الشعر، وليس له قالب مستقل بذاته، إلا أننا نميل إلى جعله نوعًا مستقلًّا من أنواع التعبير؛ لمخالفته للشعر في شكله العام، وفي اقتصاره على أبواب معينة وموضوعات بذاتها، فضلًا عن تميزه بدور كبير في ظروف القتال، لم يتسن للشعر، في التحميس ورفع روح المحاربين، إلى جانب أن الرجز لسهولته وقربه من السليقة العربية كان سبيل الشعراء المغمورين، الذين أنطقتهم الفتوح، وهم كثرة كثيرة. بينما كان شعر القصيد سبيل الممتازين من الشعراء، وإن كان لم يحتفظ بخصائص الشعر العربي التقليدية، فأضحى مقطعات قصيرة قليلة عدد الأبيات.
وفي الحقيقة: إن شعراء الفتوح جميعًا قد خضعوا خضوعًا متماثلًا للطوابع التي طبعت بها الفتوح شعرهم جميعًا، ففضلًا عن تركز اهتماماتهم ونوازعهم في المسئولية الضخمة التي يحملونها، فإن ظروف القتال وقسوة الحياة تحت ظلال السيوف لم تكن لتعينهم على التنفس الغنائي الهادي، والتعبير الوجداني المنساب، في قصائد متأنية مديدة النفس.
ولهذا كان تنفسهم سريعًا لاهثًا ومتلاحقًا، وخاطفًا ومحدودًا في مضمونه وفي شكله بطبيعة الحال، فاتخذ القريض شكل المقطعات القصيرة. واستتبع هذه الإحاطة بمقدمات القصائد التي تعتبر من أهم تقاليد الشعر العربي، الموروثة عن العصر الجاهلي، والتي ظلت تحكم الشعر ردحًا من الزمان، ولم تفلح الثورات الأدبية في الإطاحة بها بعد ذلك.
ومهما كان رأي الباحثين في هذه المقدمات الطللية والغزلية من أنها ترتفع بالشاعر إلى بيئة شعرية رفيعة يخرج فيها عن أطوار الحياة الواقعية المادية إلى عواطف الحنين والشوق مما يعده للغناء١، فإن الشاعر كان يجد فيها بلا ريب متنفسًا للحديث عن ذاته، وإشباعًا لمنازعه الفردية، قبل أن يشغل بغرضه الذي كان ينصرف دائمًا إلى الفناء في وجدان القبيلة بحكم وضعه الاجتماعي.
والأمر مختلف في الفتوح، فليس هناك ما يدعو إلى أن يختلق الشاعر في مقدمات قصيده، ما يكون مسربًا لفرديته؛ إذ ليس هناك حرج في أن يشيد الشاعر
стр. 212
بذاته، ويعبر عن فرديته داخل إطار الجماعة الإسلامية تعبيرًا حرًّا، دون النجاء إلى المقدمات التي لا بد أن تشغله في مثل هذه الظروف المضطربة السريعة الأحداث عن التعبير المباشر.
وكما تخفف شعر الفتح من المقدمة الغزلية والطللية تخفف بالضرورة من النظام التقليدي للقصيدة الذي ساد في الشعر العربي، وأوصى نقدته باتباعه والتمسك به قرونًا. هذا النظام الذي يوجب تعدد الأغراض في القصيدة الواحدة، فتبدأ بذكر الأطلال، ثم ينتقل الشاعر منه إلى النسيب فوصف رحلته وما يعترضه فيها، ويصف ناقته إلى تقله، ويشبهها بما يشاء من الحيوان، حتى يصل إلى غرضه من المدح أو غيره.
وذهب بعض نقاد العرب مذهبًا متعسفًا في تعليل حسن هذا النظام والدعوة إليه من ثم والتوصية بالتمسك به والمحافظة عليه، ففى رأيهم أن مقصد القصيد إنما ابتدأ بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع والدمن والآثار؛ ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها؛ إذ كانت نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم الغيث حيث كان، ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق، وفرط الشوق والصبابة؛ ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، ويستدعي به إصغاء السامح إليه؛ لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب؛ لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسبب، أو ضاربًا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا علم أنه استوثق من الإصغاء إليه والاستماع عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب، والسهر، وسرى الليل، وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في السير بدأ في المدح، فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل١.
ومن ثم يلزم هؤلاء النقاد الشعراء بأن يسلكوا تلك الأساليب لا يتعدونها، وأن يعدلوا بين أقسامها، ولكن أنَّى للشاعر المحارب في أي زمان ومكان أن يصنع هذا، وأن
стр. 213
يزيف مشاعره بهذه الصورة المعقدة، وهي على طرف لسانه يريد أن يلقي بها تلقائيًّا وبطريق مباشر، دون أن يجعل بينه وبين غرضه الملح هذه الحواجز المتدرجة، وتلك المراحل المتسلسلة.
إن الشاعر المجاهد ليريد -قبل أن يشعر أنه يريد- أن ينفض ما بنفسه ابتداء دون تقيد بتقاليد أو تمسك بنظم في التعبير، إلا ما يفرضه طبيعة الإحساس النفسي، والحالة الشعورية التي تتقمصه.
ولهذا فلن نجد بين شعر الفتح كله قصيدة واحدة، تزيد أبياتها عن عشرة أبيات، ولن نجد قصيدة تشتمل على أكثر من غرض واحد إلا فيما ندر، فكل مقطوعة تستقل بموضوع واحد يعبر عنه الشاعر هذا التعبير المندفع السريع.
وأدى هذا إلى جانب انطلاق الشعر على ألسنة الكثيرين من الفاتحين العاديين إلى أن يكثر الرجز، وأن ينفك عن وظيفته التي كانت له في الجاهلية كأداة للتحميس، وشحذ القوى وإلى أن يشارك القصيد في التعبير عن بعض موضوعاته التي تخرج عما ألفه الرجز في الجاهلية من الحرب والمفاخرة والحداء، فكاد يكون قسيم الشعر القصائدي، وإن ظل في شكله ومضمونه لا ينم عن إعداد أو عناية؛ نتيجة قربه من السليقة الفطرية للعرب، وارتجاله في المواطن المختلفة، وإن ظلت له نفس المهمة في التحميس. وسوف نرى أنه لم يقصر عن خوض الموضوعات التي خاضها الشعر إلا في القليل الذي لا يتفق وإيقاعه العنيف.
стр. 214
٢- موضوعات قديمة متطورة:
تغنَّى الشعر كما تغنَّى الرجز بموضوعات بعضها قديم تداوله الشعر العربي على اختلاف عصوره كالحماسة والرثاء، وبعضها الآخر جديد، لم يعهده الشعر العربي قبل الفتوح. فشعر الجهاد وإن جال في تصوير ظروف الفتح الجديدة فإننا لا نستطيع أن نعده بابًا جديدًا من أبواب الشعر، وكذلك الرثاء؛ إذ إن لهما جذورًا في الشعر العربي ثابتة، وغاية الأمر أن هذه الظروف الجديدة قد كست هذين اللونين من الشعر صبغًا جديدًا فتطورًا قليلًا، وإن دلا على تأثرات جديدة؛ فإن أصلهما واضح جلي في الشعر العربي.
ونعني بشعر الجهاد ذلك الشعر الذي يهدف إلى الإشادة بما كان من إقدام الجند أو الكتيبة أو الشاعر، أو صديق له أو زميل، أو قائده أو عدوه. وعن كل هذه الطرق يعبر الشاعر عن قسوة المعارك، وضراوة القتال، وشدة اللقاء، وما كان يحدث في أثناء المعارك من إقدام أو إحجام، وما قد تنتهي إليه من نصر أو هزيمة، وما يكون بعد ذلك من فخر أو تصميم على الثأر والانتقام، بينما قد يكون تصوير المعارك وما تشتمل عليه طريقًا إلى الإشادة بالنفس أو بالغير، وهكذا.
وهذا الموضوع هو أكثر موضوعات الشعر التي بين أيدينا ترددًا واتساعًا، ومن أمثلة هذا الشعر الذي يشيد ببلاء الجماعة الإسلامية وبسالتها وإيقاعها بالعدو قول خليد بن المنذر في يوم طاوس:
بطاوس ناهبنا الملوك وخيلنا ... عشية شهراك علون الرواسيا
أطاحت جموع الفرس من رأس حالق ... تراه كموار السحاب مناغيا
فلا يبعدن الله قومًا تتابعوا ... فقد خضبوا يوم اللقاء العواليا١
وقد يجعل الشاعر تصوير المعركة سبيلًا إلى تصوير بلائه والإشادة بنفسه، كقول نعيم بن مقرن قائد المسلمين في وقعة واج روذ بهمذان، التي تصدى فيها "لموتا" قائد الفرس ونكل به تنكيلًا، قال:
ولما أتاني أن "موتا" ورهطه ... بني باسل جروا جنود الأعاجم
نهضت إليهم بالجنود مساميا ... لأمنع منهم ذمتي بالقواصم
فجئنا إليهم بالحديد كأننا ... جبال تراءى من فروع الغلاسم
فلما لقيناهم بها مستفيضة ... وقد جعلوا يسمون فعل المساهم
صدمناهم في واج روذ بجمعنا ... غداة رميناهم بإحدى العظائم
فما صبروا في حومة الموت ساعة ... لحد الرماح والسيوف الصوارم
стр. 215
كأنهم عند انبثاث جموعهم ... جدار تشظى لبنه للهوادم
أصبنا بها "موتا" ومن لف جمعه ... وفيها نهاب قسمة غير عاتم
تبعناهم حتى أووا في شعابهم ... نقتلهم قتل الكلاب الجواحم
كأنهم في واج روذ وجوه ... ضئين أصابتها فروج المخارم١
وقد يشيد الشاعر بنفسه مباشرة، فيصور شجاعته وبأسه وفعاله بالعدو وتفريجه كرب المسلمين، كما فعل عروة بن زيد الخيل الطائي، فقال في معركة نهاوند:
ألا طرقت رحلي وقد نام صحبتي ... بإيوان شيرين المزخرف خلتي
ولو شهدت يومي جلولاء حربنا ... ويوم نهاوند المهول استهلت
إذن لرأت ضرب امرئ غير خامل ... محيد بطعن الرمح أروع مصلت
ولما دعوا يا عروج بن مهلهل ... ضربت جموع الفرس حتى تولت
دفعت عليهم رحلتي وفوارسي ... وجردت سيفي فيهم ثم آلتي
وكم من عدو أشوس متمرد ... عليه بخيلي في الهياج أظلت
وكم كربة فرجتها وكريهة ... شددت لها أزري إلى أن تجلت
وقد أضحت الدنيا لدي ذميمة ... وسليت عنها النفس حتى تسلت
وأصبح همي في الجهاد ونيتي ... فلله نفسي أدبرت وتولت
فلا ثروة الدنيا نريد اكتسابها ... ألا إنها عن وفرها قد تجلت
وماذا أرجى من كنوز جمعتها ... وهذي المنايا شرعًا قد أطلت٢
وقد يعمد الشاعر إلى وصف بلاء قائده ومقدرته وبراعته في سياسة جنده وفتكه بأعدائه، كقول أحد المسلمين في جيش المثنى؛ إذ يقول في يوم سوق الأنبار:
стр. 216
وللمثنى بالعال معركة ... شاهدها من قبيلة بشر
كتيبة أفزعت بوقعتها ... كسرى وكاد الإيوان ينفطر
وشجع المسلمين إذ حذروا ... وفي ضروب التجارب العبر
سهل نهج السبيل فافتقروا ... آثاره والأمور تقتفر١
وقد يعمد الشاعر إلى تصوير قوة الأعداء وثباتهم؛ ليتخذ ذلك سبيلًا إلى الفخر بنفسه وبكتيبته، مثل قول عاصم بن عمرو يوم المقر:
ألم ترنا غداة المقر فينا ... بأنهار وساكنها جهارا
لقينا من بني الأحرار فيها ... فوارس ما يريدون الفرارا
قتلناهم بها ثم انكفأنا ... إلى فم الفرات بما استجارا٢
هذه نماذج لشعر الجهاد، وهي في مجموعها لا تخرج عن فني الفخر والمدح الجاهليين. فالشاعر إذا أشاد بنفسه أو بقبيلته أو بكتيبته فإنما يفخر بها، شأنه في ذلك شأن أي شاعر جاهلي. وإذا أشاد بقائده أو زميله فإنما هو يمدحه، كأي شاعر جاهلي، ولكن -برغم هذا- هناك فرق كبير.
