أولهما: أنها دراسة واسعة تحتاج إلى بحث مستقل، لتشعب الكلام فيها تشعبا لا تحتمله هذه الدراسة.
ثانيهما: "وهو الأهم" أن دراسة أي صوت دراسة وظيفية لا يمكن أن تتم بدون دراسة جميع أصوات اللغة المعينة، لأن هذا الصوت أو ذاك لا قيمة له إلا بوصفه جزءا من نظام معين، وفيه تظهر قيمته ويبرز معناه الصوتي.
стр. 72
ثانيا: ألف المد
ألف المد هو المسمى الثاني للمصطلح العام "ألف"، وهذه التسمية هي المشهورة في الدرس الصوتي التقليدي عند العرب. وقد ينعت أحيانا بألف المد واللين، أو بالألف اللينة، في مقابل الألف "اليابسة" التي يعنون بها الهمزة. وليس من النادر أن يطلقوا عليه "حرف علة"، غير أن هذا النظر الأخير إنما يغلب تطبيقه في ميدان الصرف.
أما في العرف الصوتي الحديث فألف المد تسمى الحركة، ونعني بها الفتحة الطويلة، التي تصور في الكتابة الصوتية Phonetic transcription تصويرا عاما هكذا: "a" أو "aa"، على أساس أن تكرار الرمز يعني طول الحركة، كما في نحو قال: qaal بالفتحة الطويلة "= ألف المد" في مقابل نحو كتب: kataba بالفتحة القصيرة.
ومن الطبيعي أن يعتمد تحديد هذه الحركة الطويلة على تحديد الحركة القصيرة المعروفة بالفتحة في التراث العربي التي وضعوا لها اسم التقليدي المعروف "َ" للدلالة عليها. وسبب هذا الاعتماد هو اتفاق الحركتين في كل الخواص النطقية، فيما عدا خاصة الكمية quantity أو الفترة الزمنية duration التي يستغرقها نطق كل منها، والتي تستتبع -بالضرورة- اختلافا من نوع ما في درجة انفتاح الشفاه.
والفتحة -كما هو معروف- هي إحدى الحركات الثلاث الرئيسية في اللغة العربية، وهي تكمل مع أختيها -الكسرة الضمة- نظام الحركات في
стр. 73
هذه اللغة ١The vowel system of Arabic. ولهذه الفتحة -كما لغيرها من الحركات- خواص صوتية معينة، يمكن تحديدها وتعرفها بأكثر من طريق علمي على المستوى الصوتي.
١- يمكن تحديد الفتحة -كما يمكن تحديد غيرها من الأصوات- على أساس خواصها النطقية، وما يرتبط بذلك من آثار سمعية تصل إلى أذن السامع عن طريق الذبذبات المنتشرة في الهواء نتيجة لحركات أعضاء النطق أو بعبارة أخرى، نستطيع أن نصف الفتحة "وغيرها" بالإشارة إلى ميكانيكية النطق، وما تنتظمه هذه العملية من أوضاع أعضاء النطق وحركاتها المختلفة، وما ينتج عن ذلك من ذبذبات وموجات صوتية ملائمة لهذه الأوضاع والحركات، وتصل إلى أذن السامع، وتؤثر فيه تأثيرا معينا.
وهذه النظرة -كما ترى- تتضمن ثلاثة جوانب متصلة غير منفصلة:
- الأول: جانب نطقي articulatory.
- الثاني: طبيعي أو مادي physical أو acoustic كما يشار إليه أحيانا.
- الثالث: فهو سمعي audible.
وسوف نعتمد في دراستنا هنا على الجانب الأول؛ لأنه أوضحها وأهمها، مشيرين إلى الجانب الثالث كذلك، إذ لا نملك إهمال الآثار السمعية التي تصل إلى أسماعنا. أما الجانب الثاني فهو جانب دقيق بطبيعته، ويحتاج إلى تحليل صوتي معملي لا تحتمله البحوث الصوتية الدقيقة المتخصصة.
стр. 74
وهذا النظرة بجوانبها الثلاثة تدخل في نطاق علم الأصوات phonetics "أو الفوناتيك"، بوصفه المنهج الذي يركز جهوده على الناحية المادية للأصوات، أي على أساس أنها أحداث منطوقة بالفعل speech-events في الموقف المعين.
٢- يمكن تحديد الحركة "كما يمكن تحديد غيرها" بالنظر إلى وظيفتها في التركيب الصوتي، أي: بالنظر إلى قيمتها ومعانيها الصوتية في الموقع المعين. ويتم ذلك عادة بطريق التقابل أو التبادل commumitation بين الصوت المعين وغيره من الأصوات في سياقات متشابهة أو متماثلة comparable، كمقابلة الفتحة مثلا في نحو: جَلسة "بفتح الجيم، اسم مرة" وبالكسرة في نحو: جِلسة "بكسر الجيم، اسم هيئة".
وهذا الجانب جانب وظيفي functional، يعني بالأصوات من حيث وظائفها في تركيب اللغة، لا بالأصوات من ناحيتها المادية النطقية الخالصة. فهو إذ ينظر إلى الفتحة مثلا إنما ينظر إليها بوصفها وحدة unit أو عنصرا term في نظام system صوتي معين، لا بوصفها حدثا صوتيا منطوقا.
فوظيفة هذا الجانب إذن التجريد abstraction وتنظيم المادة وتقعيدها، لا البحث في الأمثلة الجزئية الواقعة أو حصرها ودرسها بهذا الوصف. وهو إن عرض لهذه الجزئيات إنما يعرض لها بغرض التجريد والوصول منها إلى قواعد كلية. وربما يتضح الفرق بين هذا الجانب الوظيفي والجانب السابق بالمثال الآتي:
الفتحة من وجهة النظر الوظيفية وحدة صوتية تكون جزءا من نظام الحركات في اللغة العربية، وهي بهذا المعنى ليست كسرة أو ضمة. ولكنها من حيث النطق وآثاره السمعية، "وهو ما يهتم به الجانب الأول" قد تكون ذات صور نطقية متعددة، وذات آثار سمعية مختلفة، بحسب الموقع الصوتي الذي
стр. 75
تقع فيه. فهناك مثلا: الفتحة المفخمة، والفتحة المرققة، وتلك التي قد تدعى بين بين، وهناك كذلك مثلا الفتحة القصيرة، والفتحة الطويلة ... إلخ.
هذه النظرة الثانية للأصوات دراسة وظيفية، وإطارها العام هو علم وظائف الأصوات أو الفونولوجيا phonology.
ونحن في تعريفنا للفتحة سوف نأخذ في الحسبان الجانب النطقي وما يتعلق به أولا، ثم نخلص من ذلك إلى النظرة الوظيفية التي تنتهي بنا إلى تحديد الفتحة بوصفها وحدة صوتية أو جزءا من نظام الحركات في العربية. وإنما كان ذلك النهج منا لأن جانب الفونولوجيا -على الرغم من اختصاصه بمرحلة التجريد والتقعيد- لا يمكن فصله فصلا تاما عن الفوناتيك؛ فكلاهما مرتبط بالآخر ومعتمد عليه.
الفتحة بوصفها حركة ينطبق عليها "من وجهة النظر الفوناتيكية" التعريف العام للحركات، ذلك التعريف الذي ينتظم خاصتين أساسيتين هما:
حرية مرور الهواء خلال الحلق والفم، وذبذبة الأوتار الصوتية حال النطق بها. أو بعبارة أخرى -كما يقول علماء الأصوات- الحركة صوت يحدث أثناء النطق به أن يمر الهواء حرا طليقا من خلال الحلق والفم، دون أن يقف في طريقه عائق أو حائل، ودون أن يضيق مجرى الهواء ضيقا من شأنه أن يحدث احتكاكا مسموعا، ودون أن ينحرف عن وسط الفم إلى الجانبين أو أحدهما وهي في العادة صوت مجهور١.
стр. 76
أما تحديدها بوصفها فتحة فيعتمد على عاملين مهمين، هما وضع اللسان في الفم، والشكل الذي تتخذه الشفاه عند النطق.
أما بالنسبة للحالة الأولى فاللسان مع الفتحة العربية يكاد يكون مستويا flat في قاع الفم مع ارتفاع خفيف في وسطه، وربما ينحو هذا الارتفاع نحو الخلف قليلا. فالفتحة بهذا الاعتبار حركة متسعة أو منفتحة Open. وتدل هذه التسمية على الاتساع النسبي الواقع بين اللسان في وضعه المذكور وبين سقف الحنك الأعلى.
