← Адаб

Адаб · id 10001

شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام

النعمان عبد المتعال القاضي

Полный текст (304 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وصادف قدوم خالد قدوم باهان، الذي رأى هرقل أن يعزز به جنده. وكان الموقف بالغًا غاية الدقة، فعدد المسلمين قليل جدًّا، بالقياس إلى عدد الروم. وظل الموقف جامدًا ثلاثة أسابيع يتدبر المسلمون أمرهم، وترامى إلى المسلمين أن الروم سينازلونهم في غدهم، وتحدث الأمراء في شأنهم، ولما آن لخالد أن يتحدث قال: "إن هذا اليوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر والبغي. أخلصوا لله جهادكم، وأريدوا الله بعملكم، فهذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قومًا على نظام وتعبئة وأنتم على انتشار"١ فلما سألوه الرأي، أشار بتعاورهم الإمارة، وطلب أن يتأمر في اليوم الأول، ولم يترددوا. عبأ خالد الجيش كراديس كل منها ألف رجل، وجعل على القلب أبا عبيدة، وعلى الميمنة عمرو بن العاص وشرحبيل، وعلى الميسرة يزيد، وجعل على كردوس فارسًا من شجعان المسلمين كالقعقاع وعكرمة ومن إليهما. وعهد إلى أبي سفيان بتحريض المسلمين وتذكيرهم، فسرت إلى قلوب المسلمين قوة لم يكن لهم بمثلها عهد مذ نزلوا الشام. وتقدم القادة صفوفهم يرتجزون ويخطبون ويتمثلون، وكلهم ينتظر الأمر بالهجوم بصبر نافذ، وعزم ثابت على النصر أو الموت. فلما صدرت الأوامر من باهان بالزحف كان جرجه بجيشه في الطليعة، وكان قد تعلم العربية وسمع عن خالد ومال قلبه إليه، فتلقاه خالد وأفسح له ولعسكره طريقًا، وظن الروم أن جرجه في حاجة إلى المدد، فانقضوا على المسلمين فأزاحوهم. وكان عكرمة على كردوسه أمام فسطاط خالد، ورأى تسليم جرجه وارتاح له، فلما رأى صفوف المسلمين تنزاح أمام الروم نادى: من يبايعني على الموت؟ فبايعه أربعمائة من وجوه المسلمين، واندفع بهم يلقون فيلق الروم في هجمة رجل واحد، فزلزلوهم كما زلزلهم انضمام جرجه إلى المسلمين، وأيقن المسلمون بالنصر أو الفناء عندما رد الروم هجومهم بأعنف منه. واندفع خالد والمسلمون وراءه يهوون على عدوهم بسيوفهم فيخطفون أرواحهم خطفًا، وازداد حماس المسلمين حتى شارك النساء الرجال، واستمات الروم في دفع المسلمين، وتأرجحت المعركة حامية الوطيس، فلما كانت الشمس في المغيب بدأت قوات الروم تهن، وكان نهر اليرموك يدور في الشمال على شكل نصف دائرة، بحيث

стр. 72

يحتضن جنوبي القوس سهلا له باب واحد من الجنوب، فدار خالد خلف جيش الروم وحصرهم فتردوا في هاوية الواقوصة، وشدد المسلمون الضغط عليهم فتلاحقوا فيها١. قضت معركة اليرموك على كل أمل للروم في استبقاء الشام، فلم يكد هرقل يسمع بهزيمة جيشه حتى جلا عن معسكره بحمص، وجعلها بينه وبين المسلمين، وقال قالته المشهورة: "سلام عليك يا سورية سلاما لا لقاء بعده ونعم البلد للعدو"٢. ويذهب غير قليل من المؤرخين إلى أن معركة اليرموك كانت بعد أجنادين ودمشق، وأن اليرموك كانت آخر الوقائع. يذهب إلى ذلك الواقدي والبلاذري والأزدي، مخالفين الطبري الذي اخترنا روايته. فالواقوصة التي حدثت المعركة عندها قريبة من بادية الشام ومن تخوم العرب، وهي أدنى الأرض إلى جيوش المسلمين حين التقائها. ويؤيد رواية الطبري ما يرويه ياقوت في هذه الوقعة من أنها حدثت لعهد أبي بكر، وأن البريد جاء بموته وخلافة عمر، وبتأمير أبي عبيدة على الشام كله، وبعزل خالد، وأخفي الخبر عن المسلمين حتى تم نصرهم. ثم دخل خالد على أبي عبيدة فسلم عليه بالإمارة وأفضى بالخبر٣. ونحن نميل إلى هذه الرواية ونرفض رواية البلاذري ومن سايره. وليس لنا إلا أن نحتكم في ذلك إلى الشعر الذي يؤيد وجهة النظر التي اخترنا بدوره، يقول القعقاع بن عمرو -وكان ضمن كتيبة خالد- مصورًا مسيرهم إلى اليرموك: بدأنا نجمع الصفرين فلم ندع ... لغسان أنفًا فوق تلك المناخر صبيحة صاح الحارثان ومن به ... سوى نفر نجتذهم بالبواتر وجئنا إلى بصرى وبصرى مقيمة ... فألقت إلينا بالحشا والمعاذر فضضنا بها أبوابها ثم قابلت ... بنا العيس في اليرموك جمع العشائر٤ كتب أبو عبيدة إلى عمر بما تم من نصر المسلمين في اليرموك، وأنه خلف بشير بن سعد بن أبي الحميري عليها ليحمي ظهره، وخرج إلى مرج الصفر يتعقب فلول المنهزمين

стр. 73

بفحل، وأنه أتاه الخبر بأن هرقل أمد دمشق بقوات من حمص، وأنه لا يدري أيبدأ بدمشق أم بفحل من بلاد الأردن؟ فأجاب عمر بالبدء بدمشق فهي حصن الشام، على أن يشغلوا أهل فحل في نفس الوقت. فأرسل أبو عبيدة إلى فحل بقوة كبيرة عليها أبو الأعور السلمي، وسار هو وخالد بن الوليد في قوة الجيش الكبرى إلى دمشق، ورأى الروم الذين لجئوا إلى فحل مقدم المسلمين عليهم، وكان أثر اليرموك وما أورثه إياهم من فزع لا يزال آخذًا بنفوسهم، فأطلقوا ماء بحيرة طبرية ونهر الأردن في الأرض حولهم، فأوحلت وتعذر السير فيها، وغاظ المسلمين ما صنع أعداؤهم فحاصروهم دون تقدم وظلوا على حصارهم. بينما كان أبو عبيدة يتقدم في كثرة الجيش إلى دمشق؛ حيث هجر الناس منازلهم ليحتموا في حصونها المنيعة برماتها ومنجنيقاتها وخنادقها التي طمتها مياه نهر بردي. وأمر أبو عبيدة جنده فسكنوا الغوطة معسكرين في كنائسها؛ حتى لا تحاصرهم قوة تأتي من حمص، وبعث بعلقمة بن حكيم وبمسروق العبسي فعسكرا بين دمشق وفلسطين؛ ليمنعا أمداد الروم من الجنوب. وعين لكل من قواده بابًا من أبواب دمشق الحصينة فنزل هو بالجابية، ونزل عمرو بن العاص بباب توماء، ونزل شرحبيل بباب الفراديس، ونزل يزيد بالباب الصغير المعروف بباب كيسان، أما خالد فنزل بباب دمشق الشرقي. ونصب المسلمون المنجنيق والدبابات حول أسوارها، لكن حصونها كانت أمنع من أن تفضها عدة العرب، فردت المدينة كل هجمات المسلمين بسهامهم ونبلهم. وكان نسطاس حاكم المدينة وباهان قائدها ينتظران أمداد هرقل، فطالت المقاومة، وأرسل هرقل ما وعد به، ولكن قوات المسلمين تصدت لأمداده. وعلى الرغم من هذا لم تسقط المدينة، وتمسكت بالمقاومة حتى انصرم الشتاء والعرب لا يريمون. وعند ذلك وهنت المقاومة وبدءوا يفكرون في الصلح. ودخل المسلمون المدينة بعد أن تسورها خالد من الشرق وفتح أبوابها، بينما دخلها أبو عبيدة من الجابية صلحًا، وكذلك فعل يزيد من باب توماء. وكان طبيعيًّا أن يتجه أبو عبيدة بادئ ذي بدء إلى التفكير فيمن خلف وراءه من جنود المسلمين عند فحل بالأردن، ولكنه شغل قليلًا بتسريح جند خالد إلى العراق كما أوصى أبو بكر، فسارت كتيبة العراق وعليها هاشم بن عتبة، وعلى مقدمتها القعقاع؛ لتدرك المسلمين في القادسية كما مر، وكاد يشغل عن فحل تمامًا؛ إذ أوعز إليه البعض بفتح حمص، مدفوعين بحماسة الظفر، ومنتهزين فرار هرقل منها إلى أنطاكية، لكنه

стр. 74

خالف مشورتهم حتى لا يقطع أحد ساقته، فترك يزيد على دمشق، وتقدم ومعه خالد وقوات الجيش مجتمعة وبلغ بهم فحل وقد جفت الأرض. وكان أبو بكر قد جعل إمارة الأردن لشرحبيل، فله القيادة لأن القتال يقع في إمارته، فبعث أبا الأعور السلمي إلى طبرية فحاصرها، وجعل خالدًا على مقدمة الجيش، وأبا عبيدة وعمرًا على المجنبتين، وضرار بن الأزور على الفرسان. وأقاموا قبالة الروم ينتظرون وطال وقوفهم، فخيل إلى سقلار قائد فحل أنه يستطيع أخذ المسلمين على غرة، فقد أمن المسلمون وأقاموا على غير عدة لطول مقامهم، وأنهم لذلك ستضطرب صفوفهم لأول وهلة. وخاب ظنه إذ إن المسلمين لم يأمنوا، وكان شرحبيل يبيت ويصبح على تعبئة، واستبسل الروم في قتال مرير، وطالت المعركة الليل كله، والنهار الذي يليه إلى الليل، حتى خارت قوى الروم ووهنوا، فانهزموا وقتل قائدهم وأسلمتهم هزيمتهم إلى الوحل، فلحق بهم المسلمون فركبوهم وخزًا بالرماح، وقتلوهم شر قتلة، فأصيب الثمانون ألفًا لم يفلت منهم إلا الشريد١. ثم نهد شرحبيل ومعه عمرو فحاصر أهل بيسان، ولكنهم لم يستمروا في المقاومة واضطروا إلى التسليم والصلح، فقد هوت روحهم المعنوية إلى منحدر من الضعف؛ بسبب ما أصابهم في اليرموك وفي دمشق وفي فحل. ثم إن أهل الشام لم تبلغ عداوة المسلمين منهم مبلغًا يعاون الروم على المقاومة، فقد حكمهم الروم بيأس وقوة لا يثيران حماسة لحكمهم أو حرصًا على بقائه. وبلغ أهل طبرية ما أصاب بيسان وأهلها، فطلبوا إلى أبي الأعور أن يصالحوا شرحبيل. واحتذى أهل أذرعات وعمان وجرش ومآب وبصرى مثالهم، وكذلك أذعنت بلاد الأردن إلى حوران وإلى البادية ورضيت سلطان المسلمين، الذين أقاموا الجند في المدن وتركوا لأهلها إدارة شئونها. وسار أبو عبيدة ليفتح حمص، فلما بلغ دمشق ضم إليه ذا الكلاع وقوته التي كان قد تركها ردءًا لدمشق من الشمال. وما إن بلغ إلى الشمال الشرقي من دمشق حتى لقي جيشًا من الروم بعث به هرقل بإمرة توذر، فوقف قبالته. وإنه لكذلك إذا أقبل شنس

