← Тафсир

Тафсир · id 100

تأملات في السور والآيات

أحمد قشوع

Полный текст (122 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مثال عملي: البسملة توجيه أنك تقول: اللهم إني أستعين بعظمتك على قضاء أموري، وبرحمتك على تخفيف كل عبء وكرب علَيَّ، لأن الإنسان في حياته يسعى إلى إنجاز أعماله ومهامه، وهذا بحد ذاته بحاجة إلى قوة وقدرة، وفي نفس الوقت هو يحتاج إلى عدم الشعور بألم تبعات هذا الإنجاز ومضايقاته، أو على الأقل شيء ما يهون عليه آثار المشقة والعناء، وهذا يحتاج إلى الرحمة والرفق. لذلك نجد أن هناك أدعية خاصة لزمنٍ ما، أو موقفٍ حاضر، على سبيل المثال: دعاء الخروج من المنزل، لندرس هذا الدعاء ونوضحه، من قال (إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت، ووقيت، وتنحى عنه الشيطان) (١) لاحظ أن الدعاء بدأ بـ (بسم الله)، تُرى لماذا هذا الدعاء؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ كل ما في الأمر أنني خرجت من منزلي، هذا في الفكر الضيق عندنا، ولكن فعليًّا أنك خارج إلى

стр. 37

قدر لا تعلم عنه شيئًا، خروج لعلم أو عمل وتعايش مع الناس، فتوجب عليك أخذ الحيطة والحذر الشديدين، وحتى لا يضيق الإنسان بأمرٍ في مسألة الحيرة، فهو يتوكل على الله ويقول الأذكار ويمضي، فهذا الذكر يختصر لك كثيرًا من الأمور ... حتى الإنسان عند نومه يقول: ( .... باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها) (١)، كل ما في الأمر أننا سوف ننام، لكن تفاصيل الدعاء فيها أمور عظيمة (باسمك رب وضعت جنبي)، هذا لأننا سوف ندخل عالمًا لا نعلم عنه إلا أننا نضع رؤوسنا على الوسادة، لكنه عالم مخيف، فتطلب ذلك منا أن نستعين بالله باسمه الأعظم. وفي الصباح، ندعوه جل وعلا فنقول: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم)، وأغلب المواقف تقتضي منا ذكر (بسم الله) فقط من غير إضافة (الرحمن الرحيم).

стр. 38

المبحث الثالث مناسبة البسملة والرحمة في سورة الفاتحة مع الهداية

стр. 39

كما ذكرنا سابقًا أن الرحمة تكررت مرتين في هذه السورة العظيمة (١). ولكن نلاحظ أن التوجيه للدعاء في سورة الفاتحة جاء بعد اسمي الله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، فقد جاءت بعد ذلك الآية الكريمة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ بمعنى أن القارئ يدعو الله باسمي الله، الرحمن الرحيم من أجل أن يتم نعمة الهداية عليه، فكلمة (اهدنا) من الهداية، والتي هي عكس الضلال، وهذا يدل على سعة الدعاء بهذين الاسمين الجليلين، وقد تقدم معنا أيضًا كيف أن أيوب ﵇ دعا الله بهذين الاسمين، وغيره من الأنبياء، وكانت دعوة أيوب ﵇ ليست لمرضه فقط، بل لتغيير حاله، فقد وصل إلى أنه ابتلي بلاءً عظيمًا، ولا يوجد تفاصيل دقيقة صحيحة عما أصاب أيوب ﵇ بالضبط، يقول رسول الله ﷺ : (إنَّ أيوب نبي الله لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخصِّ إخوانه، قد كانا يغدوان إليه، ويروحان ... الحديث) (٢).