والملاحظ أن الشفاه حال النطق بالفتحة تكون في وضع محايد neutral أي: غير مضمومة not rounded، وغير منفرجة not spread. "ضم الشفاه يكون مع الضمة، وانفراجها مع الكسرة"، أو بعبارة أخرى تكون الشفاه معها مفتوحة، ومن هنا كانت تسميتها "بالفتحة"١.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الوصف إنما ينطبق على الفتحة بوصفها نمطا أو جنسا a type or a class of sounds ينضم تحته عدد من الفتحات التي قد يأخذ اللسان معها أوضاعا مختلفة من حيث درجة ارتفاعه وانخفاضه، ومن حيث جزؤه المرتفع أو المنخفض: أهو الجزء الأمامي أم الخلفي.
وهذ الوصف ذاته -وإن كان مبنيا على أساس النطق "أو النظرة الفوناتيكية"- يقرب أن يكون وظيفيا أو فنولوجيا لاهتمامه بالأنماط لا بالجزئيات والأمثلة النطقية المختلفة Variants.
ومهما يكن الأمر، فالفتحة بصورها النطقية المتعددة ليست إلا وحدة صوتية واحدة من الناحية الفنولوجية الوظيفية. ذلك لأن هذه الصور ليست إلا صورا سياقية نتجت عن اختلاف المواقع الصوتية في التركيب، وليست تنفرد
стр. 77
كل صورة منها بقيمة لغوية تختلف عن قيمة الأخريات. إنها جميعا من هذه الناحية الأخيرة -ناحية الوظيفة والقيمة اللغوية- تمثل كلا أو نوعا من الحركات هو ما اتفق على تسميته بالفتحة.
والفتحة بهذا المعنى الوظيفي ليس لها من مدلول أكثر من كونها ليست كسرة أو ضمة، وهي تتبادل السياقات الصوتية معهما. نقول مثلا:
جَلسة "بفتح الجيم" × جِلسة "بكسر الجيم"
وبَرد "بفتح الباء" × بُرد "بضم الباء = ثياب"
فنلاحظ وقوع الفتحة موقع الكسرة والضمة وتبادلها للمواقع معهما وقد أدى هذا الوقوع وهذا التبادل إلى اختلاف المعنى في الحالتين، كما هو واضح من الأمثلة. وهذا يعني أن الفتحة هنا ذات وظيفة لغوية، إذ استطاعت أن تفرق بين المعاني في الكلمات المتشابهة في كل مكوناتها الصوتية، باستثناء نفسها. وهذه الوظيفة هي وظيفة الفتحة بهذا الوصف، أي: بقطع النظر عن صورها وأمثلتها الجزئية المتعددة من فتحة مفخمة، ومرققة، وبين بين ... إلخ.
والأوصاف السابقة بجانبيها الفوناتيكي والفونولوجي أو النطقي والوظيفي تنطبق في عمومها على الفتحة الطويلة "= ألف المد"؛ إذ هي مثل الفتحة القصيرة في كل ما ذكرنا باستثناء خاصتين فرعيتين.
أولاهما: تظهر في فرق الكمية؛ حيث يستغرق نطق الفتحة الطويلة زمنا أطول نسبيا من نطق القصيرة. وتصحب هذه الخاصة ظاهرة نطقية أخرى، هي أن حياد الشفتين "المعهود في نطق الفتحة القصيرة" يميل إلى اتخاذ وضع مختلف إلى حد ما، يظهر هذا الوضع في ازدياد درجة الاتساع بينهما، بسبب خاصة الطول في الفتحة الطويلة دون القصيرة.
стр. 78
ونعني بالخاصة الثانية التي تنفرد بها الطويلة دون القصيرة أن الفتحة الطويلة إنما تقارن وظائفها اللغوية في التركيب بوظائف الكسرة والضمة الطويلتين -لا القصيرتين- أي: واو المد ويائه، كما ترى في نحو:
قاما "للمثنى" × قومي "أمر المخاطبة"
وقاما "للمثنى" × قوموا "أمر جماعة الذكور"
حيث وقع التبادل هنا بين الحركات الطويلة في سياقات صوتية متماثلة، وحيث أدى هذا التبادل إلى التفريق بين المعاني.
نخلص من كل ما تقدم إلى أن ما يسمى "ألف المد" في التراث التقليدي ليس إلا
حركة، هي الفتحة الطويلة.
أما كونها حركة فلاتصافها بخواص الحركات بعامة. وتتلخص تلك الخواص في صفة "الجهر" الذي ينشأ عن ذبذبة الأوتار الصوتية حال النطق، وفي أن هواءها عند النطق يخرج في الحلق والفم حرا طليقا دون أن يعوقه عائق أو مانع ودون أن ينحرف إلى أحد الجانبين أو كليهما. أما كونها فتحة فلانطباق الخواص النطقية للفتحة عليها، باستثناء خاصتي الطول وإمكانية التبادل في المواقع الصوتية مع الواو والياء، لا مع الكسرة والضمة القصيرتين، كما سبق أن ذكرنا.
فالفتحة في العربية إذن وحدة واحدة، ولكنها قد تكون قصيرة وعلامتها الكتابية " َ" أو طويلة وعلامتها "ا" وهي ما تسمى ألف المد.
وتتفق هاتان الصورتان للفتحة في ظاهرة صوتية أخرى مهمة، تلك هي ظاهرة التفخيم والترقيق وما بينهما.
فالفتحة بذاتها لا تتصف بتفخيم أو ترقيق، وإنما تعتريها هذه الظاهرة
стр. 79
في السياق أي بسبب تأثرها بما يجاورها من الأصوات، فهي إذن ظاهرة سياقية contextual كما يظهر في نحو:
- صَبْرٌ
- قَبْرٌ
- سَبْرٌ
حيث فخمت الفتحة في المثال الأول، ورققت في الثالث ولكنها بين الحالتين في المثال الثاني. وهذا الاختلاف في الدرجة يرجع إلى الأصوات السابقة عليها في هذه الكلمات. فهي في الكلمة الأولى مسبوقة بصوت مفخم هو الصاد. وفي الثالثة بالسين وهو صوت مرقق. أما في المثال الثاني فهي واقعة بعد القاف١ وهو صوت بين بين أي بين التفخيم والترقيق.
وكذلك الحال في الفتحة الطويلة "= ألف المد"؛ حيث لا تتصف بذاتها بهذه الظاهرة بدرجاتها المختلفة. قارن:
- صاد
- قاد
-ساد
حيث كانت "الألف" "= الفتحة الطويلة" مفخمة في الكلمة الأولى ومرققة في الثالثة، ولكنها بين الدرجتين في المثال الثاني. وسبب هذا الاختلاف إنما هو السياق نفسه.
ومن الجدير بالذكر أن عالما عربيا قد لحظ هذه الحقيقة، وهي أن ما تخضع له الألف "= الفتحة الطويلة" من تفخيم "أو ترقيق بطبيعة الحال" إنما
стр. 80
سببه السياق، أما هي ذاتها فلا توصف بتفخيم أو ترقيق. يقول ابن الجوزي: ومن الحروف "الحروف المستقلة وضدها المستعلية. والاستعلاء من صفات القوة. وهي سبعة يجمعها قولك: "قظ خص ضغط"، وهي حروف التفخيم على الصواب. وأعلاها "الطاء"، كما أن أسفل المستفلة "الياء". وقيل: حروف التفخيم هي حروف الإطباق١، ولا شك أنها أقواها تفخيما، وزاد مكي عليها الألف. وهو وَهْمٌ، فإن الألف تتبع ما قبلها فلا توصف بترقيق أو تفخيم"٢.
فابن الجزري هنا ينفي كون الألف مفخمة أو مرققة بذاتها، وهذا قول سليم ولا شك، غير أنه قصر خضوع الألف لهذه الظاهرة على الحالات التي تكون فيها تالية للأصوات التي تؤثر فيها. وكان الأوفق به أن يعمم الأمر فيرجعها إلى الموقع أو السياق بعامة، لندخل الحالات الأخرى التي يحدث لها التأثر بالأصوات التالية لها أيضا، كما يظهر مثلا في نحو:
فاض، باض
حيث تأثرت الألف بتفخيم الأصوات التالية لها "لا السابقة عليها"، وكان مقتضى كلامه أن تكون مرققة في مثل هذه الحالات لسبقها بأصوات مرققة.
"وأما ابن جني فلم يذهب هذا المذهب الدقيق على ما يبدو. إنه لم يربط تفخيم الألف "أو ترقيقه" بالسياق أو الموقع، وإنما يفهم من كلامه أن الألف قد تفخم "أو ترقق" بذاتها، أي بقطع النظر عما يسبقها أو يلحقها من الأصوات. يقول:
"وأما ألف التفخيم فهي التي تجدها بين الألف والواو، نحو قولهم:
стр. 81
سُلام عليك، وقُام زيد، وعلى هذا كتبوا: الصلوة، والزكوة، والحيوة، بالواو، لأن الألف مالت نحو الواو".
