← Адаб

Адаб · id 10001

شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام

النعمان عبد المتعال القاضي

Полный текст (304 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومن هذه الآثار أيضًا: ما قاله ضابئ بن الحارث البرجمي، الذي سجن بالكوفة بأمر من عثمان بن عفان، فقد استعار من قوم من الأنصار كلبًا من كلاب الصيد يُدعى "فرحان" وحبس الكلب عن أصحابه ورفض إعادته إليهم، فكاثروه وانتزعوه منه، فهجاهم بقوله: تجشم دوني وفد فرحان خطة ... تضل لها الوجناء وهي حسير فباتوا سباعًا ناعمين كأنما ... حباهم ببيت المرزبان أمير فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم ... فإن عقوق الأمهات كبير١ وأثر فيهم هذا الهجاء المقذع، فاستعدوا عليه عثمان، الذي كتب إلى الوليد بن عقبة بحبسه واستثقل ضابئ الحبس وتنبأ بموته في السجن وتحقق ظنه؛ حيث قال: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت ووليت البكاء حلائله وقائلة قد مات في السجن ضابئ ... ألا من لخصم لم يجد من يجادله وقائلة لا يبعد الله ضابئا ... فنعم الفتى تخلو به وتحاوله٢ وكان كعب بن ذي الحبكة النهدي في الكوفة يعالج بالسحر والشعوذة وبلغ عثمان ذلك، فأرسل إلى الوليد أن يتبين أمره، فإن كان حقيقة ضربه موجعًا، ثم غربه إلى دنباوند من أعمال الري، ففعل الوليد، فقال في تغريبه: لعمري لئن أطردتني ما إلى الذي ... طمعت به من سقطتي لسبيل روت رجوعي يابن أروى ورجعتي ... إلى الحق دهرًا غال حلمك غول وإن اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل وإن دعائي كل يوم وليلة ... على بدنبا وندكم لطويل٣ وكان هذا الشاعر من رءوس الفتنة في قتل عثمان.

стр. 247

٢- أحاسيس ومشاعر دينية: لعل أقرب تسمية للمسلمين في شعر الفتح كله ما أسماهم به زياد بن حنظلة من أنهم رجال الله، فهذه التسمية أكثر انطباقًا عليهم وعلى الحقيقة؛ إذ إنهم أدركوا هذا تمام الإدراك يوم أن اتخذوا هذه العقيدة دينًا، ويوم توحدت كلمتهم على هذا الدين الذي بث فيهم أحاسيس ومشاعر سامية، وأبدلهم من بعد ضعف قوة، وجعلهم يشعرون بأنهم دائمًا منتصرون ما داموا جندًا في سبيل إعلاء كلمته. وقد تغلل في مكان الاعتقاد منهم صدق الداعي الذي دعاهم إلى سعادة الدنيا والآخرة. فتأكد لهم أن الآخرة خير وأبقى، ما دام الله قد اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون. وأن الذين في سبيل الله ليسوا أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. واستقر في موضع اليقين منهم: أن الله منزل نصره عليهم، إذا صدقت منهم النيات في لقاء عدوهم، فيفوز المقتول منهم بسعادة الآخرة، ويحرز الباقي سعادة الدنيا؛ ولهذا كان شعارهم دائمًا قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] . ولهذا فإن الفاتحين المؤمنين لم يحرصوا على الحياة حرصهم على الفوز بالجنة، ولم يجزعوا من الموت، فإن كل شيء قدر تقديرا ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] . وقد تجلت هذه المعاني في الشعر الذي صدر عن الفاتحين منطلقهم إلى الجهاد، يردون فيه على ذويهم الذين تمسكوا بهم وناشدوهم البقاء، واستعدوا الخليفة أن يردهم؛ إذ لا عائل لهم سواهم، فكانوا يجيبون بأن الله قد دعاهم من قبل، وبأنهم استجابوا لداعيه. وقد ظل هذا الإحساس يلازم المجاهدين في الميدان. فكانت أسمى ملحمة في تاريخ العقيدة عرفها العالم إلى اليوم؛ إذ كان بعض المحاربين يشرون أنفسهم صائمين ويستشهدون، كما فعل المهاجر بن زياد الحارثي وغيره١. فقد كانوا لا يرون أمامهم إلا

стр. 248

ما وعد الله من الجنة والأجر العظيم، لا طلبة لهم إلا الموت أو النصر، ولا غاية بعد هذين من جاه أو ثروة، وما زالت أبيات عروة ترن في أسماعنا إذ يقول: فلا ثروة الدنيا نريد اكتسابها ... ألا إنها عن وفرها قد تجلت وماذا أرجى من كنوز جمعتها ... وهذي المنايا شرعًا قد أطلت وأصبح همي في الجهاد ونيتي ... فلله نفسي أدبرت وتولت١ وهم لا يستشعرون أدنى ضجر أو ضيق بإزاء ما يلقون من مشاق الجهاد، ومن المنايا التي تحدث بهم من كل جانب، وإنما هم يحمدون هذه المشاق التي ساقتهم إليها عقيدتهم، ويشكرون الله أن هداهم للإيمان، ويسألونه أن يوفقهم في طاعته. يقول في ذلك عروة بن زيد الخيل: صبرت لأهل القادسية معلما ... ومثلي إذا لم يصبر القرن أصبر فطاعنتهم بالرمح حتى تبددوا ... وضاربتهم بالسيف حتى تكركروا بذلك أوصاني أبي وأبو أبي ... كذلك أوصاه فلست أقصر حمدت إلهي إذ هداني لدينه ... فلله أسعى ما حييت وأشكر٢ ورائعة هذه الأهازيج التي كان يلقى بها المجاهدون وهم يلقون أعداء الله، ويعلنون فيها أنهم لا يبغون إلا الشهادة أو النصر، كما جاء على ألسنة أبناء الخنساء يوم القادسية، حينما ألقوا بأنفسهم إلى الموت واحدًا إثر الآخر، وأجمعوا على هذا المعنى في نهاية أراجيزهم، فقال الأول: وأنتم بين حياة صالحة ... أو ميتة تورث غنما رابحة٣ وقال الثاني: إما لفوز بارد على الكبد ... أو ميتة تورثكم عز الأبد في جنة الفردوس والعيش الرغد٤ ...

стр. 249

وقال الثالث: إما لفوز عاجل ومغنم ... أو لوفاة في سبيل الأكرم١ وبنفس هذه الروح المؤمنة كانوا يواجهون الموت، فإن أدركهم في عزيز لديهم لم يجزعوا. وما يجدي الجزع ولكل أجل كتاب، إن الموت حق، وأمر لا بد من نفاذه ضربة لازب. ولا يملكون أمامه إلا الإيمان والتسليم. وعلامَ البكاء وسوف يُبكى على الباكين في يوم قريب؟! بمثل هذه المشاعر كانوا يواجهون الموت، كما واجهه أبو ذؤيب بهذا الإيمان العميق في قوله: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع لا بد من تلف مقيم فانتظر ... أرض قومك أم بأخرى المصرع ولقد أرى أن البكاء سفاهة ... ولسوف يولع بالبكا من يفجع وليأتين عليك يوم مرة ... يبكي عليك مقنعًا لا تسمع٢ ونفس هذه الروح نجدها في مرثية كثير بن الغريزة؛ إذ يقول: ورب أخ أصاب الموتى قبلي ... بكيت ولو نعيت له بكاني فلا تستبعدا يومي فإني ... سأوشك مرة أن تفقداني٣ وكانت تشيع في رثائهم -إلى جانب نغمة التسليم والإيمان- نغمة رضاء واستبشار واستحسان؛ لما قدمه الشهيد باستشهاده، وما تحمله من تضحيات، فعليه إذن أن ينام قرير العين، هانئ البال. يقول القعقاع في رثاء خالد بن يعمر: حضض قومي مضر حي بن يعمر ... فلله قومي حين هزوا العواليا وما خام عنها يوم سارت جموعنا ... لأهل قديس يمنعون المواليا٤

стр. 250

وهذا خليد بن المنذر يدعو لهؤلاء الذين خضبوا بدمائهم الرماح يوم طاوس فيقول: فلا يبعدن الله قومًا تتابعوا ... فقد خضبوا يوم اللقاء العواليا١ وهذا عبد الله بن سبرة الجرشي -الذي قطع الأرطبون يده يوم فلطاس- لا يشعر بالحسرة والندم على يده، إلا أنها تمنعه الجهاد، ولكن ما دام بها بنانتان وجرموز يقيم بها صدر القناة فلا بأس. وعلامَ يتحسر عليها وقد قامت بدورها فقطعت أوصال الأرطبون قبل أن يقطعها؟! وفي هذا يقول: فإن يكن أرطبون الروم قطعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا وإن يكن أرطبون الروم أفسدها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا بنانتان وجرموز أقيم بها ... صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا٢ ومن المشاعر الإسلامية الخطيرة التي شاع أثرها في الشعر ما ركزه الإسلام في العرب من إحساس بالقوة، وما أثمره عمق إيمانهم من اعتداد بأنفسهم، وتقدير لذواتهم، واستهانة بقوى الباطل، لإيمانهم بأنهم على حق وفي سبيله. وقد أبدلهم الإسلام عن إحساسهم بالضعف والهيبة أمام الفرس والروم في الجاهلية إحساسًا بالقوة، وشعروا بأنهم ألأعلون، وإن على أكتافهم تقع مسئولية تبليغ الرسالة، التي أضحوا قوامين عليها إلى العالمين، بما في ذلك دولة فارس ودولة الروم. وبغير هذا الإحساس لم يكن يتسنى للعرب -وهم فل حروب داخلية حصدتهم حصدًا، ولم يكن يمكنهم وهم على ما هم عليه من ضعف العدة وضيق ذات اليد وقلة العدد بالقياس إلى هاتين الدولتين- أن يستبيحوا حماها أو أن يدوسوا حصونهما ومعاقلهما. فقد قلب هذا الإحساس -بالثقة والمسئولية- ميزان الموقف رأسًا على عقب، فإذا بالحفاة العراة رعاة الإبل وأكلة الحنظل يطبقون من كل جانب على سادة الأمس القريب، وهم على ما هم عليه من ضخامة الثروة، والمدنية والعمران، وانفساح الرقعة،

