← Адаб

Адаб · id 10001

شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام

النعمان عبد المتعال القاضي

Полный текст (304 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمات تقديم ... بسم الله الرحمن الرحيم: تقديم: بقلم الأستاذ الدكتور شوقي ضيف أستاذ الأدب العربي بآداب القاهرة والمشرف على البحث: يصحح هذا البحث ما كان قد استقر في نفوس كثرة الباحثين من أن الشعر العربي ظل في عصر صدر الإسلام ثابتًا عند موضوعاته ومعانيه القديمة، وأن الإسلام لم يخلف فيه آثارًا واضحة إلا بعض خيوط ضئيلة مبثوثة في قصائد شعراء المدينة، أما من وراءهم من شعراء نجد وغير نجد فقد ظلوا لا يتحولون ولا ينحرفون بأشعارهم عن صورة الشعر الجاهلي وما عبر عنه من مشاعر وأحاسيس وأفكار وأخيلة. وكأن الشعراء حينئذ لم يمس الإسلام قلوبهم ولا نفوسهم مع تحولهم من الحياة الوثنية المادية إلى حياة الدين الحنيف الروحية، ومع تلاوتهم للقرآن الكريم وما يصور من عظمة الله وجلاله، ومع استئصال الإسلام لما كان في حياتهم من رذائل وآثام، ومع إحيائه لضمائرهم واستشعارهم مراقبة الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومع تبتلهم إليه وعباداتهم ورفضهم لعرض الدنيا الزائل انتظارًا لما عنده من النعيم الدائم، ومع جهادهم في نشر الإسلام وبذل أرواحهم في سبيله مخلصين صادقين. وفي ذلك مخالفة صريحة لطبائع الأشياء؛ إذ لا يستطيع أحد أن ينكر أن للأحداث الجسام آثارًا عميقة في حياة الناس ما تلبث أن تترك ظلالها وأصداءها في شعرائهم وما ينتجون من شعر، وهل الشعر إلا تعبير عن حياة الناس وكل ما يؤثر فيها من أحداث. ولم يكن الإسلام حدثًا جسيمًا فحسب، بل كان حدثًا خطيرًا في حياة العرب الروحية والاجتماعية والسياسية، فقد أخرجهم من عالم التعبد للأوثان وقُوَى الطبيعة إلى عالم التوحيد والإيمان بالكائن الأعلى مدبر الكون

стр. 2

ومنشئه، ومن عالم البغي والظلم والعدوان واقتراف الآثام إلى عالم الأمن والعدل والمساواة والأخلاق الفاضلة، ومن عالم التشتت في وحدات قبلية متنابذة إلى عالم التجمع في أمة واحدة متكافلة متعاونة يشد بعضها بعضًا كالبنيان المرصوص. وطبيعي أن يترك ذلك كله آثارًا بعيدة في نفوس العرب، وأن يدفعهم إلى أنحاء جديدة من الإحساس والشعور والتفكير، إلا أن تكون عوائق تصدت لهم وصرفتهم عن الإسلام ودعوته وهداه، وهو ما لم يحدث، إنما الذي حدث أنهم آمنوا به أخلص الإيمان وأصدقه، وقاموا دونه يحمونه بسيوفهم وأرواحهم، حتى إذا أضاءت أقباسه في جميع أرجاء الجزيرة حملوها إلى أقطار الأرض في الشرق والشمال والغرب. ليس من شك إذن في أن العرب قد تأثروا بالإسلام تأثرًا عميقًا، يستوي في ذلك الشعراء وغير الشعراء، وما كان الشعراء ليحرموا هذا التأثر، وهم يمتازون بدقة الحس ورقة الشعور وبتهيئهم دائمًا لتلقي الانطباعات من عصورهم وبيئاتهم. وكأنما غابت كل هذه الحقائق عن كثرة الباحثين في أدبنا العربي، فإذا هم يرددون أن روحانية الدين الحنيف لا تظهر في شعر صدر الإسلام ظهورًا بينًا، وهو ترديد مرده -في رأينا- إلى أنهم لم يطلعوا إطلاعًا كافيًا على مادة هذا الشعر ولا أحاطوا بها إحاطة دقيقة. وقد رأى السيد النعمان القاضي أن يدرس جانبًا من هذه المادة الغزيرة، محاولًا أن يكشف فيه عن التأثيرات الإسلامية التي لم يتبينها هؤلاء الباحثون، واختار شعر الفتوح الإسلامية موضوعًا لدرسه، ومضى يستقصيه في مظانه الكثيرة من أدبية وتاريخية وجغرافية، باذلًا في ذلك كل ما يملك من قوة وجهد ووقت، غير حافل بعناء ولا بمشقة، حتى إذا استقصاه استقصاء دقيقًا أخذ يخضعه للدرس العلمي المنظم، واضعًا بين يديه تاريخ الفتوح ووقائعها الكثيرة، ونافذًا إلى تذوق الشعر ونقده وتحليله ورسم شخصيات الشعراء رسمًا دقيقًا، وكان كثير منها مجهولًا لمؤرخي الأدب العربي أو كالمجهول. وقد استهل البحث بدراسة مفصلة للفتوح في صدر الإسلام، وما تطاير في وقائعها من أشعار كثيرة، مقارنًا بين ما نظم منه في مختلف الميادين، شرقية

стр. 3

وشمالية وغربية، من حيث بيئاته الجديدة وظروفها المختلفة، ومن حيث تسجيله للأحداث والمعارك، ومن حيث وفرته وقلته وحظوظ القبائل المضرية واليمنية، واختلاف هذه الحظوظ باختلاف مواهبها الشعرية. ثم درس شعراء الفتوح دراسة قويمة وزعهم فيها على ثلاث طوائف: طائفة كانت تصوغ الشعر وتنظمه في الجاهلية قبل دخولها في الإسلام، وطائفة لم تكن تصوغه ولا كانت تنظمه قديمًا، فقد أنطقتها به وأسالته على لسانها الفتوح ومعاركها الدائرة، وطائفة لم تعرف أسماؤها ولا تبين الرواة أشخاصها، واتخذ من عمرو بن معديكرب الزبيدي مثالًا للطائفة الأولى وصوَّر شخصيته تصويرًا تامًّا، كما اتخذ القعقاع بن عمرو التميمي مثالًا للطائفة الثانية مبرزًا فيه صورة الشاب العربي المسلم الذي تمثل أشعاره استبساله العنيف في سبيل عقيدته وتراميه على حياض الموت ابتغاء رضوان الله وحسن مثوبته. وأخذ بعد ذلك يدرس شعر الفتوح مستنبطًا مقوماته وانطباعاته وخصائص معانيه وأساليبه، ولاحظ شيوع الأراجيز والمقطوعات القصيرة فيه وفاء بحاجة المجاهدين إلى أناشيد قصيرة تستثير حماستهم وتشعل حميتهم، كما لاحظ تطورًا واضحًا في موضوعاته القديمة بتأثير الدوافع الإسلامية التي رافقتها وما صبته فيها من إشعاعات روحية. وتبين بجانب ذلك موضوعات جديدة لم يكن للعرب بها عهد، في مقدمتها حنين مؤثر كان يعصف بقلوب هؤلاء المحاربين حين يذكرون أوطانهم في الجزيرة ومن تركوا فيها من أهليهم وذويهم، ووصف لبعض مظاهر الطبيعة وألوان الحضارة في أوطانهم وبيئاتهم الجديدة. ووقف طويلًا عند الطوابع الإسلامية في أشعار هؤلاء الفاتحين، وما أذاعوا فيها من روح الإسلام ومثاليته، وألفاظ القرآن الكريم ومعانيه ودعوته إلى التفكير في خلق السماوات والأرض والعظة بالأمم الدائرة، حتى إذا أكمل تصوير هذا الجانب تصويرًا دقيقًا بسط الحديث فيما ساد هذه الأشعار من طوابع شعبية لاشتراك ألسنة كثيرة فيها معروفة ومجهولة، ولدورانها في قصص شعبي كانوا يحكونه عن الأبطال والفرسان الفاتحين، ولما اتسمت به من قصر وسهولة وما

стр. 4

يتضح في كثير من جوانبها من أنها نظمت عفو الخاطر بديهة وارتجالًا دون تقويم أو تثقيف. والبحث بذلك كله يفتح صفحة جديدة في مباحث الأدب العربي بعرضه لأول مرة شعر الفتوح الإسلامية ودارسته دراسة علمية فاحصة تكشف عن جوانبه وطوابعه الإسلامية وخصائصه الفنية كشفًا تامًّا دقيقًا إلى أبعد حدود الدقة، وقد استطاع به السيد النعمان القاضي أن يحمل أساتذته في كلية الآداب بجامعة القاهرة على أن يمنحوه درجة الماجستير في الآداب بلقب ممتاز أرفع ألقاب النجاح، وأنا أهنئه أخلص التهنئة بما بذل في بحثه من جهد علمي خصب، وما أدرك به من فوز جدير به، ولله ولي الهدى والسداد. دكتور/ شوقي ضيف

стр. 5

مقدمة: موضوع هذا الكتاب "شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام"، وهو يتناول الدراسة الفنية في شعر المحاربين من العرب المسلمين في فترة مشرقة من فترات تاريخهم، بل لعلها أكثرها إشراقًا، فهي الفترة التي تزخر بأسمى المشاعر الروحية الإسلامية، ويتجلى فيها أثر الإسلام عقيدة وفكرة في نفوس العرب، وفي حملهم على البذل والتضحية والفداء، كما أنها تصور الانقلاب الهائل الذي أحدثه الإسلام عن طريق الارتقاء بالنوازع الوجدانية القبلية والفردية الضيقة الحدود إلى وجدان متوحد، من أجل هدف واحد نبيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢، ١٠٣] . وإلى جانب هذا التمثيل الصادق للأخوة الإسلامية تمثل العرب دينهم خير دين ارتضاه الله لهم، وأن نبيهم الذي بعث فيهم إنما بعث إلى الناس كافة، وأنهم هم ورثته في هداية هذه الأمم الضالة إلى طريق الحق، وقد خلق هذا في نفوسهم شعورًا متوثبًا، لا يقنع بالانطواء على ما تأجج في صدورهم من ألق العقيدة، فاندفعوا ينتشرون بهذا الشعور خارج حدودهم إلى الشرق والشمال والغرب، لا يأبهون بقوة في الأرض، وهم على ثقة كاملة من نصر الله لهم، وكلهم أمل في إحدى الحسنيين، الشهادة أو الظفر. وشعر الفتوحات الإسلامية في هذه الفترة يرسم صورة مشرقة للانطلاقة الهائلة الواسعة، التي انتزعت العربي من حيزه الضيق لتطوف به في أرجاء ممتدة وبعيدة لم يستشرفها من قبل، كما أنه يرسم صورًا رائعة للفروسية العربية في ذلك الإطار الجديد الذي وضعه الإسلام لتقاليدها، وصورًا رائعة أخرى للإيمان القوى، والتصديق العميق بما وُعد به المؤمنون المجاهدون، ولصنيع هذا الإيمان بتلك