فابن جني ههنا يشعرنا بأن التفخيم من صفات الألف ذاتها، كما يشعرنا بأن هناك أكثر من صورة لنطقها بقطع النظر عن سياقها الصوتي.
والظاهر على كل حال أن هذا العالم كان يتكلم عن الألف في لهجة معينة أو مستوى لغوي معين، بدليل أنه عد هذا النطق داخلا في إطار ما سماه الأصوات أو الحروف المستحسنة١. ومعناه أن تفخيم الألف جائز وإن لم يكن هو الأصل فيها. وفي ظننا أن هذا النطق اللهجي -غير المرتبط بالموقع والسياق- متأثر بنطق أجنبي عن العربية في مستواها الفصيح، وبدليل أمثلته الأخرى في بقية النص، وهي "الصلوة والزكوة" إلخ، وهي كلمات سوريانية الأصل على ما نعلم.
ويجب أن نعرف على كل حال أن التفخيم في الألف "والحركات العربية كلها" ليس ظاهرة "فونيمية" phonemic، أي: ليس ظاهرة من شأنها التفريق بين المعاني في الكلمات المتماثلة في تركيبها الصوتي، فيما عدا هذه الظاهرة نفسها. وإنما التفخيم هنا ظاهرة تطريزية prosodic، هي خاصة السياق كله وناتجة عنه. فالتفخيم هنا يختلف عن التفخيم في الطاء من نحو: طاب؛ إذ هذا الأخير تفخيم "فونيمي"؛ إذ كان وجوده مفرقا ومميزا للمعاني، كما يظهر من مقارنة: "طاب" بـ"تاب".
ففي "طاب" تفخيم واضح في الحدث اللغوي كله، ولكنه تفخيم ذو معنى لغوي في الطاء "إذ هو يميزها من التاء" وتفخيم سياقي تطريزي في الألف "والباء كذلك"، سببه وجود هذه الطاء.
стр. 82
هذا القول الموجز الذي سقناه فيما يتعلق بألف المد وخواصها من وجهة النظر الحديثة من شأنه أن يقود إلى عقد مقارنة بين هذه النظرة وما رآه علماء العربية في الموضوع نفسه. ولكننا رأينا أن نرجئ الكلام على هذه المقارنة لنعود إليه في دراسة خاصة تضم الواو والياء كذلك، لأن هؤلاء العلماء قد تناولوا هذه "الحروف" الثلاثة معا، وأتوا فيها بأحكام تنسحب عليها جميعا بصفة عامة.
стр. 83
الواو والياء:
يطلق كل من الواو والياء على مدلولين صوتيين مختلفين. فهما اسمان للواو والياء في نحو ندنو، نرمي nadnuu, narmii، وهما كذلك يدلان على الواو والياء، في مثل وهب، يهب: wahaba, yahabu، وقوم، بيت: qawm, bayt.
والواو والياء في الحالة الأولى حركتان خالصتان، ونعني بهما الضمة والكسرة الطويلتين، ومن ثم كانتا عنصرين أو مثالين من أمثلة الحركات اللغة العربية، أما في الحالة الثانية فيعرفان في الدرس الصوتي الحديث "بأنصاف حركات" semi-vowels، ولكنهما ينضمان -من وجهة النظر الوظيفية- إلى تلك المجموعة من الأصوات المعروفة بالأصوات الصامتة Consonants.
ولكن السؤال الآن هو: كيف يمكن التمييز بين الحالتين؟ أو بعبارة أخرى: ما أسس التفريق بين هذين المدلولين؟ وما حدود كل منهما ووظائفه في اللغة العربية؟
نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة من زاويتين صوتيتين مختلفتين، زاوية فوناتيكية، تعنى بالنطق وآثاره المادية والسمعية، وزاوية فنولوجية، توجه اهتمامها نحو: الوظيفة اللغوية لهذه الأصوات في التركيب الصوتي للغة العربية.
حاول بعضهم التفريق بين الحالتين على أساس صوتي "فوناتيكي" صرف. فهما حركتان "طويلتان" في أدعو، أرمي؛ لانطباق خواص الحركات ومعايير الحكم عليهما. ذلك لأن الهواء عند نطقهما يخرج حرا طليقا دون
стр. 84
عائق أو مانع من أي نوع من وسط الفم، وهما صوتان مجهوران كذلك، فالواو في "أدعو" لها خواص الضمة "القصيرة" وتفترق عنها في الكمية فقط، ومدة النطق duration. إنها مثلها في الكيف ومختلفة عنها في الكم فقط. وهذه المعايير ذاتها تنطبق على الياء في "أرمي": إنها كسرة طويلة، أي: ضعف الكسرة القصيرة في الكم ولكنها مثلها تماما في الكيف.
ولكن الواو والياء صوتان صامتان consonants في نحو "وَعد، يَعد"؛ لأن الهواء الخارج من الرئتين عند نطقهما -وإن كان يخرج من وسط الفم- يقابله عائق من نوع ما، يضيق مجرى الهواء، بسبب اقتراب مؤخر اللسان من أقصى الحنك مع الواو، ومقدمه من مقدم الحنك عن النطق بالياء. وبذلك فقدنا بعض سمات الحركات الخالصة التي تتمثل في الحرية الكاملة للهواء عند نطقهما، فشابهتا الأصوات الصامتة، وأصبحتا مرشحتين لانضمامهما.
ولكن أصحاب هذا الرأي الذي يفرق بين الحالتين على أساس نطقي صرف أدركوا أن مجرى الهواء -وإن ضاق عند نطقهما في هذه الحالة- لم يصل إلى درجة الضيق التي نلاحظها عند نطق الأصوات الصامتة. ومن ثم رأوا في النهاية تسميتهما أنصاف حركات semi-vowels وأجازوا أيضا تسميتهما أنصاف أصوات صامتة semi-consonants، لشبههما نطقا بالفئتين: الحركات والأصوات الصامتة، وإن كان الشائع في الأوساط اللغوية في مجملها إطلاق المصطلح "أنصاف الحركات" على هذين الصوتين.
أما نحن فلسنا نأخذ بهذا المعيار النطقي وحده في التفريق بين حالتي الواو والياء، ونعتمد في الأساس على معيار أدق وأقرب إلى الحقيقة، وهو معيار الوظيفة ودورهما في البناء اللغوي الواقعي. إنهما حركتان خالصتان في نحو: "أدعو، أرمي" لوقوعهما موقع الحركات، واستحالة ضمهما إلى الأصوات الصامتة، لامتناع تحريكهما في هذين المثالين ونحوهما بحركات،
стр. 85
على عكس ما يحدث لهما في نحو "وَعد، يَعد" إذ جاءتا متلوتين بالحركات الممثلة في الفتحة في المثالين.
والواو والياء صوتان صامتان خالصان في نحو المثالين الأخيرين لوقوعهما موقع الأصوات الصامتة وجواز التبادل معها في كل مواقعهما. ففي حال التبادل نقول "نَعد، تَعد" بالنون في الأولى، والتاء في الثانية. ولا يمكن هنا أن نصنفهما حركات بحال، لأنهما متبوعتان بحركات، ومن المقرر -ويشهد له واقع اللغة- أنه لا يجوز اجتماع حركتين متتاليتين في أي موقع من مواقع الكلمة في اللغة العربية.
ربما يصعب على بعض الناس التفريق بين الحالتين وظيفيا، بسبب استخدام رمز واحد واسم واحد للواو والياء في أي موقع يقعان فيه. ويمكننا تيسير الأمر للباحثين عن الفرق بين القيمتين بالإشارة إلى بعض الأمارات التي ترشد الدارس إلى تعرف هذين الصوتين حال كونهما أصواتا صامتة وظيفيا، فنقول:
١- الواو والياء صوتان صامتان وظيفيا إذا وقعتا في أول الكلمة، إذ من المحال عدهما حركتين، لامتناع بدء الكلمة العربية بالحركات.
٢- هما صوتان صامتان إذا أتبعتا بحركات إذ لا يمكن اجتماع حركتين متتاليتين في كلمة واحدة كما أشرنا إلى ذلك.
٣- الواو والياء صوتان صامتان إذا أصابهما التضعيف، نحو "قَوَّام، مَيّال" وقد أشار ابن جني إلى هذه السمة ذاتها، فقال: "إنهما ضارعتا أو ماثلتا أو شابهتا" الحروف الصحاح.
