مقدمة
...
واجهة الكتاب:
ينتظم هذا الكتاب أشتاتا مؤتلفة من الدرس اللغوي. فيه -وإن لم تكن ذات موضوع واحد- تلتقي ويحتضن بعضها بعضا من البدء إلى النهاية. إنها من جهة تتناول قضايا أو مشكلات أثيرت وتثار في الأوساط اللغوية العربية قديمها وحديثها، وهي من جهة ثانية عولجت في هذا الكتاب علاجا يخضع لوحدة النظرة المنهجية التي تعتمد على الموضوعية في التحليل والمناقشة، وعلى الحوار مع الحقائق اللغوية ذاتها دون الالتجاء إلى أي مسلك خارجي من تأويل، أو افتراض، أو تفلسف ... إلخ. ومن هنا كان الائتلاف بين هذه الأشتات؛ لكونها خالصة العروبة، وخاضعة في النظر والدرس لمنهج واحد، هو منهج الوصف القائم على تسجيل الواقع في إطار سياقه وطبيعته، بالنظر الواعي والمعالجة اللغوية الصرفة.
بعض من مباحث الكتاب "وهي ثلاثة المباحث الأولى" له ذكر متناثر هنا وهناك في أعمال القدامى من اللغويين، ولكنه ذكر عارض في سياقات مختلفة، خال من لملمة جوانب الموضوع أو القضية وتجميعها لتشكل كلا متكاملا ينماز بحدوده، وخصوصياته، وموقعه. فرأينا أن نصنع صنعا آخر لتأليف هذه الجوانب والأبعاد، حتى نريح الذهن من الجري وراء هذه المتناثرات، ولإخضاعها لمنهج من الدرس اللغوي الحديث، حتى نرشد شباب الدارسين "وبعض شيوخهم" إلى كيفية تناول القديم في ضوء الحديث. ونكون بذلك قد ظفرنا بالحسنيين: رعاية القديم والحفاظ عليه وصقله أو تهذيبه، أو الحوار معه بفكر جديد، حتى يظهر في صورة أبهى وأجلى وأقرب منالا للشادين من الباحثين.
стр. 2
أما بقية مباحث الكتاب فهي جديدة تمام الجدة مادة ومنهجا، اقتضتها حركة التاريخ وظروف الحياة المتغيرة دائما وأبدا. وخضعت للدرس بذات النظرة الموضوعية القائمة على تحليل الواقع.
ويحمل الكتاب الحالي عنوان كتاب سابق طبع ونشر خمس مرات متتالية من عام ١٩٦٩م حتى أواخر السبعينيات، ثم توقفت إصداراته لأسباب مختلفة، ثم رأينا أن نصنع هذا الكتاب الذي بين أيدينا، ضاما بين جنباته ثلاثة البحوث المشار إليها سابقا، مع أربعة بحوث أخرى، فاكتمل عددها سبعة، ذات نسب قريب وعلاقة وثيقة، من حيث إنها جميعا تعرض لقضايا لغوية عربية.
وجدير بالذكر أن هذه المباحث السبعة نشرت كلها قبلا -بتفصيل أو إيجاز- في مجلات عربية ذات شهرة واسعة ومكانة عالية في الأوساط العربية وغير العربية، مثل: مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجلة كلية الآداب بجامعة الكويت، ومجلة الدارة السعودية ... إلخ.
المبحث الأول: الألف والواو والياء "واي" في اللغة العربية
"واي" هذه تدعى حروف العلة في التراث اللغوي العربي القديم. وقد عالجها العرب، علاجا تقليديا تعوزه الدقة والوضوح، إذ قد خلطوا في علاجها بين الرمز والصوت، الأمر الذي قاد إلى جمع من المشكلات في التحليل والوصول إلى نتائج حقيقية، وانصرفوا في جل مناقشاتهم إلى شيء من وظائفها الصرفية والنحوية، متناسين قيمها الصوتية التي من شأنها أن تفصح عن حقائقها ووظائفها في البنية اللغوية. ومن ثم كان البدء هنا بتحليل قيمها الصوتية في العربية الفصيحة، وقد أدى هذا التحليل إلى الكشف عن طبيعتها، وإلى تصنيف هذه القيم إلى المجموعة الصوتية المعينة التي تنتمي إليها، أهي أصوات صامتة Consonants أم حركات Vowels. ثم انطلق الدرس إلى بيان وظائف كل صوت "أو نوع منه" في البناء الصرفي والنحوي في اللغة.
стр. 3
المبحث الثاني: همزة الوصل
همزة الوصل مشكلة قديمة حديثة من حيث نطقها ورسمها وموقعها في البناء الصوتي الصرفي للغة العربية. وقد أجاد القدماء في حصر مواقعها وخواصها النطقية. ولكنهم لم يعرضوا بحال إلى وصفها في البنية اللغوية: أهي لبنة أساسية في هذا البناء، أم أنها مجرد انزلاق صوتي يسهل النطق بالساكن؟ وقد وقف البحث عند هذه النقطة الأخيرة وقفة متأنية، منتهيا إلى ما انتهى إليه الخليل من أنها "سلم اللسان" أي: تحريك صوتي يدرج اللسان منه إلى النطق بالساكن في أنماط معينة من الكلم العربي.
المبحث الثالث: السكون في اللغة العربية
السكون اسم لرمز هو "o" في أكثر الروايات، ولحالة صوتية سالبة، وقد اختلف الدارسون في رمزه إلى أقوال شتى، تولى البحث الإفصاح عنها وصلاحية كل منها للدلالة على نطق سالب. ثم ركز البحث على بيان وظائف السكون "بوصفه غير متحقق نطقا" صرفيا ونحويا، الأمر الذي يسوغ ضمه إلى نظام الحركات. فهو -وإن كان عديما في النطق- ذو وظيفة واضحة في البناء اللغوي، شأنه شأن الحركات تماما.
المبحث الرابع: خواص صوتية تمتاز بها اللغة العربية
عرضنا في هذا المبحث لبعض الخواص الصوتية التي تنماز بها العربية من غيرها من اللغات التي لنا معرفة مناسبة بها. وانصرف التركيز إلى مجموعة محدودة من هذه الخواص التي يغيب عن بعض الدارسين أهميتها وقيمتها في البنية اللغوية العربية. من ذلك مثلا: بيان الوظائف المنوعة للحركات على الرغم من قلتها العددية، فهي في جملتها ذات قيم صوتية، وصرفية نحوية، ودلالية كذلك، على خلاف ما يجري في كثير من اللغات. وأشرنا كذلك إلى انفراد العربية بمجموعة من الأصوات التي لا وجود لها في غيرها من اللغات كالضاد، أو يقل أو يندر وجودها في لغات أخرى، "كالهمزة والقاف".
стр. 4
ثم درجنا بعدُ إلى ظاهرة التفخيم في لغتنا، حيث بينا أن التفخيم لبعض الأصوات "الصاد والضاد والطاء والظاء" ذو قيمة صوتية وأخرى دلالية، كما يظهر مثل: في مقابلة "طاب" بكلمة "تاب". إنه تفخيم "فونيمي" Phonimic. وهناك أنواع أخرى من التفخيم المشروط، كما في حال: "القاف، والخاء، والغين ... " وغيرها.
المبحث الخامس: نوعية اللغة التي يتعلمها التلاميذ في المرحلة الأولى ووسائل التقريب بينها وبين اللغة الفصيحة
بحث أعد لمؤتمر عقد في عمان بالأردن عام ١٩٧٤م وألقي هناك بالنيابة عنا. وهو يحاول معالجة مشكلة عدم إلمام التلاميذ في مرحلة التعليم الأولى باللغة الفصيحة، وغلبة العاميات على سلوكهم اللغوي. واتجه البحث في ذلك إلى محورين رئيسين.
أولهما: وجوب تقديم المادة العربية في صورة سهلة ميسرة خالية من التقعر والتعقيد، بمراعاة طاقة الناشئة ومحصولهم اللغوي.
ثانيهما: الاسترشاد بالعاميات، لا بوصفها كذلك، بل بالنظر فيها محاولين استخلاص ما يصلح منها للتواصل العربي الفصيح. ففي العاميات مفردات وتراكيب فصيحة، ولكنها تاهت وسط سيل المفردات والتراكيب العامية الصرفة، كما في أسماء الألوان مثلا "أحمر، أبيض، أسود ... إلخ". وهناك كثير من المفردات التي يمكن تفصيحها وردها إلى أصولها الفصيحة بشيء من الدرس والنظر من أهل الاختصاص.
المبحث السادس: الأخطاء الشائعة في نظام الجملة "بين طلاب الجامعات"
بحث ألقي في مؤتمر بجامعة الكويت عام ١٩٧٩م، لمناقشة ظاهرة منذرة بالخطر برزت إلى الوجود في السلوك اللغوي لطلاب الجامعات العربية، وبخاصة على مستوى التراكيب. وكان البدء في هذا العمل بتحديد مفهوم
стр. 5
المصطلحات الواردة في الموضوع. فعمدنا إلى تحديد هذه المفهومات، بشرح مفهوم "الخطأ" ومعايير الحكم بالخطأ أو الصواب. ثم تلا بيان مفهومنا للجملة أو التركيب. مع التركيز على خواصهما وخواص مكوناتهما: من اختيار للمفردات، وموقعها، وعلاقتها بعضها ببعض، والإعراب.
