← Адаб

Адаб · id 10000

الأدب الجاهلي في آثار الدارسين قديما وحديثا

عفيف عبد الرحمن

Полный текст (328 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهو يرى أن شعر الزهد يمثل شعور الجماعة, بينما يمثل شعر التأمل في الموت شعور الفرد، ولهذا فإن شعر ميتافيزيقا الموت هو شعر أصيل لنفس حساسة بمقياسها الخاص, ولو قلنا: إن مجال الشعر هو الإنسان وحده، والإنسان الطبيعة، والإنسان والمجتمع، لكان شعر تأمل الحياة والموت هو المنحى الأول في شعر الإنسان منفردًا, وهو يضرب ذلك أمثلة لشعراء جاهليين منهم: طرفة وأبو ذؤيب والأفوه الأودي وكعب بن سعد الغنوي. وإن لكل شاعر نغمه الفريد، ولكن ما نلحظه فيهم جميعًا أنهم يحبون الحياة وإن كانوا يرون الموت قدرها المقصود، ولعل تلك هي أول ملامح النظرة الميتافيزيقية التي تمزج بين الموت والحياة في الخاطرة الواحدة١. وتظل الطبيعة صامتة حتى تتحدث بلسان الفنان ووجدانه، أو بقلمه وألوانه، فتتجلّى عندئذ ألوانها وظلالها، ونورها وظلامها, ولم يكتف الشاعر الجاهلي بالوصف الظاهر مجمدًا للصورة، وباحثًا لكل شيء عن شبيهه في اللون أو الشكل ليشبهه به, ولكنه لمس أخفى ما في الطبيعة وأدقه، وهو في الوقت ذاته جوهرها وروحها، ذلك هو عنصر الحركة فيها، فالطبيعة حولنا ليست ثباتًا مطلقًا، ولكنها تغير مستمر، وهذا التغير هو دليل النماء والحياة فيها٢, ويرى أن الطبيعة لا تكتسب الحياة إلّا إذا اصطبغت برؤية الشاعر وحالته النفسية. وللدكتور يوسف خليف دراستان في الشعر الجاهلي، إحداهما: خصصها لدراسة الشعراء الصعاليك٣ والثانية: "دراسات في الشعر الجاهلي"٤, والدراسة الثانية في الأصل كانت بعض مقالات نشرها في فترات مختلفة في دوريات متخصصة، ثم طوَّرها وجمعها في هذا الكتاب. ويصرّح في مقدمة الدراسة الثانية أنه ما زالت هناك جوانب في حاجة إلى مزيد من الدراسة لكشف ما يكتنفها من غموض، وتجلية ما يحيط بها من حجب, وإن هدفه من هذه الدراسة يقف على بعض هذه الجوانب الغامضة٥, وقد تخير من هذه المشكلات أربعًا هي:

стр. 282

مشكلة الشعر الجاهلي بين الرواية والتدوين. مشكلة أولية هذا الشعر وما بعد الأولية. مشكلة مقدمات القصائد الجاهلية الطللية وغير الطللية. مشكلة الشعر الجاهلي بين النزعتين القبلية والفردية. أما القضية الأولى١: فلا ينكر وجود الكتابة, ولكنه ينفي أن يذهب كما ذهب غيره إلى أنها كانت تستخدم في تدوين الشعر في ذلك العصر، وإن كان بعضهم قد استخدامها في كتابة شعره, ويؤكد أن التدوين بدأ في عصر التدوين. وأما القضية الثانية٢: وهي أولية الشعر, فيعرض لنظرية عربية قديمة, هي رأي ابن سلام "الشعر العربي بدأ في صورة مقطوعات قصيرة أو أبيات قليلة العدد يرتجلها الشاعر في مناسبات طارئة ليعبر بها عن انطباعات سريعة مؤقتة"، كما يعرض للنظرية الحديثة التي تذهب إلى أن الرجَز كان الصورة الأولى للشعر العربي في بدايته. وعلى الرغم من أن النظرية الحديثة لا يطمئن إليها بعض الباحثين, ويرون أنها مجرّد فرض، وأن شيوع الرجز لا يعني قدمه وسبقه للأوزان الأخرى, إلّا أن الدكتور خليف يرى فيها "أساسًا صالحًا لحل المشكلة, ويتخذ منها قاعدة سليمة لتصور الموقف، وتتبع للطريق الذي سلكه الشعر العربي منذ البداية، أو على الأقل للاقتراب من الحقيقة الضائعة المجهولة التي طوتها أستار الزمن البعيد"٣, وهو بهذا يلتقي مع بعض المستشرقين. ويرى أن العرب عرفوا الرجز منذ أن عرفوا الحداء, وهي قضية تنتهي بنا إلى نتيجة حتمية لا مفر منها، وهي أن الرجز العربي قديم موغل في القدم, ولكنه لا يملك أن يؤكد هذه الحقيقة، وكل ما يملك قوله: "لعلها الحقيقة" لعدم توفر الأدلة والنصوص اليقينية الثابتة"٤. وفي رأي الدكتور خليف أن هذه المرحلة التي شهدت الأولية الناضجة للشعر الجاهلي كانت هناك عوامل متعددة هيَّأت لظهوره في هذه الصورة الناضجة حين

стр. 283

أتاحت الفرصة لظهور لغة أدبية موحَّدة توحدت فيها لغات القبائل وذابت لهجاتها، واختفت منها الفروق اللغوية التي تعددت بسببها هذه اللهجات، فكانت صالحة لاتخاذها لغة الشعر والتسامي بها عن لهجاتهم المحلية, وكأنما عرفت الجزيرة ازدواجًا لغويًّا في هذه المرحلة١. وهكذا فقد اكتملت القصيدة العربية في أواخر القرن الخامس الميلادي بعد توافر العوامل السياسية والاقتصادية والدينية التي أظهرت لغة قريش لغة أدبية موحدة, فرضت نفسها على المجتمع الجاهلي كله؛ حيث اصطلح الشعراء في الشمال والجنوب على اتخاذها لغة شعرهم، وراحت القصيدة الجاهلية تأخذ طريقها بعد ذلك نحو تطور طبيعي لم يكن بد منه, أي: إن القصيدة مرت بمرحلتين٢: ١- مرحلة النضج الطبيعي التي يمثلها امرؤ القيس وطرفة والمرقشان وعبيد وعلقمة. ٢- مرحلة النضج الصناعي التي بدأت مع الطفيل الغنوي وأوس بن حجر, وبلغت ذروتها عند زهير, ويمثلها: زهير والنابغة الذبياني وعنترة ولبيد. ومن اليسير ملاحظة الظاهرتين التاليتين في الشعر الجاهلي٣: ١- ظاهرة المنهج الثابت للقصيدة الجاهلية. ٢- ظاهرة العقد الفني بين الشاعر الجاهلي وقبيلته. وفي ضوء هاتين الظاهرتين نستطيع أن نلاحظ أن "القصيدة الجاهلية تنحلّ إلى قسمين أساسيين: قسم ذاتي يتحدث فيه الشاعر عن نفسه، يصور فيه عواطفه ومشاعره وانفعالاته, ونضع فيه المقدمات ووصف الرحلة الصحراء, وقسم آخر غيري يتحدث فيه الشاعر عن قبيلته وفاءً بهذا العقد الفني بينه وبينها، أو يعرض فيه للمدح أو الاعتذار. أما المقدمات٤ فهي تارة طللية وهي الغالبة، تارة غزلية، وأخرى همزية، وهناك مقدمات فروسية، وأخرى في بكاء الشباب الضائع والحسرة على أيامه

стр. 284

الخالية. وهناك مقدمات تدور حول زيارة طيف الحبيبة البعيد لصاحبها في أحلامه على نحو ما نرى في تأبط شرًّا "القافية". ويمكن رد هذه الاتجاهات جميعًا في المقدمات إلى ثلاثة دوافع أساسية: المرأة, والخمر، والفروسية١. ويعلل الباحث٢ القسم الذاتي في القصيدة الجاهلية "المقدمة وما يتصل بها من حديث الصحراء" إنما هو محاولة لإثبات وجود الشاعر الجاهلي أمام مشكلة الفراغ في حياته، وهي مشكلة لم يجد لها حلًّا إلّا عن طريق هذه المتع التي لم يجد مكانًا للتعبير عنها في زحمة الالتزامات القبلية إلّا في مقدمات قصائده، ومن هنا كان طبيعيًّا أن تخلو قصائد الرثاء من هذه المقدمات؛ لأن مقامها ليس مقام لهو أو متعة، ولأن الموت الذي يتحدث عنه الشاعر قد وضع حلًّا نهائيًّا لمشكلة الفراغ التي كان يحاول بوسائله المختلفة أن يجد حلًّا لها، وهي سائل لم يعد للحديث عنها مكان في هذه القصائد. ويحاول الدكتور خليف أن يدرس مقدمة الأطلال دراسة موضوعية وفنية، فيرى فيها أولًا كثرة في الظهور؛ لأنها وجدت هوى شديدًا في نفوس الشعراء الجاهليين لارتباطها ببيئتهم المادية, وطبيعة حياتهم الاجتماعية؛ إذ هي تعبير عن تلك الظاهرة الطبيعية في المجتمع البدوي، وظاهرة "الحركة" التي كانت نتيجة طبيعية للتفاعل الحتميّ بين البيئة والحياة٣, وقد استطاع شعراء المرحلة الفنية الأولى أن يرسوا دعائم هذه المقدمة، وأن يحققوا لها طائفة من مقوماتها وتقاليدها الفنية التي استقرت لها بعد ذلك، والتي أصبحت معالم ثابتة في طريق الشعر العربي القديم، ويهتدي بها الشعراء في سبيل تحقيق الصورة الكلاسيكية لأعمالهم الفنية, أي: إنهم حقَّقوا لها إطارها الشكلي ومضمونها الموضوعي٤. وتتراءى قطعان الظباء والبقر الوحشي آمنة في مسارحها وكأنها البقية الباقية من مظاهر الحياة في هذه الأطلال الموحشة الصامتة، أو كأنها تجسيم حي للحسرة التي تملأ على الشاعر أرجاء نفسه، وهو يرى هذه الأطلال وقد خلت من صاحبته التي تعيش في أعماقه رمزًا للماضي السعيد الذي ذهب إلى غير رجعة٥.