стр. 251

والبطش والقوة. وإذا بهم يسوقونهم سوقًا إلى حظيرة الإسلام، ويزلزلون عروشهم، ويأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، وإلا حكموا فيهم سيوفًا مؤمنة تصرعهم في كل وقعة. أجل كان العرب في جميع أطوار حياتهم -بحيال دولتي الفرس والروم- لا يهجس في نفوسهم هاجس بالاستطالة عليهم أو مساماتهم، وإنما كان قصارى من سمت به همته إلى الملك منهم أن يكون تابعًا لهما خاضعًا لسيطرتهما، كما كان المناذرة عمالًا للفرس، والغساسنة عمالًا للروم. ولكن، أما وقد جاءهم الإسلام بهذه الأحاسيس، فبث فيهم تلك المشاعر، ووحد كلمتهم، وأمد لهم في الأمل، فما النصر إلا من عند الله، وإن ينصرهم فلا غالب لهم. فأولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون. ولو رجعنا إلى أقوال قوادهم ورسلهم إلى كبراء هاتين الدولتين العظيمتين وقوادهما لوجدناها تنطق بهذه الآمال وبتلك الثقة، كما يظهر في قول المغيرة بن شعبة لرستم لما خوفه مغبة الأمر إذ قال: "يدخل من قتل منا الجنة، ومن قتل منكم النار، ويظهر من بقي منا على من بقي منكم"١. وهذا عبادة بن الصامت وقد خوفه المقوقس قوة الروم وكثرة عددهم على حين أن العرب قلة لا يقدرون عليهم يواجهه في ثقة وإيمان وبسالة بقوله: "يا هذا.. لا تغرن نفسك وأصحابك. أما ما تخوفنا به من جموع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم.. فلعمري ما هذا الذي تخوفنا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، وإن كان ما قلتم حقًّا فذلك -والله- أرغب ما يكون، في قتالهم، وأشد لحرصنا عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، وإن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته. وما شيء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك٢. وتدور هذه الروح في كتب خالد بن الوليد وغيره من قواد المسلمين إلى قواد الفرس وعظمائهم. وقد سكب بعض الفاتحين هذه الروح في أشعارهم، فصوروا أعداء المسلمين وسادتهم بالأمس في صور تدل على

стр. 252

هوانهم على المسلمين، وخذلانهم أمام الحق الأبلج، فهم أناس لا يدافعون عن فكرة كما يفعلون، ولا يحامون عن الحقيقة كما يحامون. والفرس مجوس لا يعرفون الله الذي هدى العرب إلى الإسلام، وليس لهم كتاب يهديهم إلى الحق، فهم في معصية الله، ولكن المسلمين في طاعته يقول الأسود بن سريع التميمي: أطاعوا ربهم وعصاه قوم ... أضاعوا أمره فيمن أضاعوا مجوس لا ينههما كتاب ... فلاقوا كبة فيها قبوع١ وهذا أوس بن بجير الطائي يقرر هذه الحقيقة؛ إذ يقول: ليت أبا بكري يرى من سيوفنا ... وما نجتلي من أذرع ورقاب ألم ترَ أن الله لا رب غيره ... يصب على الكفار سوط عذاب٢ وقد راح الفاتحون يصورون الفرس في صور مختلفة، معبرين بذلك عن استهانتهم واحتقارهم. فهذه قصورهم قد آل ما بقي منها إلى المسلمين، وخرب منها ما خرب، حتى عادت كأضراس الكلاب، كما يقول عاصم بن عمرو في قصور الحيرة: حصرنا في نواحيها قصورا ... مشرفة كأضراس الكلاب٣ وقد حطهم المسلمون من هذه القصور فزلزلوا عروشهم، كما يقول القعقاع بن عمرو: حططناهم منها وقد كان عرشهم ... يميل به فعل الجبان المخالف٤ وهذه بلادهم المنيعة الحصينة التي كانت حرامًا لا يرام بالحشود، أصبحت حلالًا للمسلمين مباحًا، وأصبح تمر النرسيان الذي لم يكن يأكله إلا الأكاسرة طعامًا حلالًا لهم، كما يقول عامر بن عمرو:

стр. 253

فظلت بلاد النرسيان وتمره ... مباحًا لمن بين الديار الأضافر أبحنا حمى قوم وكان حماهم ... حرامًا على من رامه بالعساكر١ وها هم المسلمون يغلبون ملوك الجزيرة، فيشلون حركتهم، ولا يستطيعون معاونة حلفائهم من الروم، كما قال عياض بن غنم: غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا ... عن غزو من يأوي بلاد الشام٢ وهذه كنوز المرء كسرى، تلقى في حجورهم، كما يقول نافع بن الأسود: وانتشلنا خزائن المرء كسرى ... يوم ولوا وحاض منا جريضا٣ وها هم المسلمون يذيقونهم ما لم يقدروا وما لم يحتسبوا، فإذا بهم يتنادون بقبول الجزية صاغرين، كما يقول عبد الله بن بشير بن عامر: غداة رأوا الخيل العراب مغيرة ... تقرب منهم أسدهن الكوالحا تنادوا إلينا واستجاروا بعهدها ... وعادوا كلابًا في الديار نوابحا٤ ويعبر عمرو بن مالك الزهري عن هذا المعنى فيقول: فنادوا إلينا من بعيد بأننا ... ندين بدين الجزية المتواتر٥ وهذا الأسود بن قطبة يفخر بأن الفرس قد دفعوا إليه بفدية الأسرى وأنفهم راغم، فيقول: ألا أبلغا عني الغريب رسالة ... فقد قسمت فينا فيوء الأعاجم وردت علينا جزية القوم بالذي ... فككنا به عنهم ولاة المعاصم٦

стр. 254

وبهذا الإحساس وحده نفى المسلمون فارسًا عما أرادت وأبادوها، وكانت ثابتة الأركان ممتدة السلطان، كما يقول عمرو بن شأس الأسدي: نفينا فارسًا عما أرادت ... وكانت لا تحاول أن تريم١ ولم تعد فارس عرين أسود، وإنما سارت بأيدي المسلمين حظيرة كلاب نابحة، لا يقيم لها المسلمون وزنًا، كما يقول الراجز: وإنما تلقون عند الصائحة ... من آل ساسان الكلاب النابحة٢ وهي لا تزال تعوي تحت ضربات المسلمين في معارك حامية الأوار، كتلك التي قادها النعمان بن مقرن يوم أربك حيث يقول: عوت فارس واليوم حام أواره ... بمحتفل بين الدكاك أربك٣ والفرس ليسوا إلا أنعامًا، لا حول لهم ولا قوة أمام المسلمين الذين يصرعونهم على الآكام، كما يقول زهرة بن حوية: وصرعوا الفرس على الآكام ... كأنهم نعم من الأنعام٤ وهم أيضًا أجساد نجسة مجوسية مشركة، كما ينعتهم نافع بن الأسود في قوله: فضضت جموع الفرس ثم أنمتهم ... فتبا لأجساد المجوس النجائس٥ وهذا مجد فارس تهدمت أركانه، ولم يعد هنالك إلا الإماء والثواكل النائحات تبكين وتعولن على المجد الضائع تحت سيوف المنتصرين، يقول القعقاع بن عمرو: فنحن الألى فزنا بحلوان بعدما ... أرنت على كسرى الإما والحلائل٦

стр. 255

ويقول عمرو بن شأس الأسدي: وداعية بفارس قد تركنا ... تبكي كلما رأت الهلالا١ وكذلك كان شأن الروم، إذا انهارت دولتهم، وأقبلت الشام العريضة بما عليها ومن عليها تلقي بنفسها وبخيراتها إلى المسلمين، كما يقول زياد بن حنظلة: وأقبلت الشام العريضة بالذي ... أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا فقسط فيما بينهم كل جزية ... وكل رفاد كان أهنا وأحمدا٢ وعندما طرد المسلمون أرطبون من أجنادين إلى بيت المقدس شريدًا فطموا الروم عن الشام، كما يقول زياد أيضًا: ونحن تركنا أرطبون مطردا ... إلى المسجد الأقصى وفيه حسور فطمنا به الروم العريضة بعده ... عن الشام أدنى ما هناك شطير٣ وها هي دولة الفرس تبيد، ويصبح الفرس رعاة الشياه للمسلمين، وكأن ملكهم كان حلمًا وليس هذا إلا بما نصر الله به المؤمنين، وما كانوا ليهتدوا إلا أن هداهم الله. يقول النابغة الجعدي: يأيها الناس هل ترون إلى ... فارس بادت وجدها زعما أمسوا عبيدا يرعون شاءكم ... كأنما كان ملكهم حلما أو سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما٤ وها هي دولة الروم تبيد وتصبح فيئًا للمسلمين، وعيشًا خصيبًا لهم، يقول زياد بن حنظلة: وألقت إلينا الشام أفلاذ بطنها ... وعيشا خصيبا ما تعد مآكله أباح لنا ما بين شرق ومغرب ... مواريث أعقاب بنتها قرامله٥

стр. 256

٣- معاني إسلامية خالصة: ولعل أكثر الطوابع الإسلامية مباشرة وأبرزها ظهورًا في شعر الفتوح محاولة تمثل بعض المعاني الإسلامية الخالصة، تمثلًا قريبًا من صورتها في آي الذكر الحكيم، كما حدث في شعر النابغة الجعدي، الذي اتخذ زوال دولة الفرس موضوعًا له، فصوره معجزة من المعجزات الباهرة، التي وفق الله المسلمين إليها، حتى ليجعلنا نعتقد أنه وضع أمامه آيات بعينها من الكتاب العزيز، وراح ينظمها نظمًا، حافظ خلاله -جاهدًا- على ألفاظها. وهي محاولة طريفة، إذا تتبعنا أبياته لنرى إلى أي مدى تمثل هذه المعاني. يقول النابغة: الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما١ وهذا معنى يتردد كثيرًا في القرآن الكريم، من مثل قوله على لسان لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ثم يأخذ في تعداد الآيات الكونية فيقول: المولج الليل في النهار وفي ... الليل نهارًا يفرج الظلما وكأنه يعني قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [لقمان: ٢٩] . ثم ينتقل إلى آية أخرى من الآيات الكونية فيقول: الخافض الرافع السماء على ... الأرض ولم يبن تحتها دعما وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] وينتقل إلى معنى آخر فيقول: الخالق البارئ المصور في الـ ... أرحام ماء حتى يصير دما من نطفة قدرها مقدرها ... يخلق منها الأبشار والنسما

стр. 257

ثم عظاما أقامها عصب ... ثمت لحمًا كساه فالتأما ثم كسا الريش والعقائق أبشـ ... ـارا وجلدا تخاله أدما وهو يقصد بهذه الأبيات، إلى التدليل على أن البعث حق، وكأنه يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] . أو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢-١٦] . ثم يتحدث عن أنعم الله على الإنسان من كساء يواري به سوآته، مصداق قول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] . ثم يتحدث من بعد ذلك عن قدرته تعالى، في اختلاف الخلق، وأصواتهم، وألوانهم، فيقول: والصوت واللون والمعايش والـ ... أخلاق شتى وفرق الكلما ذلك المعنى الذي تعبر عنه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] . وهذا كله من أجل أن يدلل على صحة البعث والنشور ليقول: ثمت لا بد أن سيجمعكم ... والله جهرًا شهادة قسما فائتمروا الآن ما بدا لكم ... واعتصموا إن وجدتم عصما في هذه الأرض والسماء ولا ... عصمة منه إلا لمن رحما