وتدرج البحث بعد إلى النقطة الأساسية، بتجميع أمثلة منوعة من الأخطاء في هذا الإطار، والقيام بتنميطها وبيان الخطأ في كل نمط منها، مستعينين في ذلك بأمثلة شائعة من الخطأ على ألسنة هؤلاء الطلاب وأقلامهم. وخرجنا من ذلك بنتيجة مفزعة، حيث تبين لنا أن الخطأ ليس في الإعراب ووجوهه فقط، بل امتد أمره إلى الخواص الأخرى للتراكيب من اختيار، وموقعية، وعلاقات داخلية بين مكونات الجملة. وأنهينا بحثنا بضرورة تقديم قواعد العربية في صورة نصوص كاملة، حتى لا يتركز العمل على وجه دون آخر من وجوه خواص التراكيب أو الجمل.
المبحث السابع: التعريب بين التفكير والتعبير
انطلقت في السنوات الأخيرة نداءات مخلصة إلى وجوب تعريب العلوم في الجامعات ونحوها من الهيئات والأوساط المعنية بهذه العلوم والتعامل معها نظرا وتطبيقا. ولكن هذه النداءات كانت في جملها نداءات فردية، ينقصها تحديد مفهوم "التعريب" تحديدا دقيقا.
فانصرف البحث في البدء إلى تحديد هذا المفهوم، فتبين لنا أن له أربعة مفهومات في الثقافة العربية، قديمها وحديثها على سواء. وأشرنا إلى أن المفهوم المناسب لسياقنا هذا هو "توظيف اللغة العربية" وحدها في كل الأعمال العلمية كَتْبًا وأداء منطوقا في المحاضرات وما إليها.
وقادتنا خبرتنا اللغوية والثقافية إلى تقرير أن القضية ليست قضية التعبير باللغة العربية، وإنما ينبغي أن يوجه نداء التعريب إلى تعريب الفكر أولا. علينا في كل حال وآن أن نفكر تفكيرا عربيا عند الانشغال بهذه العلوم
стр. 6
وغيرها، فكيفما نفكر يكن تعبيرنا. أما مجرد التعبير باللغة العربية دون التكفير بها وفيها، فلا غناء فيه، لأنه في هذه الحال لا يعدو أن يكون ترجمة لفكر أجنبي، وما أظن أن هذا هو المقصود، أو أنه يصل بنا إلى غاياتنا القومية. وختمنا بحثنا بوجوب إلقاء مسئولية التعريب بهذا المفهوم الذي اخترناه إلى هيئات علمية مُشكَّلة بمعايير دقيقة، وبين يديها خطة مرسومة للقيام بهذا العمل القومي الكبير.
стр. 7
المحتويات:
الصفحة الموضوع
١٣ المبحث الأول: الألف والواو والياء "واي في اللغة العربية".
١٠١ المبحث الثاني: همزة الوصل.
١٣٩ المبحث الثالث: السكون في اللغة العربية.
١٩١ المبحث الرابع: خواص صوتية تمتاز بها اللغة العربية.
٢١٥ المبحث الخامس: نوعية اللغة التي يتعلمها التلاميذ في المرحلة الأولى ووسائل التقريب بينها وبين اللغة الفصيحة.
٢٥١ المبحث السادس: الأخطاء الشائعة في نظام الجملة "بين طلاب الجامعات".
٣٠٧ المبحث السابع: التعريب بين التفكير والتعبير.
стр. 8
المبحث الأول: الألف والواو والياء "واى في اللغة العربية "
مدخل
...
المبحث الأول: الألف والواو والياء "واى في اللغة العربية"
الألف والواو والياء "واي":
عندما انتوينا إخراج هذا المبحث إلى الناس كانت تجول بخاطرنا عدة مشكلات صرفية نحوية معينة تتعلق بما يسميه علماء العربية "حروف العلة"١. ثم تأكد لي بعدُ أن الموضوع لا يمكن أن يبحث بحثا علميا دقيقا دون التعرض لوجوهه الصوتية. وذلك في الحق هو ما تقرره الدراسات اللغوية الحديثة التي تنص على فشل أية دراسة صرفية أو نحوية لا تأخذ في الحسبان الجانب الصوتي للظاهرة المدروسة.
وقبل الدخول في أية تفصيلات يجدر بنا أن نشير إلى نقطتين مهمتين هما:
стр. 9
الأولى: أن المشكلات التي نشأت عن "واي" في اللغة العربية لا ترجع إلى طبيعتها بقدر ما ترجع إلى طريقة معالجتها والنظر فيها. أو بعبارة أخرى، نستطيع أن نقول إن هذه المشكلات لا ترجع في أساسها إلى الحقائق اللغوية التي تتضمنها "واي"، وإنما ترجع إلى طريقة اللغويين في تقعيد هذه الحقائق وتنظيمها. فعلماء العربية في دراسة "واي"، قد خلطوا أحيانا بين الصوت، والرمز الكتابي، كما خلطوا من وقت إلى آخر بين قيمتها الصوتية ووظائفها الصرفية والنحوية. كذلك خان بعضهم الحظ في تعرف القيم الصوتية المختلفة بدقة لكل رمز من هذه الرموز الثلاثة. يضاف إلى ما تقدم أن الأصوات التي يرمز إليها في العربية بالرموز "واي" أصوات تتعرض للتغير والتطور بصورة أكبر وأوضح مما يقع لغيرها من الأصوات:
١- اللغة العربية الفصيحة كما ينطقها الآن المتخصصون في هذه اللغة.
٢- النصوص الواردة عن علماء العربية من قدامى ومحدثين فيما يتعلق بموضوع البحث.
وبهذه المناسبة أيضا نرى لزاما علينا أن نتعرض لبعض المصطلحات الأساسية في هذه الدراسة، وأن نقدم لها نوعا من التحديد، حتى نعين القارئ على الفهم الدقيق، كما يتبين من السطور التالية:
واي: ثلاثة رموز عربية لمجموعة من الأصوات التي تلعب دورا مهما في اللغة العربية ونظمها الصوتية، والصرفية، والنحوية. وهذه الرموز لها أسماء، هي "بترتيب الرسم السابق": الواو، الألف، الياء. ومن المعروف أن هذه الأسماء ذاتها يطلقها علماء العربية أيضا على الأصوات التي يرمز إليها بالرموز الثلاثة السابقة.
لدينا إذن "بالإضافة إلى واي" ثلاثة أنواع من المصطلحات التي يجب أن نحددها جيدا وأن نفرق بين مدلولاتها حتى نعرف المقصود بكل نوع منها
стр. 10
تجنبا للخلط والاضطراب اللذين قد يقع فيهما بعض الباحثين بسبب عدم تحديد سابق للمراد بهذه المصطلحات وأمثالها.
هذه الأنواع الثلاثة هي: الرموز "والمفرد رمز"، والأصوات "والمفرد صوت"، والأسماء "والمفرد اسم".
فالرموز: هي العلامات الكتابية التي تستخدم في اللغة المعينة للدلالة على أصوات معينة. أو -قل- هي حيل أو وسائل كتابية تستخدم لتمثيل النطق وتصويره. مثال هذه الرموز في العربية "واي".
والأصوات: هي الآثار السمعية التي تصدر طواعية واختيارا عن تلك الأعضاء المسماة تجاوزا أعضاء النطق. وهذه الآثار تظهر في صور ذبذبات معدلة وموائمة لما يصاحبها من حركات الفم بأعضائه المختلفة. مثال هذه الأصوات في العربية: أصوات الواو، والألف، والياء.
أما الأسماء: فهي ألفاظ أو كلمات يستخدمها أصحاب اللغة المعينة لإطلاقها على أصوات معينة، وعلى رموز تستخدم في تصوير هذه الأصوات كتابة. مثال هذه الأسماء في العربية الألف والواو والياء.
وهكذا نرى أن هناك فرقا بين الرمز والصوت. فالرمز "كما قلنا": علامة كتابية تدرس وينظر إليها في إطار نظام الكتابة العادية أو الإملائية أو ما يسمى "الألفباء"، لا في إطار نظام الأصوات: والصوت أثر سمعي أو حدث نطقي، يدرس وينظر في إطار النظام الصوتي للغة المعينة The Phonetic system of a given language لا في نظام الألفباء لهذه اللغة.
وكثيرا ما يقع الخلط بين مفهومي هذين المصطلحين، لأسباب ثلاثة رئيسية، هي:
١- الجهل بالفرق بينهما أو عدم الاهتمام بهذا الفرق، أو الانخداع بالنظام الكتابي بتوهم أن ما يكتب هو ما ينطق، أو بتوهم أن الرمز الكتابي هو كل شيء في الموضوع.
стр. 11
٢- وحدة الاسم الذي يطلق على الرمز الكتابي والصوت معا، فالواو مثلا اسم يطلق في اللغة العربية على العلامة "و" وعلى الصوت أو الأصوات التي يرمز إليها بهذه العلامة. وهذان السببان يعدان -في نظرنا- من أهم أسباب اضطراب علماء العربية في معالجة حروف "واي".
