الطبعة الأولى ١٤٤٠ هـ
المملكة العربية السعودية - جدة
أحمد عبد العزيز قشوع، ١٤٤٠ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
قشوع، أحمد عبد العزيز الشيخ محمد
تأملات في السور والآيات/ أحمد عبد العزيز الشيخ محمد
قشوع - جدة، ١٤٤٠ هـ
١٦٩ ص؛ سم
ردمك ٤ - ٠٦٧٩ - ٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨
١ - القرآن - مباحث عامة أ- العنوان
ديوي ٢٢٩
٨١٤٦/ ١٤٤٠
رقم الايداع: ٨١٤٦/ ١٤٤٠
ردمك ٤ - ٠٦٧٩ - ٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨
стр. 3
المقدمة
стр. 4
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله (١)
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢)
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤)
وبعد،
فبدايةً علينا أن نفهم ونعي أن القرآن الكريم أُنزل رحمةً للعالمين، بمعنى أنه لم ينزل لطائفة معينة، ولكن للجميع، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ
стр. 5
نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (١) يقول الإمام ابن كثير يرحمه الله: (مخاطباً جميع الناس) (٢)، فلفظ الناس هو من الألفاظ العامة في القرآن الكريم في الأصل.
إن هذا الكتاب الذي بين يديك محاولة لتسليط الضوء على بعض الفوائد المستنبطة من آيات كتاب الله الحكيم، وجدتها بعد تدبر وتفكر من مجتهد مقصر، ولكنه أحب القرآن
والهدف من تأليفه وكأنه درس يتعلم فيه لمعنى التدبر وكيفية الوصول لهذه المرحلة، أكثر من أنه كتاب يسترسل لكثير من الفوائد.
وجعلت أكبر همي أن أسلط الضوء على علم المناسبات (٣) بين السور والآيات، وأن يكون هذا الربط واضحًا جليًّا للقارئ مفهومًا له، متوسعًا فيه ... فلماذا؟ هذه الآية جاءت بعد تلك، ولماذا الآية تلك أتت بعد الآية التي سبقتها؟
وسبب اهتمامي بهذا العلم، لأنه يعطي انطباعًا للمتدبر ــ ولا أقول للقارئ ــ لتسلسل مواضيع القرآن الكريم،
стр. 6
وترابط آياته، مما يجعل الإنسان يتشوق لدراسته، وتتبع مناسباته، والاجتهاد في معرفة معنى الآيات، فيزداد حبه لهذا الكتاب العظيم، فيكون لديه الشغف لمعرفة المزيد، بل ولا يسأم من ذلك بتاتًا، مصداقًا لقوله ﷺ في دعائه: (أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري) (١).
وكتاب الله جميعه كأنه آية واحدة هي شريعة الله (٢) من التصاقه ببعضه، والقراءة العادية ــ مع أهميتها ــ لا توصل للهدف المنشود، وقد اهتم السابقون جل الاهتمام بعلم المناسبات، وألفوا فيه المؤلفات؛ قال بعضهم عنه: إنَّ حَقًّا على الْمُفَسّر أَن يتطلب مناسبات لمواقع الْآيَات، مَا وجد إِلَى ذَلِك سَبِيلًا (٣).
ويقول الرازي يرحمه الله: (إني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منبهين لهذه الأسرار) (٤).
ويقول أيضًا: أكثر لطائف القرآن مودَعة في الترتيبات والروابط (٥).
стр. 7
وقال الزركشي: واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول (٣).
وقال البقاعي مبينًا فائدة جليلة من فوائد معرفة هذا العلم: "وبهذا العلم: يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب" (٤).
ولا أحدثكم عن كم السعادة والفائدة التي جنيتها بتدبر كتاب الله، ويا لها من تجربة فريدة ونادرة، راجيًا من الله أن يكون لكل مسلم نصيب منها.