стр. 6

النفوس؛ من اكتشافها لذواتها، ومعرفتها بقدرها، فراحت من ثم تدك بإيمانها معاقل الأكاسرة وعروش الأباطرة والجبابرة، وتقود ولاياتهم إلى حظيرة الإسلام. وعلى هذا: فإن شعر الفتح بتصويره للآثار النفسية لما تمثله العرب من روح الإسلام، يكشف في جلاء عن الأسباب الفاعلة في انتقال هذه الأمة من ضلال وضعف وتخبط في عمايات الفتن والتناحر، إلى ما صارت إليه من اقتدار على رسم خريطة جديدة للعالم وقتذاك. وفضلًا عن ذلك يرسم شعر الفتح صورًا لبأس المسلمين في حومات الوغى وزحمات القتال، لا يغادر في سبيل ذلك معركة أو اشتباكا، حتى ليعد وثيقة تاريخية هامة في هذا السبيل، تسجل النتائج الناجمة عن الفتوح، من احتكاك بالبيئات الجديدة، وتأثر النفوس العربية المنطلقة بتلك الأجواء الغربية في طبيعتها وحياتها، وسبل هذه الحياة، وعما استحدثته في ظروف البعد عن المواطن الأولى، من استشعار الاغتراب والحنين، وعن هجرة البذور الأولى للشعر العربي إلى الأمصار والمناطق المفتوحة، وتصوير حياة المسلمين في هذه البقاع، وعلاقاتهم بأولي الأمر فيها قبل استقرار المجتمعات الإسلامية. وقد عنيت في هذا الموضوع الذي يتخذ تلك الفترة المهمة من تاريخ الإسلام مسرحًا له باستجلاء طبيعة الفتوح ومظاهرها، وطوابع الشعر، وخصائص الشعراء، متوخيًا بتلك العناية أن أعرض شعر الفتوح الإسلامية في معارض شتى، مكسوة بالتاريخ، ومحفوظة بتأثيرات الدين الجديد وروحه ومثله في نفوس المسلمين، لما لهذه الفترة من ارتباط وثيق بالدين الحنيف، ولما لهذه الفتوحات من صلة وثيقة بروح الأمة الإسلامية في هذا الزمان، وارتباطها بتصوير مجدها وعزها. فشعر المعارك الحربية كان أبدًا ودائمًا ولدى جميع الأمم سجل فخرها، وعنوان بأسها وأناشيد بطولتها، وقد اخترت أن تكون رسالتي في هذا السبيل وسيلة متواضعة للفت أمتنا العربية في عزة حاضرها وتوثبها إلى مجد ماضيها وعظمته، واجتلاء تصوير الشعر لما اضطلع به المسلمون الأُوَل من واجبات مقدسة ضخمة في سبيل نشر معتقدهم، وما عانوا في هذا السبيل من حياة القلق والحركة

стр. 7

والانتشار والتمدد، وما قاسوا من مشقات النزوح والهجرة وأهوال الحروب وقسوة المعارك، والصراع الدامي في ملحمة لم يعرف تاريخ العقائد لها مثيلًا على مر العصور وكر الدهور. وقد سدد عزيمتي إلى ذلك أن في الإمكان أن نجتلي في شعر هذه المعارك -برغم قسوتها- عواطف إنسانية عالية من النجدة والفداء، والإيثار والتضحية، والذود عن العقيدة، والتمكين لها في إطار من التاريخ، وأن ننظر في مظاهر الحقائق خلال معارض من الأخيلة والعواطف، فترى الشعر على صنع الخيال وتهويله معربًا عن حقائق التاريخ، مبينًا عقيدة الإنسان وبساطة إنسانيته وسموها. ولا شك أن تصوير الشعر لهذا الحديث الفذ في تاريخ العقيدة الإسلامية ليس إلا تصويرًا لجوانب الحياة الإسلامية عامة في نفس الوقت؛ إذ إن الحقيقة التي لا جدال فيها أن الفتوح كانت أهم ما شغل حياة المسلمين، سواء من كان منهم تحت ظلال السيوف أو على حافة الميادين، فما من شك في أنهم كانوا يتنسمون أخبارها، ويترقبون ما يمكن أن تسفر عنه هذه الحركة الهائلة. فإذا بأنبائها من يوم إلى آخر تطلع عليهم في أقاصيص ممتزجة بغبار الوقائع وصهيل الخيل وصليل السيوف وصياح المحاربين، وإذا بهذه الروايات تنتشر في ربوع الديار العربية لتشغل كل اهتمامات المسلمين، ولتصبح زادًا لسمرهم، لا يزالون يقصونها ويزخرفونها ويعجبون بها. ولهذا اندفعت في اختيار هذا الموضوع مقدرًا أهميته التي تتجلى في تصوير هذه الاهتمامات، التي استنفدت منازع المسلمين وشغلهم، وتصوير تلك الحياة الوجدانية الثرة، وتلك التجارب الطريفة التي تعرضوا لها في ظروف جديدة عن حياتهم السابقة كل الجدة، فصاغوها بما تأتي لهم من مشاعر، فكان هذا الشعر الذي يمثل وثيقة تاريخية ونفسية خطيرة في تاريخ الأدب العربي، من حيث كونه مرحلة حية من مراحله طالما أنكرها الدارسون وتجافوا عنها، ومروا عليها عابرين، لا يكلفون أنفسهم أكثر من أن يعزوا إليها موات الشعر أو خموده وضعفه؛ لغلبة النشاط الفكري الإسلامي عليه، نتيجة الاستعاضة بالقرآن الكريم والسنة الشريفة وتعاليم الدين.

стр. 8

قدرت هذا وتأتَّى لي أن أرى هذه المرحلة ليست كما وصفت، وإنما هي فترة حية، لم تستطع الظروف القاسية التي رافقتها من حركة الفتح والهجرات والصراع أن تذهب فيها بالمواهب الفنية للنفس العربية التي ألفت الشعر ومرنت عليه، وما كان لهذا التيار المتدفق عبر القرون من الماضي النفسي والوجداني البعيد لهذه الأمة أن ينقطع في هذه المرحلة ليتصل من جديد، أو يمحى ليخلقه العرب فيما بعد خلقًا آخر في عصر بني أمية، على ضخامة ما رافق هذه المرحلة من أحداث شملت جوانب الحياة الإسلامية. ولقد يبدو غريبًا ونحن نعتبر شعر الحرب أناشيد بطولة الأمة وسجل عزها وخلودها ألا نجد في الدراسات الأدبية عناية بشعر الشعراء المحاربين في هذا الآونة، بل إننا لنعجب أن كثرتهم مجهولون ومغمورون، وبعيدون عن الأضواء، ومحرومون من الاحتفال بحيواتهم وشخصياتهم وشعرهم! ولقد سلكت إلى قصدي نهج التبويب والتفصيل والترقيم، معتمدًا على التحليل والتركيب حينًا، والمقارنة والنقد حينًا آخر؛ لاستجلاء المقومات والطوابع الفنية للشعر، وربطها بمسبباتها والأصول التي صدرت عنها، ونظرت إلى موضوعي الذي آثرته فوجدت أن بعض الدارسين يربطون بين هذا الشعر وبين شعر الملاحم، ويفترضون أن هذه الأشعار المفرقة ليست إلا ملحمة في حاجة إلى النظم، فكان ضروريًّا أن أعقد تمهيدًا أقرر فيه حقيقة شعر الفتح وغنائيته، وأفرق بينه وبين شعر الملاحم القصصي الذي يختلف عنه في شروطه وقواعده، ثم وجدت أن الشروع في استكناه مقومات شعر الفتح يستوجب دراسة الفتوح ذاتها كوعاء لهذا الشعر، وتلك بدورها بحاجة إلى دراسة تلك الدوافع التي انثال المسلمون بوحي منها، ينساحون في الأرض حاملين في مواضع الاعتقاد منهم الأمن والثقة والأمل بما وُعدوا، إلى جانب الدعوة لهذا الدين الذي ارتضوه، وكان على الدارس إزاء هذا أن يتعقب هذا الانطلاق في إطار التاريخ شرقًا وغربًا وشمالًا وفي كل اتجاهاته؛ ليعرض من ثم لمواكبة الشعر للأحداث في الميادين المختلفة، متتبعًا الشعراء ومدى خصبهم وأصالتهم وأسباب ذلك، الأمر الذي يستدعي بالضرورة تصنيف الجيوش والإمدادات تصنيفًا يتعقب هذه الأصالة الفنية

стр. 9

وثراء الروح الشعري بين القبائل، مما سيترتب عليه اختلاف حظوظ الميادين المختلفة في وفرة النتاج الشعري أو قلته أو قدرته، ووسم الأمصار الإسلامية فيما بعد الفتوح بهذه الصفات على اختلافها. وهكذا يذهب الباب الأول الذي يعالج الشعر في الفتوح بفصوله الثلاثة في هذا السبيل، بينما يذهب الباب الثاني الذي يعالج شعراء الفتح في التعريف بهم، ومناقشة ما يشيع حولهم من مشكلات، سببها تنوعهم وتعددهم بين شعراء قدماء مخضرمين، ومحاربين أنطقتهم الفتوح ولم يكن لهم شهرة بالشعر، ومجهولين ينسب شعرهم لغير قائل. وكان طبيعيًّا أن يجد الدارس ضرورة إعطاء نموذج للشعراء المخضرمين الذين أسهموا في الفتوح بسيوفهم وألسنتهم كعمرو بن معديكرب الزبيدي، ونموذج آخر للشعراء المؤمنين الخلص الذين أنتجتهم الفتوحات كالقعقاع بن عمرو التميمي. وبهذا يذهب الباب الثاني بفصوله الثلاثة في شعراء الفتح، ليعقبه الباب الثالث في فصول أربعة، تعالج في دراسة فنية مقومات الشعر وطوابعه، فتتناول في فصل منها أنواعه وموضوعاته، وما تطور منها وما لم يتطور، وما استحدث منها وسبب استحداثه ودواعيه، وتتناول الطوابع الإسلامية في فصل آخر، تتبين خلاله الآثار الإسلامية في هذا الشعر، من صدوره عن وجدان الجماعة، والأخوة الجديدة الإسلامية، وروح الدين ومثله، وتصور أحاسيس المحاربين ومشاعرهم الدينية الجديدة، وما تأتي لهم من صياغة المعاني الإسلامية المتعددة في أشعارهم. وفي فصل آخر تناولت الدراسة ما وسم هذا الشعر من السمات الشعبية، التي بعثها تعلق المسلمين بأحداث الفتوح ورواياتها وزخرفتها والتغني بها، وما وجد من شعر مجهول القائل كثير، وعرضت الدراسة لأحاديث البطولة هذه بين الواقع والأسطورة، ولقصص الفرسان المشاهير وتلونها ونموها وتضخمها، كما حاولت الكشف عن هذه الآثار الناجمة عن كل هذا في الشعر الشعبي.

стр. 10

وأخيرًا تتجمع في الفصل الأخير من هذا الباب الطوابع الفنية الصرفة التي طبعت الشعر، والتي كانت أثرًا من الآثار الإسلامية في الصياغة ونتيجة للظروف المرافقة لولادة هذا الشعر. وكان ضروريًّا بعد هذا، أن تُلَخَّص الدراسة تلخيصًا موجزًا، يكشف عما انتهت إليه وما حاولت أن تحققه. ويتضح من خلال هذا المنهج: ما تهدف إليه الدراسة من تجلية القيم التاريخية والاجتماعية والفنية لشعر الفتح الإسلامي، والتعريف بشعرائه المجهولين، وتسليط الأضواء عليهم، وتبين القيمة الحقيقية لهذا الشعر، كجسر عبر عليه الشعر العربي من العصر الجاهلي إلى ما تلاه من العصور الإسلامية. وإزاء هذا الهدف يجد الدارس نفسه مضطرًّا إلى دراسة حركة الفتح الإسلامي ذاتها باعتبارها وعاء هذا الشعر؛ إذ وجد فيها وزَكَا في أجوائها، وكان أثرًا من آثارها ونتيجة من نتائجها، وفضلًا عن هذا فإن الشعر لا يوجد منفصلًا عن الفتوح، وهو على كثرته متفرق لا يجمع شتاته جامع، وإنما ينتشر في تضاعيف كتب التاريخ الإسلامي المختلفة، وكتب الصحابة والفتوح، والجغرافيا التاريخية، وكتب الأدب، وهذه كلها كتب لا تُعْنَى بهذا الشعر إلا عناية قريبة، تجعل منه شاهدًا لحكاياتها، ومصداقًا لسردها الوقائع وقصها الأحداث، أو زينة لها في أغلب الأحيان. ونفس الأمر يصدق على حركة الفتح ذاتها؛ إذ إن الكتب التي تتناولها لا يهمها إلا مجرد سرد الحوادث، دون النفاذ إلى الروح التي تكمن وراءها كعامل مؤثر في الحياة الإسلامية بعامة، وفي الحياة الأدبية بخاصة. وكذلك لا يهمها أن تكشف النقاب عن هؤلاء الذين قاموا بهذه الحركة، لا تشذ عن ذلك دراسة من الدراسات الأدبية التي تُعْنَى بالعصور المختلفة التي أعقبت الفتوح، فإنها لا تحاول التعرف على حركة الفتح ذاتها، ولا على أولئك الذين اشتركوا فيها وتغنوا بها، وإنما قنعت بأنه كان هناك فتح، ومضت تنظر فيما كان بعد ذلك، دون ربط بين سبب ونتيجة، على الرغم من أنه يبدو منطقيًّا لمن يدرسون العصور الأدبية التي أعقبت الفتوحات الإسلامية، ولمن يدرسون العصور الأدبية في الأقاليم الإسلامية