وعندنا أيضا أن الواو والياء صوتان صامتان وظيفيا في نحو: "حوض، بيت"، أي: إذا وقعتا ساكنتين مسبوقتين بفتحة، وقد وهم بعض المستشرقين "وتبعهم بعض الدارسين العرب العاملين في مجال اللغات السامية" فظنوا أن
стр. 86
الواو والياء في المثالين السابقين ونحوهما يكونان مع الفتحة السابقة عليهما حركة مركبة diphthong. وهذا وهم كبير، إذ ليس في هذين المثالين وما جاء على هيئتهما حركة مركبة، وإنما هناك وحدتان صوتيتان مستقلتان. الفتحة + الواو أو الياء. ودليل أن الواو والياء هنا وحدتان مستقلتان وليستا عنصرين من حركة مركبة، ظهورهما كذلك في تصرفات الكلمة كما في نحو "أحواض، أبيات" حيث تحققت طبيعتهما، وهي كونهما أصواتا مستقلة، وهما في هذا الاستقلال رشحتا نفسيهما لحسبانهما صوتين صامتين، إذ قد أتبعتا بحركة وهي الفتحة الطويلة "الألف"، كما هو واضح من المثالين المذكورين. ولكن هذا الذي نقول لا يمنعنا من إطلاق الاسم الشائع عليهما وهو "أنصاف حركتين"، اتباعا للتقاليد الجارية، ولشبهة التقارب في الأداء النطقي بين حالتيهما.
أما علاج اللغويين العرب القدامى "وبعض المحدثين" للواو والياء فقد جاء علاجا مضطربا، لا يكشف كشفا دقيقا عن طبيعتهما، ويخلط خلطا واضحا بين قيمتهما ودورها في البناء اللغوي. إنهم أولا خلطوا بين الرمز "الكتابي" والصوت، وركزوا ثانيا على ما يصيبهما من تغير في مواقع مختلفة من الكلمة، فأطلقوا عليهما المصطلح التقليدي "حروف علة".
نعم، إنهم في مجملهم أشاروا إلى أنهما حرف مد في نحو "أدعو، أرمي" الأمر الذي ينبئ عن إدراكهم أنهما حركتان "طويلتان" وقد صرح بعض الثقات منهم إلى هذه الحقيقة، حيث بينوا أن بينهما وبين الضمة والكسرة علاقة الكلية والجزئية. ولكنهم لم يعرضوا عرضا مناسبا لمدلوليهما الآخر، وهو كونهما من الأصوات الصامتة، باستثناء إشارات سريعة وقعت من بعضهم كابن جني الذي نبه إلى أنهما يضارعان "يشابهان" الحروف الصحاح إذا أصابهما التضعيف، كما أشرنا إلى ذلك قبلا. وهذا الذي قرره ابن جني
стр. 87
على الرغم من صحته وجودته لا يغني كثيرا ولا يفي بحاجة التفريق بين كونهما من حروف المد "الحركات" وكونهما من الأصوات الصامتة.
ولكنهم جميعا -على الرغم من هذه الإشارات الخاطفة المقبولة- لم يوفقوا من الناحية الواقعية في النظر إلى الواو والياء عندما يصيبهما شيء من التغير في تصاريف الكلمات إنهم مثلا يقررون أن "لم يقُل" أصلها "لم يقول": فحذفت الواو لالتقاء الساكنين. وهذا وهم منهم إذا المحذوف هو الرمز "و"، أما الواو نطقا "وهي الضمة الطويلة" فقد قُصرت، وصارت حركة قصيرة، هي الضمة، وذلك لأن التركيب المنطقي في اللغة العربية لا يسمح بطول الحركة في هذا السياق. فمن المعلوم أن المقطع: "ص ح ح ص"١ لا يقع في العربية إلا في حالتين اثنتين: عند الوقف، كما في "قال" بتسكين اللام، وعندما يكون الصامت الأخير مدغما في مثله، كما في "ضالين" "ص ح ح ص".
وقد جاء تسويغهم لحذف الواو في المثال السابق، والياء في "لم يِبْع" على أساس أنهما حرفا علة، يصيبهما الحذف والتغيير والاعتلال إلخ. وهذه النظرة -وإن كانت تصلح مسوغا لهذه التسمية- لا تصلح أساسا للقول بأن الواو والياء قد حذفتا، وكان الأولى بل الصحيح أن يشار إلى أنهما قد أصابهما التقصير، كما قررنا نحن.
ومع ذلك كله، ما زلنا نحمد لأسلافنا جهودهم في خدمة العربية والحفاظ عليها، بالطريق الذي استطاعوا وبالمنهج المتواضع الذي اتبعوا.
стр. 88
المبحث الثاني: همزة الوصل
مدخل
...
المبحث الثاني: همزة الوصل
هناك قاعدتان مشهورتان في التراث اللغوي عند العرب، تنص أولاهما على أنه "لا يوقف على متحرك"، وتقرر الثانية أنه "لا يجوز الابتداء بالساكن". والمفروض أن هاتين القاعدتين -كغيرهما من القواعد- قد استخلصهما علماء اللغة من الأحداث الكلامية الفعلية، ومن الأمثلة الجزئية للواقع اللغوي.
ويبدو حتى هذه اللحظة أن القاعدة الأولى -بوصفها قاعدة- قد استوفت شروطها، وكملت لها خواصها؛ إذ لم يرد عنهم ما يناقضها، وليس هناك من القوانين الصوتية ما يعارضها أو يحول دون تصديقها.
أما القاعدة الثانية فتتضمن قضية تدعو إلى المناقشة والنظر، وبخاصة إذا أخذنا في الحسبان تلك القاعدة الأخرى التي ارتبطت بها دائما في الدرس اللغوي التقليدي، والتي أتى بها علماء العربية لتصبح لهم قاعدتهم الأساسية أو لتكملها. هذه القاعدة الأخرى التكميلية تتمثل في تصريح اللغويين بوجوب "اجتلاب همزة"، ليتوصل إلى النطق بهذا الساكن الذي منعوا جوازه.
هذه الهمزة المجتلبة سموها "همزة وصل" ولكنهم اختلفوا فيما بينهم في سبب هذه التسمية.
١- قيل: إنها سميت كذلك من باب المجاز "لعلاقة الضدية؛ لأنها تسقط وصلا، فكان حقها أن تسمى همزة ابتداء".
٢- وقيل: لا مجاز، بل "سميت بذلك لوصل ما بعدها بما قبلها عند سقوطها".
стр. 89
٣- وقال البصريون: "سميت بذلك لوصول المتكلم بها إلى النطق بالساكن". واعترض عليهم بأنه كان من اللائق حينئذ أن تسمى همزة الوصول أو التوصل، لا الوصل"١.
ومهما يكن السبب في هذه التسمية فقد اتفق هؤلاء العلماء على أن همزة الوصل تظهر وتحقق نطقا في ابتداء الكلام، ولكنها تسقط في درجه، كما اتفقوا على الدافع إلى اجتلابها. وهو تعذر النطق بالساكن، أي الصوت غير المتبوع بحركة، أو المشكل بالسكون في اصطلاحهم.
هذا الدافع -وهو هنا يمثل القاعدة الأساسية في هذه القضية -أمر فيه نظر، إذ لا تخلو المسألة من احتمالين اثنين.
أحدهما: أن النطق بالساكن في ابتداء الكلام، متعذر أو مستحيل استحالة مطلقة، بقطع النظر عن وقوعه بالفعل أوعدم وقوعه.
الثاني: أن هذا النطق متعذر أو مستحيل بحسب الواقع والحقيقة، لأنه لم يسمع من أفواه العرب، ومن ثم أصبح خاصة من خواص لغتهم، ولهذا جيء بهمزة الوصل للتخلص من هذا التعذر أو تلك الاستحالة.
أما الاحتمال الأول فمردود، إذ النطق بالساكن ابتداء بوصفه إمكانية صوتية أمر ليس متعذرا أو مستحيلا لا في الواقع أو التصور أو كليهما. كما لا نظن أن العربي في الماضي أو الحاضر يعجز جهازه النطقي عن أداء هذه الظاهرة الصوتية. وقد جاءت عبارة بعضهم بما يفيد إمكانية هذا النطق وبما يوحي بجواز وقوعه. يروي الصبان عن السيد الجرجاني والكافيجي أن النطق بالساكن في ابتداء الكلام "ممكن لكنه مُستثقَل"٢. بل هناك ما هو أوضح من هذا وأصرح، حيث ورد عن بعضهم ما يشير -بالنص- إلى وقوع
стр. 90
ذلك بالفعل في اللغة العربية. يروي الشيخ شمس الدين أحمد المعروف بديكنقوز أن "الابتداء بالساكن إذا كان مصوتا أعني حرف مد ممتنع بالاتفاق. وأما الابتداء بالساكن الصامت أعني غير حرف المد فقد جوزه قوم"١.