стр. 258

فهو يعني: إحاطته بالخلق، وكأنه ينظر في قوله على لسان نوح ﵇ لابنه حين قال: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] . وينتهي ليذكر الفاتحين التي أجراها الله على أيديهم، في إزالتهم ملك فارس فيقول: يأيها الناس هل ترون إلى ... فارس بادت وجدها رغما أمسوا عبيدًا يرعون شاءكم ... كأنما كان ملكهم حلما أو سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما١ وآية هذا أن طوابع إسلامية قد طبعت الشعر الإسلامي في الفتوح من جراء صدوره في ظروف أثرت في شكله، ونزعت به إلى التخفف من المقدمات الغزلية والطللية، التي لا تتلاءم مع ما يتحمل الفاتحون من مسئوليات سامية وجادة، وما هم مشتغلون به عما سواه. وقد أتاح هذا للرجز أن يصبح قالبًا من قوالب الشعر، يتحمل موضوعات القصائد. وكان من أبرز الطوابع التي طبعت المضمون الشعري صدور الشعر عن روح الجماعة الإسلامية، وعن وجدانها الجماعي، الذي استنفد القوميات المحلية والعصبيات القبلية وصاغها صياغة جديدة، في إطار جديد. كما صدر الشعر عن المثل الإسلامية الرفيعة، وعُنِيَ بنقلها، وصور تطبيق النظم الإسلامية في الأمصار الجديدة. كذلك طبع الشعر بمثل ما طبعت به النفوس المؤمنة من المشاعر الدينية، والأحاسيس الروحية السامية، التي تجلت في الإيمان العميق بالله، والحرص على الفوز بما وعد، والاستسلام لقضائه، وما بثه الإسلام في العرب من اعتزاز بأنفسهم تضاءلت أمامه هيبة الدول، التي تسلطت عليهم بالأمس فأدالوها وسادوها، بما دفعه الإسلام فيهم من روح جديدة، أكدت لهم ضرورة هدايتهم العالمين إلى ما هداهم به ربهم. وقد اصطبغ الشعر في ألوانه وضروبه جميعًا بصبغ إسلامي، واضح في معانيه وتعبيراته وألفاظه، وكان من أبرز هذه الطوابع الإسلامية ما حاوله بعض الشعراء من محاكاة المعاني الإسلامية، والتعاليم الدينية وآيات القرآن الكريم.

стр. 259

الفصل الثالث: الطوابع الشعبية ١- أحاديث البطولة بين الواقع والأسطورة: لا ريب أن أنباء الفتح وأخبار المسلمين مع الفرس والروم وأقاصيص غزواتهم العديدة وما كان يلقى المسلمون هنا وهناك من تقدم أو تقهقر أو عسر أو يسر كان ينتقل بين الميادين المختلفة، وتنعكس أصداؤه على المسلمين في شبه الجزيرة العربية؛ حيث كانوا هناك يستشرفون هذه الأخبار وينتظرونها بشغف، ويتتبعونها في حرص ولهفة، ذلك أنهم وجهوا كل اهتمامهم آنذاك إلى ما قد تتمخض عنه هذه الحركة الهائلة في تاريخهم وتاريخ عقيدتهم. وكان هذا الاهتمام يظهر في وضوح في أثناء المعارك المهمة والفاصلة؛ إذ يروي الرواة أن العرب كانوا يتوقعون وقعة القادسية فيما بين العذيب إلى عدن، وفيما بين الأبلة وأيلة، ويرون أن ثبات ملكهم وزواله بها. وكانت كل بلد مصيخة إليها، تنظر ما يكون من أمرها، حتى إن الرجل كان يريد الأمر فيقول: لا أنظر فيه حتى أنظر ما يكون من أمر القادسية١. وكان المسلمون يتلهفون على أبناء المعارك والانتصارات. وكان الفاتحون وكثرتهم من المسلمين العاديين الذين انطلق الشعر على ألسنتهم ولم يكونوا يعرفون به من قبل يسجلون انتصاراتهم ويغتبطون بها، وكان كل هذا يتجمع في روايات الرواة، في صورته الأولى التي صدر فيها، والتي لم تصل إلينا على كل حال؛ إذ إن هذه المرويات المأثورة من أخبار الأبطال وبلائهم، وأفانين بسالتهم، وما يروون لهم أو عنهم من الشعر في إطار زمني يحدد سير المعارك قد تعرضت في صورتها البسيطة الواقعية لغير قليل من محاولات النسج، والسبك والتضخيم، والإغراق، ودخلها كثير من الخيال الشعبي.

стр. 260

فقد ظلت هذه الآثار تتناقل على الألسن زمنًا قبل تدوينها، وأسهم القصاص الذين كانوا يتحدثون إلى الناس في مساجد الأمصار -فيذكرون لهم من أخبار المغازي والفتوح ما يمثل لهم أهواءهم وشهواتهم ومثلهم- إسهامًا خطيرًا في البعد بهذه المرويات المأثورة من الواقع إلى الخيال البعيد. فقد كان هؤلاء القصاص يمضون مع الخيال إلى حيث يستطيع الخيال أن يذهب بهم، لا إلى حيث يلزمهم العلم والصدق أن يقفوا. وكأن الناس كلفين بهؤلاء القصاص، مشغوفين بما يلقون إليهم من حديث١. كما كان القصاص كلفين بإرضاء روح الشعب الذين كانوا يتحدثون إليه، والذي يطلب المعجزة في كل شيء، فعنوا عناية كبيرة بالأساطير والمعجزات وغرائب الأمور، وصوروا له تاريخه وفتوحه كما يحب أن يراها وأن يسمعها، ورسموا له صور الأبطال الذين يعجب بهم ويتمثلهم رسمًا خياليًّا أسطوريًّا. وكانت هذه الأحاديث شأنها شأن القصص الشعبي كله في حاجة إلى الشعر، فالبطل لا بد أن يكون شاعرًا إلى جانب فروسيته، وعاشقًا ومستخفًّا بكل المصاعب التي يواجهها. وهذه المواقف في حاجة إلى الشعر؛ لتزيينها، وتشويق الشعب لسماعها. ورصعت هذه الأحاديث بالشعر، وأضيفت هذه الأشعار إلى الشعراء وغير الشعراء، ونتجت أشعار تنسب إلى غير قائل، وأشعار أخرى تنسب إلى الجن، وولدت الروايات، وامتلأت بالأعاجيب والتهاويل، حتى ليذهب بعض الباحثين المحدثين إلى أن الأخبار التي استخلص منها تاريخ العرب ليست إلا المظهر القصصي للحياة العربية القديمة، ذكرها العرب بعد أن استقروا في الأمصار، فزادوا فيها ونموها وزينوها بالشعر٢. وظلت الروايات هذه تتعرض لعمل الرواة والقصاص، وتتأثر بالظروف التي تروى خلالها؛ حيث اشتدت العداوة السياسية، وعادت العصبية جذعة عقب الانتهاء من الفتوح، واشتعلت الفتن، ولعبت هذه الظروف -فضلًا عن تعلق روح الشعب الذي شغف برواية أخبار الفتوح- دورها في تغيير صور هذه الآثار إلى ما يرضي نزعات

стр. 261

الشعب، من الإغراب والإعجاب وما يساير نزعات السياسة والعصبية، وبعد هذا كله عن الوقائع، إلى أن أصبحت أساطير أو كادت، حتى دونت في القرن الثاني الهجري. ومن بين هذه العوامل جميعًا نجد روح الشعب أكثر فاعلية في البعد بهذه الأحاديث عن الواقع؛ إذ إن المسلمين الذين تحققت على أيديهم المعجزة فدكوا صروح الفرس والروم بهرتهم المعجزة التي صنعوها بأيديهم، فراح وجدانهم يطلب الإعجاز في تبريرها، ويسهم بطريق غير مباشر في رواية تاريخ الفتوح، رواية تشبع مطامحه وترضي اعتزازه، كما يبدو في تصوير بلاء الفرسان الأفذاذ؛ كخالد بن الوليد، والقعقاع، والمثنى، وعمرو بن العاص، وأبي محجن الثقفي، وعمرو بن معديكرب، وغيرهم من الأبطال الذين نسبت إليهم أفعال معجزة لا تكاد تصدق. بل إن هذه الأفعال كثيرًا ما نسبت إلى المحاربين العاديين. فهذا حياص بن قيس بن الأعور القشيري، الذي قطعت رجله يوم اليرموك يقتل ألفًا من الروم وحده في هذا اليوم١. ولو رحنا نعدد القتلى الذين قتلهم المسلمون من الفرس والروم في الوقائع المختلفة جميعًا لربا مجموعهم على كل ما نعرف الآن من ضخامة الجيوش الحديثة. ونحن لا نذهب مذهب الشك الخالص في هذه الروايات، وما احتوت عليه من الأخبار والأشعار والقصص، فإنها على حد زعم المتشككين مظهر للوقائع الحقيقية، تدل عليها وتصورها، وتعطينا صورة لروح الشعب في ذلك الوقت. وسنرى فيما بعد كيف لعبت هذه العوامل دورها في البعد بالروايات وأحاديث البطولة من الواقع التاريخي إلى التاريخ الأسطوري، الذي نسجه الخيال الشعبي.

стр. 262

٢- قصص الفرسان في الفتوح: روى القصاص أحاديث البطولة في الشعب، الذي كان يتطلب أن يرى فيها إعجازًا وإغرابًا يبرران المعجزة التي تحققت له. وكان يحب أن يرى نفسه في فرسانه الذين حققوا هذه المعجزة. وأفلح القصاص في نسج هذه الصورة التي بعدت مع الخيال -في بعض جوانبها- عن الواقع الحقيقي إلى الأسطورة الخيالية، وصورت له الفرسان المسلمين في صورة عجيبة وفذة، وهي صورة ترضي أحاسيسه بالاعتزاز وتتملق إعجابه بتاريخه. ومن هذه القصص ما روي في أخبار القواد والأمراء والفرسان الذين برزوا ببلائهم، واتخذت أفعالهم الفذة نواة صيغت حولها هذه الصور الأسطورية. تتبعت هذه الأخبار اجتياح خالد بن الوليد للعراق في السنة الأولى، وإخضاعه لها، وإجرائه أنهار الدم في أليس وفم فرات بادقلي، وافتضاضه الحيرة والأنبار وعين التمر، وإنقاذه عياض بن غنم، وفتح دومة، واعتسافه الصحراء إلى مكة؛ ليؤدي فريضة الحج وعودته إلى الحيرة قبل أن يعود جيشه إليها، ثم اعتسافه الصحراء إلى الشام في خمسة أيام، سلك فيها طريقًا غامضًا، لا يزال موضوع حدس وتخمين لعلماء الجغرافية العسكرية إلى اليوم. وقد فعلت هذه الروايات فعل السحر في الناس. فتابعوا خالدًا في الشام فإذا هو بطل اليرموك، وهو الذي تسور دمشق، وإذا هو أحد أركان المسلمين فيها بعد فتح دمشق، وفي القضاء على الفتن في شمالي الشام. ولا شك أن هذه الروايات هي التي عزلت خالدًا، كما يبدو في كتاب الخليفة إلى الأمصار، واعترافه بأنه لم يعزله عن خيانة وتقصير، وإنما لأن الناس قد فتنوا به، فخاف أن يوكلوا إليه الأمر، وأحب أن يعلموا أن الله هو الصانع، وأن عمر تمثل بقول الشاعر: صنعت فلم يصنع كصنعك صانع ... وما يصنع الأقوام فالله صانع١ وقد مر بنا كيف كانت حياة عمرو بن معديكرب أقرب ما تكون إلى الأسطورة، من ترداد لقصص بطولته وأفاعيله في القتال، ومنازلة الأقران وشجعان العرب، واستهانته بكل صعب، وما كان من امتداد عمره حتى ينيف على المائة، والرغبة في جعله ممن شهدوا صفين؛ ليكون أطول عمرًا. كل هذا كان بدافع الرغبة الشعبية في النزوع بهذه السير والذكريات إلى الأساطير المعجزة؛ لتكون من دواعي فخر الشعب وزهوه، وإرضاء منازع الفروسية الكامنة فيه، وتأكيد المثل العليا في الشجاعة والنجدة. ويظهر ذلك جليًّا في التضارب الذي تحفل به الروايات التي تعلل قصائده؛ لربطها بأخبار فروسيته وشجاعته. ومن هذا القبيل أيضًا ما يذكر في أخبار أبي محجن الثقفي،