стр. 40

المبحث الرابع صور من رحمات الله

стр. 41

وما دام السياق عن رحمة الله فدعونا نعرج على هذا الموضوع سريعًا؛ فلا يظن الظان أن رحمة الله متعلقة بشفاء من مرض أو إرجاع تائه إلى أهله فحسب، هي ليست لمن يشعر بالوحدة ويتذكر أن الله رحيم به فقط، هي ليست لمن يذنب ويذكر رحمة ربه فقط، أو الصور المعهودة والتي تجعل حيز الرحمة ضيقًا .. لا بالعكس، فرحمة الله وسعت كل شيء، يعني في كل شيء ولجميع البشر ليس شيئًا خاصًّا لأحد، وكون أن الرحمن الرحيم جاءت بعد الحمد لله رب العالمين، هذا يعني أن رحمة الله شاملة لجميع أركان الحياة فهو رب العالمين (جميع العوالم ليس في الدنيا والآخرة فقط .. ! ! ) فرحمته شاملة لكثير من الأمور، وهاكم أمثلة على ما أريد التنويه إليه. ومن الصعوبة بمكان الإطالة كثيرًا لكن سوف أذكر عدة أمثلة على رحمة الله التي يكون تفكير المرء بعيدًا عن التدبر فيها. فمن أعظم رحمات الله علينا إرسال رسوله الكريم ــ عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ــ في سورة الأنبياء، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾

стр. 42

ومن رحمة الله إنزال القرآن الكريم ﴿(٥٦) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ومن رحمة الله أن جعل نبيه لينًا ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا. (١٥٩)﴾ (٢) ومن رحمة الله استخراج كنز اليتيمين، ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ (٣) ومن رحمة الله تعالى أنه عصم الرسول ﷺ من الوقوع في الخطأ (٤) ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ (٥)

стр. 43

ومن رحمته تعالى إبعادنا عن الشيطان، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ (١) ويقول تعالى (٢): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ ومن رحمة الله أنه ينصر عباده، ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ ... (٣) كانت هذه وقفة يسيرة لتوضيح أن رحمة الله وسعت كل شيء، وإلا فالمقام عظيم ويحتاج إلى إسهاب أكثر ولعل فيما ذكر إشارة تغني عن العبارة.

стр. 44

المبحث الخامس بين البسملة والفاتحة آية عظيمة في بداية سورة عظيمة

стр. 45

(الرحمة والعظمة (١) هي أهم ما يربط البسملة بسورة الفاتحة) فالبسملة هي بداية القرآن وبداية الفاتحة. ١ ـ اسم الله الأعظم في البسملة؛ فهي عظيمة، والفاتحة هي أعظم سورة في القرآن الكريم. ٢ ـ والفاتحة أول سورة في القرآن، والبسملة هي أول آية في القرآن الكريم. ٣ ـ كلتاهما تتكلمان عن الرحمة. ٤ ـ كلتاهما رقية يسترقى بهما، وأول سورة بعدهما (سورة البقرة هي رقية أيضًا، وسورة البقرة اشتملت على آية الكرسي، وهي رقية، وأيضًا أواخر البقرة رقية). ٥ ـ البسملة هي قاعدة من قواعد الاتزان في الحياة وكذلك الفاتحة. ٦ ـ كلتاهما تشتملان على الدعاء بأسماء الله الحسنى.

стр. 46

المبحث السادس حمدُ الله على رحمته

стр. 47

ما بين الرحمة المذكورة في البسملة والرحمة التي تأتي بعدها في سورة الفاتحة حمد الله نفسه. وهذا الحمد، هو أول حمدٍ في القرآن يحمد عليه الله ﷻ ، يحمد أنه الرحمن الرحيم فجاء بعد آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ آية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، بمعنى احمدوا الله أنه هو رب العالمين، وأنه هو الرحمن الرحيم، وأنه ليس أحد سواه ــ تعالى وتقدس سبحانه .. رب العالمين (١) هو المتصرف فيهم، وأنه أيضًا مالك يوم الدين، ويوم الدين هو واحد من العوالم التي يتصرف الله بها، فالله هو المتصرف بعوالم الدنيا والآخرة، ومع كل هذا فإن من صفاته الرحمة فهي تحت رحمة الله أيّ سعادة واطمئنان يملأ قلب المؤمن بعد كل هذا، فلنستشعرها جيدًا ولنعش معها.