стр. 75

الرومي مددا لتوذر، فعسكر على حدة. وتداول أبو عبيدة مع خالد، واستقر رأيهما على أن يلقى خالد توذر، وأن يلقى أبو عبيدة شنس، وكان همهما أن يصدا المسلمين عن حمص. وبات كل من القائدين يرتب أمر الحرب وينظم خطته، ولما تنفس الصبح لم يجد خالد أثرًا لتوذر، فقد انسحب في جنوده من أول الليل يريد دمشق، ثقة منه بأن حاميتها لن تطيق مقاومته. وتدبر خالد الأمر، فلا قيمة للانتصار على شنس إذا ما افتض توذر دمشق. وأسرع خالد في كتيبة من الفرسان يطارد توذر. وكان توذر قد وصل إلى دمشق، وبلغ يزيد خبره فخرج يلقاه، وأنشب القتال بعد أن أغلق أبواب المدينة، وبينما توذر يهاجمه أقبل خالد فأخذ الروم من خلفهم، وكبر وكبر الذين معه، فأيقن المسلمون المدافعون بوصول المدد، فأخذهم يزيد من أمامهم وخالد من خلفهم وأمعنوا فيهم قتلا، ولم يفلت منهم إلا الشريد. وغنم المسلمون خيلهم وأداة حربهم ومتاعهم. وعاد خالد إلى مرج الروم فوجد أبا عبيدة قد انتصر على شنس وقتله، ومزق جيشه كل ممزق١. وانطلق يلاحق فلوله إلى حمص وحاصر بعلبك، فلما ترامت هذه الأنباء إلى هرقل ارتحل على أثرها، وأرسل إلى أهل حمص يعدهم بالمدد، وأن العرب لن يطيقوا برد حمص، ولم تطل مقاومة بعلبك أمام أبي عبيدة فصالح أهلها، وتركهم إلى حمص فحاصرها وعلى مقدمته خالد بن الوليد. وامتنع أهل المدينة بحصونها لا يخرجون لقتال المسلمين إلا في اليوم الشديد برده، وطال بالمسلمين الحصار، وطال بأهل حمص انتظار ما وعدهم به هرقل، وانصرم الشتاء ولم يرحل المسلمون، فتراجعوا إلى الصلح أخيرًا ودخلها المسلمون. خلَّف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت ومضى نحو حماة، فتلقاه أهلها مذعنين، فصالحهم على صلح حمص. وسار إلى اللاذقية حيث حاصرها واضطر أهلها إلى الصلح، بعد أن خدعهم عن مدينتهم بحفر حفائر كالأسراب، ثم أظهر المسلمون رحيلهم فاطمأن أهلها وخرجوا إلى معاشهم، وعاد المسلمون مع الليل حيث دخلوا المدينة من حفائرهم، ومنعوا الذين خارجها من الدخول، فسلم من أقام في المدينة٢، وتوجه خالد إلى قنسرين حيث هزم ميناس هزيمة منكرة، وخرب المدينة بعد استسلامها عقوبة لها، وأودى بحاضرها وبمن فيها من عرب تنوخ وسليج.

стр. 76

وعلى الرغم من أن أبا عبيدة أجابهم إلى الأمان من بعد، فعادوا بعد أن فروا إلى أنطاكية، إلا أنهم غدروا بالعرب عندما ساروا إلى حلب، فوجه إليهم أبو عبيدة قوة حصرتهم وغنمت منهم مئونة للجيش، وتركت فيهم حامية تكفل إذعانهم وتحمي المؤخَّرة١. وسار أبو عبيدة إلى حلب فحاصرها، ولم يلبث أهلها أن خارت عزيمتهم برغم مناعة حصونهم فطلبوا الصلح٢. وكان هرقل قد اعتصم بأنطاكية قبل ارتحاله إلى الرها، وهي عاصمة الإمبراطورية الرومانية في الشرق، وكان فتحها لدى عمر يعادل فتح المدائن، ويتلهف على أخبارها تلهفه على أخبار القادسية، ولم يكن أبو عبيدة يجعل منعتها وقوة حصونها، كما لم يغب عنها أنها مقر الذين نجوا بعد هزائمهم في مواقع الشام كلها، فاجتمعوا بها وعزموا على الدفاع عنها، ولكن دفاعهم انهار أمام المسلمين، فخرج أهلها وتركوا حصونهم حيث تلقاهم أبو عبيدة في معركة حامية، وحاصر المدينة فسلمت ونزلت على حكمه فرحل عنها. ولكن أهلها عادوا فنقضوا عهدهم، فبعث إليهم بعياض بن غنم فقضى على انتقاضهم، وأقام فيها حامية ثابتة كأمر الخليفة٣. ولم يبقَ لكي يتصل الفتح في الشام بالفرات إلا تطهير شمال الشام؛ لذلك سار أبو عبيدة إلى حلب حيث بدد جيش الروم، ثم فتح قورس ومنبج، وبعث بخالد ففتح مرعش. وسار يزيد بن أبي سفيان من دمشق ففتح بيروت والثغور المجاورة٤، ويئس هرقل فارتحل من الرها إلى القسطنطينية. ورأى جبلة بن الأيهم ما حل به فكتب إلى أبي عبيدة بإسلامه وإسلام بني غسان، حتى حدث أن وطئ إزاره رجل من بني فزارة فتنصر والتحق بهرقل٥. وبينما كان أبو عبيدة يسير مظفرًا في شمال الشام كان عمرو بن العاص وشرحبيل يواجهان قوات الروم، التي اجتمعت بفلسطين لأرطبون أكبر قواد الروم وأكثرهم دهاء، وكان قد وضع بالرملة جندًا عظيمًا وبإيلياء جندًا مثله، وترك بغزة وسبسطية ونابلس واللد ويافا حاميات. وأقام ينتظر مقدم العرب واثقًا من النصر.

стр. 77

وأدرك عمرو دقة الموقف، وخشي توزع جنوده بين هذه الأماكن، فخاطب الخليفة في ذلك. فأشار عمر بأن يتوجه معاوية إلى قيسارية ليفتحها فلا يجيء إلى أرطبون أمداد عن طريقها. وسار معاوية إليها فحصرها، وزاحف أهلها وردهم إلى حصونهم كلما خرجوا له. وطال بهم الأمر حتى استماتوا في قتاله ذات يوم فقضى عليهم، حتى ليقال: إنه قتل منهم ثمانين ألفًا. وبسقوط قيسارية أمن المسلمون جانبها، وامتنع كل مدد يجيء إلى الروم عن طريقها١. ولم يكتفِ عمرو بهذا، فقد رأى أرطبون يتقدم بقواته إلى أجنادين، فوجه علقمة بن حكيم ومسروقًا العكي إلى إيلياء حتى يشغل الروم عنه. ووجه أبا أيوب المالكي إلى الرملة لنفس الغرض. وسار عمرو في جلة الجيش إلى أجنادين، فإذا الروم قد تحصنوا وخندقوا. واحتال عمرو فتنكر حتى دخل على أرطبون كأنه رسول، وتأمل حصونه وعرف ما أراد. واحتال حتى خرج بعد أن كاد أمره يكتشف، ولم يبقَ أمام عمرو إلا أن ينشب القتال بعد أن عرف مأخذه ومآتيه. وبعد أن أعد له عدته التقى الجيشان بأجنادين، كما التقى جيش الروم والمسلمين بالواقوصة، وكذلك كان القتال شديدًا، وترجع النصر زمنًا بينهما. وكان أهل فلسطين من اليهود والنصارى يقفون من حكامهم ومن غزاتهم موقف المتفرج، لا تحركهم حماسة للروم ولا غضب على المسلمين. وساعد هذا على أن يكون المسلمون أكثر ثباتًا وصبرًا، فلما آذنت الشمس بالمغيب رأى أرطبون صفوفه تضطرب فانسحب في الناس متقهقرًا إلى بيت المقدس، فأفسح علقمة ومسروق طريقًا، فدخل المدينة بمن بقي من جنده معتمدًا على مناعة حصونها. وعسكرا بقواتهما إلى جانب قوات أبي أيوب بأجنادين. بينما أقام عمرو ينظر في مهاجمته أرطبون بيت المقدس. ورأى عمرو أن يحيطوا به فيقطعوا خط الرجعة عليه من ناحية البحر، ففتحوا رفح وغزة وسبسطية ونابلس واللد وعمواس وبيت جبرين ويافا٢. وكاتب أرطبون عمرًا بأنه لن يفتح شيئًا بعد أجنادين، فعليه أن يرجع ولا يغتر. فرد بأنه صاحب فتح هذه البلاد، وطلب إليه أن يتدبر أمره قبل أن يدهمه، ولكنه كان يشعر

стр. 78

أنه بحاجة إلى مدد، فقد أنهكت وقعة أجنادين المسلمين، فكاتب الخليفة أنه يعاني حربًا كئودًا صدومًا، وبلادًا ادخرت له، وطلب رأيه. وظل محاصرًا للمدينة والمقاومة تشتد، حتى ذاق المسلمون من قسوة المنجنيقات وشدة البرد الكثير. وكان جليًّا أن استماتة المدينة في الدفاع سببها الدين. فلما أيقنوا بانقطاع المدد عنهم، وبقسوة المنجنيقات على المسلمين خافوا على كنيستهم وقبلتهم ألا يصالحهم المسلمون على ما صالحوا عليه المدن الأخرى؛ ولهذا فقد اشترطوا أن يتولى عقد الصلح خليفة المسلمين بنفسه، وربما ليتركوا لجنودهم فرصة ينسحبون فيها إلى مصر. وكتب لهم عمر كتابًا أمنهم فيه على أنفسهم وبيعهم وصلبانهم١. وانتهز عمر وجوده بالشام فنظم إدارته، وعدل قيادته وقسم إقليم الشام مقاطعات تعرف بالأجناد، ثم قفل راجعًا إلى المدينة. ولم يشأ الروم بعد كل هذا أن يتركوا المسلمين ينعمون بالاستقرار في بلاد الشام. وداعب الأمل هرقل في أن يستعيد الشام في محاولة نهائية، وتصادف أن القبائل العربية الضاربة في شمالي الشام وظلت على مسيحيتها خشيت خطر المسلمين، فراسلت هرقل تطلب عونه في مهاجمة المسلمين، ورأى هرقل في ذلك فرصته فراسل هذه القبائل لتستعد، بينما أبحرت جيوشه من الإسكندرية بقيادة ابنه قسطنطين. وألقت الحملة مرساها على شاطئ أنطاكية واستولت عليها. وهناك انضم إليها قبائل العرب المتمردة، ولم يلبث شمالي الشام أن ثار. فألفى أبو عبيدة نفسه محصورًا في حمص، بينما أعداؤه يسيرون إليه برًّا وبحرًا، فراسل عمر فأمده بالقعقاع ونصحه بالتريث٢. وكانت الخطة أن تحصر القبائل المتمردة عن دائرة جيش الروم فطوقها عبد الله بن عتبان وسرعان ما رجعت إلى مضاربها وآثرت السلامة٣. واستطاع المسلمون -بعد انفرادهم بالروم- أن يحطموا مقاومتهم، وأن يهزموهم برغم استماتتهم في القتال، وأخيرًا ألجأهم المسلمون إلى انسحاب، ومنذ هذا اليوم عرف

стр. 79

المسلمون قيمة الأساطيل البحرية. وقد ألمت بالمسلمين في هذه الفترة مجاعة عنيفة ووباء شديد. أصابتهم المجاعة في مواطنهم في شبه الجزيرة، وأصابهم الوباء في الميدان. ودامت المجاعة تسعة أشهر، وهلك فيها الزرع والنسل والضرع والحرث، وأصاب الناس منها الْجَهْد والبلاء. أما الطاعون فقد امتد من الشام إلى العراق فأفنى الألوف من خيرة المسلمين رجالًا ونساء وجندًا ومدنيين، حتى ارتاع له الناس أيما ارتياع. وعالج الخليفة المجاعة بصبر وحكمة، مستعينًا بما أفاءه الله من خيرات الشام والعراق. وأما الوباء فيذهب بعض المؤرخين المتأخرين أنه نشأ عن كثرة القتلى في الميادين، حتى تعذر دفن أكثرهم فأثار ذلك سبب الوباء. وعالجه عمرو بن العاص؛ إذ أشار بإخلاء المنازل والإخلاد إلى الخلاء والاعتصام بالجبال. واهتم عمر بأمر الوباء وما آل إليه أمر الشام بعد زواله، فقد فني من المسلمين خمسة وعشرون ألفًا. وانتقل من الشام إلى العراق ففتك بأهل البصرة. ولا يأمن عمر أن يكون ذلك سببًا في اضطراب النظام الاقتصادي؛ بسبب مواريث من فني، فقد يجر توزيعها ثارات بين المسلمين، فعول على الخروج إلى الشام ونزل الجابية، وزار مدن سورية جميعها يستفسر عن حال المسلمين، ووزع المواريث ونظم ثغور الشام ومسالحه، وبذلك استقر كل أمر في نصابه، وثبتت أقدام المسلمين بالشام وورثوا فيها الروم. ولكن المسلمين كانوا يدركون إدراكًا عميقًا أن وجودهم بالشام رهن بفتح مصر، بعد أن رأوا في مقاومة الروم لهم من قواعد مصر البحرية في حملة قسطنطين ما أزعجهم وهدد سلطانهم؛ فدفعهم هذا إلى التشاور مع الخليفة في مؤتمره بالجابية في فتح مصر على ضوء الأحداث والواقع.