فشعر الجهاد برغم كونه فخرًا إلا أنه يكتسي هذا الصبغ الإسلامي، الذي يتجلى في بروز فكرة الجهاد، التي وهبها الشاعر بلاءه وكفاحه. وهو حينما يعلن أنه قد أصبح همه في الجهاد يفترق عن الشاعر الجاهلي، الذي كان يفخر بالثأر والانتقام للقبيلة.
وشاعر الجهاد وإن ظل شعره يتسم بسمات الفخر فهو فخر يختلف عن الفخر الجاهلي؛ إذ يصور فيه الشاعر إيمانه بقضية الجهاد ذاتها، كما رأينا لدى عروة بن زيد الخيل الذي يفخر بتفريج كرب المسلمين وكشف الأهوال عنهم، ويعلن في نفس اللحظة أنه ارتضى الجهاد سبيلًا، دون أن يكون له رغبة في زينة الدنيا وزخرفها، فقد باع كل شيء فيها بثواب الله، برغم ما تدفعه الدنيا إليه وإلى غيره من المجاهدين من
стр. 217
كنوزها، فلا يغريهم كل هذا؛ لأنهم في سبيل الله وحده. وما قيمة الدنيا والمنايا فاغرة أفواهها محدقة بهم من كل جانب.
وشيء آخر يختلف فيه شعر الجهاد عن الفخر الجاهلي، الذي أساسه القبلية والعصبية، فإن شعر الجهاد يقوم أساسًا على الوجدان الجماعي لجماعة المسلمين، في حين يشحب الفخر القبلي في شعر الفتوح شحوبًا واضحًا.
وقد شغل الرجز بموضوع القديم؛ إذ كان له دور كبير في القيام مقام الموسيقى العسكرية في الجيوش الحديثة، من التحميس والتعبئة الروحية للجند. فهذا عمرو بن العاص في اليرموك يرى بعض المسلمين من لخم وجذام ينحرفون عندما ضغط جرجه في انضمامه إلى المسلمين مفاجأة فيدعوهم عمرو إلى مواصلة الجلاد، ويهددهم تهديدًا عاطفيًّا رائعًا في هذين البيتين؛ حيث يقول:
القوم لخم وجذام في الهرب ... ونحن والروم نموج ونضطرب
فإن تعودوا بعدها لا نصطحب ... بل نعصب الفرار بالضرب الكلب١
وقد عبر الرجز في هذا المقام عن الانفعالات السريعة المتدفقة في نفوس الأبطال، وكان حافزًا لهم على الإقدام والاستمرار في النضال والفداء.
فهذا أحد عشرة إخوة من بني كاهل من أسد يشيد بضرابه وطعانه يوم القادسية، وقد سبقه إلى الشهادة إخوته فيقول:
أنا ابن حرب ومعي مخراقي ... أضربهم بصارم رقراق
أذكره الموت "أبو إسحاق" ... وجاشت النفس على التراقي٢
وهذا أحد جند المسلمين، يرى القائد الفارسي خرزاد يفر أمام المسلمين فيقول مفتخرًا بهم:
стр. 218
وآل منا الفارس الحذرة ... حين لقيناه دوين المنظرة
بكل قباء لحوق مضمرة ... بمثلها يهزم جمع الكفرة١
وهذا طليحة بن خويلد، يضرب الجالينوس فيقد مغفره، فيقول:
أنا ضربت الجالينوس ضربه ... حين جهاد الخيل وسط الكبه٢
وهذه امرأة رجل يُدعى حنبص بن الأحوص، ترى فعال زوجها، فتتمنى أن يكون قومها جميعًا مثله فتقول:
يا ليت قومي كلهم حنابصة٣
وهذا رجل في جيش البراء بن عازب، في غزاة قزوين، يمجد بطولة قائده وكتيبته، وما لاقت من صنوف العنت والمشاق فيقول:
قد تعلم الديلم إذ تحارب ... لما أتى في جيشه ابن عازب
بأن ظن المشركين كاذب ... فكم قطعنا في دجى الغياهب
من جبل وعر ومن سباسب٤
هكذا ينطبع رجز الجهاد بنفس الطابع الذي رأيناه لشعر الجهاد، فيختلف عن الرجز الجاهلي، الذي كان يقوم على إثارة النعرات والتحميس للثأر والانتقام، فإذا هو أداة لتعبئة الروح المعنوية للمجاهدين في سبيل الله تعبئة روحية. فهذا الفارس تبلغ روحه الحلقوم في سبيل الله. وهذا يفخر بكتيبته التي يهزم بمثلها جمع الكفرة. وآخر يعلن أن ظن المشركين كاذب؛ إذ جاءهم المسلمون كأقدارهم.
والموضوع الثاني من الموضوعات القديمة في شعر الفتح هو الرثاء، وهو غرض مستقل من أغراض شعر الفتح مقصود لذاته، وهو كشعر الجهاد تمجيد لبطولة الذين
стр. 219
استشهدوا، وإشادة بفعالهم، ومواقفهم، والبكاء عليهم، وافتدائهم، وتعداد مآثرهم, وهو وإن كان يتفق مع الرثاء الجاهلي فيما يشيع فيه من الحزن والأسى، وما يغلب عليه من استشعار الأسف والجزع على الفقيد، فإنه يختلف عنه فيما يمتلئ به من روح التسليم بالقضاء، والامتثال لإرادة الله وحسن تقبلها، وتمثل ما أعده الله للشهداء من جزاء عظيم، كهذا الاستسلام الذي يبدو في رثاء أبي عامر بن غيلان لولده، الذي خرج غازيًا وأدركه طاعون عمواس؛ إذ يترجم الآية الكريمة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان﴾ [الرحمن: ٢٦] في قوله:
عيني تجود بدمعها الهتان ... سحا وتبكي فارس الفرسان
لو أستطيع جعلت مني عامرا ... تحت الضلوع وكل حي فان١
وكهذا التسليم الذي يشيع في رثاء أبي الحباب -ذريح بن الحارث- لولده الذي استشهد في قتال الفرس، فيشبهه بالشهاب الذي خمد، ويشيد ببلائه في القتال، وانعدام نظيره في الفرسان إلى يوم الدين، لكنه يعود إلى اليقين بأن لكل أجل كتاب فيقول:
أبغي الحباب في الجهاد ولا أرى ... له شبها ما دام لله ساجد
وكان الحباب كالشهاب حياته ... وكل شهاب لا محالة خامد٢
ويتجلى هذا التسليم بقضاء الله في صورة رائعة في قصيدة أبي ذؤيب الهذلي، الذي فقد بنيه الخمسة في طاعون بمصر؛ إذ يبكيهم بكاء مرًّا، مظهرًا أسفه البالغ على فقدهم، ويذكر حمايته لهم ودفاعه عنهم، ولكنه لم يجد شيئًا أمام مناياهم التي حمت، فيقول:
أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعقب من يجزع
أودى بنيّ وأعقبوني حسرة ... بعد الرقاد وعبرة لا تقلع
فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أني لاحق مستتبع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... فإذا المنية أقبلت لا تُدفَع
стр. 220
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
لا بد من تلف مقيم فانتظر ... فبأرض قومك أم بأخرى المصرع
ولقد أرى أن البكاء سفاهة ... ولسوف يولع بالبكا من يفجع
ولتأتين عليك يوم مرة ... يبكي عليك مقنعًا لا تسمع
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع١
فمدافعة المنون عبث، والجزع أمام صروف الدهر لا قيمة له، وعلامَ يجزع وهو لاحق بهم لا محالة؟! فليس أحد بخالد، وقد حاول الدفاع عنهم وضاعت جهوده سدى، فالمنايا لا تدفع، ولكل إنسان مصرع لا يعلم زمانه ولا مكانه والبكاء سفاهة؛ إذ لا قيمة له، والباكي سوف يُبكى عليه يومًا ما.