وما أجمل ذلك الشعور الذي أشعر به وهو أنه العظيم الكريم الرحمن الرحيم منزل القرآن عندما نعلم أنه لا يحرمنا من هذا الكتاب العظيم بتقصيرنا ومعاصينا وبُعدنا، بل وييسر لنا قراءته ودراسته فله الحمد والمنة، فأبوابه مفتوحة للسائلين.
واستقيت منهجي ممن سبقني من أهل العلم والمعرفة من قواعدهم وفوائدهم.
стр. 8
ومن الطرق التي سلطت عليها الضوء في هذا الكتاب طريقة التدبر في المسألة المشار إليها، فما هي الفوائد التي سوف تستنبط من المشار إليه في الآيات؟ ، وفي نفس الوقت ما هي الفوائد التي تستنبط من توجيه الخطاب للقارئ أو السامع (المخاطب)؟ فإن شأن التدبر كبير، وقواعده كثيرة في كتاب الله العظيم، وبينَّا هذا في الوقف على قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه)، وما قبله في فوائد من البسملة في بداية الكتاب.
والوقفات التي في مؤلفي هذا، عبارة عن لطائف قصيرة وخفيفة، إلا في بعض المواضع، فآثرت فيها البسط والتوسع لأهميتها ولندرة الفائدة فيها.
وتدبر القرآن متشعب جدًّا، ولا يظن الظان أن آيات الكافرين هي للكافرين فقط، وآيات المنافقين هي للمنافقين فقط، بل إن المؤمنين معنيون ببعض الآيات حتى تكون لهم تحذيرًا وتنبيهًا، والنظر في عبر من كان قبلهم.
وهناك ما لفت نظري وانتباهي ألا وهو موضوع الرؤية القلبية في سورة البقرة فاستطردت فيه أتأمل سِيَّمَا أنني لم أجد من يتكلم عنه من قبل كما ذكرته ــ ولا أدعي الكمال ــ ولكن هي نظرة
стр. 9
متأمل في كتاب الله فأفردت له فصلًا لعله يفي ببعض ما أريد .. ولعله نقطة انطلاقة لدارس آخر يفتح الله عليه ما لم يفتح لعباده من قبل، فسبحانه له الفضل والمنة.
وسوف تلاحظ ــ أخي القارئ ــ في هذا الكتاب الذي أسأل الله أن يجعله مباركًا أنني قد أطلتُ في شرح المقدمات للسور والرابط بين الفاتحة والبقرة وليس هذا في باقي فصوله.
وكوني آتي بالجديد في مؤلفاتي لا يعني هذا أنني لا أقنع برأي علماء التفسير الأجلاء، ولكن لدي قناعة قوية أنه كان لديهم الكثير الذي أرادوا كتابته والإبحار فيه لكن الأعمار تفنى ولا تفنى الفوائد من كتاب الله العلي العظيم سبحانه، وقناعة مني بأن المفسرين الأوائل لولا الله ثم هم لما توصلنا لأقل الفوائد، ولكن لعلهم كثفوا جهدهم للتأسيس والتأصيل، وبالكاد يكفي العمر لمثل هذا، وها هم رحلوا عن الدنيا وهم ... ما زالوا يتمنون أنهم بذلوا أكثر من جهدهم، هذا رغم أنهم لا يستطيعون، وهذ معروف عن السلف يرحمهم الله، قال عبدالرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا (١).
стр. 10
ولا أفسر كل آية؛ فتجدني أقف بعض الوقفات التي فتح الله عليَّ بها بفضله ومنه وكرمه.
وإن محاولتي لمعرفة معنى أو تفسير آية لا يعني هذا أنني انتهيت من تفسيرها ومعرفة كيانها، ولكن لعلي اقتربت أكثر من معناها لأن القرآن لا تنفد معانيه ...
لماذا كل هذا؟
الراحة والانبساط، مما يحصل للبعض عندما ينتقل من مكان لآخر أو من بلد لآخر يظن أنه غادر من عالمه إلى عالم آخر.
وهذا الأمر غير صحيح وترجمة ما حصل آنفًا، هو أنك انتقلت من مكان إلى آخر في نفس العالم الذي تعيش فيه، عالم الحياة والواقع، بينما أن الراحة والسعادة الحقيقية هي ليست في عالمنا إطلاقًا فهذه الحياة جبلت على الكدر مهما حصل.