٣- عدم تمثيل الرمز الكتابي للصوت المنطوق تمثيلا صادقا، في بعض الأحايين، أو عدم مطابقة المكتوب للمنطوق بالفعل. ويتضح هذان الأمران في كثير من اللغات الأجنبية، ففي الإنجليزية مثلا يرمز أحيانا للصوت "f" بالرمزين "ph"، ولصوت "s" بالرمز "c" إلخ. وأحيانا توجد الرموز في الكلمة المكتوبة على حين أن ليس لها مقابل صوتي كما في نحو ١night.
أما المصطلح "أسماء" فلا يختلط بالمصطلحين السابقين، وهو عادة أعم منهما، وبسبب هذا العموم سوف نتخذه أساسا للمناقشة التالية، والأسماء التي لدينا الآن ثلاثة. هي الألف والياء والواو: "واي".
وقبل أن نحاول تحديد القيم الصوتية لمدلولات هذه الأسماء، نرى من المفيد أن نعرض -في إيجاز- لنقطة مهمة تتعلق باستعمالها، وذلك بإلقاء الضوء على تطور مدلولاتها ومراحل هذا التطور في تاريخ العربية.
стр. 12
الألف
المرحلة الأولى
...
الألف:
فكرة تاريخية ١:
الألف اسم لمدلولات عدة، مرت -في نظرنا- بمرحلتين تاريخيتين مختلفتين.
المرحلة الأولى:
كانت الألف تطلق في الأصل -بحسب التاريخ المعروف لنا- على الألف، أو على ما عرف في مرحلة تاريخية متأخرة نسبيا باسم "الهمزة"، أي: ذلك الصوت الذي ندعوه حديثا الوقفة الحنجرية glottal stop، والرمز الأصلي لهذا الصوت هو "ا" بدون رأس العين الصغيرة "ء" فوقه أو تحته ومعنى هذا أن الألف -اسما ورمزًا- لم تكن في المراحل الأولى ما يسمى أخيرا بالألف المد أو ما ندعوه في اصطلاحنا الفتحة الطويلة "aa"، كما في نحو: قال. ويكاد يكون من المؤكد أن الفتحة الطويلة "ألف المد" لم يكن لها علامة كتابية في هذه المرحلة، شأنها في ذلك شأن الحركات القصيرة كلها "الفتحة والكسرة والضمة"، والحركتين الطويلتين الأخريين، الضمة والكسرة "= واو المد ويائه: uu و ii" كما تظهران في نحو: تقول وأبيع.
ولا يظنن ظان أن العرب في المراحل الأولى لم يكونوا يعرفون الهمزة بوصفها صوتا، أو أن الهمزة صوت حديث في اللغة العربية. إن الهمزة من أصوات العربية منذ التاريخ المعروف لنا. ولكن هذا الصوت لم يسم بالهمزة في المراحل الأولى، وإنما كان يسمى ألفا ورمزه "ا" كما سبق آنفا.
стр. 13
أما أن الألف هي اسم الهمزة "الوقفة الحنجرية" في الأصل فأدلته كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
١- من خواص الأصوات العربية أن قيمها الصوتية يعبر عنها دائما بصدر أسمائها. فالاسم "كاف" مثلا يعبر صدره وهو "ك" عن الصوت "ك". وكذلك الاسم "ألف" يعبر صدره صوتيا عما سمي أخيرا الهمزة. وفي هذا المعنى يقول ابن جني: "إن كل حرف سميته ففي أول حروف تسميته لفظه بعينه. ألا ترى أنك إذا قلت: جيم فأول حروف الحرف "جيم". وإذا قلت: دال فأول حروف الحرف "دال" وإذا قلت: حاء فأول ما لفظت به "حاء"، وكذلك إذا قلت: ألف، فأول الحروف التي نطقت بها همزة"١.
ويقول حفني ناصف: "للحروف العربية خواص لم تجتمع في غيرها من اللغات الأخرى. منها أن مسمياتها دائما في صدر أسمائها، فصدر كلمة ألف "ء" وصدر كلمة باء "ب" وصدر كلمة جيم "ج" وهكذا لآخر الحروف"٢.
٣- وأصرح من هذا وأوضح في هذا الشأن ما قرره ابن جني في مكان آخر، وروي مثله عن أبي العباس المبرد "وإن كانت هذه الرواية في معرض الاعتراض على المبرد في مشكلة أخرى تتعلق بالهمزة"، انظر فيما بعد.
стр. 14
يقول ابن جني: "إن أبا العباس كان يعد حروف المعجم ثمانية وعشرين حرفا، وجعل الباء أولها ويدع الألف من أولها ويقول: هي همزة" أي أن الألف نطقا ورسما هي ما عرف بالهمزة في فترات متأخرة. وهذا القول فيما يتعلق بهذه المنطقة هو ما رآه ابن جني نفسه حيث يقول: "اعلم أن الألف التي في أول حروف المعجم هي صورة الهمزة"١.
أما أن أبا العباس قد ترك الألف "الهمزة" ولم يذكرها في الأبجدية؛ فذلك لأنها -كما تقول عبارته التي رواها ابن جني- "لا تثبت على صورة واحدة، وليست لها صورة مستقرة، فلا أعتدها مع الحروف التي أشكالها محفوظة معروفة"٢.
وهنا نرى أن المبرد قد وقع في خطأ واضح إذ هو قد خلط -بعبارته هذه- بين مستويين: مستوى النطق ومستوى الكتابة. إنه يعلل تركه للهمزة وعدم ذكره لها في الألفباء بتغير صوتها وعدم استقرارها على حالة واحدة. والواقع أن الذي يتغير إنما هي الصورة الكتابية للهمزة لا نطقها. فمن المؤكد أن الهمزة تنطق سواء أكتبتها على ياء أم واو، وبالطبع حين تكتب على صورتها الأصلية وهي الألف. وقد أدرك ابن جني بثاقب نظره هذا الخطأ الذي وقع فيه أبو العباس، فاعترض عليه بعبارة تنم عن ذكاء وعمق في فهم الحقائق، حيث استطاع أن يتذوق ما لم يستطع المبرد تذوقه من معرفة الفرق بين النطق والكتابة. يقول: "أما إخراج أبي العباس الهمزة من جملة الحروف واحتجاجه في ذلك بأنها لا تثبت صورتها فليس بشيء. وذلك أن جميع هذه الحروف إنما
стр. 15
وجب إثباتها واعتدادها لما كانت موجودة في اللفظ الذي هو قبل الخط. والهمزة موجودة في اللفظ كالهاء والقاف وغيرها، فسبيلها أن تعتد حرفا كغيرها"١.
وإذا كان المبرد يعني بعبارته السابقة تغير الهمزة نطقا كذلك، كما في حالة التخفيف مثلا فنحن ندفع هذا الظن بأن التخفيف في الهمزة لهجة، وذلك أمر ثابت لديهم. جاء في مراح الأرواح وشرحه، أن الهمزة "قد تخفف، لأنها حرف ثقيل إذ مخرجه أبعد من مخارج جميع الحروف لأنه يخرج من أقصى الحلق فهو شبيه بالتهوع المستكره لكل أحد بالطبع، فخففها قوم وهم أكثر أهل الحجاز وخاصة قريش. روي عن أمير المؤمنين علي ﵁ أنه قال: "نزل القرآن بلسان قوم وليسوا بأصحاب نبر. ولولا أن جبريل نزل بالهمزة على النبي ﵇ ما همزتها" وحققها آخرون وهم تميم وقيس"٢.
وإذا ثبت أن التخفيف في الهمزة لهجة وجب علينا حينئذ أن ننظر إليه في إطار هذه اللهجة وحدها لا في إطار اللغة بعامة، حتى نتجنب الخلط الذي ينتج عن تداخل اللغات. وقد تنبه ابن جني إلى هذا الخلط في اعتراض له آخر وجهه إلى المبرد لتركه الألف "الهمزة" من الألفباء بسبب تغير صوتها، يقول: "وإنما كتبت الهمزة واوا مرة وياء أخرى على مذهب أهل الحجاز في التخفيف. ولو أريد تحقيقها ألبتة لوجب أن تكتب ألفا على كل حال. يدل على صحة ذلك أنك إذا أوقعتها موقعا لا يمكن فيه تخفيفها ولا تكون فيه إلا محققة، لم يجز أن تكتب إلا ألفا، مفتوحة كانت، أو مضمومة، أو مكسورة، وذلك إذا وقعت أولا نحو أخذ، وإبراهيم. فلما وقعت موقعا لا بد فيه من
стр. 16
تحقيقها اجتمع على كتبها ألفا ألبتة. وعلى هذا١ وجدت في بعض المصاحف "يستهزأون" بالألف قبل الواو ووجد فيها أيضا "وإن من شيأ إلا يسبح بحمده" [الإسراء: ٤٤] بالألف بعد الياء، وإنما ذلك لتوكيد التحقيق"٢.
وهكذا يكشف لنا ابن جني العظيم في هذا الرد عن نقطة أخرى مهمة، لا في هذا المقام فحسب، بل في مناهج البحث اللغوي بعامة. ذلك أن عبارته السابقة تعني أننا في معاملتنا للهمزة نخلط بين لهجتين "بيئتين لغويتين" وبين مستويين كذلك: مستوى النطق ومستوى الكتابة. فنحن في النطق ننطق الهمزة وبذلك نتمشى مع اللهجة أو اللهجات التي تحققها، ولكننا في الكتابة نكتبها أحيانا على واو أو ياء "أما كتابتها بالألف فهو الأصل بالطبع" مراعين في ذلك تلك الصور التي تصير إليها الهمزة في لهجات التخفيف ومعناه أننا في النطق نتبع لهجة أو لهجات معينة، ولكننا في الكتابة نأخذ بحكم لهجة أو لهجات أخرى، تلك هي التي تخفف الهمزة.
