المعنى الكلي والنهائي للامية العرب هو الجوع، ولمعلقة امرئ القيس هو القهر، ولمعلقة النابغة هو الخوف، ولمعلقة طرفة هو القلق، فإن الكليّ والشمولي للشعر الجاهلي هو التعبير عن حالة اللا تكيُّف مع الحياة, وبالتالي الرغبة في انتقاض التواكب مع الشروط القائمة، والانتكاث عن القبول بالمعطى. إنه الرفض وتنمية مفهوم النقض, وخير شعر يتنامى عبر هذا المفهوم هو شعر الفرسان وشعر الصعاليك، لا سيما شعر عروة. وينعكس مفهوم النقض عبر الثنائية التي يبرزها بجلاء الشعر الجاهلي، فلامية العرب تطرح الذات في وجه المجتمع، متمردة، نزاعة نحو الهدم، مظلومة، مقموعة، ولهذا فهي تثير مشاعر الشفقة دون أن تحرك فينا الشعور بالخوف"١.
وفي دراسته الثانية "بحوث في المعلقات" يعرض للموضوعات التالية:
المحتويات التحتانية للمعلقات ص٣٩-٩٤.
الواقعة والمفهوم في المعلقات ص٩٥-١١٦.
تحليل معلقة النابغة ص١٩٧-٢٣٢.
المرأة في المعلقات ص٢٣٣-٢٧٨.
ويحدد الغاية الأولى التي يزعم أن دراساته في الشعر الجاهلي قد بلغتها, وهي أن "القصيدة الجاهلية، وبخاصة المعلقة، وتنطوي على مكمونات نفسانية شديدة الخفاء على النظرة الأفقية المسطحة، ولا يمكن لهذه المخبوءات أن تستسلم إلّا أمام العقل التحليلي، أي: النظرة العمودية الغارزة للغة غرزًا٢".
وقد حاولت بحوثه الخمسة في تلك الدراسة أن "تريق شيئًا من النور على المعلقات، ومن جهة نظر جديدة"٣, ويزعم بأنه طبَّق في تحليله معلقة امرئ القيس "المنهج المتكامل على درجة لا بأس بها"٤ ويرى أن "تحليل معلقة امرئ القيس" و"اللحظة الطللية في القصيدة الجاهلية" و"تحليل لامية العرب" تمثل ثلاثة
стр. 247
نماذج تطبيقية على القصيدة التراثية تحاول أن ترى في النص الأدبي وحدة متكاملة، وأن تبحث فيه مضمرات أو مكونات مستبطنة، وأن تخضعه إلى علوم مختلفة ولا سيما الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والتحليل اللغوي١.
ومن الفائدة أن نعرض لخلاصة آرائه في المعلقات بإيجاز:
١- إن السر الكامن خلف رسوخ المعلقات واستمرارها حتى اليوم يكمن في أن الشعر الجاهلي ككل فنّ بدائي عظيم قادر على تحريض النواة البدائية للروح، وهذه النواة المدفونة تحت ركام حضاري كثيف سرعان ما تزيحه المعلقة لتنفذ إلى الأولاني الراقد فينا, وتغذيه فيتوهج٢.
٢- ومن أسرار خلودها أيضًا أنها تنسج الدرامي والغنائي معًا، أي: تلمهما وتدغمهما في تركيبة عضوية واحدة٣.
٣- من أهم المفاهيم بؤروية في الشعر الجاهلي برمته, هو أن الطبيعة تقطع الحضارة "تدمرها، تنفيها" بسبب من انقطاع الدفق الحيوي في التربة، مصدر كل حياة بشرية، وهذا يعني أن ثنائية الحضارة -الطبيعة, هي من أهم التصورات المستنبطنة في اللاوعي البدائي٤.
٤- إن الأزمة المركزية الفارزة لكل توتر في الشعر الجاهلي, هي عدم استقرار الحضارة الآمنة والملبية للحاجات النفسية، أي: أزمة الحياة بأبعادها الثلاثة: الحضارة، الأمن، العشق٥.
٥- إن معلقة امرئ القيس هي أعظم العلقات طرًا؛ لأنها أكثر قدرة على مخاطبة مكوناتنا النفسية المؤسسة بفعل القهر التاريخي المزمن٦.
٦- من أسباب قصور الدراسات السابقة في الشعر الجاهلي أنها "عزفت عن إحالة الظاهر على باطن يسكنه بعمق, أي: هي لم تتعامل مع الأشكال الفنية
стр. 248
الجاهلية من حيث هي رموز تضمر ما لا يبتبدّى على سطحها"١.
٧- ثَمَّة ثلاث علاقات تؤلف واقع المعلقات الأعمق، هذا الواقع المنفتح على الخارج الاجتماعي والطبيعي، والعلاقات الثلاث هي:
أ- حسّ الافتراس والصراع الدائر في طبيعة ماهيتها الشح من جهة، والنقض من جهة أخرى، أي: إن الجاهلي يسكنه شعور فحواه أن الطبيعة عبر قحلها تفترس الإنسان، وأن الإنسان يفترس الإنسان كذلك عبر التصاول الاجتماعي اليومي.
ب- انبساط النزعة الفردية في تضخماتها واعتدالاتها، من حيث هي ردّ الفعل النفسي على الشعور باللا أمن.
ج- الموقف النقدي من الحضارة وقيمتها القمعية العاملة على إقامة جدار من اللا تلبية أمام الغرائز المندفعة نحو الإشباع "معلقتا امرئ القيس وطرفة"٢.
٨- إن الشعر الجاهلي هو بمعنى ما مقاومة الطبيعة للتاريخ، استعصاء الإنسان على الاصطناعي وتمنعه، وبالتالي فهو صيحة أصيلة تبتغي التحرر وحماية الحياة٣.
٩- لئن كانت النزعة العشائرية قابلة للاختفاء في بعض المعلقات، فإن النزعة الفردية قلَّمَا تغيب عن المعلقة, بل وعن الشعر الجاهلي بوجهٍ عام, فمعلقتا امرئ القيس وطرفة تمثلان ترسيخ الخصوصية الفردية والتشبث بها ورفض التنازل عنها إزاء حركة الدغم الاجتماعية. وأما معلقة زهير فتمثل أعلى درجات الانصياع الفردية للكلية، وكذلك النزوع نحو أرقى حالات الالتئام الاجتماعي ككل, ويعكس لبيد جنوحه للسلم وإدانته للعدوان, وضرورة ارتداد الشر على البادئ, وذلك عبر قصة البقرة الوحشية. وتأتي معلقة عمرو بن كلثوم كتعبير عن النزوع الجامح نحو تأييد العشائرية والرفض المطلق للتنازل
стр. 249
عنها. وأما معلقة عنترة فهي بحث الخصوصية عن الاندماج في الكلية "الفرد في الجماعة" شريطة ألّا يتعارض هذا الاندماج مع الهوية الفردية النزاعة نحو التحقق عبر الفعل, وإن عنترة هو الفرد كما يريده المجتمع الجاهلي. وأما معلقة النابغة فتمثل الفردية في رضوخها للسلطة دون قيد أو شرط، وأما معلقة الأعشى فتمثل الفردية فيها حضورًا متكامل الثقل، ولكنها في الوقت نفسه فردية بعيدة عن الإشكالية والتنفج، وتختفي الفردية في معلقة عبيد بن الأبرص اختفاء كليًّا تقريبًا١.
١٠- نشعر من خلال مطالعتنا للمعلقات أن المحتوى النفساني للجاهلي يمكن تقليصه إلى مخزونين أساسين:
أ- حسّ الافتراس الدائر في الطبيعة والمجتمع.
ب- الشعور باضطهاد الأعراف الاجتماعية للغرائز البشرية٢.
١١- إن أهم ما نلاحظه على قصص حمار الوحش في الشعر الجاهلي يتبدَّى في نقطتين:
أ- الربيع هو الإطار الزمني للقصة.
ب- غاية حركة الحيون هي الماء٣.
١٢- الحيوانات حوامل لخصائص بشرية محضة٤.
١٣- ربما كان الصيد، كشكل فني، هو أقدر الأشكار الأدبية على فض ورسم صورة الصراع وتنازع البقاء٥.
١٤- إن البرهة الدفاعية التي تخوضها البقرة هي رمز لغربة الإنسان في المجتمع، وفي المجتمع حصرًا، لأن علاقتها الآن قد تحولت عن الطبيعة الإنسان٦.
стр. 250
١٥- العصر الجاهلي عصر بطولي حقًّا، فيه يغدو الموت في قبضة الإنسان مثلما أن الإنسان في قبضة الموت, ولذا غدت في هذا العصر الفروسية قيمة مثلى١.
١٦- الفرق الأساسي بين الشاعر الجاهلي والشاعر في أية مرحلة يكمن في أن الجاهلي يستهدف أن يخزن إنجازاته في مستودع القصيدة، بينما الآخر ينبغي أن يخزن ذاته خارج التاريخ٢.
١٧- وأخيرًا أن موضوعات المعلقة ليست بسيطة، كما يبدو للوهلة الأولى, إنها أشبه بالأسطورة التي تبدو مجرد مادة للتسلية، ولكنها في الحقيقة صورة فنية لمعنى الغور يربض في أعماق الذاتية البدائية٣.
وقبل أن يشرع في تحليل معلقة أمرئ القيس يقرر منهجه بمطالبة حركة النقد الأدبية "بتحليل المورثات الجاهلية والتراثية بعامة بغية استبار المعنى الكلي المستتر في أعماق جزئياتها، وبغية ربطها بالشرط التاريخي والاجتماعي والبيئي الذي أثمرها، من أجل الوصول إلى الكيفية التي أثر بها تقدم التاريخ على مضمون الإنسان"٤.
ويؤكد بعد ذلك بأن "المضمون التحتاني لمعلقة هذا الشاعر هو الاستنكاف الذي أبداه الإنسان منذ الأيام الأولى لنشوء القهر واضطهاد الحرية"، وأن هذه القصيدة هي "أعظم احتجاج على الحظر قدمه الشعر الجاهلي قاطبة"٥.
وحتى نستوعب قيمتها كأدب مقاوم, فإن علينا "أن نربطها بالتغيرات التاريخية العميقة التي كانت قد ترسخت في المرحلة الجاهلية، والتي كانت تنحو نحو تأسيس أخلاق جماعية لها قوة إقحام التاريخي على الغرائز أو قوة إملائه"٦.
وتبدأ المعلقة بالبرهة الطللية حيث يتجلى "قمع العلاقات العشقية على أشده، وحيث يتبدى الألم في كلية حضوره"٧, وتشغل البرهة الطللية الأبيات "١-
стр. 251
٨) والشاعر الجاهلي إذ ينطلق من البرهة الطللية، إنما يتخذ قاعدة له أكثر الموضوعات الخارجية والواقعية تأثيرًا على معاصريه الذين يتحسسون فعلًا, لعل أكثر الأمور دلالة في براهة الطوفان هي "مسألة النور التي تطرح في البيتين ٧٤، ٧٥ عبر مجموعة كبيرة نسبيًّا من المفردات: برقًا، وميضه، لمع، يضيء سناه، مصابيح، السليط، الذبال, ولنلاحظ كذلك أن مصابيح الراهب تكرر هنا مرة ثانية"١.
والملاحظ أن السيل ينبثق تمامًا عن نفس الحاجة التي انبثقت منها برهة الصيد والحصان، ومعنى هذا أن القسم الثاني من المعلقة ردٌّ غير مباشر على القهر الذي يهيمن عليه ويرضخه، والذي تجلى بوضوح في براهة الليل٢.
ولا يمكن للنظر الأعمق إلّا أن ترى في لوحة المطر تركيبه من عدة عناصر "موتيفات" هي٣:
١- النزعة التدميرية للشاعر والطبيعة, وهنا يتوافق وعي الذات ووعي الموضوع.
