بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد, فإن القرآن الكريم هو المعجزة العقلية الباهرة التي أيَّدَ الله بها خير خلقه، وخاتم أنبيائه -صلوات الله وسلامه عليه.
وهو خالد في إعجازه لا يزيده التقدُّم العلميُّ إلا رسوخًا في الإعجاز, وهو حجة الله البالغة على خلقه، تعبدهم بتلاوته وتدبره، وفهمه والعمل به، وأطلعهم من خلاله على بعض أسراره في ملكه وملكوته.
وهو كتاب الهداية، ومنهج الحياة، بيَّنَ فيه لعباده ما يحلُّ لهم، وما يحرِّمُ عليهم، وما ينفعهم, وما يضرهم, بإسلوب واضح مشرق، لا عوج فيه ولا التواء.
وعبَّرَ عن واقعهم، ولبَّى رغباتهم على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم، وأزمانهم.
فما من شيء يحتاجون إليه في شئونهم الخاصة والعامة إلَّا شمله تشريعه، ووسعه بيانه.
قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ١.
فكان بحقٍّ كتابًا جامعًا أفاض في شرح الحقوق والواجبات إفاضة واسعة، تضمنتها أحكام جامعة، وقواعد كلية، يندرج تحتها كل ما جَدَّ ويَجِدُّ في شئون الحياة، وأناط بالرسول ﵊ بيان ما قد يغمض على بعض
стр. 2
الناس فهمه، فكان بيانه للقرآن مستنبطًا من القرآن نفسه، وبقدرة خاصة منحها الله، وكيفية معينة علَّمه الله إياها.
قال تعالى في سورة القيامة:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١.
وهو الذكر الحكيم الذي علَّمَ الناس الحكمة -وبالحكمة يستطيعون أن يضعوا الأمور في موضعها، ويتعرَّفوا النهج القويم للحياة المطمئنة، والسعادة المرجوّة في داري الدنيا والآخرة.
قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
وهو مأدبة الله التي لا ينفذ زادها، ولا ينضب معينها ولا يملها أهلها.
وهو للمؤمنين دواء وشفاء وغذاء، وروح وريحان، هو الحياة في أسمى صورها وأجلِّ معانيها، هو نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
لهذا جمع المسلمون الأوائل كل قواهم, وكرَّسُوا جُلَّ حياتهم لخدمة هذا الكتاب العظيم، ولم يدَّخِروا جهدًا في حفظة وتدوينه، وتفسيره، واستنباط أحكامه، والتنقيب عن لطائفه وأسراره، والعمل به والسير على نهجه في عباداتهم وعاداتهم ومعاملاتهم، فتركوا لنا تراثًا خالدًا غصَّت به المكتبات في مشارق الأرض ومغاربها.
وتتابه الغيث من بعدهم إلى يومنا هذا، يفتح للباحثين في كتاب الله تعالى أبوبًا واسعة من العلم والمعرفة, ويتيح لهم أن ينهلوا من معينه ما شاء الله أن ينهلوا في سهولة ويسر، ولا سيما بعد أن تقدَّمت أدوات الطباعة ووسائل النشر.
стр. 3
وما على الباحثين إلّا أن يشمِّرُوا عن ساعد الجدِّ, ويخترقوا أسوار التقليد إلى الآفاق الرحبة يفتحها لهم القرآن بعباراته وإشاراته، فيستنبطوا منه ما ينفع أمتهم في دينها ودنياها، ويستلهموا منه الرشد في حلِّ المشكلات المعاصرة التي بلغت الغاية في التعقيد والتعجيز.
وإنا لقادورن -إن شاء الله تعالى، إذا ما تمسَّكْنَا بهذا الكتاب المبين، وتدبَّرْنَاه بحرية وأمانة وفق المقاييس التي رسمها لنا فيه -على تحقيق ما نصبو إليه في حاضرنا ومستقبلنا.
وإني أحاول أن أضرب في كتابي هذا بسهم متواضع في تبصير الناس ببعض ما يتعلَّق بهذا القرآن العظيم من البحوث المهمة التي تعينهم على تدبره، وفهم معانيه ومراميه, والعمل بما جاء فيه، عسى أن أُحْشَر يوم القيامة مع خدمته فأفوز فوزًا عظيمًا، وهو رجاء عبد ليس له من العمل الصالح ما يجعله أهلًا له إلّا أن رحمة الله واسعة، وفضله عظيم.