стр. 11

التي هاجر إليها الشعر أن يعنوا بدراسة حركة الفتح الإسلامي، وما تشتمل عليه من البذور الفاعلة من هجرة الدين واللغة والدم. ولا شك أن المصادر التي تشتمل على شعر الفتح كثيرة ومتعددة، إلا أن المتقدمين من العرب عالجوا هذا الشعر لا بسبيل الفن وقيمه، وإنما فعلوا ذلك لغاية التاريخ، وفي مطالب الأحداث التاريخية والتراجم وما أشبه، كما فعل ابن عبد البر ٣٦٨هـ بتأريخه للصحابة تأريخًا إجماليًّا في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" حينما يترجم لمن اشترك في الفتوح منهم، ذاكرًا أثارة من شعرهم إن كان له نصيب من الشعر، ومثله في ذلك ابن الأثير ٦٣٠هـ في "أُسْد الغابة في معرفة الصحابة" وإن كانت تراجمه أوسع، ومقدار ما يروي من الشعر أكثر، وعلى مثل هذا سار ابن حجر العسقلاني ٨٥٢هـ في "الإصابة في تمييز الصحابة" إلا أن تراجمه أشمل من صنيع سابقيه، وفيها فرصة لإيراد أكثر من رواية للحادثة الواحدة، وإن كان لا يُعْنَى بمناقشة ما يتعارض من الروايات وما يختلف من الأشعار، وبجانب كتب الصحابة هناك كتب التاريخ الإسلامي، وأكثرها اهتمامًا برواية شعر الفتوح "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري ٣١٠هـ، وهو يروي الشعر في ثنايا الوقائع أو في أعقابها، منسوبًا إلى صاحبه أو إلى أحد المسلمين، ومنها أيضًا "فتوح مصر" لابن عبد الحكم على ندرة ما يروي من الشعر، وكذلك "مروج الذهب ومعادن الجوهر" للمسعودي ٣٤٥هـ، و"فتوح البلدان" للبلاذري ٢٧٩هـ، وعلى الرغم من قلة ما يرويه من الشعر فإنه ينفرد أحيانًا برواية أشعار لا يرويها كتاب غيره، وكذلك "فتوح الشام" للواقدي ٢٠٧هـ، و"الأخبار الطوال" وغير ذلك. وفي الحقيقة أن كثرة شعرالفتوح تقع في "معجم البلدان" لياقوت، فهو لا يذكر مدينة أو بلدة أو قرية أو محلة للجند إلا ويروي ما قيل في فتحها من الشعر، ولكنه لا يتحرى في الأغلب ذكر المناسبة القريبة، ولا يحدد الفتح تحديدًا تاريخيًّا قدر تحريه رواية كل ما قيل في فتحها بصورة عامة، قد تشمل عصورًا متعاقبة، دون أن يفصل بين الأشعار فصلًا تاريخيًّا، مما يضطر الدارس في أغلب الأحيان إلى التحقق من الشعر ومن قائله، ورد الشعر والشاعر إلى عصريهما.

стр. 12

ومن كتب الأدب التي عنيت بشعر الفتح "الأغاني"، وذلك في تراجم الشعراء الذين كان لهم بلاء في حركة الفتح، برغم اقتصاره على الترجمة لأولئك المشهورين من الشعراء دون عناية بغيرهم. وكذلك "الشعر والشعراء" لابن قتيبة" و"طبقات الفحول" لابن سلام، وما يرويانه من الشعر قليل إلى جانب ديوان أبي محجن الثقفي، وهو ديوان مفرد، ليس لشاعر من شعراء الفتح ديوان غيره. هذا فضلًا عن كتب أدبية أخرى، لا يجد الباحث فيها غير قصائد قليلة، كذيل الأمالي، والخزانة، وديوان الهذليين، والمؤتلف والمختلف، والمفضليات، والحيوان، وغير ذلك كثير. هذا عن مصادر الشعر. وقد يفيد الباحث من تعددها في التحقيق من أصالة الشعر، وصحة نسبته إلى صاحبه، أما عن المصادر العامة لحركة الفتح وحوادثه فهي كثيرة ومتعددة أيضًا، إلا أنها كثيرًا ما تختلف في تحديد التواريخ التي وقعت فيها بعض المعارك، وقليلًا ما تتفق على وقوع معركة في تاريخ واحد محدد، ونادرًا ما تشير إلى تصنيف الجيوش والإمدادات التي انطلقت من شبه الجزيرة إلى ميادين القتال، أو إلى الكيفية التي خرجت عليها في تصنيفها. ومهمة الدارس هنا أن يحاول مقارنة الأحداث والوقائع في الروايات المختلفة في إطار التاريخ العام، وعلى ضوء ما يروى من الشعر لو كان في ذلك غناء، وتجميع هذه الأثارات من خلال الموضوعات التي لا تقصد إلى ما يبغي، ولم أطرافها ليكون منها -جاهدًا- صورة لتصنيف الجند قريبة من الأصل أو دالة عليه. وكذلك تصعب مهمة الدارس أمام الاختلاط الذي يصادفه في حوادث الفتح وتضارب بعضها، فيعكف على تتبع الروايات التاريخية وتنسيقها، وتحري الدقة في ترتيبها زمنيًّا وميدانيًّا، ووضعها في إطار الخطة الإسلامية العامة للفتوح. ويرجع هذا الاختلاط في حوادث الفتح إلى ما كان من وقوع هذه الأحداث في أكثر من ميدان في آن واحد، وإلى أن فتح بعض البلدان قد تكرر أكثر من مرة لانتقاضها وإعادة فتحها من جديد، وبهذا يؤرخ لفتحها مرتين، أو يكتفي بالتأريخ لها في المرة الثانية دون الأولى، فتضيع الحقيقة ويحدث الاضطراب.

стр. 13

ولا يستطيع باحث في هذا السبيل أن يجحد قيمة الفائدة التي تعود عليه إذا ما اهتدى خلال هذه الدروب الملتوية بدراسات المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل عن الصديق أبي بكر والفاروق عمر، فكثيرًا ما كانت تكشف اللبس وتزيل الغموض، وتقود إلى الحقيقة في التأريخ للفتوح، وفي تحديد المواقع والأماكن، تحديدًا يساعد على اكتمال الصورة التي يحاول الدارس تكوينها، حتى لا يكون حديثه عنها حديثًا مجردًا عائمًا، ولترتبط الأسماء والمواقع بمدلولاتها ارتباطًا وثيقًا. بينما كانت مصادر هذه الدراسة في بابها الخاص بشعر الفتح هي: كتب الصحابة والتاريخ والفتوح والجغرافيا التاريخية والأدب، فإن الباب الثاني الخاص بشعراء الفتح لم يقتصر على الكتب الأدبية الصرفة التي تترجم للمشهورين منهم، وإنما كان من الضروري الاعتماد على كل ما يمت إلى الفتوح بسبب، من كتب التراجم والصحابة والتاريخ والجغرافيا وغيرها. وقد نظرت لدى محاولة الدراسة الفنية لهذا الشعر واجتلاء مقوماته وطوابعه إلى ما سبقني إلى هذا الموضوع أو بما يماثله، من دراسات للشعر الحماسي وشعر الحروب، فوجدت أن المتقدمين قد عالجوه بسبيل مطالب أخرى غير الدراسة الفنية؛ كالتاريخ واللغة في تفسير كلماتها، أو للإعراب في مناقشة وجوه، لا يعنيهم سوى جمعه فحسب، بعد أن يتخيروا أحسنه، دون تصنيف أو تنسيق ينتمي إلى التاريخ أو إلى الفن، ولا يربط بين مختاراتهم سوى وَحْدَة الموضوع. ومن ثم فإن الباحث في هذا السبيل لا يجد دراسة بعينها تتعمق في البحث الفني في مقومات شعر البطولة والحرب، وتُعْنَى بالكشف عن طوابعه بعامة، وفي خلال هذه الحركة الهائلة في تاريخ الإسلام بخاصة. وقد يصادف الدارس كتابًا أو كتابين لبعض الباحثين المحدثين في هذا السبيل فيظن فيهما غناء، ولكنه لا يلبث أن يصاب بخيبة أمل، فهذا كتاب يدرس "المجتمعات الإسلامية في القرنين الأول والثاني الهجريين" ويمهد لهذه الدراسة بدراسة تمهيدية ضافية لحركة الفتح الإسلامي، إلا أنها لا تسلم في أجزائها

стр. 14

التاريخية مما سار عليه الأقدمون، وهدف الدراسة التي يقوم عليها الكتاب في حد ذاته تمهيد لدراسة الظواهر الأدبية المختلفة عن استقرار المجتمعات بعد الفتوح، ومع ذلك فإنها لا تتعرض لشعر الفتح إلا تعرضًا طفيفًا. وهذا كتاب آخر يدرس شعر الحرب في أدب العرب في صدر الإسلام إلى أبي فراس الحمداني، لا يشير إلى الفتح الإسلامي ولا إلى شعره بكلمة واحدة، برغم أن هذه الدراسة تجعل شعر الحرب في العصر الأموي نتاجًا لمنازع الحزبية والتسلط المذهبي وسطوة التاريخ، بينما تجعل شعر الحرب في العصر العباسي نتاجًا خالصًا لمنازع الفن وحده بعد تخلخل تلك السيطرة الحزبية والمذهبية. وكان منطقيًّا أن يأخذ شعر الفتح مكانة قبل هذين العهدين في تلك الدراسة كنتاج لتمثل الفكرة الإسلامية حتى تكتمل الصورة التي عُنِي البحث برصدها. وإزاء هذا النقص يشعر الدارس لدى محاولة تقييم هذا الشعر أن عليه أن يعتمد كل الاعتماد على الانعكاسات الحرة الطليقة لهذا الشعر، وأن يضع النصوص الشعرية وحدها أمام ناظريه، معتمدًا عليها تمامًا في استكناه الأبعاد الفنية ومقومات الشعر وطوابعه، وعلى الله قصد السبيل. النعمان عبد المتعال القاضي

стр. 15

تمهيد: شعر الفتوح وشعر الملاحم: هناك فكرة لا تزال تتردد وتشيع لدى بعض الدارسين، وهي أن الشعر الجاهلي الذي قاله أصحابه في أيام العرب ليس إلا ملحمة عربية كبرى، وإن كانت مقطعة الأوصال، وأن في المعلقات الجاهلية، وفي سائر ما نظم الجاهليون لما يُتنخل منه ملحمة عربية كبرى. وهذه الفكرة تنسحب لديهم أيضًا على التاريخ الحربي للمسلمين، الذي يبدأ بغزوات النبي ﷺ ، وينحدر إلى حروب الفتوح في ديار فارس وأرض الروم، وسائر الأقطار التي بلغ إليها المسلمون بسيوفهم. فيمثل هذا التاريخ في زعمهم ملحمة، تتكون من أجزاء ملحمية، تصف المعارك وتوجيه العسكر، وثورة العدو واستجاشة العدة، وترسم صورًا للالتحام والكر والفر والإقبال والإدبار، والرمي بالنبل والحجر، والطعن بالسيف والرمح، والخبط بالأعمدة وغيرها. وتصور أيضًا ما ينكشف القتال عنه من قهر أو ظفر، أو اندفاع الفائزين بالغنيمة والفخر، وانطواء الخاسرين على تضميد الجروح وإعداد الثأر١. ويجد هؤلاء الدارسون ما يؤكدون به زعمهم فيما أثير مؤخرًا من دراسات بعض النقاد حول هوميروس وملحمتيه المشهورتين، وما انتهى إليه نفر منهم من الشك في شخصيته وإنكارها، وما قرره هذا النفر من أن اسمه ليس إلا عنوانًا فحسب للطائفة الشعرية التي جمعت من أفواه الأقدمين، وأن هاتين الملحمتين ليستا له بتمامهما. ويظلم هؤلاء الدارسون الذين يعتنقون هذه الفكرة أنفسهم، كما يظلمون الأدب العربي، في محاولتهم المتعفسة إيجاد ملحمة عربية على صورة من الصور، عندما يذهبون إلى أن كل شعر طال أو قصر، وصفت فيه المعارك، وسردت فيه أخبار البطولة، ورويت فيه ملاحمات الجلاد، هو من شعر الملاحم٢. ولا يضير العرب في شيء أن يخلوَ أدبهم من الملاحم، وليس يفترض فيهم أن يحتفلوا بهذا الضرب من الشعر، فإن كان فاتهم الاحتفال به فما أشد عسف الدارسين