وفي هذا العمل -في رأينا- خلط كبير تنتج عنه أحكام متناقضة أو متضاربة للظاهرة اللغوية الواحدة. أما سبب هذا الخلط فهو تعدد البيئة
стр. 17
اللغوية أو عدم وحدة مصدر المادة المدروسة. وفي ظننا أن هذا الخلط وأمثاله كان من أكبر عوامل التعقيد والاضطراب في قواعد اللغة العربية، أصواتها وصرفها ونحوها. فكثيرا ما يحدث أن يضع علماء العربية قواعد مختلفة "متباينة أو متناقضة" للظاهرة اللغوية الواحدة. وذلك سببه أن هذه الظاهرة قد تكون مختلفة الخواص من لهجة إلى أخرى، أو أنها ذات مسلكين مختلفين فيهما. وربما يكتفون -في أحيان كثيرة- بوضع القاعدة العامة لهذه الظاهرة طبقا لما لاحظوه من خواصها في لهجة معينة، ثم يحكمون بالشذوذ أو عدم الصحة أو التأويل على خواصها الأخرى التي تتميز بها في لهجة أو عدد آخر من اللهجات. وهذا العمل من اللغويين العرب أمر معروف مشهور ويشيع تطبيقه بصفة خاصة على قواعد النحو.
والبحث اللغوي الحديث يوجب علينا منذ البداية "فيما يوجب" أن نحدد البيئة اللغوية للظاهرة المدروسة تجنبا للأحكام المتباينة لهذه الظاهرة. ورائدنا في هذا السبيل هو أن وحدة الحكم على الظاهرة اللغوية المعينة يجب أن تبنى على أساس وحدة الظاهرة نفسها في الذات والصفات، أو الخواص. فإذا ما تعددت أو اختلفت هذه الخواص وجب تعدد الأحكام، طبقا للمبدأ الذي ينص على وجوب تعدد الأنظمة في معالجة الظاهرة أو الظواهر التي تختلف خواصها. أما أن تخضع هذه الخواص المختلفة كلها لحكم واحد فهو عمل تعسفي ويعرض الدراسة للتعقيد والاضطراب. وإذا كان هذا هو الواجب اتباعه في وضع قواعد اللهجة الواحدة "البيئة اللغوية الواحدة" فما بالك حين تتعدد اللهجات أو البيئات؟
إننا حين تتعدد اللهجات يجب أن نضع قواعدنا طبقا للموجود في كل لهجة على حدة. ومعناه أننا إذا كنا من محققي الهمزة وجب أن نعطيها أحكام التحقيق على كل المستويات. وهذا يوجب علينا كتابتها بالألف دائما "وهو علامتها الأصلية" بقطع النظر عن موقعها وعن حركتها أو حركات ما قبلها وما بعدها. وواضح مما تقدم أن ابن جني يميل إلى هذا الرأي، وهو ما تؤيده
стр. 18
حقيقة الصوت وماهيته. فالهمزة كما سنعرف فيما بعد -من الأصوات الصامتة ١Consonants، "أو ما تسمى بالحروف الصحيحة في مقابل حروف العلة في نظر العرب".
стр. 19
وقد صرح علماء العربية أنفسهم بهذا المعنى فحكم الهمزة عندهم "كحكم الحرف الصحيح في تحمل الحركات"١، فهي إذن في أحكامها الصوتية والكتابية مثل الباء، والتاء ... وغيرهما من الصوامت، ومن ثم وجبت معاملتها معاملة هذه الأصوات من حيث كتابتها وتصويرها بالرسم فكما يكتب صوت الباء، والتاء، بالباء أو التاء دائما -أي: بقطع النظر عن موقعها الصوتي- وجبت كتابة الهمزة ألفا دائما كذلك٢.
أما إذا كنا من أصحاب التخفيف في الهمزة دائما "كأن يكون ذلك من خواص لهجة معينة" أو أحيانا "كما قد يحدث في بعض الصيغ أو المستويات الكلامية"، فالأمر حينئذ مختلف تماما. إننا في هذه الحالة يجب أن ندرس الموجود بالفعل. سواء أكان ذلك الموجود ياء أم واوا أم ألف مد، لأنا حينئذ لا نتعامل مع الهمزة، وإنما مع شيء مختلف عنها تماما من الناحية الصوتية في الأقل. إن التخفيف في نظرنا تخفيف لا همز. ويجب أن ينظر إليه دائما بهذه الصفة، لأنا في منهج الوصف نعني بالموجود أو بما هو كائن لا بما كان، أو بما يفترض أنه كان.
стр. 20
وفي الحق أن علماء العربية قد خلطوا في قواعد الهمزة "من تحقيق وتخفيف وقلب، وإبدال ... إلخ" خلطا واضحا. وأساس هذا الخلط أنهم يعدون التخفيف وإخوته عارضا يعرض للهمزة، وربما يعدونه الهمزة بادية في صور مختلفة. وكان من نتيجة ذلك وجود عدد ضخم من الأحكام المتضاربة التي تتعلق بها وأحوالها، ولسنا لذلك مع ابن جني في قوله: أما انقلاب الهمزة "في بعض أحوالها لعارض يعرض لها من تخفيف أو بدل فلا يخرجها من كونها حرفا، وانقلابها أول دليل على كونها حرفا"١ أي: حرفا مستقلا قائما بذاته هو همزة. فالهمزة -في رأينا- لم تقلب، وإنما الذي حدث هو أنها لم تنطق، وإنما نطق شيء آخر هو ياء، أو واو المد.
والذي عكر الصفو على ابن جني، وغيره من علماء العربية، هو اهتمامهم الكبير بالأصول الاشتقاقية للكلمات، وافتراضهم وجوب وجود هذه الأصول في كل الصيغ المتفرعة عنها. فوجود الهمزة في "خطيئة" مثلا كان يوجب وجودها في "خطايا". فعدم وجودها إذن إنما هو لعارض عرض لها، وقد تكلفوا هم بتوضيح هذا العارض وأمثاله في بحوثهم. على أن المسألة في حقيقتها أيسر من هذا بكثير: كلما وجدت الهمزة فهي همزة، وإلا فالموجود بالفعل هو الذي يؤخذ في الحسبان، أيا كانت صورته الصوتية.
كل ما تقدم خاص بالشق الأول من القضية، وهو أن الألف في الأصل هو الهمزة "الوقفة الحنجرية". أما الشق الثاني وهو أن الألف في المراحل الأولى لم يكن يعني ما يسمى ألف المد فيما بعد أو ما يسمى الآن الفتحة الطويلة "aa"، كما في نام مثلا، فسوف تتبين حقيقة الأمر فيه من المناقشة التالية التي سوف نتناول فيها المرحلة الثانية من مراحل استعمال "الألف" وتطور مدولاتها.
стр. 21
المرحلة الثانية:
من الثابت أن اللغة العربية لم تعن في مراحلها الأولى برموز الحركات عنايتها برموز الأصوات الصامتة. ومما يتمشى مع هذا الوضع نظرة علماء العربية إلى أصول الكلمات التي تتألف -في رأيهم- من أصوات صامتة فقط، تتشكل إلى كلمات مختلفة الصيغ والأوزان بإضافة الحركات إلى هذه الأصول. فالحركات إذن في نظرهم شيء فرعي أو ثانوي. ولعل من أسباب هذه النظرة عدم وجود رموز مستقلة للحركات، إذ كان الكلام خلوا مما يدل على حركات الأصوات الصامتة. وكان الناس يفهمون ما يقرءون بالاعتماد على سياق الكلام وما يقتضيه المقام.
وكان هذا الإهمال مطبقا على الحركات كلها قصيرها وطويلها. ومن ضمنها الفتحة الطويلة التي لم يكن لها علامة مستقلة تدل عليها وظلت الحال كذلك إلى أن أحس الناس ضرورة وضع علامات مستقلة لهذه الحركات. فكان -ضمن ما قاموا به في هذا السبيل- أن استغلوا الألف "الدالة على الهمزة في الأصل" للدلالة على الفتحة الطويلة كذلك١. وأغلب الظن أنهم فعلوا ذلك لما رأوا من أن الهمزة "تقلب" فتحة طويلة في بعض موضع التخفيف، فاستعملوها في هذه المواضع وفي غيرها كذلك طردا للباب. وربما فعلوا ذلك أيضا تقليدا لما حدث في حالتي الياء والواو، فهما في الأصل كانتا رمزين للواو والياء بصفتهما صوتين صامتين فقط، أو ما يسمى أنصاف
стр. 22
حركات١ "Semi-vowels" كما في نحو: "ولد، يضرب"، ثم استخدمتا فيما بعد "ولكن في مرحلة تسبق استعمال الألف" في الدلالة على الفتحة الطويلة" للدلالة على الواو والياء بصفتهما حركات Vowels أي: ضمة طويلة "uu" وكسرة طويلة "ii" في نحو: نقول، ونبيع. وجاء في كلام بعضهم ما يشعر بأن استعمال الألف في الدلالة على الفتحة الطويلة، سببه اتحاد الهمزة والفتحة الطويلة "أو ألف المد في عرفهم" من حيث الذات أو المخرج أو كليهما. وهذا التعليل -في رأينا- خطأ واضح، إذ شتان بين "ذاتي" الهمزة والفتحة الطويلة وبين مخرجيهما كذلك، كما سيتبين فيما بعد٢. "انظر ص٩١، ١٢٠ وما بعدها".