стр. 48

إذًا أول حمد في القرآن لثلاثة أمور: ١ ـ أنه تعالى وتقدس رب العالمين. ٢ ـ أنه الرحمن الرحيم. ٣ ـ أنه مالك يوم الدين، ومن ثم كان الدعاء ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾

стр. 49

الفصل الثاني ما بين سورتي الفاتحة والبقرة

стр. 50

قبل أن نتعمق في بيان تفاصيل هذا المبحث .. أُذكِّر بثلاثة أمور: أولًا: أنه علينا أن نستجمع قواعد التدبر (١) بمسألة البحث عن المناسبات بين الآيات والسور الكريمة (٢) لأنه من غير علم المناسبات لن نصل إلى هذه الفوائد ولا حتى بجزء يسير منها. ثانيًا: أن القرآن الكريم في أحايين كثيرة يخاطب القارئ ... بأسلوب الخطاب العام (٣) ــ وهذا ما لَحِظناه في سورة الفاتحة ومقدمة سورة البقرة ــ الذي يكون للعاقل، بمعنى أنه للجميع (كافرهم ومسلمهم) إلا إذا كان هناك نداءٌ مخصصٌ؛ مثل: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وغيرها، ومع ذلك فهذه الخطابات تستوعب الجميع، بمعنى أن لها فوائد يستفيد منها كل من يقرؤها (٤)، على مختلف عقائدهم

стр. 51

وطوائفهم (١)، ولعل ذلك يندرج تحت ما يسمى بالإيجاز (٢) والالتفات (٣)، وغيرها من أساليب البلاغة، والأمر يعتمد اعتمادًا كبيرًا على ما ذكرنا، ومنها مناسبة سورة الفاتحة

стр. 52

وأواخرها ببداية سورة البقرة ومقدمتها، كنوع من أنواع علم المناسبات (١) ثالثًا: تطبيق قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٢) ... وهذه القاعدة تلهمنا بحرًا من التدبر، فهي تدل على أن كثيرًا من الآيات تشير إلى عدة فوائد وليس فائدة واحدة فقط ... ومضة: مختصر القول وشرح موجز لما أريد إيصاله للقارئ: (لو أن مدرسًا نبه طلابه بأن من يغيب غدًا فسوف يعاقب) فهذا معناه ثلاثة أمور، الأول واضح، والثاني مبطن، وهناك أمر ثالث.

стр. 53

الأول: أنه من يغيب فسوف يعاقب ولعله يضرب أو أي عقابٍ آخر ... الثاني: من لا يغيب فلا ويل له ولا يعاقب ــ هذه لا تحتاج إلى سؤال ــ هي واضحة بالنسبة للمخاطب، لذلك لا يسأل الذي لا يغيب، ما شأنه في عقاب ليس له. وشيء ثالث: هو خطاب لإدارته أنه مهتم بعمله. ولعلها أيضًا رسالة لزملائه ليحذوا حذوه. كل هذه المعاني مستقاة من جملة واحدة وموقف واحد فقط، وهذا من روائع لغتنا العربية وفوائد التدبر والتفكر. فالمقصود أن الخطاب الواحد له أكثر من معنى، وتظهر كثير من المعاني إذا أوصلنا الكلام بما قبله وبعده، ولله المثل الأعلى.

стр. 54

المبحث الأول (أواخر سورة الفاتحة وما تشير إليه) ما المقصود بالمغضوب عليهم والضالين، وما هو سبب وصفهم بهاتين الصفتين ؟

стр. 55

في بداية مدخل هذا المبحث أود الإشارة إلى أكثر من سؤال مهم والتنبيه عليها: ـ ما السبب الذي جعلهم من المغضوب عليهم؟ ـ ولماذا الفئة الثانية هم من الضالين؟ ـ ولماذا وصفوا بذلك؟ ومن المقصودان بتلكما الصفتين؟ وهذه الأسئلة هي مقدمة لمعرفة الخلل الذي وصلوا له حتى نستطيع علاجه ... ونسرد كيف وجهنا القرآن الكريم في التعامل مع هذه المسألة ... وفيه أيضًا من فوائد الربط بين نهايات سورة الفاتحة ومقدمة سورة البقرة. المقصود بتلكم الصفتين هم اليهود والنصارى: جاء في الحديث الشريف: (المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى ... ... الحديث) (١) ومن بعض أسباب ضلال اليهود والنصارى (٢) (٢) التي جاء توضيحها في بعض الآثار.