٢- البحث عن الوفرة والخصب كرد فعل على القحل والتدمير الذي تمارسه الطبيعة على الطلل "الحضارة".
٣- حرف الجنسية عن نزعة نقض السائد من خلال الممارسة الاجتماعية, وإشباع حس النقض إشباعًا خياليًّا.
وهكذا نجد في لوحة المطر جملة من الصور الذهنية المجرَّدة واللاشعورية تتناسج إضماريًّا وخفية لتؤلف شكلًا فنيًّا لبرهة المطر، وهي بهذا تتحكم بالعلاقات الأعمق لهذا الشكل، وعلاوة على ذلك نجد لحظة السيل جاءت استجابة للحاجتين الأساسيتين اللتين تتأسس عليهما المعلقة جملة, وهما: الخصب وتوكيد الذات أمام القهر عبر التدمير والإرضاخ٤.
ويلخص الباحث النظرة الشمولية لمعلقة امرئ القيس بأن "الخيط الناظم لها هو انقهار الذات أمام كل من الطبيعة والمجتمع، وانتصار لها من خلال توكيدها المباشر وغير المباشر"٥, كما يؤكد بأن امرئ القيس هو "رافع أول صيحة تحرر في
стр. 252
تاريخ الثقافة العربية، وأنه المكمل الحقيقي، مضافًا التدمير في حياتهم. فليس عبثًا أن يستهل الشاعر البيت التاسع بحرف "الكاف" الذي يحتاج إلى كثير من الانتباه، لكونه يوحي مباشرةً ودون إضمارية بأنّ الشاعر لا يعرض إلّا سلسلة من الإحباطات والإخفاقات التي مُنِيَ بها، والتي من شأنها أن تعكس المدى الذي بلغه الكبح في المرحلة الجاهلية, والمدى الذي سيبلغه في التاريخ الوسيط١.
ويتضح أن البيت التاسع الذي بدأه بالكاف لربط الجزئيات اللاحقة بالبرهة الطللية التي يرغب في عبورها إلى ما يؤكد الذات ويرد على القهر, ويشغل المقطع الثاني من المعلقة الأبيات "٩-٣٣"، وفيه يتسلل الشاعر خفية لينتقل من عرض القهر إلى حالة توكيد الذات أو الرد على القهر. لذا فإن ما يمكن أن ندعوه مجون امرئ القيس، كما هو في ظاهره، لا يعدو كونه في الحقيقة محاولة لا واعية يقوم بها الشاعر لتحقيق أمرين متعارضين٢:
١- توكيد ما يعانيه من القمع والاحتجاز الجنسي, مما يوثّق ارتباط هذه الأحداث بالبرهة الكلية للمعلقة.
٢- توكيد الذات من خلال التبجح وتحقيق الرغبة.
وتدخل المعلقة بعد ذلك "الأبيات ٣٤-٤٦" في برهة تنزع نحو الوصف السكوني الخالص من الحادثة والساعي نحو تقديم مثالية للمرأة كما يراها هو وكما تراها الجاهلية بعامة. وهذه البرهة في نظر الباحث "تبدو مفككة تفكيكًا داخليًّا, هي جماعية علائق تأتي من مجملها دلالة مترابطة من الداخل, وهذه الدلالة هي سعي الشاعر نحو تجسيد مثال المرأة في عيان موحّد, أو في تشخيص قائم عيانيًّا, وتبدو المرأة الآن أقرب إلى المثال منها إلى الحقيقة"٣.
ويذهب الباحث إلى تعليل التجسيمات المادية المحسوسة في وصف المرأة بأنها ترد إلى أمرين: النزوع الشهوي لدى الشاعر، والقداسة التي كانت يضفيها الوثنيون على المادة، فالوثنيون والبدائيون لا يملكون أن يروا المعنى مخلوعًا عن حامله المادي٤.
стр. 253
وتمثل الأبيات "٤٧-٥١" لوحة فنية نفسية رائعة, تنبش شعور الشاعر بالاجتياح الذي تمارسه الحياة عليه, وذلك من حيث أن الليل لم يكن ليبتليه بالهموم فحسب، وإنما هو الصورة الخارجية لحسّ الهم القابع في داخله١.
ويبحث الباحث عن رابط يربط بين اللحظات السابقة من المعلقة, ويراها في أن "اللحظة الطللية اندغمت فيها عناصر ثلاثة: الحاجة إلى العشق، والانهدام الحضاري، وقحط الطبيعة، وتلا ذلك سلسلة مغامراته بمثابة توكيد على أن الحال هي دومًا هكذا "مقهورة"، وأن الماضي ميت كالحاضر تمامًا، على الرغم من أن هذه المغامرات تنطوي على تعويض واضح يؤكد رجولته وقدرته على الاجتياز"٢.
وفي البيت "٥٢" يحاول الشاعر أن يشعرنا بأهميته وبرد فعله على الليل أو على البديل، القهر والحصار، إلّا أنه يسقط من جديد تحت وطأة الهموم، لكنها الآن هموم الآخرين التي ينوء تحتها كما ناء تحت حمل الليل الذي يشبه حيوانًا خرافيًّا٣.
وفي الأبيات التالية "٥٣-٥٥" يستمر الموقف عينه في البيت "٥٣" بحيث ظلّ مثابرًا على التغطية على اتضاح الأنا وقهرها.
وتأتي بعد ذلك لوحة الحصان تحرف النزوع الذي عن وجهة الشبقية, ولكن دون أن يخسر خصوصية اللذية لتوجهه إلى موضوع آخر يتسم بكونه لذيا وغير مقموع، على الرغم من أن لذيته ليست من النمط الشبقي "الأبيات ٥٦-٦٦". وامرؤ القيس لا يريد من حصانه إلّا أن يروي تعطشه إلى القوة, والصفة الجوهرية لحصانه هي حسّ الحياة المنطوية على الحركة والحاملة لمنازع جنسية، وهذا الحس نقيض لكل قهر. ولا تقع لوحة الحصان بمنأى عن نزعة توكيد الذات. وإن المعلقة عند لحظة الحصان تعد تحولًا جدليًّا كبيرًا بل تحقق وثبة نوعية تقلب الموقف رأسًا على عقب؛ إذ هي تنتقل من الشيء إلى ضده، أو من الدفاع إلى الهجوم٤.
стр. 254
ومن أبرز تحولات هذه البرهة أو اللحظة الاستقلابية العظيمة إننا نجد عنصرًا جدليًّا هو عنصر الدم، والدم متعدد المدلولات: فهو إشارة إلى النزعة التدميرية التي ستعبِّر عن نفسها خير تعبير من خلال برهة المطر القادمة، وهو إشارة إلى الحياة التي حضرت بحضور الماء والحركة، وهو ثالثًا إشارة إلى الاخضلال والليونة اللتين يطرحهما في وجه اليبوسة والتصخر١.
وتدخل المعلقة في طور جدلي أعلى، والصيد والشاعر لا يخرجان في ذلك عن الجوهر الحركي لحيوانه، ولا عن كونه حاملًا لصورة القوة، بل نجد القوة في حالة التطبيق والممارسة "الأبيات ٦٧-٧٣",ويلاحظ أن الشاعر أسبغ حرزًا على تلك الحيوانات العذارء، وذلك عبر وصفها "بالجزع المفصل" أي: بالخرز الأبيض والأسود، الذي من شأنه أن يصد الأذى عن حامله، ومن شأنه أن يصون قداسة العذراء التي تلبسه. ولكي يؤكد هذا التحرز والمنعة فقد شبهه بنساء لهن أعمام وأخوال يحمونهن من الاستلاب. وهذا يعني أنه الذي اعتاد انتهاك الحرمات دون أيّ إحساس بالإثم يتحول الآن إلى أخلاقي نموذجي يلتزم بأعراف عصره، وذلك بسبب من ارتباط هذه المسألة بالألوهة، بل بسبب من العلاقة اللاشعورية التي تقيمها المجتمعات البدائية والزراعية بين العذرية في النساء والخصوبة النمائية في التربة. وبما أن العذرية ذات علاقة بالقحط والخصوبة، أي: بالطعام والشراب، أول أسس الحياة، فإن أمرأ القيس الذي يبكي الجفاف وتصخر الطبيعة، لا يسعه إلى أن يقدس العذرية كأي بدائي٢.
وبالرغم من أن برهة الصيد تبدو بحثًا عن الوفرة، تمامًا كما هو حال المطر في اللوحة القادمة، إلّا أنه بوسعنا القول: إن هوية اللذة قد أخذت تنحل في شكل ممارسة لفعل الصيد "الافتراس", كما سبق لها أن انحلت في الحصان٣. ولا تقف هذا النزعة الافتراسية عند تخوم لوحة الصيد، بل إنها تتمطى لتغمر لوحة المطر، ولكن بعد أن تتحول من هيئة الافتراس إلى هيئة تدمير "الأبيات ٧٤-٨٥".
стр. 255
أما في "صورة المرأة في المعلقات"١, فإن الباحث يرى أن المرأة في المعلقة ضرورة تؤدي وظيفة تغطية حسّ الافتراس والاستجابة للتحديات، وإنها شكل فني يتخذ ذريعة للرد على التحدي الخارجي، وصورة المرأة الفنية في المعلقات في معظم الأحيان توليف من عناصر البيئة الخارجية ولا سيما عناصر الطبيعة.
وحضور المرأة في المعلقات ترجح بين أكثر الأشكال إمعانًا في الفحش وبين أعمق حالات التلوع المقدس لحظة الفراق والحرمان من المرأة المنشودة التي تصورها المعلقة في بعض الأحيان تصويرًا ممعنًا في العذرية. والمرأة -حتى في شعر امرئ القيس- توليف من الغريزة الجنسية والحلم الجنسي مصاغين صياغة مادية, لها القدرة على تأسيس انفعال داخلي يسمو على ما هو شهوي، ويرتقي إلى ما فوق الحسي، وإن الصورة الفنية للمرأة في المعلقات هي الأساس الذي بني عليه الغزل الأموي الشديد الارتقاء، ولكن الفارق الجوهري بينهما أن الغزل الجاهلي تعامل مع المرأة تعاملًا وصفيًّا ينزع نحو التجسيم الحسي لجسد المرأة، بينما ينزع الغزل الأموي، إذا استثنينا مدرسة عمر بن أبي ربيعة، نحو التمركز حول الحالة الداخلية للشاعر المتفاعل مع وضعه العشقي الشديد التحجيب للجنسية, والحاذف للشبقية حذفًا تامًّا.
وخلاصة صورة المرأة في المعلقات بخاصة, والشعر الجاهلي بعامة: إنها تنطوي على عنصرين أساسين: جسد المرأة منظورًا إليه من الخارج، وعلاقة الرجل بالمرأة من حيث هي الشق الآخر للوجود البشري. ولعل السمة الأكثر طغيانًا على التقنية الشعرية المتعاملة مع العنصر الأول هي النظر إلى المرأة من خلال الكائنات الطبيعية وعناصر البيئة، الأمر الذي من شأنه أن ينمّ عن علاقة من نوع ما بين الطبيعة والجنس، وأما ما يتميز به العنصر الثاني فهو تقديم مواقف الفراق واختلال العلاقات العشقية، وهو ما قد يوحي بالحرمان من الإشباع العشقي في مجتمعٍ قد ثبت أعرافًا قمعية صارمة.
والشاعر الجاهلي بعامة قد جاء بصورة المرأة متطابقة تمام التطابق مع مثال المرأة في الذهن الجاهلي، وأنه دمج هذه الصورة بأشدِّ حاجاته إلحاحًا، وهي توكيد الذات.