وهذا الذي ذكره هذا الشيخ لا يخلو من واحد من اثنين. فهو إما تجويز من المتكلمين "أو بعضهم على حد هذه الرواية" أي: وقوعه منهم. وهذا أهم شيء في الموضوع، إذ المتكلم -في نظرنا- هو مصدر القواعد اللغوية وأساسها الأول. وإما أنه تجويز من بعض العلماء. وهو احتمال يؤدي إلى النتيجة نفسها، إذ من المفروض -بل من المحتم- أن يستنبط العلماء قواعدهم من الواقع اللغوي المنطوق بالفعل.
ومعنى ذلك في الحالتين أن النطق بالساكن في ابتداء الكلام ظاهرة حقيقية وقعت في كلام الناس في فترة من تاريخ العربية. غاية الأمر أن بعض الدارسين استطاعوا بقوة ملاحظتهم ودقة حسهم أن يدركوا هذه الظاهرة الصوتية. على حين عجز آخرون عن هذا الإدراك، إما لصعوبة ذلك عليهم. أو لعيوب ترجع إلى ذوات أنفسهم. ولكن ذلك بالطبع لا يقدح في حقيقة الموضوع. وهي حدوث ظاهرة النطق بالساكن في ابتداء الكلام في العربية أو إحدى لهجاتها، كما تشير إلى ذلك تلك الرواية السابقة.
ولعلنا إذا رجعنا في التاريخ اللغوي قليلا إلى الوراء استطعنا أن نعثر على بعض الحقائق العلمية التي من شأنها أن تقوي هذا الادعاء الذي ندعيه أو هذا الافتراض العلمي الذي نفترضه.
تروي لنا كتب اللغة أن ظاهرة النطق بالساكن في أول الكلام ليست ظاهرة غريبة عن اللغات السامية، أو عن بعضها في أقل تقدير، إذا قصرنا
стр. 91
أدلتنا على المسجل منها بالفعل بالنسبة لهذه الظاهرة. يقرر الدارسون في حقل البحوث السامية أن اللغة السريانية عرفت النطق بالساكن في ابتداء الكلام وأن ذلك كان يحدث في سياقات تقابل مجموعة من المواقع اللغوية التي يقتضي بعضها وجود همزة الوصل في اللغة العربية والتي لا يقتضي بعضها وجود هذه الهمزة، كما تبين لنا ذلك من الأمثلة التالية:
والواقع أن ظاهرة النطق بالساكن في أول الكلام ليست مقصورة على التراث اللغوي القديم، بل هي موجودة كذلك في اللهجات العربية الحديثة المنتشرة في أرجاء الوطن العربي.
ففي لهجة لبنان مثلا "وبخاصة لهجة الدروز والقطاع الشمالي كله" توجد هذه الظاهرة في مجموعة من السياقات اللغوية، من أهمها:
стр. 92
١- كل سياق لغوي يقتضي وجود همزة الوصل في اللغة الفصحى١، على القول بوجودها، نحو: "ضروب" "فعل أمر = druub". نفتْح "فعل ماض = infatah".
٢- أول كل فعل مضارع ماضيه في الفصحى على وزن فعّل بتشديد العين "فيما عدا صيغة المتكلم حيث تحذف الهمزة نهائيا نحو: يوفق "ywaffaq".
٣- أول مضارع الفعل الأجوف الثلاثي "ما عدا حالة المتكلم حيث تحذف الهمزة نهائيا كالسابق" نحو نْروح "nruuh".
٤- أول كل كلمة هي اسم فاعل أو مفعول من الرباعي المضعف العين. مثل مجرب "mjarrib" موفق "mwaffaq".
وقد ارتبطت بهذه الظاهرة - ظاهرة النطق بالساكن ابتداء- ظاهرة أخرى يستحيل وقوعها في اللغة الفصحى بحسب ما نص عليه علماء هذه اللغة. تتمثل هذه الظاهرة في صورتين رئيسيتين هما:
١- وجود مقطع مكون من صوت صامت واحد consonant. أو ما يمكن أن يشار إليه بالرمز: c؛ "consonant = c"، ويكون هذا المقطع عادة في أول الكلمة نحو: ضروب "c/cvvc = d/ruub".
стр. 93
ولكن هذا النمط المقطعي الذي يبدأ بصامتين "cc" غير كثير الورود في هذه اللهجة، إنه مقصور على حال واحدة معينة. هي صيغة ما أصله "استفعل" وفروعها في اللغة الفصحى. على أن يكون عين الكلمة ولامها من جنس واحد، نحو ستْعِد، أو تكون عينها حرف مد نحو ستراح: "= c/ccvvc straah".
وظاهرة النطق بالساكن نلحظها كذلك في لهجة القاهرة. نحن لا ننكر أن هذه اللهجة قد احتفظت بهمزة الوصل في أماكنها التقليدية. بل نضيف إلى ذلك. فنقول: إننا نسمعها أحيانا من بعض المثقفين وأنصافهم كما لو كانت همزة قطع. ولكنا مع ذلك نلاحظ أن هذه اللهجة قد كونت لنفسها نماذج وأنماطا من الصيغ يبدأ أولها بصوت صامت ساكن أي: غير متبوع بحركة.
من أشهر هذه النماذج وأوضحها في نظرنا حتى الآن صيغ الفعل الماضي من الثلاثي الموزون على فَعِل "بفتح فكسر" في الفصحى، وذلك عندما يتصل هذا الفعل بضمائر الرفع المتصلة. يقولون:
فهم: fihim ولكن فْهمت: fhimt
وهذا يعني بالضرورة أن اللهجة القاهرية قد طورت لنفسها تركيبا مقطعيا من نمط جديد. هو "consonant = c" كما في: فهمت "c/cvcc = fhimt". وموقعه أول الكلمة. وهو نمط غير معروف في الفصحى إذا أخذنا بكل ما رآه علماء هذه اللغة من قواعد صوتية وصرفية.
стр. 94
كل هذا الذي قررنا إنما يمثل معالم على الطريق إلى تأكيد القول بإمكانية النطق بالساكن في ابتداء الكلام وإلى الاعتقاد بوقوع ذلك النطق في اللغة العربية أو في لهجاتها، في الأقل في بعض فتراتها التاريخية. وليس من البعيد أن تكون هذه اللغة أو لهجاتها قد خضعت فيما بعد لشيء من التطور، ظهر أثره في حدوث صوت في أول الكلمات التي كانت تبدأ بالساكن قبل وجود هذا الصوت الذي سماه علماء العربية "همزة الوصل".
وهذا الافتراض يقودنا إلى التفسير لقاعدتهم المشهورة: لا يجوز الابتداء بالساكن. هذا التفسير -بحسب فهمنا لكلامهم- هو أن النطق بالساكن في ابتداء الكلام لم يقع من أفواه العرب، وإنما الذي وقع في نطقهم بهمزة وصل اجتلبت للتخلص من هذا الممنوع في سياقات معينة.
ورأينا في هذا التفسير الثاني يتلخص في هذه العبارة: على فرض التسليم بصحة القول بأن العرب لم ينطقوا بالساكن في ابتداء الكلام، إننا نشك في أن يكون المنطوق في هذه السياقات المعينة همزة. ولا يغير من ظننا هذا وصفها بأنها للوصل أو لغيره. ويعتمد اتجاهنا في هذه القضية على مجموعة من الأدلة العلمية المستقاة من خبرتنا الصوتية ونطقنا الفعلي للغة العربية والمستنتجة من تصريحات علماء العربية ومناقشاتهم لهذه الهمزة ومشكلاتها.
إن هذا الصوت الذي يظهر في أول الكلمة نحو: "اضرب" و"استخراج" ... إلخ والذي يرمز إليه بالألف في الكتابة ليس همزة فيما نعتقد. إنه -على فرض وقوعه- نوع من التحريك الذي يسهل عملية النطق بالساكن. وهذا التحريك قد يختلط أمره على بعض الناس فيظنوه همزة، إذ إن هواءه يبدأ من منطقة صدور الهمزة وهي الحنجرة. ويبدو أن اللغويين العرب قد وقعوا في هذا الوهم، ولكنهم لما أدركوا أن صفات هذا "الصوت" تختلف
стр. 95
عن صفات ما سموه "همزة قطع" دعوا هذا "الصوت" الأول "همزة وصل"، إشارة إلى خاصة من خواصها، وهي "وصل ما قبلها بما بعدها عند سقوطها"١.