وقد التزمت في تأليف هذا الكتاب أمورًا ثلاثة:
الأول: تهذيب الأسلوب وتيسيره بحيث يكون -بفضل الله تعالى- مناسبًا لأهل العصر على اختلاف درجاتهم في الثقافة والفهم، مبينًا كل لفظ أراه غامضًا، وموضحًا كل قول أراه يحتاج إلى مزيد بيان.
وهذا الإلتزام جعلني أتحاشى النصوص الوعِرَة التي تكثر فيها الصناعة اللفظية المتكلفة، أو الألفاظ المعقدة أو الغريبة، واختار النصوص السهلة الجزلة التي تخلو من الركاكة والتعقيد.
فإن كان النص لا يتمشَّى مع سهولة الأسلوب وعذوبته، وفيه من العلم ما نحن في حاجة إليه نقلته بالمعنى، وقلت في نهايته: أفاده فلان أو ذكره فلان بمعناه.
أو قلت في أوله: ذكر فلان ما حاصله، أو ما فحواه كذا وكذا.
أو كتبت في هامش الصفحة: راجع كتاب كذا وكذا أو انتهي بتصرف، وما أشبه ذلك.
стр. 4
فإن كان النص سهلًا في أسلوبه نقلته بين علامتي تنصيص، وأشرت إلى مصدره في هامش الصفحة فقلت: كتاب كذا ج كذا ص كذا.
فإذا غيَّرت فيه ضميرًا أو حرفًا ليناسب الكلام قلت في هامش الصفحة:
انظر كتاب كذا.
وإذا حذفت منه شيئًا، وضعت مكان المحذوف ثلاث نقط كما هو مُتَّبَعٌ في كتابة البحوث والرسائل، وبذلك يكون أسلوب الكتاب متشابهًا متماسكًا كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضًا، لا يجد القاريء فيه ما يعكِّر صفو الفهم عليه من تغاير الأساليب، وتباعد المعاني، وتفكُّك الجمل، وتنافر الألفاظ.
الثاني: توخي الإيجار في العبارة، والاختصار على المقيَّد من المسائل، وتحري الدقة والأمانة العلمية في البحث والدراسة بقدر الطاقة البشرية.
الثالث: ترتيب الموضوعات بحسب أهميتها, وبحسب صلة بعضها ببعض، أو تقارُب بعضها من بعض, مع الاقتصار على ما تكون إليه الحاجة ماسَّة والضرورة إليه ملحة.
فعلوم القرآن بحر زخار لا يستطيع أحد أن يجمعها في كتاب، مهما اتسع جهده، وطال عمره.
هذا وقد بذلت وسعي في التحليل والتعليل والتحقيق والتنقيح والاستنباط، والكشف عن الجديد من المسائل العلمية المتعلقة بمعاني هذا الكتاب العزيز.
فإن أكن وفِّقْتُ في شيء من ذلك فإنما هو بحمد الله تعالى وتوفيقه.
والله المستعان، وله الفضل، وبه الثقة, وعليه المعتمد.
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
المؤلف
стр. 5
المبحث الأول: معنى علوم القرآن
علوم القرآن مركَّب إضافي، مؤلَّف من كلمتين, يقتضينا منهج البحث البحث التحليلي أن نعرِّفَ كل كلمة على حدة أولًا، ثم نبيِّنُ معنى كلمة علوم مضافة إلى القرآن الكريم، فنقول:
١- أما العلوم فجمع علم، والعلم مصدر "علم - يعلم" وهو مرادف للفهم والمعرفة واليقين، والجزم على الجملة، وبينها فروق دقيقة تُطْلَبُ من كتب فقة اللغة، مثل كتاب "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري.
والعلم مصدر -كما قلنا- يصح إطلاقه على المفرد والجمع، تقول: تلقيت العلم في الجامع الأزهر، تعني: علم التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والصرف، وغير ذلك من أنواع العلم.
وإن أريد الكثرة، جمع على علوم, ولهذا سميت المباحث القرآنية: "علوم القرآن" لكثرتها وتشعُّب مسائلها.
كما يقول الفقهاء في كتبهم: "باب البيع"، فإن أرادوا الكثرة قالوا: "باب البيوع".
ويطلق العلم في لسان الشرع العام على معرفة الله تعالى وآياته، وأفعاله في عباده وخلقه.