إن خروجك الحقيقي من هذا العالم هو الراحة الحقيقة ...
كيف أخرج من هذا العالم؟
هناك عوالم كثيرة (١) حولنا ... منها ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ عالم القرآن؛ فالقرآن كتاب منزل من السماء، فهو
стр. 11
منزل من عالم آخر ليس من عالمنا عالم الأرض ... لذلك إذا عشنا مع القرآن ندخل في عالمه ونخرج من عالمنا حقيقة ... فإذا تدبرناه وكأننا لا ندرك ما حولنا لأننا أصبحنا في عالمه.
وأذكِّر إخواني وأحبابي القراء الكرام بأن كتاب الله هو الكتاب الوحيد الذي سيكون معنا في الآخرة من الكتب التي كانت معنا في الدنيا: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها) (١).
وكلما حاولت أن أُشبع الموضوع من أكثر من جانب لا أستطيع فأعجز عجزًا شديدًا لأن كتاب الله لا تنتهي عجائبه، فالوقوف مع الآيات على ما يتطلب من علم له علاقة وطيدة بالفتح الرباني النابع من التأصيل الصحيح على منهج النبوة، وهناك أمور كثيرة في الوحي مهما درسناها وفكرنا فيها سيكون فيها جانب خفي عنا، وهذا من خصائص شريعتنا السمحة.
وكما تجدون أن المفسرين في أحايين كثيرة يسرد أحدهم أكثر ممن سبقه في تفصيل الآيات، وهكذا، وكل هذا
стр. 12
حتى نتيقن أن تفسير القرآن يحتاج للنظرة الروحية مع العلمية، وليست العلمية فقط، فكم من مفسرٍ كان في كلامه نفحات إيمانية من الصعب قياسها على علمٍ نظري، إلا أنه كان لديه من التجليات والإيمانيات مما فتح الله به عليه.
стр. 13
الفصل الأول
بين البسملة وفاتحة الكتاب
стр. 14
البسملة
أول آية في القرآن الكريم
стр. 15
ومن معانيها: أنه إيمانًا منا أن القرآن من عند الله وهو كلامه جل وعلا فنقول بسم الله بمعنى: (بسم) الذي أنزل هذا القرآن وهو الله ﷻ .
وفي الجاهلية كانوا يكثرون من قول (بسم اللات)، و (بسم العُزَّى)، فجاء القرآن الكريم ردًّا عليهم فبدأ ببسم الله (١)، فكثير من آيات القرآن هي رد على ما كان يفعله المشركون مما يخالف شرع الله.
стр. 16
وبسم الله؛ فيها من الفوائد الكثيرة منها ما هو للمخاطب (الجميع)، ومنها ما يكون للمسمى به وهو (الله) ، والمخاطب فيها ماهو للمؤمنين، ومنها ما يكون للكافرين؛ فمثال استخدامها للرد على الكفار: بمعنى كما أنكم كنتم تسمون باللات والعزى، فالله يوجه عباده أن يسموا به وهي تحدٍّ لهم، وإظهار لمخالفتهم لشرعه، وأن الله هو المعبود، وآلهتهم باطلة وكذلك إثباتاً للشيء الصحيح، وفيها أن الله شأنه عظيم، وأن له أسماء كثيرة من عظمته سبحانه (فالأسماء الكثيرة دلالة على عظمة الأمر وهذا معلوم في لغة العرب).
ومثل استخدامها للمؤمنين ما ذكرناه مفصلًا في مبحث: البسملة قاعدة من قواعد الاتزان في الحياة ..
стр. 17
المبحث الأول
البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم)
стр. 18
ما عليه القول أن البسملة (١) هي آية من القرآن الكريم (٢)، وهي أول آية في هذا الكتاب العزيز الحكيم والنسخة التي بين أيدينا من المصحف الشريف فيها أن البسملة هي الآية الأولى من الفاتحة، (وذلك عند عدد من القراء الذين يعدونها آية).
