷺ قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس١.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من هذه الطائفة، وأن يجعل هذه الرسالة وكل ما كتبت وأكتب خالصًا لوجهه، وسببًا لنيل مرضاته، والفوز بجناته، إنه خير مسئول.
دمشق ٧/ ٥/ ١٣٧٠ هـ
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 33
الشرط الأول: "استيعاب جميع البدن إلا ما استثني "
فهو في قوله تعالى في [سورة النور: الآية ٣١] :
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ .
وقوله تعالى في [سورة الأحزاب: الآية ٥٩] :
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
ففي الآية الأولى التصريح بوجوب ستر الزينة كلها، وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب إلا ما ظهر بغير قصد منهن، فلا يؤاخذن عليه إذا بادرن
стр. 34
إلى ستره، قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره":
"أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب؛ يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه".
وقد روى البخاري "٧/ ٢٩٠"، ومسلم "٥/ ١٩٧" عن أنس ﵁ قال: "لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب عليه بحجفة١ له، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما "يعني الخلاخيل" تنقزان٢ القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم".
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:
"وهذه كانت قبل الحجاب، ويحتمل أنها كانت عن غير قصد للنظر".
قلت: وهذا المعنى الذي ذكرنا في تفسير: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] هو المتبادر من سياق الآية، وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها: فمن قائل: إنها الثياب الظاهرة.
стр. 35
ومن قائل: إنها الكحل والخاتم والسوار والوجه وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في "تفسيره" "١٨/ ٨٤" عن بعض الصحابة والتابعين، ثم اختار هو أن المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان١، فقال:
"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك -إذا كان كذلك- الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كل مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي٢ عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدر النصف، فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعًا؛ كان معلومًا بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال؛ لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره، وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلومًا أنه مما استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] ؛ لأن كل ذلك ظاهر منها".