стр. 56

(.أما اليهود فكذَّبوا محمَّدًا ﷺ ، وأما النَّصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب (١). ولما سرد الإمام البخاري ...

стр. 57

في صحيحه الأثر السابق ذكر رواية أخرى (١) أن هذه صفة عُبّاد النصارى، وقيل أصحاب الصوامع، وقيل بعض الرهبان، وهذا يدل على أن الأمر فيه خلاف بينهم لعل الأمر فيه خلاف بين طوائفهم المسألة تحتاج إلى بحث، لأن النصارى يؤمنون بالجنة، ولكن لعل الإشكال أن إيمانهم بالجنة ليس كإيمان المؤمنين، وليس كما جاء في شريعتنا خاتمة الشرائع، فكونهم يؤمنون بالجنة (وهي من الغيب الذي لم نشاهده بأعيننا) على مرادهم لا كما أراد الله فهذا يعني أنهم لا يؤمنون بالجنة لأن الإيمان كل لا يتجزأ، لا يأخذ شيئًا ويترك آخر أمر الله به، والاختيار والتفريق من صلب عقيدتهم للأسف كما جاء في قوله تعالى في سورة النساء الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ وهذه الآيات في اليهود والنصارى ورد عليهم جلا جلاله في الآية التي تليها مباشرة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾

стр. 58

وإجمالًا في عقيدة الكفار عمومًا يقول تعالى في سورة الكافرون: (لا أعبد ما تعبدون) هم فعليًّا يعتقدون أنهم يعبدون الله ولكن ليس على مراد الله فهم لا يعبدون الله لأن عبادة الله هي كما يريد هو ــ ﷻ ــ لا كما يريد الكفار ـ الشاهد أن اليهود كذبوا نبينا محمدًا ﷺ .. وعمومًا هم يكذبون الحقائق، وهذا خلقهم وديدنهم. ـ والنصارى كفروا بالجنة وهذا من أسباب ضلالهم. وبعد هذا كله، فقد علمنا أنهم وصلوا لمرحلة خطيرة جدًّا من البعد عن الله .. بل من شدة ما وصل اليهود من ظلمٍ لأنفسهم، أطلق القرآن عليهم المغضوب عليهم وهذا وصف شديد له مغزاه (١).

стр. 59

وذكر عن بعض المفسرين أن كل ضال هو مقصود بهاتين الصفتين المغضوب عليهم والضالين (١). لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٢).

стр. 60

المبحث الثاني مقدمة سورة البقرة وما تشير إليه والربط بينها وبين الفاتحة

стр. 61

تمهيد للمبحث: سأسلط الضوء في هذا المبحث على منظور آخر وبمعنى آخر، والغرض من ذلك هو استشفاف مزيدٍ من الفوائد والنكت من آيات الله الجليلة في كتابه الكريم. انتهت السورة العظيمة ــ سورة الفاتحة ــ بقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ وبدأت سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ ومضة: لاحظ ... أن سورة الفاتحة انتهت بمعضلة. وبداية سورة البقرة اشتملت على حل المعضلة التي ذُكرت في نهاية سورة الفاتحة. تفصيل ما سبق: في تلك الآية السابقة والتي تنتهي بها سورة الفاتحة نلاحظ أن هناك معضلتين وإشكالين كبيرين، هذان الإشكالان يتمثلان بفئتين هما: (المغضوب عليهم) و (الضالين)، وإِشكَالهُم الذي وقعوا فيه أن لديهم اعتقادات جذرية تبعدهم عن طريق

стр. 62

الهداية (الصراط المستقيم)، والدين القويم، مما جعلهم يضلون ويتركون الطريق الصحيح ويكفرون بالله. فالصراط المستقيم طريق مخصوصٌ وَهِبَةٌ للذين أنعم الله عليهم فقط، بمعنى أنه لا يشاركهم فيه أحد من أهل الضلالة واتباع الهوى، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. وحتى تكتمل المنظومة في الفوائد القرآنية في هذا الكتاب العزيز فإن هاتين الفئتين تحتاجان توضيحًا لطريق ... الهداية (١) تمامًا كما نحتاج إلى التحذير منهما وذمهما والرد عليهما، فلا يُكتفى بذمهما فقط (٢) من غير السعي في علاج ما هم عليه من الضلال، بل هذه هي الدعوة إلى الله ومنهج القرآن (٣)، ليبتعدوا على ما هم عليه من الباطل الذي يغضب الله تعالى وتقدس.