بل العجيب أن البعض جعلها سورة قصيرة من سور القرآن؛ ولا شك أن في هذا تنطع زائد ولا دليل عليه (٣).
والبسملة جملة من عدة كلمات اعتاد اللسان على قراءتها، ولكن فيها من الأمور ما هو كثير وعظيم، ولن نستطيع أن نقف على كل ما فيها من عظيم قدرها.
стр. 19
فعلى سبيل المثال، لو وقفنا على حرف الباء، ذلك الحرف الصغير الذي جاء قبل كلمة اسم قد ألفت فيه مؤلفات ومباحث (١) ــ ولا غرابة، فكل حرف من حروف القرآن الكريم عظيم، وله معنى ومغزى ــ ولكن أغلب الشراح نهجوا نهج النحاة وأهل البلاغة وتركوا الفوائد الإشارية، والتي هي من منابع تدبر القرآن الكريم والقيمة الروحانية في تدبره. وحتى نكون على طرح متزن فأيضًا بعض التفاسير الإشارية أخذت منحىً آخر، لكنه غير صحيح (٢)، وبعيدًا جدًّا عن التدبر القويم، وليس هذا مجال بحثنا.
وعن البسملة لك أن تعلم ما هو قدر عظمتها بقدر أن لها كثير من الوظائف، وكل ما في الأمر أننا نحتاج إلى التدبر حتى نكون أفضل مما نحن عليه في فهم آيات الله ..
стр. 20
احتوت جملة البسملة على ثلاثة أسماء (١) لله ويسبقها كلمة (اسم) المبتدئة بحرف الباء، وسوف نقف مع تفاصيل هذه الجملة العظيمة ونجعلها مقسمة لنشرحها بيسر وسهولة.
стр. 21
المطلب الأول: بسم الله
(بسم) الباء (١) للاستعانة (٢) وفيها كلام كثير طويل جدًّا.
وأصل كلمة (اسم) من غير الباء، السمو والعلو (٣)، والاسم هو المسمى وعينه وذاته (٤).
توضيح ميسر (٥)
عندما نقول: (بسم الله) فهذا دلالته أننا نسأل الله ونستعين به (٦)(٦)
стр. 22
وندعوه (١) بأسماء من أسمائه (٢)، بمعنى أنه تعالى وتقدس له أكثر من اسم، وليس اسمًا واحدًا فقط، ولكنه تعالى وتقدس اختار اسم لفظ الجلالة (الله) في بداية البسملة لأنه الأعظم (٣)، والذي إذا دُعي به أجاب.
والله: لفظ الجلالة، غالبًا ما يطلق للتعظيم وللهيبة وللقوة (٤) ..
стр. 23
وفي هذه البداية فقط ...
توجيه الله ﷻ لمن يقرأ القرآن .. أن البسملة طمأنة لنا ... بأننا نستعين بعظيم، بل بأعظم من كل عظيم، فلا نخاف أو نحزن من أي شيء، وعلينا أن نخرج كل ما في قلوبنا سوى الله بعد قراءة بسم الله، وكذلك علينا أن نعتاد على ذكرها والتفكر بها تمامًا كما يكررها القرآن الكريم حتى تطمئن نفوسنا أكثر، وما كُرِّرت إلا ولها سر من الأسرار.
بل المطلوب منا أننا نسمي الله في أي أمر، قال رسول الله ﷺ : (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع) (١).
стр. 24
المطلب الثاني: ماذا تعنيه (بسم الله) (درس عملي) .
وهذا هو المطلوب منا في تدبر القرآن وهو الوصول لمقصد الآيات، وإلى ما تشير إليه.
فالبسملة تشير إلى عدة معانٍ، منها:
ــ أنها قسم من الله على صحة هذا القرآن (١).
أمر آخر: أن كتاب الله يحتاج إلى قوة في تلقيه وتعلمه وتعليمه وتجويده وحفظه، ولذلك جاءت التسمية بالله في بداية القرآن.