стр. 263

وما يروى في خروجه للجهاد من روايات متضاربة، فهو حُدَّ في الخمر، ونفاه الخليفة مرة، ثم مرة أخرى يشبب بامرأة من الأنصار. وتلعب الروايات دورًا كبيرًا في تفسير خروج الشاعر إلى القادسية والتحاقه بسعد؛ لتفسير حبسه في القادسية عن القتال، ثم انطلاقته البطولية وتحقيقه النصر للمسلمين، بعد أن يبكي أغلاله ويظهر ما يجيش في صدره من ضيق لقعوده عن القتال. وتذهب الروايات مذاهب بعيدة في تصوير بلائه وقصفه للأعداء؛ حتى ليظنه المسلمون الخضر يمتطي البلقاء، ويظنه الآخرون ملكًا يحارب إلى جانبهم، ويتعجب سعد إذ ترك أبا محجن حبيسًا، ولولا أنه حبسه بيده لظن أنه هو١. وواضح فيما سلف أن أبا محجن خرج للجهاد قبل القادسية، وأنه شهد الجسر، وأنه إنما حبس لشغبه على سعد. ولكن الروايات تمضي تستكمل جوانب شخصية الفارس فتصوره عابثًا لاهيًا، مستهينًا بكل شيء، يجادل الخليفة في الخمر جدالًا فكهًا، ويرثيها بشعر رُوي لأكثر من شاعر٢. ومثل أبي محجن وما نسج عنه نسجت قصص كثيرة في مقتل يزدجرد ورستم ومهران، وتنازعت الروايات شرف قتلهم، فتفرق دمهم بين عدد كبير من الفرسان، أمثال: عمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد، وقرط بن جماح، زاهير بن عبد شمس، وعمرو بن شأس، وهلال بن غلفه. وقال كل من هؤلاء شعرًا يفخر فيه بقتل أحد هؤلاء القادة العظام. ومن مصر أتت روايات تتحدث عن بطولات عمرو بن العاص ودهائه، وقدومه إلى مصر في الجاهلية مرتين، ومشاهده في الإسكندرية، وما كان من التنبؤ له بفتح مصر، في قصة وقوع الكرة بكمه في أحد أعياد القبط٣. مما يدل على تدخل روح العامة في الاستشراف والتوقع والتمهيد لفتح مصر على يده. وغير ذلك من القصص التي تكشف عن المثل العربية في النجدة والوفاء، من مثل: قصة اليمامة التي باضت فوق

стр. 264

فسطاطه، عندما عن له الرحيل إلى الإسكندرية، وأمر جنده بأن ينتظروا حتى تقف اليمامة ويطير فراخها١. كما يُروى في فتوح إفريقية، ما كان من قتل ابن الزبير لجرجير في ثلاثين فارسًا فقط؛ إذ اكتشف منه ثغرة دل عليها عبد الله بن سعد فانتدب معه الفرسان حتى أجهز عليه عبد الله ورفع رأسه برمحه٢. وتجري كل هذه الروايات في تفصيل دقيق، وسرد معجب، كأثر من آثار الرواية والقصص، يتخللها بعض الشعر الذي ينسب إلى هؤلاء الفرسان.

стр. 265

٣- أشعار مجهولة القائل: ويذهب بعض الباحثين مذهب الشك في الأشعار التي لا تنسب لقائل معين، فهي في رأيهم، نحلت نحلًا بفعل عوامل مختلفة، منها السياسة، والخصومات العصبية، وما كان من فعل القصاص. وفي رأينا أن هذه الأشعار لا يمكن أن تكون قد تعرضت للنحل، فكثرتها لا تهدف إلى الإشادة بعصبية معينة، كذلك الشعر الذي انطلق على ألسنة الشعراء المغمورين وغيرهم، ممن لم يكن له كلف أو شهرة بالشعر. وبعضها الآخر الذي يشيد بعصبيات معينة لا يمكن أن يكون منحولًا، فإنه يتغنى بعصبيات شهدت الفتوح وأبلت فيها. بل إن هذه القبائل ذاتها كانت أكثر أحياء العرب بلاء في المواقع الفاصلة في الفتوح، ونحن لا نستطيع أن نرفضها لهذا السبب، أو نقف منها موقف التشكك، فهي تعبر عن إحساس شعبي داخل هذه العصبيات بالمعركة وخطورتها، وهناك أشعار أخرى صدرت عن هؤلاء المغمورين، الذين لم يعن الرواة بتدوين أسمائهم؛ لضعف شأنهم في الشعر، ولأنهم كانوا من عامة الجند وإن شكلوا كثرته. ومن اللون الأول ما ترويه بعض الروايات: من أن الجن قد سارت بأنباء القادسية فأتت بها ناسًا من الإنس فسبقت أخبار الإنس إليهم. وبدت امرأة ليلًا على جبل بصنعاء لا يُدرى من هي تقول:

стр. 266

حيتك عنا عكرم ابنة خالد ... وما خير زاد بالقليل المصرد وحيتك عني الشمس عند طلوعها ... وحياك عني كل ناج مفرد وحيتك عني عصبة نخعية ... حسان الوجوه آمنوا بمحمد أقاموا لكسرى يضربون جنوده ... بكل رقيق الشفرتين مهند إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكل ... من الموت مسود الغياطل مجرد١ وكذلك سمع من تغنى بمثل هذه الأبيات في اليمامة فقال: وجدنا الأكثرين بني تميم ... غداة الروع أصبرهم رجالا هم ساروا بأرعن مكفهر ... إلى لجب فزرتهم رعالا يجور للأكسار من رجال ... كأسد الغاب تحسبهم جبالا تركن لهم بقادس عز فخر ... وبالخيفين أياما طوالا مقطعة أكفهم وسوق ... بمردى حيث قابلت الرجالا٢ وواضح أن الأبيات الأولى تشيد بفعال نخع بالفرس وتصفها بأنها عصبة مؤمنة بمحمد، حسان الوجوه ضربوا كسرى بسيوفهم وأذاقوه نكالًا. بينما تعدت الأبيات الأخرى حد الفخر إلى التفاخر بتميم على سائر الأحياء، فهم الأكثرون، وهم أصبر القوم رجالًا، وإن أشادت بتميم وبفعالها في الفرس نفس الإشادة. وقد يجعلنا هذا نظن أن المقطوعة الثانية كانت ردًّا على المقطوعة الأولى، ولا غرابة أن يكون بعض النخعيين قد أشادوا بنخع فرد عليهم بنو تميم يغلبون صنيعهم، ويتفاخرون على أحياء العرب عامة. ولكن الغرابة في نسبة هذه الأبيات إلى متغنين من الجن. والأغرب من ذلك ما تقرره الرواية من أنه قد سمع بمثل هذا في كافة بلاد العرب٣.

стр. 267

ونسبة الشعر إلى الجن في هذه الرواية ليست أول مرة من نوعها؛ إذ إن العرب -وبخاصة الأعراب والرواة- قد لهوا بعد الإسلام بتسمية الشياطين الذين كانوا يلهمون الشعراء قبل النبوة وبعدها، وشجعهم على هذا ما في القرآن من آيات تنبئ بأن الجن قد استمعوا للنبي ﷺ وهو يقرأ القرآن فلانت قلوبهم، وآمنوا بالله ورسوله، وعادوا فأنذروا قومهم ودعوهم إلى دينه، وأنهم كانوا يصعدون في السماء يسترقون السمع فرجموا بالشهب، وانقطعت أخبار السماء عن أهل الأرض؛ ولهذا راح الرواة والقصاص يستغلون هذه المعاني لخدمة أغراضهم، فزعموا -من قبل- أن الجن قتلت سعد بن عبادة الأنصاري الذي لم يذعن لقريش، ولم يؤمن بأحقيتها في الخلافة دون الأنصار. وزعموا أيضًا أن الجن قالت في قتله غيلة بأحد أسفاره شعرًا. وكذلك نطقت الجن بشعر في رثاء عمر بن الخطاب، ينسبه بعض الرواة إلى الشماخ بن ضرار وأخويه مزرد وجزء١. لا غرابة إذن في نسبة الشعر إلى الجن، وإنما الذي يستحق النظر وهو ما تؤكده الرواية من أنه قد سمع بمثل هذا الغناء في كافة بلاد العرب. وهذا -في حد ذاته- كفيل بأن يلفتنا إلى مدى توقع المسلمين والعرب عامة للنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها القادسية؛ إذ كان العرب يتوقعونها من العذيب إلى عدن، وما بين الأبلة وأيلة٢، الأمر الذي يؤكد لنا صدور الأبيات في أعقاب المعركة، وأنها لم تنحل على أيدي الرواة، وإنما أطلقتها القبائل بدافع المفاخرة فيما بينها. وتظهر الطوابع الشعبية واضحة في رواية هذه الأبيات على لسان الجن وتغنيها بها وسماع بلاد العرب كلها هذا الغناء، وتصور أن الجن سارت بأنباء القادسية إلى أهل الجزيرة، فسبقت إليهم نفرًا من الإنس، مما يكشف عن تصور شعبي متأثر بقواعد معينة، يخضع لها تفكير العامة عند معظم الشعوب الأولى؛ كحكايات المردة، وأساطير لقمان وصقوره، وغير ذلك من المتوارثات الشعبية، فضلًا عما بالقرآن من أحاديث الجن. وهذه كلها أشياء مهمة لدراسة الأدب الشعبي، عن طريق محاولة التعرف على نفسية الشعب وثقافته في الآونة التي وضع فيها الشعر في هذا الاتجاه.