стр. 16

الذين يتصيدون لهم في شعر الحرب ما يزعمون أنه يمت إليه بسبب وثيق، وهو في الحقيقة بعيد كل البعد؛ ذلك أن الملحمة الشعرية حكاية لأمر خارق عجيب، أو عمل حماسي عظيم، له أثره في حياة شعب بأسره، وهي فضلًا عن هذا سداها الخرافة، ولحمتها التلفيق. وقد كانت حروب العرب مع الروم والفرس حوادث أساسية خارقة وعجيبة حقًّا، تناولها الشعراء والرواة والقصاصون، وصنعوا فيها القصائد والأناشيد والحكايات، وربما جسموها بالخيال، وموهوها بالمبالغة. لكننا لا نستطيع ان نعد هذا من شعر الملاحم في شيء؛ فشعر الفتوح شعر غنائي، يتغنى فيه المجاهدون بجهادهم وبلائهم، ويفخرون فيه بشجاعتهم وتفانيهم وفعالهم بالعدو. في حين أن شعر الملاحم شعر قصصي، يُعْنَى بحكاية الأحداث في إطار من التهويل والمبالغة، والإغراق في الخيال. وبينما نجد مؤلف الملحمة أو مؤلفيها يحرصون على الاختفاء من عصورهم ليظهروا في عصر الموضوع والأبطال الذين تقوم عليهم ملاحمهم، فلا يكادون يذكرون أنفسهم، ولا يكادون يعنون بالتعبير عن عواطفهم الخاصة فيما يقصون من الحوادث، نجد شاعر الفتوح الإسلامية -شأنه شأن غيره من شعراء الحماسة- لا يملك اختيار موضوع بعينه، وإنما هو يصور ابتداء كل ما يعتمل في وجدانه ومشاعره، وما يعيش خلاله من أحداث يظهر وجدانه الشخصي فيما ظهورًا تامًّا وأساسيًّا، فيغني عواطفه الخاصة فيما يعبر عنه من المشاعر، وما يصوره من الأحداث. وبهذا يدخل شعره في باب الشعر الغنائي عن هذا الطريق، بخلاف شعر الملاحم الذي يدخل في باب الشعر القصصي. على أنه ينبغي أن نلاحظ بعناية ما يذهب إليه بعض النقاد العرب من المزج بين شعر الملاحم والشعر القصصي مزجًا في باب واحد دونما تفريق؛ إذ يعتبرون كلا منهما مثل الآخر١، والحقيقة أن الملحمة قلما تضم شعرًا قصصيًّا، ولكن ليس كل شعر قصصي ملحمة، فإن جاز أن نسمي كل ملحمة شعرًا قصصيًّا فلا يجوز أن نسمي كل شعر قصصي ملحمة.

стр. 17

على أن هؤلاء الذين يجعلون القصص الشعري ملحمة يجدون في الأدب العربي ما لا ينقضي جماله، من هذا القصص الكثير. ولكنا لا نستطيع أن نعده شعرًا ملحميًّا في قليل أو كثير، كما لا نستطيع أن نقبل أن يكون شعر الحرب -على إطلاقه- من شعر الملاحم كما زعم البعض. والحقيقة التي لا تقبل الجدل أن العرب لم يحفلوا بالملحمة الشعرية أي احتفال، على الرغم من أننا نجد تاريخهم مملوءًا بالغير والأهوال؛ إذ لم يخلُ في أية حقبة من القتال والنزال من سحيق الجاهلية حتى عصورهم الأخيرة. وليس يجدي شيئًا أن يلتمس هذا البعض للعرب أعذارًا في عدم احتفالهم بها، كمثل قولهم: إنه لو كان أمر الملاحم الفنية لديهم مألوفًا لورثنا عنهم كثيرًا منها١. ويبدو هذا الزعم مجانبًا للصواب؛ إذ إن العرب عرفوا الملاحم منذ استهلال العصر العباسي، فقد كان هوميروس وإلياذته معروفين لديهم بعد نهضة الترجمة في المائة الثانية للهجرة٢. ويذكر الشهرستاني عن هوميروس ما يدل على معرفة العرب به؛ إذ يقول: "أوميروس الشاعر من القدماء الكبار الذي يجريه أفلاطون وأرسططاليس في أعلى المراتب، فيستدل بشعره لما كان يجمع فيه من إتقان المعرفة ومتانة الحكمة، وجودة الرأي وجزالة اللفظ، ثم ترجم مقطوعات من أشعاره بجمل معقودة الكلم على المواعظ والحكم، ذيلها بأن الشعر في أمة اليونان كان قبل الفلسفة، وإنما أبدعه أوميروس"٣. ويذكر القفطي: أن حنين بن إسحاق كان ينشد أشعارًا بالرومية لأوميروس رئيس شعراء الروم٤. وقد ترجمت الإلياذة إلى السريانية في أيام المهدي، على يد "تيوفيل الرهاوي" غير أن نقل الإلياذة إلى العربية لم يكن هينًا يومئذ؛ لما فيها من أساطير الديانات الإغريقية. وهكذا لا ينبغي أن نُعنِّت العرب فنطلب إليهم أن يكون لديهم ملحمة شعرية، أو نحاول أن نتصيد لهم ملحمة أو ما يشبه الملحمة، في حين نرى ابن الأثير مثلًا في خاتمة

стр. 18

المثل السائر يتعجب من أنه لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها منظومة كالشهنامة، على أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة في بحرها. ولعله يبدو في جلاء أن العرب لم يعرفوا هذا الضرب من الشعر، حتى في أوج النهضة الثقافية التي أعقبت حركة الترجمة في العصر العباسي. ولعل حبهم للقافية الواحدة يجري عليها روي القصيدة زهدهم في الملحمة فيما بعد؛ إذ كانت تقتضي آلاف الأبيات، ومن أين لهم بروي واحد يجري به الكلام إلفًا، زد على ذلك ميل العرب الفطري إلى الإيجاز، وغلوهم في اختصار الكلم، والتزامهم مقاطع الجمل القصيرة التي تحمل غزير المعاني، فكان أن لم يحاولوا -إلا في قليل- زيادة أبيات المطولات على المائة بيت؛ ذلك لأن شعر العرب يفتقر إلى الروية والفكرة، وهم أهل بديهة وارتجال، لا يعنون بالإلمام بطبائع الناس وأحوالهم، كما أنهم لا يحفلون بالتحليل والتطويل، وهم أشد الناس اختصارًا للقول، وأقلهم تعمقًا في البحث، فضلًا عن أن دينهم في بساطته قد حرمهم كثرة الأساطير والخرافات وهي أغزر ينابيع الشعر القصص الملحمي. ولكن أملًا -بالرغم من كل هذا- لا يزال يداعب بعض الدارسين في أن يقيض الله للأمة العربية شاعرًا يتقدم إلى هذا التاريخ الحافل فيسجله ويصوره؛ ليكون للمعاصرين ولمن يأتي بعدهم كتاب فخر وسفر مجد، يتلوه الأنباء بعد الآباء١. ويذهب هؤلاء الدارسون بعيدًا في أملهم عندما يقررون: أنه لا بد للأدب العربي من يوم ينهض فيه أقوامه إلى جمع ما تشتت من قصائد الشعراء في وصف الحروب العربية في الفتوح وغيرها، وما لابس ذلك من وشائج الحياة والموت في السلم والحرب، فتؤلف الملحمة الكبرى بعون ذلك الشعر. وهذا ضرب من الأحلام اللذيذة ليس غير. فالعرب -كما تقدم- لم يعرفوا من فنون الشعر إلا الغنائي منه طوال ماضيهم، حتى إذا كانت العصور الحديثة واتصلوا بالآداب الغربية، وألفوا فنونها من الشعر الملحمي والتمثيلي؛ كانت تلك الفنون الشعرية الكبيرة في سبيلها إلى الانقراض، فحل النثر محل بعضها كالشعر التمثيلي، على حين انتهى شعر الملاحم، ولم يعد يستطيع الحياة، بعد أن تطورت الإنسانية وأصبحت عاجزة عن

стр. 19

تأتي فيه بما أتى القدماء في فجر الإنسانية، عندما ازدهر هذا الفن على نحو ساذج، خالٍ من التعقيدات العقلية والفنية، ولعل هذا يفسر الملاحم الحديثة التي حاولها عدد من الشعراء في اللغات المختلفة، ابتداء من عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر، فطوى الزمن ملاحمهم في جوف أمواجه، ولم تعد الإنسانية تقرأ وتعجب إلا بالملاحم القديمة، كالإلياذة في الغرب، والماهبهاراتا والرميانا في الهند، والشاهنامة في فارس. وإن كانت بعض الملاحم قد امتد بها العمر زمنًا انتقلت فيه من الأدب الفني إلى الأدب الشعبي النثري كما حدث في ملحمة عنترة، فإن الملحمة الشعبية هي الأخرى آخذة في الانقراض. وهكذا يصبح مجرد التفكير في كتابة الملاحم في عصرنا الحديث ضربًا من المجازفة، يتنافى مع حقائق الأدب المعاصر، بل حقائق النفس الإنسانية، فكيف لمثل هذا الشاعر -الذي يحلم به هؤلاء الدارسون- أن يهيئ في نفسه تلك الطفولة الغضة، والسذاجة الساحرة، التي يكمن فيها جمال الملاحم القديمة؟! وجملة القول: إن الأدب العربي يخلو تمامًا من شعر الملاحم بصفاته وشروطه وقواعده المعروفة له، وأن شعر الحماسة -بما في ذلك شعر الفتوح الإسلامية الذي نُعْنَى بدراسته هنا- لا يدخل في هذا الضرب من الشعر لمجرد كونه شعرًا حربيًّا، يُعنى بتصوير المعارك والالتحام، كما أنه لا ترتبط بهذا الضرب صلة ما تخول لبعض الدارسين أن يفترضوا أن أشعار العرب المفرقة في أيامهم ومعلقاتهم، وغزوات نبيهم وفتوحاتهم تكون ملحمة كبرى للعرب؛ ذلك لأن هذه الأشعار في مجموعها تدخل في باب الشعر الغنائي، الذي يُعنى الشاعر فيه بتغني عواطفه ووجدان قومه وجماعته كما يشعر به، ويصور أحداثًا يعيشها، بينما يُعنى شعر الملاحم باستدعاء أحداث خارقة عظيمة قديمة ومغرقة في القدم؛ ليحكيها في إطار من التلفيق والخرافية والتهويل، ويشبع فيها جوًّا أسطوريًّا يصور طفولة الأمة في فجر الإنسانية. وإن كان قد فات العرب لأسباب معينة أن يحفلوا بهذا اللون، فمن العجيب أن نحاول إثبات معرفتهم به بطرق متعفسة، أو أن نحاول الاعتذار عنهم والتماس الحجج لهم، كأنما كان من المفروض عليهم أن تكون لهم ملاحم شعرية. وسوف نرى أن شعر الفتح قد صور بالرغم من كل هذا أحداث الفتوح ومشاعر الفاتحين تصويرًا رائعًا، يمكن أن يكون كتاب فخر وسفر مجد، يتلوه الأبناء بعد الآباء.