ومعناه عند علماء التدوين: المعلومات المنضبطة بجهة واحدة، أي: موضوع معين.
فمسائل النحو مثلًا تُسَمَّى: علم النحو.
ومسائل الفقة تُسَمَّى: علم الفقه.
أو هو إدراك المسائل المنضبطة تحت موضوع معين.
أو هو الملكة التي تحصل بها تلك المعارف.
والتعريف الأول هو الأَوْلَى بالقبول، وهو الأشهر عند العلماء.
стр. 6
أما القرآن في اللغة فهو مصدر "قرأ".
يُقَال: قرأ يقرأ قراءة، وقرآنًا.
قال تعالى في سورة القيامة:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ﴾ ١.
ثم نقل من هذا المعنى المصدري، وجُعِلَ اسمًا للكلام المعجِِزِ المنزَّلِ على النبي ﷺ ، من باب إطلاق المصدر على مفعوله.
فالقرآن على هذا يكون بمعنى المقروء.
هذا ما اختاره أكثر العلماء استنادًا إلى موارد اللغة وقوانين الاشتقاق.
"أما القول بأنه وصف من القرء -بسكون الراء- بمعنى الجمع، فهو قولٌ ليس براجح، وكذلك قول من قال: إنه مشتق من قرنت الشيء، أو أنه مرتجل, أي: موضوع من أول الأمر علمًا على الكلام المعجِز المنزَّل، فكل ذلك -كما يقول الزرقاني- لا يظهر له وجه وجيه، ولا يخلو توجيه بعضه من كلفة"٢.
هذا هو مفهوم لفظ "قرآن" في اللغة.
واما مفهومه في اصطلاح علماء العقيدة والشريعة واللغة, فهو منتَزَعٌ من خصائصه ومقاصده الكبرى.
وأشهر تعريف له قولهم:
القرآن كلام الله المعجِز، المنزَّل على محمد ﷺ ، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المُتعبَّد بتلاوته.
بهذا عرَّفه اكثر أهل العلم.
وتوضيحه:
إن الكلام البشري نفسي ولفظي، فالنفسي هو المعاني التي تجول بالفؤاد
стр. 7
قبل أن تخرج بها الأصوات, واللفظ هو قالب تلك المعاني, وهي التي نسمعها من الأصوات.
فقولنا: القرآن كلام الله, قد يُرَاد به الكلام النفسيّ, وقد يُرَادُ به الكلام اللفظي -ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم- فالمتكلمون يطلقون كلام الله على الكلام النفسي فقط، ويقررون أنه كلام قديم غير مخلوق، فيجب تنزهه عن الحوادث وأعراض الحوادث، وتجرده عن الحروف اللفظية المتعاقبة المستلزمة لتجدد الزمان والحدوث.
والأصوليون والفقهاء اهتمُّوا بإطلاق القرآن على الكلام اللفظي؛ لأن غرضهم الاستدلال على الأحكام، وهو لا يكون إلّا بألفاظ، وكذلك علماء اللغة العربية يهتمون بالكلام اللفظي؛ لأن عنايتهم بالإعجاز، وطريقة الألفاظ"١.
وهذا التعريف جمع أشهر خصائص القرآن وأهم مقاصده.
وكان بعضها كافيًا في التعريف، فلو قالوا: القرآن كلام الله المعجز.
أو قالوا: هو كلام الله المُتعبَّد بتلاوته.
أو قالوا: هو كلام الله المكتوب في المصاحف، لكان وافيًا بالمقصود في تحديد ما هو قرآن من غيره، لكنهم أطنبوا في التعريف مبالغة في التوضيح، ورغبةً في ذكر أهم خصائصه ومقاصده، فهو ليس تعريفًا بالمعنى الاصطلاحي الذي يُرَاعَى فيه الاختصار، والاقتصار على ما هو جامع مانع.
ومن هذا التعريق يُعْرَفُ الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي, على ما سيأتي بيانه قريبًا -إن شاء الله تعالى.
ومن خلال هذا التعريق أيضًا يُعْرَفُ الفرق بين القراءة المتواترة وغير المتواترة، فما تواتر منها فهو قرآن يُتْلَى ويتعبَّد بتلاوته.
وما هو غير متواتر لا يُتْلَى ولا يُتَعَبَّد بتلاوته، ولا يُسَمَّى قرآنًا، وإن جاز الاحتجاج بها في تصحيح لغة على لغة، وترجيح مذهب فقهي على آخر, بالشروط التي ذكرها الفقهاء في كتهبم.