وفي ختام حديثنا عن المنهج الاجتماعي لا بُدَّ من إشارة، ولو موجزة، لباحث
стр. 256
عرض للشعر الجاهلي من وجهة النظر هذه، وإن كان قد غلب عليه التنظير ولم يفصل في تطبيق منهجه, بل اكتفى بذكر رءوس موضوعات، ذلك هو الباحث حسين مروة في كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية"١, ونورد هنا أهم ما جاء في الفصل الذي عقده للجاهلية بعنوان: "في الجاهلية".
١- إن الفارق الحضاري بين عرب الشمال وعرب الجنوب يكشف عن حقيقة "أن تاريخ العرب قبل الإسلام تعرّض لحالة من الانقطاع التاريخي في حركة تطوره, ربما كان لها أمثالها في مراحل سابقة أيضًا"٢, وإن هذا الانقطاع قد نشأ إما "عند منعطفات التعاقب بين الدول التي عرفها التاريخ في القديم، وإما من أثر الصراع بين هذه الدول من جهة، وبينها وبين الدول الخارجية بأشكال متنوعة من جهة أخرى"٣.
٢- من أبرز الظواهر التاريخية التي تتجلى في المرحلة الجاهلية الأخيرة٤.
أ- ظهور علائم الانحلال في النظام البدائي للانتقال من الاقتصاد الطبيعي إلى الاقتصاد البضاعي, حتى التبادل النقدي، ومن أبرز هذه العلائم: تقلص المشاعية البدائية، وظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
ب- بداية تحوّل سلطة رئيس القبيلة عن أساسها القديم، وهو مراعاة التقاليد القبلية فقط، إلى أساس جديد هو مراعاة الوضع الاقتصادي للرئيس إلى جانب الواضع القبلي التقليدي.
ج- زوال الوضع الأمومي "الطوطمي" في العلاقات العائلية وسيادة العلاقات الأبوية "البطريركية".
٤- يجب النظر إلى الأهمية البالغة لوجود لغة عربية وشعر عربي في المرحلة الأخيرة للجاهلية, هي على مستوى متطور يكاد يتخطى مستوى النظام الاجتماعي القبلي في تلك المرحلة، بالرغم من كونهما يحملان انعكاسات أمنية لمختلف ظاهرات هذا النظام٥.
стр. 257
٥- إن الاتجاه الذي كان يتخذه التطور الاقتصادي كانت له ظاهراته المعبرة عنه، والتي تؤكد أنه أصبح الاتجاه الحتمي تاريخيًّا، وإن هذه الظاهرات كانت تحمل في أحشائها بذور تناقضات بين هذا الاتجاه للتطور الاقتصادي والبنية الاجتماعية للنظام البدائي١.
٦- لم يكن الصعاليك سوى فئة من فقراء القبائل المختلفة عبَّرت بانسلاخها عن واقعين اثنين لهما دلالة واحدة: عبَّرت أولًا عن خروجها عن الانتماء الذي يلزمها الالتصاق بحياة القبيلة والانقياد لأوضاعها وأعرافها مهما لقيت من عوز واضطهاد, وعبَّرت ثانيًا عن حاجة مادية لم تستطع احتمالها في ظل القبيلة٢.
٧- إن دليل أهمية عامل المال عند الجاهليين فوق الاعتبارات القبلية التقليدية في تولية المناصب الرئيسية قول حاتم:
يقولون لي: أهلكت مالك فاقتصد ... وما كنت -لولا ما يقولون- سيد٣
٨- إن العلاقة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي "الفكر" علاقة موضوعية شمولية, وهي لا تختلف في بعض الشعوب أو المجتمعات عنها في البعض الآخر, ونعني بها العلاقة التي تحتم انعكاس الوجود المادي بمختلف أشكاله ومظاهره على وعي الإنسان: كل إنسان في كل زمان ومكان٤.
٩- إن الانقطاع التاريخي النسبي بين المراحل القديمة للتاريخ العربي الجاهلي ومرحلته الأخيرة هو الذي أحدث تلك الفجوة بين الأشكال الثقافية والبنية الاجتماعية في المرحلة المذكورة، حتى بدت الأشكال الثقافية كأنها مستقلة عن شرط وجودها "البنية الاجتماعية" استقلالًا يكاد يكون تامًّا من حيث التفاوت الهائل بين مستوى تطور كلٍّ منهما بالقياس إلى مستوى تطور الأخرى٥.
١٠- تتميز المعرفة ببطء حركيتها، أي: بزمنيتها الخاصة التي لا تقاس بالزمن
стр. 258
الخارجي، زمن الواقع الاجتماعي نفسه, ومن هنا لا تتشكل المعرفة بأشكالٍ ثقافية معينة تنتمي إلى بنية اجتماعية معينة إلّا بعد وقت قد يتأخَّر كثيرًا عن وقت تشكل البنية الاجتماعية هذه التي تنتجها١.
١١- حدد الباحث المعالم الثقافية الجاهلية بـ: المعلم اللغوي, والمعلم الشعري، ومعلم الأمثال، ومعلم المواسم الأدبية، ومعلم الخطابة، والكهانة، والمعلم الميثولوجي٢.
أما اللغة: فلا بُدَّ من النظر إليها على أساس ارتباطها العضوي هذا بتاريخ المجتمع الذي تنتمي إليه، وعلى أساس أن هذا الارتباط ذاته يضعها في علاقة حتمية مع ثقافية المجتمع نفسه؛ من حيث أن ثقافته هي نتاج تاريخه أولًا، ومن حيث أن لغته هي الأداة التعبيرية لهذا النتاج الثقافي ثانيًا.
وأما الشعر: فالذي يعنينا من دلالاته هو ما تتضمنه تلك الدلالات من أبعاد يحدها اثنان: البعد الاجتماعي والبعد المعرفي, والظاهرة الشعرية الملازمة لتلك السمة التاريخية هي سيطرة العلاقة الاجتماعية -القبلية- على الآلية الداخلية للشعر الجاهلي سيطرة مطلقة، بحيث لا تبدو علاقته مع ذات الشاعر إلّا كمظهر تكويني لتلك العلاقة المسيطرة، لهذا سقطت الحدود داخل هذا الشعر بين ما هو صوت الشاعر في القبيلة, وما هو صوت القبيلة في الشاعر, وبمعنًى آخر: كان الشعر شعر القبيلة العربية قبل الإسلام. أما الصعاليك فقد تميز شعرهم بمفارقة من أبرز الدلالات التاريخية التي يحملها الشعر الجاهلي, فشعرهم مسكون في وقت واحد بكل مقومات شعر القبيلة العربية قبل الإسلام من جهة، وبكل مقومات الرفض لهذا العنوان من جهة أخرى، لكن هذه المفارقة لا تبلغ حد التعارض أو التناقض بين الوجهين, فهم لم يقولوا شعرهم خارج العلاقات اللغوية -الفنية لشعر القبيلة العربية في جاهليتها، ولا خارج العلاقات الاقتصادية -الاجتماعية لذلك العصر، ولكنهم قالوه في حالة لهم, هي شكل من التعبير السلوكي عن بداية التفكك التاريخي لمجمل تلك العلاقات، فكان شعرهم شكلًا من الوعي الأولي العفوي لتلك الظاهرة التاريخية، أي: ظاهرة الاهتزاز والتخلخل التي كانت قد بدأت تهز الأساس المادي للعلاقات القبلية في مجتمع شبه الجزيرة العربية آنذاك.
стр. 259
غير أن الطبيعة الحدسية للوعي في تلك المرحلة تختلف جدًّا عن طبيعة الحدسية في سياق المراحل المتقدمة لتطور المجتمعات البشرية, فميثولوجيا الجاهلية العربية هذه كانت التعبير التاريخي عن تطلعات هذا النموذج المعين من المجتمع القلبي إلى ما وراء المحسوس تفسيرًا لبعض الظواهر الكونية التي كان يتعذر عليهم تفسيرها بشكل آخر عقلاني في تلك المرحلة من تاريخهم.
والسمة البارزة لهذه المثيولوجيا هي الطبيعة الحسّية التي يخعلونها على المعاني, أي: على غير الحسية, ولهذه السمة أساسها الواقعي المرتبط بالمستوى التاريخي لتطور الوعي؛ فوعي الجماعة القبلية الوثنية لم يكن في مستوى من التطور يرتفع به إلى درجة الاستيعاب التجريدي للمسائل الكونية، أي: لتصور المعاني والأفكار تصورًا مجردًا من علاقاتها المادية بالواقع المحسوس.
وأما الظاهرة التي بدأت تبرز خلال الفترة المقاربة لظهور الإسلام واعدة بأنها ستتخطَّى تلك الظاهرة الوثنية المتجذرة، فهي ما كان يتمثّل حينذاك في ملامح جديدة للوعي العربي الجاهلي, كانت تنمو بوتيرة تثير انتباهنا الآن إلى درجة الاندهاش: ملامح تطور يعتمل في داخل البنية السائدة لهذا الوعي.
وقد كان الاتجاه نحو انفجار هذه الاطر المتعددة يعني من حيث دلالته الواقعية - التاريخية, حركة ديالكتيكية تتضمّن الهدم والبناء في عملية واحدة، بمعنى: أن يتحول التعدد إلى التوحد، أي: إنه سيولد مجتمع يحتويه إطاره التوحيدي.
стр. 260
المنهج النفسي:
ينظر المشتغلون بالتحليل النفسي إليه بوصفه علمًا بالإنسان بما هو كذلك، أي: بوصفه علمصا يستمد أصوله من دراسة الإنسان في أخص أحواله, وفي مقدمة هذه الأحوال المرض، حيث تدفع الإنسان معاناته وآلامه إلى البوح بما يضمر، فإذا بالحقيقة تتكشّف شيئًا فشيئًا، وإذا بالظاهر السافر يكشف عن باطن خفي، وإذا بالساذج البسيط يفتق عن عمق أكثر اكتنازًا وتعقيدًا, وإذا وراء "الشعور" المعلن "اللاشعور" المضمر، وإذا بمظاهر الإعلان والتعبير عن هذا الشعور تنطوي على إعلان آخر، وعلى تعبير مغير, بل مناقض عن لا شعور، وإذا بالشعور الظاهر نفسه لا يعدو أن يكون إنكارًا لهذا اللاشعور ونفيًا١.
والتحليل النفسي هو العلم الذي استطاع أن يكشف عن الوجه الآخر الخفي للإنسان في وحدته الجدلية بهذا الوجه الظاهر, ولم يكشف التحليل النفسي عن مضمون هذا الوجه ومحتوى هذا الباطن الخفي، بل كشف كذلك عن شكل هذا الوجه أو اللغة التي يعلن بها الوجه عن نفسه من خلف أقنعة الإنكار والنفي والتزييف، فهو قد كشف لنا عن لغة "اللاشعور", وقد أقام فرويد في كتابه "تفسير الأحلام" الدليل على أن "الحلم لغة الحالم".
وإذا كان أرسطو قد عرف الإنسان بلغته بما هو عارف, فإن فرويد قد عرف الإنسان بلغته بما هو راغب، أي: إن كشف فرويد كشف لغوي بمعنى ما، وهو كشف لنحو هذه اللغة وبلاغتها ومفرداتها. ولغة الرغبة هذه هي لغة اللاشعور، لغة العمليات الأولية، حيث الرموز والعمليات الدفاعية، وحيث التعبير أكثر ما يكون
стр. 261
إمعانًا في العيانية وفي بعده عن التجريد. إنها لغة مصورة بدائية في مقابل لغة الشعور والوعي والمنطق والمعرفة والواقع في ارتقاء تجريدها ومنطقها١.