فالبسملة هي أننا نطلب العون من الله، يقول تعالى وتقدس في وصف القرآن الكريم: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ (٢)
يقول ابن عباس ــ ﵄ ــ ترجمان القرآن في رواية عطاء: (قولًا ثقيلًا) (٣) يعني كلامًا عظيمًا.
стр. 25
تُرى ما هي القوة المطلوبة للاستعانة بالله على هذا الكلام العظيم؟ وهل يستطيعها بشر بغير الإعانة من الله .. ؟ بالطبع لا، بل يستحيل، فبداية القراءة ببسم الله هي إعانة لنا على التمسك بكتاب الله، بمعنى اللهم أعنِّي على تدبر كتابك وقراءته والاهتمام به، اللهم أعني على تعبدك بكتابك ..
ومما تشير إليه جملة البسملة: أنك تبدأ عملك بعظمة العظيم القوي العزيز، فلا يعجز من بدأ ببسم الله عن قضاء حوائجه فهنيئًا له.
وبمعنى: أنك إذا سميت فإنك تدعو الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، ومن قالها متوكلًا على ربه صادقًا نيته لله تعالى، تيسرت أموره وتيسر له كل عسير في طريقه، أي أنك تطلب من الله حوائجك، ويستجيب الله ﷻ لك بقضاء تلك الحوائج.
فهي تأكيد للاستجابة وتأكيد لتيسير الأمور ..
فاشتملت البسملة على اسمه الأعظم، وكل أسمائه عظيمة، وفي هذا رسالة أنه لا عظيم عظمةً مطلقةً إلا الله،
стр. 26
فمهما عظم الأمر في أعيننا وأمامنا فليس هناك عظيم عند الله أعظم منه، ولا هناك أكبر منه سبحانه ﷻ .
الصعاب هي عظيمة عندنا فقط، بمعنى كل الأمور سهلة وتكون أمام عظمته سبحانه شيء لا يذكر، فهو الخالق المدبر.
ولذلك جاء بعد البسملة قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين)، (العالمين) يعني كل شيء سوى الله، إذًا الحمد لله على كل شيء، فلنا رب عظيم يدبر لنا أمور حياتنا فحمدًا له حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، والحمد له لأنه الرحمن الرحيم والحمد له لأنه مالك يوم الدين.
ومما تشير إليه معاني البسملة أيضًا: أنها بركة، فقبل أن نبدأ بأكل الطعام نقول بسم الله، قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يستحل الطعام أن لّا يذكر اسمُ الله عليه) (١) وغيرها الكثير من مواقف الحياة لا يتسع المجال لذكرها.
وعند وقوفنا مع معنى هذه الآية العظيمة (البسملة) علمنا أنها تدل على أن ما بعدها أعظم منها، فهي عظيمة تشير
стр. 27
إلى عظيم، فبعدها سورة الفاتحة وباقي سور القرآن الكريم العظيم، سبحان من أنزله. وجرت العادة أن الأمر من بدايته يظهر كنهه.
стр. 28
المبحث الثاني (الاسمان الرفيقان)
стр. 29
ونقصد بهما اسميه جل وعلا (الرحمن الرحيم)، والرحمة من صفات أعظم رب في الوجود.
وهو قسمٌ آخر من أقسام البسملة، القسم الماضي كان عن العظمة، أما هذا القسم فيتكلم عن الرحمة.
يقول الإمام الرازي يرحمه الله: (إن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن، وإن تأكيد كونه تعالى رحمانًا رحيمًا من أعظم المهمات) (١).
يُحْكَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هُمَا اسْمَانِ رَفِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرْفَقُ مِنَ الْآخَرِ، وَالرِّفْقُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (٢)، قال ﷺ (يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) (٣).
стр. 30
والله ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (١٢)﴾ (١)
وهذه من الآيات القلائل التي جاءت بلفظ كتب على نفسه الرحمة ... يعني ألزم نفسه بها سبحانه (٢).