هذا -ويطلق لفظ القرآن على الكتاب المُنزَّل كله وعلى بعضه.
стр. 8
فيُقَال لمن قرأ منه ولو آية إنه قرأ قرآنًا.
٣- وأما تعريف علوم القرآن بالمعنى الإضافي، أي: باعتبار إضافة العلوم إلى هذا الكتاب المنزَّل، فهو عبارة عن طوائف المعارف المتصلة بالقرآن.
وهذا التعريف يشمل بعمومه جميع العلوم الشرعية من التفسير والحديث والفقه، وأصول الفقه، وجميع العلوم التي تعين على فهم معانيه ومقاصده، كالعلوم اللغوية والتاريخية، وغيرها, فكل ما يتصل بالقرآن من قريب أو من بعيد داخل تحت هذا التعريف.
غير أن المشتغِلِين بدراسة القرآن الكريم -فيما يبدو لنا- يقتصرون في بحوثهم على العلوم الوثيقة الصلة بالقرآن الكريم، والتي تعين على فهمه بطريق مباشر، مثل البحوث التي تضمَّنها كتاب "البرهان" للزركشي، وكتاب "الإتقان" للسيوطي.
وانفرد التفسير عن هذه العلوم بالتأليف والتصنيف، مع أنه داخل فيها لمسيس الحاجة إليه من غيره عند جميع المكلَّفين بلا استثناء.
أما غيره من علوم القرآن، فلا يكاد يحتاج إليه إلّا المتخصصون في دراسة كتاب الله تعالى، على نحو من تفسيره للناس، تفسيرًا صحيحًا، وفق هذه العلوم التي يعنون بدراستها.
فعلوم القرآن سوى التفسير، من شأن أولي العلم والنُّهَى، ورجال التفسير والتأويل الذي يُنَاطُ بهم فهم القرآن أولًا، وبيان معانيه للناس ثانيًا.
وأما التفسير، فالأمر فيه ما قد علمت، فلا تغفل عن ذلك، وقد كانت علوم القرآن قبل عصر التدوين وبعده بزمن غير يسير متصلة بسائر العلوم الشرعية, بل والعلوم العربية أيضًا, ثم انفصلت عنها.
وفيما يلي نبذة تاريخية يتبين لك فيها المراحل التي مرَّ بها هذا العلم, حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن.
стр. 9
المبحث الثاني: نشأة علوم القرآن وتطورها
١- كان الرسول ﷺ ، وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه، ما عرف العلماء، وفوق ما عرف العلماء من بعد.
أما الرسول ﷺ ، فقد كان يعلم من القرآن ظاهره وباطنه، ومحكمه ومتشابهه، وعامَّه وخاصَّه، ومطلقه ومقيده، وغير ذلك من الأمور الجلية والخفية، التي اشتملها هذا الكتاب العظيم.
فقد كتب الله على نفسه الرحمة ليجمعنَّه له في صدره، وليطلق لسانه بقراءته وترتيله، وليميطنَّ اللثام عن معانيه وأسراره.
قال جل شأنه في سورة القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١.
وأما أصحابه، فقد نهلوا من معينه، فعلموا منه بقدر طاقتهم ما أعانهم على فهم ما يتعلق بشئون دينهم ودنياهم، وعرفوا من أقواله وأفعاله ﷺ مراد الله تعالى من كلامه المنَزَّل، أعان بعضهم بعضًا على ذلك، بعد أن لقي الرسول ﷺ ربه، فكان منهم يسأل الآخر عَمَّا غمض عليه فهمه، أو جهل حكمه.
وكان منهم من دعا له الرسول ﷺ بالعلم والفقه؛ كابن عباس ﵄، والخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم.
وكان الصحابة عربًا خُلَّصًا، متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوق للبيان، وتقدير
стр. 10
للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير، حتى أدركوا من علوم القرآن ومن إعجازه بسليقتهم، وصفاء فطرتهم، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم, وكثرة الفنون.
وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- مع هذه الخصائص أمِّيين، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم, والرسول ﷺ نهاهم أن يكتبوا عنه شيئًا غير القرآن، وقال لهم أول العهد بنزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه, عن أبي سعيد الخدري ﵁: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدِّثُوا عني فلا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وذلك مخافة أن يلتبس القرآن بغيره، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه.