стр. 80

٤- فتوح مصر وإفريقية: كانت مسيرة عمرو بن العاص إلى مصر بإذن من عمر بن الخطاب؛ لكن عمر لم يأذن بهذا السير إلا بعد تردد طويل، استمر عامين أو أكثر، فالمتواتر أن ابن العاص خاطب الخليفة في غزو مصر حين فتحت بيت المقدس أبوابها للمسلمين، وبعد أن صالح أمير المؤمنين أهلها في السنة السادسة عشرة من الهجرة، حينما انسحب قائد الروم الأرطبون بقواته من فلسطين إلى مصر١. ولعل عمرًا أشار على الخليفة بتعقبه وهو منهزم، قبل أن تتاح له فرصة التحصن والدفاع والمقاومة في بلاد منيعة الحصون وفيرة الميرة، ولا سيما أن إطالة أمد التفاوض في حصار بيت المقدس، وطلب حضور الخليفة بنفسه لعقد الصلح لم يكن الهدف من وارئهما إلا كسب الوقت؛ حتى يتمكن أرطبون من الانسحاب بجنده إلى مصر. ولعله أيضًا ذكره بما صنعه الروم حينما رأوا التجمع في مصر ليشنوا منها هجومًا على المسلمين. مستغلين في ذلك إمكانياتها البحرية كما حدث في حملة قسطنطين، التي خرجت من شواطئ الإسكندرية واستولت على أنطاكية. وكادت بمساعدة القبائل أن تزعزع فتوحات المسلمين. وليس شك في أن إدراك هذه الصلة بين مصر والشام ينم عن فهم لطبيعة المنطقة الجغرافية، والضرورات الحربية التي تحتم على المسلمين الاستيلاء على مصر لضمان استقرار مكاسبهم في الشام. ولكن الخليفة تردد وطال تردده، فقد كانت الحرب سجالًا بين المسلمين والفرس، وكان شمال الشام يعج بالثورة والانتقاض، بينما حدثت الكارثة التي هددت شبه الجزيرة بالفناء. ولم تكد المجاعة تنتهي حتى فشا طاعون بفلسطين وامتد حتى البصرة. وكان طبيعيًّا إذن أن ينسى الخليفة كل ما حدثه به عمرو بن العاص عن مصر. ولما عادت شبه الجزيرة إلى مألوف حياتها، وبرئت الشام من الوباء، وجاء الخليفة إليها يصلح شئونها لزم ابن العاص أمير المؤمنين، يدلي إليه بحجج جديدة حتى يزيل

стр. 81

تردده، فلو قنع المسلمون بموقفهم لحسبهم أعداؤهم تضعضعوا تحت وطأة الوباء والجوع، ولهاجموهم في الشام عن طريق مصر، أما إذا نهد لهم المسلمون في مصر ذاتها وقفوا موقف المدافع، وتعطلت سياسة الهجوم تمامًا. ولا بد أن ابن العاص قد أفاض في تزيين الفتح لأمير المؤمنين إفاضة العليم بمصر ومدنها وطرقها وحصونها، لما أتيح له من زيارتها، وما استخلصه من أسرى الروم الذين يعرفونها حق المعرفة. فمصر ولاية غنية بطبيعتها وثرواتها، تسيطر على منافذ العالم المعروف كله، وهي مركز تجارته، وأساطيلها التجارية تشق عباب البحرين من أقدم العصور إلى الجنوب من بلاد العرب، تحمل إليه التجارة، وتجيء منه بمختلف السلع، وتتصل عن طريق سيناء بطريق القوافل المنحدر إلى مكة واليمن. وهذا الاتصال أتاح احتكاكًا مباشرًا بين العرب وأهل مصر، وأدى إلى استقرار عدد غير قليل من العرب ببوادي مصر، وإلى استقرار جالية مصرية على طريق القوافل، كانت نواة لمدينة يثرب، كما يذكر مؤرخو العصور القديمة. وظلت هذه الصلات التجارية متصلة بين مصر وبلاد العرب حتى أضعفها استيلاء الروم على مصر زمنًا، ثم عادت إلى مثل ما كانت عليه؛ ذلك أن العرب ظلوا يقومون برحلة الصيف إلى الشام، كان منهم من ينحدر إلى مصر عن طريق القوافل عند آيلة، وكان أكثرهم يسيرون إلى الشام، فإذا قضوا وطرًا من التجارة توجهوا إلى مصر، وذلك ما كان يصنعه تجار مكة كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وعثمان بن عفان١. وكان العرب بحكم هذه الصلات يعرفون الكثير عن مصر. وقد تحدث القرآن الكريم عنها في مواضع كثيرة، فزود العرب المسلمين بها علمًا؛ بنهرها العظيم وأرضها المعطاء وزروعها الناضرة وخيراتها الوفيرة، في قصص إبراهيم وموسى وعيسى، فأثار في نفوسهم صورة مصر الطبيعية، وصورًا من تاريخها منذ أقدم العهود إلى عهدهم. ولم تكن معرفة المسلمين بمصر مقصورة على ما كان من أمرها في العصور الأولى، بل كانوا يعرفون من أمرها في زمانهم أكثر مما يعرفونه من تاريخها؛ ذلك أن العرب كانوا يتابعون ما يجري بين فارس والروم بعناية بالغة، قد اتصل القتال بين الدولتين بمصر زمنًا غير قليل، ذلك أن الفرس دخلوها في سنة ٦١٦م وأقاموا بها تسع سنوات،

стр. 82

حتى أجلاهم هرقل عنها وعن الشام. وخلال هذه السنوات كان المسلمون يمدون أبصارهم إلى تلك الأرجاء، مؤمنين بأن الروم سيغلبون الفرس لا محالة كما أوحى الله إلى نبيه ﷺ . فلما تمت هزيمة الفرس كان رسول الله ﷺ قد هاجر إلى المدينة، وكانت سراياه تسير منها إلى ما حولها، فلما استتب الأمر بعث رسله إلى كسره وقيصر وملوك الحيرة وغسان وأمراء الجنوب من شبه الجزيرة، وإلى حاكم مصر يدعوهم جميعًا إلى الإسلام. وقد يلفت النظر أن المقوقس حاكم مصر كان أجمل الملوك والأمراء ردًّا على رسالة النبي ﷺ وأكثرهم مجاملة له، فبعث مع حاطب بن أبي بلتعة رسول النبي ﷺ إليه بكتاب يشير فيه إلى أنه يعتقد أن نبيًّا سيظهر، ولكنه ظن أنه سيظهر في الشام. ويذكر أنه استقبل رسوله بما يجب له من إكرام، وأنه بعث معه بهدية جاريتين وبغلة بيضاء وحمار ومقدار من المال وبعض من خيرات مصر١. وقد اصطفى محمد ﷺ مارية القبطية إحدى الجاريتين لنفسه، فولدت له إبراهيم، فرفعها النبي ﷺ إلى مقام زوجاته، وكان يقول: "استوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحما". وقد عرف المسلمون من أهل الشام ما يعرفونه عن مصر، وفضلًا عن معرفة عمرو الشخصية بما بها، كانت صورة مصر واضحة في ذهنه عن هذه السبل، عندما بدأ يفاتح الخليفة في فتحها ويزينه له ويغريه بشتى الطرق، ويضع أمثلة لخصبها ووفرة إنتاجها تحت عينيه، ويفيض فيما يظنه دافعًا له على الإذن بفتحها؛ فهي مركز خطير الأهمية بالنسبة لدولة الروم، وهي مخزن إمداد للميرة والمؤن والغلال والجند، وفتحها قوة للمسلمين وعون لهم؛ إذ هي أكثر البلاد أموالًا٢، وهو في نفس الوقت حرمان للروم من أهم الشرايين التي تبعث فيهم الحياة. وظل عمرو يلح على أمير المؤمنين مغريًا إياه بأن يأذن له، عارضًا عليه ما آل إليه حال المصريين تحت حكم الروم من الظلم والعسف والاضطهاد، وأثر المبادئ الإسلامية التي بلغتهم عدالتها وسماحتها فيهم في تيسير الفتح.

стр. 83

وقد أصاب عمرو في إشارته إلى هذه السياسة الظالمة التي اتبعها الروم ولم يكن إلحاحه وليد حبه للمغامرة التي يظهر فيها مواهبه في مباراة خالد بن الوليد، كما يزعم بعض المؤرخين١، فإن هدفًا متناهيًا في السمو كهذا لا يمكن أن يعزى إلى سبب شخصي؛ إذ لا يعقل أن يقدم خليفة حذر كابن الخطاب على فتح مصر دون أن تكون هناك دوافع لها خطرها. وكل ما هنالك أن عمرًا قد أدرك مدى الخطر الذي يمكن أن يسببه بقاء مصر في حوزة الروم، بعدما رأى إبان فتح فلسطين وبيت المقدس، ولأنه أحسن بما يدور في مصر ولمس بنفسه أخبارها، وهجرة الألوف من أبنائها إلى الشام فرارًا من الاضطهاد الديني والمذهبي. وعرف عن تعذيب اليعاقبة الشيء الكثير كما عرف ما يرزح تحته المصريون من أعباء الفتن والضرائب والمكوس الباهظة. فقد استهدف المصريون منذ اعتناقهم المسيحية لعدوان الروم، فتوالت عليهم النقم من قياصرتهم قتلًا وتعذيبًا وتشريدًا، حتى جاء القيصر دقلديانوس فأغلق كنائسهم وأسرف في قتلهم؛ بغية استئصال شأفتهم أو ردهم إلى الوثنية، وترتب على هذا قيام الثورات في الإسكندرية، مما اضطر القيصر إلى إخمادها بنفسه، بعد أن حاصر المدينة ودمر أبنيتها، وراحت النظم الإدارية بعد هذا ترمي إلى التشدد في تقديس الإمبراطور وإكباره؛ بغية تحويله من رئيس ديني إلى ما يشبه الإله الذي يُعبد وتقدم إليه القرابين. وقد أثارت هذه السياسة سخط المصريين. فلقي الروم في سبيل تأليه إمبراطورهم مقاومة عنيفة وعنادًا شموسًا، حتى أصبح عصر دقلديانوس مما يؤرخ به في مصر؛ إذ اعتبر اعتلاؤه العرش مبدأ تاريخ الشهداء لكثرة القتلى والمعذبين فيه٢. وعندما اعتلى قسطنطين العرش اعتنق المسيحية، ولكن القبط خلصوا من اضطهاد الحكومة ليقعوا في اختلافات مذهبية حول كنه العلاقة التي يمكن أن تكون بين الله وعيسى. ولم يكد ثيودوسيوس يقبض على أزمة الأمور حتى قرر تنصير الإمبراطورية في نهاية القرن الرابع، ولكن الخلافات المذهبية لم تتوقف، وإنما تبلورت في مذهبين متقابلين: هما اليعقوبية والملكانية.

