← Адаб

Адаб · id 10001

شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام

النعمان عبد المتعال القاضي

Полный текст (304 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

خاطره، وقبائل العرب في العراق من بني لخم وتغلب وإياد والنمر وبني شيبان تهوى نفوسهم إلى منابتهم في شبه الجزيرة، ولم تبعد أنسابهم بعد عن أنسابها. وبرغم أن أكثر هذه القبائل قد نعم بالحضر وترفه إلا أنها ظلت شديدة التعلق بالبادية تسكن مشارفها، وهي في هذا لا تستطيع مقاومة الوراثة البدوية المتغلغلة في نفوسها، التي تأبى الاستقرار والركون إلى حياة الحضر الوادعة، فسكنت على شفا الصحراء، بين البادية والحضر، لتجد في الحضر رزقها، وفي البادية ما يستهويها من الحرية والسحر والجمال. وتردد فيما جاءت به أنباء المثنى أن قبائل العرب التي استقرت بدلتا النهرين، الغنية بالزروع والفاكهة والطير والحيوان، مالت إلى الحضر والإقامة فعمل أبناؤها في زراعة الأرض، وأن دهاقين الفرس يستولون على غلاتها، فلا ينال أولئك العرب منها إلا القليل الذي يجود به الدهاقين عليهم، مما يجعلهم أدنى إلى الاستجابة لكل دعوة عربية. فمعاملة الدهاقين تعدهم للثورة بهم، وتمهد للمسلمين أن يستخدموهم أدوات لبث دعوتهم، وتأمين شبه الجزيرة من دسائس الفرس وعدوانهم. هذا فضلًا عن أن بطونا من ربيعة ومضر استقرت في سواد العراق والجزيرة، فصارت لهم هناك ديار ومراعٍ، ونزلوا على خفارة فارس١. وكذلك استقرت قبيلة تنوخ غربي نهر الفرات من الحدود الفارسية، حتى أنشأ لهم سابور الأول ملك الفرس إمارة الحيرة عام ٢٤٠م، وأمر عليها عمرو بن عدي؛ لتكون هذه الإمارة درعًا يكفي دولة فارس من وراءها من الروم والأعراب، ولكن هذه العلاقة الوطيدة بين العرب والفرس لم تمنع القبائل العربية من الإحساس بعصبيتها وتوحدها ضد الفرس في يوم ذي قار٢. فالعراق إذن لم يكن يومًا ما غريبًا عن عرب الجزيرة، بل كان دائمًا امتدادًا لمنازلهم، ودار هجرة لهم، يجتذبهم إليه بخصبه واستقرار الحياة فيه، ويجوسون خلاله في معاناة التجارة وخفارتها، ويجدون في رحيلهم إلى الشرق والغرب فرصة مواتية للاختلاط بسكان هذه المناطق، اختلاطًا يتعدى الناحية الاقتصادية إلى التأثير والتأثر، وتعميق المعرفة بأحوالهم وبظروف حياتهم، وكان في أسواق العرب مجال لاختلاط التجار العرب

стр. 37

والفرس، وبخاصة في دومة الجندل على أطراف العراق وشبه الجزيرة، وعلى امتداد خط القوافل بمحاذاة الخليج الفارسي. وكان التجار الأعاجم يقدمون إلى مكة -قبل أن يلي هاشم شئون التجارة- فيشتري منهم العرب، ويتبايعون فيما بينهم ويبيعون من حولهم. ثم أخذ العرب بعد ذلك يقتحمون العراق وفارس بتجارتهم؛ إذ اختص نوفل بن هاشم بالتجارة مع فارس وعقد معها حلفًا ومعاهدة تجارية فيما يقال١. وليس أدل على قوة هذه الصلات من أن سكان الحيرة والأنبار كانوا يكتبون اللغة العربية، فقد وجد خالد بن الوليد بعد فتح الأنبار قومًا يكتبون بها فسألهم: ممن تعلمتم؟ فقالوا: من إياد، وأنشدوه: قومي إياد لو أنهم أمم ... أولو أقاموا فتهزل النعم قوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعًا والخط والقلم٢ وكذلك وجد قوم من العرب كانوا يجيدون اللغة الفارسية إجادة مكنتهم من الاشتغال لدى ملوك الفرس بالكتابة والترجمة، من مثل عدي بن زيد التميمي، الذي كان يكتب لكسرى أنوشروان ويترجم له. وخلفه في عمله ابنه زيد٣. وكانت وفادات العرب على ملوك الفرس لا تنقطع، وفي كل مرة كان العرب يعودون وقد حملوا معهم إلى موطنهم ألوانًا من المعرفة والحضارة، كما فعل الحارث بن كلدة من وفوده على كسرى أنوشروان، وابنه النضر بن الحارث الذي تعلم في فارس صناعة الألحان والطب، وكان يجلس ليتحدى الرسول ﷺ بأحاديثه من ملوك فارس٤. ومثل: عبد الله بن جدعان الذي وفد على كسرى فاستطاب من أطعمة فارس الفالوذج، فابتاع غلامًا أعجميًّا يصنعه له٥.

стр. 38

ولا يزال التاريخ يحفظ وفادات الشعراء العرب على أمراء الحيرة العرب، التي استمرت طوال مدة حكمهم. فقد وفد عليهم: طرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، والنابغة الذبياني؛ إذ كان هؤلاء الأمراء يعنون باللغة والأدب، ويحبون الشعر والشعراء، ويهتمون بجمع الأشعار وتسجيلها وحفظها في قصورهم١. هذا، وقد شاع في الأدب العربي، وفي الحياة العقلية للعرب بعامة كثير من آثار العراق وفارس، سقطت إلى العرب عن طريق الحيرة؛ كأحاديث جذيمة بن الأبرش، وأساطير الزباء، والخورنق والسدير، وسنمار وجزائه، ويومي البؤس والنعيم اللذين استنهما النعمان بن المنذر٢، هذا فضلًا عما سقط إلى اللغة العربية من ألفاظ فارسية تجلت في استخدام القرآن الكريم لها. هذه الصلات الوثيقة وما يعززها من قرابة الدم والجوار واللغة، وتلك العلاقات العقلية والحضارية والسياسية كانت كفيلة كلها بتوجيه أنظار المسلمين إلى العراق. ولم يكن خافيًا على أبي بكر ما وصلت إليه فارس صاحبة السلطان في العراق من اضطرابات داخلية، ضربت بجرانها في البلاط الفارسي؛ إذ يسعى كل أمير ليقتل الجالس على العرش ليأخذ مكانه، حتى ليدعي هذا العرش في أربع سنوات تسعة من الأمراء كانوا يقتتلون عليه، يقتل بعضهم بعضًا جهرًا وغيلة. وقد بدأ هذا الاضطراب في عهد كسرى أبرويز، الذي أرسل إليه الرسول ﷺ يدعوه إلى الإسلام، فكان جوابه أن كتب إلى عامله في اليمن بأن يرسل إليه ذلك الراعي ليرى رأيه فيه. وحدث أن ثار عليه ابنه شيرويه فقتله واستلب العرش، ولكنه لم يتمتع بالملك طويلًا فمات بعد قليل، تاركًا العرش لابنه الصغير، الذي ثار به أحد القواد فقتله ونصب نفسه ملكًا، واستهدف هذا الملك لثورة الأسرة المالكة به، فقتل بعد أربعين يومًا من ثورته. حتى آل الأمر إلى بوران بنة كسرى أبرويز، وكان ذلك في آخر حياة الرسول ﷺ . لمح المسلمون في كل هذه الظروف المواتية فرصتهم وبشير سعودهم، وقد ارتفعت معنوياتهم بإعادة الأمور إلى نصابها، والظفر بأهل الردة، وبفرض كلمة الحق بالسلطان

стр. 39

الصارم، فراحوا يستشرفون مثل هذه الغاية التي أعدوا لها أنفسهم منذ أن كان فيهم رسول الله ﷺ ، وهذه فرصة ثمينة، يجب أن تكون خطوة لما بعدها. ولئن حالف المسلمين النجاح في هذا الخطوة لتكونن البشير لخطوات واسعة، فبقاع العراق الخصبة، التي أطلق عليها "جنة الأرض" تموج بكثرة غلالها ووفرة خيراتها وجمالها، وقد رأى أبو بكر صدق ما يذكره المثنى، ورأى أن من الواجب على المسلمين أن يقوموا بتأمين العرب من أهلها، فإذا استجاب هؤلاء العرب من بعد للدعوة الإسلامية، ولم يصرفهم الفرس عنها فذاك، وإلا قاتل المسلمون الفرس؛ ليكون المجال فسيحًا أمام كلمة الحق التي ستنتصر لا محالة. ويجمع أبو بكر ولاة أمر المسلمين وأولي الرأي منهم؛ للتداول في عناصر نجاح تدبيره. وما أن ينتهي حتى يخطو الخطوة الأولى في فتح العراق، فيأمر المثنى بن حارثة الشيباني بأن يسير بمن معه من قومه لقتال أهل فارس. ولما بلغته أخبار انتصاراته بدلتا النهرين رأى أن يمده، فكتب إلى خالد بن الوليد في المحرم من سنة ١٢هـ يأمره أن يجمع بقية جنده ويمضي إلى العراق فيدخله من أسفله، وأمر عياض بن غنم أن يسير إلى دومة الجندل ليخضع أهلها المرتدين، ثم يدخل العراق من أعلى، متجهًا شرقًا إلى الحيرة، فإن بلغها قبل خالد فالأمر فيها له، وخالد فيها من قواده، وإن سبقه خالد إليها فالأمر والقيادة له، وعياض من قواده. فإذا اجتمعتما في الحيرة وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يُؤتَى المسلمون من خلفهم فليكن أحدكم ردءًا للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم المدائن١. وهكذا تهدف الخطة التي وضعها أبو بكر مباشرة إلى الحيرة، ومنها إلى المدائن. وعلى هذا يمكننا أن نجعل الفتوح الشرقية مراحل ثلاث؛ أولاها: ما قبل الحيرة، والثانية: تشمل ما بين الحيرة والمدائن، والثالثة: تشمل ما بعد المدائن. المرحلة الأولى: كانت وصية أبي بكر لأمرائه أن يتجهوا إلى الحيرة، على ألا ينالوا العرب الفلاحين بسوء، فهم عرب، فضلًا عما يشعرون به من ظلم الفرس الذي يجب أن يزول حين مقدم العرب؛ ليعمهم العدل على أيدي بني عمومتهم.

стр. 40

وكان جنود خالد قد قل عددهم بعد قتال اليمامة، وتسريح من شاء الرجوع بإذن الخليفة، حتى لا يستفتح بمتكاره، وألا يكون معه في الغزو أحد ممن ارتد حتى يرى الخليفة رأيه فيه؛ ولهذا استمد خالد أبا بكر، فأمده بالقعقاع بن عمرو التميمي، فلا يهزم جيش فيه مثله، كذلك أمد عياضًا بعبد بن عوف الحميري. ولم يلبث خالد أن حشد ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانا معه، ثم سار إلى العراق على رأس عشرة آلاف قدم بهم، على ثمانية آلاف كانوا مع أمراء الجند المسلمين الذي سبقوه إليه، والمثنى في مقدمتهم. وكان أمر أبي بكر إلى خالد أن يبدأ بالأبلة١، ولكن الرواة يجمعون على أن أول غزاة بالعراق كانت في الحفير، بينما يختلفون في أمر الأبلة، هل كان فتحها في عهد أبي بكر أو على عهد عمر؟ وكان أمير منطقة الحفير من قبل فارس يدعى "هرمز"، ومن أسوأ أمراء الثغور معاملة للعرب، حتى ليضرب به المثل في الخبث والكفر، وكان يعتبر نفسه حامي البلاد؛ لصده هجمات العرب وغاراتهم في البر، وقراصنة الهنود في البحر. وقد سار خالد من اليمامة إلى العراق على رأس عشرة آلاف من الجند. وما إن بلغ حدود هرمز حتى ألفى المثنى وجنده في انتظاره، وحينئذ قسم الجند كله ثلاث فرق، وجه كل واحدة منها إلى طريق، على أن يلتقوا جميعًا بالحفير. وسارت الفرقة الأولى بقيادة المثنى، وتبعتها بعد يوم فرقة أخرى على رأسها عدي بن حاتم الطائي، وبعد يوم آخر سار خالد في المؤخَّرة، وكان خالد قد أرسل إنذارًا إلى هرمز الذي بلغه مع كتاب خالد أنباء جند المسلمين ومسيرهم فكتب إلى أردشير بالخبر، وجمع جموعه وسار إلى الكواظم ليلقى فيها خالدًا، ولكن أنباء أخيرة جاءته بأن خالدًا أمر أصحابه بالسير إلى الحفير، فأسرع بجنده إليها، ونزل على الماء فيها. وقدم خالد ليجد جنده على غير ماء، فيقرر معهم ضرورة مجالدتهم على الماء. وكان على مجنبتي هرمز أميران من بيت الملك في فارس، هما: "قباذ" و"أنوشجان"، وأدرك هرمز أنه لن يدرك غرضه إلا بقتل خالد، فناده وعهد إلى جماعة من فرسانه أن ينقضوا عليه فيقتلوه. وسمع خالد النداء، فمشى إلى هرمز والتقيا،