стр. 285

أما أسماء المواضع والأماكن التي تقع بينها الأطلال, وتحديدها تحديدًا جغرافيًّا دقيقًا فتعلل بأنها نموذج حي للواقعية في ذلك الشعر الجاهلي، كما أنها ترتبط بنفسية الشاعر الذي يتمثل هذه المواضع قطعة من نفسه، ففيها عاش أيامه الجميلة١. وتطوَّرت المقدمة مع التطور الفني الذي أصاب الشعر الجاهلي عند شعراء مدرسة الصنعة أو عبيد الشعر، وفي رأي الباحث أن أروع ما وصل إلينا من المقدمات الطللية في هذه المرحلة "مدرسة الصنعة", وهي مقدمة زهير لما ضمَّنها من طاقة تعبيرية تصويرية بارعة, وزهير يرسم منظرين أساسين: الأطلال في صمتها وسكونها، ومنظر صاحبة الأطلال في رحلتها المندفعة في الصحراء٢. وتتميز مقدمات لبيد بأن فيها تعبيرًا عن فتنة الشاعر بالطبيعة فتنة طاغية جعلت الطبيعة تشغله عن الأطلال وصاحبة الأطلال٣, ويتناول الباحث المقدمات الأخرى ويمثّل بأمثلة من الشعر الجاهلي. وأما القضية الرابعة "الشعر الجاهلي بين القبيلة والفردية": فخلاصة رأيه أن "عقدًا اجتماعيًّا" عقد بين الشاعر وقبيلته، وكان نتيجته أن قام "عقد فني" فرض عليه ألّا يتحدث عن نفسه، وإنما يتحدث عن قبيلته, وأصبح ضمير الجماعة "نحن" أداة التعبير بدلًا من ضمير الفرد "أنا", وأصبحت "صناديق أصباغه" مستعارة من قبيلته وليست صادرة عن نفسه. ولكن ذلك لم ينف وجود شعر يصور شخصيات أصحابه أو حياتهم الخاصة. أما الصوت الأقوى والأوضح, فكان صوت المجموع. وهكذا وجد ما يمكن تسميتهم بـ "أصحاب المذهب القبلي في الشعر" أو "شعراء القبائل", وفي مقابل هؤلاء وجد أيضًا "أصحاب المذهب الفردي", ومثال المجموعة الأولى: عمرو بن كلثوم وغيره كثيرون, ومثال المجموعة الثانية: امرؤ اليس وطرفة. وإلى جانب هاتين الطائفتين وجدت طائفتان أخريان من الشعراء، بالغت إحداهما في التمسُّك بالشخصية القبلية, وبالغت الأخرى في الاعتداد بالشخصية الفردية.

стр. 286

أما الطائفة الأولى: فهي تريد من قبائلها أن تبالغ في الحرص على "العقد الاجتماعي" القائم بينها وبينهم, ولا تفرط فيه, بحيث يكون ملزمًا لها في كل الظروف، حتى لو تصرّف الفرد تصرفًا منكرًا لا تقره تقاليدها، ومثالها: شاعر الحماسة "قري بن أنيف" أحد بني العنبر١ الذي يقول: لو كنت من مازن لم يتستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا إلخ الأبيات. وأما الطائفة الأخرى: فهم "الشعراء الصعاليك" الذين بالغوا في فهم الشخصية الفردية، وتمردوا على النظام القبلي. وما تبقَّى من الدراسة يفرده الباحث لطرح نظرية جديدة في تقسيم جديد للعصر الجاهلي فنيًّا٢. ويعترف الباحث بأنه لو توفَّر له جهود القدماء في جمعهم أشعار القبائل لفضَّل توزيعهم على أساس قبلي، ولكنها ضاعت. لذلك فهو يقترح تصنيفًا جديدًا يقسم الشعر في هذا العصر إلى ثلاثة عصور متميزة, نستطيع من خلالها متابعة حركة الشعر وتطوره الفني فيه، وهذه العصور هي: ١- عصر حرب البسوس: الذي شهد ميلاد القصيدة العربية الأولى عند المهلهل ومعاصريه من شعراء هذه الحرب, ويمتد هذا العصر ليغطي فترة ما بين حرب البسوس وحرب داحس والغبراء؛ حيث تَمَّ نضج مدرسة الطبع الجاهلية التي تكاملت على يد امرئ القيس وأضرابه, وأخذت القصيدة شكلها النهائي الذي استقرَّ لها بعد ذلك, كما ظهرت طلائع مدرسة الصنعة وروادها الأوائل، وهم الطفيل الغنوي وأوس بن حجر وأضرابهما. ٢- عصر حرب داحس والغرباء: الذي شهد ازدهار مدرسة الصنعة التي حوّلت مجرى الشعر الجاهلي في فترة ما بين الحربين، وسلمت أدواتها إلى شعراء هذه الحرب يعكفون عليه, وقد بلغت المدرسة الجديدة على أيديهم قمة نضجها, ومنهم: زهير وعنترة والنابغة. ٣- عصر ذي قار: الذي يمثل أواخر العصر الجاهلي حتى ظهور الإسلام، وفيه

стр. 287

ظهرت مدرسة التقليد التي استطاعت أن تتمثل تمثلًا واضحًا تقاليد المدرستين السابقتين، ومنهم: حسّان ولبيد والأعشى. وتناول الدكتور عناد غزوان إسماعيل "المرثاة الغزلية في الشعر العربي"١, فرأى فيها رنة حزينة باكية تبدو في بعض الأحيان مظهرًا سوداويًا يصور بعض تشاؤمية الشاعر في نظرته إلى المرأة والجمال، وهنا، كما يرى الباحث، يلعب العامل الاجتماعي والنفسي دورًا كبيرًا في خلق وتجسيد مفهوم الألم في المقدمة الغزلية٢. ولعل أهم ما جاء في هذه الدراسة: ١- إن البناء الفني للقصيدة العربية القديمة يكشف لنا عن امتزاج الشخصيتين الفردية والقبلية العامة وتمثلها عبر تجارب زمنية طويلة وعريقة، في مجموعة أغراض تكشف عن وجود الذات الشاعرة وذوات القبيلة، فالمقدمة الغزلية إنما هي صورة الشخصية الفردية النابعة من إيمان العربي المطلق وحقه الفطري بحريته الشخصية، في حين يمثل المدح والفخر القبلي والهجاء القبلي والحماسة صورة من صور الشخصية القبلية٣. ٢- إن المقدمة الغزالية برنتها الحزينة وصرخة ألمها الواضحة في مقاطعها الكثيرة تدل على أن الشاعر الجاهلي إنما يتغزّل ليرثي نفسه، ويصور بعض وجوه القلق، حيث يجد في ذلك التصوير راحة نفسية٤. ٣- إن بحثه هذا يحاول فهم رنَّة الحزن والألم في القصيدة العربية في عصورها الحضارية المختلفة والمتمثلة في شعر الغزل ومطالعه الكثيرة, وفي غرض الرثاء وقصائده المتعددة, على أنها رثاء لنفس الشاعر في قلقها ومخاوفها, ومن وجودها وانتقاليتها وما تخلقه في نفس المحب من خيبة أمل٥. ٤ إن المرثاة الغزالية في الأدب العربي عندما تعبِّر عن الأسماء والندب والنواح, أو عندما تصور مشاعر الحب بين الحبيب والحبيبة إنما هي صورة واقعية من صور

стр. 288

الشعر العربي الذي يشاركه في بعض خصائصه الإنسانية أشعار الأمم والشعوب الأخرى من غنائيته وواقعيته في التعبير عن هذه العاطفة التي لا تخلو منها نفوس البشر١. ٥- ليس من شكٍّ في أن عنصر الحرب في العصرين الجاهلي والإسلامي قد غذَّى تلك المقطعات الغنائية بروح الرثاء وتمجيد الفروسية والبطولة والقيم الأخلاقية والمثل العليا التي تعتز بها المرأة الشاعرة١. أما الدكتور محمود الجادر فله في مجال دراسة الأدب الجاهلي الدراسات التالية: "قراءة معاصرة في مقدمة القصيدة الجاهلية"٣ و"الفن القصص في القصيدة الجاهلية"٤ و"نحو منهج عربي في دراسة القصيدة الجاهلية"٥ و"قراءة معاصرة في مقدمة القصيدة الجاهلية"٦. أما البحث الأول: فإن الباحث يقرر منذ البداية أن العمل الفني في القصيدة الجاهلية يبقى مشدودًا إلى وحدة موضوعية لعلَّها تعجز عن غير المتخصصة، فثمَّة عائقان يقفان بيننا وبين مناخ إثبات حضورٍ جادٍّ في قناعتنا المعاصرة، من خلال القراءة، والوحدة المفترضة في العمل الفني في القصيدة الجاهلية. أولهما: عبث الأيام بالموروثات وتشويه معالمه. والثاني: تميز موقع نظرنا المعاصر من موقع نظر الشاعر الجاهلي إلى طبيعة الوحدة الموضوعية للعمل الشعري٧. وإن الحقائق كلها -من وجهة نظره- تشير إلى أن محور معاناته الفكرية قام على حقيقة بسيطة، وهي الانشداد إلى الفناء المطلق في الهوية الاجتماعية المتمثلة

стр. 289

في الرابطة القبلية، ولكن هذا الإنشداد لا يلغي الجانب الذاتي المحض في العمل، ولكن المقدمة قد تحتمل ذاتيًّا أكبر من القدر المتاح في الغرض١. والمؤشِّر الرئيس للوحدة الفنية والنفسية في القصيدة الجاهلية هو التجربة الموضوعية التي تستثير الشاعر إلى القول, وتحتل معاناته في مقطع الغرض من قصيدته مدارًا أصيلًا في بيعة الانتقاد والتوجه في مرحلتي الافتتاح والرحلة٢. وأما رأيه٣ في المقدمة، أو الصورة الطللية، آلت إلى شعراء مرحلة نضج القصيدة الجاهلية تراثًا تقليديًّا يمتلك القدرة على استعياب آثار الآثار النفسية الشفافة التي تنبثق في لحظات محاولة استرجاع صور الماضي المفقود, فتستنزف جهد الشاعر رغم بعدها النسبي عن طبيعة تجربته الآنية، لأنها تبدو مهيأة لاستيعاب الزخم النفسي غير المرتبط إلى أية دلالة موضوعية حاسمة في أغلب الأحيان، ولكنها تقدم مؤشرًا واضحًا إلى عمق ارتباط الشاعر بالبيئة التي ظلّت تواجه حياته, يتحدى الرحيل الأبدي وترفد صيغته الطللية بتفاصيل المعاناة، وأما ارتباط المرأة بالصيغة الطللية فإنه يبدو منبثقًا عن ارتباط منابع الحنين إلى الاستقرار ووحدتها النفسية رغم تشبعها الموضوعي, ولذا فلا طلل نجده في قصائد الرثاء والحماسة والهجاء. وخلاصة رأيه رفض التسميات التقليدية, وتقرير أن ينظر إلى الافتتاح على أنه ميدان حديث الذاكرة، وأن ينظر إلى تفاصيله من خلال فهم تكوين الشاعر النفسي والاجتماعي, فضلًا عن فهم طبيعة التجربة الآنية التي يفترض أن تنبثق من خلال وحدة موضوعية تفرض على الشاعر اختيارًا دون غيره في عمله الإبداعي. ولعل أوثق هذه الدراسات صلةً بما نحن بصدده، هو مناهج دراسة الأدب الجاهلي، وهو دراسته الموسومة بـ "نحو منهج عربي في دراسة القصيدة الجاهلية"٤, ويذكر في مقدمة بحثه بعض محاولات إرساء منهج جديد, وهي محاولة كلٍّ من الدكتور محمد النهويهي والدكتور عبد الله الطيب والدكتور مصطفى ناصف، ولكنه