стр. 84

ويعتقد اليعاقبة من أهل البلاد، بأنه قد صار للمسيح طبيعة واحدة بعد تجسده؛ نتيجة امتزاج الطبيعة الإلهية البشرية، وأن هذا الامتزاج كامتزاج الخمر بالماء، حتى يصيرا شيئًا واحدًا، بينما يرى الملكانيون من الروم الحاكمين أن الابن مولود من الأب قبل كل الدهور، غير مخلوق، وهو جوهره ونوره، وأن الابن اتحد بالإنسان المأخوذ من مريم فصارا واحدًا هو المسيح، وهذا الاتحاد كاتحاد النار في الصفيحة المحماة. وبرغم أن المذهبين ينتهيان إلى ما يشبه النهاية الواحدة المتفقة، فهما يختلفان في التفاصيل، وقد انعقد مؤتمر خلقدونيا في مطلع النصف الثاني من القرن الخامس، فأقر المذهب الملكاني وأوصى بعزل بطريق الإسكندرية ومؤسس المذهب اليعقوبي، وبقتل كل من يقول بمذهبه، واستقبل هذا القرار بالثورة، وازداد عسف الحكام بالشعب، فأباحوا المدن وأبطلوا الأعياد وأغلقوا الحمامات، وزجوا بزعماء الثورة في الهياكل وأحرقوها بهم، وقطعوا إعانة الغلال، واستمر الاضطهاد عنيفًا، ووقعت المعارك الدموية وأحرقت الإسكندرية وقتل مائتا ألف في كنيستها بأمر البطريق أبو ليناريس، الذي فرضه عليهم يوستنيانوس في مطلع القرن السادس، وجعل منه حاكمًا للإسكندرية تئول إليه جميع أملاك الكنيسة١. وأثمرت هذه السياسة الدموية المتعسفة في مصر عداء دائمًا وبغضًا للروم لا حد له. وأتيح للقبط في مطلع القرن السابع أن ينعتقوا من جحيم الروم لمدة يسيرة إبان غزو الفرس لمصر، ولكن هرقل أعادهم إلى ما كانوا فيه من التعذيب والاضطهاد، وازداد الحال سوءًا في محاولته فرض مذهب ابتكره له سرجيوس؛ للتوفيق بين الملكانيين واليعاقبة، وليقضي به على الخلافات الناجمة عن التعرض لكنه المسيح وصفته وطبيعته. ويقضي هذا المذهب بأن للمسيح إرادة واحدة وقضاء واحدًا، وكان استقبال القبط لهذا المذهب سيئًا للغاية، وحاربوه حربًا أشد من حربهم للوثنية، وتجددت الفظائع واضطر المصريون إلى الفرار إلى الصحراء، وشاع الاتجاه إلى الرهبنة كما فعل بنيامين البطريق، الذي أعوز بعد فراره إلى القبط بألا يقاوموا العرب، فكان أن لم يجد عمرو في طريقه إلى الفرما إلى بابليون مقاومة عنيفة، وقد صاحب الاضطهاد الديني اضطهاد سياسي

стр. 85

واجتماعي، لا يقلان في آثارهما عنه، فإن مصر لم تكن في اعتبار الروم غير مزرعة للغلال. وبينما كانوا يستنزفون خيراتها كان أبناؤها يعانون الكثير من الفقر والمرض والجهل، واشتعال الفتن والحرمان من حقوقهم ومن تولى المناصب الرفيعة، ومن فرض الضرائب الباهظة المتعددة على الأشخاص والأشياء، وعلى المارة والموتى وصناع السفن والعاهرات وزوجات الجنود، وتذاكر المرور وختمها، وأثاثات المنازل وشراعات السفن وصواريها، فضلًا عما كان مفروضًا على الأهالي من وجوب إيواء الموظفين والجند، وتقديم ما يحتاجونه من وسائل النقل والغذاء١. ولا شك في أن هذه العوامل كلها لاقت اهتمامًا من الخليفة، الذي استمع إلى عمرو وإغرائه بفتح مصر، واقتنع بوجاهة رأيه، وكفالة كل هذه العوامل لإنجاح فتح المسلمين لمصر فعقد له لواءها. والروايات التاريخية تختلف اختلافًا بعيدًا حول إذن الخليفة لعمرو بالفتح، بين أن يكون عمرو قد حبذ الفتح إلى الخليفة، أو أن يكون الخليفة هو الذي أمر به عمرًا، وبين أن يكون عمرو قد استأذن في الفتح قبل تقدمه أو بعده٢. إلا أن هذه الروايات المختلفة جميعًا تتفق على تلك الإحالة التي تكاد أن تكون استخارة، تمثلت في الكتاب الذي أرسله الخليفة إلى عمرو. والظاهر أن متابعة هذه الأقوال لا يتفق وتلك البواعث الجادة الملحة التي لا يخالطها ريب أو تردد في فتح مصر، استكمالًا لفتح الشام والقضاء على الدولة البيزنطية قضاء مبرمًا. والذي يمكننا أن نتقبله في ذلك هو أن الخليفة أذن لعمرو في فتح مصر، وأنه عقد له على أربعة آلاف رجل، ولكنه عاد فتخوف وندم بعد أن أبان له عثمان حرج موقف عمرو لقلة من معه. فكتب إلى عمرو كتابه الشهير، يعده بإمداده إن كان قد دخل أرض مصر فعلًا. وعلى هذا النحو تستقيم مدافعة عمرو للرسول الذي حمل كتاب الخليفة إلى أن يكون قد دخل بالفعل في أرض مصر. وقد أدرك الكتاب عمرًا على قرية بين العريش ورفح داخل حدود مصر حيث فض الكتاب، ثم سار على بركة الله وبعونه٣. فبلغ

стр. 86

العريش بعد أن اخترق رمال سيناء، وكان ذلك أواخر سنة ١٨هـ، ولم يلقَ كبير عناء في فتحها١. وانصرف عمرو متجهًا نحو الغرب، دون أن يشترك مع جند الروم في قتال حتى وصل الفرما أو بيلوز، وهي مدينة قديمة العهد حصينة، لها كنائس وأديرة وميناء على البحر، يصل إليها جدول من النيل، وكانت تمثل مفتاح مصر في ذلك الوقت، وكان جند الروم يعتصمون بحصونهم، فحاصرهم عمرو، واستطاع المسلمون أن يسبقوهم ذات مرة إلى هذه الحصون فافتضوها، وتم لهم احتلال المدينة أوائل سنة ١٩هـ٢. وتقدم عمرو دون أن يجد مدافعة، بعد الاستيلاء على مفتاح مصر وعلى القاعدة التي يستطيع النكوص منها إن اقتضى الأمر تراجعًا، وتلقى الأمداد عن طريقها إذا ما تقدم. ووصل إلى بلبيس، وبعد حرب دامت شهرًا تم للمسلمين فتحها، وهزم الروم وألحق بهم خسائر فادحة. وبالاستيلاء على بلبيس أصبح المسلمون على مسيرة يوم واحد من رأس الدلتا٣. ومضى عمرو حتى أتى أم دنين٤ شمال حصن بابليون، وهي قرية على النيل عند مأخذ خليج تراجان، الذي يصل مدينة مصر بالبحر الأحمر عند السويس، وكانت حصينة يجاورها مرفأ فيه سفن كثيرة، وكانت مسلحتها طليعة الدفاع عن حصن بابليون العظيم. وأدرك عمرو دقة الموقف فإن الروم قد لاذوا إلى الحصن بكل قواتهم، وأمدوا أم دنين بمسلحة قوية، وتهيئوا بذلك لقتال فاصل. وجاءته عيونه بأنباء عرف منها أنه لن يستطيع أن يفتض هذا الحصن أو يحاصره بمن معه من الجند، فضلًا عن فتح مدينة مصر التي تقع في حماية الحصن، فعول على حصار أم دنين وحصنها، فإن استولى عليه سارت السفن تحت إمرته، وأصبح في مقدوره أن يدبر أمره. وكان الحذر يقتضي عمرًا ألا يفرط في رجاله، وأن يستعجل الخليفة المدد ليضاعف الأمل في قلوب جنده، فبعث رسالة إلى عمرو وأذاع في الجند أن المدد موشك أن

стр. 87

يجيء، ثم تقدم إلى أم دنين فحاصرها، ووقف قبالتها يمنع عنها العتاد والميرة، ولم يفكر الروم المقيمون في الحصن أن يخرجوا، بعدما رأوا مصير بلبيس. أما مسلحة أم دنين فكانت تخرج إلى القتال أحيانًا ثم ترتد إلى حصنها، ولم يتغير الموقف خلال أسابيع، وإذا بالمدد قد أقبل ورآه أهل الحصن فأسقط في أيديهم. وكان عمرو قد عرف مداخل الحصن ومخارجه، فتخير وقتًا أمر فيه أصحابه أن يشدوا جميعهم شدة رجل واحد، وسار في طليعتهم، ففتحه الله عليهم بعد مقتلة عظيمة، وبعد أن أسروا من بقى فيه حيًّا١. ونزل عمرو أم دنين، ثم عبر مع جنده النيل في سفنها، وساروا يتخطون الصحراء مجتازين أهرام الجيزة، وهناك على الجانب الغربي على النيل دارت معركة حامية كانت للمسلمين على حنا وجنده. ثم عاد عمرو إلى بابليون؛ لما علم بنبأ الأمداد التي في طريقها إليه٢. واستطاع أن يلتقي بالمدد، ويبلغ عسكر المسلمين في هليوبوليس؛ حيث ضيع على تيودور الفرصة، واغتبط عمرو بالمدد الذي أتاه، وفيه الزبير بن العوام وعبادة بن الصامت والمقداد بن الأسود ومسلمة بن مخلد، وعسكر المسلمون في عين شمس وجاءته الأنباء بأن تيودور أمير جند الروم قد تداول مع أصحابه، فرأوا أن مقامهم بالحصن يظهرهم أمام المصريين بمظهر الجبن والخور، ويغري الناس بالانضمام إلى المسلمين ومعاونتهم، فعزموا على الخروج لإجلاء المسلمين عن عين شمس، ودبر عمرو خطته، فسير خمسمائة من رجاله تحت الليل من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بني وائل عند قلعة الجبل، وأخرج خارجة بن حذافة في خمسمائة آخرين ساروا قبيل الفجر إلى أم دنين، ولما تنفس الصبح سار بمن معه حتى بلغ مكان العباسية الآن وأقام ينتظر. وخرج الروم وتقدموا إلى عين شمس فبلغهم أن عمرًا تقدم يريد لقاءهم، فاستخفهم الطرب وأيقنوا بالظفر، وتعاهدوا على الاستبسال. والتقى الفريقان فأنشبوا القتال، وإنهم لكذلك؛ إذ انحدرت الكتيبة المختبئة في مغار بني وائل فعصفت بمؤخَّرة الروم عصفا فاضطربوا وأخذهم الفزع وتقهقروا إلى أم دنين، وعندئذ خرج كمين خارجة فأمعن فيهم قتلًا, ولاذ معظمهم بالفرار، وبلغت طائفة

стр. 88

منهم الحصن فلاذت به، وفزع آخرون إلى النهر، ومال العرب فاستولوا على حصن أم دنين كرة أخرى، وانتصروا نصرًا مؤزرًا وطد أقدامهم في مصر١. ثم نقل عمرو عسكره من عين شمس إلى شرقي الحصن وشماله، وجاءته الأنباء بفرار حامية الروم إلى نقيوس، فجهز كتيبة استولت على إقليم الفيوم كله، وقوة أخرى استولت على إقليم المنوفية. وحينئذ أخذ الناس يفرون إلى الإسكندرية هلعًا٢. ولم يكن عمرو ليبطره الظفر فيقصد إلى الإسكندرية قبل أن يفتض حصن بابليون، وحاصره وهو يعلم أن الحصار سيطول؛ لارتفاع النهر وتدافع تياره، ولمناعة الحصن واكتفائه بما فيه من ميرة وماء وعتاد. وكان الروم يرمون المسلمين بالمنجنيق، فيجيبهم العرب بالحجارة والسهام، ومضى شهر ولم يتزحزح المسلمون، بينما وهن الروم ويئسوا من وصول أمداد إليهم، فتشاور المقوقس مع قومه على التفاوض مع العرب، ورأوا أن تكون المفاوضة سرية، فتسلل مع جماعة من قومه، وركبوا السفن إلى جزيرة الروضة؛ حيث أرسلوا إلى عمرو يطلبون التفاوض معه، وكان رد عمرو بعد أن احتجز الرسل يومين أن يختاروا بين الإسلام أو الجزية أو القتال، فرد رسله يطلبون أن يرسل المسلمون رسلًا يحادثونهم. فبعث عمرو بعبادة بن الصامت ونفر معه. وتكلم عبادة وذكر ما جاءهم به رسول الله ﷺ من الحق والهدى، وأعجب المقوقس بكلامه، ومال إلى تهديده وإغرائه فلم يفلح معه، ولم يتزحزح عن واحدة من ثلاث خصال، وفشلت المفاوضات وعادت الحرب، وأمهلهم عمرو ثلاثة أيام، غير أن عمل المقوقس ذاع في الناس فثارت ثائرتهم، وأبوا إلا القتال. وتجهز أهل الحصن، وخرجوا عند انتهاء الهدنة بغتة، فأخذوا العرب المسلمين على غرة، ولم تذهل البغتة العرب، وأسرعوا إلى سلاحهم، وقاتلوا الروم قتالًا شديدًا، فتكاثر المسلمون عليهم وألجئوهم إلى الحصن، بعد أن قتلت منهم مقتلة عظيمة٣. وخاطب المقوقس عمرًا في الصلح فأجابه إليه٤. وعلق نفاذ الصلح على رضا الإمبراطور، فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم، وإلا كانوا جميعًا على ما كانوا عليه٥.