стр. 41

فاغتنمها فرسان هرمز، وشدوا يريدون قتل خالد واستخلاص قائدهم من يده، لكن القعقاع بن عمرو لم يمهلهم، فشد المسلمون وانهزم أهل فارس، وطارد المسلمون الفرس إلى الليل، حتى بلغوا الجسر الأعظم من الفرات، وطار المثنى في أثرهم يلاحقهم١. وكان لهذه الغزوة الأولى أثر عظيم، ألهب حمية المسلمين، فقد قتل هرمز بين يدي خالد، وغنم المسلمون ما شاء الله لهم أن يغنموا، حتى بلغ نفل الفارس ألف درهم خلا السلاح. وزاد نصر المسلمين جلالًا تنفيذ خالد للسياسة التي رسمها أبو بكر مع العرب الفلاحين بالعراق، فسبى المسلمون أبناء المقاتلة الذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم، أما الفلاحون فتركوا وأقروا، وجعلت لهم الذمة. وما لبث أردشير بعد أن تسلم رسالة هرمز أن دعا إليه أحد الأمراء الفارسيين المسمى قارن بن قريانس، وجعله على رأس قوة عظيمة سارت مددًا لجيش الثغور، وانضم إليها قباذ وأنوشجان على رأس فلول المنهزمين وعسكروا بالمذار، وعلم المثنى في عودته من مطاردة الفالة بأمر هذا الحشد، وخشي أن يقابله دون خالد، فكاتبه بتفصيل ما عنده وأنزل جنده منزلًا قريبًا من المذار، وطار خالد بجيشه فبلغ المذار وقارن يعد للقاء المثنى. وأخاف قدوم خالد الفرس الموتورين، وإن لم يضعف عزمهم، وخيل إلى قارن أنهم إن هاجموا خالدًا قبل أن يتخذ للموقف عدته لم يفتهم الظفر بالمسلمين وردهم إلى ديارهم. ولكن خالدًا كان على أهبة الاستعداد، فشد عليهم. ورأى المثنى في قدوم خالد معجزة أمد الله بها المسلمين فانقلب جنده من الخوف إلى اليقين بالنصر أسودًا كاسرة، والتحم الجمعان فإذا بقارن وقباذ وأنوشجان يُذبَحون بأعين جنودهم، وسيوف المسلمين تطيح برءوس الفرس من كل جانب، فيفرون إلى السفن يتخذونها مطاياهم للنجاة٢. وقد أخذ الفرس تحت وطأة الهزيمة يحشدون عرب الضاحية والدهاقين لمعركة يثأرون فيها، وفي الولجة أوقع بهم خالد، وكانت الإصابة في بكر بن وائل فادحة٣.

стр. 42

ورأى العرب من نصارى بكر بن وائل أن يثأروا لهزيمتهم، فكاتبوا الفرس واجتمعوا على أليس، ولكن خالدًا تمكن منهم، وقتل من العرب والفرس سبعين ألفًا١. واستمر خالد في طريقه إلى أمغيشيا؛ لأن أليس من مسالحها، فخربها وفرق أهلها٢. ثم استقل خالد النهر، متخذًا من سفن أمغيشيا التي غنمها المسلمون مطية إلى مرزبان الحيرة، الذي نهض في عسكره إلى خارج الحيرة، وأمر ابنه فسد قناطر الفرات؛ ليحول دون مسيل الماء فيما وراءها، فيعوق ذلك مسير السفن إليهم. وبينما خالد وجنده يدفعون بسفنهم شمالًا إلى الحيرة إذ جنحت السفن وارتطمت بقاع النهر، فخرج خالد في كتيبة من فرسانه، فلقي ابن المرزبان على فم العقيق، وقتلوه في جنده شر قتلة، وأعاد خالد الماء يجري في النهر، فعادت المياه تقل السفن إلى الخورنق، حيث نزل المسلمون يستعدون لفتح الحيرة٣. وكان أهل الحيرة متحصنين بقصورهم، فحاصرهم خالد، بأن جعل أصحابه يحاصر كل منهم قصرًا، ثم دعوهم وأجلوهم يومًا فأبوا، فناوشهم المسلمون، وانتهت المناوشة باستجابتهم إلى الجزية وعقد الصلح٤. وما إن سقطت الحيرة حتى أخذ الدهاقين يتتابعون على صلح المسلمين؛ إذ كانوا يترقبون ما يصنع أهل الحيرة. وبذلك بلغ سلطان المسلمين شاطئ دجلة، وأصبحوا مهددين له، ومن ثم أخذ خالد يكتب إلى أمراء فارس ومرازبتهم يدعوهم وينذرهم ويتوعدهم. وبينما ينهى خالد ما نيط به من خطة أبي بكر بدخوله الحيرة لا نسمع شيئًا عن شريكه عياض، الذي يدفع بخالد إلى إرجاء المرحلة الثانية من الخطة حتى يستنقذه، فيخلف القعقاع بن عمرو على الحيرة في طريقه إلى الأنبار، وكان أهلها قد تحصنوا وخندقوا وأشرفوا من حصونهم، فأمر خالد بأن ترشق عيونهم، فأصاب منهم المسلمون ألف عين؛ ولهذا فقد سميت تلك الوقعة بذات العيون٥. وأفلح خالد في أن يسد الخندق بالمناحر، واجتازه المسلمون، وفضوا الحصون، وأعملوا في سكانها السيوف، ثم

стр. 43

خلف عليها الزبرقان بن بدر. وانطلق بعد أن صالحه أهل كلواذى يريد عين التمر؛ حيث اجتمع على حربه فيها جمع كبير من الفرس والعرب من النمر وتغلب وإياد، جعلهم الفرس في مواجهة المسلمين، حتى يقاتلوا وهم أقوياء، إذا لم يثبت العرب أمام المسلمين، ولم يثبت العرب أمام المسلمين، فقتل عقة بن أبي عقة زعيم العرب، وفر مهران قائد الفرس، وتمكن خالد من اقتحام الحصن الذي فر إليه الفرس وقتلهم فيه جميعًا١. بعث خالد بالأخماس إلى أبي بكر مع الوليد بن عقبة، واستطاع أبو بكر أن يقف منه على سأم خالد من بقائه بالحيرة، وضيقه بانتظار عياض، وكان أبو بكر يرى موقف عياض مضعفًا لروح المسلمين، فأمر الوليد أن يتجه لعياض بدومة الجندل، وألفى الوليد عياضًا يحاصر القوم ويحاصرونه، وقد أخذوا عليه الطريق، فأشار الوليد بالاستنجاد بخالد، وما كان لعياض أن يتردد وقد بقي سنة لا يقوى على خصومه، فبعث رسولًا إلى خالد أدركه يوم فراغه من عين التمر. وما كاد خالد يفض كتاب عياض حتى تهلل، ورد الرسول لساعته يحمل كتابًا إلى عياض فيه: إياك أريد: البث قليلًا تأتك الحلائب ... يحملن آسادا عليها القاشب كتائب تتبعها كتائب وخلف خالد على عين التمر عويم بن الكاهل الأسلمي، وخرج يحث السير في جنده إلى دومة الجندل، وبينه وبينها ثلاثمائة ميل، وقطعها في أقل من عشرة أيام بعزم لا يعرف الخطر. وما إن تسامعت القبائل بمقدمه حتى بهتت واختلفت. وكانت القبائل المعسكرة بدومة الجندل قد تضاعف عددها عما كان عليه منذ عام؛ ذلك أن بني كلب وبهراء وغسان نفروا من العراق منحدرين إلى دومة الجندل ليثأروا من عياض لهزائمهم أمام خالد. وكان على هذه القبائل أكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، وكان من رأي أكيدر الصلح، فلما لم يتسن له حمل قومه عليه تركهم نجاة بنفسه، فأرسل خالد إليه من

стр. 44

أتى به وقتله. ونزل خالد عليهم فأظفر الله المسلمين، بعد أن أسروا رؤساء القوم، وقتلوا من التجأ إلى الحصن، عدا حلفاء تميم من كلب، فقد أجارهم عاصم بن عمرو١. وكان لعرب الجزيرة أن يثأروا لمقتل عقة، ولهزيمة عين التمر، فكاتبوا الفرس فخرج روزمهر وروزبه يريدان الأنبار، واتعدا حصيدًا والخنافس، وفي نفس الوقت خرج الهذيل بن عمران فعسكر بالمصيخ، بينما عسكر ربيعة بن بجير بالثني، وعلم الزبرقان بن بدر أمير الأنبار بأمر هذا الترتيب الحربي، فكاتب القعقاع أمير الحيرة الذي بعث إليه بأعبد بن فدكي السعدي، وأمره بالحصيد، وبعروة بن الجعد البارقي، وأمره بالخنافس، فخرجا فحالا بين روزمهر وروزبه ومقصديهما. وبلغت الأنباء خالدًا فحث السير إلى الحيرة؛ حيث خلف عليها عياضًا، ورمى بالقعقاع وأبي ليلى بن فدكي أمامه إلى عين التمر، فلما وافاهما وجه القعقاع إلى الحصيد وأبا ليلى إلى الخنافس؛ ليعطي القوم فرصة للتجمع حتى يقاتلهم مرة واحدة مجتمعين٢. وسار القعقاع إلى الحصيد وعليه روزيه، فاستغاث هذا بروزمهر فأغاثه بنفسه، والتقى المسلمون بالفرس في الحصيد، فقتلهم الله شر قِتْلَة، وقتل القعقاع روزمهر، وقتل عبد الله الضبي روزبه. وسار أبو ليلى إلى الخنافس وعليها المهبوذان فانهزم أمام المسلمين دون قتال، وفر جنده إلى المصيخ، يلتحقون بمن فيها من العرب. وعقد خالد اجتماعًا لقواده، واتفقوا على اللقاء بالمصيخ في ساعة بعينها، توافوا إليها من ثلاث جهات، فبيتوا الهذيل ومن معه، وملئوا الفضاء بجثث القتلى. ورأى خالد أن يبغت تغلب في دارها، فتقدم إلى قائديه القعقاع وأبي ليلى بأن يرتحلا أمامه، وواعدهما الغارة على تغلب في ليلة بعينها، واجتمع القواد الثلاثة من ثلاثة أوجه، فلم يكد يفلت من جيش بني تغلب أحد. وذاعت أنباء خالد وفعاله بالقبائل وعجزها عن مقاومته، ففت ذلك في أعضاد رجال البادية بالعراق، فألقوا سلاحهم وطلبوا الأمان. وجعل خالد يسير على شاطئ الفرات فيما حوله فلا يلقى إلا الإذعان، حتى بلغ الفراض، وهي تخوم العراق والشام،

стр. 45

فوجد الروم في مواجهته، ليس بينه وبينهم غير مجرى الفرات. وقد أغاظ الروم أن يقيم جيش المسلمين في مواجهتهم، وأن يطيل المقام غير عابئ بهم، ولا بكتائب الفرس القريبة، ولا بأهل البادية من تغلب والنمر وإياد المنتشرين حولهم في كل مكان. ولم يلبث هؤلاء وأولئك أن انضموا إلى الروم وحرضوهم وأمدوهم، فسار خالد حتى إذا لم يبقَ بينه وبينهم غير الماء بعثوا إليه يخبرونه بين أن يعبروا إليه أو أن يعبر إليهم، فاختار عبورهم. وفيما يعبرون صف خالد صفوفه ودبر خطته، والتقى الجمعان، وأبلى المسلمون بلاء لم يعهده أعداؤهم، فلم يثبتوا لهم، وانكشفوا وأدبروا، والمسلمون من ورائهم يمعنون في قتلهم، حتى بلغ من قتل في هذه الواقعة مائة ألف من أعداء المسلمين١. أقام خالد عشرة أيام بعد وقعة الفراض، ثم أذن في الناس بالرجوع إلى الحيرة، لخمس بقين من ذي القعدة من السنة الثانية عشرة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بالمسلمين، وأظهر أنه بالساقة، وفي نفس الوقت أمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم. ومن ثم مضى هو إلى الحج -لا يعلم أحد بذلك- في طريق غير مطروقة، متعسفًا البلاد، ومتسمتًا مكة٢. وما إن قضى نسكه حتى سارع إلى جنده فأدركهم في دخولهم الحيرة، فالتحق بالساقة كأن لم يكن شيء. وقد اعتبر أبو بكر هذا العمل -حينما علم به بعد ذلك- زهوًا من خالد بنفسه واغترارًا. وحدث أن مست الحاجة إلى رمي الروم بمثل ما رمى به الفرس، فتلقى خالد بالحيرة كتابًا من أبي بكر يأمره بأن يسير حتى يأتي جموع المسلمين باليرموك، فقد شجوا وأشجوا، على ألا يعود لمثل ما فعل، وألا يدخله عُجْب، وألا يدل بعمل. على أن يستخلف المثنى على العراق في نصف الناس، وأن يأخذ معه النصف، "فإذا فتح الله عليكم فارددهم إلى العراق وأنت معهم، ثم أنت على عملك"٣. المرحلة الثانية: انتهت المرحلة الأولى من الفتوح الشرقية باستنقاذ عياض واستقامة العراق للمسلمين أسفله وأعلاه. وبدأت المرحلة الثانية بنفس البداية، فالمثنى وحده في العراق بعد أن صدع