فلتلك الأسباب المتضافرة لم تكتب علوم القرآن, كما لم يكتب الحديث الشريف، ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين أبي بكر وعمر.
ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه، والقرآن وعلومه، والسنة وتحريرها تتلقينًا لا تدوينًا، ومشافهة لا كتابة" أ. هـ١.
٢- ولما اتسعت رقعة الإسلام في عهد عثمان بن عفان ﵁، واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، خاف بعض المسلمين على القرآن أن يختلف المسملون في قراءته إن لم يجتمعوا على مصحف واحد، فأشاروا على عثمان بكتابة القرآن الكريم في مصحف واحد, وتنسخ منه عدة مصاحف يُبْعَثُ بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق الناس ما عداها، على ما سيأتي بيانه مفصَّلًا عند الكلام على جمع القرآن.
فاستجاب ﵁ لهذه النصيحة الغالية؛ فجمع المسلمين على مصحف واحد عُرِفَ بمصحف الإمام، وبهذا العمل وضع عثمان ﵁ الأساس لما نسميه علم رسم القرآن، أو علم الرسم العثماني.
стр. 11
ثم جاء علي بن أبي طالب ﵁، فلاحظ أن العُجْمَة تكاد تحفيف على اللغة العربية، وسمع بعض الناس يلحنون في اللسان العربي، فأمر أبا الأسود الدؤليّ أن يضع بعض القواعد لحماية لغة القرآن من هذا العبث والخلل، ووضع له المنهج، وقال له: انح للناس على هذا النحو.
وبذلك يكون ﵁ أول مَنْ وضع علم النحو, وتبعه فيما بعد علم إعراب القرآن، وهو علم يعين المفسِّر على فهم كتاب الله تعالى كما هو معلوم, والإعراب فرع المعنى كما يقولون.
ومضى المسلمون بعد الخلافة الرشيدة في نشر علوم القرآن، بالمشافهة والتلقين، حتى جاء عهد التدوين بعد المائة الأولى من الهجرة، فأُلِّفَت كتب في أنواع شتَّى من علوم القرآن، واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير بوصفه رأس العلوم وعمدتها، لما فيه من التعرُّضِ لها في كثير من المناسبات عند شرح الكتاب العزيز.
ومن أوائل الكاتبين في التفسير: شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، وهم من علماء القرن الثاني.
ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفَّى سنة ٣١٠هـ, وكتابه أجلّ التفاسير وأعظمها، لأنه أوَّل من عرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض, كما عرض للإعراب والاستنباط.
وبقيت العناية بالتفسير قائمة إلى عصرنا هذا. أما علوم القرآن الأخرى، ففي مقدمة المؤلفين فيها: على بن المديني شيخ البخاري، إذ ألَّفَ في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام، إذ كتب في الناسخ والمنسوخ، وكلاهما من علماء القرن الثالث.
وفي مقدمة من ألَّفَ في غريب القرآن: أبو بكر السجستاني, وهو من علماء القرن الرابع.
стр. 12
وفي طليعة من صنَّف في إعراب القرآن: علي بن سعيد الحوفي، وهو من علماء القرن الخامس.
ومن أوائل من كتب في مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي، وهو من علماء القرن السادس.
كذلك تصدَّر للتأليف في مجاز القرآن: العز بن عبد السلام, وفي القراءات: عَلَمُ الدين السخاوي، وهما من علماء القرن السابع.
وهكذا قويت العزائم، وتبارت الهمم، ونشأت علوم جديدة للقرآن، وظهرت مؤلفات في كل نوع منها، لهذا اشرأَبَّت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علمًا جديدًا يكون كالفهرس لها، والدليل عليها والمتحدِّث عنها، فكان هذا العلم هو ما نسميه "علوم القرآن" بالمعنى المدوَّن.
قال الزرقاني: "ولا نعلم أن أحدًا قبل المائة الرابعة للهجرة ألَّفَ أو حاول أن يؤلِّفَ في علوم القرآن بالمعنى المدوَّن؛ لأن الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف، وإن كنَّا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرزين من العلماء، على الرغم من أنهم لم يدونوها في كتاب، ولم يفردوها باسم.
ولقد كان المعروف لدى الكاتبين في تاريخ هذا الفن، أن أوَّل عهد ظهر فيه هذا الإصطلاح، أي اصطلاح علوم القرآن، وهو القرن السابع.