وفضلًا عن هذه الروح الإسلامية نجد اعتزازًا كبيرًا بما أعده الله للشهداء من ثواب وأجر، كما في قول من رثَى شهداء المسلمين الذين دفنوا في القادسية بمشرق؛ إذ قال:
جزى الله أقوامًا بجنب مشرق ... غداة دعا الرحمن من كان داعيا
جنابًا من الفردوس والمنزل الذي ... يحل به م الخير من كان باقيا٢
ولعلنا لا نجد في الشعر العربي قصائد كثيرة تشبه القصيدة الرائعة التي رثى بها كثير بن الغريزة النهشلي الذي كان بجيش الأقرع بن حابس التميمي شهداء جوزجان والطالقان، ورثى بها نفسه رثاء رائعًا، يذكرنا بقصيدة مالك بن الريب في فتح خراسان، وهي تجري على هذا النمط:
سقى مزن السحاب إذ استقلت ... مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق خوط ... أقادهم هناك الأقرعان
وما بي أن أكون جزعت إلا ... حنين القلب للبرق اليماني
стр. 221
ومحبور برؤيتنا يرجى الـ ... ـلقاء ولن أراه ولن يراني
ورب أخ أصاب الموت قلبي ... بكيت ولو نعيت له بكاني
دعاني دعوة والخيل تردى ... فما أدري باسمي أم كناني
فكان إجابتي إياه أني ... عطفت عليه خوار العنان
وأي فتى إذا ما مت تدعو ... يطرف عنك غاشية السنان
فإن أهلك فلم أك ذا صدوف ... عن الأقران في الحرب العوان
ولم أدرج لأطرق عرس جاري ... ولم أجعل على قومي لساني
ولكني إذا ما هايجوني ... منيع الجار مرتفع البنان
ويكرهني إذا استبسلت قرني ... وأقضي واحدًا ما قد قضاني
فلا تستبعدا يومي فإني ... سأوشك مرة أن تفقداني
ويدركني الذي لا بد منه ... وإن أشفقت من خوف الجنان
وتبكيني نوائح معولات ... تركن بدار معترك الزمان
حبائس بالعراق منهنهات ... سواجي الطرف كالبقر الهجان
أعاذلتي من لوم دعاني ... وللرشد المبين فاهدياني
وعاذلتي صوتكما قريب ... ونفعكما بعيد الخير وإن
فردا الموت عني إن أتاني ... ولا وأبيكما لا تفعلان١
فالشاعر جزع على هؤلاء الشهداء، الذين لاقوا مصارعهم في هذه البلاد النائية، وزاد في جزعه أيضًا أنه يحن وقد رأى ما رأى إلى موطنه وإلى من خلفهن في العراق، وهو يشعر بأنه لن يلقاهن، ويتضاعف حنينه وفزعه عندما يقابل بين ما حدث لهؤلاء الفتيان وما يمكن أن يحدث له هو الآخر، فليس هناك فرق بين أن ينعى إليه أخ أو أن ينعى هو إليه. وماذا يمكن أن يفيده الجزع وقد قام بواجبه على أتم وجه، وأدى ما
стр. 222
استطاع، وقدم كل ما يملك لهذا الأخ الذي استنجد به في المعركة في بسالة لا نظير لها، فلا ضير إذا هلك، فهو شجاع لا يجبن عن ملاقاة الأقران، عفيف لم يمتد طرفه إلى عرس جاره، ولم يؤذِ أحدًا من قومه، وهو منيع الجار، لا يقبل الضيم، وإذا أهيج يكرهه خصمه إذا لاقاه لصلابته وفتكه، وهو الآن يشعر بدنو أجله، ويحس أنه عما قريب مفتقد، فسوق يدركه الموت الذي لا مفر منه، ولن يشفع له حبه الحياة، وآنذاك سوف تعول نائحات ساجيات الطرف عليه في العراق.
ألم يأنِ لعاذلتيه أن تكفا عن لومه؟ وأن تهدياه إلى الطريق القويم إن استطاعتا؟ وأن تردا عنه الموت لو تأتى لهما؟ ولكن هذا محال.
وبهذا الاستبطان والتأمل الذاتي فلسف الشاعر موقفه من الموت، وجعل من رثاء شهداء الطالقان موضوعًا إنسانيًّا كبيرًا، وإن شاع في نهاية هذه الفلسفة نفس الروح الإسلامية، في التسليم بالقدر والاستسلام للقضاء. وشاعت نفس هذه المعاني في الرجز، فطبعته طوابع إسلامية؛ كالإيمان بأحقية الموت، والثقة بالله، والتسليم بقضائه.
فهذا أخو بني كاهل يرثي نفسه وينعيها إلى أخيه، ويدعوه إلى أن يصبر في لقاء عدوه، وكأنه يستخلفه مكانه، فيقول:
وجاشت النفس على التراق ... صبرا عفاق إنه الفراق١
وهذا الأعور بن قطبة يستشعر شعورين متضاربين من الغبطة والحزن في لحظة واحدة يوم أغواث، فقد قتل أخوه قائدًا من قواد الفرس، ولكن هذا القائد طعنه قبل أن يسقط، فهو فرح لأن أخاه أبلى هذا البلاء، ولكنه حزين لفقد أخيه البطل فيقول:
لم أرَ يومًا كان أحلى وأمر ... من يوم أغواث إذا افتر الثغر
من غير ضحك كان أسوى وأبر٢
وهكذا نجد هذين الموضوعين القديمين يتطوران في شعر الفتح؛ إذ يتطور الفخر القبلي الذي يقوم على التفاخر بالأحساب والعصبيات والنعرات إلى شعر يفخر فيه
стр. 223
المجاهد ببلائه وبطولته في سبيل فكرة الجهاد من أجل العقيدة التي يؤمن بها، ويتعدى ذلك إلى استشعار الشاعر وجدانًا جماعيًّا لجماعة المسلمين يصدر عنه في شعره، سواء تغنى به أو تغنى بفرديته كعضو في إطاره، ويشيع في هذا الموضوع كثير من معاني الفداء والإيمان بنصر الله للمؤمنين على أعدائهم الكافرين، كما يشيع فيه إخلاص للفكرة، ورفض لكل شيء من الدنيا يشغل عنها.
وقد قاسم الرجز الشعر هذه المعاني أيضًا، وتطور شعر الرثاء الجاهلي هو الآخر، من إشادة بالفقيد وكرمه وشرفه والجزع عليه إلى الإيمان بالموت ووجوبه والتسليم به، والصبر على قضاء الله، واستشعار ما أعد للمجاهدين والشهداء في سبيله من الأجر والثواب، فضلًا عن الإشادة ببطولة الشهيد، وما قدم في سبيل الله من تضحيات، وشارك الرجز في هذه المعاني ذاتها، وإن كان ذلك في صورة ضيقة؛ إذ إن نصوص الرجز في الرثاء قليلة جدًّا.
وإلى جانب هذين الموضوعين التقليديين استجدت موضوعات أخرى سجلها شعر الفتوح، وآثرنا أن نفردها وحدها؛ لأنها كانت نتيجة لاحتكاك الفاتحين ببيئات جديدة. وقبل أن نعرض لها نرى أن نعرض للون جديد من ألوان الرثاء استجد في الشعر الذي قيل في الفتوح، وهو لون طريف لم يعرفه الشعر العربي من قبل، ذلك أن بعض المجاهدين راحوا يرثون أعضاءهم وأشلاءهم التي فقدوها في المعارك في صورة رائعة، تمتلئ بالشجاعة والبسالة وإظهار الشدة والاحتمال والبأس، واحتساب هذه الأعضاء والفخر ببذلها في سبيل الله، والاستهانة بفقدها أمام ما أفقدت العدو من أرواح وأعضاء.
ومن بين هذه الصور الرائعة التي يصور فيها عبد الله بن سبرة الجرشي احتسابه يده عند الله، مشيدًا بما فعلته هذه اليد في سبيله، فقد قتلت أرطبون الروم، في مبارزة فقدت فيها يوم فلطاس فقال:
ويل أم جار غداة الروع فارقني ... أهون على به إذا بان فانقطعا
يمنى يدي غدت مني مفارقة ... لم أستطع يوم فلطاس لها تبعا
وما ضننت عليها أن أصاحبها ... ولقد حرصت على أن نستريح معا
وقائل غاب عن شأني وقائلة ... هلا اجتنبت عدو الله إذ صرعا
وكيف أتركه يسعى بمنصله ... نحوي وأعجز عنه بعدما وقعا
стр. 224
ما كان ذلك يوم الروع من خلقي ... ولو تقارب مني الموت فاكتنعا
يمشي إلى مستميت مثله بطل ... حتى إذا أمكنا سيفيهما قطعا
حاسيته الموت حتى اشتف آخره ... فما استكان لما لاقى ولا جزعا
فإن يكن أرطبون الروم قطعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا
وإن يكن أرطبون الروم قطعها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا
بنانتين وجرموزا أقيم بها ... صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا١
فهو يرثي يديه، وكأنها إنسان عزيز فقده وفارقه، وقد حَرَصَ على أن يتبعها، ولكنه لم يستطع، لا ضنا بنفسه على الموت ولا جبنا، كهؤلاء الذين يلومونه على تعرضه للبطل الرومي، ويتمنون له أن يتجنبه، وهو يسعى بسيفه نحوه، فهل يعجز بعدما كان من بروزه ويرتد مذعورًا أمامه؟ وهل يليق هذا ببطل مثله؟ وأمكنا سيفيهما، وراح الشاعر يسقيه كأس الموت حتى آخره، وثبت البطل، ولم يجزع حتى صرع قرنه وفقد يده.
ولكن هذه اليد التي قُطعت قد قَطعت أوصال خصمه، وإن يكن خصمه قطعها، فإن لم يفسدها كلها، فقد بقيت فيها منافع، فله بنانتان وجرموز تمكنه من الحفاظ على المسلمين، حينما يأنسون جزعًا.