стр. 20

الباب الأول: الشعر الإسلامي في الفتوح الفصل الأول: الفتوح في صدر الإسلام ١- دواعي الفتوح "الجهاد ": عجيب أن تقتدر أمة ناشئة كأمة العرب المسلمين، تتعاورها الفتن والاضطرابات، وحركات الارتداد والانتقاض من كل جانب، على أن تهدم إمبراطوريتين عظيمتين لتشيد على أنقاضهما إمبراطورية عظيمة، في مدى لا يتجاوز عشر سنوات، تشتمل على العراق والشام جميعًا وتتخطاهما، فتشتمل على فارس ومصر، حتى تبلغ حدودها الصين من الشرق، وتونس من الغرب، وبحر قزوين من الشمال، والسودان من الجنوب. إن هذه لمعجزة بلا ريب؛ ووجه الإعجاز فيها أنها حدثت بأيدي العرب الذين كانوا إلى سنوات قبائل متنافسة، لا تهدأ منازعتها، ولا تطمئن فيما بينها إلى قرار. وبدهي أن قيام الإسلام هو أول هذه العوامل التي حققت المعجزة، فهو الذي وحد العرب بعد شتات، وجعل قبائلهم المتنافرة أمة متضافرة، ودفعهم إلى إذاعة تعاليمه، وإعلاء كلمته، ودفع من يريد فتنة الناس عنه. وقد كان العرب قبل الإسلام ضعافًا أمام الفرس والروم، بل إن مناطق كثيرة من بلادهم كانت تخضع لنفوذهما، فلما أسلموا أسرع هذا النفوذ إلى الانحسار والزوال عن بلادهم كلها، ولم يلبثوا حتى تخطوا إليهما التخوم، وواجهوا جيوشهما التي حسبوها من قبل لا تغلب، وحاصروا حصونها التي توهموها لا تؤخذ، فإذا هي تنقض تحت صلابة إيمانهم من قواعدها. وإنما اقتدر العرب بعد إسلامهم على الفرس والروم؛ لأن الإسلام نشأهم نشأة جديدة، وبث فيهم روحًا أحالتهم خلقًا جديدًا؛ ذلك بأن اقتحم على نفوسهم مناطق عقائدهم، واتصل بوجدانهم في صميمه، وألقى فيه بذور التوحيد والإيمان والأخوة والتوحد، صافية في جوهرها، نقية من كل شائبة، بسيطة البساطة كلها، فتحررت نفوسهم من قيود الوهم، وتطهرت قلوبهم من رجس الوثنية، وشعر كل واحد منهم بأنه لا حجاب بينه وبين الله ما عمل صالحًا واتقاه حق تقواه.

стр. 21

أخذ الإيمان بمجامع قلوبهم، فجمع بينهم بما سن من نظم روحية واجتماعية، دفعت في أفئدتهم قوة معنوية عظيمة، وحفزتهم للاندفاع إلى ما وراء تخومهم ومواجهة الفرس والروم في أعقار دورهما، وهذه القوة المعنوية هي أساس الظفر في كل نضال، فصاحبها لا يعرف الهزيمة ولا يرضاها ويستهين بكل صعب، بل يستهين بالحياة نفسها في سبيل الظفر بالغاية التي يريد بلوغها. بهذه القوة اندفع العرب لقتال الفرس والروم، لا حبا في الغزو وتهافتا على مغانمه، وإرضاء لهوى القتال الكمين في طباعهم -كما يحاول المغرضون أن يصوروا هذا الاندفاع- وإنما جهادًا في سبيل الله، يدفعهم إليه الإيمان الصادق بالعقيدة السليمة، والقوة العاتية التي بثها فيهم الإسلام، فحببت إليهم الاستشهاد في سبيل الله، وفي سبيل الدعوة إلى الحق الذي أوحاه إلى رسوله، فانطلقوا على رغبة وحنين إلى الجنة، وباستهانة نادرة بالحياة يتمثلون الآخرة بنعيمها وظلالها، وكأنما يرونها رأي العين، ويطيرون إليها متغنين بما وعدوا من جنان تحت ظلال السيوف، وآخرة هي خير وأبقى، بأن الله اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيله فيَقتلون ويُقتلون، وبأن الذين يُقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. انطلقوا وملء ذاكرتهم تجارب هائلة، كان النصر فيها حليفهم في مواطن كثيرة، أظهرهم الله فيها على أعدائه وأعدائهم، حتى خلص لهم وجه بلاد العرب، وأنالهم رقاب المرتدين، فأعدوا الأمر إلى نصابه في بأس وحزم. وها هم يجدون ريح الجنة، ويتمنون الشهادة في سبيلها، ويترقبون اللحظة التي ينطلقون فيها نحو تخومهم؛ ليحملوا إلى العرب في الأطراف وإلى من وراءهم من العالمين هذه الدعوة التي لا يستطيعون الانطواء عليها وحدهم، وهي تتضوأ بدفئها ونورها في مواطن اعتقادهم، وقد أدركوا أنهم ورثة هذا النبي الذي بعث فيهم إلى الناس كافة، يهدونهم بهديه إلى ما اهتدوا إليه، وما ارتضوا لأنفسهم، فعليهم وحدهم يقع هذا العبء، وما عليهم -لكي يقوموا برسالتهم- إلا أن يقطعوا هذه الطرق التي طالما قطعوها من قبل تجارًا يحملون

стр. 22

عروض الدنيا؛ لكنهم في هذه المرة تجار لتجارة لن تبور، يحملون دين الله الحق وهدى رسوله، ويبشرون بما هو خير وأبقى، متسلحين بما أفاءه عليهم الإسلام من قوة وما يستشعرونه من خطر الرسالة التي يحملونها، متذرعين بما وعدهم الله من النصر، مهطعين إلى دعائه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] . ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ [البقرة: ١٩١] . ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١] . ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] . ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] . ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا، الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] . ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] . ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] . ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا

стр. 23

أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٨-٤٠] . ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] . ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١] . ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٠-٢٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] . وقد صدع ﷺ بما أُمر به، فحرض على القتال، وزين الجهاد للمسلمين وحثهم عليه، حتى ليجعله في تقديرهم ذروة الإسلام وأفضل الأعمال طرا عند الله بعد الإيمان به وبرسوله، فيعلن أنه أمر أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله. وأن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، ينجي الله ﵎ به من الهم والغم. وتمنى أن يغزوَ في سبيله فيقتل، ثم يغزو فيقتل. وحكى عن ربه : "أيما عبد من عبادي

стр. 24

خرج مجاهدًا في سبيله ابتغاء لمرضاتي ضمنت له إن أرجعته أرجعه بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته غفرت له". وصور ﷺ ما أُعد للمجاهد من أجر في الآخرة، فجسده محرم على النار؛ إذ لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في أنف مسلم، وما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار. وكل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمي عمله إلى يوم القيامة، فيؤمن من فتنة القبر. ومن مات مرابطًا في سبيل الله أمن الفزع الأكبر، وغدى عليه برزقه وريح الجنة. وطوبى لعبد آخذ بعِنَان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، يطير على متن فرسه كلما سمع هيعة أو فزعة يبتغي القتل. ورباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوطه من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها. والقوة الرمي، فمن تركه بعدما علمه رغبة عنه فإنه نعمة كفرها. والخيل أجر وستر، ومعقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. بهذا كان ﷺ يحضهم على الجهاد، ويدفعهم إلى الاستعداد له، ويدعوهم إلى استكمال ثقافتهم العسكرية، ويشهد بنفسه ملاعبتهم لسيوفهم ورماحهم وضروب فروسيتهم وعَدْوهم، ويعجب بهم ويبدي استحسانه لما يرى من صنيعهم، ويزين لهم تعليم أولادهم ركوب الخيل والعدو وحيل الحرب وأفانين القتال والرماية والسباحة، ويرغبهم في التجمل بخلائق الفرسان، في النجدة والشجاعة ونبذ الجبن والخنوثة. فأثمرت هذه التعاليم ثمرتها، فكان الجهاد بلورة نورانية تجذب وجدان المسلمين، وتلهب مشاعرهم، وصورة متألقة في ضميرهم، تبدو الدنيا فيما مجازًا للآخرة، والآخرة ثوابًا للدنيا، فيعيش من عاش فيها سعيدًا، ويموت من مات فيها شهيدًا. ومن هنا حرصوا على الموت أكثر من حرصهم على الحياة، لا يجزعون أمامه، وهم مؤمنون بأن كل شيء قد قدر تقديرًا ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] ، وأن حينهم سوف يواتيهم في ميقات معلوم ولو كانوا في بروج مشيدة. فما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسهم إلا في كتاب، ولو كانوا في بيوتهم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، ولن يصيبهم بعد هذا إلا

стр. 25

ما كتب لهم، وأن ما يمكن أن يصيبهم لا يخرج عن أمرين: أمرهما حلو، فإما الشهادة المؤدية إلى الجنة، وإما النصر الذي هو حق لهم ما أخلصوا في قتال عدوهم، وما نصروا الله، فإن ينصروه ينصرهم، والنصر من عنده يؤتيه من يشاء، وإن ينصرهم فلا غالب لهم. انطلق المسلمون عبر حدودهم وكل هذه المعاني تعتمل في نفوسهم، وتنطلق على ألسنتهم، كما انطلقت على لسان المغيرة بن شعبة في مسامع رستم وحاشيته "يدخل من قتل منا الجنة، ومن قتل منكم النار، ويظهر من بقي منا على من بقي منكم"١. وينطلق هذا المعنى في كتاب خالد بن الوليد إلى رؤساء فارس: "أسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا مني الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر"٢. كما ينطلق على لسان ربعي بن عامر، رسول سعد بن أبي وقاص إلى رستم في القادسية، وقد دخل على القائد العظيم في ثياب صفيقة، فوق فرس قصيرة، ولا يزال راكبها حتى يدوس بها على طرف البساط، ثم يترجل فيربطها ببعض الوسائد، ويقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته فوق رأسه؛ ليرد على من صاح به أن يلقي سلاحه: "إنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت". ثم يتوكأ على رمحه فوق النمارق ليقول مدويًا مجيبًا من سأله عن سبب مجيء المسلمين "ما جاء بكم؟ "، "الله ... ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"٣. وقد تداول هذه المعاني أولئك المجاهدون الشعراء الذين اجتذبهم ألق الجهاد، فصهم آذانهم عن كل دعاء إلا دعوة الله، فتركوا من ورائهم أهليهم وذويهم يناشدونهم البقاء إلى جانبهم، حرصًا عليهم ورغبة في سلامتهم، ولكن كيف لهم أن يمنعوا أنفسهم طلبتها، وكيف لهم أن يقعدوا عن واجب أوجبه الله ودعا إليه، وليسوا ممن