ويبدو أن العربية في عدم تخصيصها رمزا مستقلا للفتحة الطويلة -في بداية الأمر- كانت تتبع بعض أخواتها الساميات في ذلك الشأن. فمن الثابت "أن هذه الألف التي تمثل الفتحة الطويلة لا وجود لها في العبرية، وإنما تمثل هذه الحركة علامة خاصة توضع تحت الحروف. وقد استمرت العربية تحاكي العبرية في ذلك حتى جاء الخليل بن أحمد فوضع الألف لتكون علامة لمد الفتحة. وقد اتبع هذا النظام في الكتابة العادية وبقي النظام القديم متبعا في كتابة المصحف العثماني ولا يزال متبعا فيه حتى الآن. ولا يزال النظام القديم متبعا في رسم بعض كلمات منها: هذا، وهذان وهؤلاء، وأولئك ولكن وهأنتم، وإسحق وإسمعيل والسموات"٣.
стр. 23
ومعنى ما تقدم أن الألف في هذه المرحلة أصبحت ذات مدلولين مختلفين: أحدهما: صوت الهمزة والثاني: الفتحة الطويلة وكانت تستخدم في الرسم كذلك للدلالة عليهما على سواء. ويبدو أن الأمر استمر على هذا الوضع لفترة من الزمن، حتى ابتكر الخليل بن أحمد علامة مميزة للهمزة هي عبارة عن رأس عين صغيرة "ء"، فأخذت هذه العلامة الجديدة تلعب دورها في تصوير صوت الهمزة. وإنما اختار الخليل هذا الرمز بالذات، لأنه -على ما يروى- أحس بقرب مخرج الهمزة من مخرج العين، أما سبب وضع هذا الرمز فهو -على ما يبدو- محاولة تجنب اللبس الناشئ عن استعمال الألف في تصوير الفتحة الطويلة بالإضافة إلى تمثيله الهمزة رسما.
ويستنتج من هذا أن الهمزة نطقا كانت تكتب دائما بالألف قبل هذه المرحلة. أما بعد ابتكار الرمز الجديد "ء" فالأحداث تسير إلى أن الهمزة صارت تصور بهذا الرمز، ولكن في أشكال مختلفة: فهذا الرمز الجديد إما أن يكتب على ألف أو ياء أو واو أو على لا شيء طبقا لمواقع الهمزة في الكلمة. أما كتابتها فوق الألف "أو تحته على خلاف في ذلك إذا كانت مكسورة" فقد حددت لها مواقع محددة، وإضافتها إلى الألف هنا إنما هو توكيد للفرق بين الهمزة نطقا وبين الفتحة الطويلة التي تكتب بالألف هي الأخرى، ولكن بدون العلامة "ء"، وإنما كتبت على الياء تارة وعلى الواو أخرى مراعاة لحالات التخفيف، وقد تكفل ابن جني بتوضيح ذلك فيما تقدم١.
ويلح علينا في هذا المجال سؤال مهم، هو: متى استعمل الاسم "الهمزة" أو "الهمز" للدلالة على ذلك الصوت المعروف "بالوقفة الحنجرية"؟ هذا سؤال كثر الكلام حوله، ولكنا -أسفا- لا نستطيع أن نأتي فيه بالقول الفصل، إذ ليست لدينا نصوص تحدد تحديدا دقيقا بداية ظهور هذا
стр. 24
الاسم بوصفه مصطلحا فنيا يطلق على الوقفة الحنجرية. ولكن من المحقق أن هذا الاسم بهذا المعنى كان معروفا أيام الخليل، وربما قبل زمنه، بل ربما امتدت بداية استعمال هذا المصطلح في هذا المعنى الجديد إلى زمن الخلفاء الراشدين. وهناك نصوص -إن صحت- تدل على هذا الاحتمال وتؤيده. فقد روي عن أمير المؤمنين علي ﵁ أنه قال: "نزل القرآن بلسان قوم وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبريل نزل بالهمزة على النبي ﷺ ما همزتها"١.
وفي هذا النص نلاحظ استعمال كلمة "نبر" في معنى الهمزة "أو الهمز"٢، وهي في واقع الأمر المصطلح الأصلي الذي كان يطلق على الوقفة الحنجرية قبل أن تسمى همزة. والنبر -كما هو معروف- معناه في الأصل الضغط والحصر، وهو -كما ترى- معنى ملحوظ في نطق الهمزة. وعلى هذا يمكن أخذ هذا النص على أنه يمثل فترة بداية الانتقال من الاستعمال القديم "وهو النبر" إلى الاستعمال الجديد "وهو الهمزة" الذي تأكد وأصبح مقررا بابتكار الخليل له رمزا مستقلا.
ونلاحظ على كل حال أن ابتكار الرمز الجديد "ء"، لم يمنع الناس من إطلاق الألف على الهمزة والفتحة الطويلة كلتيهما، وكان إطلاقه على الهمزة بطريق الأصالة، وعلى الفتحة الطويلة بطريق التوسع والمجاز. ولكن يبدو أن الأمر -بمرور الزمن- قد انعكس وأصبح الناس يظنون أن الألف أصل في الفتحة الطويلة، ولكنه يطلق على الهمزة بطريق الاشتراك في الاسم أو المجاز. وهذا الفهم واضح كل الوضوح من كلام بعض المتأخرين. جاء في شرح المراح:
стр. 25
"يجوز إطلاق الألف على الهمزة إما حقيقة بالاشتراك على ما قيل وإما مجازًا لكونها على صورتها في بعض المواضع، أو لكونهما متحدين ذاتا"١. ويقرب من هذا المعنى ما يردده ابن كمال باشا في شرحه على المرجع المذكور، يقول: "سميت الهمزة ألفا، لأن الهمزة إذا وقعت أولا تكتب على صورة الألف ولأنهما متقاربان في المخرج"٢. وفي هذا النص ما يدل على عدم إدراك واضح لتاريخ الألف وما عرض لاسمها من تطور في الاستعمال.
أما عبارة صاحب الصحاح فيفهم منها أن المصطلح "ألف" يطلق على الصوتين بالتساوي بينهما. فالألف عنده "على ضربين": لينة ومتحركة، فاللينة تسمى ألفا "= فتحة طويلة aa" والمتحركة تسمى همزة. ولهذا المعنى حكم الفقهاء -زاد الله رفعة أعلامهم- بأن الحروف ثمانية وعشرون".
فهذه العبارة قد قنعت بتسجيل الاستعمال الشائع بين الناس، دون الإشارة إلى التطور التاريخي لهذا الاستعمال، ودون تنبيه إلى الترتيب الزمني لإطلاق اسم "الألف" على مدلوليه.
стр. 26
الواو والياء
المدلول الأول
...
الواو والياء:
فكرة تاريخية:
تطلق الواو والياء في اللغة العربية قديمها وحديثها على مدلولين صوتيين مختلفين. فهما اسمان "ورمزان كذلك" للواو والياء في نحو: ولد، يلد: "walada"؛ "yalidu" كما يدلان "ويصوران أيضا" الواو والياء في نحو: نتلو، نرمي: "narmii"؛ "natluu".
وهما في الحالة الأولى يعرفان في الدرس الصوتي الحديث بأنصاف الحركات "Semi-vowels"، ولكنهما -بالرغم من هذه التسمية- يعدان وحدتين أو عنصرين في نظام الأصوات الصامتة "Consonants".
أما في الحالة الثانية فهما حركتان "Vowels", ونعني بهما الضمة والكسرة الطويلتين، أو ما يشار إليهما بواو المد ويائه في التراث اللغوي عند العرب.
المدلول الأول:
يؤخذ من تاريخ اللغات السامية بوجه عام أن هذا المدلول هو الأصل الذي وضعت له التسمية بالواو والياء، وأنه وحده هو الذي ظل يشار إليه بهذه التسمية لمدة غير قصيرة، ذلك لأن علماء هذه اللغات كانوا يوجهون عنايتهم بالدرجة الأولى إلى الأصوات الصامتة أو "الحروف"، على حين كانوا ينظرون إلى الحركات قصيرها وطويلها- كما لو كانت شيئا ثانويا أو شيئا عارضا
стр. 27
يلحق بهذه "الحروف"١، ولا توجد إلا بوجودها. وهناك في اللغة العربية من الأدلة ما يشير إلى هذه الحقيقة ويؤكدها.
أولا: يبدأ كل من الاسمين "واو" و"ياء" بالصوتين "و" و"ي" بوصفهما صامتين لا بوصفهما حركتين، تمشيا مع القاعدة المشهورة الخاصة بالأصوات العربية، وهي أن قيم هذه الأصوات يعبر عنها دائما بصدر أسمائها.
وليس لنا أن نفترض أن يكون المقصود بهذين الاسمين الواو والياء بوصفهما حركتين، وذلك للسببين الآتيين:
١- نطق صدر الاسمين "واو" و"ياء" إنما ينطبق على الواو والياء بوصفهما الأول دون الثاني، إذ جاء هذا الصدر متلوا بحركة، كما وقع في ابتداء الكلمة، وهما أمران غير جائزين بالنسبة للحركات في اللغة العربية.