وبهذه الصورة الرائعة وأمثالها سجل الشعراء والرجاز رثاءهم لأعضائهم التي فقدوا، فهذا علباء بن جحش العجلي، يطعنه فارسي في بطنه فيبقرها ويخرج أمعاءه، فإذا به ثابت الجنان يدفع بأمعائه إلى بطنه، وهو يرتجز بكلماته الأخيرة:
أرجو بها من ربنا ثوابا ... قد كنت ممن أحسن الضرابا٢
وهذا أخو بني كاهل، وقد قطع أحد فرسان العدو رجله، فراح يحتسبها عند الله، مستهينًا بها قائلًا:
стр. 225
صبرًا عفاق إنها الأساوره ... صبرًا ولا تغررك رجل نادره١
وهذا حياض بن قيس القشيري، يرثي رجله، حتى ليعرف يناشد رجله، فيفخر به سوار بن أوفى في قوله:
ومنا ابن عتاب وناشد رجله ... ومنا الذي أدى إلى الحي حاجبا٢
وكان حياض هذا قد ضربه أحد الروم في اليرموك فقطع رجله، فقال متوهمًا الروم أساورة يخاطب فرسه:
أقدم حذام إنها الأساورة ... ولا تغرنك رجل نادره
أنا القشيري أخو المهاجرة ... أضرب بالسيف رءوس الكافرة٣
وذكر بعض الشعراء مثل هذا مما فعلوه بالعدو. فهذا علقمة بن الأرث، يتحدث عن الأكف والأسواق التي أطاحها المسلمون من الروم في يوم فحل فيقول:
وكم من قتيل أرهقته سيوفنا ... كفاحًا وكف قد أطيحت وأسوق٤
وجلي أن هذا اللون يغلب عليه طابع إسلامي بصورة ظاهرة، في معانيه وألفاظه وما يشيع فيه من روح الفداء والتضحية والاحتساب، في مقابل ما أعده للمجاهدين من حسن الثواب.
وخلاصة القول: إن شعر الجهاد فارق الحماسة الجاهلية، في التخفف من كل ما حظره الإسلام من الغزل المحسوس، والتغني باللهو والعبث والشراب، ولم يعد تفاخرًا بالشجاعة في الثأر والانتقام والإغارة، وإنما أصبح تفاخرًا بالبطولة، والتفاني في الجهاد في سبيل الله، الذي يظهر فيه إيمان الشاعر بالعقيدة التي دفع عنها إيمانًا عميقًا، يستشرف فيه الشاعر مغانم أخروية وعده الله بها، ويصدر فيه عن روح الجماعة الإسلامية، التي كادت تذوب داخلها القبليات والنعرات الجاهلية، كما يصدر فيه عن نفسه كعضو في هذه الجماعة واضح الشخصية متميزها، يؤدي واجبًا يشعر بقداسته ويؤمن بدواعيه.
وكذلك اختلف شعر الرثاء في الفتوح عن الرثاء التقليدي، فيما شاع فيه من آثار التعاليم الدينية ومظاهر الإيمان بالموت والاستبشار بالجنة، فضلًا عن هذا اللون الجديد من الرثاء الذي بكى فيه المسلمون أشلاءهم بكاء جديدًا، يظهرون فيه الاستهانة بما فقدوا في سبيل الله. ويلف الرثاء بلونيه التقليدي والمستحدث إطار إسلامي جلي، وإشارات واضحة إلى الجنة والثواب والأجر الذي أعده الله للشهداء والمجاهدين.
стр. 226
٣- موضوعات جديدة:
هذه الموضوعات الجديدة التي عبر عنها شعر الفتح نتيجة طبيعية لحياة الفاتحين في بيئة جديدة عنهم وبعيدة عن أوطانهم. وأول هذه الموضوعات ما نسميه بشعر الحنين، ونعني به ذلك الشعر الذي يعبر عن أشواق الشاعر التي كانت تملأ جوانبه، وعن المواجع التي كانت تلذع كبده، نتيجة بعده عن وطنه، عندما يتذكر مرابعه الأولى فيحن إليها، ويذكر أهله الذين فارقهم، ويتمنى لقاءهم فيشكو بعده واغترابه عنهم، كهذا المجاهد الذي يشكو غربته إلى قمرية خالها غريبة مثله في مرو الشاهجان فقال:
أقمرية الوادي التي خان إلفها ... من الدهر أحداث أتت وخطوب
تعالي أطارحك البكاء فإننا ... كلانا بمرو الشاهجان غريب١
وكما يسكب الشاعر الغريب عواطفه على الطيور ويشكو إليها همومه يفزع إلى طبيعة دياره التي خلفها وراءه، عندما يعاني من قسوة أجواء هذه المناطق النائية وبردها وثلجها، فيتحسر على دفء موطنه، كهذا الشاعر الذي راح يذم جو مرو، ويتمنى جو العراق في بره وبحره؛ إذ يقول:
وأرى بمرو الشاهجان تنكرت ... أرض تتابع ثلجها المذور
أسفي على بر العراق وبحره ... إن الفؤاد بشجوه معذور٢
وإن كان هذا الشاعر يذم برد مرو شوقًا إلى دفء العراق، فإن شاعرًا آخر من الفاتحين يضيق بقيظ بعض المناطق البعيدة الأخرى عن وطنه، ويتنسم برد رياح نجد،
стр. 227
وطيب مناخه، ضائقًا بغربته بين أناس ليسوا من قومه ولا من عشيرته ولا من لسانه، فيقول:
أتبكي على نجد وريا ولن ترى ... بعينيك ريا ما حييت ولا نجدا
ولا مشرفا ما عشت أقفار وجرة ... ولا واطئًا من تربهن ثرى جعدا
ولا واجدًا ريح الخزامي تسوقها ... رياح الصبا تعلو دكادك أو وهدا
تبدلت من ريا وجارات بيتها ... قرى نبطيات يسمينني مردا
ألا أيها البرق الذي بات يرتقي ... ويجلو دجى الظلماء ذكرتني نجدا
ألم ترَ أن الليل يقصر طوله ... بنجد وتزداد الرياح به بردا؟ ١
وأخذ الشعور بالغربة على الفاتحين يتصور صورًا مختلفة، فنجد يقصر الليل فيه وتزداد رياحه بردًا، ولكنه في غربته يزداد طولًا وقيظًا.
وهذا ورد بن الورد في رامهرمز يحن إلى حبيبته ودياره في بني كعب، فيصور فؤاده مصعدًا مع المصعدين إلى أرض الوطن، ولا يجد خيرًا في الدنيا إذا لم يزر فيها حبيبه فيقول:
أمغتربا أصبحت في رامهرمز ... ألا كل كعبي هناك غريب
إذا راح ركب مصعدون فقلبه ... مع المصعدين الرائحين جنيب
وإن القليب الفرد من أيمن الحمى ... إلى وإن لم آته لحبيب
ولا خير في الدنيا إذا لم تزر بها ... حبيبًا ولم يطرب إليك حبيب٢
وراح بعض الشعراء يبكون حظهم الذي ألقى بهم إلى هذه المناطق النائية، حتى ليضيقون بالقتال والحرب فيها، ويصرحون بهذا في شعرهم، كما فعل هذا الجندي الذي يقول:
стр. 228
تبدلت من نجد وممن يحله ... محله جند ما الأعاريب والجند؟
وأصبحت في أرض الجنود وقد أرى ... زماني بأرض لا يقال لها بند١
ويستبد الحنين بالشاعر فينظر ناحية نجد، برغم أنه لا يرى شيئًا، ولكنه ينظر حنينًا إليها وإلى خيامها التي يقصر عنها الطرف، وبرغم ألا نفع في نظره فلا يزال ينظر، ثم تجري عبراته تتحدر هكذا كل يوم، وهكذا لا يستريح قلبه، فإما مجاهد في غزاة، أو ناء يتذكر يقول:
أكرر طرفي نحو نجد وإنني ... برغمي وإن لم يدرك الطرف أنظر
حنينًا إلى أرض كأن ترابها ... إذا أمطرت عود ومسك وعنبر
بلاد كأن الأقحوان بروضه ... ونور الأقاحي وشى برد مجير
أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر
وما نظري في نحو نجد بنافع ... أجل لا، ولكني إلى ذاك أنظر
أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينك مجرى مائها يتحدر
متى يستريح القلب إما مجاوز ... بحرب وإما نازح يتذكر٢
وفي مثل هذه الظروف القاسية الموحشة يجد الشاعر المجاهد الغريب نفسه بحاجة إلى أن يهرب إلى الطبيعة يبثها آلامه وأحزانه، ولا يزال الشعر الذي قيل في نخلة القادسية يصور لنا عاطفة الإنسان المأزوم نحو الطبيعة ولجوئه إليها، وبخاصة لو استشعر إلى جانب مشاعر الاغتراب والوحشة قلقًا يتهدد حياته، أو عندما يهاجمه الإحساس بدنو أجله.
كان ذلك يوم عماس، وقد قتل من المسلمين ألفان وخمسمائة، وكان عدد الجرحى كبيرًا، وأخذ المسلمون في دفن القتلى بمشرق، ودفعوا بالجرحى إلى عناية النساء، وكان بين موقع المعركة مما يلي القادسية وبين حصن العذيب نخلة وحيدة، ليس حولها شيء من الزرع، وكان المسلمون إذا حملوا الجريح مروا به عليها، فإذا كان فيه
стр. 229
تمييز نظر إليها طويلًا، ثم قال لحامله: أرحني تحت ظل هذه النخلة، فيرتاح تحتها برهة، يترنم فيها ببيت من الشعر يتمنى فيه السلامة لها، وكأنه يخاطب نفسه فيها؛ إذ لم يجد أهله وأحباءه حوله يقولون له هذه الكلمة فيخففون بها بعض ما به من ألم. ويذكر وحدة النخلة، وكأنه يعبر بذلك عن غربته، مثل هذه النخلة التي لا يجاورها نخل فيقول:
ألا فاسلمي يا نخلة بين قادس ... وبين العذيب لا يجاورك النخل
فإذا بجريح آخر يقول:
ألا يا اسلمي يا نخلة بين جرعة ... يجاورك الجمان دونك والرغل
فإذا بثالث من تيم الله يدعي ربعيًّا يقول:
أيا نخلة الجرعاء يا جرعة العدا ... سقتك الغوادي والغيوث الهواطل
وحمل إليها الأعور بن قطبة جريحًا -فيمن حمل- فقال:
أيا نخلة الركبان لازلت فانضري ... ولا زال في أكناف جرعائك النخل
فيرد عوف بن مالك التميمي:
أيا نخلة دون العذيب بتلعة ... سقيت الغوادي المدجنات من النخل١
وموضوع الحنين على هذه الصورة باب رائع من أبواب الشعر الإسلامي، ذلك أنه يلتف في نطاق وجداني رفيق، تنسكب فيه أعمق المشاعر العاطفية في تدفق وحرارة وصدق.