وسرعان ما تعددت الصورة التي استمدت أصولها الأولى من الإنسان مريضًا لتشمل وجود الإنسان كله مريضًا وسويًّا، طفلًا وراشدًا، يقظًا وحالمًا. وهكذا تطور التحليل النفسي من نظرية وطريقة حرفية في علاج نوع محدد من المرض النفسي، وهو العصاب، وإلى نظرية عامة في أحوال النفس وخفاياها، وفي طبيعة الوجود الإنساني بأسره، وأيضًا إلى منهج وحرفيات وأدواتٍ يستخدمها المتخصصون في اختراق جدار الغموض المحيط بهذه النفس وقراءتها لغة وأسلوبًا في التعبير.
ويرى أحد الباحثين, وهو فرج أحمد فرج٢، أن الإبداع الفني ينطوي على شكل من أشكال الحماية من المرض النفسي, أنه البديل له. وقديمًا فطن أرسطو إلى الوظيفة "التطهيرية" للإبداع الفني، فعندما نبدع عملًا فنيًّا أو نشارك في مشاهدته والانفعال به، فإننا بذلك نتيح الفرصة لانطلاق ما هو حبيس معتقل في داخلنا من مشاعر خوف أو كره أو ندم أو عدوان.
فالعمل الفني "تواصل وإعادة ارتباط بالعالم وبالآخرين", وهو ضرب من ضروب "العلاقة بالموضوع", وهو يندرج ضمن "إعادة بناء العالم" التي نجدها دائمًا في حالات المرض العقلي المستفحل عندما يشرع المريض في جمع شتاته, ويجاهد في مغالبة مرضه، والخروج من وحدته المطبقة. وبالرغم مما ينطوي عليه هذا البناء من الهم والزيف، وإن هذا الخلق لواقع بديل مجافٍ تمامًا للواقع الفعلي, فإنها تكشف في النهاية عن بداية السعي إلى العودة إلى الواقع عن طريق واقع بديل، لكن ذلك يكون الخطوة الأولى نحو الواقع الفعلي.
فالحلم إذن، والفن من حيث هو شكل راق ومعقول من الحلم، هما ضربان من ضروب التواصل مع الواقع، والإعداد لمواجهته, ولعل من أخطر كشوف التحليل النفسي تلك الدراسات الحديثة التي كشفت عن "صلة الإبداع فنيًّا كان أو علميًّا بالقدرة على مواجهة مشاعر الاكتئاب", فالعمل الإبداعي في أعمق مستوياته
стр. 262
يستهدف قهر الاكتئاب، ودفع شبح الموت بالعمل الإبداعي، علمًا وفنًّا، يبقى بعد رحيل صاحبه حاملًا للأجيال المتعاقبة اسمه١.
ويرى إيليا حاوي٢ أن النقد يسير سيرًا عكسيًّا مناقضًا، حيث يتحرَّى عن الكينونة, ويعبِّر في مراحل التكوين, ويستقطب طبائع الأسلوب الخفية التي تؤثر في التجربة, وفي تجسيدها يفسر الظواهر الصامتة بأبعادها النفسية والوجودية، فتتبدَّى له التجربة الفنية وكأنها أداة كلية تتعرض للكون والطبيعة والإنسان عبر فلذاتها المجزوءة، كما يرى أن الطبيعة المبدعة هي التي تتفتق عبرها رموز الكون والنفس، وهي التي تكتنز في رحمها وأحشائها الحقائق الكبرى.
والنقد الصحيح -كما يراه حاوي٣- للأثر الأدبي يشتمل على كثير من التعقيد، ويستحيل في أحيان كثيرة إذا لم يكن لدى النقاد قدرة على الولوج إلى الأصقاع النفسية والفنية التي خلص إليها الشاعر في كده للتعبير عن المشاعر المظلمة التي تدلهمّ في أعماق وجدانه. وقد أجمع النقاد المعاصرون على أن الشعر ليس تعبيرًا عن الحقيقة الذهنية, بل هو ذلك السراب النفسي الذي يوهم بها، والذي لا يبرح يغرر بالإنسان ويسوقه إلى تنازع البقاء والتوغل في عبث الفكر والوجود.
والشعر، من وجهة نظره غالبًا هو تعبير عن الذات المظلمة في الشاعر، تلك الذات التي تختلج في وجدانه، وراء ما يعيه ويفهمه، وما يتداول به من شعور ظاهر٤.
فالنقد، كما يراه٥، ليس تقريرًا, وإنما هو تحليل لما يقع في "لا وعي" الشاعرن, فالنقد الصائب هو محاولة لمعانقة التجربة الشعرية في ضمير صاحبها, والحلول فيها واكتشاف أبعادها.
وفي محاول تطبيق منهجه هذا على الأدب العربي, كان له كتَّابه ذو الأجزاء.
стр. 263
الخمسة١، كان نصيب العصر الجاهلي منها الجزء الأول، وقد بدأ ذلك الجزء بمقدمات جمالية عامة تناول فيها: وظيفة الانفعال الفني، وتمثَّلت هذه الوظيفة في: الخلق والإبداع، وبعث العالم المادي والحلول فيه، وتحرير الشاعر من الحتمية الخارجية، وإحداث ائتلاف واختلاف في حدود النفس، وتوليد الغلو وتحقيق المثال، والغلو الانفعالي, والغلو الافتعالي، والانتخاب من الواقع, والنفاذ إلى الجوهر من المظهر، والانفعال مبدع للجمال.
وتناول كذلك بواعث التجربة الشعرية: البواعث النفسية العامة، والسيرة وتأثيرها في بعث التجربة الشعرية, والطبع والأخلاق، وترابط السيرة, والطبع وتفاعلها، وتأثير البيئة في بعث التجربة الشعرية، وتأثير البواعث الاجتماعية.
وتناول كذلك الموضوع والثقافة وقيمتها في الأدب، والأبعاد الفنية للتجربة الشعرية، ووسائل التعبير في التجربة الشعرية، والصعوبة الداخلية ووظيفة الخيال، والعقل وحدوده في التجربة الشعرية، والعوامل المؤثرة في الأسلوب الفني٢، وهو في كل ما عرض يعرضه في سياق النصوص الشعرية والشواهد لما يذهب إليه، وشواهده من الشعر العربي عبر عصوره المختلفة.
ويمكننا التعر إلى أهمِّ آرائه في دراسة النص وتحليله ببيان أهم مرتكزاته النظرية وهي:
١- لئن كانت التجربة تصدر غالبًا عن باعث ذاتي, فإن وراء ذلك الباعث جذورًا خفية ترتبط بموقف الإنسان من الوجود ومن المعاني التي أنيطت بمظاهره، وتقررت فيها، دون أن تهدئ من روعه، وتوفي به إلى يقين نهائي يركن إليه, وذلك وليد ردة النفس على العقل, وسخطها على حدوده, ومنطقه القاصر الذي يغرر به الوضوح, وثورتها على حتمية العالم الخارجي وأقداره ونواميسه ولغزه الثابت الرتيب٣.
٢- إن التجربة الشعرية العميقة تصدر عن ذلك التوحيد الحي الذاهل بين ما تعانيه النفس في الداخل وما تبصره في الخارج, إنه نوع من فيض النفس على الوجود
стр. 264
وإخضاع له لقدر الحياة والموت والبعث، وذلك الشعور الحاد بمصير الزوال والعبث١.
٣- إن الفن هو وليد توق الإنسان الحرية، وشعوره بها شعورًا عميقًا، يفك عقال نفسه، فينبري للأشياء يهدمهما ويبنيها من جديد٢.
وهذه قضية تحتاج إلى وقفة طويلة لمناقشتها, ولسنا هنا قادرين على الإطالة، ولكننا نرى أن هذه التهمة ألصقت بالشعر الجاهلي، واتهمت الشاعر الجاهلي بالمادية والحسية المفرطة, ويكفي أن نذكر بعض الحقائق لندحض هذه التهمة:
أ- لم يحدد لنا هذا الباحث أو غيره ممن اتهموا الشاعر الجاهلي بالتقصير ما الذي قصدوه بالحسية والواقعية، أَلَا نجد في شعرنا الحديث، بالرغم من كل روافده الثقافية والفكرية، هذه الحسية والواقعية؟
ب- ماذا نقول في هذا السيل من الدراسات التي تذهب جميعها إلى الرمز الواضح في الشعر الجاهلي بخاصة والقديم بعامة؟
ج- وهذه المقابلة التي عدت قصورًا, أليست أداة من أدوات الشاعر في كل عصر من العصور، ألا نستطيع أن نذهب إلى أنَّ هذه المقابلة لم تكن لمجرَّد تقريب الأشياء والصور إلى السامع فحسب, بمقدار ما كانت العلاقة فكرية بين الصورتين, والأمثلة من الشعر الجاهلي وافرة, وبخاصة في المشهد الطللي وما تضمنه من شرائح صغيرة، وكذلك في مشاهد الموت.
وأخيرًا فإن هذه الصورة التي ظنَّها الباحث حسية كما ظنها غيره, هي في الحقيقية رموز تعكس هموم الشاعر الجاهلي وهموم مجتمعه, وتصديه لمشكلات كانت تؤرقهم؛ كمشكلة المصير والصراع الحضاري والإحساس بالعدمية، تلك المشكلات التي لا تستطع معتقداته أن تحلها وتهدئ من روعه.
٤- لقد قصر الشاعر العربي، غالبًا، عن إدراك حقيقة الشعر من هذا القبيل، فلبث يجول في حدود المادة أو حدود المعني منصرفًا إلى الغلو البصري القائم على الجزئية والحسية والواقعية التي يسبغها ويقرها المنطق: فالشعر العربي كان يتجه
стр. 265
إلى المقابلة، يدني الأشياء ويقربها، بينما ينصرف الشعر الحقيقي إلى ما تستنبطنه وترمز إليه١.
وهذه قضية تحتاج إلى وقفة لمناقشتها.
ويحدد الباحث مفهوم الثقافة عنده, فهي القاعدة الخلقية والفكرية والمعرفية والعلمية التي يرتكز عليها سلوك الفرد الاجتماعي, ومن ذلك الكتابة التي عرفها الناس وشاعت في زمانهم القديم. وكان الشاعر معجبًا بقدرة الإنسان على ابتداعها؛ لأنه استعادها مرارًا وهو يصور معالم الأطلال، ومن ذلك أيضًا استعادته أخبار السلف وبخاصة بعض جوانب القصص الذي كان يشكّل في خيالهم قضية من قضاياهم المصيرية؛ كقصة أحمر ثمود أو عاد، ومن ذلك أيضًا الزراعة والصناعة والألعاب؛ مثل: صورة لعب الأطفال بالخذروف، ومقلاء الوليد الذي شبّه به صلابة عيره. ومن معارفهم التطيب بالعقاقير والأعشاب, ومن عاداتهم الدية وتقاسم الماء عندما يقل بحصاة تسمى حصاة القسم، وقرى الضيف وضرب الأيسار، وتسنيح الطيور، وإيقاد النار للكرم أو للحرب، ورفع اللواء في المعارك. ومن الطقوس الدينية زيارتهم للأماكن المقدسة وحلاقة رءوسهم عندها, وتقديم الضحايا والقرابين لمعبوديهم فيها. ومن مجالات التعامل بينهم التداين الذي كان يشكل عندهم قاعدة السلوك.
ويخلص الباحث إلى أن الصور الثقافية في شعر زهير أعطت، على قلتها، فكرة وافية عن البنية الداخلية التي كانت تؤلف القاعدة لكل سلوك فردي واجتماعي في عصره.
٥- قد ينتقل الشاعر ذاته تحت وطأة الانفعال، من يقين نفسي إلى يقين آخر ينقضه ويخالفه، متحولًا من الظلمة إلى النور، ومن أعماق اليأس إلى ذروة الأمل, ومن الاستخذاء والذل إلى الزهو والاعتداد، ذلك أن الشعر هو تعبير عن اللحظة النفسية المبرمة التي تشتد؛ بحيث تخضع قوى النفس جميعًا لمنطقها١.