стр. 290

يرى في هذه الدراسات والمحاولات أنها ظلت قائمة على متابعة الجوانب الأدائية الخالصة١. ويذهب الباحث إلى التمسُّك بالقول بأن تشخيص فعالية الجهد الحضاري ينبغي أن يقوم على ملاحظة طبائع العلاقات الاجتماعية والقومية والإنسانية، وتشخيص فعالية أبعاد الضوابط والقوانين المتحكمة فيها، ومدى انشدادها إلى صيغٍ متبلورة تحدد طموحًا إنسانيًّا داعيًا إلى إقامة مجتمع يتركز فيه الجهد الإنساني على توفير فرص الحياة الكريمة للفرد وللمجموع, من خلال استخدام متطور للخبرة الموروثة المكتسبة في ميادين توظيف القدرات الإنسانية, لمواجهة حقائق الحياة وتحدياتها وقوانينها المفروضة٢. والشعر -من وجهة نظره- يقف على ناصية طرفين متداخلين: يتمثّل أولهما في كونه صورة من صور التواصل بين حضارة الأمة وبين فعاليتها الفكرية المحددة بالظرف التاريخي. ويتمثل ثانيهما في كونه شاخصًا من شواخص هذه الفاعلية التاريخية, وفي تميزه منها بقدرته الاستثنائية على نقل أبعاد الطموح والتفاعل الإنساني التي تعجز كل النصوص الموروثة الأخرى عن تشخيص آثارها بصورة واضحة ودقيقة٣. ويزعم الباحث أن "أوليات الفكر الشعري ظلّت تمتد إلى تفاصيل الطموح الذي وجد طريقه الخفي إلى قصائد المديح والرثاء, فرسم من خلالها أبعاد الشخصية الاجتماعية المثلى، وحدد متطلبات "العرف" المفترضة في هذه الشخصية، وذلك منطق ينسحب على قصائد الفخر الشخصي والجماعي التي ظل الشاعر خلالها يقدّم صور الاستشراف الواعي لملامح الطموح, مستهديًا بمقومات الريادة الفكرية للقصيدة الميهأة للانتشار في الوعي الاجتماعي في ظل سلطة "العرف" الخارقة٤، وفي رأيه أن هذا الفهم لطبيعة العمل الفكري في القصيدة الجاهلية سيكون كفيلًا بتفسير ظاهرة ضعف الشعر في المرحلة المبكرة من عصر صدر الإسلام.

стр. 291

أما لوحات الافتتاح فتفصح عن عمق معاناة الغربة في تجربة الشاعر النفسية، وبذلك يتوجَّب علنيا أن نعيد النظر في تفاصيل الدراسات التقليدية, التي منحت الافتتاح بعد المباشرة الموضوعية المحدودة, حتى بدا الشاعر الجاهلي متهالكًا في عالم المرأة التي لم تكن إلّا عنصر إذكاء لمشاعر الحنين إلى الاستقرار، وفي رأيه أن هذا هو السر في تشتت رموزها وتعددها في ديوان الشاعر الواحد، وفي القصيدة الواحدة، بل في البيت الواحد أحيانًا١. ويرى الباحث أن ثَمَّة رغبة فطرية في الانفلات من عالم الواقع إلى عالم أحلام اليقظة الذي يتخذ امتداد المتميز في العمل الفني، وبهذا التفسير وحده نستطيع أن نعلل انشداد بعض النماذج الجاهلية كالصعاليك مثلًا إلى تصوير عالم السعالي والجن, وعلاقات الشاعر ببعض كائناته الأسطورية٢. والرحلة في القصيدة ليست ذات مدلول واحد في الدواوين الجاهلية كلها، وإنما يجب البحث عن مفاتيح منطقية لتعليل امتدادها إلى تجارب شعرية لا حصر لها من الموروث، وذلك قد يعيننا على ملاحظة طبيعة تعامل الشاعر الجاهلي مع ناقته التي تغدو وسيلة من وسائل مواجته لمواقف الصراع أو الانتقال إلى حلم اليقظة الموعود، ومنفذًا فينا لمعالجة التجربة الشعرية في مقطع الغرض "الشريحة الثالثة"٣. وفي الشريحة الثالثة: يرى الباحث أن علينا أن نعيد النظر في صيغ القيم المطروحة في قصائد المديح والرثاء والفخر والهجاء, للإحاطة بأبعاد الشخصية الفردية والاجتماعية التي ظلّ وعي الشاعر مشدودًا إلى محاولة تحديدها, لرسم آفاق الغد الذي ينبغي للواقع أن يعبر إليه، وتلك هي المهمة الفكرية التي لا يريد أن تعلو فتزعم أنها كانت محور العمل الشعري. وذلك ما يفسّر لنا علة اتجاه عامة قصائد المديح والرثاء والفخر إلى رسم الشخصية الإيجابية من خلال سمات الكرم والشجاعة والنجدة, والقول الفصل وحماية الجار والحرص على القبيلة "نواة الانتماء القومي".

стр. 292

أما الذي منح القصيدة الجاهلية قدرتها على التأثير الحاسم في الفكر الاجتماعي أنها ظلت تمثل سلطة "العرف" القادر على استقطاب الرغبة والرهبة في ظروف غياب السلطة التنفيذية المركزية التي تستند إلى قانون مثبت أو سنة مدونة. وهكذا كان "حسن الثناء" رائدًا اجتماعيًّا حاسمًا يشخصه قول السمؤول بن عادياء "اللامية"١. وأما المنهج المؤهل لفهم القصيدة الجاهلية, فهو رهن باستلهام خصوصية الظرف الذي انبثقت عنه، واستقصاء الأرضية الفكرية والثقافية التي ظلت ترفد الأعمال الإبداعية ببعض مقوماتها، فضلًا عن دراسة آفاق الطموح التي ظلّ العمل الإبداعي مشدودًا إليها, فمن خلال هذه المنافذ وحدها نستطيع أن نطل على عالم فسيح يحدد أبعاد هذه الأنماط الخالدة من الأعمال الإبداعية الملهمة في تراثنا الفكري الأصيل٢.

стр. 293

المنهج التكاملي: وللدكتور عبد القادر الرباعي بحوث عدة تدور كلها حول الشعر الجاهلي، ولكنها تدور في محورين: الأول: الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، والثاني: الصورة، هذه البحوث هي: الصورة في النقد الأوروبي, ومحاولة لتطبيقها على شعرنا القديم١. الصورة الشعرية ومجالات الحياة عند زهير بن أبي سلمى٢. شاعر السمو زهير بن أبي سلمى٣. مدخل إلى دراسة المعنى بالصورة في الشعر الجاهلي: بحث في التفسير الأسطوري٤. الصورة والرؤية عند زهير٥. تشكيل المعنى الشعري ونماذج من القديم٦. التشبيه الدائري في الشعر الجاهلي: دراسة في الصورة٧. ويشكل البحث الأول الأرضية النظرية الذي يحاول أن يؤصل مفهومًا للصورة

стр. 294

يتبناه في بحوثه، ويعرض لآراء النقاد قديمًا وحديثًا في الصورة، ويخرج بمفهوم للخيال أنه "نشاط عقلي روحي يعمل على جمع أشتات من الصور المستدعاة لغاية المشاهبة أو المنافرة، لكنه تنتظم بتأثير قوته وقوة الانفعال داخل نسق متحد منسجم"١, وهو أيضًا "قوة ذات نشاط ذهني توحد بين القلب والعقل، بين الوعي واللاوعي, تثار بحافز عميق, ويصحبها انفعال منظم، لتنتج صورًا وأشكالًا تعبر عن تجارب متجاذبة متنافرة, لكنها منظمة منسجمة, وتؤلف كلًّا موحدًا"٢. والبحث في الخيال يؤدي إلى البحث في الصورة التي ينتجها، لكن البحث في الصورة معقّد لكثرة الآراء المتضاربة حولها، ومن أجل ذلك يلزم نفسه بالاعتماد على منهج تكاملي؛ بحيث ينتخب من الآراء الكثيرة المتعددة آراء يعتقد صوابها٣. والصورة -كما يراها- واسطة الشعر التي تتشكل من علاقات داخلية مترتبة على نسق خاص أو أسلوب متميز، وهي وسيلة الشاعر في محاولته إخراج ما بقلبه وعقله وإيصاله إلى غيره؛ لأن ما بداخله من مشاعر وأفكار يتحول بالصورة إلى أشكال روحية، وبالصورة تحقق خاصية الشعر٤. والصورة بالمفهوم الفني: "أية هيئة تثيرها الكلمات الشعرية بالذهن, شريطة أن تكون هذه الهيئة معبرة وموحية في آنٍ"٥ وعناصرها أربعة: عنصران متناسبان ودافع وقيمة٦, أي: العنصر الظاهري، والباطني، والانفعال، والقيمة. وأنواع الصورة هي الصورة الحسية: البصرية والسمعية والذوقية والشمية والحركية، والصورة الاستعارية التي هي مظهر راقٍ من مظاهر الفعالية الخلّافة بين اللغة والفكر. والجانب الحسّي أساس في الصور، أما الجانب الباطني من الصور فهو أفكار الشاعر ونفسيته التي هزتها تجربة عميقة، والصورة لا تلغي التشبيه, ولا تمحو الاستعارة, وإنما تقدم لنا فهمًا أعمق من الفهم الجزئي الذي ارتبط بكلٍّ منهما في السابق. ولابد من بقاء التشبيه والاستعارة وأشكال المجاز الأخرى في أذهاننا, ولكن

стр. 295

على أساس أنها وسائل مختلفة لوسيلة كبرى تضمهنَّ جميعًا١. ويتصل بالصورة شكلان صوريان آخران هما: الرمز والأسطورة. ويجعل كولوردج الرمز "يستمد جزءًا من وجوده من الواقع"، ثم يجعله قابلًا للفهم, ومما يميز الرمز عنده شفافية الخاص في الخاص, أو العام في الخاص, أو الكوني الشامل في العام، وفوق كل شيء: إنه شفافية ما هو خالد خلال الآني وعبره"٢. وهناك دلالات كثيرة للرمز يكاد ينتظمها جميعًا مفهومان: الأول شيء يدل على شيء آخر، والثاني شيء يثمل شيئًا آخر٣. أما الأسطورة: فهي "لون من ألوان الرمز، ولكنه الرمز الذي يرتبط بمبدأ "يونج" في "اللاوعي الجمعي", ويعيش في أجزاء غيبية، فالأسطورة هي "مصدر المجاز الشعري على نطاق واسع، وهي وسيلة من وسائل الخيال، توحي بصور واسعة ذات هوية وجدانية خاصة"٤. وهو يرى أن الصورة بصفتها المركز البؤري للبناء الشعري كله تعمل بوسائلها الخاصة لتحقيق ذلك المطلب، فهي تنقسم داخل المعمل "صور متزواجة" تسير في نسق خاصٍّ تحدده الحالة النفسية لصاحبه, حتى تصل إلى النهاية وهي ترفع شارات النصر؛ لأنها بعثت كوامن الحياة في الجسم، فغدا كأي عنصر في الكون متحدًا مع الآخرين مستقلًّا بذاته وبشخصيته الخاصة، فالصور تلتقي في قطب محوري واحد، ثم تتوزع أزواجًا قد تتباع وتتنافر بحيوية وتكافؤ, ولكنها جميعًا تعمل متعاونة مع العناصر الشعرية الأخرى لتحقيق غاية الشعر الممكنة٥. ويرى أيضًا أن أهم عنصر شعري تطلب الصورة مساعدته هو الإيقاع، والعنصر الأساسي الآخر الذي يساند الصور ويساعد الموسيقى في تحقيق وظيفته السابقة هو الرؤى العاطفية أو الشعور المسيطر، إنه هو الذي يخضع الدوافع لمبدأ الانسجام٦.