стр. 46

خالد بأمر أبي بكر، وتوجه في نصف جيش العراق إلى اليرموك. ولم يكد المثنى يعود من وداع خالد إلى تخوم الصحراء حتى بدأ ينظم الدفاع عن البلاد التي فتحها المسلمون. فلا ريب أن الفرس سيتحرشون به متى علموا بسفر خالد، ولا ريب كذلك فيما سيتكشف عنه حقد القبائل العربية التي لم يصلحها إلا بطش خالد، ولكنه أحفظها كذلك، فباتت تترقب الثورة بالمسلمين. وقد شعر خالد قبل توجهه إلى الشام بدقة الموقف، فبعث بالنساء والصبيان والضعفاء إلى المدينة. ووجد المثنى نفسه في حالة لا يُحسد عليها، فهو رائد الفتح في هذا الميدان وطليعته، وليس من الهين على نفسه أن يهزم فيه، وزاد الموقف صعوبة أن الفرس استقام أمرهم على شهر براز بن أردشير، الذي أراد إرهاب المثنى، فوجه إليه جندًا كثيفًا، بقيادة هرمز جاذويه، وفي مقدمة جيشه فيل كبير. ولم ينتظر المثنى أن يقدم عليه الفرس في الحيرة، متخطين المناطق التي حازها المسلمون، فخرج إليهم في جنده، وسار حتى بلغ أطلال بابل، وعلى مقدمتيه أخواه المعنى ومسعود، فعسكروا على مرتفع يبعد خمسين ميلا من المدائن. والتقى الجمعان، وكانت معركة رهيبة، ابتلي فيها المسلمون بالفيل الذي عانى منه الجند والخيل، حتى دل المثنى على مقاتله فقتله، وهاجموا الفرس فهزموهم شر هزيمة واحتلوا معاقلهم، وتعقبوا فلولهم إلى أبواب المدائن١. ونزلت الهزيمة على شهر براز نزول الصاعقة، فحم ومات. وعاد الاضطراب إلى البلاط الفارسي من جديد، فاطمأن المثنى قليلًا، ولكنه حسب حساب الغد حينما تنتهي هذه الخلافات، ولا بد له أن يكون مستعدًّا للقائهم لقاء حاسمًا. والخليفة لا يمكن أن يمده وجيوشه موزعة في الشام والعراق، ولو كان في الإمكان إمداده لما فصل خالد بنصف جيش العراق، ولكنه كتب إلى الخليفة يستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبته من أهل الردة. وفي انتظار رد الخليفة أقام يدبر خطته ويحكم تدبيره، وأبطأ رد الخليفة، ولم يرَ المثنى بُدًّا من الانسحاب إلى أدنى أرض العراق من حدود البادية؛ حيث خلف على المسلمين بشير بن الخصاصية، وذهب بنفسه إلى المدينة ليرى رأيه مع الخليفة. وفي المدينة ألفى المثنى أبا بكر مريضًا مرضًا يشفي على الموت، ولكنه استقبله، واستدعى عمر بن الخطاب فأوصاه أن يندب الناس مع المثنى، لا يشغله مصيبة وإن عظمت عن وصيته.

стр. 47

ويقضي الخليفة الأول في الحادي والعشرين من جُمَادَى الآخرة سنة ١٣هـ بعد إصدار أمره بندب المسلمين مع المثنى، لاستكمال المرحلة الثانية من الخطة التي رسمها. ولم يضيع الخليفة الثاني وقتًا، فأخذ يندب الناس باذلًا في ذلك جهده، حتى بلغ له من أهل المدينة ومن كان قد ارتد حشد كبير، أمر عليه أول منتدب -أبا عبيد عمر بن مسعود الثقفي- وعجل المثنى، فسبق أبا عبيد، ووصل إلى الميدان بعد عشر ليال؛ ليلحق به أبو عبيد بعد شهر من وصوله. ولا يكاد المثنى يستقر بين جنده حتى يسأل عما آل إليه أمر البلاد الفارسي فيبلغه أن الفرس ولوا ابنة كسرى عليهم ثم خلعوها، وخلفها سابور بن شهريران، الذي تآمرت عليه ابنة عمه آزرميدخت، فقتل وقتل وزيره الفرخزاد، وجلست على عرش فارس. لكن القائد رستم بن الفرخزاد انتقم لأبيه، فألحق الهزيمة بجيوش الملكة وحاصر قصرها. وأقام بوران ابنة كسرى على عرش البلاد، فأطلقت يده في أمور الدولة وجعلته على الجند، وأمرت أهل لفارس أن يسمعوا له ويطيعوا. وبلغ أبو عبيد العراق، فوجد المثنى قد انسحب إلى "خفان" على حدود البادية؛ لأن رستم أوعز إلى الدهاقين بالسواد أن يثوروا بالمسلمين، ودس في كل رستاق رجلًا يثير أهله، ثم أرسل جندًا لمصادمة المثنى، الذي آثر الحذر وانسحب من الحيرة، حتى لا يُؤتَى من خلفه، وفي "خفان" وافاه أبو عبيد، وأقاما يدبران خطة لملاقاة الفرس. وكان رستم قد عهد إلى جابان -أحد قواده- أن يتجه على رأس جيش عظيم إلى الحيرة، كما عهد إلى قائد آخر هو نرسى أن يتجه إلى كسكر. وخرج المسلمون بعد أن جمعوا في "خفان"، فالتقوا بهم عند النمارق، واقتتلوا قتالًا شديدًا، أظفر الله فيه المسلمين، فأسروا جابان ومرادا نشاه١. وما إن علم رستم بهزيمة جابان حتى أمر الجالينوس بأن يسير إلى المسلمين فيلحق بنرسى في كسكر، ولكن أبا عبيد كان أسرع منه، فحث بجنده السير لمواجهة نرسى، الذي انحاز إليه فل النمارق. والتقى المسلمون بالفرس في مكان يُدعى بالسقاطية على مقربة من كسكر قبل أن يصل الجالينوس. ولم يثبت نرسى أكثر مما ثبت جابان، ففر في

стр. 48

جنده تاركًا لهم مغانم كثيرة. وأقام أبو عبيد بكسكر، بينما سرح المثنى وغيره من القواد يغيرون على النواحي القريبة، فاحتلوا سواد العراق -أسفله وأعلاه- وأذاعوا الرعب في القوم، معيدين إلى ذاكرتهم أيام خالد بن الوليد. فما لبث الدهاقين حتى جاءوا أبا عبيد يصالحونه، ويعتذرون عن ممالأة الفرس، وأن ذلك كان بإكراههم. ولما تم الصلح معهم جاءوه ببعض الهدايا١، ونهد أبو عبيد للجالينوس الذي كان تحول إلى باقسياثا فهزمه وألجأه إلى الفرار٢. وتبلغ الهزيمة رستم، فيجهز جيشًا عليه بهمن جاذويه، ويبعث بالجالينوس والفيلة وراية فارس الكبرى "درفش كابيان" في جيش لم يعرفه المسلمون من قبل، وتراجع أبو عبيد بجنده إلى قرية قس الناطف، بعد أن عبر النهر إليها وتحصن بها ينتظر عدوه. وأقبل بهمن يفصل بينه وبين المسلمين النهر، وبعث يخير أبا عبيد في أن يعبر إليهم أو يعبروا إليه وأشار أصحاب أبي عبيد عليه بألا يعبر، وأن يدع الفرس يعبرون، لكنه أخذته العزة فقال: والله لا يكونون أجرأ منا على الموت، بل نعبر نحن إليهم. وعبر. فعبر المسلمون واقتتلوا على الجسر، فأصيب من الفرس ستة آلاف قتيل وغريق، ولم يبقَ لهم إلا الهزيمة، برغم هول الفيلة وخيبة الخيل بإزائها، وحدث أن أبا عبيد كان يعالج فيلًا فخبطه وأصابه، فتضعضع المسلمون لإصابة قائدهم، وركب الفرس أكتافهم، فبادر رجل من ثقيف إلى قطع الجسر؛ ظنًّا منه أنه بذلك يمنع الفرس عن المسلمين فكانت الطامة؛ إذ أخذت السيوف المسلمين من كل ناحية، فتهافتوا في الفرات، واستطاع المثنى في حماية نفر من المسلمين أن يعقد الجسر، وعبر المسلمون إلى المروحة عائدين إلى مكانهم. وأصيب المثنى بجراح وهو يعقد الجسر. وفر ألفان من المسلمين وقتل أربعة آلاف منهم. وبقي المثنى في ثلاثة آلاف فحسب٣. وكانت هزيمة الجسر. هذه أول هزيمة صادفها المسلمون؛ ولهذا كان أثرها في المسلمين أليمًا وعنيفًا، حتى ليتجاوز ميدان المعركة إلى المسلمين في المدينة؛ حيث لجأ الفارون. ورأى عمر بثاقب رأيه

стр. 49

أن يحتضنهم، وأن يعتبرهم متحفزين لقتال؛ ليداري افتضاحهم في ثباتهم ورجولتهم فيقول: أنا فئة كل مسلم١. انحدر المثنى بجنده جريحًا إلى أليس، فقد خشي أن يتعقبه بهمن واضعًا في تقديره قوة عدوه وقوته، وصح ما توقعه المثنى، فقد تجهز بهمن لتعقبه، إلا أن الأنباء واتته بتجدد الاضطرابات في المدائن، واختلاف الفرس فرقتين، إحداهما مع رستم والأخرى مع الفيروزان. فعاد بهمن إلى العاصمة، وخلف من ورائه جابان ومردانشاه في كتيبة من الجند، فسارا يتعقبان المثنى، فخرج إليهما وأسرهما وأصحابهما، وضرب أعناقهم جميعًا. فقد خدعا أبا عبيد يوم أسرا بالنمارق، وعاد إلى حرب المسلمين. وفي هذا الوقت كان عمر في المدينة يحشد أمدادًا من بجيلة وضبة. وممن ظهرت توبتهم من أهل الردة. وأدرك المثنى أن هذه الإمدادات تحتاج إلى وقت طويل حتى تصل إليه، وسرعان ما تنتهي الاضطرابات في العاصمة حتى يعود الجند تتقدمهم الفيلة، فبعث إلى من يليه من قبائل العرب فتوافوا إليه في جمع عظيم، بينهم نصارى بني النمر، ونقل عسكره من أليس إلى مرج السباخ بين القادسية وخفان ليكون على تخوم العرب يلجأ إليهم عند الحاجة. وكان عمر يتصور حال المثنى وموقفه الدقيق، فضاعف جهده في ندب الناس المتثاقلين، بعدما رأوا فالة الجسر وفرارهم، فاستصلح عمر جرير بن عبد الله البجلي في جمع من بجيلة، وحذا الناس حذو بجيلة، فانضم إليهم من فر يوم الجسر وكثير من الأزد، وبني كنانة، وخلق كثير من مختلف القبائل، وتحمل الناس ومعهم نساؤهم وساروا يريدون المثنى. وانتهى الخلاف بين رستم والفيروزان، وهالتهما أنباء الأمداد التي تسير تباعًا إلى العراق، فجمعا جندًا عظيمًا، جعلا عليه مهران الهمذاني. وسار مهران في جنده تتقدمه الفيلة، وفي خاطره أن يحرز نصرًا يُنسي الناس انتصار بهمن يوم الجسر. وقد علم المثنى بمسيره، فسار إلى البويب مكان الكوفة الحالية بعد أن كتب إلى أمراء الأمداد بموافاته فيها. وسار مهران حتى وقف قبالة جيش المسلمين، لا يفصل بينهما غير النهر. وأرسل يخير المسلمين في العبور، ولم يكن المثنى قد نسي ما حدث لأبي عبيد. فعبر الفرس إلى البويب، وتعبئوا في صفوف ثلاثة على كل فيل. ولم يكد المسلمون يمسعون التكبيرة

стр. 50

الأولى حتى أعجلهم الفرس فشدوا عليهم، فاختلت صفوفهم؛ ولكنهم عادوا فشدوا، وترجحت المعركة حامية الوطيس حتى حمل المثنى على قائد الفرس فأزاله عن مكانه، ودخل في ميمنته. ورأى الفرس ما حدث فاندفعوا يحمون قائدهم، وتقهقر القلب تحت ضربات المسلمين إلى النهر يريدون العبور، فسبقهم المثنى والمسلمون فردوهم عنه. فازداد اضطرابهم بعد أن حصروا فقتلوا شر قتلة، حتى لقد سُمي يوم البويب بيوم الأعشار؛ لأنهم أحصوا مائة رجل من المسلمين قتل كل منهم عشرة من الفرس، وأمعن المسلمون يتعقبون الفالة إلى الليل، وأحصوا القتلى مائة ألف من الفرس، تلوح عظامهم تلولًا١. انتصر المسلمون انتصارًا مبينًا، تطهروا فيه من عار هزيمتهم يوم الجسر، وإن كانوا فقدوا عددًا كبيرًا بين جريح وقتيل. ولم يضيع المثنى وقتًا، فأمر قواده فانطلقوا في السواد حتى بلغوا ساباط على مرأى من المدائن وجيوش الفرس تفر أمامهم فرار النعام. وانطلق هو فغزا الخنافس والأنبار أيام سوقهما فنال منهما غنمًا كثيرًا. فبلغ المسلمون دجلة وأغاروا على قرية بغداد. وبلغوا تكريت يقتلون المقاتلة، ويسبون الذرية ويستاقون الأموال. ودان بهذه الغزوة العراق لسلطان المسلمين كرة أخرى٢. وتدبر الفرس موقفهم. فما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن، والخلافات عادت جذعة بين رستم والفيروزان، حتى ضج الفرس منهما، وأنذروهما إن لم يجتمعا على حرب المسلمين. وقد استجابا وتشاورا على تنصيب يزد جرد بن شهريار، واجتمع الفرس عليه وتباروا في معونته، وأعدوا العدة للثأر. وعلم المثنى بذلك، فكاتب الخليفة الذي أبطأ رده، فلم يرَ المثنى بُدًّا من أن ينسحب كرة أخرى إلى تخوم شبه الجزيرة، فنزل بذي قار ينتظر مدد الخليفة. وفي نفس الوقت بدأ يزدجرد حركة عامة للحشد، استعدادًا لمعركة فاصلة فسمي جند الأماكن التي سيطر عليها المسلمون، فثارت هذه الأماكن وكفر أهل السواد، في الوقت الذي خرجت فيه الزحوف من المدائن، واهتزت، الأرض بالمسلمين، وجاءهم أمر الخليفة بأن يتفرق المسلمون بين المياه التي تلي الأعاجم على حدود أرضهم مسالح..