٦- الشعر العربي هو شعر الغلو, يسرف فيه الشاعر ويبدع له الأساليب الداخلية
стр. 266
والخارجية، حتى يدرك به في أحيان كثيرة الأسطورة والمتسحيل١.
٧- الفن انتخاب قبل كل شيء، فهو ينظر إلى الواقع وينفعل به، ويصهره صهرًا، ثم يؤديه تأدية جديدة تبقي على كثير من الملامح في الواقع القديم، بعد أن تصقلها وتجلوها وتحررها من الهنات التي تشوه حقيقتها٢.
٨- الجمال الفني هو تلك الحالة الشبيهة باللحظة الصوفية التي تنفذ بها النفس إلى غيبها وغيب الحياة والعالم, فتكشف للإنسان ما لا يقوى على اكتشافه بنفسه، وما لا يستطيع أن يدركه ويحل فيه بيقينه الخاص، وذلك أن الانفعال النفسي عندما يتعمّق ويقوى يغدو قادرًا على تخطي الحدود المرسومة لفهم الأشياء، فيلتقطها في تخوم الحلم والرؤيا في حالة وجودها الروحي الأول، قبل أن تأخذ أشكال الواقع بحدوده ومراسيمه, وتذعن لمنطقه, وتتشوه بأعراضه وجزئياته٣.
٩- لكي ينفذ الناقد إلى البواعث الحقيقية للتجربة الشعرية لا بُدَّ له، بالإضافة إلى إلمامه بخبايا النفس البشرية، من معرفة التيارات المهمة التي تنازعت نفسية الشاعر من خلال سيرته٤, وهذا يعني أن الارتياد النفسي للقصيدة مرتبط أشد الارتباط بالسيرة, شريطة أن تقتصر منها على التيارات الجوهرية البعيدة الغور, التي أثرت في بعث التنازع والتعقد والالتباس في نفسه.
١٠- إن معرفة أخلاق الشاعر وطبعه تسهم إسهامًا كبيرًا في كشف حقيقة العوامل التي تتدافع وتتوالد وراء ما يسفر وينجلي من معانٍ واضحة في القصيدة, فالطبع هو الذي يؤدي إلى تنازع الشاعر مع المؤثرات الخارجية٥.
١١- إن السيرة تمثل الحتمية الخارجية، والنفسية أو الطبيع يمثل الحتمية الداخلية، ومن تفاعلهما تتولد التجارب القلقة التي هي مادة الشعر الأولي، وهذا النزاع بين حتمية النفس وحتمية الحياة والقدر والمصير يفجر ينابيع النفس عند معظم الشعراء٦.
стр. 267
١٢- ليس في الشعر الجاهلي إلّا نبذ قليلة من القصائد التي تعالج المشكلة الاجتماعية العامة, وتعكس الهموم التي يعانيها الفرد من جرّاء اتصاله بالآخرين وقيامهم إلى جنبهم١.
١٣- وفي معرض حديثه عن "الموضوع والثقافة وقيمتهما في الأدب"٢ يقرر جملة من الملاحظات حول الشعر الجاهلي، وهي في مجملها تحتاج إلى وقفة طويلة ومناقشة، فالباحثون اختلفوا في تفسيرها وتعليلها, ومنها قوله: "لئن كان ثمة عقدة من البواعث وراء تلك الظاهرة -ويعني بها عدم النفاد إلى الأباد الروحية والوجودية- فإن أهمها ضعف ثقافة الجاهلي، لأن البدائي يعجز عن الارتقاء إلى الكليات من ضمن الانفعال الآني العارض, لذلك ظل الطلل طلل حجارة ونؤي وأثافي, ولم يقدر الجاهلي أن يفطن إلى أن ظاهرة الطلل ليست سوى رمس, وأن آثاره ليست سوى أشلاء الحياة وهيكلها المندثر الحزين, وظل الشاعر يلتفت إليه بحسرة خارجية بدون أن يحمل فيه, فيغدو طللًا وجوديًّا نفسيًّا، بعد أن كان طللًا وصفيًّا ماديًّا".
"وهو كذلك إذا أعجب بجمال المرأة وتعقد بحبها, فأخذ يجيل في الطبيعة مجسدًا انفعالاته في حدود المشاهد البصرية المتشابهة".
١٤- إن الأسلوب الفني يتأثر، غالبًا، بالنفسية الجماعية المسيطرة على روح العصر الذي يعايشونه, لهذا غلبت النزعة الوصفية المادية على معظم الشعراء الجاهليين، وذلك لأن النفسية البدائية هي نفسية مادية تدرك معاني الأشياء في إطارها الحسي أو في أشكالها الظاهرة، وهو يعجز عن التجريد الذي يتداول المعاني في الذهن، ويعجز أيضًا عن الرؤيا التي تصهر العالم المادي وتذيبه وتوحّد بينه وبين العالم الداخلي, لذلك قلَّمَا نشهد في شعرهم خيالًا خلَّاقًا، يبصر فيما وراء الأشياء، وإنما هناك خيال حسي حسير، يعيد الأشياء إلى ذاتها في حدود الأشكال والألوان والمظاهر٣.
وهذه قضية خطيرة تحتاج إلى وقفة للمناقشة.
стр. 268
ويتصل هذا الاتهام بما سبق، ذلك أن الشعر الجاهلي ألصقت بها ظلمًا تهمة الوضعية المادية, مدعين بأن النفسية البدائية هي نفسية مادية تدرك معاني الأشياء في إطارها الحسي أو في أشكالها الظاهرة, وقد قام هذا إلى القول بأن شعرهم خلا من الخيال الخلاق الذي يبصر فيما وراء الأشياء، وهو خيال حسي حسير يعيد الأشياء إلى ذاتها في حدود الأشكال والألوان والمظاهر.
وفي ظني أن هذا الاتهام ينطلق من مفهوم البدائية وتطبيقه على المجتمع الجاهلي، وحقيقة الأمر أن هذا المجتمع لم يكن بدائيًّا كما توهم الباحثون الغربيون حين سحبوه على القبائل البدائية، بل كان مجتمعًا له قيمه ومعتقداته، وكان يختزن في رحمه طاقات هائلة كامنة استغلها الإسلام, فانطلق العرب يفتحون مشارق الأرض ومغاربها، فكيف يفعل البدائيون هذا كله خلال فترة وجيزة؟ بل كيف يؤمنون بهذا الدين وينتجون حضارة عظمى خلال قرنين من الزمان؟.
أما الخيال الخلاق فلم تتفق المذاهب النقدية المعاصرة على مفهوم واحد وتعريف واحد للخيال، ولا الخيال الخلاق.
ولذلك لا نستطيع أن نسبغ الحسية على الخيال عند الشاعر الجاهلي ونجعلها سُبَّة في جبين الشاعر، بل نقول: إنها كانت أحيانًا, ولكنها لم تكن عامة.
ويتناول إيليا حاوي في القسم الثاني من كتابه "في الأدب والنقد الجزء الأول" قصائد جاهلية يتناولها بالتحليل والنقد, وهذه النصوص هي:
لامرئ القيس: الأطلال والأحبة٢ "٢٩ بيتًا من المعلقة"، وصف الليل٢ "أربعة أبيات من المعقلة".
لعنترة: الفخر والحماسة٣ "٣١ بيتًا من معلقة" تبدأ بالبيت:
إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب يأخذ الفارس المستلئم
لعمرو بن كلثوم: الفخر الملحمي٤ "معلقته كاملة".
стр. 269
للنابغة: البائية في مدح عمرو بن الحارث الغساني١، المعلقة "نموذج من اعتذاريات النابغة"٢.
للأعشى: قصيدة خمرية مطلعها٣:
وشمول تحسب العين إذا ... صفقت وردتها نور الذبح
للمهلهل: رثائية مطلعها٤:
اهاج قذاء عيني الأذكار ... هدوءًا فالدموع لها انهمار
للشنفري: لامية العرب٥.
للمتلمس: هجاء عمرو بن هند٦:
ألك السرير وبارق ... ومبايض لك والخورنق؟
لعمرو بن معد يكرب: في سبيل لميس٧:
ليس الجمال بمئرز ... فاعلم وإن رديت بردا
للحارث بين حلزة: شكوري٨:
من حاكم بيني وبين الدهر مال عليّ عمدًا
لزهير بن أبي سلمى: الحكمة والخواطر٩ "من المعلقة ٢٢بيتًا":
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم
لطرفة بن العبد: آراء في الحياة والموت١٠ "٤٨ بيتًا من المعلقة" تبدأ بالبيت:
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
стр. 270
للبيد بن ربيعة: وصف الأتان والبقرة والوحشيتين١، من المعلقة بدءًا من البيت:
وأحب المجامل بالجزيل وصرمه ... باقٍ إذا ظلعت وزاغ قوامها
"٣٢ بيتات"؟
في رثاء أربد٢ مطلعها:
بلينا وما تلبى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
لدريد بن الصمة: رثائية لأخيه عبد الله٣:
أمرتهم أمري بمنقطع اللوى ... فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
لعلقمة الفحل: قصيدة مطلعها٤:
هل تلحقني بأولى القوم إذا شحطوا ... جلذية كأتان الضحل علكوم
وقد حاول الباحث تطبيق منهجه الذي حدده في القسم الأول من كتابه، ولكنه مال إلى الإيجاز في النماذج الأخيرة، واكتفى بذكر ملاحظات عامة على النصوص المحللة.
أما الدكتور محمد النويهي فله دراسة قيمة تقع مجلدين هي "الشعر الجاهلي: منهج في دراسته وتقويمه"٥, وقد قرر منذ البداية أهمية العصر الجاهلي, وأن "دراسة صحيحة للشعر العربي في كل عصر من عصوره يجب أن تبنى على علم دقيق وثيق بطبيعة الشعر العربي في مرحلته الأولى مرحلة العصر الجاهلي"٦, كما قرر أن "خير ما كتب عن الشعر الجاهلي وأحفله بالكشف القيم هو ما كتبه الدكتور طه حسين في حديث الأربعاء"٧, ويرى أننا في أشد الحاجة إلى أن "نعيد تقدير الشعر الجاهلي وننظر فيه نظرة فاحصة متأنية تزيد طبيعته الفنية استكشافًا، ونستغل المقدَّرات العلمية والفنية التي لم تكن متاحة للرعيل الأول من نقادنا المحدثين٨.
стр. 271
ومما يضاعف من حرصه إحساسه بخطر مخيف محدق بالشعر الجاهلي، وهذا الخطر يتمثّل في خشيته من أن يأتي زمن لا يفهم هذا الشعر وتنقطع الصلة به، وهذا ما دفعه إلى تأليف كتابه، ومما يضاعف من ذلك قصور نقدنا القديم, هكذا نقع بين قطبين: قصور نقدنا القديم، وبناء نقدنا الحديث على أسس من دراسة الآداب الغربية, وانعكاس ذلك على من درسوا أدبنا القديم١.
أما سبب تقصير البلاغيين والنقاد ووقوعهم في الأخطاء لأنهم لم يفهموا ما الأدب, ما كنهه؟ ما دوافعه؟ ما منشأه من النفس الإنسانية؟ ما وظيفته؟ ماذا يحاول؟ لِمَ تحتاج إليه الإنسانية؟ لماذا يهتم الأدباء بإنتاج, بل يساقون إليه سوقًا لا يستطيعون له دفعًا، ويكلفهم الكثير من الجهد ويفرض عليهم الكثير من التضحيات؟ كيف نتلقى إنتاجهم؟ وماذا يجب علينا أن نحاول التقاطه منه؟ وما طبيعة التجربة الفنية؟ وما علاقتها بالتجربة الواقعة؟ فيم تزيد عليها؟ وفيم تتفق التجربتان وفيم تتخلفان٢؟.