لكني ظفرت في دار الكتب المصرية بكتابٍ لعلي بن إبراهيم بن سعيد، الشهير بالحوفي, المتوفَّى سنة ٣٣٠هـ، اسمه "البرهان في علوم القرآن", وهو يقع في ثلاثين مجلدًا، والموجود منه الآن خمسة عشر مجلدًا غير مرتبة، ولا متعاقبة، من نسخة مخطوطة.
وإذن نستطيع أن نتقدّم بتاريخ هذا الفن نحو قرنين من الزمان، أي: إلى بداية القرن الخامس بدلًا من القرن السابع.
ثم جاء القرن السادس فألَّفَ فيه ابن الجوزي, المتوفَّى سنة ٥٩٧هـ كتابين: أحدهما اسمه "فنون الأفنان في علوم القرآن"، والثاني اسمه: "المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن", وكلاهما مخطوط بدار الكتب المصرية.
стр. 13
وفي القرن السابع ألَّفَ علم الدين السخاوي المتوفَّى سنة ٦٤١هـ كتابًا سماه: "جمال القرَّاء".
وألَّفَ أبو شامة المتوفى سنة ٦٦٥هـ كتابًا أسماه: "المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز", وهما -كما قال السيوطي- عبارة عن طائفة يسيرة ونبذ قصيرة، بالنسبة للمؤلفات التي أُلِّفَتْ بعد ذلك في هذا النوع.
ثم أهلَّ القرن الثامن، فكتب فيه بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤هـ كتابًا سماه: "البرهان في علوم القرآن", ثم طلع القرن التاسع على هذا العلم باليمن والبركة، فدرج فيه وترعرع، إذا ألَّف محمد بن سليمان الكافيجي المتوفى سنة ٨٧٣هـ كتابًا يقول السيوطي عنه: إنه لم يسبق إليه.
وفي هذا القرن أيضًا وضع جلال الدين البلقيني كتابًا سماه: "مواقع العلوم من مواقع النجوم".
وفي هذا القرن التاسع أيضًا ألَّف السيوطي كتابًا سماه: "التحبير في علوم التفسير", ضمَّنه ما ذكره البلقيني من الأنواع مع زيادة مثلها، وأضاف إليه فوائد سمحت قريحته بنقلها، وقد أوفى هذا الكتاب على الاثنين بعد المائة من الأنواع، وفرغ الإمام من تأليف تحبيره هذا سنة ٨٧٢هـ, غير أن نفسه الكبيرة لم تقنع بهذا المجهود العظيم, بل طمح إلى التبحُّر والتوسُّع والترتيب، فوضع كتابه الثاني "كتاب الإتقان في علوم القرآن", وهو عمدة الباحثين والكاتبين في هذا الفن، ذكر فيه ثمانين نوعًا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإجمال والإدماج"١.
ثم فترت الهمم بعد السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ, لكنها لم تلبث حتى انبعثت مرة أخرى تجدد لهذه العلوم ثوبها، وتضيف إليها من البحوث ما يزيل شبه المستشرقين، ومن لف لفهم حول بعض ما جاء في كتب الأقدمين من روايات، وتَقَّول، وتطفوا على هذه العلوم القرآنية نظريات جديدة دعت إليها
стр. 14
ضرورة العصر الذي تميَّزَ بظهور كثير من الاكتشافات العلمية في العلوم الطبيعية والفلسفية، وغيرها، فألفت في هذه العلوم القرآنية كتب كثيرة، منها:
١- "البيان في علوم القرآن" للشيخ طاهر الجزائري، يقع في قريب من ثلاثمائة صفحة، وفرُغَ من تأليفه سنة ١٣٣٥هـ.
٢- "منهج الفرقان في علوم القرآن" للشيخ محمد علي سلامة.
٣- "النبأ العظيم" للشيخ محمد عبد الله دراز.
٤- "مناهل العرفان" للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني.
٥- اللآلئ الحسان في علوم القرآن" للدكتور موسى لاشين.
٦- "مباحث في علوم القرآن" للشيخ منَّاع القطان.
هذا وهناك بحوث ورسائل كثيرة كُتِبَت في بحوث مختلفة نُشِرَت في جامعة الأزهر، وجامعة القاهرة وجامعة عين شمس، وغيرها من جامعات العالم.
ولو جُمِعَ من هذه البحوث والرسائل أنقاها وأزكاها في موسوعة بالغة ما بلغت من الحجم لكان عملًا رائعًا يستحقه الإكبار والتقدير.