٢- الحركات الطويلة "long vowels" "واوًا كانت هذه الحركات أو ياء أو ألفا" تعد في نظر العرب أصواتا ساكنة، ومن ثم -في نظرهم أيضا- لا يمكن النطق بها وحدها، أو البدء بها في النطق، ولهذا كان من الضروري دعمها بصوت متحرك، كاللام مثلا، كما حدث للألف المدية، حيث وردت في الألفباء الإملائية بالصورة "لا"، عند أولئك الذين يرون ضرورة تخصيص رمز لها٢. فعدم مجيء الواو والياء على هذا النهج ونحوه دليل قاطع على أن المراد بهذين الاسمين "على الأقل في أصل الوضع" إنما هو الواو والياء الصامتتان.
стр. 28
ثانيا: يشير ترتيب سيبويه للأصوات العربية من حيث مخارجها إلى أن المقصود بالواو والياء هو مدلولهما الأول، وهو كونهما صوتين صامتين. لقد وضع هذا العالم الياء مع الجيم والشين، ونص على أن مخرجها إنما يكون " ... وسط اللسان، بينه وبين وسط الحنك الأعلى"، كما وضع الواو بصحبة الباء والميم وقرر أنها "مما بين الشفتين". وقد سلك ابن جني هذا المسلك نفسه من حيث ترتيبهما في الألفباء الصوتية، ومن حيث تحديد مخرجيهما، وحرص على أن ينقل كلمات سيبويه في هذا المجال بنصها دون أدنى تغيير١. وما قرره هذان العالمان بهذا الشأن إنما يناسب الواو والياء غير المديتين، إذ الواو والياء المديتان أو الحركتان إنما ينسب نطقهما إلى وضع اللسان في الفم من حيث ارتفاعه وانخفاضه، ومن حيث جزؤه المرتفع أو المنخفض، كما سنرى فيما بعد عند مناقشة الواو والياء بوصفهما حركتين.
أما الخليل فقد سلك في هذا الأمر مسلكا آخر، إذ هو قد وضع الواو والياء "ومعهما الألف والهمزة" في ترتيب يخالف ما أتى به الشيخان المذكوران. لقد وضع الخليل هذه "الحروف" الأربعة في نهاية ألفبائه الصوتية في مجموعة واحدة بعد تلك الحروف التي سماها هو "الحروف الصحاح". ويبدو أن هذا الترتيب لهذه الأصوات الأربعة ليس ترتيبا مخرجيا وإنما هو ترتيب لها من حيث مخالفتها للحروف الأخرى من الناحية الصرفية، أي: من حيث ما يطرأ عليها من تغير أو اعتلال في الكلمة: فهذه الحروف -في نظره- حروف علة والحروف الأخرى حروف صحاح٢.
стр. 29
ومن هذا الترتيب الذي صنعه الخليل يصعب على المرء أن يحدد صفة الواو والياء من الناحية الصوتية، أو أن يبين بالدقة ما إذا كان المقصود بهما كونهما صامتين أو كونهما حركتين. وتتأكد هذه الصعوبة حين نعلم أن خاصة الاعتلال تطبق على الواو والياء بصفتيهما المذكورتين.
على أن هناك في أثناء كلامه على مدارج الحروفي وأحيازها "مخارجها" ما يوحي بأنه يعني بهذين الحرفين الواو والياء المديتين أو الحركتين، إذ هو يصفهما "ومعهما الألف والهمزة" وصفا أقرب ما يكون إلى الحركات لا الأصوات الصامتة. يقول الخليل:
"في العربية تسعة وعشرون حرفا، منها خمسة وعشرون حرفا صحاحا، لها أحياز ومخارج، وأربعة هوائية، وهي: الواو، والياء، والألف اللينة، والهمزة". ومرة أخرى، يسقط الهمزة من هذه المجموعة، ويضم الواو والياء إلى الألف وينسب الثلاثة إلى حيز واحد وهو "الهواء"١. فنسبة هذه الأصوات إلى الهواء أو وصفها بأنها هوائية قد يعني -بشيء من الحذر- ما نعرفه اليوم عن أهم خاصة من خواص الحركات في النطق. وهذه الخاصة تتمثل في مرور الهواء من خلال الحلق ووسط الفم حرا طليقا لا يقف في طريقه عائق أو مانع من أي نوع.
ونقول -بشيء من الحذر، لأن هناك احتمالا آخر يسوغ لنا افتراضه في هذا المقام- لعل الخليل هنا يعني الواو والياء الصامتتين، ولكنه أخطأ في مذاقهما، أو لعله ذاقهما مذاق الحركات، فكان هذا الوصف المشار إليه.
وذواق الواو والياء الصامتتين ذواقهما حركتين أمر ليس ببعيد على الخليل أو غير الخليل من قدامى ومحدثين. فمن الثابت أن نطق صوتي الواو والياء الصامتتين يشبه نطق صوتيهما بوصفهما حركتين إلى حد ما، ولهذا كانت تسميتها "أنصاف حركات" Semi-vowels، ومن هنا كانت مظنة الخلط
стр. 30
بين الحالتين. ولهذا السبب نفسه يرى المحققون من الدراسين أن التفريق بين حالتي الواو والياء إنما ينبغي أن يكون على أساس الوظيفة التي تقوم بها هذه الأصوات في التركيب الصوتي للغة، لا على أساس النطق الصرف.
ثالثا: لم تذكر الواو والياء في الألفباء الإملائية ذات الترتيب المألوف لنا الآن "أب ث ج ح خ ... إلخ" إلا مرة واحدة. وتشير دلائل الأمور في مجموع التراث اللغوي عن العرب إلى أن المراد بهما الواو والياء الصامتتان لا الحركتان. وهذا الافتراض يتمشى مع اتجاههم العام الذي ينحو نحو الاهتمام بالأصوات الصامة دون الحركات. ولنا أن نفترض كذلك أن هذا الوضع كان هو المقصود في الأصل في الأقل. ولم يكن هناك ما يمنع -بالطبع- من استغلال رمزي هذين الصوتين واستخدامهما في كتابة الواو والياء "الحركتين" كما حدث في الماضي وما هو حادث الآن بالفعل.
ويؤيدنا في هذا الفهم ما جاء عن باحث حديث، مشيرا إلى هذا الاتجاه من علماء العربية نحو الحركات عموما، أو ما سماها هذا الباحث أصوات اللين. يقول: "وأصوات اللين مع أنها عنصر رئيسي في اللغات ومع أنها أكثر شيوعا فيها، لم يعن به المتقدمون من علماء العربية، فقد كانت الإشارة إليها دائما سطحية، لا على أنها من بنية الكلمات بل كعرض يعرض لها، ولا يكون منها إلا شطرا فرعيا. وليست العربية وحدها هي التي أهمل في بحثها أصوات اللين. بل شاركتها في هذا أخواتها السامية. ولعل الذي دعا إلى هذا الانحراف أن الكتابة السامية منذ القديم عنيت فقط بالأصوات الساكنة "الصامتة" فرمزت لا برموز. ثم جاء عهد عليها أحس الكتاب بأهمية أصوات اللين الطويلة كالواو والياء الممدودتين فكتبوهما في بعض النقوش والنصوص القديمة"١.
стр. 31
المدلول الثاني:
نعني بهذا المدلول كون الواو والياء حركتين طويلتين "أو كما يسميهما البعض صوتي مد ولين"، كما في نحو: أقول وأبيع. ولقد جاء هذا المدلول تابعا في الوجود للمدلول الأول، حين شعر العلماء بضرورة تصوير هاتين الحركتين في الكتابة، فاستغلوا رمزي الواو والياء الصامتتين للدلالة عليهما. ويمكن فهم هذا المعنى من النص السابق للباحث المذكور.
وربما كان أصرح منه في هذا المجال قول رايت W. Wright: إن العرب لم يكن لديهم في الأصل علامات للحركات القصيرة. وللدلالة على الحركات الطويلة والحركات المركبة استخدموا "رموز" تلك الأصوات الصامتة الثلاثة التي تعد أقرب الأصوات إليها في النطق، أي "ا" "بدون علامة الهمزة" للدلالة على a و "ي" الدلالة على "i" و"ai" و "و" للدلالة على u و١au.
ويؤخذ من كلام رايت أن العرب هم الذين ابتدءوا استغلال رموز هذه الأصوات الصامتة الثلاثة في الدلالة على الحركات الطويلة الثلاث "ألف المد، وواوه، ويائه". ولكن المعروف أن العرب كانوا تابعين في ذلك لما جرى في بعض اللغات السامية كالعبرية والآرامية. ودليل ذلك أنا نلحظ في الكتابة العربية في أقدم عصورها آثارا تدل على أن كتابتهم لهذه الحركات تمثل مرحلة انتقالية. تتمثل هذه المرحلة في عدم اطراد أسلوب الكتابة فيما يتعلق بهذه الحركات الثلاث، حيث جاءت كلمات كثيرة بدون رموز لها في الكتابة. وبقيت هذه الآثار واضحة في كثير من النصوص، كما يبدو في "الخط العثماني" الذي كتب به القرآن الكريم في زمن عثمان ﵁. ولدينا من أمثلة الواو والياء في ذلك نحو: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: آية ١٨] ، ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] ، و ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: آية ٨] ٢. وفي
стр. 32
الجانب الآخر من الصورة توجد الأمثلة الكثيرة التي تثبت فيها رموز الحركات الطوال في مرحلة متقدمة من تاريخ العربية. ويدل هذا السلوك غير المطرد على أن الكتابة العربية في هذا الشأن كانت تتأرجح بين طريقين: الطريق القديم المعهود بها والمعروف لدى أصحابها، وهو عدم الإشارة إلى هذه الحركات في الكتابة، والطريق الجديد الذي انتقل إليها من أخواتها الساميات، والذي يعني بتصوير هذه الحركات بالرموز: وهذا هو شأن مراحل الانتقال دائما.