تلك هي الأسئلة التي يوجهها الباحث، ويحاول أن يجيب عليها في دراسته هذه، وفي الوقت نفسه يحذر من تطبيق مقاييس النقد الغربي، ويطلب منَّا ألا نندفع إلى إقحامها على أدبنا العربي، لأنها مهما اتفقت مع أدبنا العربي في أصولها الإنسانية إلّا أنها تختلف عنها في أمور جذرية، وتطبيقها المتعسف على أدبنا ينتج عنه ضرركبير٣. ولكن دراسة الآداب الأجنبية تفيدنا بتنبيهنا إلى مواطن الاختلاف بينها وبين أدبنا، فهي تزيدنا فهمًا لتراثنا الأدبي وإدراكًا صحيحًا عميقًا بطبيعته الخاصة، وإبصار واعيًا دقيقًا لوسائله التصويرية المميزة, واستجابة كاملة غنية لقيمه الجمالية المستقلة٤.
وفي محاولة لتحديد منهجه يقول: "لسنا ندَّعي بهذا أننا أقبلنا على دراسته بذهن خالٍ تمام الخلو، فإننا أقبلنا على هذه الدراسة وقد اكتسبنا مما تيسر لنا من ثقافة علمية وفنية فهمًا عامًّا للفنون الأدبية التي يستخدمها الأديب لأداء مضمونه.
стр. 272
لكننا لم نقبل على الشعر الجاهل بمقاييس محددة مضبوطة صارمة ننتظر تحققها فيه, ونسلتزم وفاءه بها، فنرضى عنه إن حققها، ونسخط عليه إن أخل بها"١.
أما مجاله أو المادة التي انتقاها من الشعر الجاهلي فتسع قصائد، ست من المفضليات، واثنتان من ديوان زهير، وواحدة من المعلقات العشر، إضافة إلى مقطوعات وأبيات مفردة قليلة, وهذا يعني أن الأحكام التي يصل إليها ليست قاطعة بسبب قلة النماذج إذا ما قورنت بحجم الشعر الجاهلي.
ويرى النويهي أن الشعر العربي لا يدرس بمعزل عن المعرفة التامَّة المحيطة به، سواء ما كان متعلقًا بالأديب أو ما كان متعلقًَا بالبيئة الطبيعة والاجتماعية التي تحيط بالأدب وإنتاجه، والدراسة الفنية لهذا الشعر تكون "محض تخريف وهجس إذا لم تربطه ربطًا وثيقًا بهذه الأحوال والأوضاع والعناصر والظروف"٢.
ويخصص النويهي الفصل الأول لـ "عناصر الموسيقى الشعرية"٣, وخلاصة ما يراه: إن الإيقاع العام للبحر يجب ألّا يغفلنا عن الاستماع الدقيق إلى الإيقاع الخاص للكلمات مضافًا إليه اختلاف النغم، وإذا بدأنا نلتفت إلى تنويع الشاعر في أبياته وشطوره لهذا الإيقاع الداخلي للكلمات، وأدركنا كيف ينسجم هذا التنويع مع تقلب فكرته وعاطفته٤, ويحاول كذلك أن ينفي ما أنكره بعض النقّاد وهو ملاءمة البحور المختلفة للعواطف المختلفة، وحجتهم في ذلك ان البحر الواحد يستعمل لمختلف العواطف. ويرد عليهم بأنها تختلف في درجة العاطفة, وإن لم تختلف في نوع العواطف التي تصلح لها البحور. وبعبارة موجزة: فإنه يربط بين البحر ودرجة العاطفة٥, وأما القافية فيرى أن الأمر فيه ما زال بحاجة شديدة إلى مزيد من الاستقراء٦.
يتناول في الفصل الثاني "الحرف المتردد والحكاية الصوتية" على أنهما من
стр. 273
"الوسائل البلاغية"١. ويرى أن القيمة الموسيقية للكلمة لا تقتصر عليها مفردة, بل تمتد إلى موضعها من الجملة الشعرية وما بين الكلمات المتعاقبة من تنسيق وتجاوب في النغم، أو تنافر مقصود فيه. وإن القدماء التفتوا إلى أنواعٍ من التجاوب؛ كالجناس والتشريع والتفويف والتسميط، ولكن هناك وسائل لم ينتبهوا إليها, ومنها ترديد الحرف الواحد في كلمتين أو كلمات متتابعة أو متقاربة٢, ويرى كذلك أن البلاغيين والنقاد القدامى لم يستفيدوا مما نبه إليه علماء اللغة من ملاءمة بعض المصادر بأوزانها للمعنى المراد, مثل: "فعلان" الذي يعبِّر عن اضطراب وحركة؛ لأنهم لو التفتوا إلى ذلك لأدركوا أن الشعراء في تصويرهم معانيهم وأداء أفعالهم وحركاتهم لا يكتفون باللفظ الواحد الذي سبقت اللغة إلى وضعه، بل يوقعون وينغمون كلمات متعددة في جملٍ أو أبيات كاملةٍ ومتعاقبة, حتى تطابق بإيقاعها وتنغيمها فكرهم وانفعالهم٣.
ويخصص الفصل الثالث للحديث عن "الخيال البصري"٤, فيرى أن أهم الخصائص التي تميز الشعر الجاهلي أنه انطباع بصري يلعب الخيال البصري دورًا عظيم الأهمية في بنائه وتكوينه، ولكي تصل إلينا أفكار الجاهلي علينا تشغيل مخيلتنا البصرية عند قراءتنا لهذا الشعر؛ لأن الفهم العقلي "لا يكفي لتفهم ذلك الشعر والخلوص إلى دقائقه البديعة خلوصًا يحقق الاستجابة الفنية الغنية"٥.
وفي الفصل الرابع يتحدّث عن "الحركة والحيوية"٦, وهو يرى أن في الشعر الجاهلي حقيقة كبيرة الشأن, وهي حكايته البارعة للحركة الموصوفة، حتى لينقل الشاعر إليك هذه الحركة نقلًا حيًّا بوسيلة الشعر الصادقة، وسيلة الإيقاع والنغم٧, ويمثل لذلك بأبيات من قافية زهير أولها:
كأن عيني في غزلي مقتلة ... من النواضح تسقي جنة سحقا
стр. 274
وفيها يصف سانية، ويشبهها النويهي بالفيلم السينمائي المتحرك، ولكن الفرق أننا في الأبيات نجد أن أداة الشاعر الكلمات، وعلى القارئ نفسه أن يحولها إلى الصور المقصودة١.
ويعقد الفصل الخامس للحديث عن "الحب: النسيب والغزل"٢ وابتداء من هذا الفصل يشرع في ربط العنان بنصٍّ شعري يجعله تطبيقًا عليه, والنص هنا "عينية الحادرة" التي مطلعها:
بكرت سمية بكرة فتمتع ... وغدت غدو مفارق لم يربع
ويبدأ حديثه بمناقشة قضية قديمة هي افتتاح القصائد بالنسيب وتكرار تجربة الفراق إلى درجة تثير الملل في نفس القارئ بخاصة المحدثين، وتحملهم على التشكك في صدق الشعراء وأصالتهم. ويعرض لمختلف آراء الباحثين بدءًا من ابن قتيبة وانتهاءً بالباحثين المحدثين, أما رأيه هو فمتأرجح بين أن يكون ذلك الافتتاح أصالة أحيانًا وتقليدًا أحيانًا أخرى, ولكنه يعود ليؤكد وهو يقدم لعينية الحادرة أنه يقدم مثالًا على النسيب الافتتاحي الذي يقنعنا بصدقه التام، ويحمل إلينا حرارته عبر القرون، ولا يدع مجالًا لتشككنا في أن الشاعر يتحدث عن تجربة واقعة حدثت له٣.
وحينما ينتهي من شريحة النسيب وينتقل إلى الفخر القبلي "الفصل السادس", فإنه يطالبنا بالتركيز على الفهم التاريخي والدراسة الاجتماعية, أي: المنهج التاريخي الاجتماعي في دراسة الأدب، ذلك المنهج الذي يعطي أكبر اهتمامه إلى أنه مرآة تعكس لنا أحوال مكانه وزمانه, وسِجِلُّ حيُّ نستقرئ فيه دقائق الظروف المعايشة التي أنتج فيها، والتي خضعت لشتى عوامل البيئة المادية والثقافية٤, وخلاصة رأيه: إن واقع الحال بينهم في ذلك العصر القريب من الإسلام كان نزاعًا بين تقليد جاهلي قديم يقوم على شريعة الغاب التامة القسوة والدموية, وبين حس أخلاقي جديد ظهر أولًا في عدد من أفرادهم الممتازين المفكرين, ثم بدأ يسود القبائل الكبيرة ذوات الأنساب والأحساب٥.
стр. 275
ومن الآراء الطريفة التي يوردها حول الكرم، من خلال دراسته لهذه الشريحة من القصيدة، إن الشعر الجاهلي لا يرسم للعرب الجاهليين صورة الكرم التامّ إلّا إذا أخطأنا الاستنباط, وغفلنا عن دلالة الكلام. وإلّا إذا كانت معرفتنا بالشعر الجاهلي معرفة محدودة، وهذا الخطأ لا يقوم حجة على الشعر الجاهلي نفسه، وإن كل افتخار بالكرم يثبت البخل في آخرين١, ويستنبط حقيقة أخرى من الشعر أن الكرم كواجب مفروض كان يلزم أشرافهم وحدهم، أما للآخرين فهو مثل عالٍ يجلونه ويسعون جهدهم إليه, لكنهم لا يلامون إذا قصروا في بلوغه. ويرى أن السبب الأساسي في إيجاد ذلك الكرم الجاهلي وإحلاله منزلة عالية في قائمة فضائلهم الاجتماعية كان سببًا اقتصاديًّا٢, وله رأي طريف في الأخبار والأشعار المنسوبة إلى حاتم خلاصته أنها، في معظمها مصنوعة، لتدعيم الأسطورة٣.
ويطالب النويهي٤ بأن علينا إعادة النظر في جميع الأحكام الرائجة في تاريخنا الأدبي، وأن نخضعها لمنهج في البحث أكبر دقة، وبذلك نحقق هدفين:
أولهما: التحقيق الموضوعي النزيه المجرد من الهوى والتعصب والحلم الرومانسي بالماضي.
وثانيهما: إنصاف الجاهليين في حدودهم الزمانية والمكانية التي حددت أوضاعهم المعايشة فحددت إمكاناتهم الفكرية والأخلاقية.
وفي الفصل السابع٥ يتحدث النويهي عن الشريحة الثالثة في عينية الحادرة "نشوة الحياة: اللذة العنيفة والألم العنيف", ويرى الباحث أن في الأبيات هذه "تشخيصًا" حقيقيًّا كالذي نراه في الشعر الغربي "محمرة عقب الصبوح عيونهم: بمرأى هناك من الحياة ومسمع", فالحياة هنا مشخَّصة، كما يلفت نظرنا إلى التضاد في الأبيات، وإن ما ذكره الشاعر من إقباله على ملذات الحياة نعمها لا يعني أنه فاقد المرحمة ميت الضمير لا يهمه سوى متعته الخاصة، بل إنه ليدرك مبلغ شقاء الآخر من ذلك المجتمع, ويفعل ما في وسعه لتخفيف كربه ومداواة جراحه, وهو
стр. 276
بهذا يمهد الرد على أستاذه طه حسين الذي ادعى أن الشعر الجاهلي لا يصور إلّا حياة الأغنياء، ونسي وأغفل شعر الصعاليك, وكذلك لبيد وطرفة وغيرهم. ويتساءل على من يتكرّم أولئك الأغنياء إن لم يوجد فقراء يحتاجون إلى ذلك السخاء الذي يفخر بها أغنياء الشعراء؟
وعندما يعد للحديث عن إحساس الحادرة بجوع الجائعين, يرى أنه قد بدأ يتحرك فيه الضمير الشخصي المستقل عن كيانه الجماعي كعضو في قبيلة.