стр. 31
المطلب الأول: الرحمة مع أعظم رب في الوجود
أعظم كتاب في الوجود يبدأ باسميه تعالى (الرحمن الرحيم).
كلاهما من أصل الرحمة، والرحيم بمعنى مضاعفة الرحمة، وتأكيداً على رحماته الكثيرة والعظيمة بمعنى هو الذي يرحم ويرحم بأضعاف مضاعفة.
ومن أجمل ما قيل في هذا ما نقل عن الإمام البيضاوي، يقول ﵀: هو المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها (١).
وعلينا أن نلاحظ وبدقة أن الاسمين الرفيقين تكرَرَا مرتين في سورة الفاتحة، مرة في البسملة الآية الأولى، ومرة في الآية الثالثة من نفس السورة، مما يعنيه أضعاف مضاعفة من الرحمات التي يعدنا بها الله ﷻ ، مما يبدد اليأس من رحمة الله بل يمحيه تمامًا.
стр. 32
ولك أن تتخيل أيها القارئ الكريم أن كتاب الله الذي بين أيدينا يبدأ بالرحمات المضاعفات، لا شك أن لهذا دلالة على أن الرحمة هي المقدمة، وهي الأصل (١)، فالقرآن رحمة ودين الإسلام دين رحمة، فهو سبحانه لم يبدأ كتابه ببسم الله شديد العذاب أو حتى القوي أو العزيز ولكن بدأه بالرحمن الرحيم.
стр. 33
المطلب الثاني: (درس عملي)؛ (الرحمن الرحيم) .
أولًا: علينا بالدعاء بهذين الاسمين العظيمين وهي دعوة الأنبياء.
دعاء أيوب ﵇ في سورة الأنبياء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾
دعاء موسى ﵇ في سورة الأعراف: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾
دعاء يعقوب ﵇ في سورة يوسف: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾
وهو من الدعاء بأسماء الله الحسنى أيضًا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (١٨٠)﴾ (١)
وكثير من الدعوات في كتاب الله التي هي برحمته، وكلها كانت دعوات مستجابات.
ثانيًا: ومما يدل عليه اسما الله (الرحمن الرحيم) أن نبدأ بهما أعمالنا اليومية، فهذا يعني أننا نبدأ بتذكر رحمة الله، فالقرآن الكريم بدأ بهما في كل سورة عدا براءة، فأعمالنا ستسير برحمته، وستتيسر بعظم شأنه جل وعلا، فأنت تتوكل على عظيم رحيم.
стр. 34
ثالثًا: مما يوجهنا إليه القرآن هنا الرحمة بالخلق، إن قراءتنا الرحمن الرحيم تستوجب علينا أن نتدبر هذين الاسمين، وهو كما أننا نطلب الرحمة من رب العالمين علينا أن نكون رحماء بمن هم أضعف منا، وأيضًا كما أن لله أسماء رفيقة، علينا أن نستبشر خيرًا برفق الله تعالى بنا، وأن نكون رفقاء بكل ما حولنا .. لأن الرفق في كل شيء، وليس بالبشر فقط، يقول رسول الله ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه) (١)، ويقول رسول الله ﷺ : (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) (٢).
والعظمة لا تنافي الرحمة، فهما يجتمعان.
رابعا: وحيث إن بسم الله الرحمن الرحيم هي الآية الأولى في القرآن الكريم، وأن بين آياته وسوره مناسبات، فعلينا أن نربط بسم الله الرحمن الرحيم مع كل مواضع القرآن الكريم عند التفسير والتدبر.
стр. 35
المطلب الثالث:
البسملة قاعدة من قواعد الاتزان في الحياة
من إجمال فوائد البسملة، أنها تشمل كثيرًا من القواعد في الحياة لمن تمعن في معناها وتدبرها.
ولنا هنا وقفتان يسيرتان:
الوقفة الأولى: اجتمع في البسملة العظمة مع الرحمة، وهذا درس عظيم نأخذ منه الكثير من العبر، وهذا أساس النجاح في حياة البشرية، كن عظيمًا وكن رحيمًا، ولله المثل الأعلى، فكتاب الله هو توجيه لنا.