стр. 89

واستدعى الإمبراطور المقوقس إلى القسطنطينية؛ حيث أنَّبه واتهمه بالخيانة، ونفاه وهدده بالقتل١. وعلم المسلمون برفض الصلح، فانتهت الهدنة وعاد القتال بين الفريقين، فألقى الروم في الخندق حسك الحديد، وعطلوا تقدم المسلمين إلى الحصن، وأقاموا على التراشق بالحجارة والسهام حتى تصرمت أشهر الشتاء، وجاءت الأنباء بموت هرقل؛ ولكن الحصن ظل يقاوم. وضاق العرب بطول الحصار الذي استمر شهورًا سبعة، وهانت عليهم أنفسهم حتى وهب الزبير نفسه لله، وأتى في جنح الليل بكتيبة آزرته فطموا الخندق، ووضعوا سلمًا علاه الزبير، وانطلق يكبر وتبعه أصحابه وكبروا، وأجاب المسلمون من خارج الحصن، فلم يشك الروم في أن العرب اقتحموا الحصن فهربوا، وعمد الزبير إلى باب الحصن ففتحه، ودخله المسلمون واستولوا عليه٢. وبعد سقوط بابليون انفتح الطريق أمام المسلمين نحو مصر السفلى وريفها، ولكن الترع والفيضانات والقنوات وفيضان الماء، كل هذا جعلهم يطلبون مساعدة الأهالي، الذين استجابوا لهم وصاروا لهم أعوانًا٣. واستغرق مسير عمرو إلى الإسكندرية اثنين وعشرين يومًا، وكان الروم قد تقهقروا إليها للاحتماء بها، فهي قصبة البلاد وسقوطها يعني زوال سلطان الروم عن مصر زوالًا تامًّا؛ ولهذا فقد أخذت الجيوش الجرارة تنتهي إليها عن طريق البحر، والحاميات تفر إليها عن طريق البر، وأغلقت حامياتها الأبواب وتحصنوا. وكان أول صدام للمسلمين في طريقهم بالروم عند عبورهم فرع رشيد إلى الغرب، عند ترنوط٤، وكان قتال طفيف، انتصر فيه المسلمون٥. وأرسل عمرو من هناك حملة بقيادة شريك بن سمى، لقيت الروم عند الكوم الذي سمي باسمه، فنصر الله المسلمين٦.

стр. 90

ومضى عمرو إثر استنجاد شريك به، فالتقى بالروم في سطليس أو سنطيس١؛ حيث اقتتلوا قتالًا عنيفًا بها، وكانت العاقبة للمسلمين. وبعد مسيرة عشرين ميلًا التقى المسلمون بالروم عند الكربون، وكانت مسلحة عليها خيل ورجال٢، وهناك اقتتلوا بضعة عشر يومًا قتالًا شديدًا، فقد كانت الكريون آخر سلسلة من الحصون قبل الإسكندرية، وإليها فر المنهزمون في سطليس، وانضموا إلى سائر جند الروم في مسلحة الكريون، وعليهم تيودور، الذي استمات في الصمود أمام العرب؛ إذ أدرك أنهم إن ينهزموا بالكريون تنكشف العاصمة أمام العرب، فرأى الحيلولة بين الغزاة وبلوغ الإسكندرية خيرًا من الدفاع عنها. وأخذ الروم ينسلون من الإسكندرية إلى الكريون، وأقبلت حاميات من سخا وخيس وبلهيب. والتقى عمرو بالروم واشتد القتال شدة لم تؤلف فيما سبقها من المعارك، وظلوا هكذا حتى فصل بينهم الظلام، ثم استحر القتال في صبيحة اليوم الثاني، ثم انفصل الفريقان في آخره، وظل القتال هكذا دائرًا بضعة عشر يومًا، ترجح فيه كفة المسلمين تارة وترجح كفة الروم تارات، وأظهر الروم من ضروب البراعة والبسالة وشدة البأس وصلابة العود ما أدخل الروع في قلوب المسلمين، حتى لقد صلى عمرو صلاة الخوف ركعة وسجدتين مع كل طائفة من جنده، ولكن هذا لم يذهب عزم المسلمين ولم يضعف روحهم، بل زادهم صلابة وإيمانًا، ثم أنزل الله نصره وتم فتح الله للمسلمين، وقتل منهم المسلمون مقتلة عظيمة، وأتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية٣. وكان الروم قد تحصنوا بالإسكندرية. وقدر عمرو أن هزيمتهم في الكريون لا بد أن تكون قد أدخلت الروع إلى نفوسهم، فلم يتردد عندما رأى ترقب الجند وحماستهم، فأمرهم أول مقدمهم باقتحام أسوار المدينة وأبراجها، ولم يشك المسلمون في أن المدينة ستفتح أبوابها لقاء هجمتهم، فاندفعوا مهللين فلم يرعهم إلا الحجارة العظيمة تتساقط عليهم مقذوفة من المجانيق المنصوبة فوق أسوار المدينة، ذلك أن تيودور أيقن أن الظفر

стр. 91

سينسى المسلمين الحيطة، فيندفعون إلى مهاجمة المدينة، فأدخل الجيش حصون المدينة وأخلى ضواحيها، وأقام القاذفين على أسوارها، فعاود عمرًا حذره وانسحب وراء مرمى المجانيق، فعسكر بجنده وتأمل عمرو موقفه، فالمدينة حصينة حصانة طبيعية، يحيمها البحر من شمالها والإمدادات مستمرة عن طريقه١، وبحيرة مريوط تحميها من الجنوب، وترعة الثعبان تدور حولها من الغرب، وليس أمامه إلا الشرق وهو الطريق بينها وبين الكريون، ومن هذه الناحية كانت الحصون والأسوار أشد مناعة. واستقر رأيه أن يقف بعيدًا عن مرمى المجانيق، فإذا طال الحصار بالروم شعروا بما في ذلك من مذلة فيخرجون، ويتمكن المسلمون منهم، فأقام بجنده بين الحلوة وقصر فاروس شهرين كاملين٢، ثم نقل عسكره إلى المقس، فخرجت إليه الجند من ناحية البحيرة، فواقعوه وقتلوا من المسلمين نفرًا بكنيسة الذهب٣، وارتدوا إلى حصونهم. وظل الروم محصورين لا يخرجون، وبقي المسلمون قبالتهم لا يريمون، لكن عمرًا رأى أن الموقف قد يتجمد على هذا النحو، مما يدفع إلى نفوس جنده السأم، ويشعرهم بالعجز عن مناجزة عدوهم. وقد اهتدى إلى أن يحقق أغراضه جميعًا، فيزيل سأم جنده بأن يرسل كتائب تجوس خلال بلاد الدلتا تطارد الروم فيها، وأن تبقى كثرة الجند على حصار الإسكندرية، وبذلك يستكمل أيضًا ما كان بدأه من بعوث، وهو على حصار بابليون. وظلت كثرة الجند أمام الإسكندرية ولم يتغير الموقف، إلا ما كان يحدث من مناوشات طفيفة لا تبلغ أن تكون حربًا. على أن إمدادات الإسكندرية عن طريق البحر ما لبثت أن توقفت بعد قليل، فقد شغل أهل بيزنطة بما ساد بلاطهم من اضطراب، وما حل بعاصمتهم من انتقاضات بعد موت هرقل٤، وتزعزت الروح المعنوية لحماة الإسكندرية، وفت في أعضادهم توقف الأمداد، وازدادت مخاوفهم من أن يتغلب العرب على البلاد الساحلية، فيقطعوا عنهم ميرتها، بعدما وصل إليهم من انتشارهم في الدلتا ومصر العليا والسفلى.

стр. 92

وفي هذه الفترة كان الخليفة بالمدينة يتميز غيظًا من إبطاء الفتح، الذي كان يتنسم أنباءه يومًا إثر يوم، وراح يعلل لصحابته إبطاء الفتح بما أحدث المسلمون، وبما أغرتهم به خيرات مصر من تعلق بالدنيا وشره إلى نعيمها، فكتب إلى عمرو كتابًا ضمنه هذا ودعاه فيه إلى أن يحض الجند، وأن يرغبهم في الصبر وحسن النية، وأن يقدم الأربعة الذين عد كل واحد منهم بألف رجل حينما أمده بهم. ورأ عمرو الكتاب في جنده، ودعا بالأربعة الذي ذكروا فقدمهم، وأمر الناس أن يتطهروا وأن يصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم، ثم دعا بعبادة بن الصامت فعقد له وأولاه قتال الروم، ثم انطلق إلى بابليون، يدير حركة بعوثه إلى أقاليم الدلتا والصعيد. وفتح الله الإسكندرية على يدي عبادة ودحر الروم، وسارع المقوقس إلى عمرو في بابليون؛ ليعقد معه معاهدة الإسكندرية التي تعرف بمعاهدة بابليون الثانية؛ تمييزًا لها عن معاهدة بابليون الأولى١. وقد نص فيها على أن يرجع المسلمون عامهم هذا حتى يرحل عنها جيش الروم، خلال أحد عشر شهرًا تنتهي في أواخر سنة ٢١هـ. ولما دخل المسلمون الإسكندرية ذهلوا لروعة عمارتها ومدارسها ومكاتبها وقبابها ومنارتها ومسلتها ومعابدها٢، وأخذوا بعد ذلك يستقرون بمصر، ويبنون الفسطاط والخطط، ويرسلون البعوث لإتمام فتح مصر جميعها. وأخذوا كذلك في حفر قناة تراجان، وما تمضي ثلاث سنوات حتى يحيك قسطنطين بن هرقل مؤامرة تستهدف استنفاذ مصر، بقيادة "منويل" الخصي الأرمني، الذي نزل الإسكندرية في أسطول بيزنطي كبير، فاحتل الإسكندرية ونكل بالمسلمين تنكيلًا. ويضطر عثمان بن عفان خليفة المسلمين حينذاك إلى أن يصلح الأمر بما صلح به أوله، فاستدعى عمرو بن العاص ذلك الفاتح الرائد؛ ليعين والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح لدرايته بحرب الروم، بناء على رغبة أهل مصر٣.