стр. 268

وقريب من أمر هاتين المقطوعتين أبيات من الرجز قيلت في طاعون عمواس، نسبت إلى غلام أعجمي، تغنى بها خلف رجل عزم على الرحيل فرارًا من الطاعون، فقال له: يأيها المشعر هما لا تهم ... إنك إن تكتب لك الحمى تحم١ وتغنى آخر خلف غلام هرب من البصرة من الطاعون على حمار، فإذا بمن يحدو به: لن يعجزوا الله على حمار ... ولا على ذي غرة مطار قد يصبح الموت أمام الساري٢ ونعجب كثيرًا أن يكون الحادي أعجميًّا، ونرجح أن ذلك من فعل الرواة والقصاصين، الذين أرادوا الإغراب في كل شيء؛ حتى لينطقوا الأعاجم بهذه الآراء القدرية التي شاعت بين المسلمين. أما اللون الآخر من الشعر الذي لا ينسب إلى قائل معين، فهو شعر المغمورين، الذين لم يعن الرواة بتدوين أسمائهم لضعف شأنهم في الشعر، وكونهم من عامة الجند، وهو شعر كثير، ومعظمه في تصوير بلاء المسلمين، مثل قول الشاعر: صبحنا بالكتائب جمع بكر ... وحيا من قضاعة غير ميل أبحنا دارهم والخيل تردى ... بكل سميدع سامي التليل٣ أو تصوير قسوة المعارك، كما يبدو من قول أحد المسلمين: يارب مهر حسن مطهم ... يحمل أثقال الغلام المسلم ينجو إلى الرحمن من جهنم ... يوم جلولاء ويوم رستم ويوم زحف الفارس المقدم ... ويوم لاقى ضيعة مهزم وخردين الكافرين للفم٤

стр. 269

أو في فخر جندي بقائده، مثل قول أحد جنود المثنى في سوق الأنبار: وللمثنى بالعال معركة ... شاهدها من قبيلة بشر كتيبة أفزعت بوقعتها ... كسرى وكاد الإيوان ينفطر وشجع المسلمين أن حذروا ... وفي ضروب التجارب العبر سهل نهج السبيل فافتقروا ... آثاره والأمور تقتفر١ وكما فخر أحد جنود البراء بن عازب به في قوله: قد تعلم الديلم إذ تحارب ... لما أتى في جيشه ابن عازب بأن ظن المشركين كاذب ... فكم قطعنا في دجى الغياهب ومن جبل وعر ومن سباسب٢ وكذلك يذهب بعض الشعر في الرثاء، كرثاء هذا الشاعر لعامة شهداء المسلمين عند نقل رفاتهم إلى مشرق بالقادسية؛ إذ قال: جزى الله أقوامًا بجنب مشرق ... غداة دعا الرحمن من كان داعيا جنانا من الفردوس والمنزل الذي ... يحل به م الخير من كان باقيا٣ ونجد كثرة من الشعر تنصرف في باب الحنين وشكوى الاغتراب، وتروي بعض الروايات أنه كان مما يترنم به٤، من مثل قول القائل: أقمرية الوادي التي خان إلفها ... من الدهر أحداث أتت وخطوب تعالي أطارحك البكاء فإننا ... كلانا بمرو الشاهجان غريب٥

стр. 270

كما تروي بعض الأراجيز التي -كانت النساء والولائد والأطفال يتغنون بها إبان فتح بيت المقدس، وما فعله المسلمون بأعدائهم في الفترة ما بين جمادى ورجب- تقول: العجب كل العجب ... بين جمادى ورجب أمر قضاء قد وجب ... يخبره من قد شجب تحت غبار ولجب١ ومثل هذه الأرجوزة التي تغنى بها الأطفال والنساء في الكوفة بعد عزل الوليد بن عقبة، والتي تقول: يا ويلتا قد عزل الوليد ... وجاءنا مجوعًا سعيد ينقص في الصاع ولا يزيد ... فجوع الإماء والعبيد٢ وهكذا نجد هذا الشعر المجهول قائله يتناول نفس الموضوعات التي تناولها الشعر المنسوب إلى قائله، وإن كان يتميز بمميزات معينة؛ فهو شعر قليل، ورجز كثير، وتكاد تنعدم فيه روح الفردية؛ إذ يتغنى الشاعر فيه بلسان الجماعة، ويعبر عن فعالها جميعًا، وما تقاسيه في مجموعها من مشاق القتال، ولا ينفك عن هذه الميزة إلا في شعر الحنين والشكوى فحسب. وكذلك يتميز هذا الشعر بروح إسلامية واضحة، تشيع في معانيه والفاظه، وفضلًا عن هذا فهو بسيط في أفكاره القريبة، التي تكاد تقرب من التقريرية المحضة، وتكاد ألفاظه تكون نثرًا، فيما عدا شعر الحنين، فإننا لا نلمس فيه هلهلة النسيج وضعف البناء، اللذين نجدهما في بقية هذا الشعر، مما أدى إلى أن يتسم بالصدق والحرارة الشعورية، برغم بساطته وسهولته. وخلاصة القول: إن طوابع شعبية تسم بعض شعر الفتوح ورواياته وروايات البطولة التي نسبت إلى بعض شعرائها، بفعل اهتمامات أفراد الشعب بهذه الفتوح، وتغنيهم

стр. 271

بانتصاراتها، ورغبتهم في تصويرها تصويرًا معجبًا يرضي نوازع الزهر فيهم. وقد تملق القصاص هذا المنازع بما زادوه في قصص الفتوح، وما نسبوه إلى فرسانها المشهورين، من أفعال تحولت بسيرهم من الواقع إلى ما يكاد يشبه الأساطير، مما أدى إلى نحل الشعر عليهم، ونسبته إلى الشعراء وغير الشعراء منهم. وأشعار أخرى نجدها منسوبة إلى غير قائل، تعالج كل موضوعات الشعر التي عالجها الشعراء المعروفون، وهي أشعار تطبعها طوابع شعبية، في تغنيها بروح الجماعة، وتغني الناس بها، وما يبدو من بساطتها وسهولتها، وقربها من الحديث العادي، مما يؤكد أنها لشعراء من عامة الجند، لم يعن الرواة بالتعرض لهم لضعف شأنهم، وعدم نضج أشعارهم نضجًا يؤهلهم للشهرة؛ ذلك لأن الرجز هو أقرب ألوان الفن القولي إلى السليقة العربية لعفويته وسهولته، وأيضًا فإن هؤلاء الشعراء لم يكن يهمهم أن ينسب الشعر الذي ينظمونه إليهم؛ إذ كانوا من عامة الشعب، وعامة الشعب دائمًا لا يهمهم أن ينسب إليهم فضل أو تمجيد. إنما هي مشاعر ينطقون بها في بعض اللحظات، ولا يهم من ينطقون بها أن تنسب إليهم أو أن يشاد بهم من أجلها. ومن أجل ذلك لم تعين نسبتها إلى من نظموها؛ إذ كان ذلك لا يعنيهم في شيء. وذلك شيء عام يلاحظ في الآداب الشعبية أنه لا تتضح فيها النسبة إلى من صنعوها، وكأنها ليست لأفراد معينين، إنما هي للشعب كله، تصور روحه, وتعبر عن شخصيته، وأنها ميراث لجميع أفراده، لا يختص بها فرد دون فرد. ومن خير ما يصور ذلك الأمثال الشعبية، فإنها دائمًا مجهولة القائل؛ لأنها من عمل الشعب، وأعمال الشعب لا تسجل تسجيلًا فرديًّا، وكأنما يتلاشى فيها الفرد في الجماعة تلاشيًا تامًّا.

стр. 272

الفصل الرابع: الطوابع الفنية في شعر الفتوح ١- الأثر الإسلامي في الصياغة: نستطيع أن نتبين في وضوح بعدما عرضنا من شعر الفتح الإسلامي في الميادين المختلفة عدة طوابع فنية، تطبع هذا الشعر في مجموعه، وتوضح معالمه وقيمته التاريخية، وتضعه -من ثم- في موضعه من تاريخ الأدب العربي، وشعر الفتح يكشف في جلاء عن أثر الإسلام كعقيدة، وكفكرة في نفسية العربي. وفي حمله على أن يبذل وأن يضحي في سبيلها بكل ما يملك، من روحه وجهاده ونضاله، كما يظهر في شعر الجهاد وأرجاز الفرسان. ويصور شعر الفتوح بالتالي مدى التغيير الهائل الذي أحدثته الفكرة الإسلامية في الارتقاء بالنوازع الوجدانية والقبلية والفردية الضيقة الحدود إلى وجدان متوحد من أجل هدف واحد غاية في السمو، للتكتل في مواجهة الخطر الخارجي. وهو يرسم بهذا صورة كاملة للانطلاقة الهائلة الواسعة، التي انتزعت العربي من حيزه الضيق الحدود لتطوف به في أرجاء ممتدة، لم يكن استشرفها في يوم من الأيام. وتأسيسًا على هذا، فإن صورًا رائعة للفروسية العربية يمكن رسمها في ذلك الإطار الجديد الذي وضعه الإسلام لتقاليدها، وصورًا رائعة أخرى يمكن استشفافها للإيمان العميق، والتصديق المؤمن بما وعد به المؤمنون المجاهدون، ولما وضعه هذا الإيمان بتلك النفوس، ومن اكتشافها لذواتها، ومعرفتها بقدرها. ومن ثم راحت تدك بهذا الإيمان معاقل الأكاسرة والأباطرة، سادة الأمس القريب، وتلوي بأعنة ممالكهم إلى الإسلام. وهذه الصورة الرائعة التي يصورها شعر الفتح للنضال الصادق من أجل الفكرة الإسلامية -تستمد ألوانها من المثل الإسلامية السامية، كالثقة المطلقة بما وعد الله، والاطمئنان إلى قضائه والتسليم به، كما يبدو في شعر الرثاء، وعلى الأخص فيما استحدثه المسلمون من رثاء للأشلاء واحتسابها.