ونحن لا نعرف لهذا الشعر شبيهًا يقابله في شعر الجاهلية على كثرة ما كان من ظعنهم ورحيلهم إلا ما كان يعرف من بكاء الأطلال. وفي اعتقادنا أن وجود هذا الضرب من الشعر في الفتوح يعلل اختفاء المقدمات من هذا الشعر، إلى جانب ما أسلفناه من أسباب في تعليل هذه الظاهرة. وربما يعلل وجود هذا اللون أيضًا ما أخذ يشيع بعد استقرار المجتمع الإسلامي وبسط سلطانه على الأمصار المفتوحة من غزل رقيق عذري، متطور عن هذا اللون من شعر الحنين الحزين الشجي.
стр. 230
وللتدليل على ما نذهب إليه بصدد حلول قصائد الحنين هذه محل المقدمة الطللية، الذي استوعب هذا اللون كل ما كان يسكب فيها من عوطف. نرى أنه لا ضير في أن تكون هذه الأبيات مطلعًا لإحدى القصائد التقليدية، وهي أبيات لأحد الفاتحين النازحين يقول فيها:
خليلي هل بالشام عين حزينة ... تبكي على نجد لعلي أعينها
وهل بائع نفسًا بنفس أو الأسى ... إليها فأخلاها بذاك حنينها
وأسلمنها الباكون إلا حمامة ... مطوقة قد بان عنها قرينها
تجاوبها أخرى على خيرزانة ... يكد يدنيها من الأرض لينها
نظرت بعيني مؤنسين فلم أكد ... أرى من سهيل نظرة أستبينها
فكذبت نفسي ثم راجعت نظرة ... فهيج لي شوقًا لنجد يقينها١
فهل هناك فرق بين هذه الأبيات وأية مقدمة طللية؟ وهل هناك فرق بينها وبين ما نراه بعد عند العذريين من آلام الشوق والتبريح؟
وفي الوقت الذي نجد فيه الرجز يقاسم الشعر في الموضوعات القديمة المتطورة؛ كشعر الجهاد والرثاء نجده لا يستطيع أن يشاركه في شعر الحنين؛ إذ هو اللون الوحيد من ألوان الشعر في الفتوح، الذي لم يكن للرجز فيه نصيب من التعبير. وربما يرجع هذا إلى أن معاني الحنين لا يمكن نظمها إلا في ظروف وجدانية خاصة، ولحظات غنائية حالمة ومتأنية، مما يخالف طبيعة الرجز، الذي غلبت عليه طبيعة الاندفاع، والانفعال العنيف اللاهب؛ نتيجة لقيامه بدور التحميس والحث في ظروف القتال.
وحظيت المشاهد الغريبة التي عاينها المسلمون لأول عهدهم بها في مناطق الفتح النائية، وبخاصة في الجناح الشرقي لفارس بغير قليل من عناية الشعراء الذين راحوا يصورون انطباعاتهم بهذه المشاهد وانعكاساتها على أنفسهم. وقد حظيت طبيعة هذه البلدان التي تختلف عن طبيعة بلاد العرب باهتمام الشعراء بها وتصويرها، والتعبير عن
стр. 231
إعجابهم بها أو الضيق منها، وبخاصة أحوال الجو وبرده، الذي عانَى منه المسلمون في حصارهم بعض المناطق في مكران وما ماثلها، كما يبدو في قول الحكم التغلبي الذي افتتحها؛ إذ يقول:
لقد شبع الأرامل غير فخر ... بفيء جاءهم من مكران
أتاهم بعد مسغبة وجهد ... وقد صفر الشتاء من الدخان١
وهذا أحد الفاتحين يضيق ببرودة الجو في مرو، ويعجب لتنكر الأرض التي تتابع ثلجها، ويشفق على أهلها الذين يقضون الشتاء مقرورين، دائمًا محتمين بأثواب يدسون أيديهم فيها لشدة البرد كأنهم أسرى فيقول:
وأرى بمرو الشاهجان تنكرت ... أرض تتابع ثلجها المذرور
إذ لا ترى ذا برة مشهورة ... إلا تخال كأنه مقرور
كلتا يديه لا تزايل ثوبه ... كل الشتاء كأنه مأسور٢
وفي نفس الوقت عبر بعض الفاتحين عن إعجابهم بطبيعة البلدان التي افتتحوها، وتغنوا بجمالها إلى أهليهم في شبه الجزيرة، كما يبدو في شعر أبي بجيد الأسود بن قطبة التي يتغنى فيها بريف الري، فيقول:
رضينا بريف الري والري بلدة ... لها زينة في عيشها المتواتر
لها نشز في كل آخر ليلة ... تذكر أعراس الملوك الأكابر٣
وهذا سواد بن قحطبة يتغنى بجمال الطبيعة في جرجان، فيقول:
ألا أبلغ أسيدًا إن عرضت بأننا ... بجرجان في خضر الرياض النواضر٤
ولعل أشد هذه المشاهد لفتًا للعرب في أول نزولهم بلاد الفرس الفيلة، التي لاقوا منها شدة في بعض معاركهم مع الديلم، وبخاصة يوم بابل، ويوم الجسر، وفي
стр. 232
القادسية، وقد دار ذكرها في شعر عدد كبير من شعراء المسلمين ذكرها ربيعة بن مقروم الضبي، وفخر برؤيتها وشهود معاركها، فقال:
ودخلت أبنية الملوك عليهم ... ولشر قول المرء ما لم يفعل
وشهدت معركة الفيول وحولها ... أبناء فارس بيضها كالأعبل
متسربلي حلق الحديد كأنهم ... جرب مقارفة عنية مهمل١
وأشار عبدة بن الطبيب إليها في لاميته فقال:
حلت خويلة في دار مجاورة ... أهل المدينة فيها الديك والفيل٢
وصور الشعر ما كان يحدث لخيول المسلمين من الاضطراب بسبب الفيول، حتى كاد المسلمون أن يخسروا المعركة يوم بابل، كما خسروها يوم الجسر. وفي القادسية فعلت الفيلة فعلها في الخيل، حتى ليقول أبو محجن الثقفي:
وما رمت حتى خرقوا بسلاحهم ... إهابي وجادت بالدماء الأباجل
وحتى رأيت مهرتي مزوئرة ... لدى الفيل يدمي نحرها والشواكل٣
وظل هذا حال الفيلة وفعلها بالمسلمين حتى عرفوا مقاتلها. وكان من الذين قطعوا مشافر الفيلة القعقاع بن عمرو، الذي قطع مشفر الفيل الأعظم يوم القادسية، وفقأ عينه برمحه وقال:
فإن كنت قاتلت العدو فللته ... وإني لألقى في الحروب الدواهيا
فيولا أراها كالبيوت مغيرة ... أسمل أعيانًا لها ومآقيا٤
وأشاد سعد بن أبي وقاص ببلاء الذين تعرضوا للفيلة من المسلمين فأراحوا إخوانهم منها بعد أن قتلت في بنى أسد خمسمائة، فقال يشيد ببطولة القعقاع، وحمال الوالبي:
стр. 233
فقد لقيت خيولهم خيولًا ... وقد وقع الفوارس في الضراب
وقد دلفت بعرصتهم فيول ... كأنهم زهاءها إبل جراب
فلولا جمع قعقاع بن عمرو ... وحمال للجوا في الكذاب
هم منعوا جموعكم بطعن ... وضرب مثل تفتيق الإهاب
ولولا ذاك ألفيتم رعاعا ... تشل جموعكم مثل الذباب١
وكما ضاق المسلمون بالفيلة ضاقوا بما لم يألفوه، من الحشرات والأوبئة التي تعرضوا لإيذائها في هذه البيئات، فشكوا منها، كما يبدو في هذا الشعر الذي يشكو فيه صاحبه من الذباب الذي يؤذي ناقته ويردها عن الماء في كربلاء عند التقاء كتيبة خالد بجند عياض حيث يقول:
لقد حبست في كربلاء مطيتي ... وفي العين حتى عاد غثا سمينها
إذا رحلت من مبرك رجعت له ... لعمرو أبيها إنني لا أهينها
ويمنعها من ماء كل شريعة ... رفاق من الذبان زرق عيونها٢
ولا ريب في أن الشعر الذي صور طاعون عمواس وأثره قد نجح في رسم صورة مؤثرة للمأساة التي أودت بكثير من المسلمين، الذين اجتمع عليهم الطعن والطاعون في وقت واحد. يقول المهاجر بن خالد بن الوليد وقد فقد أربعين من بني عمومته في هذا الطاعون:
أفنى بني ريطة فرسانهم ... عشرون لم يقصص لهم شارب
ومن بني أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا يعجب العاجب
طعن وطاعون مناياهم ... ذلك ما خط لنا الكاتب٣
стр. 234
وفي نفس المعنى يقول عبد الله بن سبرة الجرشي:
إن أقلب الطعن فالطاعون يرصدني ... كيف التقاء على طعن وطاعون١
وكان ركوب البحر حدثًا كبيرًا سجله الشعراء وأشادوا به، وأكدوا في شعرهم أن الله قد ذلَّله لهم وبشروا بما أعده الله لمن يعبر في طاعته. يقول عفيف بن المنذر التميمي وقد غزا مع العلاء بن الحضرمي فارس من البحرين في وقعة طاوس:
ألم ترَ أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الحلائل
دعونا الذي شق البحار فجاءنا ... بأعظم من فلق البحار الأقائل٢
وأخذ المسلمون يعرفون بعض ألوان المآكل والمشارب الفارسية ويذكرونها في شعرهم؛ إذ إن أبا عبيد بن مسعود الثقفي -شهيد الجسر- بعد أن هزم الفرس في السقاطية بكسكر نزل بقرى باروسما؛ حيث خف إليه الفرس يصالحونه، وصنع له "فروخ" و"فرنداذ" من رؤساء الدهاقين طعامًا قدموه له، ولكنه رفض أن يطعمه دون جنده، فأخبره أنهم يطعمون في نفس الوقت فأكل، ولما عاد إلى جنده سألهم: ماذا كان طعامهم؟ فأخبروه بما جاءهم، فدعاهم ليعرفوا ألوان الطعام التي قدمت إليه. من قرو ونجم وجوزل وشواء وخردل، فقال عاصم بن عمرو التميمي:
إن تك ذا قرو ونجم وجوزل ... فعند أنب فروخ شواء وخردل
وقرو رقاق كالصحائف طويت ... على مزرع فيها بقول وقوزل٣
وكان المسلمون يرون أموال الفرس تنصب في حجورهم من غنائم وأسلاب وجزية تؤدَّى إليهم، فيذكرون ذلك في عزة وفخر. فبعد المدائن حاز المسلمون خزائن كسرى ودروعه وأسيافه، فقال أبو بجيد نافع بن الأسود:
فانتشلنا خزائن المرء كسرى ... يوم ولوا وحاض منا جريضًا٤
стр. 235
وهذا سهيل بن عدي يفخر بصيرورة خرج الجزيرة إلى المسلمين بعد وقعة الرقة، فيقول:
وصار الخرج ضاحية إلينا ... بأكناف الجزيرة عن نقالي١
وهذا عمرو بن مالك الزهري ينادي إليه الفرس بقبول الجزية، بعدما ذاقوا مرارة القتال في قرقيسيا:
فنادوا إلينا من بعيد بأننا ... ندين بدين الجزية المتواتر٢
ودارت مثل هذه المعاني في شعر عرب الحيرة، الذين استكثروا على المسلمين أن يسكنوا منازل المناذرة، وأن يمتلكوا الخورنق والسدير، وأن تؤدى إليهم الجزية، بعدما كانت تؤدى إلى كسرى، حتى قال عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة أحد زعماء الحيرة:
أبعد المنذرين أرى سواما ... تروح بالخورنق والسدير
وبعد فوارس النعمان أرعى ... قلوصًا بين مرة والحفير
فصرنا بعد هلك أبي قبيس ... كجرب المعز في اليوم المطير
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنضير٣
وكانت ملابس الجند الفارسيين وشكتهم يثيران في نفوس المسلمين بعض الدهشة، فذكروها في شعرهم، من مثل قول ربيعة بن مقروم:
متسربلي حلق الحديد كأنهم ... جرب مقارفة عنية مهمل٤
كما أخذت بعض الكلمات الفارسية تسقط إلى المسلمين فيعجبون لها، كما حدث لهذا الذي يقول:
تبدلت من ليلى وجارات بيتها ... قرى نبطيات يسمينني مردا٥
стр. 236
كذلك كانت كنائس الروم وبيعهم وما فيها من زخرف ونقوش تلفت أنظارهم كما لفتت نظر حارثة بن النمر وقد شهد اليرموك فقال:
لله باليرموك قوم طحطوا ... أحساب عاتى الروم بالأقدام
فتعطلت منهم كنائس زخرفت ... بالشام ذات فسافس ورخام١
وأثرت هذه الأجواء الجديدة في بعض العرب وفتنت نفرًا منهم، فانحرفوا عن الصواب، وعكفوا على الخمر، وشهود مجالس الطرب والغناء واللهو، يغنيهم الدهاقين والمسمعات الأجنبيات، كما يصور ذلك النعمان بن عدي بن نظلة الذي ولي أعمال دست ميسان لعمر بن الخطاب فجرفته حياة اللهو بقوله:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى من زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... وصناجة تجثو على حرف ميسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم٢
وبلغ الأمر عمر فقال: "وايم الله.. قد ساءني ذلك"، وكتب إليه فعزله٣.