стр. 26

يصرح لهم بالقعود ... فهذه امراة النابغة الجعدي تناشده الله أن يبقى، ولكنه يجيبها بأنه لا عذر له في القعود: باتت تذكرني بالله قاعدة ... والدمع ينهل من شأنيهما سبلا يابنت عمي كتاب الله أخرجني ... كرهًا وهل أمنعن الله ما بذلا فإن رجعت فرب الناس أرجعني ... وإن لحقت بربي فابتغي بدلًا ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني ... أو ضارعًا من ضنى لم يستطع حولًا١ وكذلك كان الشبان من المسلمين في مقتبل العمر لا يستطيعون مقاومة اللهفة إلى الجهاد، فيخلفون وراءهم آباء ضعافًا، يخافون عليهم ويبكونهم، ولكنهم لا يحفلون بهم ولا بدموعهم. كما فعل شيبان بن المخبل السعدي مع أبيه؛ إذ خرج مع سعد بن أبي وقاص إلى غزو الفرس، وكان أبوه قد أسن وضعف، فما برح يناديه، ويتحسر على وحدته بعده، وجدًا عليه وإشفاقًا وهلعًا، يقول: أيهلكني شيبان في كل ليلة ... لقلبي من خوف الفراق وجيب ويخبرني شيبان أن لم يعقني ... تعق إذا فارقتني وتحوب فإن يك غصني أصبح اليوم باليا ... وغصنك من ماء الشباب رطيب فإن حنت ظهري خطوب تتابعت ... فمشيي ضعيف في الرجال دبيب إذا قال صحبي يا ربيع ألا ترى ... أرى الشخص كالشخصين وهو قريب أشيبان ما يدريك أن كل ليلة ... غبقتك فيها والغبوق حبيب٢ وهذا كلاب بن أمية بن الأسكر يسأل طلحة والزبير عن أفضل الأعمال، فيخبرانه أنه الجهاد في سبيل الله، فيقصد عمر ﵁ يسأله الجهاد، فيبعث به إلى العراق، ولكن أباه يناشده الأبوة والعجز أن يبقى، فيوليه ظهره، ويتوجه إلى العراق مخلفًا أباه ينتحب ويقول:

стр. 27

لمن شيخان قد نشدا كلابا ... كتاب الله إن حفظ الكتابا أناديه فولاني قفاه ... فلا وأبي كلاب ما أصابا إذا سجعت حمامة بطن وج ... على بيضاتها دعوا كلابا أتاه مهاجران تكنفاه ... عباد الله قد عقا وخابا ركت أباك مرعشة يداه ... وأمك ما تسيغ لها شرابا فإنك والتماس الأجر بعدي ... كباغي الماء يتبع السرايا١ ولكن كلابًا لا يحفل به، فيذهب أمية إلى المسجد يبكي لعمر ويستعطفه أن يرد عليه ابنه، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والعقوق -في تصوره- معصية كبرى على هذه الصورة، ويعلن أنه سيشكو عمر إلى الله إذا لم يرد كلابًا: أعاذل قد عذلت بغير قدري ... ولا تدرين عاذل ما ألاقي فإما كنت عاذلتي فردي ... كلابا إذ توجه للعراق فتى الفتيان في عسر ويسر ... شديد الركن في يوم التلاقي فلا وأبيك ما بالبيت وجدي ... ولا شغفي عليك ولا اشتياقي وإيقادي عليك إذا شتونا ... وضحكك تحت نحري واعتناقي سأستأدي على الفاروق ربا ... له عمد الحجيج إلى بساق وأدعو الله محتبسًا عليه ... ببطن الأخشبين إلى دفاق إن الفاروق لم يردد كلابا ... على شيخين هامهما زواق٢ وهكذا كان داعي الله أشد أثرًا وأقوى فعلًا في نفوس المجاهدين من المسلمين، طغى على كل دعوة إنسانية، سواء أكانت من أب عاجز، أم من زوجة بائسة.

стр. 28

وعلام يحفلون بهذه الدعوات وهذه الدموع ما دام الله تعالى قد دعاهم؟ فهذا الحتات يجيب أباه لما جزع عليه وبكاه واستعطفه ليرجع: ألا من مبلغ عني ذريحا ... فإن الله بعدك قد دعاني فإن تسأل فإني مستقيد ... وإن الخيل قد عرفت مكاني١ وهكذا كانوا يتسابقون إلى الجهاد، لا يعبئون بأهليهم الذين يناشدونهم عجزهم وضعفهم، فيضربون بكل هذا عُرْض الحائط، إيثارًا للآخرة، وحبًّا في الظفر، ورغبة في المثوبة. فهذا أبو خراش الهذلي يقدم إلى المدينة فيجلس بين يدي عمر؛ ليشكو إليه شوقه إلى ابنه خراش الذي أوغل مع جيوش المسلمين في أرض الشام وتركه وحيدًا، بعد أن انقرض أهله ومحبوه، وقتل إخوته، ولم يبقَ له ناصر أو معين، ثم ينشده: ألا من مبلغ عني خراشا ... وقد يأتيك بالنبأ البعيد وقد يأتيك بالأخبار من لا ... تجهز بالحذاء ولا تزيد تناديه ليغبقه كليب ... ولا يأتي لقد سفه الوليد فرد إناءه لا شيء فيه ... كأن دموع عينيه الفريد وأصبح دون غابقة وأمسى ... جبال من حرار الشأم سود ألا فاعلم خراش بأن خير الـ ... مهاجر بعد هجرته زهيد رأيتك وابتغاء البر دوني ... كمخضوب اللبان ولا يصيد٢ وأكثر من ذلك نجد كثيرًا من المؤمنين والمؤمنات يدفعون بأبنائهم إلى الجهاد دفعًا؛ إذ ليسوا بحاجة إليهم، وقد انتفت حالات العجز والضعف التي دفعت بالخلفاء إلى رد الأبناء على آبائهم الضعاف، ومنعهم من الجهاد إلا بموافقتهم. فنجد الخنساء الشاعرة المعروفة تدفع ببنيهما الأربعة إلى الجهاد ليلة القادسية، وقد أخذت توصيهم قائلة: "إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو.. إنكم لبنو رجل واحد وامرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا

стр. 29

غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، وأن الدار الباقية خير من الدار الفانية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ، فإذا أصبحتم فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وجللت على أوراقها، فيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام حميسها، تظفروا بالغُنْم والكرامة في دار الخلد والمقامة"١. فإذا ببنيها يباكرون مراكزهم إلى الجلاء، وهم يتغنون بهذه النصيحة شعرًا ملتهبًا بالإيمان، يكشف عن تمكن روح الجهاد في نفوسهم وفعله بهم، يقول أولهم: يا إخوتي إن العجوز الناصحة ... قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة مقالة ذات بيان واضحة ... فباكروا الحرب الضروس الكالحة وإنما تلقون عند الصائحة ... وأنتم بين حياة صالحة أو ميتة تورث غُنْمًا رابحة ويتقدم فيقتل، ويحمل الثاني وهو يرتجز: إن العجوز ذات حزم وجلد ... والنظر الأوفق والرأي السدد قد أمرتنا بالسداد والرشد ... نصيحة منها وبرا بالولد فباكروا الحرب حماة في العدد ... إما لفوز بارد على الكبد أو ميتة تورثكم عز الأبد ... في جنة الفردوس والعيش الرغد ويقاتل حتى يستشهد، فيحمل الثالث وهو ينشد: والله لا نعصي العجوز حرفا ... قد أمرتنا حربًا وعطفا نصحًا وبرًا صادقًا ولطفا ... فبادروا الحرب الضروس زحفا حتى تلقوا آل كسرى لفا ... أو يكشفوكم عن حماكم كشفا إنا نرى التقصير منكم ضعفا ... والقتل فيكم نجدة وزلفى

стр. 30

ويظل يجالد الفرس حتى يصرع، فيحمل الرابع منشدًا: لست لخنساء ولا للأخرم ... ولا لعمرو ذي السنا الأقدم إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم ... ماض على الحول خضم خضرم إما لفوز عاجل ومغنم ... أو لوفاة في السبيل الأكرم١ ويخر صريعًا فيلحق بإخوته إلى الرفيق الأعلى، وحين يبلغ الخبر إلى أمهم تلك التي جعلت من أساها على أخيها صخر مناحة أليمة في تاريخ الأدب العربي -نجدها لا تهتز له إلا فخرًا فتقول: "الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم". وهكذا نرى هذا الدافع العقدي الجبار يدفع بالأم إلى أن تقود بنيها جميعًا بيدها وبلسانها إلى الجهاد، وتعدهم له، ويدفع بالأبناء إلى أن يعصوا الأبوة في سبيل الجهاد ولا يحفلوا بشيء، ويدفع الرجال إلى أن يتركوا وراءهم كل ما يتشبث به، وكل من يتمسك ببقائهم، إنها قوة دافعة لا تقاوم، يغذيها الإيمان العميق، والإحساس الأصيل بضرورة الانطلاق بالرسالة إلى الناس كافة؛ ليتسنى لهم أن يخرجوا من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، انطلقوا جميعًا يجيبون داعي الله، حتى غدت ديارهم خلاء موحشة، ليس فيها غير الذئاب، كما يصور ذلك أسامة بن الحارث الهذلي في قوله: فموشكة أرضنا أن تعود ... خلاف الأنيس وحوشًا يبابا ولم يدعوا بين عرض الوتـ ... ـير حتى المناقب إلا الذئابا٢

стр. 31

٢- فتوح الشرق: يجدر بنا أن نشير هنا إلى خلاف المؤرخين على الزمن الذي حدثت فيه فتوحات الشرق ووقائعها خلافًا يصبح معه تتبع الحوادث في تسلسلها التاريخي مغامرة لا تستند إلى أساس يمكن الاعتماد عليه في شيء من الدقة. فالطبري مثلًا يرى أن حروب الردة وقعت في السنة الحادية عشرة للهجرة، وأن فتح العراق تم في السنة الثانية عشرة، وأن فتح الشام تم في السنة الثالثة عشرة. ويكاد المرء يظن حينما يطالع هذا لتعاقب أن فتح العراق لم يبدأ إلا بعد الفراغ من حروب الردة، وأن فتح الشام لم يبدأ إلا بعد أن استقر الأمر للمسلمين في العراق، لكن شيئًا من التدقيق في مراجعة الحوادث ووقوعها لا يلبث أن يحمل على الريبة في مثل هذا الظن، ففتح العراق بدأ وحروب الردة لا تزال قائمة. وفتح الشام بدأ في أعقاب حروب الردة، وجيوش خالد بن الوليد لا تزال تعالج إقرار السكينة في أرجاء العراق، وتتوقع غزوات جديدة. وقد رأينا أن التأريخ للفتوح الإسلامية يستتبع النظر العاجل في حروب الردة، التي أسهمت في توجيه أنظار المسلمين إلى الامتداد خارج شبه الجزيرة، فضلًا عن تأكيدها لوَحْدَة الأمة الإسلامية، وصهرها في بوتقة الصراع الدامي، كتمهيد لما ينتظرها بعد من تحمل لرسالتها الجليلة. فلم يكد أبو بكر ﵁ يقضي على عبس وذبيان وبني بكر ومن انضم إليهم في الأبرق حتى انحاز فلهم إلى طليحة الأسدي ببزاخة، ورجع الصديق إلى المدينة وهو يفكر في الوسيلة التي يقضي بها على المرتدين. وكان جيش أسامة قد وصل إلى المدينة وقضى أيامًا جم فيها، فخرج الصديق إلى ذي القصة حيث وزع جنده لمحاربة المرتدين أحد عشر لواء، جعل لكل منها أميرًا، وأمره أن يستنفر من يمره به من المسلمين أولي القوة، وأن يسير لقتال المرتدين. وقد وزع الألوية توزيعًا مناسبًا في عددها وأمرائها، مع قوة القبائل التي وجهت إليها، ومبلغ إلحالحها في الردة. فتوجه خالد بن الوليد إلى طليحة بن خويلد في بني أسد، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة، زعيم بني تميم في البطاح. وبنو أسد وبنو تميم كانوا أقرب القبائل المرتدة