стр. 51

مسالح، يغيث بعضهم بعضًا، وكان قد كتب إلى عماله بألا يدعوا فارسًا أو ذا نجدة أو سلاح أو رأي إلا اجتلبوه. وما كاد يعود من الحج حتى وافاه الجند من كل صوب، وخرج فيهم إلى صرار في المحرم سنة ١٤هـ فعسكر بها، لا يدري ما يصنع. وعقد مؤتمرًا عسكريًّا، ضم أولي الرأي الذين أجمعوا على أن يقيم عمر، وأن يبعث رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ كسعد بن أبي وقاص وكان على صدقات هوازن وأجمع المسلمون عليه، فسرحه في أربعة آلاف ممن اجتمع إليه. وكانت بعض الجموع قد لحقت قبله بالمثنى، وقد كان بهذا الجيش خلاصة الأمة الإسلامية وقتئذ؛ إذ لم يدع عمر رئيسًا ولا ذا رأي أو سلطة أو نجدة ولا شاعرًا أو خطيبًا إلا رماهم به، فضلًا عن بضعة وسبعين بدريًّا، وثلاثمائة من أبناء الصحابة. وقبل أن يصل سعد مات المثنى متأثرًا بجراحه يوم الجسر ويوم البويب، تاركًا وصيته لخلفه في معالجة الفرس. واستمرت المكاتبات بين سعد والخليفة ينصحه ويوجهه ويأمره بأن يرسل إلى الفرس من أهل المناظرة والرأي، فاختار قومًا أجلاء، تحدثوا إلى يزدجرد وقواده أحاديث شائقة وبارعة عن روح الإسلام، التي لم يستطع الفرس إدراك أثرها في حياة العرب. وفصل رستم من المدائن في تعبئة كبرى وعدد جنوده زهاء مائة وعشرين ألفًا، وسارت طلائعه حتى وصلت الحيرة فنزلت بها، وسار رستم حتى أتى النجف فعسكر بها، والطلائع تسير أمامه، ولم يزل الجيشان يتقاربان حتى وقف رستم على العقيق، وسعد أمامه. والتقى الجيشان على الدعاء والمكاتبات حتى خرس صوت المنطق، وأجمع رستم أمره على العبور، وكان سعد قد عبأ جيشه، فأقام بأعلى القصر لمرض كان به، يشرف على المعركة من عل، ويرمي بالرقاع إلى خالد بن عرفطة وهو أسفل منه. وكان وراء الفرس العقيق، ووراء المسلمين الخندق، وميدان المعركة بين ذلك، وعند الظهر أنشب أهل النجدات القتال، وأشعل الرجاز أوار الحماس. وكان سعد قد أمر الشماخ، والحطيئة، وعبدة بن الطبيب، والمغيرة بن شعبة، وعاصم بن عمرو، وعمر بن معديكرب وغيرهم ليقوموا في الناس بما يحق عليهم، يذكرونهم ويحرضونهم على القتال١.

стр. 52

وأقبل أهل فارس عليهم في مثل حماسهم، يلبون نداء من يريدون نزالهم. وكان غالب بن عبد الله الأسدي في مقدمة من خرجوا يبارزون، وأخذ يرتجز، فخرج إليه هرمز فأسره غالب وجاء به سعدًا، ورجع إلى المطاردة. وبينما هو يرتجز طارد فارسيًّا نفر منه. فلقي فارسًا معه بغل، ففر الفارس، فاستاق عاصم بن عمرو البغل والرجل، فإذا الرجل خباز الملك، وإذا في الرحل طعام رستم، فنقله سعد للمسلمين ليأكلوه. وكبر سعد التكبيرة الرابعة -وكان القراء قد انتهوا من سورة الأنفال- فالتقى الجيشان. وأبلى أبطال المسملين بلاء لم يعرف له نظير. ورأى الفرس بني بجيلة وعليهم جرير بن عبد الله يصولون ويجولون، فوجهوا إليهم ثلاثة عشر فيلًا، حملوا عليهم ففرت خيلهم نفارًا، وبقي الرجال وتكاد الفيلة تبيدهم. ورأى سعد ما أصاب بجيلة، فأرسل إلى بني أسد ليذبوا عنهم، فخرج إليهم طليحة بن خويلد وجماعة من قبيلته، فشدوا عليهم، فما زالوا يطعنونهم حتى حبسوا الفيلة عنهم. لكن الفيلة عادت فحملت عليهم، فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو ليرى رأيه في الفيلة، فنادى عاصم الرماة ليذبوا ركبان الفيلة بالنبل، فاستدبروها وقطعوا وضنها وضربوها بالنبل، فارتفع عواؤها وألقت بركبانها فقتلوا. ونفس عن أسد وعن بجيلة جميعًا، بعد أن قتل من أسد وحدها أكثر من خمسمائة١. وظل سعد مشفقًا من مصير المعركة؛ لما كان يراه من شدة الفرس وكثرة عددهم وفعال فيلتهم. وانقضى النهار وغربت الشمس والقتال لا يزال حاميًا وطيسه. فلما ذهبت هدأة من الليل رجع الجيشان كل إلى مواقعه، وكل يحسب للغد حسابه، والمسلمون أشد لهذا الغد حسابًا، بعدما نزل بهم في اليوم الأول من كوارث. فلما تنفس الصبح شغل العرب والفرس بدفن القتلى ونقل الجرحى، وقد دفن المسلمون قتلاهم بالعذيب، ونقلوا الجرحى إلى النساء ليقمن على العناية بهم. وبينما هؤلاء وأولئك في شغل بهذا الأمر كان هاشم بن عتبة بن أبي وقاص يغذ السير في ستة آلاف من المسلمين الذين فصلوا من الشام تنفيذًا لأمر عمر إلى أبي عبيدة بأن يرد جيش العراق إليه بعد أن ينصره الله بدمشق. فلما فتحت دمشق وانتصر المسلمون بفحل انطلقوا مددًا لسعد، وعلى مقدمتهم القعقاع في ألف من شجعان المسلمين، وعجله هاشم أمامه

стр. 53

ليدرك سعدًا قبل فوات الوقت. وأراد القعقاع أن يشد عزائم المحاربين في هذه الوقعة الخطيرة، فقسم رجاله الألف عشر فرق، وعهد إليهم ألا تسير فرقة حتى تكون الفرقة التي سبقتها على مدى البصر، ثم سار على رأس الفرقة الأولى، ثم تقدم الصفوف يستفتح القتال، فخرج إليه بهمن جاذويه، فصاح القعقاع: يا لثارات أبي عبيد!! وانقض عليه فأورده حتفه، وتنشط الناس وهم يرون صنيع القعقاع ولم يروا الفيلة بينهم. وبدأت فرق القعقاع تفد، والمسلمون يكبرون، حتى خيل إلى الفرس أن لا آخر لها، وأبلى القعقاع وأبو محجن الثقفي في هذا اليوم بلاء عجيبًا، فقد حمل القعقاع ثلاثًا وثلاثين حملة يقتل في كل منها رجلًا١. وصنع أبو محجن أفاعيل بالفرس تكاد تكون أساطير. واتصل القتال إلى منتصف الليل، والمسلمون يرون فيه الظفر. وقد رفه عن المسلمين غياب الفيلة، وأن بني عم القعقاع برقعوا إبلًا وجللوها ودفعوها تحمل على الفرس كأنها الفيلة، فولت خيولهم نفارًا من منظرها، ولقيت منها ما لقيت خيول المسلمين يوم "أرماث" فركبتهم قوات المسلمين، وأعملوا فيها السيوف قتلًا وبترًا. وتنصف الليل والمسلمون يزاحفون عدوهم يريدون إجلاءه عن مواقعه فيصيبون منه ويكثرون القتل فيه، ويكادون يظفرون به لولا كثرة عدده وشدة مقاومته. ولم يجد كل من الفريقين بُدًّا من أن يرجع إلى عسكره، يعيد تنظيم صفوفه؛ ليعود في الصباح إلى الزحف ابتغاء الظفر. واطمأن سعد ونام، فقد وجد الناس مغتبطين، ينتمي كل منهم إلى قبيلته. أما القعقاع بن عمرو فبات ليله يسرب أصحابه الذين جاءوا معه من الشام إلى المكان الذي كانوا فيه بالصحراء صبح أغواث، وأمرهم أن يقبلوا مائة مائة إذا طلعت الشمس، على نحو ما فعلوه في أمسهم، فإن أدركهم هاشم بن عتبة وجاء بمن معه فذاك، وإلا فقد جددوا للناس رجاء في المدد. وأصبح الناس والجيشان في مواقفهم، وبين الصفين ألفان من المسلمين بين قتيل وجريح، وعشرة آلاف من الفرس. فدفن كل جيش قتلاه ونقل جرحاه. ووقف القعقاع في المؤخَّرة حين طلعت الشمس ينظر إلى ناحية الصحراء، فلما بدأت خيله تقبل كبر وكبر الناس معه. وكان هاشم قد أدرك رجال القعقاع وعرف ما صنع صاحبه، فقسم رجاله فرقًا تتلاحق دراكًا، فبلغ القادسية حين أخذ المسلمون مصافهم

стр. 54

للقتال، فلما رآه الناس ورآهم كبر وكبروا معه، واندفع هاشم إلى القلب حتى بلغ النهر وهو يرمي العدو، ثم عاد فكرر فعله فلم يجرؤ أحد على مصاولته. ولم يضعضع هذا من عزم الفرس، فقد أصلحوا توابيت الفيلة واقتحموا بها المعركة. ومنذ طلعت الشمس ورآها سعد تفعل الأفاعيل وتفرق بين الكتائب سأل جماعة من الفرس الذين أسلموا عن مقاتلها. فقالوا: مشافرها وعيونها. وقد تمكن القعقاع وأخوه عاصم من الفيل الأبيض فوضعا رمحيهما في عينيه، وكذلك فعل حمال والربيل بالفيل الأجرب. وهرولت الفيلة فأحدثت هرجًا ومرجًا بين صفوف الفرس، وتواثبت في العقيق وقد ألقت ركبانها، وتخطت الماء مدبرة ولم تعقب. وواصل الجيشان القتال، وكأنما دار بخواطر الجند من الفرس والعرب ألا يضعوا السلاح حتى يحسم بينهم. وهدأ وطيس القتال حين أقبل الليل، وقدر سعد أن الجيشين سيقضيانه في الاستعداد ليوم رابع، ولكنه خشي أن يأتيه العدو من مخاضة بأسفل العسكر، فأرسل طليحة وعمرو بن معديكرب في جماعة وأمرهما بأن يقيما فيها حتى يأتيهما أمره، وسولت لهما نفساهما أن يخوضاها فيأتيا العدو من خلفه، واختلفا كيف يفعلان، فأخذ طليحة مكانه وراء العسكر، وكبر ثلاث تكبيرات، ارتاع لها أهل فارس فظنوا أن جيش المسلمين أزمع الغدر بهم، وظن المسلمون أن الأعاجم فتكوا برجالهم، فأغار عمرو على جماعة من الفرس أسفل المخاضة، فلم يعد لديهم ريب في غدر المسلمين بهم فزحفوا، ورأى القعقاع صنيعهم فزاحفهم دون استئذان سعد، ولكن سعدًا يطل فيراه يزاحفهم فيقول: اللهم اغفرها له وانصره، فقد أذنت له وإن لم يستأذني، وتبعه المسلمون دون انتظار لتكبير سعد، واستقبلوا الفرس بالسيوف وخالطوهم. فكان للسيوف قعقعة، والمقاتلون لا يتكلمون بل يصيحون، والقتال يشتد ويحمى وطيسه كلما تقدم الليل. وبات الجيشان يقتتلان أشد قتال وأقساه، ولم يغمض لأحد من الجند تلك الليلة جفن. فلما أصبح الصباح جعل المسلمون ينتمون إلى قبائلهم، ولم يكن النصر قد عقد لواءه لأحد من الفريقين، وسار القعقاع في الناس يقول: إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فأصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر مع الصبر، فحمل المسلمون حتى الظهيرة في جلاد باسل، حتى بدأت صفوف الفرس تضطرب وتراجع الفيرزان والهرمزان في المجنبتين، فانفرج القلب وهبت ريح أطارت طيارة رستم إلى العتيق، وزحف القعقاع بمن معه إلى

стр. 55

سريره، ففر رستم إلى النهر واقتحم وراءه نفر من فرسان المسلمين، وصَعِدَ أحدهم على سريره يصيح: قتلت رستم ورب الكعبة!! إليَّ إليَّ، وطاف به الجند يهللون ويكبرون. وأسقط في يد الأعاجم ووهنت قوتهم، وانهد ركنهم، وقام الجالينوس يعبر بقومه النهر، لكن الردم انهار بهم في النهر، فغرق بانهياره ثلاثون ألف فارس مقترنين بالسلاسل، وانهزم جيش الفرس وانطلقت فلوله يولون الأدبار. وأمر سعد فخرج القعقاع وشرحبيل وزهرة بن حوية يتعقبونهم، وأدرك زهرة الجالينوس يجمع المنهزمين فقتله. وجعل المسلمون يقتلون من يلونهم من الفرس ويأسرونهم دون مقاومة وجمع الناس الأسلاب والأموال، فإذا هي شيء لا يحيط به خيال عربي، حتى لقد بلغ عطاء الفارس ستة آلاف، والراجل ألفين. وزاد أهل البلاء كل واحد منهم خمسمائة -فضلًا عن الخمس- وما بقي بعد ذلك كثير، نحاه سعد ليبعث به إلى المدينة، وأمر عمر بتوزيعه فيمن لحق بسعد ولم يشهد الموقعة، وفي حملة القرآن. وهكذا انتهت المعركة إلى النصر الحاسم، حين كان الناس في كل الأرجاء من شبه الجزيرة يتطلعون ببصائرهم وقلوبهم إلى ناحيتها، وهم على أحر من الجمر شوقًا لمعرفة أنبائها من العذيب إلى عدن، ومن الأبلة إلى بيت المقدس، يتربصون وقعة القادسية، يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصدًا يكشف ما يكون من خبرهم١. انطلق المسلمون في وادي العراق من أعلاه إلى أسفله، فعاد الناس جميعًا إلى طاعتهم، معتذرين عن ولائهم للفرس بأنهم غُلبوا على أمرهم، وسعد يعذرهم تألفًا لهم، وحرصًا على أن تسود الطمأنينة ربوعهم. فأقلبت قبائل العرب المنتشرة فيما بين النهرين يعلنون إيمانهم بالله وبرسوله. وقد مكث سعد بالقادسية شهر المحرم سنة ١٥هـ، وارتحل في نهايته بجيشه الذي أصبح معظمه فرسانًا لكثرة ما غنموا من الخيل، ولقيتهم في سيرهم فلول القادسية، وعليهم الهرمزان فهزمهم المسلمون. وبلغ سعدًا تجمع فلول الفرس ببابل، فسار إليهم وهزمهم. وأقام ببابل حيث سير من هناك مقدمته مع زهرة بن حوية إلى بهرسير أو المدائن الدنيا على شاطئ دجلة الغربي، فحاصرها شهرين وفتحها الله