وعندما بلغ عمر أن بعض الجند في الشام قد انصرفوا إلى الخمر كتب بأن يطبخ كل عصير بها حتى يذهب ثلثاه، فأخذ خلان الخمر يرثونها، ضائقين بهذا الأمر الصارم، كقول ذي الكلاع الذي شهد اليرموك، وكان السبب المباشر في هذا الأمر:
ألم ترَ أن الدهر يعثر بالفتى ... وليس على صرف المنون بقادر
صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي ... ولست على الصهباء يومًا بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلانها يبكون حول المعاصر
فلا تجلدوهم واجلدوها فإنها ... هي العيش للباقي ومن في المعاصر٤
стр. 237
وأسهم الرجز بنصيب في تصوير هذه الألوان الجديدة في الشعر، وإن كان ضئيلًا، ولكنه يعبر عن هؤلاء الشعراء الذين اتخذوه سبيلًا إلى التعبير. ورأينا أن نغمات الرجز لا تصلح لحمل مشاعر الحنين، التي تفترق أوتارها في رقتها وحزنها عن أوتاره في عنفوانها ودويها إلا أنه صور انطباع الشعراء وتأثرهم ببعض المشاهد الغريبة في البيئات الجديدة كما صورها الشعر.
وكان الفيل أكثر هذه المشاهد لفتًا للرجاز، فذكروه في أرجازهم ووصفوه، وهذا أحدهم يصفه لنا وصفًا دقيقًا، حتى لكأننا نراه أمامنا فيقول:
أجرد أعلى الجسم منه أضخم ... يجر أرحاء ثقالًا تحطم
ما تحتها من قرضها وتهشم ... وحنك حين يمد أفقم
ومشفر حين يمد سرطم ... يرده في الجوف حين يطعم
وكان عندي سبب أو سلم ... نجيت نفسي جاهدًا لا أظلم١
وهذا آخر يصفه فيشبه آذانه بالمناديل فيقول:
من يركب الفيل فهذا الفيل ... إن الذي يركبه محمول
على تهاويل لها تهويل ... كالطود إلا أنه يجول
وأذنه كأنها منديل٢
وسجل الرجز ما حدث عام الطاعون، والحرج الذي عاناه المسلمون في النزوح إلى الأماكن الموبوءة أو الخروج منها، وما شاع بين الناس آنذاك من استسلام لقضاء الله، فإنما يفر من فر من قضاء الله إلى قضاء الله، وحاول بعض الناس الفرار منه خوفًا وفزعًا، فأهاب بهم البعض أن يذعنوا للقضاء. فيروى أن رجلًا خرج على حمار فارًّا من الطاعون، فإذا بمن يحدو به يقول:
стр. 238
لن يعجزوا الله على حمار ... ولا على ذي غرة مطار
قد يصبح الموت أمام الساري١
وأزمع رجل آخر الخروج فرارًا من الطاعون أيضًا فتردد بعد أن هم وحدا به حاد يقول:
يأيها المشعر هما لا تهم ... إنك إن تكتب لك الحمى تحمم٢
وكذلك عبر الرجز عن ركوب المسلمين الماء. فهذا مالك بن عامر أول كتيبة عاصم بن عمرو التي عبرت دجلة إلى المدائن يستحث الناس على العبور، ويذكرهم بما أعد لهم من أجر وثواب، ونصر وعدهم الله به، وخسران لأعدائهم فيقول:
امضوا فإن البحر بحر مأمور ... والأول القاطع منكم مأجور
قد خاب كسرى وأبوه سابور ... ما تصنعون والحديث مأثور٣
وهكذا استخدم الفاتحون الذين أنطقتهم الفتوح بالشعر والرجز في التعبير عن الأغراض المختلفة التي يستخدم فيها القصيد، فوصفوا فيه البطولات، وأشادوا بجهادهم، واستخدموه في الرثاء، ووصف المشاهد، وما إلى ذلك من الألوان، التي لم يطرقها الرجز من قبل، وكانت وقفًا على القصيد. ويرى الدارس أن هذه لم تكن إلا مقدمة لاستخدامه فيما بعد، كقالب جديد، لا يقتصر على ألوانه الضيقة التي عرفها بها في الجاهلية، في الحرب والحداء، والمفاخرة٤. فيصبح عند العجاج والأغلب العجلي وأبي النجم قالبًا موازيًا للشعر، يحتفلون به ويطورونه تطويرًا. فضلًا عن دوره الكبير الذي ظل يؤديه في التعبئة الروحية والمعنوية للجند في أثناء القتال.
وهكذا يدهش من يطالع شعر الفتوح في هذه الألوان الجديدة، عندما تطالعه تلك الآثار السريعة للاحتكاك الحضاري في الميادين والأمصار المفتوحة، التي تركت ميسمها على الشعر، بعد أن أثرت في قائليه أثرًا سريعًا وموقوتًا، ولكنه ملحوظ، برغم الفترة القصيرة التي استغرقها هذا الاحتكاك.
стр. 239
الفصل الثاني: الطوابع الإسلامية في شعر الفتوح
١- صدور الشعر عن روح الإسلام:
ليس ثمة شك يقتضي التدليل والبرهان على أن الإسلام قد خلق قيمًا جديدة في حياة العرب، وأن هذه القيم قد امتد أثرها إلى كافة مجالات الحياة العربية ومظاهرها، بما في ذلك الشعر الذي طبع بطوابع إسلامية جلة في شكله ومضمونه.
فقد أدت ظروف الفتح المادية والنفسية إلى إحداث تغيير في شكل الشعر الذي صدر في الفتوح. فاختفت المقدمات الغزلية والطللية، وانكمشت القصائد فصارت مقطعات قصيرة، فضاقت من ثم عن استيعاب أكثر من غرض واحد من أغراض الشعر؛ لتكون متفقة مع قصر النفس الشعري؛ بسبب اهتمامات القتال، ولتطير على ألسنة الشعراء العاديين الذين راحوا يودعون الأبيات القصيرة من القصيد والرجز مشاعرهم، ويتخذونها أداة سريعة للتعبير عن ذوات أنفسهم، وحمل ما بنفوسهم من أحاسيس.
ولعل الطوابع الإسلامية التي طبعت المضمون في هذا الشعر أوضح الطوابع التي تعرض للتأثر بها وأعمقها على الإطلاق. فلو تصفح الدارس شعر الجهاد وهو يمثل كثرة شعر الفتوح لوجده في مجموعه يذهب في الفخر، والإشادة ببلاء المسلمين، وتصوير نكايتهم بالعدو كمجموع متحد الوجدان؛ ولذا يسم الشعر في كثرته استخدام ضمير الجماعة بشكل ملحوظ.
وهذه الجماعة بطبيعة الحال ليست القبيلة أو العشيرة، وإنما هي جماعة المسلمين الكبيرة، التي استوعبت كل العلاقات العصبية والقبلية، القائمة على وشائج القربى والدم والنسب، فنسختها في إطار وجداني قومي وفكري، يقوم على أواصر الإنسانية والأخوة والعقيدة والمساواة، وراح الشعراء يصدرون عنه.