стр. 32

إلى المدينة؛ ولهذا بدأ بهم المسلمون، ووجهوا إليهم خالدًا. وتوجه عكرمة بن أبي جهل على اللواء الثاني إلى مسيلمة في بني حنيفة باليمامة، وشرحبيل ابن حسنة على اللواء الثالث، ليعين عكرمة على مسيلمة. فإذا فرغا منه لحق شرحبيل بقضاعة، مددا لعمرو بن العاص وقد استعصت اليمامة على عكرمة، كما استعصت على شرحبيل. ثم كان النصر لخالد بعد أن قتل مسيلمة في عقرباء. وعقد للمهاجر بن أمية المخزومي اللواء الرابع لقتال الأسود العنسي باليمن وعمرو بن معديكرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح المرادي ورجالهم، فإذا فرغ منهم قصد كندة وحضرموت لقتال الأشعث بن قيس والمرتدين معه. وعقد اللواء الخامس لسويد بن مقرن الأوسي؛ ليتوجه إلى تهامة باليمن. وعقد اللواء السادس للعلاء الحضرمي، لقتال الحطم بن ضبيعة أخي بن قيس بن ثعلبة، والمرتدين معه بالبحرين. ووجه حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير على رأس اللواء السابع، لقتال ذي التاج لقيط بن مالك الأزدي المتنبي في عمان. وكانت وجهة اللواء الثامن إلى مهرة، وعليه عرفجة بن هرثمة. كما توجهت ألوية ثلاثة إلى الشمال، على أحدها: عمرو بن العاص لقتال قضاعة، وعلى الثاني: معن بن حاجز السلمي، لقتال بني سليم ومن معهم من هوازن. وعلى الثالث: خالد بن سعيد بن العاص لاستبراء مشارف الشام، واحتفظ الخليفة بقوة لحماية المدينة، وكانت دون لواء من هذه الألوية عددًا. وكانت مهمة ألوية الجنوب صعبة؛ إذ إن موقع هذه المناطق الجغرافي جعل لبلاط كسرى في هذه الأنحاء من الصلة بها، بل من السلطان عليها ما لم يكن له بغيرها من بلاد العرب، ولسنا نستطيع أن نتجاهل أثر هذا السلطان في تحريك البواعث التي أدت إلى انتقاض العرب وردتهم. فقد رأى عاهل الفرس فيمن رأوا في رسالة محمد إليه وإلى غيره من الملوك والأمراء؛ ليدينوا بالإسلام مما أدى به إلى أن يعمل على إيقاظ نار الفتنة في بلاد ليس بها من أسباب الوحدة غير الدين الجديد، الذي يجمع كلمتها، ويضاعف قوتها، ولا شيء كالفتنة يضعضع العزائم، ويفت في أعضاء الأمم١. ولقد كان سلطان فارس على اليمن ممتدًا إلى أن دخل عاملها لكسرى في الإسلام، وصار عاملًا للنبي ﷺ عليها،

стр. 33

ولكن سلطان فارس كان أكثر وضوحًا في البحرين وعمان؛ حيث كان من أبناء فارس عدد كبير استوطنهما، وعلت كلمته فيهما، لما كانت تمدهم به فارس من نفوذها وقواتها كلما خشيت ثورة العرب الخلص بهم، أو محاولتهم القضاء على سلطانها في ربوعهم. فليس عجبًا إذن أن تكون هذه البلاد آخر من دان بالإسلام على عهد الرسول ﷺ في عام الوفود، وأن تكون أول من ارتد حين قبض، ثم تكون آخر من يعود إلى الإسلام بعد حروب طاحنة، تختم حروب الردة، وتعيد إلى البلاد العربية وحدتها الدينية، وتقيم فيها الوحدة السياسية. كانت الثورات في الجنوب إذن أعنف مظاهر الانتقاض على الدين الجديد في بلاد العرب بعد وفاة النبي ﷺ . لكن اليمامة وما حاذى الخليج الفارسي من القبائل كان يتلظى ببذور الثورة في هذا العهد، وكان المسلمون على حذر ليظل سلطانهم قائمًا وكلمتهم مسموعة، فلا عجب إذن أن يكون ذلك أمر حواضر وبواد تبعد عن منزل الوحي بمكة والمدينة، تتصل بالفرس وتبادلهم التجارة وتقر لهم بتفوق الحضارة، بل لا عجب أن تكون للفرس يد خفية في تحريك هذه الحواضر والبوادي؛ لتنقض على الدين الجديد والسلطان الناشئ، ولكن المسلمين استطاعوا أن يعيدوا الأمر إلى نصابه، وأن يقضوا -في صرامة وحزم- على كل بواعث الفتنة قضاء مبرمًا. عادت الألوية الظافرة إلى المدينة، إلا أن بعضها انساح في الأرض يؤمن تخوم شبه الجزيرة وأطرافها، فأقسام العلاء الحضرمي في البحرين بعد أن أرسل بانتصاره إلى الصديق، لا يخشى شيئًا إلا غارة قبائل البادية التي ألفت العزو والسلب، ودسائس الفرس الذين تقلص نفوذهم في جنوب الجزيرة. على أنه كان مطمئنًا بعض الشيء إذا انضم إليه قبل ذهابه إلى دارين من قبائل البحرين ومن الأبناء من كفوه مئونة ما يخشى. وكان عتيبة بن النهاس والمثنى بن حارثة الشيباني على رأس من انضم إليه، وقد قعدوا بكل طريق للمنهزمين، وللذين يعيثون في الأرض فسادًا. وتابع المثنى المسير على شاطئ الخليج الفارسي، يقاوم دسائس الفرس، ويقضي على أنصارهم من القبائل والأبناء، حتى بلغ مصب الفرات، فكان لبلوغه هذا المبلغ ولاتصاله بأرض العراق ولدعوته إلى الإسلام هناك أثر لا نبالغ إذا زعمنا أنه كان مقدم لفتح العراق.

стр. 34

وقد يبدو الأمر متناقضًا إذا ما رأينا إجماع المؤرخين المحققين على أن فتح العراق وفارس وما وراءهما لم يدر بخلد المسلمين في هذه الفترة ابتداء، وإنما دار هذا الخاطر بنفس أبي بكر حينما كان النصر يحالف ألويته في حروب الردة، فمذ قضى خالد بن الوليد على مسيلمة باليمامة، ومذ نشر المهاجر بن أمية وعكرمة بن أبي جهل لواء الإسلام في أرجاء اليمن وما جاورها، أيقن أبو بكر أن الأمر صائر إلى ما يرضي المسلمين، من الوحدة الفكرية والسياسية لشبه الجزيرة العربية، ولكنه كان يخشى أن يستنيم المسلمون لهذا النصر، وينسوا ما تنطوي عليه صدور العرب من حفيظة قد تضطرم فتضرم الثورة كرة أخرى، وربما يكون في اتجاه أنظار هؤلاء العرب إلى ما وراء الحدود في شبه الجزيرة ما يجعلهم ينسون حفائظهم وأحقادهم. واتجه ذهن أبي بكر إلى اقتحام مشارف الشام وحرب قيصر، بعدما كان من سياسة الرسول ﷺ نحو تأمين التخوم العربية بحملاته الشهيرة مما يصرف أذهان العرب عن ثاراتهم، ويجعل لهم من الفخار ما ينسيهم ضغنهم على المدينة وأهلها، ويمهد لانتشار كلمة الله في الإمبراطورية الرومية، ولكن.. ألا يمكن أن تنقلب الآية فلا يحالف النصر ألوية المسلمين، فتتعرض شبه الجزيرة لما هو أكثر شرًّا من الثورة التي أخمدتها حروب الردة؟ حقًّا لقد قامت بين إمبراطورية الروم وفارس حروب استطالت على السنين، تداولوا فيها النصر والهزيمة، حتى انتهى الغلب فيها للروم، وقد استنفدت هذه الحروب من قوة الدولتين ما يحتاج جهدًا ضخمًا وزمنًا طويلًا لتعويضه، ولكن بريق النصر الذي انتهى إليهم في هذه الحروب لا يزال يبهر أنظار العرب ويصدهم عن حربهم، ويجعل التفكير فيها مغامرة غير مضمونة العواقب. وعلى الرغم مما لاقى العرب من دسائس الفرس في فتنة الردة فلم يدر بخاطر أبي بكر أن يحارب "فارس"، فضلًا عن استشراء نفوذها في اليمن، فإن الحجاز لا يتصل بفارس. والبلاد العربية التي تتاخم الفرس هي البلاد التي فشت فيها الردة؛ ولهذا لا يمكن الاعتماد عليها، أو الركون إلى أهلها في غزو دولة لا يزال لها سلطانها عليهم. ومن هذا يتضح ضعف تلك الآراء التي تجعل من الصراع الشهير بين الدولتين الفارسية والرومية حافزًا للعرب على الفتوح. فالحقيقة السافرة أن هزيمة الدولة الفارسية على

стр. 35

أيدي الروم لم تقضِ عليها، ولم تؤد بها إلى الانهيار، ولم تدفع العرب إلى الانقضاض عليها وإدخالها مثخنة بالجراح إلى حظيرة الإسلام كما يزعم البعض١، فقد كان لها بعد كل هذا جيوشها الجرارة، ونظامها وسلطانها. فإن كسرى أنوشروان الذي ولد لأول عهد النبي ﷺ كان قد جعل هدفه تجديد شباب الدولة الساسانية، فمضى في سلسلة من الإصلاحات، تناولت شتى النظم الإدارية والمالية والعسكرية. ورد إلى الدولة الساسانية شبابها، فاستطاعت أن تنتزع من الإمبراطورية الرومية آسيا الصغرى وأرمينيا والشام، ونجحت في أن تلطم العالم المسيحي لطمة قاسية بإدخالها بيت المقدس في حوزة الوثنيين، واستيلائها على صليب الصلبوت، كما استولت على مصر، وبلغ الأمر بها أن هددت أبواب القسطنطينية ذاتها٢. وحتى لو فرضنا أن الدولة الفارسية انهارت على يدي "هرقل"، ألم يكن أقرب إلى المنطق والعقل أن يلتهمها الروم أنفسهم، الذين طرقوا أبواب عاصمتها "المدائن" بعد هزيمتها المنكرة في نينوى، وإرغامها على صلح مشين في ٦٢٨م بطريقة أسهل من استيلاء العرب عليها، إذا ما قارنا بين حالة الروم وحالة العرب وقتذاك؟! لا ريب في أن أبا بكر كان يقدر قوة الفرس ومبلغ سلطانهم على الجنوب وأثره في فتنة العرب، وأنه ليفكر ويقدر في موقف المسلمين من هاتين القوتين دون أن يجرؤ على التفكير في حربهما؛ إذ تترامى إليه الأنباء بأن المثنى بن حارثة الشيباني قد سار بقواته شمالًا في البحرين حتى وضع يده على القطيف وهجر، وحتى بلغ مصب دجلة والفرات، وأنه قضى في مسيرته على الفرس وعمالهم، ممن عاونوا المرتدين بالبحرين، وأنه تابع مسيره مساحلًا الخليج الفارسي إلى الشمال، حتى نزل في قبائل العرب الذين يقيمون بدلتا النهرين، فتحدث إليهم وتعاهد معهم. وفكر أبو بكر فيما جاءه من أنباء، فإذا به يفكر من ثم في دفع المسلمين إلى خارج شبه الجزيرة، حتى يصرفهم عن ثاراتهم الأولى، فربما ينجح المثنى في التوغل إلى العراق، فيفتح للمسلمين المتعطشين إلى الجهاد أبوابه. وبدأت عناصر نجاح هذا التدبير تتداعَى إلى