стр. 63

ولعل في الأمر حجة عليهم أيضًا، لأن الحق ظهر لهم فلا عذر ولا حجة بعد ذلك (١). فالمسألة لا تتعلق بذمهم والتقليل من شأنهم فقط، مع أنهم يستحقون أكثر من ذلك، وهو من المعاني الواضحة أيضًا بشأنهم، ولكن القرآن الكريم كتاب الوسطية والعدل، لا يوجد فيه ظلم أو إجحاف؛ ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٢) فلا يمكن أن نتغافل عن معانٍ أخرى لها نفس الأهمية، ويتضح من خلالها توازن وعدل هذا الكتاب العظيم، لذلك نجد أن في بداية سورة البقرة (٣) آيات عظيمة تحمل قمة البلاغة والبيان بين طياتها ــ كسائر آيات القرآن

стр. 64

الكريم ــ لها كثيرٌ من المدلولات وتحتوي على فوائد جليلة، حيث إن من معانيها توضيح الطريق الصحيح للمخاطب (١). غير ما تحويه من جماليات رائعة للمشار إليه (٢) والسر وراء كل هذه الفوائد من تلك الآيات أن الخطاب فيها عام وغير مخصص (٣). ولا ضير، فهذا من رحمة الله تعالى التي تتجلى في كتابه العظيم امتدادًا لأول آية في القرآن الكريم (بسم الله الرحمن الرحيم) التي تبين وتُذَكِّر برحمة الله ولطفه (٤) وحتى لا يقنط أحد من خلقه، فهو الرحمن الرحيم تعالى وتقدس ... إذًا ...

стр. 65

المعضلة الأولى: والتي جاءت في نهاية سورة الفاتحة أن هناك المغضوب عليهم. والثانية: أن هناك الضالين، ويجب أن يكون هناك حل لهاتين المعضلتين بغض النظر عن كفرهم وفسقهم وبُعدهم عن الحق. والقارئ لكتاب الله يجد أن هذا أسلوبٌ قرآنيٌ فريدٌ، وهو ذكر المشكلة وإتباعها بحل للخروج من هذا الإشكال، ولإقامة الحجة أيضًا على من يخصه الموقف. إن مقدمة سورة البقرة اشتملت على النصح والتوجيه والرد والتحذير (أين التحذير بـ[ألم])، فقد جاء في بدايتها دفاع عن القرآن الكريم دستورنا القويم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ مما يدل على أن أحدًا ما تكلم وكذب وشكك في هذا القرآن العظيم وهم المغضوب عليهم والضالون ومن على شاكلتهم، فجاءت هذه الآية ردًّا عليهم، وبعد ذلك ذكرت صفات المتقين والتي هي بخلاف صفات المكذبين تمامًا. ونلاحظ أن صفات المتقين هنا ليست فقط مدحًا للمتقين وإعلاءً لقدرهم وإظهارًا لمنزلتهم عند الله، بقدر أنها

стр. 66

أيضًا توجيه لمن قرأ أو سمع تلك الصفات كائنًا من كان بأن يلزمها حتى ينجو ويكون منهم، ويكون على الصراط المستقيم تحفيزًا لهم، إذن الآية ليست مجرد إخبار عن الكتاب، ولكن هي أيضًا ردٌّ على من أراد أن ينتقص من هذا الكتاب العظيم وأمور أخرى غير ذلك (١). تمامًا كما أن النظر في آيات شدة غضب الله على الفئة الضالة في آخر سورة الفاتحة واستثنائهم من الصراط المستقيم، فهي ليست فقط لإظهار غضب الله على الضالين وانتقاصهم، بل تحذير للمؤمنين أيضًا حتى لا يكونوا مثلهم ويبتعدوا عن طريقهم أشد البعد. ويتكرر أسلوب النصح والتوجيه في سورة البقرة بعد سرد سير ومنهج أهل الكفر والضلال، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ (٢)