ولنا على كلام رايت السابق ملاحظة أخرى جديرة بالنظر في هذا المقام وهذه الملاحظة ذات شقين:
الأول: يدل كلام هذا الباحث على أن كلا من الواو والياء في نحو حوض وبيت يكون جزءا من حركة مركبة diphthong، جزؤها الآخر هو الفتحة السابقة عليهما، وتمثل هذه الحركة المركبة في الكتابة هكذا: "au =وْ"، "ai = َيْ".
وهذا التقدير في نظرنا تقدير غير صحيح؛ إذ الواو والياء في هذا الموقع ونحوه ليستا جزأين من حركتين "ولا حركتين بالطبع"؛ بل هما صوتان صامتان consonants أو ما يسميان بالاسم "أنصاف حركات"؛ لشبههما الواضح بالحركات في النطق. وهذا الذي ندعيه مبني على أساس الخواص النطقية والوظيفية للصوتين: فتحة + واو أو ياء ساكنة "غير متحركة". أما من حيث النطق. فهذه المجموعة combination لا تنطبق عليها الصفات النطقية للحركات المركبة التي تتمثل أساسا في أن أعضاء النطق تبدأ في منطقة حركة من حركات وتسير مباشرة في اتجاه حركة أخرى، مكونة حركة واحدة ذات خاصة انزلاقية a vowel-glide. وهذه الصفة الانزلاقية مفقودة في نطق الفتحة العربية متلوة بواو أو ياء ساكنة، إذ يحدث في نطقها أن تنتقل أعضاء النطق من
стр. 33
منطقة إلى أخرى محدثة نوعا من الانفصال في تحركها، فهما إذن صوتان مستقلان، أحدهما: فتحة والثاني: واو، أو ياء صامتة، أو نصف حركة.
وهذا الذي نشعر به من ناحية النطق تؤكده وظيفة هذه الأصوات في تركيب اللغة، فكل من الفتحة والواو أو الياء في هذا السياق وحدة مستقلة، وتنتمي إلى جنس معين من الأصوات، فالوحدة الأولى وهي الفتحة تقوم بوظيفة الحركات، والثانية وهي: الواو، أو الياء تؤدي دور الأصوات الصامتة. ويظهر ذلك بوضوح في سلسلة التوزيع الصرفي للكلمات التي تشتمل عليها من نحو: أحواض، وأبيات، حيث تتبع الواو والياء بحركة "هي الفتحة الطويلة في هذه الحالة"، وهذه خاصة تستحيل على الحركات أو أجزائها في اللغة العربية.
والحكم بأن الواو والياء في نحو: حوض وبيت جزءان من حركات مركبة خطأ مشهور وقع فيه المستشرقون منذ زمن طويل، وتابعهم فيه كثير من اللغويين العرب المحدثين، وبخاصة أولئك الذين يعملون في حقل الدراسات السامية، وليست لهم الخبرة الكافية بالدراسات الصوتية الحديثة.
أما الشق الثاني مما نلاحظه على "رايت" في هذا السياق فهو ما يفهم من كلامه من أن الواو والياء في مثل حوض وبيت إنما أشير إليهما في تلك المرحلة الثانية التي جرت فيها كذلك كتابة الواو والياء الممدودتين في نحو: أدعو وأرمي. وهذا الفهم -على حد علمنا- يخالف المشهور والمعروف في الآثار العلمية التي عرضت لموضوع الخط العربي والسامي بوجه عام.
فهناك تشير الدلائل إلى أن الواو والياء في "حوض وبيت" ونحوهما كانتا تصوران في الكتابة السامية في المرحلة الأولى التي كانت العناية فيها موجهة إلى الأصوات الصامتة، والتي تمت فيها كتابة جميع هذه الأصوات ومن بينها الواو والياء، الصامتتان في مثل: ولَد، يَلد. ثُم بعد فترة من الزمن
стр. 34
وفي مرحلة تالية استخدم الرمزان "و، ي" للدلالة على الواو والياء الممدودتين فقط.
ولعل مما يؤيد هذه النظرة ما يفترضه بعضهم من أن الرمزين "و، ي" الدالين في الأصل على الواو والياء الصامتتين، إنما استخدما في تصوير الواو والياء الممدودتين "الحركتين الطويلتين" لما رآه الناس من تطور الواو والياء الصامتتين في نحو: حَوْض وبَيْت "hawd, bayt" إلى حركتين طويلتين، أي: حُوض، وبِيت "hood, beet" كما تنطقان الآن في العامية المصرية. ومعناه أنه على الرغم من تطور النطق ظل الخط ثابتا على حاله الأول أي مشتملا على الواو والياء، كما كانت قبل هذا التطور. ثم انتقل هذا الاستعمال فيما بعد إلى كل واو وياء ممدودة، في نحو: أدعو وأرمي لاشتراكهما في الطول مع الواو والياء في "حوض وبيت" في النطق المتطور.
واستخدام الرمزين "و، ي" الدالين على الواو والياء الصامتتين في وَلد يَلد، وحَوْض وبَيْت، لتصوير الواو والياء الحركتين الطويلتين في أدعو وأرمي تفسره أسباب مختلفة، منها:
١- ما سبق أن ألمعنا إليه من تطور الواو والياء في حوض وبيت إلى حركتين طويلتين، وهذا هو المشهور بين دارسي اللغات السامية، ومعناه أن اللغة العربية قلدت أخواتها الساميات في هذا الاستغلال، على الرغم من فقدان السبب الأصلي فيها؛ إذ بقيت الواو والياء في هذه اللغة في هذين المثالين بحالهما ولم يتطورا حتى الآن إلى حركتين طويلتين، بعكس ما يدعي أنه حدث في غيرها من اللغات السامية.
والحق أن هذا السبب يبدو واهيا في نظرنا، إذ الحركتان الطويلتان في "حُوض وبِيت" بالنطق المتطور، لم تتطورا عن الواو والياء وحدهما كما ادعى هؤلاء الدارسون، وإنما تطورتا عن صوتين مجتمعين، هما الفتحة والواو والفتحة والياء، قارن الأمثلة الآتية:
стр. 35
٢- وأدق من هذا السبب بالنسبة للغة العربية ما نراه نحن من أن هذا الاستغلال لهذين الرمزين إنما كان نتيجة لتطور في النطق في نماذج أخرى من الكلمات. هذه النماذج تمثلها صيغ الفعل المضارع الأجوف والناقص مما كان على وزن يَفْعُل ويفْعِل، نحو: يقول، يبيع ويغزو ويرمي. ففي رأينا أن الواو والياء الممدودتين في هذه الصيغ تطورتا "تاريخيا وليس أمرا افتراضيا كما يظن الصرفيون" عن واو وياء صامتتين متلوتين بحركات١. قارن الأمثلة الآتية:
وهذه النماذج ونحوها كانت المنطلق إلى استخدام الواو والياء الدالتين على صوتين صامتين في الدلالة على واو المد ويائه.
٣- على أن هناك سببا علميا واضحا لهذا الاستغلال، وهو الشبه الصوتي بين الواو والياء في حالتيهما: كونهما صوتين صامتين وكونهما حركتين. فنطقهما إذا أخذتا منعزلتين يشتمل على خواص صوتية معينة متشابهة في الحالتين. ولهذا نرى وجوب التفرقة بينهما في الحالتين على أساس قيمهما في التركيب الصوتي للغة لا على أساس النطق الخالص.
стр. 36
"واي" في الألفباء الإملائية:
ومهما يكن من أمر فقد نتجت عدة مشكلات من التطور في استعمال الواو والياء من التغير التاريخي الذي لحق مدلوليهما على مر الزمن. وتشترك الألف معهما في هذا الموضوع نفسه. هذه المشكلات تنعكس بصفة خاصة على الألفباء التقليدية ونظمها المختلفة.
نحن نعلم أن هناك نظامين للألفباء:
أما أحدهما: فقديم، ويقل استعماله في الوقت الحاضر. يتألف هذا النظام من تسعة وعشرين حرفا "رمزا"، تبدأ بالألف وتنتهي بالياء. غير أن رمز الألف قد ذكر مرتين: إحداهما في أول الألفباء والثانية قرب نهايتها مع وصل هذا الرمز بحرف اللام هكذا "لا"، على حين ذكرت الواو والياء مرة واحدة.