стр. 56

عليهم، ففر أهلها إلى الجهة الشرقية حيث المدائن القصوى -معقل الساسانيين وعاصمتهم- وأصبح من المحتم على زهرة أن يعبر دجلة، واستطاع بمعاونة بعض أهل البلاد أن يصل إلى مخاضة عبر خلالها المسلمون خوضًا، وفي سرعة أذهلت أهل المدائن، الذين فوجئوا بالمسلمين دون أن يروا سفينًا يقلهم إليهم، فتركوا المدائن وفروا، وكان يزدجرد قد سبقهم بالفرار إلى حلوان، وفي المدائن غنم المسلمون أموال كسرى وخزائنه وجواهره١. وبفتح المدائن تنتهي المرحلة الثانية في هذه الفتوح، من الخطة التي رسمها أبو بكر، وتبدأ المرحلة الثالثة. المرحلة الثالثة: أقام المسلمون بالمدائن ما يزيد على سنة، لاحظ خلالها الخليفة عمر انتفاء التواؤم بين المسلمين وبيئتهم الجديدة هذه، فكان أن أمر بارتياد الأرض، وباختطاط البصرة والكوفة. وقد تم للمسلمين تمصير الكوفة في المحرم من سنة ١٧هـ. وكانت أول أمرها مبنية بالقصب، وبنيت بعد ذلك باللبن بعد تعرضها للحريق. وفي نفس العام بنيت الأبنية بالبصرة التي كان المسلمون قد نزلوها في أواخر سنة ١٣هـ وأوائل سنة ١٤هـ، ولم يتم تخطيطها إلا مع الكوفة. ومنذ هذا التاريخ صارت الكوفة والبصرة مركزين حربيين، تفصل منهما الجنود لحرب الفرس، وصار لكل منها جند خاص، ومناطق بعينها يناط بها فتحها وتنسب إليها. وصار المسلمون يفدون على عمر يشكون ضيق منازلهم بهم، ويطلبون السماح لهم بضم مناطق بعينها إليهم دون غيرهم٢. وتكاد الفتوح في أطراف فارس تكون نتيجة مجهودات أهل هذين المصرين، بالإضافة إلى البحرين التي انطلق منها المسلمون لغزو فارس وكرمان، وكان أول ذلك عمل العلاء الحضرمي، في مغامرته التي عضده فيها أهل البصرة في طاوس٣، ثم في موقعة أصطخر التي تولاها الحكم بن العاص أواخر عهد عمر، وتمخض عنها فتح كرمان٤.

стр. 57

وأسهمت الكوفة في إخضاع الجزيرة التي كانت بمثابة قاعدة حربية لحلفاء الروم من نصارى العرب، مما رفه عن المجاهدين في الشام١. وتتابعت فتوح أهل الكوفة، ففتحوا الري وأذربيجان وأرمينية، وطبرستان، وجرجان٢. بينما فتح أهل البصرة الأهواز وتستر ورامهرمز، وجند يسابور٣. وليس يعني استقرار الجند الإسلامي في هذين المصرين وفتحهما لهذه المناطق انتهاء المقاومة الفارسية الرسمية، فإن المنهزمين في المدائن فروا إلى جلولاء، وأزمعوا أن يستميتوا في درء المسلمين والتفاني في ذلك، فاحتفروا خندقًا حول جلولاء، أحاطوه بحسك الخشب والحديد، وقاموا ينتظرون المسلمين، وأمر عمر سعدًا بأن يسرح إليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاس، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو. فسار هاشم في اثني عشر ألفًا حتى نزل على الفرس. وكان كسرى قد أمد قواته من حلوان بالأموال والرجال. وأحاط المسلمون بالحصن، وزاحفوا الفرس ثمانين زحفًا لم تسفر عن شيء، إلى أن اقتحم المسلمون الحصن في هجوم عارم، ترك الفرس بعده المدينة للمسلمين٤. وبعد أن فر الفرس أرسل هاشم بالقعقاع على رأسه حملة إلى حلوان، على حافة المرتفعات الفارسية بجبال الصقر تتبع الفارين واحتلها، بعد أن فر يزدجرد إلى الري٥. وأخذ سعد يبسط راية الإسلام في أنحاء الجزيرة وفارس، فوجه عبد الله بن المعتم إلى تكريت بالجزيرة، فاستمال من بها من إياد وتغلب، والنمر، ووجه بضرار بن الخطاب إلى مامبذان، حيث كان آذين أحد عظماء فارس قد جمع جمعًا عظيمًا من الفرس والعرب وخرج بهم إلى السهل، وتمكن ضرار من قتله، والاستيلاء على الناحية٦.

стр. 58

كما أرسل عمرو بن مالك الزهري إلى "هيت" و "قرقيسيا" فاضطر أهلهما إلى النزول على الجزية١. وبهذا صار السواد كله بيد المسلمين، فمهدوا طرق إدارته، وأقاموا الجند مرابطة في الثغور بينهم وبين الجبال. وبعد سقوط السواد، وهزيمة الفرس في جلولاء، انهارت خطوط المقاومة الفارسية، إلا أن بقاء يزدجرد -ذلك الملك الشاب- كان لا يزال رمزًا حيًّا للوطن السليب، فجمع حوله الفلول، وعلى الرغم من أن الخليفة كان يرى الاقتصار على ما بيد المسلمين من سواد العراق، ويتمنى لو كان بين السواد والجبل سد يفصل بين العرب والفرس، فإن المسلمين لم يجدوا بُدًّا من مطاردة هذا الرمز، فظلوا يتعقبون يزدجرد؛ لأنه الذي يبعث المقاومة.. "ولن يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا، فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس، ونخرجه عن مملكته وزعامته، فينقطع رجاء أهل فارس"٢. وكان يزدجرد قد فر من حلوان، أمام هاشم بن عتبة إلى إقليم فارس، جنوبي إيران؛ حيث تحول إلى الري ومنها إلى قرميسين، يطارده المسلمون حتى استقر في نهاوند. وفي نهاوند كان اهتمام عمر أشد من اهتمامه بالقادسية، حتى لقد راودته نفسه الخروج إليها، ولكن المسلمين رأوا له خلاف ما رأى لنفسه. وكذلك كان اهتمام الفرس بها عظيمًا؛ إذ كتب يزدجرد إلى عماله، فاجتمع من الفرس من أهل الجبال -من بين الباب إلى حلوان- ثلاثون ألف مقاتل، ومن بين سجستان إلى فارس وحلوان ستون ألفًا، ومن بين خراسان إلى حلوان ستون ألفًا أخر. واجتمعوا جميعًا إلى الفيرزان٣. وتحصن الفرس بالحصون والخنادق. وكان على المسلمين النعمان بن مقرن، الذي عقد مؤتمرًا عسكريًّا للتشاور في أمر الحرب، شهده أبطال المسلمين كالقعقاع وطليحة وعمرو بن معديكرب وغيرهم. وانتهى الرأي إلى أن يبدأ القعقاع القتال حتى يخرج إليه الفرس من حصونهم وخنادقهم فيقتلهم المسلمون. وتم هذا الترتيب الحربي كما قدر له. وبدأ القتال واشتد، وقتل قائد المسلمين، وأُخفي خبر استشهاده، واستلم حذيفة بن اليمان الراية، وما أتى المساء حتى أتت معه الهزيمة للفرس، ودخل المسلمون نهاوند واحتووا ما حولها.

стр. 59

وقد سميت هذه الموقعة بفتح الفتوح؛ لأنه لم يكن بعدها كبير حرب، وتابع القعقاع المنهزمين حتى همذان، فاحتواها وملكها المسلمون١. وقد وضع سقوط نهاوند بعد كل هذا الحشد الذي حشده الفرس نهاية للمقاومة الفارسية الرسمية، وأصبحت المقاومة جهودًا فردية، يقوم بها حكام المقاطعات في غير تساند أو نظام لحماية "يزدجرد" فحسب. وعملًا بنصيحة الأحنف بن قيس في وجوب القضاء على يزدجرد أذن عمر للمسلمين بالانسياح في بلاد الفرس لقطع دابر الشغب، حتى ييئس الملك من عودة ملكه إليه، فلا يظل شوكة في جنب المسلمين، وييئس الفرس فلا يجتمعون حوله. عين عمر رؤساء الجند لافتتاح فارس، وأرسل إليهم بالألوية، الأحنف بن قيس إلى خراسان، وعثمان بن أبي العاص الثقفي إلى أصطخر، وسارية بن زنيم الكناني إلى فاسودراخرد، وسهيل بن عدي إلى كرمان، وعاصم بن عمرو التميمي إلى سجستان، والحكم بن عمير التغلبي إلى مكران. وكان يزدجرد قد لجأ إلى أصفهان من نهاوند، فتابع المسلمون تقدمهم حتى غلبوا عليها. فكان أن تحدر هو إلى أصطخر٢، ولكنها لم تكن الملجأ الحصين؛ إذ كان المسلمون يتقدمون من البصرة إلى الأهواز وخوزستان، ويقفزون من البحرين إلى الشاطئ الشرقي المقابل للخليج الفارسي، فغادر يزدجرد أصطخر إلى المقاطعات العليا من طبرستان، يلبي دعوة جاءته من مرزبانها٣. وبعد أن يحتل المسلمون أصطخر ينساحون في مواطن متفرقة عن إذن عمر. وتترى مدن خراسان تتساقط في يدي الأحنف.. الطبسين.. فهراء.. فمرو الشاهجان.. فنيسابور. ثم يهرب يزدجرد إلى خاقان، ملك الترك فيما وراء النهر٤. ولا يلبث ولاء أمراء المقاطعات ليزدجرد أن يتناقص بازدياد تفكيرهم في مطامعهم الشخصية، والرغبة في الاحتفاظ بنفوذهم. وبعد سلسلة طويلة من التنقلات يقتل يزدجرد في مرو، وبقتله يسقط التاج الساساني إلى الأبد.

стр. 60

وكان المسلمون قد بلغوا في تتبعهم ليزدجرد إلى حدود النهر، فكتب عمر إلى الأحنف بطل هذه الوثبة بألا يجوز النهر، وبأن يقتصر على ما دونه١، ولكن انسياح المسلمين لم يتوقف؛ لأن انتقاض البلدان والمناطق المفتوحة لم يتوقف هو الآخر، فلم يبقَ إقليم لم ينتقض بعد فتحه، وبخاصة في أطراف المنطقة الشرقية بخراسان، التي اشتد انتقاضها وكفرها في خلافة عثمان٢. وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون يستشرفون نهر جيحون كانت جيوش أخرى تجوز الخليج الفارسي؛ لتنساح في منطقة فارس وسواحل كرمان، ثم تتقدم بعد ذلك إلى مكران، حتى تبلغ قريبًا من السند. ويذكر أن عمر كان قد أوصى بألا يتقدم المسلمون إلى كرمان، بعد أن أخبره صحار العبدي بسوئها.. ولكن الحكم بن عمير التغلبي يتقدم إليها ويجوزها. وتوالت ظروف الانتقاض والثورة، فلم يستطع المسلمون الإذعان لهذا الأمر ولم يقنعوا بما في أيديهم. وتكاد تذهب خلافة عثمان ﵁ كلها في محاولة تأكيد الفتح الإسلامي، والمحافظة على الثغور، وإعادة من شق العصا إلى الطاعة، إذا ما استثنينا فتح طبرستان، الذي تم على يد سعيد بن أبي العاص سنة ٢٩هـ. فهذه أذربيجان تنتقض في إمارة الوليد بن عقبة سنة ٢٥هـ فيغزوها ويعيدها إلى ما كانت عليه٣. وهذه فارس تنتقض في ولاية عبد الله بن عامر على البصرة، ويقتل أهلها أميرهم عبيد الله بن معمر، فيسير إليهم عبد الله بن عامر ويستردها٤. وأخذ المسلمون يتدفقون لاستثمار انتصاراتهم في خراسان، معبرين عن مدى الانطلاق الروحي، راغبين في القضاء على المقاومات والانتقاضات. فأخذنا نسمع عن أول من عبر النهر؛ كعبد الله بن عامر والحكم بن عمرو الغفاري وسعيد بن عثمان، الذي ولاه معاوية خراسان٥، إلى أن يستكمل فتح هذه المنطقة قتيبة بن مسلم. وهكذا تصير إلى العرب تلك المنطقة، التي يحدها من الغرب نهر الفرات، ومن الشرق نهر جيحون والسند، ومن الجنوب المحيط الهندي، ومن الشمال أرمينية وطبرستان في فترة وجيزة من الزمن، برغم أن مثل هذه الأعمال العظيمة لا تقاس بالفترات ولا بالسنين. وقد رافق الشعر المسلمين في تقدمهم خطوة بخطوة، طوال هذا الطريق المشرق، وواكب المد المنطلق إلى غايته، كما سنرى فيما بعد.