стр. 273

وما من شك في أننا نستطيع كذلك أن نعتمد على شعر الفتح، الذي لم يغادر معركة كبيرة ولا صغيرة إلا صورها كوثيقة تاريخية عاطفية لهذه الحركة الخطيرة في حياة الدعوة الإسلامية، والشروع في بناء حياة مستقرة في البلدان المفتوحة والأمصار الإسلامية. وبرغم قصر المدة التي بسط فيها المسلمون أجنحتهم على هذه المناطق الشاسعة، فإن الشعر قد أفلح في إعطائنا بعض الملامح البارزة لهذه المناطق، كما أنه ألقى إلينا ببعض الضوء على التزاوج الذي أخذ يحدث بين النفوس العربية المنطلقة وتلك الأجواء الغريبة عنهم في طبيعتها وسبل الحياة فيها، فإذا بعض النفوس راضية مطمئنة في مناطق معينة، وإذا بعضها الآخر لا يقر له قرار في مناطق أخرى. وفضلًا عن هذا استطاع شعر الفتح أن ينقل إلينا بعض الانعكاسات المتولدة عن الاحتكاك البكر بين هذه النفوس وتلك المناطق، وما سقط إليها من التأثيرات الحضارية، التي اعترضت خبراتهم وثقافاتهم من أثر هذا الاحتكاك. ورائع جدًّا هذا الضرب من الشعر.. الذي تغنى فيه المجاهدون الغرباء همومهم فبكوا واستبكوا أوطانهم التي فارقوها وخلفوا فيها أحباءهم وأهليهم، في رقة وعذوبة وشجن، لم نعهد له مثيلًا في الأدب العربي من قبل. ومن نافلة القول أن نؤكد أن الشعر الذي هاجر في وجدان المحاربين وعلى ألسنتهم إلى هذه البقاع الجديدة التهي رفرفت عليها راية الإسلام، لم يكن إلا البذرة الأولى التي أثمرت بعد عصر استقرار المجتمعات الإسلامية؛ إذ سكن الفاتحون هذه الأمصار، وزحفت في أعقاب الفتوح هجرات غطت الأرض الجديدة، ووسمت إنتاجها في الشعر بنفس السمات التي حددتها الفتوح، من حيث الكم والكيف. وليس ثمة شك في أن هذا الشعر استطاع أن يصور جوانب من حياة هؤلاء المتوطنين في الأمصار، وما اكتنف حياتهم من جراء تطبيق النظم الإدارية الإسلامية، وما كان يعتري علاقاتهم بأمرائهم وقادتهم وخلفائهم، من نقد لسياستهم واتهامهم إذا ما انحرفوا، وعزلهم إذا ما ثبت انحرافهم.

стр. 274

وإن كنا نؤمن بأن حركة الفتح الإسلامي كانت كل شيء في حياة المسلمين في هذا الوقت، وأنها كهدف كبير استوعبت كل اهتمامهم وشواغلهم، فإن الشعر قد صور جوانب هذه الحركة وما رافقها من وقائع وأحداث، وما صاحبها من تغير مادي ومعنوي. وبهذا يكون شعر الفتح صورة صادقة لحياة المسلمين جميعًا، في هذه الفترة الهامة من تاريخهم. ومن ثم فإن هذا الشعر يعتبر بحق جسرًا طبيعيًّا ومنطقيًّا، عبر عليه الشعر العربي من عصر إلى عصر. وهو على هذا التصور حلقة لا يمكن إغفالها أو إغفال أثرها من حلقات الأدب العربي، أو هي عصر من عصوره كما تعودنا أن نقول. بل إنه أدق نموذج للنتاج الشعري الإسلامي، وبناء على ذلك، يعتبر المجال الطبيعي لاستبانة أثر الإسلام في الشعر العربي؛ ولهذا فنحن نزعم أن تطورًا بفعل هذا الأثر، وتجديدًا بدافع منه قد لحقا بالشعر العربي، وظهر ذلك في شعر الفتح. فقد واكب الشعر حياة المسلمين، وتطور مع أهدافها وغاياتها وسبلها، وصور أضخم جوانبها، وجدد أغراضًا وقيمًا وموضوعات مستحدثة، وتطور بموضوعات قديمة، كما اكتسب لنفسه طوابع فنية معينة اتسم بها. وهذه الطوابع ليست إلا ظلالًا للفكرة الإسلامية ومقتضياتها، وصدى للوجدان الجماعي للمسلمين، وانعكاسًا للظروف التي عاشها المسلمون في فترة من أهم فترات حياتهم وتاريخهم. وعلى هدى هذه المقاييس الفاعلة في تشكيل شعر الفتح الإسلامي، يمكننا أن نتبين خصائصه الفنية التي تطبعه في عمومه. وأولى هذه الخصائص أن شعر الفتح شعر ملتزم فلم يكن له إلا أن يكون أثرًا للحركة الإسلامية كما أسلفنا. وعلى ذلك فقد خالف عن أن يكون كما كان الشعر الجاهلي أداة لخدمة القبيلة، أو ألهية يتلهى بها الشاعر في سبيل التسرية والطرب والاستمتاع، وتحول إلى أن يكون أداة اجتماعية، تحفظ تماسك الوَحْدَة الإسلامية، ووسيلة من وسائل صيانة الفكرة الإسلامية وتأييدها. وبهذا صار للشعر في الإسلام مفهوم جديد، يكاد يكون التزامًا بغايات معينة جند الشعر في خدمتها لا يتجاوزها ولا ينحرف عنها؛ بل لا يمكن له أن ينحرف عنها، فمغبة

стр. 275

انحرافه لا تهدد كيان المجتمع الإسلامي فحسب، وإنما تهدد أيضًا فكرته وعقيدته وما تدعو إليه في المحيط العربي، الذي يعطي الشعر قيمة خاصة، ويحتفل به أيما احتفال. وهكذا لم يكن بد لهذه الجماعة الإسلامية من أن تنزع إلى توجيه الشعر هذه الوجهة، واعتباره أداة اجتماعية، ملتزمة بخدمة المبادئ والغايات المحددة لها، على ألا تنحرف عنها. وقد كان مقياس المواطنة الإسلامية في الحياة العربية الجديدة أن ينهج الفرد مناهج السلوك التي رسمها الإسلام، وكان مقياس الصحة والسداد في القول أن يقول الفرد ما يصلح دافعًا للفكرة الإسلامية ومبشرًا بها، ومذيعًا لتعاليمها. وكان مقياس الشاعرية المسلمة أن يستثني صاحبها من الذين يتبعهم الغاوون، والذين يهيمون بكل وادٍ ويقولون ما لا يفعلون. وبناء على هذا الالتزام كانت أهم الموازين النقدية آنذاك هي الاتفاق مع روح العقيدة وغاياتها ومثلها. ولا زالت نقدات النبي ﷺ لشعر النابغة الجعدي، وما ينطوي فيها من استحسانه ودعائه له تؤكد هذه النظرة١، وما كان من اتجاه النابغة بعد هذا إلا أن يقول شعرًا دينيًّا خالصًا يحاكي به آيات القرآن. وكذلك كان إحسانه إلى حسان وإعجابه به، وبشعر لبيد وطرفة؛ لما فيه من معاني تقرب من معاني الإسلام، وظلت هذه الاتجاهات أهم قيمة نقدية في الميزان النقدي خلال صدر الإسلام وتمسك بها الراشدون، فأعلنوا رضاهم عن كل شعر فيه إشادة بالعقيدة والمثل العليا للأخلاق، التي رسمها الإسلام وأبدوا سخطهم على كل قول يناهض هذه المثل، أو يثير ما نهت عنه، أو يدعو إلى رذيلة، أو يشيع فاحشة، أو حتى يؤثر الدنيا على الآخرة أو لا يجعل الإسلام رادعًا للنفوس عن الانزلاق إلى النزوات كما عاب عمر بن الخطاب على شعر سحيم عبد بني الحسحاس؛ إذ قدم الشيب على الإسلام رادعًا عن العبث، فحرمه الجائزة لهذا السبب٢. وكان من أضخم تلك الغايات الإسلامية وأهمها حركة الدعوة الكبيرة التي بدأها المسلمون وانطلقوا بها عبر حدودهم إلى: العراق، وخراسان، والشام، وإفريقية، ومصر.

стр. 276

وكان على الشعراء الذين استجابوا لهذه التعاليم أن يكونوا في مقدمة الجيوش الزاحفة أو من خلفها، يقومون بأداء ما التزموا بأدائه. ووجد الشعراء الذين أحجموا من قبل عن الالتزام بهذه التعاليم، فرصة في انطلاقهم إلى الميادين جنودًا يجاهدون في سبيل الله، ويفخرون بجهادهم وبجهاد قبائلهم في نصرة العقيدة، بينما انطلق شعر كثير على ألسنة جنود لم يعرفوا بالشعر من قبل. واتسم هذا الشعر كله بالاتصال بوجدان جماعة المسلمين والصدور عنه، والعزوف عن تقاليد الشعر الجاهلي، ورفض كل ما لا ترتضيه الفكرة الإسلامية، فسكتت النعرات القومية المحلية، وخفت صوت الفخر القبلي، والإسلام وبالجهاد في سبيله، واندثر الغزل الحسي، وأطيح بالمقدمات الطللية، وما كان يفخر به الفرسان من قبل برواية المغامرات المشتملة على الطرب والشراب والعبث. وإذا بالشعر في كل أغراضه ومعانيه يتلون بما لا يخدش الغايات السامية، وينطبع بطوابع إسلامية واضحة في معانيه وألفاظه كما أسلفنا. ولا ريب أن هذا الالتزام كان يخضع لرقابة المجتمع، وبعبارة أدق: لرقابة وجدانه، وكما كان يحدث للمنحرفين من الشعراء عن هذه الجادة في الجزيرة من سجن كما حدث للحطيئة، ولوم كما حدث لحسان، كان يحدث ذلك لشعراء الفتح، وسكان الأمصار المفتوحة من الفاتحين. فهذا النعمان بن نظلة يعزل عن ولاية دست ميسان؛ لأنه قال شعرًا تغنى فيه بالشراب، وسماع غناء الدهاقين والقيان. وهذا ذو الكلاع يقع في حد الخمر، عندما يتغنى بنبيذ الشام، ويكون ذلك سببًا في طبخ كل نبيذ هناك. وهكذا نستطيع أن نقول: إن طابع الالتزام الذي طبع شعر الفتح غير مفهوم الشعر الإسلامي بعامة، وشعر الفتح بخاصة؛ إذ جعله أداة في خدمة المثل الإسلامية، والغايات والمبادئ التي تدعو إليها. وكان لهذا أكبر الأثر في تلوين أغراض الشعر ومعانيه بلون إسلامي واضح، يتفق وهذا الالتزام.

стр. 277

٢- القصر والإيجاز: وينبع الطابع الثاني الذي يطبع شعر الفتح، من قيم المجتمع الإسلامي أيضًا، ومن ظروف الفتوح المادية والنفسية، ومن التقاليد الأدبية الموروثة كذلك. وهذا الطابع هو الإيجاز والقصر. فشعر الفتح مقطعات قصيرة في مجموعه، ونادرًا ما نصادف قصيدة يزيد عدد أبياتها عن العشرة. فقد تخفف شعر الفتح من بعض التقاليد الفنية للقصيد العربي، وأصبح القصيد مقطعات قصيرة، لا تحتوي على أكثر من غرض واحد. والإيجاز طابع كان يحظى بتقدير الفكر الإسلامي، فهذا القرآن الكريم معجزة الفصاحة والبلاغة في هذا الوقت يبلغ حد الروعة المذهلة في غير كثير من الإسهاب، أو الاستدلال فيما لا يحتاج إليهما. وهذا الرسول ﷺ يبغض الثرثارين والمتفيهقين، ويعدهم أبعد الناس منه مجالس يوم القيامة١. وهذه ظروف القتال وحياة الجند المليئة بأعباء الفتوح، والحركة الدائبة، وأهوال القتال، وشدائد اللقاء، لا تدعو إلى استقرار، كما لا تساعد على تمهل أو امتداد نفس أو غناء، أو تشقيق للكلام، أو توليد للمعاني، بل إنها لتدعو إلى الإنجاز دعوة ملحة، وتدافع إليه دفعًا، وتضطر إليه اضطرارًا. فليس ثمة شيء يريد المجاهد أن يفضي به غير مشاعر اللحظة الوجيزة الحادة، يلقيها دونما إسهاب أو إطالة، فهي مشاعر واضحة وبسيطة، وليست بحاجة إلى بيان أو إيضاح أو إفاضة، كما أنها ليست بحاجة إلى إلحاح على الفكرة أو تقليب لها على وجوهها، أو تشقيقها أو التوليد منها. وإنما هي بريق خاطف، وانفعال لاهب، وانطلاق راكض، وتعبير مركز مضغوط. وكانت النتيجة تغير صورة القصيدة العربية إلى مقطوعة قصيرة، وأبيات تستوعب الانفعالات الحادة والعواطف الملتهبة، التي تشبه الضربات المتلاحقة في غير امتداد في النفس أو تمهل في الغناء، فانفسح بهذا المجال أمام الرجز بأبياته القليلة لتأدية معاني القصيدة. وقد يجد الشاعر فرصة في أعقاب المعركة يستشعر فيها على مهل عواطفه، ويتأمل ذاته تأملًا مستأنيًا، ولكن ذلك كان نادر الحدوث.