الوقفة الثانية: أن المواقف التي نمر بها في حياتنا تحتاج إلى قوة ورحمة، فالبسملة مختصر لما يحتاجه الإنسان في حياته لأهم الأمور؛ التربية، الرزق، التعلم، العمل، مخالطة الناس ... إلخ، اسم الجلالة الله ... للعظمة، واسما الرحمن الرحيم ... للرحمة.
стр. 36
مثال عملي:
البسملة توجيه أنك تقول: اللهم إني أستعين بعظمتك على قضاء أموري، وبرحمتك على تخفيف كل عبء وكرب علَيَّ، لأن الإنسان في حياته يسعى إلى إنجاز أعماله ومهامه، وهذا بحد ذاته بحاجة إلى قوة وقدرة، وفي نفس الوقت هو يحتاج إلى عدم الشعور بألم تبعات هذا الإنجاز ومضايقاته، أو على الأقل شيء ما يهون عليه آثار المشقة والعناء، وهذا يحتاج إلى الرحمة والرفق.
لذلك نجد أن هناك أدعية خاصة لزمنٍ ما، أو موقفٍ حاضر، على سبيل المثال: دعاء الخروج من المنزل، لندرس هذا الدعاء ونوضحه، من قال (إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت، ووقيت، وتنحى عنه الشيطان) (١)
لاحظ أن الدعاء بدأ بـ (بسم الله)، تُرى لماذا هذا الدعاء؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ كل ما في الأمر أنني خرجت من منزلي، هذا في الفكر الضيق عندنا، ولكن فعليًّا أنك خارج إلى
стр. 37
قدر لا تعلم عنه شيئًا، خروج لعلم أو عمل وتعايش مع الناس، فتوجب عليك أخذ الحيطة والحذر الشديدين، وحتى لا يضيق الإنسان بأمرٍ في مسألة الحيرة، فهو يتوكل على الله ويقول الأذكار ويمضي، فهذا الذكر يختصر لك كثيرًا من الأمور ...
حتى الإنسان عند نومه يقول: ( .... باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها) (١)، كل ما في الأمر أننا سوف ننام، لكن تفاصيل الدعاء فيها أمور عظيمة (باسمك رب وضعت جنبي)، هذا لأننا سوف ندخل عالمًا لا نعلم عنه إلا أننا نضع رؤوسنا على الوسادة، لكنه عالم مخيف، فتطلب ذلك منا أن نستعين بالله باسمه الأعظم.
وفي الصباح، ندعوه جل وعلا فنقول: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم)، وأغلب المواقف تقتضي منا ذكر (بسم الله) فقط من غير إضافة (الرحمن الرحيم).
стр. 38
المبحث الثالث
مناسبة البسملة والرحمة
في سورة الفاتحة مع الهداية
стр. 39
كما ذكرنا سابقًا أن الرحمة تكررت مرتين في هذه السورة العظيمة (١).
ولكن نلاحظ أن التوجيه للدعاء في سورة الفاتحة جاء بعد اسمي الله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، فقد جاءت بعد ذلك الآية الكريمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ بمعنى أن القارئ يدعو الله باسمي الله، الرحمن الرحيم من أجل أن يتم نعمة الهداية عليه، فكلمة (اهدنا) من الهداية، والتي هي عكس الضلال، وهذا يدل على سعة الدعاء بهذين الاسمين الجليلين، وقد تقدم معنا أيضًا كيف أن أيوب ﵇ دعا الله بهذين الاسمين، وغيره من الأنبياء، وكانت دعوة أيوب ﵇ ليست لمرضه فقط، بل لتغيير حاله، فقد وصل إلى أنه ابتلي بلاءً عظيمًا، ولا يوجد تفاصيل دقيقة صحيحة عما أصاب أيوب ﵇ بالضبط، يقول رسول الله ﷺ : (إنَّ أيوب نبي الله لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخصِّ إخوانه، قد كانا يغدوان إليه، ويروحان ... الحديث) (٢).