стр. 296

وهكذا فعناصر الشعر الأساسية: الصور والموسيقى والشعر المسيطر. والشعر كما يراه، ليس مرآة تعكس مظاهر الطبيعة, ولكنه مرآة تنعكس فيها روح العالم وجوهره العام١. وفي مبحثه الثاني "الصورة الشعرية ومجالات الحياة عند زهير" اختار الباحث زهيرًا لما لهذا الشاعر من مكانة اجتماعية وفنية هامة في عصره. أما مجالات الحياة التي عناها فهي مجموع العلاقات القائمة أو المحتملة بين الإنسان والمظاهر الوجودية كلها، وهو يراها موزّعة على الأنواع الخمسة التالية٢: الإنسان - الحياة اليومية - الطبيعة - الحيوان - الثقافة. وكان زهير يولي الحياة اليومية جلّ اهتمامه كما توحي بذلك صوره في ديوانه, وهذا التوزيع لم يأت مصادفة, ولكنه مشكّل من ارتباطات داخلية للأنا الشاعرة بالآخر "الكون أو الحياة والوجود"٣. واختار الباحث من من الحياة اليومية المظاهر التالية: الأطلال، والظعائن، والرحلة، ومشاهد الصيد، والحرب والسلاح، والسقاية، والخيمة "طبيعة السكنى"، وزينة القوم "الثياب والألبسة"، والنار، والحبل، والمال٤. وفي حصر الباحث الصور المتصلة بكل مظهر من هذه المظاهر، وحاول التغلغل إلى أعماق الظاهرة، ففي الطلل حاول أن يفتش عن العلاقة الداخلية بين المرأة والأطلال من خلال وظيفة كلٍّ منهما في الحياة الجاهلية٥، ويرى أنه إذا كان المكان طرفًا ثابتًا في الأطلال يتلقى تحوّل الحال, ويسجل مظاهره, فإن الزمان طرف متحرك ينقل الأبعاد المختلفة والمتضادة لهذا الحدث المتحول٦. أما الرحلة فيراها منهج حياة في ذلك العصر, ولكنها عند الشاعر وضع شعري يرتبط بشكل تأليفي تآلفي مع الظعائن والأطلال. وإن أهم ما يجب الالتفات إليه عند زهير في رحلته:

стр. 297

الدافع النفسي للرحلة. وأداة الرحلة. وطبيعة المكان المرتحل إليه. وأبعاد الزمن الذي تمتد الرحلة فيه١. وفي مشهد الصيد عندما يصل الشاعر إلى النهاية يجعل فيها النصرة للثور والنجاة للقطاة، وإن الشاعر زهير حينما احتاج إلى أن يوجد معادلًا موضوعيًّا لقوة ناقته ونشاطها شبهها بهذا الثور المسنّ المجرب لمداخل لحياة ومخارجها, بعد أن تعوّد على الرحلة والانتقال من بلد إلى آخر٢. ويذهب الباحث بعيدًا ويعتقد أن كل هذه المشاهد مشاهد الصيد، والتوجيهات المختلفة إلى توجه صورها دلائل رمزية خاصة بالشاعر ومواقفه من قضايا الحياة الكبرى, وبخاصة قضايا الصراع الإنساني, ثم مفهومه من الحق والباطل، فالباطل خاسر في النهاية حتّى لو تمتّع بالقوة والكثرة٣. أما المجال الثاني مرتبة فهو "الإنسان"٤، وأول الجوانب كان النموذج الإنساني بشكل عام "الفرد" الذي يتألّف من عنصرين أساسيين هما: القاعدة الشعورية والسلوك الإنساني. ولاحظ الباحث أن صور القاعدة السلوكية مصروفة عنده إلى الخوف والكراهية والحقد والطمع والحزن والعزة. ومن جوانب الإنسان الأخرى حركته، كما استعار الشاعر أيضًا بعض الصور من حواس الإنسان أو ما هو مصروف إليها مباشرة، وقد أكثر من الصور التي لها علاقة بحاسة النطق. والتفت أيضًا إلى جسد الإنسان, فاستعاد صورًا لبعض أعضائه. كما رسم صورًا لمرض الإنسان, واهتم أيضًا بموت الإنسان. أما المرأة: فهي في شعر زهير جميلة الهيئة والصورة تمامًا, وقد أقام العلاقة بين المرأة والرجل على أساس الوظيفية التي ارتبطت بصفة كلٍّ منهما, فالرجل هو صاحب الحركة والنشاط والفعل خارج البيت، أما هي فخبيئة بيتها تنتظر من يخطبها. وهي تعرف طريقها إلى قلب الرجل، وكيف تحافظ على تعلقه بها.

стр. 298

وهكذا تظل العلاقة بينهما حيوية متجددة, وهي حريصة على المال. والمجال الثالث هو "الحيوان"١: وقد اهتم زهير بالحيوان الأليف وخصّ الإبل والخيل والكلاب, وكان للناقة نصيب طيب، وقد كان يعادل بينها وبين حيوانات أخرى كالفحل "في القوة", والقطاة "في السرعة", وحمار الوحش "في السرعة", وفرس الأخدري "السرعة"، والجبل "في الصلابة", والقصر "العظم والصلابة". أما الخيل فقد شبهها بالناقة "في السرعة"، والثور الوحشي تطارده كلاب الصائدين "في السرعة". ولاحظ الباحث أن صورة الخيل يكثر ورودها في مجال الحرب. أما الكلاب فارتبطت بمشاهد الصيد, وصورتها تشبه صورة الإنسان العاجز الذي يسلم زمام أمره أحدًا آخر يستغل قدراته ويوجهها كيفما يهوى. ورسم الشاعر للأسد من الحيوان البري صورًا شتّى, كان يعادل فيها بينه وبين ممدوحيه. أما المها والظبي فكان يستعيد صورتيهما في مجال وصفه جمال محبوبته "جمال العنق والعينين". وأما النعام فلوصف سرعة ناقته, وكذلك الحمار الوحشي "في السرعة للناقة, وحرصه على أتانه حرص الإنسان على ما ولي من أمر", وكذلك البقرة الوحشية في حرصها على وليدها. أما الذئب فشبه اهتزاز السيف باهتزاز جسمه وهو مسرع, ومن الطير اهتمَّ بالصقر والطقاة "للسرعة", وفي شعره بعض صور متفرقة للحبارى والحمام والغراب والصرد. وينبه الباحث إلى أن حياة الحيوان كانت لدى زهير مجالًا حيويًّا لعرض مواقفه وآرائه من حياة البشر داخل المجتمع الجاهلي الذي كان يعيشه٢. أما "الطبيعة" فاحتلت المرتبة الرابعة في خياله، وأبرز مظاهرها المطر والسحاب اللذان عادل مرارًا بينهما وبي نعمة ممدوحه أو كرمه، وعادل في صور أخرى بين السحاب والأرض في أشكال التضاريس والألوان التي لهما، وكذا بين صوت الحركة للصائد وصوت المطر يتخلل ورق الشجر والنبات، وقد أطلق كثيرًا لفظة "السماء" على المطر. أما الشجر فقد عادل الإنسان في أصله وفروعه بالشجر المتماثل الإنماء, والمعاداة بين الشجر والإنسان عنصر أساسي من عناصر تصوير الشاعر، واستعاد

стр. 299

صورًا لأنواعٍ من الشجر كانت لها أهمية في عصر الشاعر كالنخل والدوم، واهتمَّ بالنبات الأخضر والأرض الممرعة, فرسم منها صورًا ملائمة, وصور الأرض التي لها رسمها متضادة تذكرنا جيدًا بأحوال الحياة المتناقضة. والملاحظ أن الشاعر شغف كثيرًا بالجبل "يشبه الكتيبة المدافعة عن الثغر بحبل يلتف حوله رجال كثر"١ وثمة صور قليلة وردت في الشعر للقمر والليل والنهار والخريف والشتاء والربيع. حقًّا، كما يقول الباحث، "لقد كانت صور الطبيعة بالنسبة للشاعر متنفسًا جديدًا يتوصّل عن طريقه إلى أبسط المواقف الفكرية والشعورية من الوجود"٢. أما "الثقافة" فكانت المجال الخامس من مجالات الحياة. أما البحث الثالث: فهو "شاعر السمو زهير بن أبي سلمى"٣ فالشعر الجاهلي متميز، كما يقول الباحث، بالإشراف والبساطة مع العمق والشمول، وينظر إلى أعلامه على أنهم الفلاسفة الأول الذين ابتكروا المعاني وشققوها بقدرتهم الذهنية، وبإخلاصهم في الوصول إلى حلول مقنعة لمسألة الإنسان والوجود٤. وقد اختار الباحث زهيرًا، وهو مجال معظم أبحاثه، ليتناوله من زاويتين: زهير الإنسان بأصوله وفروعه وسماته الخلقية والمسلكية. والزراوية الثانية: زهير الشاعر, بهدف الوقوف على قدراته الفنية التي جعلته شاعرًا متميزًا في خصائصه ومذهبه. وعندما عرض الباحث لحب زهير مع استمراره في وفائه لأم أوفى, رأى فيها وفي موقف الشاعر يعكس لنا مفهوم الناس في عصره للزواج والحب على حدٍّ سواء٥. وفي محاولة الباحث لتعداد خصاله الحميدة مدللًا بالشعر الذي قاله, وبمواقف حياتية له، فيرى أنه كان من النفر الذين كانوا يحاسبون أنفسهم كثيرًا ليقتربوا من الخير، ويبتعدوا عن الشر، ولهذا استقام خلقه، وباعد بينه وبين الموبقات، كالخمر والميسر والأزلام، ولقد تساوت بذلك نفسه, وابتعدت عن تدني المجتمع الجاهلي.