أما ميمية علقمة التي مطلعها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حلبها إذ نأتك اليوم مصروم
فقد استغرق تحليلها فصولًا ثلاثة: الثامن١: من النسيب التقليدي إلى الناقة الحبيبة، والتاسع٢: الحيوان الوحشي والطبيعة، والعاشر٣: فلسفة الموت والحياة.
وأول ما يستلفته نسيب علقمة الذي يسبق الحادرة بجيلين, فيرى في نسيب علقمة أنه ليس مقصورًا على المحبوبة, بل هو في حقيقته حزن على رحيل قبيلة بأجمعها، وهذا يعني أن نسيب الحادرة متطور ويمثل مرحلة متأخرة من التطور الفني٤, وقاده هذا إلى القول بأن النسيب القديم قد تحوّل إلى فنٍّ جديد هو الغزل الذي هو أقل ارتباطًا بالقبيلة, وأقل اهتمامًا بتصوير رحيلها الجماعي, وأكبر تركيزًا على المحبوبة الواحدة, وأقل اهتمامًا بتفصيل ما يعانيه الشاعر من مشاعر شخصية تجاه هذه المحبوبة٥.
وفي شريحة الحيوان الوحشي يسجل النويهي خصائص ثلاثًا٦:
١- إن لدى الجاهلي معرفة بأحوال الحيوان الوحشي في الصحراء, ودقائق حياته ناجمعة عن خبرة طويلة ومراقبة متكررة ودراسة مشغوفة صابرة لهذا الحيوان في مختلف مراحل حياته وأحداث معيشته.
стр. 277
٢- إن مقدرة هذا الشاعر لا تقتصر على التسجيل الدقيق لحقائق الطبيعة, بل تمتد إلى أن تمكنه من التعاطف مع العواطف المنقولة, بحيث يضطرب لها كيانه اضطرابًا تنتقل إليه عدواه القوية.
٣- هي تلك التي تجعل منه شاعرًا ممارسًا، وتلك هي مقدرته الفائقة على أن يصور لنا بألفاظه دقائق الصور المنقولة، وأن يحمل إلينا بهذه الألفاظ ظلال عواطفه المرهفة.
أما الطبيعة عند الشعراء الجاهليين فهي بالنسبة إليهم "شيء حي نابض بالحياة, استجابوا لما فيها من حيوية واهتزوا لمؤثراتها اهتزازًا شديدًا, وتتبعوا لما يحدث لها من تقلبات على مرِّ فصول السنة المختلفة"١.
أما حينما ينتقل الشاعر فإنما ينتقل فجأة ومباغتة إلى أبيات حزينة متشائمة، يترك فيها عالم الحيوان السعيد إلى عالم الإنسان الشقي, وهذا هو قسم الحكمة من القصائد الجاهلية، ويرى فيها الباحث أو في أغلبها حكمة مليئة بالأسى والحسرة وخيبة الأمل٢.
وفي هذا الانتقال من البهجة إلى التشاؤم وتغير الحالة النفسية, فإنه في نظر النويهي ناتج من إحساسه بأن وجوده محصور في العالم المحدود، لا عالم آخر فوقه أو وراءه أو بعده، ولكن هذا اليأس التام من وجود غير الموجود يقبل بِنَهَمٍ على هذه الحياة الفانية التي لا يؤمن بغيرها, والاندفاع بكل طاقته في استغلالها واعتصار كل قطرة منها قبل أن تولي٣. وهكذا فإن الشعراء الجاهليين قد انتقموا من الموت بكل الوسائل: باللذة، بالحب، بالخمر، والنساء والشواء والغناء والندامى والعطر والزهور، بركوب الإبل النجيبة والخيل الكريمة، بالصبر على السفر المجهد، بالصيد, بالقتال، بإنفاق المال بجنون، ولكنهم وجدوا سلاحهم الأقوى ضد الزمن وقسوة الحياة وتقلُّب الدهر وحتم الموت في الشعر٤.
стр. 278
ودرس "الوحدة الحيوية"١ في القصيدة الجاهلية من خلال "همزية زهير" التي مطلعها:
عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء
وهو يرى أن الحكم الشائع في نقدنا الحديث على القصيدة الجاهلية بخلوها من الوحدة الفنية أو العضوية يحتاج إلى قدر من التعديل؛ لأنه يعتسّف في تطبيق المفهوم الغربي للوحدة على شعرنا القديم, والوحدة معناها أن يكون بين موضوعات القصيدة انسجام في العاطفة المسيطرة، وفي الاتجاه المركزي نحو حقائق الكون وتجارب الحياة٢.
وبعد أن يستعرض ألوانًا من الوحدة أطلقها باحثون؛ كالوحدة الفنية والوحدة العضوية والوحدة المعنوية, ويراها ليست متوفرة في القصيدة الجاهلية, يذهب إلى أن الموقف الوحيد السليم هو أن نحاول أولًا أن ننظر إليه بنظرة أهله، وأن نتذوقه بتذوقهم، وأن نستخرج منه المقاييس التي يحق لنا أن نطبقها عليه, وبمعنى آخر أن الشعر الجاهلي مستقل في وحدته عن المفاهيم الأخرى, ويقترح تسمية جديدة للشعر الجاهلي هي "الوحدة الحيوية", وفهمنا لحالة الشاعر الانفعالية هو المفتاح الذي سيدخلنا في مختلف أقسام قصيدته، وتعمقنا لها هو الذي سيحل لنا متناقضاتها العديدة، فيؤلف بينها في وحدة حيوية قوية، إذ يجلي لنا عاطفته المسيطرة المتحدية لكل ما تلقاه من هموم، المتصارعة مع ما يفرضه التقليد الشعري من الحزن في قسم النسيب، والغضب في قسم الهجاء٣.
ويرى في همزية زهير "تفككًا", ومرد التفكك يكمن في تعمق حالة الانفعالية؛ إذ إن التقليد الشعري يقتضيه أن يبدأ بفن النسيب الآسي الحزين، لكنه في صميمه أبعد الناس في هذا الآوان عن الأسى والحزن، فهو يتفجر مرحًا ونشاطًا واستبشارًا وتفاؤل شباب, فكيف يوفق بين النقيضين دون أن يقع في الكذب الفني٤؟.
والنشوة صفتهم العليا، والنشوة ميزة هذه القصيدة الأولى٥, ويعني نشوة
стр. 279
الحياة. ويرى النويهي أن معيشة زهير طول حياته بين قوم ليسوا قومه ذوي العصب كانت من أهم الأسباب التي مكَّنته من أن يعلو على العصبيات القبيلية المتناحرة، وأن يرى فظاعة الحرب وجنايتها على الفريقين المتصارعين، حتى وصل إلى فلسفته السامية السلمية التي جلتها معلقته١.
وفي الفصل الثاني عشر٢ يدرس "ميمية الجميح الأسدي" التي مطلعها:
يا جار نضلة قد أنى لك أن ... تسعى بجارك في بني هدم
وإن أول شيء يقرره النويهي أن القدماء عجزوا عن فهم ابتداء القصيدة بثلاثة أبيات تقطر سخرية مرة، وسرعة الحركات في البحر الكامل والبتر المفاجئ العنيف الذي يدخلها، وهذا كله ليوحي بغيظ شديد يجيش في صدر الشاعر، ليصل إلى توعد مخيف بالانتقام الماحق، إلى صرخة مجروحة على صديقه الذي قتل غدرًا٣.
وفي الفصل نفسه "حماسة وغضب" يدرس قصيدة أخرى لشاعر جاهلي هو "يزيد بن الحذاق الشني٤" مطلعها:
أعددت سبحة بعدما قرحت ... ولبست شكة حازم جلد
وفي الفصل الثالث عشر "هدوء المشيب" يدرس "لامية زهير" مطلعها:
ويذكر النويهي إحدى خصائص زهير الفنية, وهي التنسيق الماهر العذب لأسماء الأماكن٥, وإن قصيدته تنقسم إلى الأقسام التالية: النسيب، والصيد، ومدح حصين بن حذيفة بن بدر الفزاري.
وفي الفصل الرابع عشر "دقائق التنغيم الصوتي، الحزن: الرثاء" درس عينية أبي ذؤيب الهذلي التي مطلعها:
أمن المنون وريبها تتوجع؟ ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
والقصيدة بمضمونها الفكري والعاطفي وأدائها الفني تنتمي إلى العصر الجاهلي, بالرغم من أنها نظمت بعد الهجرة بعقدين, والسبب هو استمرار جزء من
стр. 280
العقلية الجاهلية والتقاليد والعادات والأحوال الجاهلية، وكذا افتتان العرب بالفن الشعري الجاهلي، ويرى أن أهم الأسباب التي صرفتنا عن استكشاف الدقائق الصوتية في شعرنا القديم، ومدى اتحادها العضوي مع مضموناتها، هو تلك الطريقة الخطابية الفجة التي كنا نقرأ بها الشعر ونلقيه في المحافل وعلى أسماع المتعلمين١.
ولصلاح بعد الصبور محاولة لـ "قراءة جديدة لشعرنا القديم"٢, وفيها يعرف الشعر بأنه "فن اكتشاف الجانب الجمالي والوجداني من الحياة، والتعبير عنه بالكلمات المموسقة"٣, وأنه "تقدير النفس الإنسانية والحياة"٤, أما الشاعر العظيم فهو "مكتشف عظيم في عالم الجمال والوجدان؛ لأنه يرى الأشياء والأحاسيس رؤية طازجة، وليست نظرته وليدة المنطق أو العلم, ولكنها وليدة الحدس, وأما أدواته فهي الخيال الخصيب"٥.
ونظرية الوحي والإلهام من أهم النظريات في تاريخ الشعر، والوحي معناه الكشف الباطني عن حقائق لا تبدو ظاهرة لعيان البصر أو عيان العقل. ومن الغريب، كما يرى صلاح عبد الصبور، إن الشعر العربي القديم نشأ في حضن نظرية استمداد الإلهام من منبع متعال عن البشر، فقرن الشعراء أنفسهم بالجن، ولكن من سوء حظ العربي أنه نظرية الإلهام لم تكد تثبت في الوجدان العربي حتى زاحمتها نظرية أخرى هي نظرية الصنعة الشعرية٦.
وهناك ثلاثة أبواب لافتة للنظر في شعرنا القديم، ذم الدنيا، أدب الشذوذ الجنسي، الخمر.
أما أبواب الكتابة فهي: ما جدوى الشعر؟ بين المهانة والتمرد، والشاعر يتفلسف، حوار مع الكون، حوار مع الكائنات، الشاعر والحب، مثال الجمال، صور فنية.
стр. 281
وهو يرى أن شعر الزهد يمثل شعور الجماعة, بينما يمثل شعر التأمل في الموت شعور الفرد، ولهذا فإن شعر ميتافيزيقا الموت هو شعر أصيل لنفس حساسة بمقياسها الخاص, ولو قلنا: إن مجال الشعر هو الإنسان وحده، والإنسان الطبيعة، والإنسان والمجتمع، لكان شعر تأمل الحياة والموت هو المنحى الأول في شعر الإنسان منفردًا, وهو يضرب ذلك أمثلة لشعراء جاهليين منهم: طرفة وأبو ذؤيب والأفوه الأودي وكعب بن سعد الغنوي.
وإن لكل شاعر نغمه الفريد، ولكن ما نلحظه فيهم جميعًا أنهم يحبون الحياة وإن كانوا يرون الموت قدرها المقصود، ولعل تلك هي أول ملامح النظرة الميتافيزيقية التي تمزج بين الموت والحياة في الخاطرة الواحدة١.