стр. 278

٣- العفوية والبساطة: وهذا الطابع من القصر والإيجاز يسلمنا إلى طابع آخر، اتسم به شعر الفتح نتيجة لانطلاق التعبير وحدته، والقصد إلى الفكرة مباشرة، دون إسهاب، فاتسم الشعر لهذا بطابع العفوية. ولسنا نقصد بالعفوية التحلل من كل قيد، أو تقليد فني، أو نظام. كما أننا لا نعني بها خلو هذا الشعر من أية قيمة جمالية فنية، إنما نعني بها انعدام الصقل والتهذيب والمعاودة والمراجعة. وبالتالي انعدام التكلف والتقعر والتعمل. ونتج عن هذا أن شعر الفتح وبلا استثناء يتسم بالصدق والحرارة الانفعالية؛ كاستجابة نفسية حرة وطليقة من إسار العناية والصنعة. وواضح لمن يمعن في قراءة هذا الشعر أنه ثمرة خالصة للانفعالات النفسية، دون شحذ أو صقل، وأنه استجابة نفسية لما يشعر به الفرد في تدفق يناسب كانسياب الماء في المجاري الطبيعية، الخالية من الصنعة المستأنية والتدبير والتصميم السبقي. وكان ذلك أثرًا من آثار القيم الإسلامية الجديدة أيضًا تلك القيم التي تستمد من سماحة الإسلام وبساطته، وكراهة التعمل والتكلف، وهي صفات عُنِيَ الإسلام بغرسها في نفوس المسلمين عامة. وكان النبي ﷺ نفسه قد وصف بها في القرآن الكريم بأنه لم يكن من المتكلفين: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وعلى هدى هذه القيم، كانت الكفة الراجحة في الميزان النقدي الإسلامي لما كان جاريًا مع الطبع، بعيدًا عن التكلف، وكانت الكفة المرجوحة لكل كلام غالٍ فيه صاحبه وتكلف. فكان التقعير والتشادق عيبًا وتصنعًا. ولهذا كان النبي ﷺ لا يعجبه السجع المصنوع الذي يستوي لديه بسجع الكهان، والذي كان الكهنة يتصنعونه في حديثهم عن المغيبات؛ ليكون لكلامهم وقع لدى العامة١. وكذلك كان عمر بن الخطاب ينكر الإغراب والتكلف ومخالفة الطبع٢. وهو في الحقيقة إنكار لكل محاولة تهدف إلى التكلف والتشدق، وإعجاب بكل سمح يبتعد عن القسر والاستكراه. وكان لهذه السمة فضل إيثار الشعراء للإفهام في صورة بسيطة صادقة مطبوعة، دون زخرف أو زينة؛ ولهذا جاء شعرهم خاليًا من أية محاولة مصنوعة للتعمل، وتوافرت عناصر الصدق، وحرارة التعبير، والاقتدار على التأثير، بما لها من سماحة الطبع وجيشان العاطفة وعذوبة التعبير، دون إلحاح على تصوير

стр. 279

بياني دقيق، أو تصيد لتشبيه، أو تعسف لاستعارة، أو استجداء لصبغ أو زخرف. وإنما بتعبيره البسيط، في صورة بسيطة، تضمن الأداء على أي وجه اتفق. وجملة القول: إن شعر الفتح الإسلامي قد طبع بعدة طوابع فنية ميزته، استمدها من الإطار الفكري الإسلامي العام، ومن ظروف حركة الفتح الإسلامي الخاصة، التي صدر في ظلالها، ومن التقاليد الفنية الموروثة. فهو شعر ملتزم بغايات ومبادئ، يعمل في خدمتها كأداة اجتماعية وفكرية، وهو شعر قصير وموجز، تنعدم فيه الإطالة والتمهل. كما أنه شعر مطبوع، طبعته العفوية السمحة التي تتنكب التعقيد والالتواء والتقعر بطوابع من سماحة الإسلام، وصدق التعبير وحرارته.

стр. 280

خاتمة: ١- خلاصة البحث: حاولت في الصفحات السابقة أن أدرس شعر الفتوح الإسلامية في عصر صدر الإسلام فبدأت بدراسة حركة الفتوح ذاتها، باعتبارها وعاء هذا الشعر، ومهدت لذلك بتجلية الدوافع القوية التي تمثلت في فكرة الجهاد، فدفعت المسلمين إلى الانسياح في الأرض ينشرون دعوة الإسلام، واثقين مما وعدوا به من النصر أو الشهادة. وتعقبت المجاهدين في انطلاقهم إلى العراق، وما كان للتفكير في فتحه من صلة، بردة أهل اليمن ودسائس الفرس فيها، واكتساح المثنى بن حارثة لتخوم شبه الجزيرة مساحلًا الخليج الفارسي، إلى أن بلغ العراق واستمال بعض القبائل العربية إليه، وشجع ذلك أبا بكر على أن يفتح العراق. فمهد بفتحه بإرسال خالد بن الوليد وعياض بن غنم إليه، واستطاع خالد بن الوليد أن يجتاح العراق رافعًا لواء الإسلام في كل المواقع التي خاضها، ولم يقف في سبيل تدفعه فرس أو عرب غير مسلمين، حتى حاز سواد العراق، وضاق بإبطاء عياض الذي كان عليه أن يلقاه بالحيرة فخرج خالد للقائه وكان محاصرًا بدومة الجندل، وفتح في طريقه الأنبار، وعين التمر، واستطاع أن يهزم العرب غير المسلمين في دومة الجندل، وعاد إلى الحيرة ليجد السواد قد انتقض، فأعاده خاضعًا لسيطرة المسلمين. وتمكن من أداء فريضة الحج والعودة إلى الحيرة مع جيشه، دون أن يشعر بذلك أحد. وفي الحيرة جاءه كتاب أبي بكر ينتدبه لحرب الشام، فخلف المثنى، وفصل بنصف الجند إلى المسلمين باليرموك. وما كاد ابن الوليد يرحل عن العراق حتى ثار أهله بالمسلمين، ولكن المثنى انسحب من الحيرة إلى بابل، واستغل أزمة البلاط الفارسي ليقابل أبا بكر في المدينة، ويستأذنه في السماح لمن حسن إسلامه -من أهل الردة- بالجهاد، وتصادف أن الخليفة التحق بالرفيق الأعلى، بعد أن أوصى خلفه يندب الناس مع المثنى.

стр. 281

وكان أول من انتدب أبو عبيد مسعود الثقفي، الذي لحق في جنده بالمثنى، حين كان أهل فارس قد قضوا على خلافاتهم، ووضعوا الأمر في رستم. فدس الدهاقين للثورة بالمسلمين، وجهز جيوشًا هزمها المسلمون في النمارق وباقسياثا، وعاود رستم الكرة فجهز جيوشًا التقت بالمسلمين في قس الناطف؛ حيث حدثت كارثة الجسر وهزم المسلمون لأول مرة في الفتوح، وفر منهم إلى المدينة عدد كبير أحسن عمر استقبالهم، وأمدهم من روحه بما أعاد لهم الثقة بأنفسهم، وراح يندب الناس جاهدًا، أو يستصلح بعض القبائل؛ كبجيلة، والأزد، وبني كنانة. بينما كان المثنى يستميل بعض نصارى بني النمر والتقى بالفرس عند أليس وانتصر عليهم وانتهت الخلافات بين رستم والفيرزان فأرسلا مهران في جند عظيم، ثأر منه المسلمون لشهداء الجسر عند البويب وما لبثت الخلافات بين رستم والفيرزان أن عادت تفرق شمل الفرس، لكن أهل فارس ثاروا عليهما ولم تهدأ الثورة حتى نصب يزدجرد، وتوحدت صفوف الفرس لمواجهة العرب في وقعة فاصلة. وكانت القادسية التي تعد ملحمة المسلمين، لما كان فيها من بلاء عظيم وفداء صادق، وانتصر المسلمون فيها بفضل إيمانهم، وتثبتت أقدامهم في العراق. وهزم المسلمون فل القادسية في بابل، ولم يبقَ أمامهم إلا المدائن فحازوها، كما حازوا قصور كسرى وأمواله وجواهره. وبدأ المسلمون يفكرون في إسقاط فارس، فتم تمصير الكوفة والبصرة بعد أن لم يتلاءم المسلمون مع جو المدائن، فأخذت الفتوحات تترى بعد ذلك؛ حيث فتح أهل الكوفة الري وأذربيجان وأرمينية وطبرستان وجرجان, وفتح أهل البصرة الأهواز وتستر ورامهرمز والسوس وجند يسابور. وبسقوط المدائن انتهت المقاومة الفارسية الرسمية للمسلمين، ولكن بقاء الملك يزدجرد حيًّا كان رمزًا يتجمع حوله الفرس من حين إلى حين، فطارده المسلمون في حلوان، وفي الري، وفي قرميسين، ثم في نهاوند حيث دارت معركة تقرر فيها مصير دولة الفرس نهائيًّا. وبعد فتح الفتوح لم يلقَ المسلمون كيدًا، فقد راحوا ينطلقون في أطراف السواد، فحازوا تكريت، وماسبذان، وقرقسيا. وعقدت ألوية المسلمين لإسقاط فارس. فاستطاع الأحنف بن قيس أن يسيطر على خراسان، وحاز عثمان بن أبي العاص