стр. 300

وسقوطه في الحضيض, وبذلك اقترب من الإيمان١. وزهير، في نظر الباحث، ذو خلق جميل، مشدود برباط الإيمان دائمًا، وبلغ من إيمانه أنه خشي عقوبة الله؛ لأنه هجا بني عليم بن خباب بدون حق٢, وهو يستغل حادثة غير منطقية لحثِّ المجتمع على رؤية الخطأ في نظامه الاجتماعي، فلو كان العدل هو الذي يسيره لما احتاج إلى أن يقبل هذا الأمر الغريب, وكانت تلك الحادثة هي الديات التي أخذت بغير حق؛ لأن الذي تحمّل دفعها لا ذنب له سوى حبه أن يسود الصفاء بدل الشر٣. ولقد كان زهير أليفًا لمن عرفهم واختلط بهم، مهما كانت مستوياتهم الاجتماعية، وعلى أية صفة كانت علاقته بهم, وكان وفيًّا جدًّا، وليس أدلّ على الوفاء الذي فُطِرَ عليه من إصراره ردّ الراعي البسيط "يسار", وعدم حرصه على استرداد بقية ماله, وكان كذلك وفيًّا لزوجه "أم أوفى", فقد ظلّ يذكرها بأحسن ما تذكر به أنثى بالرغم من انفصالها عنه. وكان زهير متعففًا يترفع عن الماديات في علاقاته دائمًا, وقد ظهر ذلك جليًّا في تعامله مع ممدوحيه وبخاصة هرم بن سنان٤, وصفوة القول، كما يرى الباحث، أن زهيرًا يشتغل في شعره، بقضايا إنسانية بالغة الدقة والخطورة في مجتمع جاهلي بدائي كانت تسوده، إلى حد كبير، شريعة باغية قاسية، لذا احتاجت من الشاعر قدرًا كبيرًا من التجرد والتفكير لوضعها وضعًا مؤثرًا. فالشاعر متألم جدًّا للأوضاع السيئة التي ينحدر إليها مجتمعه, وقد مثّل تألمه هذا في صورة شعرية توحي بأن طريق الخلاص هي السير مع حسّ السلام الذي بدأ يتخذ جانبًا إيجابيًّا فاعلًا، ومع كل ما من شأنه ترسيخ قيمٍ أو مُثُلٍ عليا فوق الأرض. ومن هنا التقى كلام الشاعر في دعوته الإصلاحية مع الخلق الإسلامي الذي جاء بعيد موته٥. وأما البحث الرابع فهو "مدخل إلى دراسة المعنى بالصورة في الشعر

стр. 301

الجاهلي"١, وهو بحث في التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي, ويقرر الباحث في ملخص بحثه أنه اتخذ من الصورة الشعرية محورًا للكشف عن المعنى في الشعر الجاهلي. ولكي تتحقق خصوصية هذا الشعر ربط البحث دراسة الصورة فيه بعقلية الجاهليين, والعناصر الحياتية البسيطة التي تيسرت لهم, فأدخلوها في تركيب أشعارهم, واتخذ البحث -من أجل ذلك- من النظرة الأسطورية التي كان عليها الإنسان البدائي منطلقًا للكشف عن ماهية الصورة الجاهلية والمعنى الجاهلي, ذلك لأن الديانة الوثنية التي كان عليها العصر الجاهلي كله فرضت هذه النظرة في تصور الإنسان الجاهلي للحياة والوجود. استعان لإثبات ذلك الذي ذهب إليه بجولة في العقلية الدينية السحرية والخرافية, وما كمن خلفها من اندماج روحي بالأشياء، وهو الاندماج الذي تحققه الصورة الشعرية بشكل عام. وتابع البحث بعد ذلك السمة الصورية في مواضعها من الشعر الجاهلي: في الكلمة، وفي التشبيه، والاستعارة، والوصف، والقصص، مفيدًا في ذلك كله من طبيعة المقارنة بين العناصر والحدود التي تصدر عنها الصورة الشعرية. وقد حاول الباحث تجاوز الحسية والغرض ووحدة البيت والجزئية التي ما زالت الدراسات التقليدية تنتهجها, وطرح بدائل أكثر شمولية, فربط الشعر الجاهلي بالتجربة الوجدانية للإنسان العربي القديم حتى أصبح الحسّ روحًا, والغرض حدثًا, والوحدة الجزئية بناءً دراميًّا تتفاعل على داخله المتشابهات والمتنافرات لتشكّل وحدة نموذجية جذرية, يلتقي فيها الواحد بالمتعدد, والذات بالمجموع، والخاص بالعام. وينطلق الباحث في مناقشاته النظرية والتطبيقية من نظرية شمولية عامَّة للشعر؛ حيث هناك عنصر عام مشترك يجمع الشعر في كل زمانٍ ومكانٍ, هو حاجة الإنسان إلى تعبيرٍ قولي منظم عن تجربته ومعاناته في مواجهة الكون والوجود. وغرض البحث، كما حدَّده الباحث، رسم مسار عام يمكن لأية دراسة تفصيلية مشابهة أن تسلكه٢. وأما اختيار العنوان: "دراسة المعنى بالصورة", فإنما

стр. 302

اختاره للتغلب على معضلة نقدية قديمة، وهي الفصل الذهني بين الشكل والمضمون, أو المادة والبناء, عن طريق حرف العطف "الواو" الذي يقوم فيهما بفصل الشيء عن ذاته١. ويذهب الباحث بعد استعراض آراء النقاد الغربيين إلى تبني أن الصورة بنضارتها وتكثيفها وقوة الاستدعاء فيها, تتولد بعد مواجهة حقيقة من الشاعر للعالم, وإقبالٍ روحي عليه, واندماج كلي فيه. لذا تصبح رؤيته فيها خاصة, وأقلّ ما توصف به أنها رؤية داخلية متميزة لعالم جديد متميز، وهي رؤية تبتعد عن العادي المألوف, أو العلمي الدقيق, وتجري وراء الخفي البعيد المدهش٢. أما عن دراسة الأدب الجاهلي: فيرى الباحث أن هذا الشعر يظلّ وإلى الأبد يفرض نفسه على كل جيل، ومن هنا تغدو دراسته ودراسة الشعر القديم بعامَّة بعقلية جديدة إحياء له في الشعور والوجدان، وهو رأي اقتبسه وتبناه من بعد الدكتور شكري عياد. وللصورة عنصران أساسيان لا بُدَّ لكل ناقد من اكتناهها, وهو يتعامل معها وهما: ١- نوعية العناصر الداخلة في تركيب الصور وعلاقتها المتشابكة. ٢- طبيعة العقلية المشكلة لذلك التركيب ورؤيتها للوجود. ويفترض الباحث أن الإنسان الجاهلي ذو تفكير وثني، وأن مثل هذا التفكير يثبت أنه كان يحتفظ بمقدار كبير من الطبائع العقلية لأجداده القدامى، وأنه كان يصر على الاحتفاظ بهذه الطبائع، وذلك استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون﴾ ٣. والجاهلي بدائي، من وجهة نظر الباحث، وليس بدائيًّا بمفهوم التخلّف كما فهمت من مناقشتي معه، ولكنه لأنه يشكل نقطة البدء الحضارية للعرب. والبدائي

стр. 303

إنسان يتصرف لحل قضاياه الوجودية بدوافعه الروحية أكثر من وعيه العقلي المجرد١. ويؤكد حقيقة لها أثرها في تركيب هذا البحث, هي أن هذه العقلية الجاهلية ذات الطابع البدائي في مواجهتها لظواهر الكون ومشكلات الحياة كانت تحقق النظرة الأسطورية التي ترى الأرواح حالة في كل مكان ومتلبسة كل جماد، وهي نظرة تجمع بين الأشياء والأحياء في وحدة وجودية شاملة؛ بحيث يغدو الإنسان البدائي فيها لا يتصور عالمه الطبيعي صامتًا, وإنما يتصوره حيًّا مدركًا، وبهذا يلتقي الأسطوري والشعري٢. والأسطورة أو النظرة الأسطورية توحد بين الدين والسحر والشعر, أو الفن بشكل عام. ويرى فريزر أن الإنسان الوثني القديم أراد السيطرة على الكون والأرواح الدنيا بالتماس العون من الأرواح العليا مستخدمًا هذه الوسائل الثلاث٣. وفي الجزء المتبقي من البحث يحاول الباحث أن يدرس المعنى بالصورة بالتقاط صور من الشعر الجاهلي تدخل في المجال الذي اختاره, وضمن المنهج الذي اختطه لنفسه, ومن الصور: "صورة الوشم الذي شبه به الطلل"٤، ورأى أن صورة الوشم، الطلل لم تكن خارج الذات عندهم، وبذلك أمكن لهذه الصورة عندهم أن تحقق رمزًا عامًّا يرتبط فيه كل واحد بسبب قريب أو بعيد, وكان الطلل عند الجاهليين لحظة تنويرية في الزمن الوجودي للإنسان٥. وهناك مظهر شعوري آخر يدور حوله جدل, هل هو صورة أم لا. ذلك هو "الوصف الحسي الواسع"، لبعض الظواهر والموجودات التي كان لها تأثير آنذاك؛ كالمرأة والناقة والفرس والظبي والصحراء والمطر والشجرة. واكتفى الباحث بتتبع صورة الفرس٦.

стр. 304

واستنتج الباحث نمطًا ثالثًا جديدًا كان مثار جدل, وهو تلك القصص المروية عن الحيوان الذي شبهت به الناقة أمثال: الثور والبقرة وحمار الوحش والقطاة والظليم١. ويذهب الباحث إلى تقرير أن الثور صورة للناقة، وأن الاثنين معًا صورة للإنسان، فهو المحور الذي ترتد إليه أو تقاس به كل الصور٢, كما يذهب إلى أن الكلاب, أي: الصائد، في عقلية الجاهليين، ملازمة للثيران أبدًا, والصراع بينهما ثابت، وأن الكلاب كانت شخصية مكروهة مرفوضة في العصر الجاهلي، فهي تمثل الشرّ وترمز إليه٣. وأخيرًا يقرر الباحث أن الصورة الشعرية الجاهلية هي ابنة العقلية ذات الاستراتيجية الروحية في تعاملها مع الأشياء, لذلك كانت منابعها هي المنابع الجاهلية التي شكلت الأصنام الوثنية والشعائر الدينية, ثم الممارسات السحرية والحكايات الخرافية, وهي منابع تعود إلى أحلام الأمة القابعة في الذاكرة العرقية واللاشعور الجمعي، وغدت الصورة تصويرًا لنماذج عليا٤. وإن معنى الصورة الجاهلية هو المعنى الفائق للعادة الذي لم تحققه أو تسعى لتحقيقه الذات الجاهلية فقط، وإنما الذات الإنسانية في كل زمان ومكان. ولهذا التقت دلالات الصورة المحللة في هذا البحث مع الدلالات العالمية للمنطلقات السلوكية في الدين والسحر والفن, أو الشعر عند الإنسان القديم, وهكذا كان الشعر الجاهلي كما عبَّرت عنه صوره أبعاد معنوية ترتد إلى تجربة الإنسان التي اتخذت طابعًا عالميًّا٥. ويرى أن مثل هذا التوجه في التفسير للشعر الجاهلي يزيح ثلاثة حواجز وقفت أمام دارسيه وهي٦: أولها: إن الحسية، وهي مما اتهم به، ما هي إلّا واجهة مادية لحاجة روحية بعيدة الغور والامتداد.