стр. 240
ونحن بطبيعة الحال لا نعدم أن نجد شعراء يتغنون بقبائلهم، غير أن ذلك لم يحدث إلا نادرًا، عندما يتصادف أن يجتمع نفر كبير من قبيلة بعينها في ميدان معركة واحدة، كما حدث لجمع بني أسد، الذين استشهد منهم عدد كبير في مقتلة الفيل يوم القادسية، وأخذ بعض شعرائهم يصورون ما قاموا به من الفداء، ويشيدون بما أبدوا من ضروب البسالة والتضحية، ويفخرون بقومهم، ولكنهم يفخرون بإسلامهم، وبطاعتهم لربهم وبذلهم في سبيله، كما في مقطوعة نافع بن الأسود التميمي، التي يقول فيها عن قومه:
هم أهل عز ثابت وأرومة ... وهم من معد في الذرا والغلاصم
وهم يضمنون المال للجار ما ثوى ... وهم يطعمون الدهر ضربة لازم
ثم يقول:
ولما أتى الإسلام كانوا أئمة ... وبادوا معدا كلها بالجرائم
إلى هجرة كانت سناء ورفعة ... لباقيهم فيهم وخير مراغم
فجاءت ببهم في الكتائب نصرة ... فكانوا حماة الناس عند العظائم
فصفوا لأهل الشرك ثم تكبكبوا ... وطاروا عليهم بالسيوف الصوارم١
ويظهر ذلك بوضوح في قول الأسود بن سريع التميمي في الفخر بيني أبيه؛ إذ يقول يوم الأهواز:
لعمرك ما أضاع بنو أبينا ... ولكن حافظوا فيمن يطيع
أطاعوا ربهم وعصاه قوم ... أضاعوا أمره فيمن يضيع٢
وليس يعني وجود ضمير الجماعة في قصائد الجهاد اختفاء ملامح الفرد الشخصية في هذا الشعر، وإنما الحقيقة أن الفرد كان يصدر في بعض هذا الشعر عن ذات نفسه مع اعتبار هذا الذات جزءًا من الجماعة التي تمثل ضميرها فصدر عنها في صدوره عن
стр. 241
ذاته، واشتق معانيه من وحيها، وهو حينئذ إنما يفخر بنفسه من حيث هو فرد منها؛ ليعود عليها كل ما يذكر عن نفسه. فهو لا يذكر شيئًا ليبين تفرده به دون الجماعة، وإنما يعلن أنه صورة ومثل على جميع أفرادها.
فهذا عبد الله بن عتبان الذي افتتح جي من أعمال أصبهان يفتخر بنفسه في بيت واحد، ثم إذا به يرتد إلى الوجدان الجماعي؛ ليفخر بجماعة المسلمين وبلائهم فيقول:
من مبلغ الأحياء عني فإنني ... نزلت على جي وفيها تفاقم
حجزناهم حتى سروا ثم انتزوا ... فصدهم عنا القنا والصوارم
وجاد لها القاذوسقان بنفسه ... وقد دهدهت بين الصفوف الجماجم
ثم لا يلبث أن ينزع إلى تصوير ما أذاقه بيده لكبير القوم فيقول:
فثاورته حتى إذا ما علوته ... تفادى وقد صارت إليه الخزائم
ويعود إلى الوجدان الكبير فيقول:
وعادت لقوحا أصبهان بأسرها ... يدر لنا منها القرى والدراهم
ثم ينزع إلى الحديث عن نفسه كمسئول عن هذه الجماعة في تقبل جزية المهزومين فيقول:
وإني على عمد قبلت جزاءهم ... غداة تفادوا والعجاج فواقم
ويرجع إلى الحديث عن جماعة المسلمين التي استحقت النصر كلها وزكا جهادها، فيقول:
ليزكو لنا عند الحروب جهادنا ... إذا انتطحت في المازمين الهماهم١
وهذا سراقة بن عمرو الذي أرسله أبو موسى الأشعري لفتح باب الأبواب يفخر بنفسه، ثم لا يلبث أن يطلق الفخر في مجموع المسلمين، فيقول:
стр. 242
ومن يك سائلًا عني فإني ... بأرض لا يواتيها القرار
بباب الترك ذي الأبواب دار ... لها في كل ناحية مغار
نذود جموعهم عما حوينا ... ونقتلهم إذا باح السرار
سددنا كل فرج كان فيها ... مكاثرة إذا سطع الغبار
وألحمنا الجبال جبال قبج ... وجاوز دورهم منا ديار
وبادرنا العدو بكل فج ... نناهبهم وقد طار الشرار
على خيل تعادى كل يوم ... عتادًا ليس يتبعها المهار١
وليس أدل على ما نحن بصدده من قول المثنى بن حارثة، وهو يرى أفناء العروب وأحياءها جميعًا جنودًا غير متمايزين في جنده، وكأنهم أبناء أم واحدة، هي الوغى:
صبحنا بالخنافس جمع بكر ... وحيا من قصاعة غير ميل
بفتيان الوغى من كل حي ... تبارى في الحوادث كل جيل٢
وهكذا يخفت صوت القبليات، فلا نعود نسمع بتميم أو مذحج إلا لماما. وأخذت تعبيرات جديدة تظهر في الدلالة على الفاتحين، فهم فتيان الوغى، في قول المثنى, وهو جند السلم، في قول القعقاع:
فما فتئت جنود السلم حتى ... رأينا القوم كالغنم السوام٣
وهم الفتيان الكماة في قول عاصم بن عمرو:
صبحناهم بكل فتى كمى ... وأجرد سابح من خيل عاد٤
وهم رجال هاجروا نحو ربهم، في قول عاصم أيضًا:
стр. 243
لعمري وما عمري على بهين ... لقد صبحت بالخزي أهل النمارق
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... يجوسونهم ما بين درتا وبارق١
وهم الأنصار فيقول أبي محجن الثقفي يوم الجسر وهم الفتية أيضًا:
مررت على الأنصار وسط رحالهم ... فقلت ألا هل منكم اليوم قافل
إلى فتية بالطف نيلت سراتهم ... وغودر أفراس لهم ورواحل٢
وهم جموع المسلمين في قول عياض بن غنم:
من مبلغ الأقوام أن جموعنا ... حوت الجزيرة يوم ذات زحام٣
وهم جند الله، كما يقول زياد بن حنظلة:
وإذ أرطبون الروم يحمي بلاده ... يحاوره قرم هناك يساجله
فلما رأى الفاروق إزمان فتحها ... سما بجنود الله كيما يصاوله٤
وصدر الشعر فضلًا عن روح الجماعة بوحي من المثل الإسلامية التي طبقت في الفتوح والأمصار المفتوحة، وترى في هذا الصدد أمثلة كثيرة.
فنتيجة لتطبيق المساواة التي دعا إليها الإسلام لم يعد فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. فنجد المسلمين في فتح جند يسابور يهبون أحد العبيد بها -وكان قد أسلم من قبل- شرفًا لم يمنحوه لغيره من عظماء المدينة، فأجار مكنف هذا مواطنيه من سفك دمائهم، وكتب اسمه أمانًا لهم قبله المسلمون. فقال عاصم بن عمرو يذكر هذه الشفاعة وما تدل عليه من معانٍ:
لعمري لقد كانت قرابة مكنف ... قرابة صدق ليس فيها تقاطع
أجارهم من بعد ذل وقلة ... وخوف شديد والبلاد بلاقع
стр. 244
فجاز جوار العبد بعد اختلافنا ... ورد أمورا كان فيها تنازع
إلى الركن والوالي المصيب حكومة ... فقال بحق ليس فيه تخالع١
وكذلك أخذت آثار الديمقراطية الإسلامية تظهر في الشعر، عندما يناقش عبد الرحمن بن حنبل الخليفة حساب فيء المسلمين، ويتهمه بتبديده، وتوزيعه بين أهله وخاصته، فيقول:
وأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله أمرا سدى
ولكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلى بك أو نبتلى
دعوت الطريد فأدنيته ... خلافًا لما سنه المصطفى
ووليت قرباك أمر العباد ... خلافًا لسنة من قد مضى
وأعطيت مروان خمس الغنيـ ... ـمة آثرته وحميته الحمى
ومالا أتاك به الأشعري ... من الفيء أعطيته من دنا
فإن الأمينين قد بينا ... منار الطريق عليه الهدى
فما أخذا درهما غيلة ... ولا قسمًا درهمًا في هوى٢
وكذلك أخذت شكوى المسلمين من العمال والأمراء تنظم شعرًا إلى الخليفة، كأبيات يزيد بن الصعق إلى عمر بن الخطاب، يغريه فيها ببعض الولاة، الذين استغلوا مناصبهم ونهبوا أموال المسلمين، ويطلب منه أن يجردهم منها، أو يشاطرهم فيها، فيقول:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فأنت أمين الله في النهي والأمر
وأنت أمين الله فينا ومن يكن ... أمينًا لرب العرش يسلم له صدري
فلا تدعن أهل الرساتيق والقرى ... يسيغون مال الله في الأدم والوفر
стр. 245
فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابه
... وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر
ولا تنسين النافعين كلاهما ... ولا ابن غلاب من سراة بني نصر
وما عاصم منها بصغر عناية ... وذاك الذي في السوق مولى بني بدر
وأرسل إلى النعمان فاعرف حسابه ... وصهر بني غزوان إني لذو خبر
وشبلا فسله المال وابن محرش ... فقد كان في أهل الرساتيق ذا ذكر
فقاسمهم -نفسي فداؤك- إنهم ... سيرضون إن قاسمتهم عنك بالشطر
ولا تدعوني للشهادة إنني ... أغيب ولكني أرى عجب الدهر
نئوب إذا آبوا ونغزو إذا غزوا ... فأنَّى لهم وفر ولسنا ذوي وفر١
وراح بعض الشعراء يقارنون بين الأمراء فيهم والصحابة الراشدين، ويوازنون بين عدلهم وحسن سياستهم للأمة وما يجدون من أمرائهم في الأمصار من مخالفة عن سننهم كما يظهر في قول النابغة الجعدي لأبي موسى الأشعري والي البصرة:
فإن يكن ابن عفان أمينا ... فلم يبعث بك البر الأمينا
فيا قبر النبي وصاحبيه ... ألا يا غوثنا لو تسمعونا
ألا صلى إلهكم عليكم ... ولا صلى على الأمراء فينا٢
وظهر في شعر الفتوح أيضًا بعض الآثار الناتجة عن تطبيق الحدود الإسلامية على المنحرفين في الأمصار، ومن أمثلة ذلك: أن نقب بعض شباب الكوفة جدار ابن الحيثمان الخزاعي وقتلوه، فكتب عثمان بقتلهم، وفي هذا يقول عاصم بن عمرو مشيدًا باتباعه محكم الفرقان في عقابهم:
إن ابن عفان الذي جربتم ... فطم اللصوص بمحكم الفرقان
ما زال يعمل بالكتاب مهيمنا ... في كل عنق منهم وبنان٣
...