стр. 282

أصطخر، وسارية بن زنيم فسا ودراخرد، وسهيل بن عدي كرمان، والحكم بن عمرو مكران، حتى وصلوا إلى السند. وتقدم المسلمون يطاردون يزدجرد حتى قتلوه في الري. وأمرهم عمر بألا يعبروا النهر فتوقفوا على مضض. وبهذا يكون فتح العراق وفارس قد تم في عهد أبي بكر وعمر؛ إذ اقتصر عهد عثمان على تأمين هذه الفتوح فحسب، ولم يفتح في عهده غير طبرستان، على يد سعيد بن العاص. ثم رافقت المجاهدين في فتح الشام الذي اتجه إليه أبو بكر، استكمالًا لسياسة رسول الله ﷺ في تأمين التخوم العربية الشمالية. وقد اقترنت ظروف فتحه بحرب الردة أيضًا، فقد أرسل أبو بكر بخالد بن سعيد ليكون ردءًا للمسلمين في تيماء؛ حيث اجتمع إليه بعض القبائل العربية. وكان العراق قد وقع في أيدي المسلمين، وفتح الله عليهم دومة الجندل، في الوقت الذي أرسل فيه خالد بن سعيد إلى أبي بكر يستأذنه في لقاء الروم، وبعد أن استشار أبو بكر أولي الرأي من المسلمين عقد العزم على فتح الشام، فكتب إلى أهل اليمن يستنفرهم، وإلى عماله يخيرهم بين العمالة والجهاد، وأرسل إلى خالد بأن يلقى الروم، وانتصر خالد على الروم وحلفائهم من العرب. وتقدم وأبو بكر يرمي إلى الشام بكل من يقدم عليه، فسير إلى خالد عكرمة والوليد بن عقبة؛ حيث التقى المسلمون بباهان، فخدعهم عن أنفسهم في مرج الصفير، ففر خالد، وانحاز عكرمة بالمسلمين؛ حيث لحق به الوليد. ولما بلغت الهزيمة أبا بكر اهتاج للشام، فعقد ألوية أربعة لأبي عبيدة، وليزيد بن أبي سفيان، ولشرحبيل ابن حسنة، ولعمرو بن العاص. وعين لكل منهم وجهته، والتقى الأمراء الأربعة بعد أن وكل الروم بكل منهم جيشًا، وخشوا أن يلقوا الروم على انتشار، وكان رأي الخليفة أن يجتمعوا. وفي اليرموك التحق بهم خالد بن الوليد؛ حيث كان النصر في أول يوم تأمر فيه. وتقدم المسلمون يحاصرون "فحل" فلما استعصت عليهم قصدوا دمشق ففتحها الله عليهم، وعادوا ففتحوا "فحل" وسيروا كتيبة العراق بقيادة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. كما سارت حملات لتطهير الأردن، ففتح شرحبيل وعمرو بيسان، وأبو الأعور السلمي طبرية. وصالحت أذرعات وعمان وجرش ومأرب وبصرى. وحاول الروم استعادة

стр. 283

دمشق فقضى خالد ويزيد على محاولتهم، وانطلق أبو عبيدة يطاردهم، وحاصر بعلبك، وانتهى إلى حمص، وكان هرقل قد فر منها إلى أنطاكية، وبعد حصار طويل سلمت المدينة وسلمت حماة واللاذقية بعد ذلك. وفتح خالد قنسرين، وسلمت حلب لأبي عبيدة، وسلمت أنطاكية بعد أن فر هرقل إلى الرها، وأقام فيها حامية، بعد أن أخمد عياض ثورتها. ولكي يتصل الشام بالعراق بدد أبو عبيدة شمل عرب الجزيرة وفتح قورس، وفتح خالد مرعش، وكان يزيد قد فتح بيروت والثغور المجاورة. ويئس هرقل، فترك الرها إلى القسطنطينية؛ حيث التحق به جبلة بن الأيهم بعد أن ارتد. وبينما كان أبو عبيدة يجتاح الشام، كان عمرو وشرحبيل يواجهان الأرطبون في فلسطين؛ حيث أرسلا معاوية لفتح قيسارية، حتى لا يأتي المدد منها لأرطبون. ووجها علقمة بن حكيم ومسروقًا العكي إلى إيلياء، وأبا أيوب المالكي إلى الرملة؛ لتتبدد قوى الأرطبون بين هذه المناطق. والتقى عمرو بالأرطبون في أجنادين؛ حيث اندحر الروم وفروا إلى بيت المقدس. ورأى عمرو أن يقطع عليهم خط الرجعة من ناحية البحر، فأرسل حملات فتحت رفح، وغزة، وسبسطية، ونابلس، واللد، وعمواس، وبيت جبرين، ويافا. وحاصر عمرو بيت المقدس، وبعد استماتة المدينة في الدفاع طلبت الصلح، واشترطت حضور الخليفة، حتى يمكن للروم الانسحاب إلى مصر. ولم يعترف الروم بضياع سلطانهم على الشام، ولم ييئسوا، فحاولوا استعادتها، فرتبوا مع القبائل العربية في شمال الشام مؤامرة رافقت وصول حملة قسطنطين إلى أنطاكية، ووجد المسلمون سلطانهم على الشام مهددًا بالضياع، واهتم الخليفة عمر بالأمر، فأمد أبا عبيدة، وأفلح المسلمون في عزل العرب عن الروم، وانفردوا بهم؛ حيث لقنوهم درسًا وألجئوهم إلى الانسحاب. ولم يكد المسلمون يفرغون من الروم حتى حدث وباء الطالعون، وصادف ذلك مجاعة بشبه الجزيرة. وأضر الطاعون بالمسلمين، فراح ضحيته خمسة وعشرون ألفًا منهم. وكانت أقدام المسلمين قد ثبتت في الشام، ولكن حملة قسطنطين أكدت لهم أن بقاء مصر في يد الروم أمر لا تحمد عقباه، ومن ثم راح عمرو بن العاص يلح على عمر في الجابية بفتح مصر.

стр. 284

وصادف فتح مصر ترددًا من الخليفة بادئ الأمر، ولكن عمرًا استطاع أن يقنع الخليفة بالمكاسب التي يمكن أن تعود على المسلمين من جراء فتحها، وبسط له أمر الخلاف المذهبي بين الحكام والمحكومين، وما يعانيه المصريون من عسف الروم، وما يرزحون تحته من أعباء الفتن والضرائب والمكوس، والاضطهاد الديني الذي يلقاه المصريون اليعاقبة من محاولة هرقل فرض مذهبه الجديد، الذي ابتكره له سرجيوس؛ للتوفيق بين الملكانية واليعقوبية، فضلًا عن الاضطهاد الاجتماعي والسياسي الذي يتعرض له المصريون؛ نتيجة للسيطرة الرومية على أمور المصريين جميعًا. وسار عمرو إلى مصر؛ حيث أدركه كتاب عمر الشهير بقرية من قرى العريش، فسار على بركة الله، واخترق رمال سيناء إلى العريش ففتحها ثم اتجه إلى الفرما فافتتحها، وكانت بمثابة مفتاح مصر. وبعد حرب دامت شهرًا استولى على بلبيس، وهزم الروم بها هزيمة بالغة. ومضى عمرو حتى أتى أم دنين، وهي قرية على النيل شمالي حصن بابليون، وتعتبر مسلحة للحصن الذي لاذ به الروم، وتجهزوا لحرب فاصلة. وحاصر عمرو أم دنين، وأرسل يتعجل المدد فوصله في الوقت المناسب؛ حيث استطاع المسلمون فتح أم دنين، ومنها استقلوا سفنًا كانت راسية بمرفئها وعبروا النيل إلى الغرب؛ حيث انتظروا في الفيوم على حنا، وعادوا سراعًا ليلتقوا بأمداد جديدة في هليوبوليس حيث عسكروا بعين شمس. وخشي الروم أن يظن بهم المصريون الخور أمام المسلمين إذا ظلوا ملازمين لبابليون فخرجوا إلى المسلمين، وأقام لهم عمرو كمينين في طريقهم عصفًا بهم. واحتل المسلمون حصن أم دنين كرة أخرى، وكان فل الروم قد لجأ إليه، وحاصر عمرو بابليون، وأرسل حامية استولت على إقليم الفيوم، وحامية أخرى استولت على إقليم المنوفية، والروم يفرون هلعًا إلى الإسكندرية. وحال ارتفاع النيل بين المسلمين والحصن، وتراشق الروم والمسلمون بالسهام والمنجنيق، ولم ييئس المسلمون بعد شهر فرأى المقوقس أن يصالحهم، ولم تجدِ المفاوضات، واقتتل الفريقان حتى ألجأ المسلمون الروم إلى الصلح، وعلق نفاذه على موافقة هرقل، ولكن هرقل رفض وعزل المقوقس وعاد القتال بين الفريقين كرة أخرى.

стр. 285

واستمر الحصار سبعة أشهر، حتى خشي عمرو أن يضيق جنده، فوهب الزبير نفسه وتسور الحصن ففتحه الله عليهم، وانفتح الطريق أمام المسلمين إلى مصر السفلى, واستجاب القبط للمسلمين فعاونهم في تمهيد طرقهم إلى الإسكندرية، على الرغم من فيضان المياه. واستغرق مسير المسلمين إلى الإسكندرية اثنين وعشرين يومًا، اصطدم فيها المسلمون بالروم في ترنوط عند فرع رشيد، وعند الكوم وفي سنطيس، وانتصر المسلمون في هذه المصادمات. ثم التقوا مع الروم في وقعة الكريون؛ حيث اقتتلوا عشرة أيام متصلة قتالًا عنيفًا؛ إذ كانت الكريون آخر سلسلة من الحصون قبل الإسكندرية. وكانوا في الحقيقة يدافعون المسلمين عن التقدم إلى الإسكندرية، واستبسلوا في الدفاع حتى صلى عمرو صلاة الخوف ونصر الله المسلمين. وأبلت الإسكندرية في الدفاع أمام المسلمين، الذين لاقوا شدة من منجنيقاتها وحصانتها. وتنبأ عمرو بطول الحصار، فأرسل حملات لتطهير الدلتا. وبرغم توقف الإمدادات وموت هرقل لم تيئس الإسكندرية. وكان عمر في المدينة حنقًا لإبطاء الفتح، فأرسل كتابًا عنيفًا إلى عمرو قرأه في جنده، وعقد لواء الإسكندرية لعبادة ففتحها الله عليه. وأسرع المقوقس ليعقد الصلح مع عمرو. وذهل المسلمون أمام روعة الإسكندرية وراحوا يستقرون بمصر، وابتنوا الفسطاط، ولكن الروم عادوا كرة أخرى كما فعلوا بالشام يحاولون استعادة مصر بحملة قادها مانويل، فاحتل الإسكندرية، وتقدم إلى الدلتا، وانتدب عثمان بن عفان عمرًا رائد فتح مصر فأذاق الروم هزيمة منكرة في الإسكندرية، ثم هدم أسوارها، وارتدت الحملة خاسرة؛ لكن الروم عادوا بعد ذلك يحاولون نفس المحاولة بعد تسع سنوات في مشروع قسطانز؛ لاستعادة مصر والشام، وأوقع العرب بهم، ولقيت فلولهم عاصفة أتت عليهم في البحر. ولم يستطع المسلمون أن يتقدموا في بلاد النوبة بعدما لاقوا في المعركة التي قادها عقبة بن نافع؛ إذ رجع المسلمون وقد أصابت سهام القوم أحداقهم، فاتجهوا إلى
следующие страницы →