وحقيقة الأمر -في نظرنا- أن هذا "الصوت" الذي سمعوه في المواقع التي نصوا عليها إنما هو ذلك التحريك أو ما نفضل أن نسميه "الصُّوَيت" الذي يستطيع أن يؤدي تلك الوظيفة التي أرادها علماء اللغة وهي التوصل إلى النطق بالساكن.
أما أدلتنا على أن هذا "الصوت" ليس همزة "في الأقل في الأصل قبل تطوره إلى همزة أو ما يشبهها في أفواه العامة وأنصاف المثقفين" فكثيرة نجملها فيما يلي:
стр. 96
الدليل الأول:
طبيعة التكوين الصوتي للهمزة تناقض الغرض الذي من أجله جاءت همزة الوصل، وهو التوصل إلى النطق بالساكن، أو تسهيل هذه العملية، بعبارة أخرى، وقد جاء في كلامهم ما يفيد الإشارة إلى هذا الغرض من اجتلاب الهمزة، فيسميها الخليل مثلا "سلم اللسان"١، ويرى أن "الألف التي في اسْحنكك، واقْشعّر واسْحنفر، واسْبكر ليست من أصل البناء. وإنما أدخلت هذه الألفات في هذه الأفعال وأمثالها من الكلام لتكون الألف عمادًا وسلما للسان إلى حرف البناء، لأن حرف اللسان حين ينطلق بنطق الساكن من الحروف يحتاج إلى ألف الوصل"٢.
стр. 97
فألف الوصل إذن "صوت" جيء به لتسهيل النطق بالساكن الذي هو الأصل، لكن عدل عنه لصعوبته. وما كانت الهمزة -بوصفها همزة أو وقفة حنجرية- سلما أو تمهيدا إلى النطق بالساكن. إنها على العكس من ذلك، فهي حاجز ومانع في حقيقتها obstacle، وفي نطقها صعوبة ظاهرة تناقض استخدامها للتسهيل والتيسير.
وتسميتها همزة الوصل لا يناقض هذه الحقيقة. فهي همزة وصل، لا لأنها سهلة في النطق، أو لأنها تختلف -في النطق منعزلة- عما سموه همزة قطع. وإنما لأنها لا تسمع في درج الكلام، أو لأنها تصبح "لا شيء" من الناحية الصوتية في الكلام المتصل. وهذه ظاهرة صوتية فنولوجية phonological feature تَعْرِض لغيرها من الأصوات وبخاصة الحركات في وصل الكلام word-junction.
стр. 98
الدليل الثاني:
كون "ألف الوصل" همزة يوقعنا فيما أردنا التخلص منه. فالهمزة -وحدها- صوت ساكن خال من الحركة. فكيف إذن نبدأ بالساكن على حين نريد التخلص منه؟
لقد تنبه إلى هذا التناقض بعض الأذكياء منهم، كابن جني وغيره من اللغويين. فتساءلوا: أجاءت همزة الوصل ساكنة ثم حركت؟ أم أنها جاءت متحركة؟ اختلفت الإجابات عن هذا السؤال وتنوعت إلى اتجاهين:
أحدهما: يذهب إليه ابن جني وهو أن همزة الوصل "حكمها أن تكون ساكنة لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب. وهي في أول الحرف "يعني الكلمة" كالهاء التي لبيان الحركة بعد الألف في آخر الحرف في: وا زيداه، ووا عمراه ووا أمير المؤمنيناه. فكما أن تلك ساكنة فكذلك كان ينبغي في الألف "يعني همزة الوصل" أن تكون ساكنة. وكذلك أيضا نون
стр. 99
التثنية ونون الجمع ونون التنوين، هؤلاء كلهن سواكن. فلما اجتمع ساكنان، هي والحرف الساكن بعدها، كسرت لالتقائهما؛ فقلت: اضرب، اذهب. ولم يجز أن يتحرك ما بعدها لأجلها. من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي أيضا في أول الكلمة ساكنة، فكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك، يقع الابتداء به. فلذلك حركت هي دون ما بعدها"١. وقد تبع ابن جني في رأيه هذا كل من الرضي وابن الحاجب، على ما يروي ابن كمال باشا٢.
ويبدو أن ابن جني قد تأثر برأي أستاذه أبي علي الفارسي في ذلك، يروي الصبان عن السيوطي في الهمع أن البصريين اختلفوا في كيفية وضع همزة الوصل، "فقال الفارسي وغيره: اجتلبت ساكنة، لأن أصل المبني السكون، وكسرت لالتقاء الساكنين"٣.
ويرى شمس الدين أحمد صاحب أحد شرحي المراح أن هذه الكيفية لوضع الهمزة تمثل رأي الجمهور، فهي -عندهم- اجتلبت ساكنة "لما فيه من تقليل الزيادة، ثم لما احتيج إلى تحريكها حركت بالكسرة لأنه أصل في تحريك الساكن"٤.
ثانيهما: يرى أصحاب هذا الاتجاه أنها اجتلبت متحركة "لأن سبب الإتيان بها التوصل إلى الابتداء بالساكن فوجب كونها متحركة كسائر الحروف المبدوء بها". وهذا رأي جماعة من البصريين على ما يفهم من كلام الصبان٥، كما هو رأي ابن كمال باشا الذي يرفض اتجاه ابن جني السابق، ويذهب إلى أن ما قرره أبو الفتح "باطل لأنه يلزم العود إلى المهروب عنه. وهو الهروب عن
стр. 100
حرف ساكن إلى حرف آخر ساكن مثل الأول". وعنده أن "الحق زيادتها متحركة لئلا يلزم المحظور"١.
وهذا الخلاف يمثل -في رأينا- اضطرابا حقيقيا في إدراك كنه الصوت المجتلب لتسهيل عملية النطق بالساكن. ومن ثم عجزوا عن تحديده بالدقة: أهو الهمزة وحدها؟ أم الهمزة متلوة بحركة؟ والقائلون بالهمزة وحدها أحسوا بصعوبة جديدة تقابلهم عند افتراضهم هذا، إذ إن ذلك يقتضي الوقوع فيما أرادوا التخلص منه وهو البدء بالساكن. ولهذا تحايلوا على الموضوع بافتراض آخر، هو تحريك هذه الهمزة بعد اجتلابها.
وعندنا أن مجيء الصوت ساكنا أولا ثم تحريكه ثانيا عملية عقلية افتراضية، لجأ إليها اللغويون لتسويغ قواعدهم وتصحيح مبادئهم. أما المتكلم -وهو أهم عنصر في الدرس اللغوي- فلم يسلك هذا المسلك الذي يتضمن وقوع النطق على مراحل، والذي يعني كذلك أن هذا المتكلم كان يشغل نفسه بالتفكير في هذه القضية قبل النطق. إنه نطق هذا الصوت إما ساكنا -وبهذا يقع هؤلاء اللغويون فيما أردوا الهروب منه- وإما متحركا وبذا يلتقي هذا الرأي مع الاتجاه الثاني القائل بزيادة الهمزة متحركة من أول الأمر.
ومعنى ذلك في الحالتين أن المزيد حينئذ صوتان لا صوت واحد. أحدهما الهمزة والثاني الحركة التالية لها. وهذا الافتراض -وإن أمكن تصديقه عقلا- يبعد أن يكون قد وقع في حقيقة الأمر. إننا عندما نمارس نطق هذه الصوت الذي افترضوه وسموه همزة الوصل لا نحس بهذه الثنائية. وإنما نشعر بصوت واحد أو "بصويت" هو أقرب ما يكون إلى نوع من التحريك، يعتمد عليه اللسان حتى يصل إلى الساكن بعده، على ما يفهم من رأي الخليل الذي أشرنا إليه سابقا.
على أن هذا الافتراض نفسه قد واجه اللغويين بصعوبة أخرى اضطرتهم إلى الدخول في مناقشات جديدة، كان يغني عنها النظر في الموضوع من زاوية الواقع بدلا من الافتراض والتأويل. تلك الصعوبة تتمثل في تحديد نوع الحركة التي تصاحب الهمزة.
стр. 101
الدليل الثالث:
يبدو أن إجماعهم قد انعقد على أن الكسرة هي الأصل في تحريك همزة الوصل، أما اختيار الكسرة بالذات، فلأنها هي "الأصل في التخلص من التقاء الساكنين" أو لأنها أحق الحركات بها، لأنها "أي: الكسرة" راجحة على الضمة بقلة الثقل، وعلى الفتحة بأنها لا توهم استفهاما"١.