وتظل الطبيعة صامتة حتى تتحدث بلسان الفنان ووجدانه، أو بقلمه وألوانه، فتتجلّى عندئذ ألوانها وظلالها، ونورها وظلامها, ولم يكتف الشاعر الجاهلي بالوصف الظاهر مجمدًا للصورة، وباحثًا لكل شيء عن شبيهه في اللون أو الشكل ليشبهه به, ولكنه لمس أخفى ما في الطبيعة وأدقه، وهو في الوقت ذاته جوهرها وروحها، ذلك هو عنصر الحركة فيها، فالطبيعة حولنا ليست ثباتًا مطلقًا، ولكنها تغير مستمر، وهذا التغير هو دليل النماء والحياة فيها٢, ويرى أن الطبيعة لا تكتسب الحياة إلّا إذا اصطبغت برؤية الشاعر وحالته النفسية.
وللدكتور يوسف خليف دراستان في الشعر الجاهلي، إحداهما: خصصها لدراسة الشعراء الصعاليك٣ والثانية: "دراسات في الشعر الجاهلي"٤, والدراسة الثانية في الأصل كانت بعض مقالات نشرها في فترات مختلفة في دوريات متخصصة، ثم طوَّرها وجمعها في هذا الكتاب.
ويصرّح في مقدمة الدراسة الثانية أنه ما زالت هناك جوانب في حاجة إلى مزيد من الدراسة لكشف ما يكتنفها من غموض، وتجلية ما يحيط بها من حجب, وإن هدفه من هذه الدراسة يقف على بعض هذه الجوانب الغامضة٥, وقد تخير من هذه المشكلات أربعًا هي:
стр. 282
مشكلة الشعر الجاهلي بين الرواية والتدوين.
مشكلة أولية هذا الشعر وما بعد الأولية.
مشكلة مقدمات القصائد الجاهلية الطللية وغير الطللية.
مشكلة الشعر الجاهلي بين النزعتين القبلية والفردية.
أما القضية الأولى١: فلا ينكر وجود الكتابة, ولكنه ينفي أن يذهب كما ذهب غيره إلى أنها كانت تستخدم في تدوين الشعر في ذلك العصر، وإن كان بعضهم قد استخدامها في كتابة شعره, ويؤكد أن التدوين بدأ في عصر التدوين.
وأما القضية الثانية٢: وهي أولية الشعر, فيعرض لنظرية عربية قديمة, هي رأي ابن سلام "الشعر العربي بدأ في صورة مقطوعات قصيرة أو أبيات قليلة العدد يرتجلها الشاعر في مناسبات طارئة ليعبر بها عن انطباعات سريعة مؤقتة"، كما يعرض للنظرية الحديثة التي تذهب إلى أن الرجَز كان الصورة الأولى للشعر العربي في بدايته.
وعلى الرغم من أن النظرية الحديثة لا يطمئن إليها بعض الباحثين, ويرون أنها مجرّد فرض، وأن شيوع الرجز لا يعني قدمه وسبقه للأوزان الأخرى, إلّا أن الدكتور خليف يرى فيها "أساسًا صالحًا لحل المشكلة, ويتخذ منها قاعدة سليمة لتصور الموقف، وتتبع للطريق الذي سلكه الشعر العربي منذ البداية، أو على الأقل للاقتراب من الحقيقة الضائعة المجهولة التي طوتها أستار الزمن البعيد"٣, وهو بهذا يلتقي مع بعض المستشرقين. ويرى أن العرب عرفوا الرجز منذ أن عرفوا الحداء, وهي قضية تنتهي بنا إلى نتيجة حتمية لا مفر منها، وهي أن الرجز العربي قديم موغل في القدم, ولكنه لا يملك أن يؤكد هذه الحقيقة، وكل ما يملك قوله: "لعلها الحقيقة" لعدم توفر الأدلة والنصوص اليقينية الثابتة"٤.
وفي رأي الدكتور خليف أن هذه المرحلة التي شهدت الأولية الناضجة للشعر الجاهلي كانت هناك عوامل متعددة هيَّأت لظهوره في هذه الصورة الناضجة حين
стр. 283
أتاحت الفرصة لظهور لغة أدبية موحَّدة توحدت فيها لغات القبائل وذابت لهجاتها، واختفت منها الفروق اللغوية التي تعددت بسببها هذه اللهجات، فكانت صالحة لاتخاذها لغة الشعر والتسامي بها عن لهجاتهم المحلية, وكأنما عرفت الجزيرة ازدواجًا لغويًّا في هذه المرحلة١.
وهكذا فقد اكتملت القصيدة العربية في أواخر القرن الخامس الميلادي بعد توافر العوامل السياسية والاقتصادية والدينية التي أظهرت لغة قريش لغة أدبية موحدة, فرضت نفسها على المجتمع الجاهلي كله؛ حيث اصطلح الشعراء في الشمال والجنوب على اتخاذها لغة شعرهم، وراحت القصيدة الجاهلية تأخذ طريقها بعد ذلك نحو تطور طبيعي لم يكن بد منه, أي: إن القصيدة مرت بمرحلتين٢:
١- مرحلة النضج الطبيعي التي يمثلها امرؤ القيس وطرفة والمرقشان وعبيد وعلقمة.
٢- مرحلة النضج الصناعي التي بدأت مع الطفيل الغنوي وأوس بن حجر, وبلغت ذروتها عند زهير, ويمثلها: زهير والنابغة الذبياني وعنترة ولبيد.
ومن اليسير ملاحظة الظاهرتين التاليتين في الشعر الجاهلي٣:
١- ظاهرة المنهج الثابت للقصيدة الجاهلية.
٢- ظاهرة العقد الفني بين الشاعر الجاهلي وقبيلته.
وفي ضوء هاتين الظاهرتين نستطيع أن نلاحظ أن "القصيدة الجاهلية تنحلّ إلى قسمين أساسيين: قسم ذاتي يتحدث فيه الشاعر عن نفسه، يصور فيه عواطفه ومشاعره وانفعالاته, ونضع فيه المقدمات ووصف الرحلة الصحراء, وقسم آخر غيري يتحدث فيه الشاعر عن قبيلته وفاءً بهذا العقد الفني بينه وبينها، أو يعرض فيه للمدح أو الاعتذار.
أما المقدمات٤ فهي تارة طللية وهي الغالبة، تارة غزلية، وأخرى همزية، وهناك مقدمات فروسية، وأخرى في بكاء الشباب الضائع والحسرة على أيامه
стр. 284
الخالية. وهناك مقدمات تدور حول زيارة طيف الحبيبة البعيد لصاحبها في أحلامه على نحو ما نرى في تأبط شرًّا "القافية".
ويمكن رد هذه الاتجاهات جميعًا في المقدمات إلى ثلاثة دوافع أساسية: المرأة, والخمر، والفروسية١. ويعلل الباحث٢ القسم الذاتي في القصيدة الجاهلية "المقدمة وما يتصل بها من حديث الصحراء" إنما هو محاولة لإثبات وجود الشاعر الجاهلي أمام مشكلة الفراغ في حياته، وهي مشكلة لم يجد لها حلًّا إلّا عن طريق هذه المتع التي لم يجد مكانًا للتعبير عنها في زحمة الالتزامات القبلية إلّا في مقدمات قصائده، ومن هنا كان طبيعيًّا أن تخلو قصائد الرثاء من هذه المقدمات؛ لأن مقامها ليس مقام لهو أو متعة، ولأن الموت الذي يتحدث عنه الشاعر قد وضع حلًّا نهائيًّا لمشكلة الفراغ التي كان يحاول بوسائله المختلفة أن يجد حلًّا لها، وهي سائل لم يعد للحديث عنها مكان في هذه القصائد.
ويحاول الدكتور خليف أن يدرس مقدمة الأطلال دراسة موضوعية وفنية، فيرى فيها أولًا كثرة في الظهور؛ لأنها وجدت هوى شديدًا في نفوس الشعراء الجاهليين لارتباطها ببيئتهم المادية, وطبيعة حياتهم الاجتماعية؛ إذ هي تعبير عن تلك الظاهرة الطبيعية في المجتمع البدوي، وظاهرة "الحركة" التي كانت نتيجة طبيعية للتفاعل الحتميّ بين البيئة والحياة٣, وقد استطاع شعراء المرحلة الفنية الأولى أن يرسوا دعائم هذه المقدمة، وأن يحققوا لها طائفة من مقوماتها وتقاليدها الفنية التي استقرت لها بعد ذلك، والتي أصبحت معالم ثابتة في طريق الشعر العربي القديم، ويهتدي بها الشعراء في سبيل تحقيق الصورة الكلاسيكية لأعمالهم الفنية, أي: إنهم حقَّقوا لها إطارها الشكلي ومضمونها الموضوعي٤.
وتتراءى قطعان الظباء والبقر الوحشي آمنة في مسارحها وكأنها البقية الباقية من مظاهر الحياة في هذه الأطلال الموحشة الصامتة، أو كأنها تجسيم حي للحسرة التي تملأ على الشاعر أرجاء نفسه، وهو يرى هذه الأطلال وقد خلت من صاحبته التي تعيش في أعماقه رمزًا للماضي السعيد الذي ذهب إلى غير رجعة٥.
стр. 285
أما أسماء المواضع والأماكن التي تقع بينها الأطلال, وتحديدها تحديدًا جغرافيًّا دقيقًا فتعلل بأنها نموذج حي للواقعية في ذلك الشعر الجاهلي، كما أنها ترتبط بنفسية الشاعر الذي يتمثل هذه المواضع قطعة من نفسه، ففيها عاش أيامه الجميلة١.
وتطوَّرت المقدمة مع التطور الفني الذي أصاب الشعر الجاهلي عند شعراء مدرسة الصنعة أو عبيد الشعر، وفي رأي الباحث أن أروع ما وصل إلينا من المقدمات الطللية في هذه المرحلة "مدرسة الصنعة", وهي مقدمة زهير لما ضمَّنها من طاقة تعبيرية تصويرية بارعة, وزهير يرسم منظرين أساسين: الأطلال في صمتها وسكونها، ومنظر صاحبة الأطلال في رحلتها المندفعة في الصحراء٢.
وتتميز مقدمات لبيد بأن فيها تعبيرًا عن فتنة الشاعر بالطبيعة فتنة طاغية جعلت الطبيعة تشغله عن الأطلال وصاحبة الأطلال٣, ويتناول الباحث المقدمات الأخرى ويمثّل بأمثلة من الشعر الجاهلي.
وأما القضية الرابعة "الشعر الجاهلي بين القبيلة والفردية": فخلاصة رأيه أن "عقدًا اجتماعيًّا" عقد بين الشاعر وقبيلته، وكان نتيجته أن قام "عقد فني" فرض عليه ألّا يتحدث عن نفسه، وإنما يتحدث عن قبيلته, وأصبح ضمير الجماعة "نحن" أداة التعبير بدلًا من ضمير الفرد "أنا", وأصبحت "صناديق أصباغه" مستعارة من قبيلته وليست صادرة عن نفسه.
ولكن ذلك لم ينف وجود شعر يصور شخصيات أصحابه أو حياتهم الخاصة. أما الصوت الأقوى والأوضح, فكان صوت المجموع. وهكذا وجد ما يمكن تسميتهم بـ "أصحاب المذهب القبلي في الشعر" أو "شعراء القبائل", وفي مقابل هؤلاء وجد أيضًا "أصحاب المذهب الفردي", ومثال المجموعة الأولى: عمرو بن كلثوم وغيره كثيرون, ومثال المجموعة الثانية: امرؤ اليس وطرفة. وإلى جانب هاتين الطائفتين وجدت طائفتان أخريان من الشعراء، بالغت إحداهما في التمسُّك بالشخصية القبلية, وبالغت الأخرى في الاعتداد بالشخصية الفردية.