стр. 61

٣- فتوح الشام: كان لموقع شبه الجزيرة العربية وعلاقات الجوار واللغة والقرابة والدم التي ربطت بين عرب الجزيرة والقبائل الضاربة في شمالها أكبر الأثر في اتجاه المسلمين في انطلاقهم إلى بطائح العراق، وإلى مشارف الشام بعد ذلك. وهذه العلاقات قديمة وبعيدة وموغلة في التاريخ، وترجع إلى ذلك اليوم الذي بسط فيه عرب الجنوب نفوذهم على التجارة على طول شواطئ البحر المتوسط الشرقية، وعن طريق سلسلة من المحطات التجارية المنتشرة من اليمن إلى الشام. وكانت سيطرة العرب على المتاجر سببًا في خلق علاقات وثيقة بين العرب والقوى السياسية المحيطة بهم وقتئذ. فبدأ تنافس خطير حول انتزاع هذه السيادة التجارية منهم، واستبقائها فيما بينهم وبين الروم فحسب، عندما بسط هؤلاء سلطانهم على البحر المتوسط بالاستيلاء على مصر. وكانت محاولات الروم في هذا السبيل تصاب بالفشل حتى القرن الخامس الميلادي، ولم يجدوا فرصتهم إلا في عهد الإمبراطور جوستنيان "٥١٨- ٥٢٧م" عندما سيطرت فارس على الطرق التجارية البرية، مما دفعهم إلى التدخل في شئون عرب الجنوب، متذرعين بالصراع الديني، الذي نشب بين اليهودية والمسيحية في عهد ذي نواس، وأتيح لهم التدخل عن طريق أحلافهم الأحباش بعد مذبحة نجران١. ولكن العرب استطاعوا القضاء على النفوذ الحبشي الرومي في عهد سيف بن ذي يزن، الذي استعان بكسرى أنوشروان سنة ٥٧٥م في طردهم.

стр. 62

وأرض الشام تعتبر امتدادًا لشمالي شبه الجزيرة العربية، مما دعا عرب الشمال إلى اتخاذها دار هجرة؛ إذ إن طبيعة بلادهم كانت السبب في الدفع بهم إلى الاحتكاك بمن يصاقبونهم، والزحف وراء المناطق الخصبة التي تلي بلادهم شمالًا على أطراف الهلال الخصيب، انتهازًا للإغارة على بلدانه والتسلل إليها؛ حيث ينعمون بالخصب والخير، فلم تكن الهجرات إلى الشام تنقطع عبر الزمن. وأشهر هذه الهجرات ما حدث بعد زوال السيطرة التجارية لليمن؛ إذ ساءت أحوالها الاقتصادية، وتلا ذلك تصدع سد مأرب العظيم، فاتجهت القبائل المهاجرة تزحف إلى الشام، كما فعلت جهينة وكلب وقضاعة التي نزلت بالبادية، وعاملة وجذام اللتان نزلتا في حدود فلسطين، وغسان التي استقرت في منطقة حوران في شمال بلاد العرب. ورأى الروم في هذه القبيلة مثلما رأى الفرس في لخم، واستعانوا بها في تأسيس إمارة تضمن لهم الدفاع عن حدودهم ضد هجمات الفرس والقبائل العربية، التي تحترف الإغارة والسلب. واتسمت العلاقة بين الروم والغساسنة بالتأرجح؛ بسبب عوامل الكبت والتضييق التي انتهجها الروم مع حلفائهم وصنائعهم، إثر إثارة مشكلة الخلاف المذهبي بينهم، فقد اعتنق الغساسنة المذهب المونوفيزيتي، بينما كان سادتهم يدينون بالملكانية، فتعرض غير أمير منهم للسجن والاضطهاد، كما حدث للمنذر بن الحارث الذي غدروا به ونفوه إلى صقلية١. وكانت إمارة الغساسنة معبرًا لكثير من التأثيرات العقلية والحضارية، عبرت عن طريقها إلى العرب، ووفد إليها من شعرائهم في الجاهلية من كانوا يجدون في أمرائها أهلًا لمدائحهم ومنادمتهم؛ كالنابغة الذبياني وعلقمة وحسان بن ثابت. وترك هؤلاء الأمراء في الأدب العربي فضلًا عن هذا آثارًا قصصية وأسطورية؛ كالتي تُروى عن دروع امرئ القيس، ومنادمات حسان لجبلة بن الأيهم وغير ذلك. وعندما تبلورت زعامة مكة لشبه الجزيرة العربية، وتبوأت مركز الصدارة على سائر مدن الحجاز، وسيطرت على مقدراتها، واستحقت لقب أم القرى ببيتها العتيق الذي يفد إليه كل العرب من كل صوب، أخذت مكة تنظم التجارة، وتستعيد للعرب السيطرة على

стр. 63

طرقها بين اليمن والشام، فنظم هاشم رحلاتها، وعقد مع الدول والممالك المجاورة للحجاز معاهدات ومحالفات، كتلك التي عقدها مع الروم والغساسنة، وأصبح لقريش بمقتضاها حق التجوال في الشام١. وبطبيعة الحال أفاد العرب من هذه الصلات التجارية الشيء الكثير. ولا بد أن يكون منهم من ثقف لغة عملائهم بالضرورة، فقد كان التجار من رؤساء العرب وكبرائهم، وأجدرهم بنقل مدينة الروم وحضارتهم وطرق معيشتهم وأخبارهم. ولما بدأ الصراع بين دولتي الفرس والروم في مستهل القرن السابع الميلادي كان العرب يتابعون أحداث هذا الصراع المرير وتطوراته، وظهور إحداهما على الأخرى. وملأت أصداء هذه الأحداث بلاد العرب بفضل الطريق التجاري، الممتد بين اليمن وفلسطين وسوريا ومصر. فكان العرب يقفون على أخبارها أولًا بأول. وأخذ المسلمون يظهرون أمام المشركين الذين كانوا يقفون بعواطفهم إلى جانب الفرس الوثنيين ضد الروم بوصفهم أصحاب كتاب كالمسلمين بمظهر الآمل في انتصار الروم، وأنهم المظفرون في هذا الصراع عما قريب. ولم تكن أنباء الصراع هي كل ما يثير اهتمام المسلمين، وإنما يبدو أنهم كانوا يقفون أيضًا على حوادث الاضطهاد والتعذيب التي أخذت ترزح تحتها البلدان الخاضعة لحكم الروم، من جراء فرض "هرقل" مذهبه الجديد، الذي يدعو إلى التوفيق بين الملكانيين واليعاقبة، محاولًا بشتى الوسائل حمل رعاياه عليه؛ ليقضي على عوامل الفرقة المذهبية التي كان يخشى اتخاذها ذريعة للانفصال عن جسم الدولة الرومية، ولكن النتيجة كانت عكس ما تصور "هرقل". فوقف أتباع المذهبين المختلفين موقفًا واحدًا ضده، ورفضوا الدخول في مذهبه الذي عدوه زيفًا وتضليلًا، فاشتعلت نيران الفتنة. وانتشرت حركات التمرد والمقاومة السرية. ولم يتمكن هرقل من إخمادها بوسائل العنف والقهر والقمع، وبات الناس في أقاليم الدولة يتمنون من أعماقهم زوال حكم الروم عنهم؛ ليحرروا عقائدهم وأرزاقهم من قهرهم.

стр. 64

وفي هذا الوقت كان النبي العربي ﷺ ينشر دعوته في بلاد العرب، داعيًا إلى الوحدة والإخاء والمساواة. ولم ينظر الروم إلى الحركة الإسلامية نظرة جدية، وساعد هذا على أن الروم خرجوا من صراعهم مع الفرس معتدين بأنفسهم اعتدادًا كبيرًا، فلم يحاولوا أن يفهموا مدى الأثر الذي أحدثه الدين الجديد في العرب، في حين كان هؤلاء يتربصون بهم وبأخبارهم التي تجيئهم مع القوافل، وعن طريق محطات التجارة، ومع التجار المسيحيين واليهود والعرب١. ويبدو أن الرسول ﷺ وجد في هذا الخلاف المذهبي مشجعًا له على أن يرسل برسائله إلى "هرقل" و"المقوقس" يدعوهما إلى الإسلام، ذلك الدين الذي يدعو إلى عقيدة جوهرها وحدانية الله، جعلته أقرب إلى نفوس أتباع الطبيعة الواحدة المسيحيين من قربه إلى نفوس الروم قادة العالم المسيحي، المعتنقين لمذهب الطبيعتين٢. ومما لا شك فيه أن هذا يفسر السرعة والنجاح اللذين تمت بهما فتوح الشام، ووقوف دولة الروم مذهولة حيال تدفق تيارها العنيد إذا ما قورنت بفتوح العراق وفارس؛ إذ إن العقيدة الإسلامية كانت النور الذي أضاء للجيوش الإسلامية سبيلها في بلاد المونوفيزيتين، ونزلت بردًا وسلامًا على سكانها، وسط جحيم اضطهاد الروم الملكانيين٣. ولم يحسن الروم الرد على دعوة النبي ﷺ ، وفعل صنائعهم الغساسنة مثل صنيعهم وأنكى، فقتل أميرهم شرحبيل بن عمر رسول النبي ﷺ إليه في بصرى، ولم يكن المسلمون في حالة تسمح لهم برد هذه الإهانة. وانتظر النبي ﷺ حتى السنة الثامنة للهجرة وأرسل زيد بن حارثة في بعث مكون من ثلاثة آلاف رجل إلى الجهات الشمالية الغربية من بلاد العرب٤. ولم يكن هدف هذا البعث الرد على إهانة المسلمين أو الثأر فحسب، وإنما كان الغرض إلى جانب ذلك تأمين التخوم العربية ضد الروم، الذين تأثروا بتحريض اليهود،

стр. 65

بعد أن أجلاهم النبي ﷺ عن المدينة وعن تيماء وفدك إلى فلسطين، فأراد النبي ﷺ بهذا البعث أن يهدد مشارف الإمبراطورية؛ ليحسب الروم حسابًا للمسلمين. كما كان هناك هدف آخر هو الاستطلاع بالوصول إلى مآب، كما يظهر في قول عبد الله بن رواحة إذ يقول: فلا وأبي مآب لآتينها ... وإن كانت بها عرب وروم١ وسار المسلمون إلى مؤتة، وبينا هم في الطريق دنا منهم الروم عند مشارف وهي قرية من قرى البلقاء، فانحازوا إلى مؤتة، وكان الروم في أعداد غفيرة، فأراد المسلمون أن يكاتبوا النبي ﷺ فيما يتهددهم، فنهاهم عبد الله بن رواحة وقال: إنها الشهادة أو الطعن٢. والتقى المسلمون بالروم، فاستشهد زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة. وداور خالد بن الوليد بالمسلمين حتى قدم إلى المدينة٣. وبدا بعد ذلك أن النبي ﷺ سيعاود الكرة، فتضاعفت الرغبة في الثأر، وقوبل بعث موتة من المسلمين باستياء بالغ، وجعل الصبيان يحثون التراب عليهم ويصيحون: يا فرار، فررتم من سبيل الله، فيقول النبي ﷺ : "ليسوا بالفرار، لكنهم الكرار إن شاء الله" ٤. وفي العام التالي لبعث مؤتة سار ﷺ بنفسه على رأس المسلمين إلى الحدود العربية الرومية؛ حيث قام هناك بمناورات حربية لم تحدث فيها اشتباكات؛ إذ اكتفى فيها بإظهار قوة المسلمين في هذه الجهات٥، وتراجع الروم دون قتال، وأصاب المسلمون بعض الواحات التي صالحوا عليها، كصلح النبي ﷺ مع أهل جرباء وأذرح، ومع صاحب أيلة. وأرسل خالد بن الوليد فصالح أكيدر صاحب دومة الجندل على الجزية٦. فلا عجب -وقد أثارت هاتان الغزوتان الثارات بين المسلمين والروم- أن يجهز النبي ﷺ جيش أسامة