стр. 67

هذه الآية الكريمة فيها الخطاب بالمدلول العام فبدأ بـ[يا أيها الناس] (للجميع) وهي واضحة الدلالة (١)، ومغزاها حث الجميع على عبادة الله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، بل وجاءت بعد ذكر صنفين من أصناف البشر بحسب معتقدهم وهم الكافرون (٢) في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 68

سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ والمنافقون (١) في الآية التي بعدها في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ وما هذا إلا لتوجيههم إلى الطريق الصحيح لحل المسائل التي هم واقعون فيها وجعلتهم في دائرة الكفر، وكل ذلك بعبادة الله ــ جل وعلا. فعلى المسلم ألا يعيش فقط بين صفات المؤمنين والمتقين، وعليه أن ينظر إلى صفات أهل الكفر (٢) حتى يتعظ ويتعرف على ما نحن فيه من نعيم، فالفرق شاسع بين الفريقين، وأيضًا لكي نتجاوز أخطاءهم حتى لا نقع فيما وقعوا فيه، وحتى لا يكثر الغرور في القلب أو التكبر في الطاعات، فذلك بفضل من الله وحده أن جعلنا من المؤمنين.

стр. 69

ومنهج القرآن الكريم في كثير من الآيات يحثنا على النظر في ما مضى من سنن وأحداث (١) حتى يكون الوعظ للنفس، يقول تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ (٢) وإذا بحثنا عن المناسبة لنهاية سورة الفاتحة بمقدمة سورة البقرة نجد فيها كل ما قدمنا له في هذا الفصل. إن من أسباب ضلال المغضوب عليهم والضالين، البعد عن صفات المتقين؛ ومن أولاها الإيمان بالغيب لما له من أثر على الاعتقاد وأصول الدين، ووجود هذه الصفة هنا إنما هي إظهار لأعظم سبب للوصول لأرقى درجات الإيمان وهو التقوى، تمامًا كما أن عدم الإيمان بالغيب ــ عياذًا بالله ــ هو سبب ضلال الكفار بل أعظم سبب لضلالهم، لذلك جاءت أول صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب وكانت في مقدمتها. من آثار عدم الإيمان بالغيب التشكيك في كثير من أمور الشرع، يشكك

стр. 70

في صحة القرآن (كما أسلفنا)، يشكك في صحة الرسل والرسالات، يشكك في وجود الله عياذًا بالله، وهكذا خطوة خطوة يدخل في أمور لا نهاية لها كلها ضلال في ضلال. ولاحظ أيضًا كيف كان التحفيز حيث أوصلهم لطريقة الوصول لأعلى الدرجات (١)، ليس فقط دخول في إسلام أو زيادة إيمان! ! وهذا والله من حُسن النصيحة والإتقان سبحان الله لا كامل إلا هو. والإيمان بالغيب هو من الإشكالات التي وقع فيها المنافقون والضالون والمغضوب عليهم. ولو أنهم آمنوا به حُلَّت جميعُ قضاياهم من جذورها، ومن غيره لن يستطيعوا، فهذه هي العقبة الأولى في منهجهم. ملخص التوجيه: إذنْ من حلول هذه المشكلة أن يتصفوا بصفات المتقين، فيؤمنون بالغيب الذي يقودهم للهداية إلى الإسلام.