وهذه التعليلات التي قدموها لتفضيل الكسرة على غيرها تعليلات واهية في نظرنا ولا نستطيع أن نسلمها لهم، فالحركة التي يأتي بها العربي عند التقاء الساكنين ليست في نظرنا كسرة وإنما هي نوع من التحريك الذي لا ينحاز إلى أي من الحركات الثلاث: إنه صويت جيء به لتسهيل النطق بالساكنين المتتاليين، ويمكن تسميته حركة من باب المجاز فقط ويسمى في اللغة الإنجليزية prosthetic vowel. وليس لنا بحال أن نعد هذه الحركة أو هذا التحريك -بعبارة أدق- جزءا من نظام الحركات في اللغة العربية، إذ هو يختلف من ناحية النطق ومن ناحية التوزيع الصوتي في اللغة phonetic distribution عن بقية الحركات اختلافا بينا.
ثم لنا أن نسأل: لم كانت الكسرة بالذات هي الحركة المفضلة عند التقاء الساكنين؟ يجيب بعضهم عن هذا التساؤل إجابات لا تعدو أن تكون افتراضات عقلية أو تخمينات نظرية لا أساس لها من الواقع. يقول المولى شمس الدين أحمد:
стр. 102
وإنما جيء بالكسر لتحريك همزة الوصل "لأنه أصل في تحريك الساكن، لأنه أبعد حركات الإعراب عن الإعراب لامتناع دخوله في قبيلين من المعربات وهما المضارع وما لا ينصرف، ودخول أخويه في المعربات كلها. فلما احتيج إلى التحريك حركت بما هو أقل وجودًا في الإعراب وأكثر شبها بالسكون الذي وجد في بعض المعربات دون بعض، ولأن السكون والجزم عوض في الفعل من الكسرة في الاسم فعوض الكسر من السكون أيضا، ولأن وقوع اجتماع الساكنين كثير في الكلام بشهادة الاستقراء وللأفعال منه القِدْحُ المُعلَّى، وناهيك -نوعا- الأوامر من الأفعال المشددة الأواخر وما ينجزم منها بأنواع الجزم، وعندك أن للأكثر حكم الكل فتقدمت الأفعال في اعتبار اجتماع الساكنين والاحتياج إلى التحريك. ومعلوم أن لا مدخل للجر في الأفعال؛ فأفادت الكسرة الخلاص من اجتماع الساكنين، وذلك ظاهر، وكون الكسرة طارئة بكم المقدمة المعلومة، بخلاف اختيها فإنهما تفيدان الخلاص فقط والمفيد لفائدتين أولى بأن يكون أصلا، فالكسر أصل في تحريك الساكن"١.
وهكذا نرى أن هذا النص مشحون بالافتراضات الذهنية التي تتضمن قضايا منذرة بالخطر، ما كان ينبغي لها أن تلقى بهذه السهولة إلى القارئ دون التأني والتعمق في البحث عن حقيقتها، وكل افتراض من هذه الافتراضات قابل للنظر والمناقشة، بل للرفض كذلك.
فالادعاء بأن الكسر أقل وجودًا في الإعراب من أخويه "الضم والفتح" مبني على النظر في عدد الأبواب التي تدخلها هذه الحركة أو تلك. ونحن هنا لا ننظر إلى الأبواب التي هي من صنع اللغوي، وإنما ننظر إلى الواقع اللغوي المنطوق، أي: إلى الأمثلة الفعلية التي يمارسها المتكلم والتي تندرج تحت هذه الأبواب. وفي ظننا أن المعرب بالكسرة في هذه الأمثلة الفعلية لا يقل -إن لم
стр. 103
يزد -عما كان حظه الإعراب بالضمة أو الفتحة منفردة. على أنا نستطيع -على طريقتهم- أن ندعي أن هذه القلة تنطبق على الفتحة كذلك، إذ هي لا توجد إلا في بابين، هما جمعا التصحيح: جمع المؤنث السالم وهذا ظاهر، وجمع المذكر السالم الذي ينصب ويجر بالياء، أي: بالكسرة الطويلة في نظرنا، ولا وجود للفتحة فيهما.
أضف إلى هذا أن مسألة الكثرة والقلة في الوقوع مسألة تستدعي إحصاء شاملا لكل الأمثلة، ولا يمكن الاعتماد على التخمين فيها، فإذا ما تم هذا الإحصاء ربما ساغ لنا هذا الادعاء ونحوه. وحتى فيما لو ثبت أو صح أن الكسرة أقل وقوعا في الإعراب فلسنا -مع ذلك- نرى أن هذا الأمر يصلح مسوغا لتفضيلها على أختيها، إذ لا ارتباط بين الجهتين.
أما تشبيه الكسر بالسكون في قلة الوقوع بالمعربات ففيه مغالطة واضحة، إذ ما الداعي إلى قصر وجه الشبه على الوقوع في المعربات دون المبنيات!! لا نظن أن هناك سببا غير التمحل والتحايل على الأمور لتسويغ افتراضاتهم.
على أن هذا التشبيه يثير الدهشة في نظر القارئ، إذ هو على عكس المألوف المتعارف فيما بينهم. هذا المتعارف هو تشبيه الفتحة "لا الكسرة" بالسكون للخفة في كل منهما. وهذه الخفة -وهي وجه الشبه هنا- أولى بالأخذ في الحسبان في قضيتنا هذه، لأن المسألة كلها من بدايتها إلى نهايتها ترتبط بموضوع تسهيل النطق وتيسيره. أما كانت الفتحة إذن أولى من الكسرة في ذلك؟!
ومن طريف ما ذكروا أن اختيار الكسرة بالذات إنما جاء عن طريق العوض. فالسكون أي: الجزم خاص بالأفعال دون الأسماء: على عكس الكسرة في ذلك. فكان من العدل في نظرهم -على طريق المقاصة- أن
стр. 104
يعوض الكسر من السكون "فيدخل الأفعال". ولما استشعروا أن الكسر "للتخلص من التقاء الساكنين" لا يقتصر على الأفعال. سوغوا هذه المقاصة بأن "للأفعال القدح المعلى" من ظاهرة اجتماع الساكنين التي تستدعي وجود الكسر، ومعلوم أن "للأكثر حكم الكل".
وبهذا التعليل الذي قدموه وسجلوه في النص السابق، كانت الكسرة في نظرهم هي الأصل عند التقاء الساكنين، ومن ثم كانت الأصل كذلك في تحريك همزة الوصل، وهو تعليل واه ضعيف، لا يفضل التعليل الثاني الذي قدموه لتفضيل الكسرة على الضمة. فالكسرة في نظرهم أولى من الضمة لخفتها أو "لقلة ثقلها" في النطق. وهذه -في رأينا- مسألة تختلف فيها أذواق الناس. وما كانت أذواق الناس في يوم من الأيام أساسا للحكم الموضوعي على الأشياء أو أساسا لوضع قواعد اللغة وتقنينها. إن النظر العلمي الموضوعي لا تعنيه بحال مسألة الصعوبة والسهولة لاعتمادها على الذاتية وتأثرها بالرأي الفردي.
أما التعليل الثالث وهو إيثار الكسرة على الفتحة حتى "لا توهم استفهاما" فهو يدل على جهل بحقائق الأمور، إذ شتان بين همزة الوصل وهمزة الاستفهام، فالأولى لها خواصها بوصفها للوصل والثانية همزة قطع لها صفاتها ومميزاتها التي تختلف عما استقر للأولى، وينطبق هذا على النطق وعلى ما يعرض لكل منهما في سياق الكلام المتصل، على نحو ما قرره علماء العربية أنفسهم. أضف إلى هذا أن همزة الاستفهام لها سياقات لغوية معينة يدركها من له أدنى خبرة بخواص "المنطوق" الاستفهامي، حيث يتميز هذا المنطوق بصفات صوتية، منها التنغيم "أو موسيقا الكلام" وأنماطه. ومنها ما يسبقها أو يلحقها من كلام، وهناك أخيرا -وليس آخرا- المقام الذي يعين الباحث على تحديد الظواهر اللغوية المختلفة.
стр. 105
وبهذا كله تبين لنا أن تعليلاتهم التي ذكروها لاختيار الكسرة بالذات ولتفضيلها على أختيها في حال التقاء الساكنين وتحريك همزة الوصل ادعاءات لا يؤيدها الواقع اللغوي، أو منطق البحث العلمي الصحيح، ويبدو أن الكوفيين كانوا أكثر توفيقا من غيرهم حيث نصوا على أن كسرة همزة الوصل في نحو "اضرب وضمها في اسكن" إنما جاء "اتباعا للثالث"١، فالكسر إذن ليس مفضلا لذاته، وإنما لسبب صوتي واضح، وهو تعليل جيد يدل على تذوق وفهم.