стр. 305

ثانيها: إن الأغراض الشعرية ما هي إلّا مسائل خارجية ينطلق الشاعر منها إلى تمثّل حاجاته الإنسانية بالحدث الصراعي البطولي، وهذا يتطلب الغوص بدلًا من التوقف عند سطحها. ثالثها: إن وحدة البيت والفكرة ليست بذات قيمة إلّّا إذا انتظمت في وحدة العمل الفني الكلي. وفي البحث الرابع "الصورة والرؤية عند زهير بن أبي سلمى"١ يحاول الباحث أن يكشف وجه آخر من أوجه الصورة عند زهير هو "المعنى" بعد أن تنول "المصدر" في بحث سابق٢, وهذا يدل على أن هذا البحث الذي نعرض له تأخر في نشره حيث هو فنيًّا وزمنيًّا تالٍ لذلك البحث المنشور عام ١٩٨٠. وهذا البحث يهدف إلى جلاء أبعاد المعنى ومستوياته وتشابكاته كما توحي بها الصور على اختلاف درجاتها التركيبية٣. وبادئ ذي بدء يقرر بأن الصورة الشعرية قد ركبت فيه تركيبًا إنسيابيًّا يعتمد أسلوب الحكاية أولًا، والتعلق بالفعل الحركي ثانيًا٤. وإن أول ما تفرضه علينا طبيعة الصورة عند زهير هو التعامل مع الشاعر على أساس معدنها الإنساني الذي تتوحد فيه الاتجاهات المختلفة جميعًا٥. وإن زهيرًا كان ينقل العلاقات والدلالات من جوِّ الإنسان إلى جوِّ الحيوان وبالعكس٦. ولعل هذا مرتبط بالطوطمية بمظهرين: اجتماعي وأسطوري. وأما المرأة فيرى الباحث بأن التوحيد بينهما وبين القبيلة قائم في خيال زهير ورموزه، وأن العلاقة بين الشاعر والمرأة في كثير من مقدمات قصائده قد ترتد إلى العلاقة بين الفرد والقبيلة٧, وأن توحد المرأة بالقبيلة في شعر زهير وربما في الشعر

стр. 306

الجاهلي أيضًا مرتبط بمجموعة من القيم المتماثلة التي تحدد مستويات الارتباط بهما، ولكن لباحث لا يلبث أن يستدرك بأن ما أورده لا يعني أن المرأة دائمًا ترمز إلى القبيلة أينما وجدت في قصائد الشاعر، بل ربما كانت امرأة حقيقية، بصفتها وطبيعتها١. وثمة ظاهرة أخرى, وهي حب الفرد للقبيلة, ويعزز هذا ثنائية أخرى مهمة في التكوين الاجتماعي هي الاغتراب والتوحد, وقد انعكست هذه الظاهرة بشكل حاد في ديوانه٢, ولهذا التوحد مردود أمني يتجاوز حدود الفرد إلى المجموع٣. وثمة ثنائية أخرى في شعره هي ثنائية الثابت والتحوّل التي تشكّل معنى اجتماعيًّا كبيرًا ناقشه زهير مناقشة شعرية جادة؛ لأن فيه موقفًا مبدئيًّا نابعًا من عاطفتي الحب للعشيرة والإخلاص لمبادئها العليا "هرم بطل زهير الاجتماعي"٤. والرحلة تشكل صورة مركزية في كثير من قصائد زهير، وهي لا تنفصل بحالٍ عن حاجته الداخلية للتحول من حال إلى حال، لذلك يأتي موقعها وسطًا بين عالمين من القصيدة: عالم عطلت فيه الحياة، وعالم دبت فيه الحياة، ولهذا اتخذت طابعًا قاسيًا٥. فحركة الظعائن هي حركة نحو البديل الأجمل٦. وأما الموت فقد شكلت رؤيا البقرة وافتراس السباع ابنها، سلوكًا شعريًّا أدار عليه زهير كثيرًا من صوره الكبرى٧, وقد عبر عن الموت الذي يأتي بالحياة في صورة مفردة, وفي مجالات أخرى أحيانًا كموت المال الذي يكون لابتعاث حياة جديدة. فالمغالبة العنيدة الذكية شعار زهير في فلسفة الموت والحياة, ولكنها مغالبة الأمان والسلام المتوازن للذات والآخرين, وفي هذا حل للتناقض الذي يبدو في دعواته المتكررة للسلام٨. وأما المكان فقد تعلّق به زهير وأحسّ بفاعليته، هو عنده موضع للموت

стр. 307

والحياة، وأن جدلية الموت والحياة فوق الطلل قد انحلت في ثنائية أخرى هي الإنسان/ والحيوان البري، وغياب أحدهما كان يعني حضور الآخر١. وأما الزمان: فقد أحسّ به الشاعر كثيرًا، وقرنه بالطلل دائمًا, ولكن الزمان في الطلل ارتدادي من الحاضر إلى الماضي، وهو موحّد الأطراف يجمع أوقاتًا متباعدة على رقعة مكانية واحدة موحدة أيضًا٢. وفي نهاية رحلة البحث ربط بين رؤية الشاعر وفلسفة العمل، فهي التي كانت وراء موقف التحدي في كل المسائل الوجودية التي ناقشها الباحث. لقد كانت قائمة في العلاقة التي صوّرها بين الفرد والقبيلة, والموت والحياة, والزمان والمكان, وغيرها. وهي فلسفة فجَّرها عند الشاعر عشق روحي للأبعد, ولذا رفض الثبات وعاش التحول على قسوته، وقاومه الاغتراب ودعا إلى توحد كامل قوي، كما واجه قدره فانتزع الحياة من الموت, وتمرد على المكان القيد, فانطلق يرتاد أماكن التحرر والانعتاق، وأبى أن يعيش أسير الماضي فجدَّ في أن يصوغ منه ومن الحاضر قاعدة للسياحة في الآتي اللانهائي، فالعمل عنده عمل القيمة والوجود, وبذلك كله حقَّق زهير ما سمي بالإنسان العزيز العنيد الذي يصارع لتلتئم أجزاؤه، ويسمو على عبوديته للزمن٣. أما البحث السادس "تشكيل المعنى الشعري ونماذج من القديم"٤: ويرى الباحث أن الناقد يستطيع أن ينظر إلى مجموع التزامات أو العلاقات من خلال تشكيلين أساسيين للمعنى هما: التشكيل المكاني والتشكيل الزماني, وهذان التشكيلان هما محور المعالجة في بحثه هذا من خلال نماذج من الشعر العربي القديم٥. ويغدو المكان ذا فائدة حينما يحوّل الأدب إلى موضوع أو مادة في أجمل معانيها، والرؤية تتحقق فعلًا حينما نصبح قادرين على تجميع العلاقات في محاور متصاحبة في مكان ما يبرز نظامها, وهذا يجعل إمكانية رؤية التجربة الأدبية أكثر

стр. 308

حيوية وإبداعية، ويمدنا كذلك بمحور مركزي لمجموعة العناصر القابلة للمشاركة١. والباحث من خلال عرض نماذج من الشعر القديم يثبت أن التشكيل المكاني الشعري قد منح حواسّنا القدرة على الإدراك الحدسي الذي تجاوزنا به سطوح المواد المتجمعة إلى الأعماق البعيدة المفتوحة على اللا محدود من الأمكنة٢. أما الطاقة التي تعطي المكان القدرة العظيمة, فهي طاقة الخيال التي تتحوّل فيها الأشياء الصغيرة إلى عوالم واسعة، ولذا ربط النقاد المكان بالخيال٣. وهذا يخلص الباحث إلى أن الصورة الشعرية تستوعب صفات التشكيل المكاني، أي: الطرف الأول في تشكيل المعنى الشعري. وأما التشكيل الزماني فيستوعب صفاته الإيقاع الموسيقي, ويتناول الباحث الإيقاع في بعدين: البعد الطولي وهو الحركة الترددية التي تعتبر الأشياء أثناء قراءتنا من اليمين إلى اليسار, وتؤلف إيقاعًا موضعيًّا. والثاني: البعد الشاقولي، وهو يعني: الحركة التزامنية التي تعبر القصيدة من أولها إلى آخرها, وتؤلف إيقاعًا بنائيًّا. ويثمل ببائية أبي تمام على البعد الإيقاعي الأول، بينما يمثل للبعد الثاني بسينية امرئ القيس، ولامية ضابئ البرجمي٤. ويخلص الباحث إلى القول بأن المكان في الأدب يحتاج إلى الزمان، لأنه يتشكل فيه ويتحرك بحركته عبر أشيائه، وإن الزمان يؤلف من مجموع الأصوات الرفيعة مكانًا نغميًّا تعرضه الأذن متحركًا عبر المكان، فيدرك ويفكر بأبعاده وعلاقاته٥. أما النتيجة الختامية لجولته النظرية التطبيقية هي أن مجموع التشكيلات المكانية والزمانية في الشعر تتفاعل معها لبناء شبكة من العلاقات المختلفة التي تتقارب وتتباعد في أوضاع تزامنية وتواؤمية لخلق رؤيا إبداعية تنشأ عند الشاعر أولًا، ثم تنحل في الناقد فتحرك طاقات الإدراك الكامنة عنده ثانيًا, ويتولد المعنى الأعمق للإنسان والوجود من خلال التفاعل بين الرؤيا عند الأول والإدراك عند الثاني٦.

стр. 309

والبحث الأخير هو "التشبيه الدائري في الشعر الجاهلي: دراسة في الصورة", ويعرف التشبيه الدائري بأنه المشاهبة التي يحدثها الشاعر بين شيئين أو أشياء في تركيب فاتحته نفي بحرف "ما"، وخاتمته إثبات بحرف "الباء", واسم التفضيل الذي على وزن "أفعل"١, ويسرد الباحث تاريخ هذا المصطلح في النقد العربي القديم، وخلص إلى أنهم لم يعدوه نوعًا من التشبيه، بل نوعًا من البديع، واختلفوا بعد في تسميته. ولم يكن حظ المحدثين بأوفر من القدامى، لذا فقد سموه بأسماء مختلفة٢, لذلك اصطنع لنفسه هذا المصطلح الذي لم يرد كاملًا عند أحد. وقد نبه الباحث إلى أن هذا التشبيه كثر وروده في الشعر الجاهلي إذا ما عد لونًا مميزًا، فقد أحصى ثمانية وخمسين تشبيهًا دائريًّا لدى اثنين وعشرين شاعرًا, ولكن شاعرين برزا في هذا اللون هما: الأعشى وأبو ذؤيب الهذلي٣. ولاحظ الباحث أن هذا التشبيه ترتد عناصره إلى مصادر أساسية ثلاثة: الحيوان والطبيعة والإنسان٤. أما الحيوان: فتتوزع على الظبية والأسد والنعامة والصقر, وأما الطبيعة: فكان التشبيه موزعًا بين الماء والنبات والصخر, وأما الإنسان: فتوزّع بين شراب الإنسان والنماذج البشرية والأم. ويربط الباحث بين النماذج التي عرضها والحكاية القصيرة أو الطويلة، ولاحظ أنها تركز أولًا على الحدث أكثر من الصفة، وأنها تطور الشخصيات المحركة لها والمتحركة بها، وأنها اهتمت بالمكان والزمان، وهكذا غدت الملامح القصصية في التشبيه الدائري من أهم الظواهر المشتركة بين نماذجه المتعددة في العصر الجاهلي. وقد ربط الباحث أيضًا بين هذا التوجّه القصصي والحكاية الخرافية التي حصرها الشاعر في مشاهد متعددة في القصيدة الواحدة, ولهذا صلة بالعقلية العربية في العصر الجاهلي.