стр. 93

وبرغم استماتة الروم فقد أذاقهم عمرو نفس الكأس، وهزمهم هزيمة منكرة عند نقيوس، وعاد منويل طائرًا إلى الإسكندرية فتحصن بها، ونصب المجانيق على أسوارها١. ويقف عمرو أمام هذه الأسوار التي دوخته من قبل، ليقسم أن يسوي التراب بها، وأن يجعلها كبيت الزانية يُؤتى من كل مكان، واحتال حتى استمال حراس المدينة، ثم أعمل السيف في حاميتها وقتل منويل، وكان ذلك في السنة الخامسة والعشرين للهجرة٢. وعلى الرغم من ذلك فإن الروم لم تيئسهم هزيمتهم، فقد حاولوا بعد تسع سنوات في عهد الإمبراطور قسطانز أن يعاودوا هجماتهم البحرية، وأعدوا لذلك أسطولًا جديدًا، غير أن المسلمين كانوا قد ركبوا البحر وحذقوا حروبه، فأوقعوا بالأسطول البيزنطي، ولقيت فلوله عاصفة هوجاء أتت عليها، وهكذا استتب الأمر في مصر للمسلمين٣. خضع للمسلمين إقليم مصر، من الإسكندرية إلى أسوان، ورأى عمرو أن تتجه بعض بعوث الجيش إلى الجنوب لتأمين الحدود؛ حيث تضرب القبائل في أرض النوبة، تلك الأرض التي تشبه أرض شبه الجزيرة؛ إذ تغلب عليها الصحراء، وتربطها بها صلات تجارية دفعت بعض التجار العرب في الجاهلية إلى التسرب إليها. ولعل هذا الشبه وهذه الصلات، وما كان من غلبة المسلمين على مصر، ومتاخمتهم لأرض النوبة هي التي أغرتهم بهذه البعوث. ويروي البلاذري: أن جيش المسلمين بقيادة عقبة بن نافع الفهري اضطر أن يعود بعد معركة قاسية، أصابت فيها سهام أهل النوبة أحداق المسلمين، فقفلوا بالجراحات، وذهاب الحدق من جودة الرمي، وسمي أهل النوبة برماة الحدق٤. وظل القتال ينشب بعد ذلك حتى انتهى إلى الصلح على هدية عدة رءوس منهم يؤدونها إلى المسلمين في

стр. 94

كل سنة، ويهدي إليهم المسلمون كل سنة طعامًا مسمى، وكسوة من نحو ذلك١. وقد أمضى هذا الصلح عثمان بن عفان، في ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأقره الولاة والأمراء من بعده نظرًا منه للمسلمين وإبقاء عليهم٢. ويبدو من هذا أن الجنوب قد استعصى، حتى إن الخليفة يضطر إلى قبول هذا الصلح إبقاء على المسلمين. وهذا يوضح ما كان من صدوف المسلمين عن هذا الميدان؛ إذ لم يجدوا ما يغريهم فيه، فمضوا عنه يجوبون البلاد في غربي مصر، ويجهزون على ما تبقى من ولايات بيزنطة في هذا الصقع من الأرض. كان ضروريًّا أن تؤمن حدود مصر الغربية ضد هجمات الروم، إذا حدثتهم أنفسهم باستردادها. فحدود مصر الغربية تلاصق ولاية ليبيا البيزنطية في هذا الوقت، وكانتا تحت الحكم البيزنطي سواء، وكثيرًا ما كان إقليم مريوط يضاف إلى ليبيا تعويضًا عن إقفارها٣. فسار عمرو في أواخر سنة ٢١هـ بعد فتح الإسكندرية في كتيبة من فرسانه حتى وصل إلى برقة، وهي حد مصر من الغرب، ولم يلقَ المسلمون في فتحها كبير كبد؛ إذ لم يذهب إليها غير الخيل، ويغلب أن تكون قد فتحت صلحًا٤، ثم بعث عمرو عقبة بن نافع الفهري فافتتح زويلة صلحًا، وأصبح ما بين برقة وزويلة ملكًا للمسلمين٥. وسار عمرو حتى وصل إلى طرابلس، وحاصرها عدة أسابيع إلى أن استسلمت، بعد أن كاد الجوع وشدة القتال يهلكان أهلها، وعاد من ثم إلى برقة، فكتي إلى أمير المؤمنين عمر: "إنا قد بلغنا طرابلس، وبينها وبين إفريقية "تونس" تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها فعل". فكتب إليه عمر ينهاه، ويأمره بالوقوف عند هذا الحد، فعاد من هناك

стр. 95

كارهًا، واستخلف عقبة بن نافع الفهري، الذي صار إليه بعد ذلك فتح المغرب١، وإن كان فتح برقة وطرابلس مؤمنًا لحدود مصر، فإنه كان من ناحية أخرى مقدمة للانسياح في إفريقية. وقد ساعد على هذا أن هاتين البلدتين كانتا هادئتين، وكان أهلهما يبعثون بخراجهم إلى والي مصر، من غير أن يأتيهم حاث أو مستحث، ولم تدخل بلادهم فتنة٢. وأخذ المسلمون يتوسعون في المناطق الداخلية في برقة وطرابلس، فاستولوا على فزان وودان، وتولى الأولى بشر بن أبي أرطاة، والثانية عقبة بن نافع. وكان ذلك في أوئل سنة ٢٣هـ. وتقدم المسلمون غربي طرابلس إلى سبرت٣. ومن ثم أخذ اسم عقبة بن نافع يتلألأ في هذه المناطق، وتوالت البعوث الإسلامية للاستطلاع. فكان عمرو يرسل الجريدة من الخيل فتصيب الغنائم ثم ترجع٤. وكذلك فعل عبد الله بن سعد بن أبي سرح٥. وفي عهد عثمان استأذن عبد الله بن سعد بن أبي سرح في فتح إفريقية سنة ٢٥هـ فأذن الخليفة له بعد المشورة، وانتدب الناس، وأمر عليهم الحارث بن الحكم، إلى أن يقدموا على عبد الله فيكون له الأمر٦. وتقدم عبد الله في عشرين ألفًا؛ حيث دارت معركة عنيفة بين المسلمين بقيادته وجيش جرجير، وانتصر المسلمون بعدما قتل عبد الله بن الزبير جرجير، واضطر جيشه للهرب، وتعقبه المسلمون وبثوا سراياهم في المنطقة، فعادوا بغنائم كثيرة. ولما رأى ذلك رؤساء إفريقية طلبوا إلى ابن أبي سرح أن يصالحهم على الخروج من بلادهم، وأن يأخذ في مقابل ذلك أموالًا، فقبل ورجع إلى مصر، دون أن يولي أحدًا عليها، أو يتخذ

стр. 96

قيروانًا١ مكتفيًا بالريادة والاستطلاع، وما حاز عن غنائم، وربما كان سبب هذا الإجراء وصول أنباء حملة قسطنطين إليه. ثم لا نسمع شيئًا عن هذا الميدان طوال حكم الراشدين؛ حيث لعبت الأحداث دورها في تعطيل الفتح، وأسهمت الفتنة في صرف المسلمين عنه. ولكن عندما يجتمع الأمر لمعاوية، ويتولى مصر معاوية بن خديج يتجه المسلمون من جديد إلى إفريقية ليدخلوها في إطار الدولة الإسلامية.

стр. 97

الفصل الثاني: الشعر في الفتوح الشرقية ١- كثرة الشعر على ألسنة الفاتحين: يكاد شعر الفتوحات الإسلامية كله أن يكون وليد الفتوح الشرقية وحدها؛ ذلك أن هذا الشعر كثير كثرة مطلقة إذا ما قورن به شعر الميادين الأخرى؛ ولهذا يجمل بنا أن ننعم النظر في ظروف هذه الفتوحات بالذات، وأن نتعرف إلى هؤلاء الفاتحين الذين هاجروا إلى هذا الميدان من شبه الجزيرة العربية، علَّنا نجد تفسيرًا لهذه الظاهرة، مما يعيننا على تفهم شعرهم والظروف التي صدر فيها، ومحاولة التعرف على الفاتحين في هذه المناطق ليست أمرًا هينًا ولا يسيرًا؛ لكثرة الجيوش التي اندفعت إلى الفتح متتابعة وكثرة الإمدادات التي لحقت بها، ولانعدام الأسس التي كانت تصنف بوحيها هذه الجيوش وتلك الإمدادات. والذي يبدو جليًّا للدارس أن الجيوش الإسلامية لم تكن تصنف على أية أسس أو داخل إطار معين، فكان يحدث أن يبعث الخليفة إلى البلدان والقبائل يستنفرها ويرغبها في الجهاد، فتتوافى إليه الجموع من هنا وهناك، فيصرفها في الوجهة التي تمليها عليه ظروف الأحداث وطبيعتها. وتذكر بعض الروايات أن أمير المؤمنين كان إذا اجتمع إليه جيش من أهل الإيمان أمر عليهم رجلًا من أهل العلم والعفة١، وبرغم هذا فإنه يمكن للباحث أن يلاحق هذه الجيوش وتلك الإمدادات ملاحقة دقيقة؛ حتى يستطيع أن يرسم صورة تقارب الأصل أو تدل عليه، وتلقي على هذه الظاهرة بعض الضوء. كان أول من مهد للفتح الإسلامي في العراق المثنى بن حارثة الشيباني، الذي انضم إلى العلاء بن الحضرمي في مقاتلة المرتدين، على رأس من بقي على الإسلام من أهل هذه النواحي التي تساحل الخليج الفارسي إلى الشمال، وقد رأينا أنه نزل في قبائل العرب الذين يقيمون بدلتا النهرين فتحدث معهم وتعاهد، ولا ريب في أن هذه القبائل التي

стр. 98

تعاهد معها وشكل منها كتيبته كانت من بكر وإياد وتغلب والنمر ولخم سكان هذه المناطق، فضلًا عن قبيلته شيبان التي كانت تنزل البحرين. وقد صدع خالد بن الوليد بأمر أبي بكر الذي ألقاه إليه وهو باليمامة١ عقب فراغه من مسيلمة، فنهد في اللواء الذي عقده له أبو بكر لحرب المرتدين في بني أسد وبني تميم، وهو لواء اختاره خالد بنفسه، فكان من أمنع الألوية وأقواها، وكان به خيرة المقاتلة من المهاجرين والأنصار٢. وانضم إلى هذا اللواء قوم عدي بن حاتم من طيئ، فقاتلوا طليحة بن خويلد مع المسلمين. وكذلك فعل كثرة جديلة، فلحق بالمسلمين منهم ألف راكب٣، ولقد كثر في هذا اللواء القتلى من الحفاظ، فقل عدده وتناقص بعد ذلك، حينما أمر أبو بكر بتسريح من يرغب في الرجوع، وكثرتهم من أهل المدينة، وبألا يستفتح بمتكاره. وأمد أبو بكر خالدًا حين استمده بالقعقاع بن عمرو التميمي، ولما سأله الناس أتمد رجلًا قد انفض عنه جنده برجل واحد؟! قال: "لا يغلب جيش فيه مثل القعقاع، إن صيحته في الجيش بألف رجل"٤، وبعث إليه مع القعقاع بأن يستنفر من قاتل أهل الردة، ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، فاستنفر خالد الأمراء الأربعة: حرملة وسلمى والمثنى ومذعور، وكانوا في ثمانية آلاف من ربيعة ومضر، إلى ألفين كانوا معه، وقدم بهم على جند المثنى، ويذكر أنه كان ثمانية آلاف٥. أما عياض بن غنم الذي كان عليه أن يأتي العراق من أعلاه ليلتقي مع خالد في الحيرة٦، فإنا لا نعلم شيئًا عن تكوين جنده، ولا تفيد الروايات عنه خبرًا، وإن كان المظنون أن كثرته كانت من ربيعة ومضر. وبطبيعة الحال لم تبقَ هذه النواة على حالتها الأولى؛ إذ انضم إليها وانسلخ عنها جند كثيرون، والتقى خالد بهذا الجيش مع الفرس في سلسلة من المعارك، انتصر فيها

стр. 99

المسلمون حتى دخل الحيرة، وهناك وزع عماله وخلف القعقاع على الحيرة والزبرقان بن بدر على الأنبار١. ثم خرج لإغاثة عياض بدومة الجندل، وارتد إلى الحيرة بعد أن أدى مناسك الحج؛ حيث تلقى كتابًا من أبي بكر يندبه إلى الشام، وفصل خالد في نصف الجند٢، وحرص على أن يكون معه صحابة الرسول ﷺ ، حتى أحفظ المثنى الذي خلفه على أمر العراق فيمن كانوا معه من قبل على الأرجح٣. وبرغم أن المثنى انتصر بهذا الجيش على الفرس في بابل إلا أنه وجد نفسه بحاجة إلى الأمداد، فخلف بشير ابن الخصاصية وانطلق إلى المدينة، حين كان الخليفة الأول يجهز الجيوش لفتح الشام، إثر كتاب خالد بن سعيد٤. وكان الخليفة مريضًا، ويبدو أن المدينة كانت تعاني هي الأخرى نقصًا في الرجال، فأخذ المثنى يدافع عن وجهة نظره أمام أبي بكر في أن يؤذن له باستنفار من ظهرت توبته من المرتدين٥. ولم يمهل القدر الخليفة ليندب الناس مع المثنى، فلحق بربه بعد أن أوصى عمر بأن يفعل، وأن يرد كتيبة خالد إلى العراق -إن فتح الله عليهم- فإنه أهله وأحق به٦. واستفتح عمر عهده بتنفيذ وصية أبي بكر، فرفع الحظر عمن عادوا إلى الإسلام من المرتدين، واستمالهم كي يسارعوا إلى التطهر بجهادهم من حوبة ردتهم. وأخذ عمر يندب الناس أيامًا أربعة، وكان أول من انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، فأمَّره عمر على ألف من الأنصار٧، وأقبل المتطهرون من كل صوب، فرمى بهم عمر إلى العراق والشام٨. وفي هذه القوات يسير أبو عبيد ليلحق بالمثنى وجنده بخفان؛ حيث يخوضان ضد الفرس معارك منتصرة، حتى كانت معركة الجسر وقُتل أبو عبيد، وأصيب في أربعة آلاف