стр. 66

ابن زيد بن حارثة، وأن يكون تجهيز هذا الجيش بعض سياسته في تأمين تخوم شبه الجزيرة من الروم، وكان أسامة حدثًا لما يبلغ العشرين, وإنما ولاه رسول الله ليجعل له من فخار النصر ما يجزي به استشهاد أبيه بمؤتة. ولقد أمره النبي ﷺ أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وأن ينزل على أعداء الله وأعدائه في عماية الصبح، وأن يمعن فيهم قتلًا، وأن يحرقهم بالنار، وأن يتم ذلك دراكًا، حتى لا تسبق إلى أعدائه أنباؤه، فإذا تم له النصر فليسرع بالعودة غانمًا مظفرًا. غير أن النبي ﷺ يلحق بربه قبل أن يجاوز جيش أسامة الخندق١. وهكذا يمضي النبي ﷺ مخلفًا للمسلمين خطة واضحة المعالم. ورغم ظروف ارتداد المسلمين، وحديث الناس إلى أبي بكر بألا يفرق عنه جماعة المسلمين، الذين يشملهم الجيش في مثل هذه الظروف فإنه يعتزم إنفاذ جيش أسامة ولو تخطفته السباع، ولو لم يبقَ في القرى غيره٢. ويمضي أسامة فيغزو قبائل قضاعة، ويغير على آبل، ويعود غانمًا في أربعين يومًا، سوى مقامه ومنقلبه٣. وهكذا يبدو أن الرسول ﷺ هو الذي رسم بنفسه خطة التمهيد للدعوة في بلاد الشام، وأنه قد أدرك بثاقب نظره أن أشد الخطر يكمن في الشام ويتهدد الدعوة؛ حيث الروم وعمالهم، فكان إدراكه عين الحقيقة، فلم يكن إرسال مولى الرسول ﷺ إلا ليدلهم، وما كان سيره إليهم بنفسه وإرساله أسامة إلا لفتا إلى هذا الخطر، وإظهارًا لقوة المسلمين في هذه الأنحاء؛ ليقضيَ على هيبة الروم في نفوس صنائعهم، وليكسر خطوط المقاومة الأولى في طريق الدعوة، وليثير في نفوس المسلمين نوازع القوة الكامنة. وبرغم أن أسامة لم يلقَ جيش الروم، إذ اكتفى بأن دهم القبائل وغنم منها، فإن هذه الغزوة كانت بعيدة الأثر في حياة المسلمين، وفي حياة العرب الذين فكروا في الثورة بهم، وفي حياة الروم الذين تمتد بلادهم على حدودهم، حتى ليبعث هرقل بجيش قوي يعسكر بالبلقاء، وبرغم هذا كله لم يدر بخاطر أحد من أمراء الجيش الظافر أن يدفع أسامة لاقتفاء أثر عدوه، ذلك أن السياسة التي جرى عليها رسول الله ﷺ ، والتي كانت ماثلة في نفوس المسلمين جميعًا

стр. 67

كانت تقف عند تأمين التخوم العربية، حتى لا يحدث الروم أنفسهم بغزو العرب انتقامًا لليهود الذين كانوا يأتمرون بالمسلمين، فكان طبيعيًّا إذن أن يكر أسامة راجعًا إلى المدينة، دون أن يدور غزو الروم بخاطره. ولكن الانتصار الذي حققه أسامة كان له أثر بعيد في اعتزاز المسلمين بأنفسهم، وإكبارهم للذين حققوه. حتى ليصبح لانتصار أسامة هذا من الخطر ما لا يتفق مع قيمته الحقة، بل عد فيما بعد فاتحة للحملة التي وجهت لغزو الشام١. أما فيما قبل فتح الشام فلم يكن له هذا الخطر ذاته؛ إذ اتبع أبو بكر سياسة النبي ﷺ ، فهو متبع لا يدع أمرًا رأى رسول الله ﷺ يصنعه إلا صنعه؛ ولذا كانت وصيته لأسامة أن يصنع ما أمره به نبي الله ﷺ ، ولا يقصرن في شيء بما أمره. وقد مر بنا أن أبا بكر كان يرى التفكير في حرب الشام بعد انتهاء فتنة الردة أهون من حرب الفرس، فمنذ بدأت طلائع النصر تساير أعلام المسلمين في حرب الردة كان التفكير في حرب الروم يتردد على خاطر أبي بكر؛ لكنه كان يخشى إبرام هذا الأمر قبل الفراغ من المرتدين، خشية انتقاض العرب عليه. فلما هون المثنى أمر العراق، وانطلق خالد بن الوليد يكتسح أمامه الفرس وأهل البادية، ويضع يده على الحيرة ويتخذها عاصمة للمسلمين، ازداد تفكير أبي بكر في أمر الشام، وبخاصة بعد أن سلمت دومة الجندل وفتحت أبوابها للمسلمين. وكما كان بدء فتح العراق نتيجة للجهود التي بذلها بعض قادة المسلمين في حروب الردة كالمثنى كان نفس الأمر في فتح الشام، فإن خالد بن سعيد بن العاص -الذي كان ردءًا بتيماء على تخوم الشام- دعا إليه القبائل بأمر أبي بكر، فاجتمعت إليه جموع كثيرة جعلت عسكره عظيمًا٢، وترامت إلى هرقل أنباء هذه الجموع، فاتخذ للأمر عدته. وترامت إلى خالد بن سعيد أنباء استعدادات هرقل، فبعث بها إلى الخليفة مشفوعة برأيه أن يأذن له في منازلة الروم ومن انضم إليهم من قبائل العرب؛ مخافة أن يأخذوه ومن معه على غرة. وعقد أبو بكر مؤتمرًا دعا إليه جلة أصحابه وأهل الرأي للتداول في هذا الأمر، وطال النظر في الأمر والتشاور، حتى استقر الرأي على الغزو والتجهز له، وأن يستعين الخليفة بأهل اليمن وأهل شبه الجزيرة جميعًا. وكتب الخليفة إلى أهل اليمن وإلى عماله في

стр. 68

أنحاء شبه الجزيرة، فلقيت دعوته آذانًا صاغية، وخفوا يطلبون المدينة. وبينما أبو بكر بعد جيوشه تسلم كتابًا آخر من خالد بن سعيد باجتماع الروم ومن نفر إليهم من بهراء وكلب وتنوخ ولخم وجزام وغسان، فكان رد الخليفة: أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله. فأسرع خالد بكل قوته وتخطى الحدود لمنازلة القوم. ولم يلبث الروم وأنصارهم حين رأوه دنا منهم أن تفرقوا وتركوا منازلهم، فدخل معسكرهم وغنم ما فيه، وكتب إلى الخليفة بما صنع. فأجابه بأن يتقدم وبألا يقتحم، حتى لا يُؤتَى من خلفه. وتقدم خالد حتى بلغ القسطل في طريق البحر الميت. وهزم جيشًا من الروم على الشاطئ الشرقي لذلك البحر، ثم تابع مسيره. وثارت حمية الروم، كما ثارت حمية أهل الشام، فتجمعوا في أعداد عظيمة١. وفي هذا الوقت كان أبو بكر يبعث إلى عماله يخبرهم بين العمالة والجهاد، فآثروا الجهاد كعمرو بن العاص والوليد بن عقبة، وندبوا الناس معهم. وكان عكرمة بن أبي جهل قد قدم قافلًا من كندة وحضرموت، فما إن بلغ المدينة حتى أمره أبو بكر أن يسير مددًا لخالد بن سعيد، وكذلك سار الوليد بن عقبة فأدرك خالدًا، وتقدم معه لمقابلة الروم٢. وكان على جيش الروم القائد الأكبر باهان، الذي خدع المسلمين، وتراجع أمامهم حتى مرج الصفر، ثم استدار فأحاط بهم وقتل سعيد بن خالد، واضطر خالد إلى الفرار، تاركًا عكرمة يقود الجيش متقهقرًا به إلى حدود الشام؛ حيث تحصن وأقام ينتظر المدد. ورأى أبو بكر أن يزيل هذه الهزيمة، وأن يرد المسلمين إلى الإيمان بالنصر، ويمدهم بما ينزل في قلوب الروم الخوف والهلع. واهتاج أبو بكر لفتح الشام وعناه أمره٣، فوجه بشرحبيل ابن حسنة، الذي كان قافلًا من العراق بأنباء النصر، وأمره بالشام فجمع قوة من جيش ابن سعيد وابن عقبة، وسار بها إلى عكرمة٤. ودعا أبو بكر يزيد بن أبي سفيان، وأمره على جند، وأردفه بأخيه معاوية، فسارا وفصلا ببعض جيش ابن سعيد٥. وندب الخليفة جيشًا عظيمًا عليه أبو عبيدة بن الجراح، وأمره على حمص، وسمى الخليفة لكل قائد مكانًا،

стр. 69

فليزيد بن أبي سفيان دمشق، ولشرحبيل الأردن، ولعمرو بن العاص فلسطين، وانطلقت الجيوش في طريقها إلى الشام. وكان أبو بكر باهتياجه للشام على هذا النحو يعزز انتصارات المسلمين بالعراق، فلو وقف أمر المسلمين عند هزيمة خالد لذهب نصرهم في العراق بددًا، ولاقتحم عليهم الروم بلادهم. وظل المسلمون في مسيرهم حتى نزلوا الشام. وكان عمرو بن العاص معسكرًا في العربة. وتخطى أبو عبيدة البلقاء إلى الجابية، بعد أن خضع له عرب مآب١. ونزل شرحبيل الأردن، بينما نزل يزيد البلقاء. وقد اختلفت الروايات، ألقي المسلمون حربًا في جنوبي فلسطين، أم تقدموا فيها ولم يواجههم أحد؟ وتلتقي جيوش المسلمين بجيوش عكرمة؛ ليعسكر أبو عبيدة على طريق دمشق، ويعسكر شرحبيل في مرتفع بأعلى الغور، فوق طبرية ونهر الأردن، ويظل يزيد بالبلقاء مهددًا بصرى، ويسقي عمرو بالعربة٢. وعندئذ أدرك الروم الذين لم يعبئوا بالمسلمين بعدما انهزموا وفر خالد أن الأمر أجل خطرًا من أن يستهينوا به. فسير هرقل قوات عظيمة وقفت إزاء جيوش المسلمين، حتى يشغل كلا منها عن غيرها فيسهل التغلب عليهم. فعسكر جيش بقيادة تذارق أخي هرقل بإزاء عمرو. ووقف جيش بإمارة الفيقار بن نسطوس بإزاء أبي عبيدة. أما شرحبيل فاستقبل الداراقص على قوة من الروم، واستقبل جرجه جيش يزيد بن أبي سفيان٣. هاب المسلمون جيوش الروم حين رأوها يخطئها العد، ففزعوا بالكتب والرسل إلى عمرو بن العاص يلتمسون عنده الرأي، ورأى عمرو أنهم لا يستطيعون لقاء الروم متفرقين، فكاتبهم يقول: "إن الرأي الاجتماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة، فأما إن تفرقنا لم تقم كل فرقة لمن استقبلها لكثرة عدونا". وجاءهم كتاب أبي بكر بمثل رأي عمرو، وفيه: "اجتمعوا عسكرًا واحدًا، والقوا زحف المشركين بزحفكم، فأنتم أعوان الله، والله ناصر من نصره ... "٤. واتعد المسلمون اليرموك على طريق دمشق، واجتمعت قواتهم كلها على شاطئه الأيسر. فلما رأى الروم ذلك جمعوا قواتهم على الشاطئ الأيمن للنهر، وتولى تذارق "تيودوريك" قيادتها.

стр. 70

ونهر اليرموك ينحدر سريعًا بين آكام مختلفة الارتفاع إلى غور الأردن وإلى البحر الميت، وعلى مرحلة من ملتقى اليرموك بنهر الأردن تقع واقوصة في منبطح فسيح من الأرض، تحيط به من ثلاث نواح جبال بالغة الارتفاع. وقد اختار الروم هذا المنبطح معسكرًا لهم، فلما استقروا به تخطى المسلمون النهر إلى ضفته اليمنى، واختاروا منبطحًا آخر على الطريق المفتوح لجيش الروم. فلم يبقَ للروم طريق إلا عليهم. وأقام المسلمون برغم هذا لا يقدرون على شيء، ولا يقدر الروم منهم على شيء شهرين كاملين. ورأى المسلمون ألا بد لهم من مدد يعينهم، فكتبوا إلى أبي بكر يستمدونه حتى لا يسأم الجند ويضعف إيمانهم بالنصر. وجمع أبو بكر أولي الرأي من صحابة الرسول ﷺ متعجبًا أن يقف المسلمون هذا الموقف من الروم على كثرتهم، وتكشفت الحقيقة: أن العلة في القيادة، فالموقف يحتاج إلى قائد جسور وأبو عبيدة رقيق القلب، وابن العاص على دهائه غير مقدام، وعكرمة مناور مقدام ينقصه دقة التقدير. ثم إن كثرة الأمراء تجعلهم لا يقرون لواحد منهم بالتفوق، فإذا بأبي بكر يصيب كبد الحقيقة إذ يقول: "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد"١. وكتب أبو بكر إلى خالد إثر عودته من الحج: "سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا"٢. وأخذ خالد يتدبر أمره، فتقاسم الجند مع المثنى كأمر أبي بكر، ثم اجتاز طريقًا موحشًا بطريقة فذة وفي أيام قليلة، وتمكن من إصابة بعض والواحات والقبائل في طريقه، كما استطاع بمعونة دليله رافع الطائي أن يختصر الطريق، وأن يقضي على مشكلة الإمدادات وخاصة توفير الماء فيما يشبه المعجزة٣، ويدخل عمله في إطار الأسطورة. وقد تجنب خالد أن يلتقي بالروم حتى يبلغ جيوش المسلمين. وأغار في طريقه على سوى وتدمر، وصالح أهل قصم وانحدر إلى أذرعات فأغار على غسان بمرج راهط، ثم سار حتى نزل على قناة بصرى، وعليها أبو عبيدة وشرحبيل ويزيد فتقدمهم خالد واقتحموا بصرى وفتحها الله عليهم، ثم ساروا جميعًا إلى فلسطين مددًا لعمرو بن العاص، فعسكر خالد بجنوده إلى جوار زملائه، واكتمل جمع المسلمين على اليرموك.