стр. 36

خاطره، وقبائل العرب في العراق من بني لخم وتغلب وإياد والنمر وبني شيبان تهوى نفوسهم إلى منابتهم في شبه الجزيرة، ولم تبعد أنسابهم بعد عن أنسابها. وبرغم أن أكثر هذه القبائل قد نعم بالحضر وترفه إلا أنها ظلت شديدة التعلق بالبادية تسكن مشارفها، وهي في هذا لا تستطيع مقاومة الوراثة البدوية المتغلغلة في نفوسها، التي تأبى الاستقرار والركون إلى حياة الحضر الوادعة، فسكنت على شفا الصحراء، بين البادية والحضر، لتجد في الحضر رزقها، وفي البادية ما يستهويها من الحرية والسحر والجمال. وتردد فيما جاءت به أنباء المثنى أن قبائل العرب التي استقرت بدلتا النهرين، الغنية بالزروع والفاكهة والطير والحيوان، مالت إلى الحضر والإقامة فعمل أبناؤها في زراعة الأرض، وأن دهاقين الفرس يستولون على غلاتها، فلا ينال أولئك العرب منها إلا القليل الذي يجود به الدهاقين عليهم، مما يجعلهم أدنى إلى الاستجابة لكل دعوة عربية. فمعاملة الدهاقين تعدهم للثورة بهم، وتمهد للمسلمين أن يستخدموهم أدوات لبث دعوتهم، وتأمين شبه الجزيرة من دسائس الفرس وعدوانهم. هذا فضلًا عن أن بطونا من ربيعة ومضر استقرت في سواد العراق والجزيرة، فصارت لهم هناك ديار ومراعٍ، ونزلوا على خفارة فارس١. وكذلك استقرت قبيلة تنوخ غربي نهر الفرات من الحدود الفارسية، حتى أنشأ لهم سابور الأول ملك الفرس إمارة الحيرة عام ٢٤٠م، وأمر عليها عمرو بن عدي؛ لتكون هذه الإمارة درعًا يكفي دولة فارس من وراءها من الروم والأعراب، ولكن هذه العلاقة الوطيدة بين العرب والفرس لم تمنع القبائل العربية من الإحساس بعصبيتها وتوحدها ضد الفرس في يوم ذي قار٢. فالعراق إذن لم يكن يومًا ما غريبًا عن عرب الجزيرة، بل كان دائمًا امتدادًا لمنازلهم، ودار هجرة لهم، يجتذبهم إليه بخصبه واستقرار الحياة فيه، ويجوسون خلاله في معاناة التجارة وخفارتها، ويجدون في رحيلهم إلى الشرق والغرب فرصة مواتية للاختلاط بسكان هذه المناطق، اختلاطًا يتعدى الناحية الاقتصادية إلى التأثير والتأثر، وتعميق المعرفة بأحوالهم وبظروف حياتهم، وكان في أسواق العرب مجال لاختلاط التجار العرب

стр. 37

والفرس، وبخاصة في دومة الجندل على أطراف العراق وشبه الجزيرة، وعلى امتداد خط القوافل بمحاذاة الخليج الفارسي. وكان التجار الأعاجم يقدمون إلى مكة -قبل أن يلي هاشم شئون التجارة- فيشتري منهم العرب، ويتبايعون فيما بينهم ويبيعون من حولهم. ثم أخذ العرب بعد ذلك يقتحمون العراق وفارس بتجارتهم؛ إذ اختص نوفل بن هاشم بالتجارة مع فارس وعقد معها حلفًا ومعاهدة تجارية فيما يقال١. وليس أدل على قوة هذه الصلات من أن سكان الحيرة والأنبار كانوا يكتبون اللغة العربية، فقد وجد خالد بن الوليد بعد فتح الأنبار قومًا يكتبون بها فسألهم: ممن تعلمتم؟ فقالوا: من إياد، وأنشدوه: قومي إياد لو أنهم أمم ... أولو أقاموا فتهزل النعم قوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعًا والخط والقلم٢ وكذلك وجد قوم من العرب كانوا يجيدون اللغة الفارسية إجادة مكنتهم من الاشتغال لدى ملوك الفرس بالكتابة والترجمة، من مثل عدي بن زيد التميمي، الذي كان يكتب لكسرى أنوشروان ويترجم له. وخلفه في عمله ابنه زيد٣. وكانت وفادات العرب على ملوك الفرس لا تنقطع، وفي كل مرة كان العرب يعودون وقد حملوا معهم إلى موطنهم ألوانًا من المعرفة والحضارة، كما فعل الحارث بن كلدة من وفوده على كسرى أنوشروان، وابنه النضر بن الحارث الذي تعلم في فارس صناعة الألحان والطب، وكان يجلس ليتحدى الرسول ﷺ بأحاديثه من ملوك فارس٤. ومثل: عبد الله بن جدعان الذي وفد على كسرى فاستطاب من أطعمة فارس الفالوذج، فابتاع غلامًا أعجميًّا يصنعه له٥.

стр. 38

ولا يزال التاريخ يحفظ وفادات الشعراء العرب على أمراء الحيرة العرب، التي استمرت طوال مدة حكمهم. فقد وفد عليهم: طرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، والنابغة الذبياني؛ إذ كان هؤلاء الأمراء يعنون باللغة والأدب، ويحبون الشعر والشعراء، ويهتمون بجمع الأشعار وتسجيلها وحفظها في قصورهم١. هذا، وقد شاع في الأدب العربي، وفي الحياة العقلية للعرب بعامة كثير من آثار العراق وفارس، سقطت إلى العرب عن طريق الحيرة؛ كأحاديث جذيمة بن الأبرش، وأساطير الزباء، والخورنق والسدير، وسنمار وجزائه، ويومي البؤس والنعيم اللذين استنهما النعمان بن المنذر٢، هذا فضلًا عما سقط إلى اللغة العربية من ألفاظ فارسية تجلت في استخدام القرآن الكريم لها. هذه الصلات الوثيقة وما يعززها من قرابة الدم والجوار واللغة، وتلك العلاقات العقلية والحضارية والسياسية كانت كفيلة كلها بتوجيه أنظار المسلمين إلى العراق. ولم يكن خافيًا على أبي بكر ما وصلت إليه فارس صاحبة السلطان في العراق من اضطرابات داخلية، ضربت بجرانها في البلاط الفارسي؛ إذ يسعى كل أمير ليقتل الجالس على العرش ليأخذ مكانه، حتى ليدعي هذا العرش في أربع سنوات تسعة من الأمراء كانوا يقتتلون عليه، يقتل بعضهم بعضًا جهرًا وغيلة. وقد بدأ هذا الاضطراب في عهد كسرى أبرويز، الذي أرسل إليه الرسول ﷺ يدعوه إلى الإسلام، فكان جوابه أن كتب إلى عامله في اليمن بأن يرسل إليه ذلك الراعي ليرى رأيه فيه. وحدث أن ثار عليه ابنه شيرويه فقتله واستلب العرش، ولكنه لم يتمتع بالملك طويلًا فمات بعد قليل، تاركًا العرش لابنه الصغير، الذي ثار به أحد القواد فقتله ونصب نفسه ملكًا، واستهدف هذا الملك لثورة الأسرة المالكة به، فقتل بعد أربعين يومًا من ثورته. حتى آل الأمر إلى بوران بنة كسرى أبرويز، وكان ذلك في آخر حياة الرسول ﷺ . لمح المسلمون في كل هذه الظروف المواتية فرصتهم وبشير سعودهم، وقد ارتفعت معنوياتهم بإعادة الأمور إلى نصابها، والظفر بأهل الردة، وبفرض كلمة الحق بالسلطان

стр. 39

الصارم، فراحوا يستشرفون مثل هذه الغاية التي أعدوا لها أنفسهم منذ أن كان فيهم رسول الله ﷺ ، وهذه فرصة ثمينة، يجب أن تكون خطوة لما بعدها. ولئن حالف المسلمين النجاح في هذا الخطوة لتكونن البشير لخطوات واسعة، فبقاع العراق الخصبة، التي أطلق عليها "جنة الأرض" تموج بكثرة غلالها ووفرة خيراتها وجمالها، وقد رأى أبو بكر صدق ما يذكره المثنى، ورأى أن من الواجب على المسلمين أن يقوموا بتأمين العرب من أهلها، فإذا استجاب هؤلاء العرب من بعد للدعوة الإسلامية، ولم يصرفهم الفرس عنها فذاك، وإلا قاتل المسلمون الفرس؛ ليكون المجال فسيحًا أمام كلمة الحق التي ستنتصر لا محالة. ويجمع أبو بكر ولاة أمر المسلمين وأولي الرأي منهم؛ للتداول في عناصر نجاح تدبيره. وما أن ينتهي حتى يخطو الخطوة الأولى في فتح العراق، فيأمر المثنى بن حارثة الشيباني بأن يسير بمن معه من قومه لقتال أهل فارس. ولما بلغته أخبار انتصاراته بدلتا النهرين رأى أن يمده، فكتب إلى خالد بن الوليد في المحرم من سنة ١٢هـ يأمره أن يجمع بقية جنده ويمضي إلى العراق فيدخله من أسفله، وأمر عياض بن غنم أن يسير إلى دومة الجندل ليخضع أهلها المرتدين، ثم يدخل العراق من أعلى، متجهًا شرقًا إلى الحيرة، فإن بلغها قبل خالد فالأمر فيها له، وخالد فيها من قواده، وإن سبقه خالد إليها فالأمر والقيادة له، وعياض من قواده. فإذا اجتمعتما في الحيرة وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يُؤتَى المسلمون من خلفهم فليكن أحدكم ردءًا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن١. وهكذا تهدف الخطة التي وضعها أبو بكر مباشرة إلى الحيرة، ومنها إلى المدائن. وعلى هذا يمكننا أن نجعل الفتوح الشرقية مراحل ثلاث؛ أولاها: ما قبل الحيرة، والثانية: تشمل ما بين الحيرة والمدائن، والثالثة: تشمل ما بعد المدائن. المرحلة الأولى: كانت وصية أبي بكر لأمرائه أن يتجهوا إلى الحيرة، على ألا ينالوا العرب الفلاحين بسوء، فهم عرب، فضلًا عما يشعرون به من ظلم الفرس الذي يجب أن يزول حين مقدم العرب؛ ليعمهم العدل على أيدي بني عمومتهم.

стр. 40

وكان جنود خالد قد قل عددهم بعد قتال اليمامة، وتسريح من شاء الرجوع بإذن الخليفة، حتى لا يستفتح بمتكاره، وألا يكون معه في الغزو أحد ممن ارتد حتى يرى الخليفة رأيه فيه؛ ولهذا استمد خالد أبا بكر، فأمده بالقعقاع بن عمرو التميمي، فلا يهزم جيش فيه مثله، كذلك أمد عياضًا بعبد بن عوف الحميري. ولم يلبث خالد أن حشد ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانا معه، ثم سار إلى العراق على رأس عشرة آلاف قدم بهم، على ثمانية آلاف كانوا مع أمراء الجند المسلمين الذي سبقوه إليه، والمثنى في مقدمتهم. وكان أمر أبي بكر إلى خالد أن يبدأ بالأبلة١، ولكن الرواة يجمعون على أن أول غزاة بالعراق كانت في الحفير، بينما يختلفون في أمر الأبلة، هل كان فتحها في عهد أبي بكر أو على عهد عمر؟ وكان أمير منطقة الحفير من قبل فارس يدعى "هرمز"، ومن أسوأ أمراء الثغور معاملة للعرب، حتى ليضرب به المثل في الخبث والكفر، وكان يعتبر نفسه حامي البلاد؛ لصده هجمات العرب وغاراتهم في البر، وقراصنة الهنود في البحر. وقد سار خالد من اليمامة إلى العراق على رأس عشرة آلاف من الجند. وما إن بلغ حدود هرمز حتى ألفى المثنى وجنده في انتظاره، وحينئذ قسم الجند كله ثلاث فرق، وجه كل واحدة منها إلى طريق، على أن يلتقوا جميعًا بالحفير. وسارت الفرقة الأولى بقيادة المثنى، وتبعتها بعد يوم فرقة أخرى على رأسها عدي بن حاتم الطائي، وبعد يوم آخر سار خالد في المؤخَّرة، وكان خالد قد أرسل إنذارًا إلى هرمز الذي بلغه مع كتاب خالد أنباء جند المسلمين ومسيرهم فكتب إلى أردشير بالخبر، وجمع جموعه وسار إلى الكواظم ليلقى فيها خالدًا، ولكن أنباء أخيرة جاءته بأن خالدًا أمر أصحابه بالسير إلى الحفير، فأسرع بجنده إليها، ونزل على الماء فيها. وقدم خالد ليجد جنده على غير ماء، فيقرر معهم ضرورة مجالدتهم على الماء. وكان على مجنبتي هرمز أميران من بيت الملك في فارس، هما: "قباذ" و"أنوشجان"، وأدرك هرمز أنه لن يدرك غرضه إلا بقتل خالد، فناده وعهد إلى جماعة من فرسانه أن ينقضوا عليه فيقتلوه. وسمع خالد النداء، فمشى إلى هرمز والتقيا،
следующие страницы →