وهذا الذي رآه الكوفيون ذو أهمية خاصة في هذا المجال، إذ هو يقودنا إلى حقيقة الموضوع. وهي أن هذا الصوت الذي سمي همزة وصل لا يعدو أن يكون نوعا من التحريك ينحو نحو الحركة التالية له في الكلمة. وربما يدل على هذا ما أحس به بعض النابهين من أن حركة همزة الوصل لها حالات متعددة يلاحظ فيها أو في أغلبها أنها تناسب نوع الحركة التالية لها وتوافقها في بعض خواصها. يقول الأشموني:
"اعلم أن لهمزة الوصل بالنسبة لحركتها سبع حالات: وجوب الفتح وذلك في المبدوء بال، ووجوب الضم وذلك في نحو: اُنطلق واُستخرج مبنيين للمفعول٢، وفي أمر الثلاثي "المضموم العين" في الأصل٣، نحو: اُقتُلْ واُكْتُبْ، بخلاف امشوا وامضوا، ورجحان الضم على الكسر وذلك فيما عرض جعل ضمة عينه كسرة نحو: اُغزي، قاله: ابن الناظم. وفي تكملة أبي علي أنه يجب إشمام ما قبل ياء المخاطبة وإخلاص ضمة الهمزة. وفي التسهيل: أن همزة الوصل تُشَمُّ قبل الضم المشم. ورجحان الفتح على الكسر
стр. 106
وذلك في: "ايمن وايم". ورجحان الكسر على الضم وذلك في كلمة: اسم، وجواز الضم والكسر والإشمام وذلك نحو: اختار، وانقاد مبنيين للمفعول، ووجوب الكسر وذلك فيما بقي وهو الأصل"١.
ومعنى هذا أن حركة همزة الوصل في جميع الحالات -باستثناء حالتي ال وايمن "وايم لغة فيها"- روعي فيها أن تكون متناسبة في النوع وأكثر الصفات مع الحركة التالية لها في الكلمة، سواء أكان ذلك بحسب أصل الكلمة أم بحسب الصورة التي توجد عليها. وفي هذا السلوك الصوتي الذي تسلكه هذه الحركة ما ينهض دليلا آخر على ما افترضناه من عدم وجود همزة وصل وتأكيد ما ادعيناه من وجود تحريك أو "صُوَيْت" تبدأ به الكلمة في مكان الهمزة التي أوجب اجتلابها علماء العربية. وهذا الصويت هو الذي يتشكل بشكل الحركة التالية له.
стр. 107
الدليل الرابع:
يبدو لنا أن هناك إحساسا من نوع ما بين اللغويين العرب بأن ما سموه همزة وصل ليس إلا "نقلة" حركية تختلف في طبيعتها وصفاتها عن كل من الأصوات الصامتة consonants والحركات vowels. يتمثل هذا الإحساس في جملة من تصريحاتهم ومناقشاتهم المتناثرة هنا وهناك في التراث اللغوي. من ذلك مثلا وصفهم للهمزة بأنها "للوصول" أو "الوصل".
أما الأول: "وهو كونها للوصول أو التوصل" فمعناه أنها تساعد المتكلم وتوصله إلى النطق بالساكن. وما كانت الأصوات الصامتة في رأيهم -باستثناء الهمزة- وسيلة أو موصلا سهلا إلى هذا الهدف. أما الهمزة -وهي ما خرجت عن هذه القاعدة في نظرهم- فنحن نشك في قيامها بهذه الوظيفة كذلك، إذ هي الأخرى صوت صامت له صفات الصوامت وخواصها.
стр. 108
فما ينطبق على هذه الصوامت ينطبق عليها، لاتحادها جميعا في المميزات الأساسية التي سوغت جمعها وضمها بعضها إلى بعض تحت باب واحد، هو باب الأصوات الصامتة. أما ما قد يدعيه بعضهم من أن الهمزة تنفرد ببعض مميزات معينة، كالتسهيل أو التخفيف أو الحذف إلخ فهو مردود بأن هذه الظواهر وغيرها ظواهر مستقلة، لا تنسب إلى الهمزة، وإنما تنسب إلى نفسها بوصفها أحداثا لغوية ذات كيان خاص وقعت في سياقات أو لهجات معينة، تقابلها سياقات أو لهجات أخرى تظهر فيها الهمزة.
أضف إلى هذا أن الهمزة بطبيعة نطقها -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- تناقض غرض التسهيل والتيسير في النطق. وهو الغرض الذي من أجله أوجبوا اجتلاب همزة الوصل، وقد أحس بهذا الذي نقوله بعض المدققين منهم. يقرر ابن كمال باشا أن الهمزة قد تخفف "لأنها حرف ثقيل، إذ مخرجه أبعد من مخارج جميع الحروف لأنه يخرج من أقصى الحلق. فهو شبيه بالتهوع المستكره لكل أحد بالطبع"١.
ولا يعترض على هذا بأن المقصود بهذا النص همزة القطع لا الوصل، إذ لا فرق عندنا في النطق بين الهمزتين، فالهمزة في كل الحالات همزة، وما الفرق بينهما إلا ظاهرة السقوط في درج الكلام لهمزة الوصل على الرأي القائل بوجودها. ولكن هذا السقوط ظاهرة سياقية contextual feature تخضع لظروف صوتية مختلفة، وقد تعرض لأصوات أخرى غير الهمزة، ومن أخصها الحركات.
والثاني: "وهو كونها للوصل" معناه أنها تصل ما قبلها بما بعدها لسقوطها في درج الكلام، وهذه الخاصة -في رأينا- تناسب الحركات، فهي التي تخضع لكثير من الظواهر الصوتية، كالتقصير والتطويل والحذف إلخ،
стр. 109
وهي التي تؤهلها طبيعتها لوصل الكلام. ونحن نعلم علم اليقين أن العربية تقرر وجوب وصل الكلام عند إظهار الحركات في أواخر الكلمات، وذلك مفهوم من قاعدتهم المشهورة: "لا يوقف على متحرك"؛ إذ معناه -بمفهوم المخالفة- وجوب الوصل عند التحريك.
ولسنا مع ذلك ندعي أن هذا الصوت الذي سموه همزة وصل حركة، وذلك لسببين:
أولهما: أن ذلك الصوت الذي يبدأ به النطق في نحو: "اضرب" و"اكتب" ليست له صفات الكسرة أو الضمة وخواصهما١. وذلك واضح تمام الوضوح لكل من له دراية بطبيعة هاتين الحركتين وطريقة تكوينهما في النطق الفعلي.
أما السبب الثاني: الذي يمنع افتراض كون هذا الصوت حركة فهو أن التركيب الصوتي للغة العربية يمنع ابتداء النطق بالحركات. وهذا يتمشى مع القانون الفنولوجي العام phonological rule لهذه اللغة: وهو عدم وقوع أي مقطع بها يبدأ بحركة.
وقد أدرك هذه الحقيقة بعض لغويي العرب، حيث نصوا على أن "الابتداء بالساكن إذا كان مصوتا أعني حرف مد ممتنع بالاتفاق. وأما الابتداء بالساكن الصامت أعني غير حرف المد فقد جوزه قوم. ولا شك الحركات أبعاض المصوتات ... فكما لا يمكن الابتداء بالمصوت لا يمكن الابتداء ببعضه. ويمكن الابتداء بالصامت الساكن، فيجوز أن يقدم الصامت الساكن على الحركة، ولا يجوز أن تقدم الحركة على الحرف، وإلا يلزم الابتداء بالساكن الممتنع اتفاقا"٢.
стр. 110
على أن القول بوجوب تحريك هذه الهمزة -قبل اجتلابها أو بعده- يقتضي سقوط صوتين لا صوت واحد في درج الكلام، هما الهمزة وحركتها كما يظهر في المثالين التاليين:
وإذا كانت همزة الوصل تتحمل الحركات -كما رأوا هم- فمعناه أنه صوت صامت consonant، له صفات الأصوات الصامتة، شأنها في ذلك شأن همزة القطع التي لم يختلفوا على كونها من هذه الأصوات. وقد جاء في كلامهم ما يؤيد هذه الحقيقة، حيث صرحوا بأن "حكم الهمزة كحكم الحرف الصحيح في جميع الأحكام"١ وفي عبارة بعضهم أن "حكم الهمزة كحكم الحرف الصحيح في تحمل الحركات"٢.
ومتى ثبت أن همزة الوصل كهمزة القطع في كونها من الأصوات الصامتة وفي كونها تتحمل الحركات مثلها، كان من الواجب إعطاؤها