стр. 100

من جنده بين قتيل وغريق وجريح، وفر ألفان بينما ترك المثنى في ثلاثة آلاف١ انسحب بهم إلى أليس، وبعث يستمد عمر، ولم يكتب بهذا، فبعث فيمن يليه من قبائل العرب؛ حيث توافى إليه جمع عظيم من نصارى بني النمر. وأخذ عمر يندب الناس، ويلقى في ذلك حرجًا وقسوة، وقد كان وجه فارس من أشد الوجوه عليهم وأكرهه لهم٢، وزاده يوم الجسر جهامة وقسوة. وتمكن من استصلاح جرير بن عبد الله البجلي في قومه، بعد أن جمعهم من القبائل وأراد بهم الشام٣، ورأى الناس ما صنع بنو بجيلة فحذوا حذوهم، وكان فُرَّار الجسر في مقدمتهم، ثم تابعهم بنو الأزد وعليهم عرفجة بن هرثمة البارقي وبنو كنانة وعليهم غالب بن عبد الله، وكانوا جميعًا سبعمائة٤، ثم تبعهم نفر من الرباب أمر عليهم هلال بن علفة التميمي٥، وتحمل قوم كثيرون من مختلف القبائل في نسائهم وأبنائهم، منهم ابن المثنى الجشمي في قوم من بني سعد، وعبد الله بن ذي السهمين في أناس من خثعم، وربعي بن عامر وابنه شبث في أناس من بني حنظلة، ويقوم من بني ضبة عليهم ابن الهوبر والمنذر بن حسان، وبأناس من عبد القيس عليهم قرط بن جماح العبدي٦، وبعث إليه بأنس بن هلال في أناس من النمر، وبعبد الله بن كليب بن خالد في أناس من تغلب٧، وحقق المثنى بهذه الأمداد انتصارات محققة في البويب. وكتب عمر إلى المثنى -بعد أن ثار السواد- بألا يدع في ربيعة ولا مضر ولا حلفائهم أحدًا من أهل النجدات ولا فارسًا إلا جلبه، فإن جاء طائعًا وإلا حشره٨. وكتب إلى عماله على الكور والقبائل بألا يدعوا أحدًا له سلاح أو فرس أو رأي إلا انتخبوه. فأتته القبائل القريبة من مكة والمدينة، ووافى المثنى من كان قريبًا منه٩.

стр. 101

ووقف المثنى في جنده -بعد أن أجمع الفرس على يزدجرد واستعدوا للثأر- يتوقع الثورة به، فكاتب عمر بذلك، فلما وصل إليه الكتاب قال: "والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب"، وخرج المثنى بجنده كأمر عمر، فتفرقوا في تخوم العراق ونزلوا بذي قار، ولم يمهل القدر المثنى ليلقى سعدًا، وإن وجد ابن أبي وقاص وصية تركها له. وقد جاء سعد من هوازن التي كان على صدقاتها في ألف فارس١، ويغلب على الظن أنهم كانوا من قيس عيلان، وعليهم بشر بن عبد الله الهلالي، وثلاثة آلاف من السراة واليمن، وكان أهل السراة سبعمائة، وكان أهل اليمن ألفين وثلاثمائة، منهم النخع بن عمرو في جمع من نسائهم وذراريهم يبلغ ألفًا وسبعمائة، فصل نصفهم إلى الشام٢. وبينما سعد في طريقه أمده عمر بألفي يماني، وألقى نجدي من غطفان وسائر قيس، وذلك قبل أن يصل إلى زرود٣، فصار جنده ثمانية آلاف إلا قليلًا. وكان جيش المثنى عشرين ألفًا: ثمانية آلاف من ربيعة، منهم ستة آلاف من بكر بن وائل، وألفان من سائر ربيعة، وأربعة آلاف كثرتهم من حلفاء المثنى، والذين بقوا معه بعد أن فصل خالد، وأربعة آلاف كانوا معه من كتيبة أبي عبيد، وألفان من بجيلة، وألفان من طيئ٤. وقبل أن يصل سعد إلى شراف لحق به الأشعث بن قيس وطليحة بن خويلد وعمرو بن معديكرب، كل على رأس قبيلته في ألف وسبعمائة من أهل اليمن٥. وكان عمر قد كتب إلى أبي عبيدة في الشام بصرف أهل العراق كوصية أبي بكر، وهم ستة آلاف٦. وهكذا يتم الجيش قبل القادسية وفي أثنائها ستة وثلاثين ألفًا أو نحوها. وعندما استقر سعد وجنوده بعد الانتصارات الضخمة في المدائن، وبعد أن جاء فتح جلولاء وحلوان قدمت الوفود على عمر، فأحس بتغيير أبدانهم وألوانهم، وعرف أن

стр. 102

سبب هذا وخومة البلاد وعدم التلاؤم بينهم وبينها، وما يلقون فيها من الذباب والغبار والوخومة١، فأمر بارتياد الأرض، بحثًا عن المواقع التي تتناسب مع العرب. فالعرب لا يصلحها من البلدان إلا ما أصلح البعير والشاة٢. وظفر الرواد بموقع الكوفة، وتم تمصيرها في المحرم سنة ١٧هـ وفي نفس العام بنَى المسلمون الأبنية في البصرة، التي كانوا قد نزلوها من قبل. وكتب سعد إلى عمر لما نزل الكوفة بأنه خير المسلمين بالمدائن، فمن أعجبه المقام تركه كالمسلحة، فبقي أقوام من الأفناء أكثرهم بنو عبس٣، وإن كانوا قد انصرفوا بعد ذلك إلى الكوفة وغيرها٤. وخططت الكوفة تخطيطًا قائمًا على أساس من توزع القبائل، فتكونت مجموعات من الناس، يسميها المؤرخون بالأسباع، فصارت كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وجديلة -وهم بنو عمرو بن قيس عيلان- سبعًا، وصارت قضاعة -ومنها يومئذ غسان بن شبام وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت والأزد- سبعًا. ومذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم سبعًا. وتميم وسائر الرباب وهوازن سبعًا. وأسد وغطفان ومحارب والنمر وضبيعة وتغلب سبعًا. وإياد وعك وعبد القيس وأهل هجر والحمراء سبعًا٥. وواضح أن هذه الأسباع تنقص سبعًا، ويظن ماسينيون أنه كان خاصًّا بقبيلة بكر من شيبان٦، وما حدث بالبصرة شبيه بما حدث في الكوفة، وإن كان قد اتبع فيها نظام الأخماس. وكان لتميم الشأن الأول في تكوينها. وقد صارت خمسًا، وفيها ضبة والرباب، بينما صارت عبد القيس خمسًا، وبكر بن وائل خمسًا، والأزد خمسًا، وأهل العالية من قريش وكنانة وقيس عيلان والأنصار وطوائف من قبائل أخرى٧. وبرغم أن هذه الأسباع وتلك الأخماس قد تكونت على أساس القبائل فإنها قد شكلت خطوة جديدة في سبيل بناء مجتمع جديد، يستشعر إحساسًا وجدانيًّا أكثر شمولًا من الإحساس بالقبلية.

стр. 103

حقًّا إن الجيوش والإمدادات لم تكن تصنف حين انتدابها على أي أساس قبلي كما رأينا، وإن كان من الممكن تجمع أعداد هائلة من قبيلة واحدة في جند واحد. والذي يلفت النظر أن إحساسًا وجدانيًّا شاملًا قد استحوذ على جميع المنازع القبلية وصهرها في بوتقة الجهاد في سبيل الله، وإن لم يستطع القضاء على هذه المنازع، وإنما حجبها لبعض الوقت فترات تقصر أو تطول، حتى كان تخطيط هذين المصرين على أساس القبائل، فإذا بأحاسيس جديدة تنشأ بحكم طبيعة الحياة في المدينة، وبحكم علاقات الجوار والعطاء والخضوع لعوامل واحدة. فكانت الكوفة والبصرة القاعدتين اللتين صدرت عنهما كل العمليات الحربية بعد استقرار المسلمين بهما. وكان أن استشعر المسلمون فيها شعورًا مزدوجًا بأنهم أفراد من قبائل، وأفراد في مدينة معًا. وأخذ الإحساس بالمدينة يلف المسلمين بهذا الرباط المدني، ويطبع أهل كل مصر بطوابع خاصة، فهناك مغازي الكوفة، ومغازي البصرة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، وهناك خلافات على تعديل الفتوح فيما بينهم، وخصومات على الانصياع لقائد من مصر آخر. ويكفي لاستجلاء هذه الأحاسيس ما يُرْوَى عن أهل الكوفة من أنهم إذا قاتلوا أهل البصرة انحازت كل قبيلة ناحية، وقاتلت مثيلتها في الجانب الآخر، فَيَمَنُ الكوفة يقاتلون يَمَنَ البصرة، وربيعة الكوفة تقاتل ربيعة البصرة، وهكذا١. وقد تسنى للكوفة والبصرة أن يحققا انتصارات كبيرة في فتوح الجناح الشرقي للعراق وفارس، وتحديد حدود الإمبراطورية الإسلامية في هذا الميدان. وجلي أن الفاتحين الذين حققوا هذا العمل الكبير كانت كثرتهم من عرب الشمال، الذين نعرف لهم شهرة عامة بالشعر، الشعر الثري الذي لا يتيسر لأقرانهم الفاتحين من أبناء الجنوب، وقد أدى هذا إلى أن تنصرف كثرة شعر الفتح إلى تصوير أحداث الفتوح الشرقية، حتى لا يغادر منها شيئًا، وحتى يكاد يكون سجلًّا تاريخيًّا لها، ووثيقة وجدانية لمشاعر الفاتحين. ونحن حينما نستعرض تصوير شعر الفتح لأحداث الفتوح الشرقية، سيخيل إلينا أن كل الفاتحين كانوا شعراء دون استثناء؛ إذ أصبح الشعر حظًّا شائعًا بينهم جميعًا على تفاوت في هذا الحظ.