стр. 310

وبز من وظائف التشبيه الدائري أحيانًا تحقيق الوحدة في القصيدة، وكان الإنسان الجاهلي في التشبيه الدائري يشق طريقه وسط متناقضات رهيبة تهدد حياته بالدمار في كل لحظة؛ ففي النماذج التي صورها الشاعر قد رفع هذه النماذج فوق صور البشر، وقربهم من صور الإلهية كما جسدتها العقلية الوثنية العربية. والملاحظ أن الشاعر شغف كثيرًا بالجبل "يشبه الكتيبة المدافعة عن الثغر بجبل يلتف حوله رجال كثر"١ وثمة صور قليلة وردت في الشعر للقمر والليل والنهار والخريف والشتاء والربيع، حقًّا، كما يقول الباحث: "لقد كانت صور الطبيعة بالنسبة للشاعر متنفسًا جديدًا يتوصّل عن طريقه إلى أبسط المواقف الفكرية والشعورية من الوجود"٢. اما "الثقافة" فكانت المجال الخامس من مجالات الحياة, ويتبنى الباحث مفهومًا للثقافة بأنها: "القاعدة الخلقية والفكرية التي يرتكز عليها أسلوب الفرد الاجتماعي"٣, ومن ذلك الكتابة التي عرفها الناس وشاعت في زمانهم القديم، وفيها استعادته أخبار السلف وبخاصة جوانب القصص الذي كان يشكل في خيال الناس قضية من قضاياهم المصيرية "قصة أحمد عاد أو ثمود" الذي كان أمثولة الشؤم عندهم". ومن ذلك أيضًا ما يشعرنا بزراعتهم وصناعتهم وألعاب الأطفال بالخذروف "ومقلالًا الوليد"، ومن عاداتهم الدية وتقاسم الماء عندما يقل بحصاة "حصارة القسم", وقرى الضيف وخرب الأيسار وتسنيح الطيور وإدخال الأيدي في عطر, فشم للتحالف وإيقاد النار للكرم أو للحرب ورفع اللواء في المعارك, ومنه الطقوس الدينية التي صورها زيارتهم للأماكن المقدسة وحلاقة رءوسهم، وتقديم الضحايا والقرابين لمعبوديهم. ومن مجالات التعامل بينهم التداين الذي شكّل عندهم قاعدة السلوك٤, ويخلص٥ إلى أن الصور الثقافية أعطت -على قلتها- فكرة وافية عن البنية الداخلية التي كانت تؤلف القاعدة لكل سلوك فردي واجتماعي في عصره.

стр. 311

دراسات أخرى: وبالرغم من أن ما اصطنعناه من تقسيم للدراسات وفق مناهج معينة، فإنني لا أستطيع أن أجزم بالتزام باحث منهجًا معينًا دون أن يفيد من المناهج الأخرى, ولكن السمة الغالبة على منهجه هي التي دعت إلى وضعه في هذا المنهج أو ذاك, وتبقى بعد ذلك دراسات ذات قيمة، وقد التفت أصحابها إلى النص الشعري الجاهلي فدرسوه دراسة تجاوزت حدود الدراسة التقليدية, وجمّودها عند حد معين. وأول الباحثين الدكتور لطفي عبد البديع، وله دراستان؛ الأولى: تنظيرية "التركيب اللغوي للأدب"١ والثانية: دراسة تطبيقية "الشعر واللغة"٢. وأما الدراسة الأولى فيصرّح منذ بداية المقدمة أنه "يحمل إلى العربية فكرًا جديدًا تستقيم فيه لعلم الأدب طريقته، فقد طالما انحرفت به الأقلام إلى غير موارده، فتوارت حقائقه وعقمت مادته، واضطرب نسقه"٣. وعندما يبحث عن الأسباب يجدها في البلاغة ومنطقها الصوري الذي فتت الحقائق الشعرية, وطوفان التاريخ والجغرافية الذي أغرقه في متاهات، وعلم النفس الذي التوى به إلى غير غايته، وعلم اللغة والنحو الذي أفضى به إلى طريق مسدود، والأهواء التي توزعته فلم تصح فيه قضية٤. ولكن الأمل يراوده؛ لأن علوم اللغة والأدب تغمرها ثورة رائعة، والظاهرة

стр. 312

الشعرية لغوية في جوهرها, لا سبيل إلى التاني إليها من جهة اللغة التي تتم فيها عبقرية الإنسان وتتقوم بها ماهية الشعر. وعلى هذا يدير البحث في الكتاب. وبحثه هذا فلسفي يجمع نظرية اللغة استنطاق الأدب، جدلي قطبي يتصل أوله بآخره, وتقضي بدايته إلى نهايته، ويدل بعضه على بعض, وتنزع فيها كل حقيقة إلى ما يماثلها، في نظرية متسقة تقوم على التجربة الحية والفطرة التي يتعاطى معها الإنسان الظاهرة الأدبية ليقف على مقوماتها, وهي تتفاعل لتنهض بعبء التركيب١. وقد جاء البحث في فصول سبعة هي: أثر المنطق في التفكير اللغوي والبلاغة, والدلالة اللغوية في التفكير الفنمولوجي, والدلالة الذاتية والمحاكاة, والأسلوبية والبلاغية، والعمل الأدبي بين المؤلف والقارئ، والرمزية وموضوعية الأثر الأدبي، ووظائف اللغة ونظرية الأنواع الأدبية. وأما الدراسة الثانية "الشعر واللغة": فيكرر فيها بعض ما جاء في الدراسة الأولى, وهو أن الشعر قد "توارى بين ركام الأخبار", وتراجم الشعراء والأحكام التي يتناقلها الخلف عن السلف, ثم لا يكون من وراء ذلك شيء", وإن طائفة من النقاد قد اعتدت بأطراف من نظرية "تين", وجعلت من ثالوثها المركب من "الجنس والبيئة والعصر" عصًا سحرية لقفت ما عداها"٢. ويتبنّى الباحث مقولة "هيدجر"٣ من أن الشعر هو الذي يبدأ بجعل اللغة ممكنة، وأنه هو اللغة البدائية للشعوب والأقوام، وأما ماهية اللغة فتهم من خلال ماهية الشعر, وأما الشعر فهو الأساس الذي يقوم عليه التاريخ وليس زينة تصاحب الوجود الإنساني, ولا مجرد تعبير عن روح الثقافة. وأما منهجه في الدراسة فهو البحث عن اللغة في القصائد، ولكن البحث عن لفظ مستعار أو وجه من وجوه التشبيه، ولكن هدفه "البحث عن الوجود الشعري الذي يتحقق في اللغة باعتبارها فكرًا للشعر لا يلبث الشاعر معه أن يجد نفسه وقد أحاطت به الكلمات من كل جانب"٤.

стр. 313

وأما ما يخلقه الشاعر من هذه الكلمات فهو "عالم جديد يقيمه على أنقاض الفناء في المعركة الرهيبة بين الإنسان والطبيعة, أو بين الإنسان والإنسان.. وإلى هذا العالم تذهب المعاني تتعانق مع غيرها, وتدل على الوجود الشعري وتحققه, وفيه تتلاقى شتّى الصور والتراكيب, وقد تظهرت جميعًا لإبراز الدلالة الكلية"١. وقد درس الباحث القصائد التالية: عينية الحادرة٢, ونونية ذي الأصبع العدواني٣، ومعلقة طرفة٤، وميمية المخبل السعدي٥، وعينية متمم بن نويرة٦, ودرس نصوصًا أخرى من مختلف العصور بما في ذلك العصر الحديث. والباحث في دراسته لهذه القصائد لم يحللها من ألفها إلى يائها, ولكنه وقف عند قضايا أو جزئيات تخدم منهجه وهدفه، وكانت وقفاته لمَّاحة ودقيقة تكشف وظيفة اللغة ممثَّلة في اللفظة، وقد اختار نصوصًا يستطيع من خلالها إثبات ما ذهب إليه, ولكنه كغيره أفاد من المناهج الأخرى, وإن كانت لي ملاحظة فهي سرعة هذه الدراسة وعدم صياغة كل دراسة في منظومة واحدة متكاملة تلقي مزيدًا من الضوء على ما تبناه من منهج. وللدكتور عبد الجبار المطلبي دراسة في الأدب القديم وهي "مواقف في الأدب والنقد"٧, والكتاب مجموعة محاضرات أو بحوث من نتاج الباحث, وينتظم الكتاب المباحث التالية: في الأدب العربي القديم ونقده٨، ومحاولة في تفسير صورة من صور الشعر الجاهلي٩، والشعر والأخلاق١٠، والشعراء وتجربة الشعر١١.

стр. 314

ويتبنَّى الباحث في مقدمة الدراسة رأيًا مفاده أن تطبيق الناقد لنظرية جمالية أو فنية على أثر معين من آثار الفن هو حكم سابق لا مسوغ له، ودراسة تنقصها النزاهة التي يفترضها القارئ في النقاد؛ لأن الناقد الحق مشاهد لا يحتاج إلّا إلى أن يرى الأثر الفني كما هو في ذاته, وأن الأثر الفني الأصيل المبتدع لا يخضع بطبيعته لمقاييس سابقة انتزعت من أثر آخر له تفرُّده وأصالته. ولكن الباحث يستدرك بأن ذلك لا يعني جهل الناقد بنظريات النقد والجمال, فرصد الناقد المنظر الأثر الفني قد ينطوي على كشف وجهٍ من وجوه ذلك الأثر، أو في الأقل، تصويره من زاوية إنسانية معينة، وعلى بعد معين منه، مما قد يعين على فهم أعمق لذلك الأثر الفني الفريد, ولكنه يعترف بأن مخاطر مثل هذا النقد تبقى ماثلة ما لم يكن الناقد مدركًا لها، عارفًا أن مثل هذا النقد قد يكون حكمًا سابقًا متحيزًا، وقد يقتصر على كشف عناصر النظرية وأهواء معتنقها مما هو بعيد عن الأثر المبتدع، غريب عليه١. ويعترف أيضًا أنه استضاء بنظريات الأدب ومصطلحاته في مختلف العصور، ولكنه حاول ألا يكون أسير تلك النظريات والمصطلحات، وجهد أن ينتزع نفسه من قيودها في دراسة جوانب الأدب العربي القديم، ولكنه لا يجزم بأنه نجا من حبائل تلك النظريات غير المنظورة٢. وفي حديثه عن "الأدب العربي القديم ونقده" يبدي ملاحظتين: أولاهما: إن الأدب يسبق معايير النقد، وثانيتهما: لا يصح مسلك النقاد العرب في هذه الأيام، أو مسلك كثير منهم على وجه التحديد، في تطبيق معايير النقد الغربي ومصطلحاته على الأدب العربي، لا سيما القديم منه٣. ومما يأخذه عليهم أن يسلكوا الشعر الجاهلي عامة في باب الشعر الغنائي، وأنهم بعد ذلك يحاولون أن يتحرورا فيه عمَّا يمكن أن يكون شبيهًا بالشعر الملحمي أو الشعر القصصي, وقد فاتهم أن الشعر الجاهلي نمط مستقبل من الفن يختلف عن آداب الأمم الأخرى، وأنه ابن تلك الصحراء٤.