стр. 71

إن الإيمان بالغيب جاء بعد ذكر القرآن، وجاء بعد التعريف بالمتقين؛ بمعنى أن الإيمان بالقرآن والوصول إلى درجة المتقين يحتاج إلى الإيمان بالغيبيات. وهذا كله جاء بعد آية من معانيها رفع حالة التنبيه للحالة القصوى (الم). سرد العلماء كثيرًا عن معاني الحروف المقطعة ولعلها من أكثر المسائل القرآنية بحثًا. لكن ما أود أن أشير إليه أن (الم) تغير نسق السياق، مما يدخل عامل التعجب للقارئ، ويجعله يأخذ خطوات في التركيز بشدة إلى ما بعدها وربطها بما قبلها، وكذلك الأمر له رهبة في تلك الحروف المقطعة، تنعكس على رهبة في القلب، وتسارع في التفكير والسؤال: لماذا (الم)؟ إنه شيء مخيف ومقلق .. لذى علينا الانتباه والتركيز. (١)

стр. 72

المبحث الثالث قوله تعالى: [ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين] وما تشير إليه، ومَن المخاطب من تلك الإشارة؟ وما المناسبة في ذلك مع سورة الفاتحة ؟

стр. 73

الهدف من هذا المبحث: هو تدبر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وإظهار المناسبة في الآية الكريمة مع المخاطب، بمعنى: ما هي الرسالة الموجهة للقارئ من تلكم الآية المباركة؟ حيث نبين الفائدة من اسم الاشارة (ذلك) وما له من معاني تختلف بَحسْبِ السياق للمخاطب (القارئ، أيًّا ما كان)، وللمشار إليه (وهو القرآن الكريم)، وعلاقة ذلك بسورة الفاتحة، وسورة البقرة أيضًا. تفصيل ما سبق: (ذلك) اسم إشارة للبعيد (١)، وله عدة معاني وإشارات، منها ما هو خاص بالقرآن الكريم (فوائد خاصة بالقرآن)، ومنها ما هو خاص للمخاطب (رسائل موجهة للقارئ) (والمقصود بالفئات التي ذكرت في سورة الفاتحة وسورة البقرة). نبدأ بما هو خاص بالقرآن الكريم:

стр. 74

أولًا: المشار إليه وهو (الكتاب) باسم الإشارة (ذلك). نستنتج عدة أمور: ١ ـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارة للجميع، فالخطاب هنا عام لا يقصد منه فئة معينة بحد ذاتها، والقرآن نزل رحمةً للعالمين جميعًا، على سبيل المثال فلم يذكر يا أيها الذين آمنوا ذلك الكتاب، بل هو توجيه عام للجميع. ٢ ـ بما أن [ذلك] تدل على البعيدٌ فهذا فيه دلالة أن كلمة الكتاب في الآية السابقة يقصد بها اللوح المحفوظ في السماء فهو بعيد عنّا وليس معنا (١). وهذا ما تطمئن له النفس؛ لأن الآية فيها دلالة على أن هذا الكتاب هدى، وهذه الآية نزلت في بداية نزول القرآن، بمعنى أن القرآن لم يكن مكتملًا حينها، فيكف سيكون هدى؟ لأن القرآن يؤخذ كله. فليس جزء منه هداية بل كله هداية. ٣ ـ وهناك دلالة أخرى لمعنى البعيد، أي أنه بعيد عن أهل الباطل المغضوب عليهم والضالين ومن على شاكلتهم، بعيد

стр. 75

عنهم كل البعد، فلا يستطيعون الوصول له للعبث به وتحريفه ــ عياذًا بالله ــ فهو محفوظ عند الله لا يستطيعون الإضرار به بتاتًا ــ حاشا لله. تعجيزًا للكفار. ٤ ـ بعيد بمعنى أنه أعلى منّا وبعيد عنّا بعظمته وتقديسه، فهو كلام الله تعالى وتقدس. تعجيزًا للكفار وتثبيتًا للمؤمنين أيضًا. الفوائد الخاصة بالمخاطب ... وذكرنا بعضها فيما مضى ونثني بأخرى ... أولًا: طمأنةٌ للمؤمنين: على سبيل المثال ما تشير إليه باعتبار المخاطب مسلمًا مؤمنًا مصدقًا بالله ورسوله: تعريفًا لهم بمكانة القرآن، وأن يحافظوا عليه فهو: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وأَلَاّ يكونوا بعيدين عنه، وبأن يطمئنوا أن هذا الكتاب محفوظ عند رب العباد لا يستطيع أحد الوصول له، وبما أن هذا القرآن الكريم وهو دستورنا محفوظ فهذا معناه أن الدين كله محفوظ.
следующие страницы →