وممن اختار هذا النظام ابن جني يقول: "اعلم أن أصول حروف المعجم عند الكافة تسعة وعشرون حرفا"١. وتفسير ما فعله ابن جني ومن لف لفه هو أنهم يخصصون الألف الأولى للهمزة على الأصل في ذلك، والثانية للفتحة الطويلة بطريق استغلال الصورة الكتابية. وهذا التفسير واضح من كلام ابن جني نفسه، حيث يقول: "اعلم أن الألف التي في أول حروف المعجم هي صورة الهمزة"٢، ثم يقول أيضا: "فأما المدة التي في نحو: قام وسار وكتاب وحمار فصورتها أيضا صورة الهمزة المحققة التي في: أحمد، وإبراهيم، وأترجة، إلا أن هذه الألف لا تكون إلا ساكنة، فصورتها وصورة الهمزة المتحركة واحدة وإن اختلف مخرجاهما"٣.
стр. 37
ومعنى هذا أن هؤلاء القوم قد أبقوا الاسم القديم "الألف" لإطلاقه على الهمزة "نطقا ورسما" واستغلوا صورته "واسمه كذلك لكن بإضافة كلمة المد إليه" للدلالة على الفتحة الطويلة، ثم وصلوا صورة الألف باللام في الحالة الثانية حتى "نتمكن من النطق بها". قال ابن جني: "واعلم أن واضع حروف الهجاء لما لم يمكنه أن ينطق بالألف التي هي مدة ساكنة -لأن الساكن لا يمكن الابتداء به١- دعمها باللام قبلها متحركة ليمكن الابتداء بها، فقال: هـ. و. لا. ى. فقوله: "لا" بزنة "ما ويا"، ولا تقل -كما يقول المعلمون- لام ألف"٢. أما علة اختيار اللام بالذات لدعم ألف المد فلابن جني فيه تفسير لطيف، ولكنه لا يعنينا في هذا المقام٣.
ونستطيع أن نستنتج من منهج أصحاب هذا الرأي أنهم يفضلون أو يميلون إلى كتابة الهمزة بالألف دائما، حيث خصصوا للهمزة رمزا مستقلا وللفتحة الطويلة رمزًا آخر، وإن اتفقا في الصورة والرسم. وقد سبق أن قررنا أن هذا هو ما يفهم من كلام ابن جني الذي صرح فيه بقوله: "اعلم أن الألف التي في أول حروف المعجم هي صورة الهمزة، وإنما كتبت الهمزة واوا مرة وياء أخرى على مذهب أهل الحجاز في التخفيف. ولو أريد تحقيقها ألبتة لوجب أن تكتب ألفا على كل حال. يدل على صحة ذلك أنك إذا أوقعتها موقعا لا يمكن فيه تخفيفها -ولا تكون فيه إلا محققة- لم يجز أن تكتب إلا ألفا، مفتوحة كانت أو مضمومة أو مكسورة. وذلك إذا وقعت أولا نحو: "أُخذ، أُخذَ، وإِبرهيم" فلما وقعت موقعا لا بد فيه من تحقيقها اجتمع على كَتْبِها ألفا
стр. 38
ألبتة. وعلى هذا وجدت في بعض المصاحف "يستهزأون" بالألف قبل الواو، ووجد فيها أيضا: "وإن من شيأ إلا يسبح بحمده" بالألف بعد الياء، وإنما ذلك لتوكيد التحقيق"١.
وهذا الذي جرى عليه ابن جني وأصحابه بالنسبة للألف عمل جيد في حد ذاته من وجهة النظر الصوتية؛ إذ هم قد خصصوا لكل صوت رمزا مستقلا: فالهمزة رمزها الألف الأولى، والفتحة الطويلة رمزها الألف الثانية. ولا ضير أبدا من تشابه الرسم والصورة، فهذه ضرورة مقبولة عند الحاجة، ويمكن التمييز بين صورتي الرمز بعلامات إضافية توضع فوق إحدى الصورتين أو تحتهما أو تتصل بهما، كما هو حادث بالفعل في المشكلة الحالية. فصورة الألف عند دلالتهما على الهمزة تصاحب -قاعدة- بوضع العلامة الإضافية "ء" التي ابتكرها الخليل، على حين تخلو الصورة الثانية من آية علامة عند دلالتها على الفتحة الطويلة. وجواز وضع العلامات الإضافية على الرموز الأساسية أو اتصالها بها أمر مقبول معترف به في الكتابات الصوتية Phonetic transcription، حيث تسمى الحروف الأساسية symbols "رموزا" والعلامات الإضافية علامات مميزة diacritical marks.
أما بالنسبة للواو والياء، فالأمر يحتاج إلى نظر. إن النص في الألفباء على رمزين "أو صورتين مختلفتين لرمز واحد"، أحدهما: للهمزة والثاني: للفتحة الطويلة -هذا النص- فيما نعلم- يقصد به شيء مهم، هو التفريق بين صوتين مختلفين هما: الألف بوصفها همزة وهي حينئذ صوت صامت consonant أو ما سموه الحرف الصحيح، وبين الألف بوصفها فتحة طويلة وهي حينئذ حركة vowel أو ما سموه ألف المد واللين. هذا العمل كان يوجب على ابن جني ومن سار على دربه أن يسلكوا الطريق نفسه مع الواو والياء. فمن الثابت -كما أشرنا من قبل- أن لكل من الواو والياء قيمتين مختلفتين.
стр. 39
الأولى كون كل منهما صوتا صامتا consonant أو ما يسمى أحيانا "نصف حركة" semi-vowel، والثانية كون كل منهما حركة أو ما يسميها علماء العربية حينئذ واو المد وياءه.
فَلِمَ إذن اكتفى أصحاب هذا المنهج بذكر الواو والياء مرة واحدة في الألفباء؟ أوليس الحال مع الواو والياء بحاجة إلى رمزين مختلفين "أو صورتين مختلفتين لهذين الرمزين" للدلالة على القيمتين المختلفتين لهما؟
هناك ثلاثة احتمالات للإجابة عن هذين السؤالين:
١- لعلهم اقتصروا على ذكر الواو والياء مرة واحدة، اقتداء بالنهج القديم الذي كان يهمل كتابة الواو والياء الممدودتين. ومن ثم لم تكن هناك حاجة إلى تخصيص رمزين مستقلين لهما، واكتفوا -بناء على ذلك- بالنص على الواو والياء الصامتتين وحدهما. ويرجح هذا الاحتمال ما كان يجري في الفترات الأولى للخط العربي من عدم اطراد كتابة الواو والياء الممدودتين، فقد كانوا يكتبونهما أحيانا ويهملونهما أحيانا أخرى.
٢- يبدو أن بعضهم لم يدرك حقيقة الفروق الصوتية بين حالتي الواو والياء. ونعني بها تلك الفروق التي ترتبط بوظائفهما وقيمهما في التركيب الصوتي للغة، ولا نعني بذلك ما قد يبدو بين الحالتين من خلاف في خواص النطق وسماته. وبهذا لم تبرز أمام هؤلاء الباحثين أية حاجة تدعوهم إلى وضع رموز مستقلة لكل حالة.
٣- لعلهم أدركوا قوة الشبه بين حالتي الواو والياء من حيثُ النطق الفعلي، إذ كل واحدة منهما تنطق في حالتيها بصورة يصعب معها التمييز بين هاتين الحالتين أو الفصل بينهما بصفة قاطعة. وإلى هذا المعنى يشير أحد الباحثين، فيقول:
"أما فيما يخص الياء والواو فإن مخرجهما يبقى كما هو، ساكنتين
стр. 40
كانتا أو متحركتين، وإنما الذي يتغير هو سلوكهما. فالمتحركة ياء كانت أو واوا تكتسب قوة أكبر، إذ يمكن أن تكون مثل الحروف الصحيحة، وهي كذلك فعلا، حيث يكون لكل مخرج حرف مستقل. من أجل هذا لم يصور العرب هذه الحروف بصورتين: ياء ساكنة وياء متحركة، واوًا ساكنة، وواوًا متحركة. وإنما صوروها بصورة هذا الحرف الوحيد، فقد اشتمل الحرف على الإمكانيتين: المصوت وهو الكسرة: "i" أو الضمة: "u"، والصامت وهو الياء: "y" أو الواو: "w""١.
ومعنى هذا أن علماء العربية اكتفوا باستغلال الواو والياء الصامتتين في الدلالة على الواو والياء الممدودتين، وبخاصة أن هذا الاستغلال تسوغه حقيقة تاريخية تتمثل في ذلك التطور الذي لحق الواو والياء الصامتتين في بعض الصيغ، وصيرهما "مع ما يصحبهما من حركات" إلى حركات طويلة. وبهذا يكون لكل من الواو والياء مدلولان مختلفان في الألفباء: كونهما صوتين صامتين، وكونهما حركتين.
وهذا الاحتمال الأخير يعني أن علماء العربية كانوا يدركون أن الواو والياء قيمتين صوتيتين، كما أدركوا كذلك أن للألف قيمتين. وهذا الإدراك في رأينا كان يوجب عليهم أن يقفوا من الرموز الدالة على الواو والياء في حالتيهما المختلفتين موقفهم من الألف في حالتيها، حيث خصصوا لكل حالة رمزا، أو بعبارة أخرى، حيث نصوا في الألفباء على رمزين اثنين للألف أو صورتين مختلفتين لها.
فإذا ما فرقنا بين حالتي الألف، وجب -بالمثل- التفريق بين حالتي الواو والياء. وكان مقتضى ذلك أن يضع أصحاب هذا النظام الألفبائي رموزا