стр. 246
ومن هذه الآثار أيضًا: ما قاله ضابئ بن الحارث البرجمي، الذي سجن بالكوفة بأمر من عثمان بن عفان، فقد استعار من قوم من الأنصار كلبًا من كلاب الصيد يُدعى "فرحان" وحبس الكلب عن أصحابه ورفض إعادته إليهم، فكاثروه وانتزعوه منه، فهجاهم بقوله:
تجشم دوني وفد فرحان خطة ... تضل لها الوجناء وهي حسير
فباتوا سباعًا ناعمين كأنما ... حباهم ببيت المرزبان أمير
فكلبكم لا تتركوا فهو أمكم ... فإن عقوق الأمهات كبير١
وأثر فيهم هذا الهجاء المقذع، فاستعدوا عليه عثمان، الذي كتب إلى الوليد بن عقبة بحبسه واستثقل ضابئ الحبس وتنبأ بموته في السجن وتحقق ظنه؛ حيث قال:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت ووليت البكاء حلائله
وقائلة قد مات في السجن ضابئ ... ألا من لخصم لم يجد من يجادله
وقائلة لا يبعد الله ضابئا ... فنعم الفتى تخلو به وتحاوله٢
وكان كعب بن ذي الحبكة النهدي في الكوفة يعالج بالسحر والشعوذة وبلغ عثمان ذلك، فأرسل إلى الوليد أن يتبين أمره، فإن كان حقيقة ضربه موجعًا، ثم غربه إلى دنباوند من أعمال الري، ففعل الوليد، فقال في تغريبه:
لعمري لئن أطردتني ما إلى الذي ... طمعت به من سقطتي لسبيل
روت رجوعي يابن أروى ورجعتي ... إلى الحق دهرًا غال حلمك غول
وإن اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل
وإن دعائي كل يوم وليلة ... على بدنبا وندكم لطويل٣
وكان هذا الشاعر من رءوس الفتنة في قتل عثمان.
стр. 247
٢- أحاسيس ومشاعر دينية:
لعل أقرب تسمية للمسلمين في شعر الفتح كله ما أسماهم به زياد بن حنظلة من أنهم رجال الله، فهذه التسمية أكثر انطباقًا عليهم وعلى الحقيقة؛ إذ إنهم أدركوا هذا تمام الإدراك يوم أن اتخذوا هذه العقيدة دينًا، ويوم توحدت كلمتهم على هذا الدين الذي بث فيهم أحاسيس ومشاعر سامية، وأبدلهم من بعد ضعف قوة، وجعلهم يشعرون بأنهم دائمًا منتصرون ما داموا جندًا في سبيل إعلاء كلمته.
وقد تغلل في مكان الاعتقاد منهم صدق الداعي الذي دعاهم إلى سعادة الدنيا والآخرة. فتأكد لهم أن الآخرة خير وأبقى، ما دام الله قد اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون. وأن الذين في سبيل الله ليسوا أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم.
واستقر في موضع اليقين منهم: أن الله منزل نصره عليهم، إذا صدقت منهم النيات في لقاء عدوهم، فيفوز المقتول منهم بسعادة الآخرة، ويحرز الباقي سعادة الدنيا؛ ولهذا كان شعارهم دائمًا قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] .
ولهذا فإن الفاتحين المؤمنين لم يحرصوا على الحياة حرصهم على الفوز بالجنة، ولم يجزعوا من الموت، فإن كل شيء قدر تقديرا ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] .
وقد تجلت هذه المعاني في الشعر الذي صدر عن الفاتحين منطلقهم إلى الجهاد، يردون فيه على ذويهم الذين تمسكوا بهم وناشدوهم البقاء، واستعدوا الخليفة أن يردهم؛ إذ لا عائل لهم سواهم، فكانوا يجيبون بأن الله قد دعاهم من قبل، وبأنهم استجابوا لداعيه.
وقد ظل هذا الإحساس يلازم المجاهدين في الميدان. فكانت أسمى ملحمة في تاريخ العقيدة عرفها العالم إلى اليوم؛ إذ كان بعض المحاربين يشرون أنفسهم صائمين ويستشهدون، كما فعل المهاجر بن زياد الحارثي وغيره١. فقد كانوا لا يرون أمامهم إلا
стр. 248
ما وعد الله من الجنة والأجر العظيم، لا طلبة لهم إلا الموت أو النصر، ولا غاية بعد هذين من جاه أو ثروة، وما زالت أبيات عروة ترن في أسماعنا إذ يقول:
فلا ثروة الدنيا نريد اكتسابها ... ألا إنها عن وفرها قد تجلت
وماذا أرجى من كنوز جمعتها ... وهذي المنايا شرعًا قد أطلت
وأصبح همي في الجهاد ونيتي ... فلله نفسي أدبرت وتولت١
وهم لا يستشعرون أدنى ضجر أو ضيق بإزاء ما يلقون من مشاق الجهاد، ومن المنايا التي تحدث بهم من كل جانب، وإنما هم يحمدون هذه المشاق التي ساقتهم إليها عقيدتهم، ويشكرون الله أن هداهم للإيمان، ويسألونه أن يوفقهم في طاعته. يقول في ذلك عروة بن زيد الخيل:
صبرت لأهل القادسية معلما ... ومثلي إذا لم يصبر القرن أصبر
فطاعنتهم بالرمح حتى تبددوا ... وضاربتهم بالسيف حتى تكركروا
بذلك أوصاني أبي وأبو أبي ... كذلك أوصاه فلست أقصر
حمدت إلهي إذ هداني لدينه ... فلله أسعى ما حييت وأشكر٢
ورائعة هذه الأهازيج التي كان يلقى بها المجاهدون وهم يلقون أعداء الله، ويعلنون فيها أنهم لا يبغون إلا الشهادة أو النصر، كما جاء على ألسنة أبناء الخنساء يوم القادسية، حينما ألقوا بأنفسهم إلى الموت واحدًا إثر الآخر، وأجمعوا على هذا المعنى في نهاية أراجيزهم، فقال الأول:
وأنتم بين حياة صالحة ... أو ميتة تورث غنما رابحة٣
وقال الثاني:
إما لفوز بارد على الكبد ... أو ميتة تورثكم عز الأبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد٤
...
стр. 249
وقال الثالث:
إما لفوز عاجل ومغنم ... أو لوفاة في سبيل الأكرم١
وبنفس هذه الروح المؤمنة كانوا يواجهون الموت، فإن أدركهم في عزيز لديهم لم يجزعوا. وما يجدي الجزع ولكل أجل كتاب، إن الموت حق، وأمر لا بد من نفاذه ضربة لازب. ولا يملكون أمامه إلا الإيمان والتسليم. وعلامَ البكاء وسوف يُبكى على الباكين في يوم قريب؟! بمثل هذه المشاعر كانوا يواجهون الموت، كما واجهه أبو ذؤيب بهذا الإيمان العميق في قوله:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
لا بد من تلف مقيم فانتظر ... أرض قومك أم بأخرى المصرع
ولقد أرى أن البكاء سفاهة ... ولسوف يولع بالبكا من يفجع
وليأتين عليك يوم مرة ... يبكي عليك مقنعًا لا تسمع٢
ونفس هذه الروح نجدها في مرثية كثير بن الغريزة؛ إذ يقول:
ورب أخ أصاب الموتى قبلي ... بكيت ولو نعيت له بكاني
فلا تستبعدا يومي فإني ... سأوشك مرة أن تفقداني٣
وكانت تشيع في رثائهم -إلى جانب نغمة التسليم والإيمان- نغمة رضاء واستبشار واستحسان؛ لما قدمه الشهيد باستشهاده، وما تحمله من تضحيات، فعليه إذن أن ينام قرير العين، هانئ البال. يقول القعقاع في رثاء خالد بن يعمر:
حضض قومي مضر حي بن يعمر ... فلله قومي حين هزوا العواليا
وما خام عنها يوم سارت جموعنا ... لأهل قديس يمنعون المواليا٤
стр. 250
وهذا خليد بن المنذر يدعو لهؤلاء الذين خضبوا بدمائهم الرماح يوم طاوس فيقول:
فلا يبعدن الله قومًا تتابعوا ... فقد خضبوا يوم اللقاء العواليا١
وهذا عبد الله بن سبرة الجرشي -الذي قطع الأرطبون يده يوم فلطاس- لا يشعر بالحسرة والندم على يده، إلا أنها تمنعه الجهاد، ولكن ما دام بها بنانتان وجرموز يقيم بها صدر القناة فلا بأس. وعلامَ يتحسر عليها وقد قامت بدورها فقطعت أوصال الأرطبون قبل أن يقطعها؟! وفي هذا يقول:
فإن يكن أرطبون الروم قطعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا
وإن يكن أرطبون الروم أفسدها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا
بنانتان وجرموز أقيم بها ... صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا٢
ومن المشاعر الإسلامية الخطيرة التي شاع أثرها في الشعر ما ركزه الإسلام في العرب من إحساس بالقوة، وما أثمره عمق إيمانهم من اعتداد بأنفسهم، وتقدير لذواتهم، واستهانة بقوى الباطل، لإيمانهم بأنهم على حق وفي سبيله.
وقد أبدلهم الإسلام عن إحساسهم بالضعف والهيبة أمام الفرس والروم في الجاهلية إحساسًا بالقوة، وشعروا بأنهم ألأعلون، وإن على أكتافهم تقع مسئولية تبليغ الرسالة، التي أضحوا قوامين عليها إلى العالمين، بما في ذلك دولة فارس ودولة الروم.
وبغير هذا الإحساس لم يكن يتسنى للعرب -وهم فل حروب داخلية حصدتهم حصدًا، ولم يكن يمكنهم وهم على ما هم عليه من ضعف العدة وضيق ذات اليد وقلة العدد بالقياس إلى هاتين الدولتين- أن يستبيحوا حماها أو أن يدوسوا حصونهما ومعاقلهما.
فقد قلب هذا الإحساس -بالثقة والمسئولية- ميزان الموقف رأسًا على عقب، فإذا بالحفاة العراة رعاة الإبل وأكلة الحنظل يطبقون من كل جانب على سادة الأمس القريب، وهم على ما هم عليه من ضخامة الثروة، والمدنية والعمران، وانفساح الرقعة،