стр. 71

وصادف قدوم خالد قدوم باهان، الذي رأى هرقل أن يعزز به جنده. وكان الموقف بالغًا غاية الدقة، فعدد المسلمين قليل جدًّا، بالقياس إلى عدد الروم. وظل الموقف جامدًا ثلاثة أسابيع يتدبر المسلمون أمرهم، وترامى إلى المسلمين أن الروم سينازلونهم في غدهم، وتحدث الأمراء في شأنهم، ولما آن لخالد أن يتحدث قال: "إن هذا اليوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر والبغي. أخلصوا لله جهادكم، وأريدوا الله بعملكم، فهذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قومًا على نظام وتعبئة وأنتم على انتشار"١ فلما سألوه الرأي، أشار بتعاورهم الإمارة، وطلب أن يتأمر في اليوم الأول، ولم يترددوا. عبأ خالد الجيش كراديس كل منها ألف رجل، وجعل على القلب أبا عبيدة، وعلى الميمنة عمرو بن العاص وشرحبيل، وعلى الميسرة يزيد، وجعل على كردوس فارسًا من شجعان المسلمين كالقعقاع وعكرمة ومن إليهما. وعهد إلى أبي سفيان بتحريض المسلمين وتذكيرهم، فسرت إلى قلوب المسلمين قوة لم يكن لهم بمثلها عهد مذ نزلوا الشام. وتقدم القادة صفوفهم يرتجزون ويخطبون ويتمثلون، وكلهم ينتظر الأمر بالهجوم بصبر نافذ، وعزم ثابت على النصر أو الموت. فلما صدرت الأوامر من باهان بالزحف كان جرجه بجيشه في الطليعة، وكان قد تعلم العربية وسمع عن خالد ومال قلبه إليه، فتلقاه خالد وأفسح له ولعسكره طريقًا، وظن الروم أن جرجه في حاجة إلى المدد، فانقضوا على المسلمين فأزاحوهم. وكان عكرمة على كردوسه أمام فسطاط خالد، ورأى تسليم جرجه وارتاح له، فلما رأى صفوف المسلمين تنزاح أمام الروم نادى: من يبايعني على الموت؟ فبايعه أربعمائة من وجوه المسلمين، واندفع بهم يلقون فيلق الروم في هجمة رجل واحد، فزلزلوهم كما زلزلهم انضمام جرجه إلى المسلمين، وأيقن المسلمون بالنصر أو الفناء عندما رد الروم هجومهم بأعنف منه. واندفع خالد والمسلمون وراءه يهوون على عدوهم بسيوفهم فيخطفون أرواحهم خطفًا، وازداد حماس المسلمين حتى شارك النساء الرجال، واستمات الروم في دفع المسلمين، وتأرجحت المعركة حامية الوطيس، فلما كانت الشمس في المغيب بدأت قوات الروم تهن، وكان نهر اليرموك يدور في الشمال على شكل نصف دائرة، بحيث

стр. 72

يحتضن جنوبي القوس سهلا له باب واحد من الجنوب، فدار خالد خلف جيش الروم وحصرهم فتردوا في هاوية الواقوصة، وشدد المسلمون الضغط عليهم فتلاحقوا فيها١. قضت معركة اليرموك على كل أمل للروم في استبقاء الشام، فلم يكد هرقل يسمع بهزيمة جيشه حتى جلا عن معسكره بحمص، وجعلها بينه وبين المسلمين، وقال قالته المشهورة: "سلام عليك يا سورية سلاما لا لقاء بعده ونعم البلد للعدو"٢. ويذهب غير قليل من المؤرخين إلى أن معركة اليرموك كانت بعد أجنادين ودمشق، وأن اليرموك كانت آخر الوقائع. يذهب إلى ذلك الواقدي والبلاذري والأزدي، مخالفين الطبري الذي اخترنا روايته. فالواقوصة التي حدثت المعركة عندها قريبة من بادية الشام ومن تخوم العرب، وهي أدنى الأرض إلى جيوش المسلمين حين التقائها. ويؤيد رواية الطبري ما يرويه ياقوت في هذه الوقعة من أنها حدثت لعهد أبي بكر، وأن البريد جاء بموته وخلافة عمر، وبتأمير أبي عبيدة على الشام كله، وبعزل خالد، وأخفي الخبر عن المسلمين حتى تم نصرهم. ثم دخل خالد على أبي عبيدة فسلم عليه بالإمارة وأفضى بالخبر٣. ونحن نميل إلى هذه الرواية ونرفض رواية البلاذري ومن سايره. وليس لنا إلا أن نحتكم في ذلك إلى الشعر الذي يؤيد وجهة النظر التي اخترنا بدوره، يقول القعقاع بن عمرو -وكان ضمن كتيبة خالد- مصورًا مسيرهم إلى اليرموك: بدأنا نجمع الصفرين فلم ندع ... لغسان أنفًا فوق تلك المناخر صبيحة صاح الحارثان ومن به ... سوى نفر نجتذهم بالبواتر وجئنا إلى بصرى وبصرى مقيمة ... فألقت إلينا بالحشا والمعاذر فضضنا بها أبوابها ثم قابلت ... بنا العيس في اليرموك جمع العشائر٤ كتب أبو عبيدة إلى عمر بما تم من نصر المسلمين في اليرموك، وأنه خلف بشير بن سعد بن أبي الحميري عليها ليحمي ظهره، وخرج إلى مرج الصفر يتعقب فلول المنهزمين

стр. 73

بفحل، وأنه أتاه الخبر بأن هرقل أمد دمشق بقوات من حمص، وأنه لا يدري أيبدأ بدمشق أم بفحل من بلاد الأردن؟ فأجاب عمر بالبدء بدمشق فهي حصن الشام، على أن يشغلوا أهل فحل في نفس الوقت. فأرسل أبو عبيدة إلى فحل بقوة كبيرة عليها أبو الأعور السلمي، وسار هو وخالد بن الوليد في قوة الجيش الكبرى إلى دمشق، ورأى الروم الذين لجئوا إلى فحل مقدم المسلمين عليهم، وكان أثر اليرموك وما أورثه إياهم من فزع لا يزال آخذًا بنفوسهم، فأطلقوا ماء بحيرة طبرية ونهر الأردن في الأرض حولهم، فأوحلت وتعذر السير فيها، وغاظ المسلمين ما صنع أعداؤهم فحاصروهم دون تقدم وظلوا على حصارهم. بينما كان أبو عبيدة يتقدم في كثرة الجيش إلى دمشق؛ حيث هجر الناس منازلهم ليحتموا في حصونها المنيعة برماتها ومنجنيقاتها وخنادقها التي طمتها مياه نهر بردي. وأمر أبو عبيدة جنده فسكنوا الغوطة معسكرين في كنائسها؛ حتى لا تحاصرهم قوة تأتي من حمص، وبعث بعلقمة بن حكيم وبمسروق العبسي فعسكرا بين دمشق وفلسطين؛ ليمنعا أمداد الروم من الجنوب. وعين لكل من قواده بابًا من أبواب دمشق الحصينة فنزل هو بالجابية، ونزل عمرو بن العاص بباب توماء، ونزل شرحبيل بباب الفراديس، ونزل يزيد بالباب الصغير المعروف بباب كيسان، أما خالد فنزل بباب دمشق الشرقي. ونصب المسلمون المنجنيق والدبابات حول أسوارها، لكن حصونها كانت أمنع من أن تفضها عدة العرب، فردت المدينة كل هجمات المسلمين بسهامهم ونبلهم. وكان نسطاس حاكم المدينة وباهان قائدها ينتظران أمداد هرقل، فطالت المقاومة، وأرسل هرقل ما وعد به، ولكن قوات المسلمين تصدت لأمداده. وعلى الرغم من هذا لم تسقط المدينة، وتمسكت بالمقاومة حتى انصرم الشتاء والعرب لا يريمون. وعند ذلك وهنت المقاومة وبدءوا يفكرون في الصلح. ودخل المسلمون المدينة بعد أن تسورها خالد من الشرق وفتح أبوابها، بينما دخلها أبو عبيدة من الجابية صلحًا، وكذلك فعل يزيد من باب توماء. وكان طبيعيًّا أن يتجه أبو عبيدة بادئ ذي بدء إلى التفكير فيمن خلف وراءه من جنود المسلمين عند فحل بالأردن، ولكنه شغل قليلًا بتسريح جند خالد إلى العراق كما أوصى أبو بكر، فسارت كتيبة العراق وعليها هاشم بن عتبة، وعلى مقدمتها القعقاع؛ لتدرك المسلمين في القادسية كما مر، وكاد يشغل عن فحل تمامًا؛ إذ أوعز إليه البعض بفتح حمص، مدفوعين بحماسة الظفر، ومنتهزين فرار هرقل منها إلى أنطاكية، لكنه

стр. 74

خالف مشورتهم حتى لا يقطع أحد ساقته، فترك يزيد على دمشق، وتقدم ومعه خالد وقوات الجيش مجتمعة وبلغ بهم فحل وقد جفت الأرض. وكان أبو بكر قد جعل إمارة الأردن لشرحبيل، فله القيادة لأن القتال يقع في إمارته، فبعث أبا الأعور السلمي إلى طبرية فحاصرها، وجعل خالدًا على مقدمة الجيش، وأبا عبيدة وعمرًا على المجنبتين، وضرار بن الأزور على الفرسان. وأقاموا قبالة الروم ينتظرون وطال وقوفهم، فخيل إلى سقلار قائد فحل أنه يستطيع أخذ المسلمين على غرة، فقد أمن المسلمون وأقاموا على غير عدة لطول مقامهم، وأنهم لذلك ستضطرب صفوفهم لأول وهلة. وخاب ظنه إذ إن المسلمين لم يأمنوا، وكان شرحبيل يبيت ويصبح على تعبئة، واستبسل الروم في قتال مرير، وطالت المعركة الليل كله، والنهار الذي يليه إلى الليل، حتى خارت قوى الروم ووهنوا، فانهزموا وقتل قائدهم وأسلمتهم هزيمتهم إلى الوحل، فلحق بهم المسلمون فركبوهم وخزًا بالرماح، وقتلوهم شر قتلة، فأصيب الثمانون ألفًا لم يفلت منهم إلا الشريد١. ثم نهد شرحبيل ومعه عمرو فحاصر أهل بيسان، ولكنهم لم يستمروا في المقاومة واضطروا إلى التسليم والصلح، فقد هوت روحهم المعنوية إلى منحدر من الضعف؛ بسبب ما أصابهم في اليرموك وفي دمشق وفي فحل. ثم إن أهل الشام لم تبلغ عداوة المسلمين منهم مبلغًا يعاون الروم على المقاومة، فقد حكمهم الروم بيأس وقوة لا يثيران حماسة لحكمهم أو حرصًا على بقائه. وبلغ أهل طبرية ما أصاب بيسان وأهلها، فطلبوا إلى أبي الأعور أن يصالحوا شرحبيل. واحتذى أهل أذرعات وعمان وجرش ومآب وبصرى مثالهم، وكذلك أذعنت بلاد الأردن إلى حوران وإلى البادية ورضيت سلطان المسلمين، الذين أقاموا الجند في المدن وتركوا لأهلها إدارة شئونها. وسار أبو عبيدة ليفتح حمص، فلما بلغ دمشق ضم إليه ذا الكلاع وقوته التي كان قد تركها ردءًا لدمشق من الشمال. وما إن بلغ إلى الشمال الشرقي من دمشق حتى لقي جيشًا من الروم بعث به هرقل بإمرة توذر، فوقف قبالته. وإنه لكذلك إذا أقبل شنس

стр. 75

الرومي مددا لتوذر، فعسكر على حدة. وتداول أبو عبيدة مع خالد، واستقر رأيهما على أن يلقى خالد توذر، وأن يلقى أبو عبيدة شنس، وكان همهما أن يصدا المسلمين عن حمص. وبات كل من القائدين يرتب أمر الحرب وينظم خطته، ولما تنفس الصبح لم يجد خالد أثرًا لتوذر، فقد انسحب في جنوده من أول الليل يريد دمشق، ثقة منه بأن حاميتها لن تطيق مقاومته. وتدبر خالد الأمر، فلا قيمة للانتصار على شنس إذا ما افتض توذر دمشق. وأسرع خالد في كتيبة من الفرسان يطارد توذر. وكان توذر قد وصل إلى دمشق، وبلغ يزيد خبره فخرج يلقاه، وأنشب القتال بعد أن أغلق أبواب المدينة، وبينما توذر يهاجمه أقبل خالد فأخذ الروم من خلفهم، وكبر وكبر الذين معه، فأيقن المسلمون المدافعون بوصول المدد، فأخذهم يزيد من أمامهم وخالد من خلفهم وأمعنوا فيهم قتلا، ولم يفلت منهم إلا الشريد. وغنم المسلمون خيلهم وأداة حربهم ومتاعهم. وعاد خالد إلى مرج الروم فوجد أبا عبيدة قد انتصر على شنس وقتله، ومزق جيشه كل ممزق١. وانطلق يلاحق فلوله إلى حمص وحاصر بعلبك، فلما ترامت هذه الأنباء إلى هرقل ارتحل على أثرها، وأرسل إلى أهل حمص يعدهم بالمدد، وأن العرب لن يطيقوا برد حمص، ولم تطل مقاومة بعلبك أمام أبي عبيدة فصالح أهلها، وتركهم إلى حمص فحاصرها وعلى مقدمته خالد بن الوليد. وامتنع أهل المدينة بحصونها لا يخرجون لقتال المسلمين إلا في اليوم الشديد برده، وطال بالمسلمين الحصار، وطال بأهل حمص انتظار ما وعدهم به هرقل، وانصرم الشتاء ولم يرحل المسلمون، فتراجعوا إلى الصلح أخيرًا ودخلها المسلمون. خلَّف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت ومضى نحو حماة، فتلقاه أهلها مذعنين، فصالحهم على صلح حمص. وسار إلى اللاذقية حيث حاصرها واضطر أهلها إلى الصلح، بعد أن خدعهم عن مدينتهم بحفر حفائر كالأسراب، ثم أظهر المسلمون رحيلهم فاطمأن أهلها وخرجوا إلى معاشهم، وعاد المسلمون مع الليل حيث دخلوا المدينة من حفائرهم، ومنعوا الذين خارجها من الدخول، فسلم من أقام في المدينة٢، وتوجه خالد إلى قنسرين حيث هزم ميناس هزيمة منكرة، وخرب المدينة بعد استسلامها عقوبة لها، وأودى بحاضرها وبمن فيها من عرب تنوخ وسليج.
следующие страницы →