стр. 104

٢- الشعر في العراق: انطلق الشعر على ألسنة الفاتحين في العراق مع أول ضربة سيف، وقد أحاط بالمعارك والأحداث إحاطة، بحيث يمكن أن يعد وثيقة تاريخية لها خطرها. وهو من حيث تصويره لحياة المجاهدين ومشاعرهم، وتصويره لمشاعر المقاومين أيضًا يمكن أن يعد وثيقة وجدانية رائعة لهذا الحدث الفذ في تاريخ الإسلام والمسلمين. واكب الشعر أحداث الفتح منذ أول التقاء، كان من الحفير أو كاظمة بين خالد وهرمز، حيث دارت الدائرة على الفرس، ثم انتصر المسلمون على قارن بن قريانس في وقعة المذار أو الثنى، وأكثروا القتل في جنده، فتغنى القعقاع بن عمرو التميمي بهذا النصر قائلًا: فنحن وطئنا بالكواظم هرمزًا ... وبالثنى قرني قارن بالجوارف١ وكذلك يفعل الأسود بن قطبة، فيعير عرب القبائل الذين انضموا للفرس بسبي المسلمين نساءهم وافتضاحهم فيقول: لعمرو أبي بجير حيث صاروا ... ومن آداهم يوم الثني لقد لاقت سراتهم افتضاحا ... وفتنا بالنساء على المطي آلا ما للرجال فإن جهلًا ... بكم أن تفعلوا فعل الصبي٢ وعندما يجتمع العرب الموتورون مع الفرس يوم أُلَّيس، ويرى المسلمون منهم نكالًا -حتى يصلي خالد صلاة الخوف- يصور الأسود بن قطبة التميمي هول المعركة، وبسالة المقاومين فيقول: لقينا يوم أليس وأمغي ... ويوم المقر آساد النهار فلم أرَ مثلها فضلات حرب ... أشد على الجحاجحة الكبار قتلنا منهم سبعين ألفًا ... بقية حزبهم نخب الإسار سوى من ليس يحصي من قتيل ... ومن قد غال جولان الغبار٣

стр. 105

ويصور عاصم بن عمرو ثبات المقاومين من الفرس يوم العقيق فيقول: ألم ترنا غداة المقر فينا ... بأنهار وسكانها جهارا قتلناهم بها ثم انكفأنا ... إلى فم الفرات بما استجارا لقينا من بني الأحرار فيها ... فوارس ما يريدون الفرارا١ وعندما وصل المسلمون إلى الحيرة ودخلوا قصورها استخفهم الطرب، فانطلقت أغنيات النصر نشوى، تفخر ببلائهم الذي استحقوا به الظفر، يقول القعقاع بن عمرو: ويوم أحطنا بالقصور تتابعت ... على الحيرة الروحاء إحدى المصارف حططناهم منها وقد كان عرشهم ... يميل به فعل الجبان المخالف رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا ... غبوق المنايا حول تلك المحارف صبيحة قالوا: نحن قوم تنزلوا ... إلى الريف من أرض العرب المقانف والشاعر هنا يشير إلى ما كان من مجادلة خالد لأهل الحيرة، في نقمتهم على بني عمومتهم من العرب، وما كان من انتسابهم إلى العرب. والشاعر يكشف هذا اللجاج الذي فسروا به موقفهم، وأنهم لم يعترفوا بهذا النسب إلا تحت وطأة السيوف. وهذا عاصم بن عمرو يصف بلوغ المسلمين الحيرة، وإحاطتهم بقصورها فيقول: صبحنا الحيرة الروحاء خيلا ... ورجلًا فوق أثباج الركاب حصرنا في نواحيها قصورًا ... مشرفة كأضراس الكلاب٢ ويمضي خالد بالمسلمين إلى الأنبار، وفي الطريق إليها يتأمل عاصم بن عمرو جموع المسلمين التي حشدها خالد ليأتي بهم من ألبوا عليهم من أهل الأنبار فيقول: جلبنا الخيل والإبل المهاري ... إلى الأعراض أعراض السواد ولم ترَ مثلنا كرما ومجدًا ... ولم ترَ مثلنا شخاب هاد شحنا جانب الملطاط منا ... بجمع لا يزول عن البعاد لزمنا جانب الملطاط حتى ... رأينا الزرع يقمع بالحصاد

стр. 106

لنأتي معشرًا ألبوا علينا ... إلى الأنبار أنبار السواد١ وبعد أن ينقذ خالد عياضًا، ويثأر العرب من بكر بن وائل لمقتل عقة ولهزيمة عين التمر، يوجه خالد أمراءه إلى الحصيد والخنافس والزميل ليبيتوا العرب على غرة، ويقتل روزمهر قائد بيد القعقاع بن عمرو، الذي يفخر بقتله لحليلته فيقول: ألا أبلغا أسماء أن حليلها ... قضى وطرا من روزمهر الأعاجم غداة صبحنا في حصيد جموعهم ... بهندية تفري فراخ الجماجم٢ واستطاع أبو ليلى أن يهزم المهبوذان في الخنافس، فقال يفتخر بصنيعه: وقالوا ما تريد فقلت: أرمي ... جموعًا بالخنافس بالخيول فدونكم الخيول فألجموها ... إلى قوم بأسفل ذي أثول وفينا بالخنافس باقيات ... لمهبوذان في جنح الأصيل٣ وصور الشعر هذا الحلف الغريب من الفرس والروم والعرب، الذين جمعت بينهم الظروف على المسلمين في وقعة الفراض، ونصر الله المسلمين وقطع دابر الحلف بأيديهم، فقال القعقاع: لقينا بالفراض جموع روم ... وفرس غمها طول السلام أبدنا جمعهم لما التقينا ... وبيتنا بجمع بني رزام فما فتئت جنود السلم حتى ... رأينا القوم كالغنم السوام٤ وفي أول لقاء لجيش أبي عبيد مع الفرس في النمارق يستحر القتال، ويستبسل المسلمون حتى ينتصروا على رستم، ويأسروا قائديه جابان ومردان شاه، فيستبيحوا السواد يجوسون خلاله بعدما هاجروا نحو ربهم فأنالهم أكتاف الفرس، يقول عاصم بن عمرو:

стр. 107

لعمري وما عمري على بهين ... لقد صبحت بالخزي أهل النمارق بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... يجوسونهم ما بين درتا وبارق قتلناهم ما بين مرج مسلح ... وبين الهوافي من طريق البذارق١ ويفزع أهل السواد إلى أبي عبيد يطلبون الصلح، ويقدمون الهدايا والأطعمة الفارسية وتمر النرسيان، بعد أن دانت للمسلمين قرى السواد، واستباحه المسلمون، يقول عاصم بن عمرو: ضربنا حماة النرسيان بكسكر ... غداة لقيناهم ببيض بواتر وفزنا على الأيام والجرر لاقح ... بجرد حسان أو يبرد غوابر وظلت بلاد النرسيان وتمره ... مباحًا لمن بين الديار الأضافر أبحنا حمى قوم وكان حماهم ... حرامًا على من رامه بالعساكر٢ وفي قس الناطف تحدث كارثة الجسر، تلك الهزيمة الوحيدة التي لحقت بالمسلمين في جميع فتوحاتهم؛ إذ أخذتهم السيوف والغرق والفرار من كل جانب، وقد ترامت أنباء الهزيمة في بلاد العرب، ورن صداها في كل قلب، يقول حسان بن ثابت لما بلغته الكارثة بالمدينة: لقد عظمت فينا الرزيئة إننا ... جلاد على ريب الحوادث والدهر على الجسر قتلى لهف نفس عليهم ... فيا حسرتا ماذا لقينا من الجسر٣ وعلى الرغم من هذا، فإننا لا نجد غير أبيات تنسب إلى أبي محجن الثقفي في وصف المعركة، ورثاء نفر من شهداء المسلمين، وطبيعي أن تسكت أصوات الشعراء في هذه المحنة، يقول أبو محجن:

стр. 108

أنى تسدت نحونا أم يوسف ... ومن دون مسراها فياف مجاهل إلى فتية بالطف نيل سراتهم ... وغودر أفراس لهم ورواحل وأضحى أبو جبر خلاء بيوته ... وقد كان يغشاها الضعاف الأرامل وأضحت بنو عمرو لدى الجسر منهم ... إلى جانب الأبيات جود وناذل وما لمت نفسي فيهم غير أنها ... لها أجل لم يأتها وهو عاجل وما رمت حتى مزقوا برماحهم ... إهابي وجادت بالدماء الأباجل وحتى رأيت مهرتي مزوئرة ... لدى الفيل يدمي نحرها والشواكل مررت على الأنصار وسط رحالهم ... فقلت: ألا هل منكم اليوم قافل ألا لعن الله الذين يسرهم ... رداي وما يدرون ما الله فاعل١ وكانت الفيلة قد فعلت أفاعليها في المسلمين فشتتهم. وكان أن أذن عمر لمن كان ارتد بالالتحاق بجند العراق ليطهروا، فإذا بهم يتدفقون إلى المثنى، وإذا بهم يخوضون تحت لوائه معركة الثأر والنصر، وقد شاع في نفوسهم إحساس بالاستماتة والتفاني للتكفير عما اقترفوه، كما استمات فل الجسر لمسح عار الهزيمة، وكانت معركة البويب معركة لم يشهد المسلمون والفرس أشد منها، حتى كانت العظام تلوح تلالًا من هام الفرس وأوصالهم، وتحزر بمائة ألف من جثثهم٢. وتغنَى الشعراء بهذا النصر، وعقدوا أكاليل الغار للمثنى. يقول الأعور العبدي الشني: هاجت لأعور دار الحي أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس خفانا وقد أرانا بها والشمل مجتمع ... إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا أزمان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتَّل الزحف من فرس وجيلانا سما لمهران والجيش الذي معه ... حتى أبادهم مثنى ووحدانا٣

стр. 109

ووجد أبطال المسلمين في قتلهم مهران شرفًا تنازعه كثيرون منهم، وكثر في ذلك جدالهم. وكان أشهر من تنازع قتله حسان بن المنذر بن ضرار الضبي، وجرير بن عبد الله البجلي، ويظهر أن حسانًا قد طعنه، ثم ضربه جرير بعد ذلك، ولكن حسانًا ينكر أن يكون جرير قد شاركه هذا الشرف فيقول: ألم ترني خالست مهران نفسه ... بأسمر فيه كالخلال طرير فخر صريعًا والتقاني برجله ... وبادر في رأس الهمام جرير فقال قتيلي والحوادث جمة ... وكاد جرير للسرور يطير فقال أبو عمرو: وقتلى قتلته ... ومثلى قليل وللرجال كثير فأرسل يمينًا "أن رمحك ناله" ... وأكرم إن تحلف وأنت أمير١ ثم تكون بعد ذلك المعركة الحاسمة في القادسية، التي تجهز لها الفرس والعرب بكل ما يطيقون، وحشد لها عمر أهل الرأي والشجاعة والخطابة والنجدة، يحضون الناس ويلهبون مشاعرهم. والتقى سعد بجيش هو خلاصة الأمة الإسلامية مع الفرس في ثلاثة أيام بثلاث ليال، متصلة الحرب حامية الوطيس، ولعب الشعر دوره في المعركة، فلم يكن القتال يبدأ قبل أن يمر الشعراء بين الصفوف يرغبون الناس، ويقدحون عزمهم فينشب أهل النجدات القتال، بينما يشعل الرُّجَّاز أُوار الحماس، كما حدث في أول يوم، فقد برز غالب بن عبد الله الأسدي يرتجز بدء القتال فقال: قد علمت واردة المسالح ... ذات البيان واللسان الواضح أني سمام البطل المشايح ... وفارج الأمر المهم الفادح٢ فإذا بهرمز أحد ملوك الباب يبرز فيأخذه غالب أسيرًا، وخرج بعده عاصم بن عمرو التميمي يرتجز قائلًا:

стр. 110

قد علمت بيضاء صفراء اللبب ... مثل اللجين إذ تغشاه الذهب أني امرؤ لا من يعينه السبب ... مثلي على مثلك يغريه العتب١ وظل القتال دائرًا يغذيه الرجاز والشعراء بلهيب لا ينفد، حتى حال الليل بين الفريقين، ولقد أبلى في هذا اليوم عاصم بن عمرو بلاء رائعًا، وهو يقول عن هذا اليوم المسمى بأرماث: حمينا يوم أرماث حمانا ... وبعض الناس أولى بالجمال٢ يشير إلى ما كان من انتداب سعد لتميم لتدافع عن أسد، الذين أضرت بهم الفيلة ضررًا بليغًا. وفي صباح اليوم الثاني يوم أغواث، الذي أغاث فيه القعقاع المسلمين بجند الشام استطاع المسلمون أن يوقعوا بالفرس في غيبة الفيلة التي قطع وضنها عاصم في اليوم الأول، ورفه هذا عن المسلمين، واستمر القتال إلى منتصف الليل، وكفة المسلمين أرجح، وجدد مدد الشام أمل المسلمين، حينما رأوا القعقاع يصول في صفوف الفرس، يقتل من يلقاه، وكان سعد قد حبس أبا محجن الثقفي، فلما اشتد القتال وتردد تكبير الناس في أذنه ثارت حميته، واستعفى سلمى زوج سعد أن تحل قيده، وأن تعيره البلقاء فرس سعد، وأقسم أن يرجع فيضع قدمه في القيد، فرفضت رجاءه فقال: كفى حزنًا أن ترتدي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودًا على وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصاريع دوني قد تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدًا لا أخا ليا ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت ألا أزور الحوانيا٣ فلما سمعت سلمى شعره رقت له وأطلقته، فاقتاد البلقاء، وركبها وعليه سلاحه، وانطلئق يقصف الأعداء بسيفه قصًّا منكرًا، وسعد يقول: لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن، فلما انقضى اليوم رجع فوضع قدميه في القيد، وظل القتال إلى الليل،
следующие страницы →