стр. 315

أما جهد النقاد القدامى فيرى أنهم عجزوا وقصرت بهم خطاهم عن الحكم الصائب والتقويم السليم, وذلك لأنهم اعتمدوا على قيم فنية ومعايير أدبية انحدرت إليهم من أمم أجنبية١. وإذا كان لا بُدَّ من اصطناع مصطلحات حديثة, فإنه يجب مراعاة أمرين٢: أولهما: الحذر في الاصطناع مدركين حدودها وما تنتهي إليه, وما تثيره من دلالات ومفهومات. ثانيهما: الاصطناع مع الاقتصاد والحذر لما له من صفة العمومية التي تشترك فيها آداب بني الإنسان في مختلف العصور. أما الوحدة في القصيدة٣: فهو يراها شبيهة بعلاقة الإنسان الفرد بسائر قبيلته، له شخصيته واستقلاله, ولكن وحدة أخرى أقوى من ذلك تشده إلى قبيلته وتجعل منه جزءًا لا ينفصل عن كيانها ووجودها. ولقد عبّر المذهب البدوي عن نفسه في القصيدة وما تتألف منه من صور ووقائع تنتظمها وحدة قائمة على ترابط تلك الصور بعضها ببعض. وفي معرض دراسته لقصة الثور الوحشي وتفسير وجودها في القصيدة الجاهلية ينعي على مؤرخي الأدب الجاهلي معالجتهم الوصفية للشعر الجاهلي "أسلوبه، صوره، فنونه، موضوعاته ... إلخ"٤. وهو يؤكد أن أقدم المحفوظ من الشعر الجاهلي يتسم بتنويع في التعبير اللغوي، وهذا يفترض وجود مذهب للشعر له قواعده وتقاليده، وأن هذا المذهب تكون نتيجة تطور أدبي خلال قرون طويلة سابقة٥، وهذا يعني تراكمات من الحضارة والمعتقدات ضاع الكثير منها. ومن هذا المنطلق حاول إعادة النظر في ذلك الشعر علّه يجد فيه أصداء

стр. 316

لأشياء قديمة قِدَم تاريخ الأمة العربية، بل قِدَم أصلها الأول الذي نشأت منه. وكانت محاولته بتفسير مظهر من مظاهر القصيدة الجاهلية مما يتّصل بثور الوحش, وهو يأخذ نماذج من دالية النابغة: كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحد وقافية زهير: كأن كوري وانساعي وميثرتي ... كسوتهن مشبًا ناشطًا لهقا ولامية لبيد: كأخنس ناشط جادت عليه ... ببرقة واحف إحدى الليالي ويعالج قصة ثور الوحش بالعودة إلى الوراء قرونًا طويلة, ليصل إلى شوطئ دجلة والفرات حيث السومريون وملحمة جلجامش، ويطوف في الفنيقيين والعبرانيين وغيرهم, ليجد من آلهة كلٍّ شيئًا مشتركًا عندهم جميعًا, ويخلص إلى أن أقوام الهلال الخصيب قد عبده الإله - الثور، إله العاصفة. ويخلص إلى أن هذه الصور، صور ثور الوحش، إنما هي تطور لترانيم أو ملاحم أو تفوهات دينية قديمة تتصل بقدسية الثور وما كان يرمز إليه من الخصب والمطر والاتحاد به بالصيد، ولكنها لم تعد تحمل مغزى دينيًّا, بل انتهت إلى الشعراء الجاهليين تقاليد أدبية، وإن لم تخل من إشارات قدسية١. وتتكشف القصيدة الجاهلية في قصة الثور عن أبعاد جديدة تتصل بقصة الإنسان الخالدة في دورة الحياة والموت واختلاف الفصول وقدسية الحيوان٢.

стр. 317

النصوص الجاهلية التي درست ... النصو الجاهلية التي درست: الأعشى: ١- المعلقة ومطلعها: ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعًا أيها الرجل "النهويهي ٨١٦-٨٨٠، إبراهيم عبد الرحمن، فصول مجلد ٤، عدد٢، "١٩٨٤"، ص٣٩، إبراهيم عبد الرحمن: الشعر الجاهلي ٣١٥". ٢- البائية ومطلعها: أوصلت صرم الحبل من ... سلمى لطول جنابها؟ "إبراهيم عبد الرحمن: فصول مجلد١, عدد ٣، ١٩٨١م، ص١٣٨، الشعر الجاهلي، ص٢٦٤". ٣- القافية ومطلعها: نام الخلي وبت الليل مرتفقًا ... أرعى النجوم عميدًا مثبتًا أرقا "إبراهيم عبد الرحمن، فصول, مجلد٤، عدد٢، ١٩٨٤، ص٣٩". ٤- الخمرية, وهي أبيات تخللت قصيدة مدحه لإياس بن قبيصة الطائي: وشمول تحسب العين إذا ... صفقت وردتها نور الذبح "في النقد الأدبي: إيليا حاوي ١/ ٣٣٥-٣٤٤". ٥- الدالية: أجدك لم تغتمض ليلة ... فترقدها مع رقادها "إبراهيم عبد الرحمن: الشعر الجاهلي ٣١٢، من أصول الشعر العربي القديم: فصول مجلد٤، عدد٢، ١٩٨٤، ص٢٤ وما بعدها.

стр. 318

امرؤ القيس: ١- المعلقة ومطلعها: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل "في النقد الأدبي: إيليا حاوي ١/ ١٥٥، الأطلال والأحبة، ١/ ٢٦٣, وصف الليل، كمال أبو ديب: فصول مجلد ٤، عدد٢، ١٩٨٤، ص٩٢-١٣١، عبد الرشيد الصادق محمودي، فصول مجلد ٤، عدد٢ ص١٣١-١٥٢، محمد عبد المطلب مصطفى: فصول مجلد ٤، عدد٢، ص١٥٣-١٦٤، الطلل من المعلقة، إبراهيم عبد الرحمن: الشعر الجاهلي، ص١٨٨، مشهد الليل ومشهد الطلل ومغامرته العاطفية، ص٢٩٣، وما بعدها، مصطفى ناصف: قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص٧٦، وصف فرسه، معلقات العرب: بدوي طبانة، عفت الشرقاوي: قضايا الأدب الجاهلي ٢٠٦، وما بعدها، عدنان مكارم: رمزية الناقة في القصيدة الجاهلية، مجلة المعرفة عدد ٢٢٢-٢٢٣ "سبتمبر ١٩٨٠"، يوسف اليوسف: بحوث في المعلقات ١١٧-١٩٦. ٢- الرائية ومطلعها: سمالك شوق بعدما كان أقصرا ... وحلّت سليمى بطن قو فعرعرا "من قيثارة الشعر العربي: فتحي أبو عيسى, ص٥٥-٩٢". ٣- البائية ومطلعها: أماويّ هل لي عندكم من معرس ... أم الصرم تختارين بالوصل نيئس "مصطفى ناصف: قراءة ثانية لشعرنا القديم ١٠٤, وصف الناقة". ٥- اللامية المنسوبة إليه ومطلعها: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي ... وهل يعمّن من كان في العصر الخالي؟ "إبراهيم عبد الرحمن: الشعر الجاهلي، ص٢١٤، كامل الدقس: وصف الخيل في الشعر الجاهلي: ٢٦٧ وما بعدها".

стр. 319

٦- النونية ومطلعها: يا ذا المخوفنا بقتل ... أبيه إذلالًا وحينا "عفت الشرقاوي: قضايا الأدب الجاهلي ١٩٧". بشامة الغدير: اللامية ومطلعها: هجرت أمامة هجرًا طويلًا ... وحمّلك النأي عبئًا ثقيلًا "كما أبو ديب: الرؤى المقنعة". تأبط شرًّا: القافية ومطلعها: يا عبد مالك من شوق وإبراق ... ومر طيف على الأهوال طراق "عبد الله تطاوي: في القصيدة الجاهلية والأموية ص٧٩-٨٦". اللامية الرائية: إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلًا دمه ما يطل "محمود شاكر: مجلة المجلة المصرية ١٩٦٥م". ثعلبة بن صعير المازني: الرائية. "مصطفى ناصف: قراءة ثانية لشعرنا القديم، ص٩٥، وصف الناقة، كمال أبو ديب: الرؤى المقنعة، الفصل السابع". الجميح الأسدي: الميمية ومطلعها: يا دار نضلة قد أنى لك أن ... تسعي بجارك في بني هدم "النويهي ٥٢٩-٥٦٧". البائية ومطلعها: أضحت أمامة صمتًا ما تكلمنا ... مجنونة أم أحست أهل خروب "النويهي ٧٨٠-٨١٥، كمال أبو ديب: الرؤى المقنعة". الحارث بن حلزة: المعلقة ومطلعها: عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عفراء منزلها خلاء "عفت الشرقاوي: قضايا الأدب الجاهلي٣٢٨".

стр. 320

شكوى ومطلعها: من حاكم بيني ... وبين الدهر مال عليّ عمدًا "إيليا حاوي ١/ ٤١١. الحادرة الذبياني: العينية ومطلعها: بكرت سمية بكرة فتمتع ... وغدت غدو مفارق لا يرجع "النويهي ١٤٩-٢٩٦، إبراهيم عبد الرحمن: فصول مجلد١، عدد٣ "١٩٨١"، ص١٣٦، مصطفى ناصف: قراءة ثانية ١٤١، لطفي عبد البديع: الشعر واللغة ٧-١٨". حاتم الطائي: الرائية مطلعها: أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني من طلابكم العذر "عبد الله تطاوي: في القصيدة الجاهلية والأموية، ص٦١-٦٩". أبو دؤاد الإيادي: الميمة: قربًا مربط العرادة إنّ ... الحرب فيها تلاتل وهموم "كمال أبو ديب: الرؤى المقنعة، الفصل السابع، كامل الدقس: وصف الخيل ٣٣٦". دريد بن الصمة: الدالية ومطلعها: أمرتهم أمري بمنقطع اللوى ... فلم يستبينوا النصح إلّا ضحى الغد "إيليا حاوي ١/ ٤٣٥، عبد الجبار المطلبي: مواقف في الأدب والنقد ص١١". أبو ذؤيب الهذلي. العينية ومطلعها: أمن المنون وريبها تتوجع؟ ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
следующие страницы →