إذ يجد الباحث في هذه الموسوعة ما يبتغيه من أيسر طريق، وبأقل جهد.
стр. 15
المبحث الثالث: أسماء القرآن
سُمِّيَ القرآن الكريم بأسماء كثيرة، أخذت من أوصافه التي وردت فيه، وأشهر هذه الأسماء:
١- القرآن:
وقد تقدَّمَ تعريفه لغة، وشرعًا.
٢- الكتاب:
وهو مصدر من الكتب، ومعناه الضمِّ والجمع، ومنه الكتيبة، وهي القطعة من الجيش.
وهذا الاسم موافق للذي قَبِلَه في المعنى، فالقرآن جمع الحروف، وضمّ بعضها إلى بعض في النطق، والكتاب جمع الحروف وضمّ بعضها إلى بعض في الخط.
٣- التنزيل:
وهو مصدر "نزَّل" بتشديد الزاي, قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ١.
٤- الفرقان:
سُمِّيَ بذلك لأنه يفرِّقُ بين الحق والباطل بالحجة القاطعة والبرهان الساطع، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٢.
٥- الهدى:
قال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ .
стр. 16
وقال جلَّ شأنه:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ ١.
٦- الصراط المستقيم:
لأنه المنهج الواضح الذي لا عِوَجَ فيه ولا انحراف، ولا تناقضَ فيه ولا اختلاف.
وقد صنَّف الحرالي من أسماء القرآن جزءًا، وأنهى أساميه إلى اثنين وتسعين، كما قال الزركشي في البرهان.
وقد عَدَّ الزركشي منها جملة، وبيَّنَ اشتقاقها٢، ولكن أكثرها غير مشهور، والمشهور منها ما ذكرناه، والأوصاف لا تنزل منزلة الأسماء، إلّا إذا اشتهر بها الموصوف, وكانت دالَّة عليه بالأصالة, قائمة مقام العلم عند حذفه.
وأكثر ما ذكره الحرالي والزركشي وغيرهما أوصاف للقرآن، وليست أسماء، ولا هي كالأسماء؛ لعدم استقلالها في الدلالة عليه.
стр. 17
المبحث الرابع: الفرق بين القرآن والحديث القدسي والنبوي
يجدُرُ بنا بعد أن ذكرنا لك مفهومه لفظ "قرآن" في اللغة وفي الاصطلاح, أن نبيِّنَ لك الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي، فنقول:
إن كان المراد بالحديث القدسي ما نَزَلَ لفظه ومعناه من عند الله تعالى, فالفرق بينه وبين القرآن الكريم من وجوه.
الأول: أن القرآن معجزة تحدَّى الله به الإنس والجن، والحديث القدسي ليس كذلك.
الثاني: أن القرآن الكريم متعبَّدٌ بتلاوته، والحديث القدسي ليس كذلك.
الثالث: القرآن متواتِرٌ، نقله الجمع الغفير ممَّن بلغ الغاية في العدالة والضبط عن مثلهم، إلى النبي ﷺ ، والحديث القدسي منه الصحيح ومنه الحسن، ومنه الضعيف.
الرابع: لا تجوز رواية القرآن بالمعنى، بخلاف الحديث القدسي، فإنه يجوز أن يروى بمعناه، بشرط أن يكون الراوي محيطًا بالمعاني، فقيهًا بمباني الألفاظ واشتقاقها.
الخامس: لا يجوز للجنُبِ قراءة القرآن ولا مسَّ المصحف، ويجوز له قراءة الحديث القدسي ومسُّ الكتاب الذي يحتويه.
السادس: أن الله تكفَّلَ بحفظ القرآن، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
فلا يضيع حرف من حروفه حتى يأتي أمر الله.
بخلاف الحديث القدسي، فإنه قد يبدل لفظ من ألفاظه, أو ينسى بعضه بمرور الزمان، وذهاب الحافظين.
стр. 18
السابع: أنه من أنكر لفظًا من ألفاظ القرآن الكريم كفر؛ لأنه متواتر كله، بخلاف الحديث القدسي, فإنه من أنكر شيئًا منه لم يُعْلَمْ من الدين بالضورة لا يكفر، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان.
وأما إن قلنا: إن الحديث القدسي هو ما نَزَلَ من عند الله بمعناه دون لفظه، فلا يكون هناك ما يستدعي ذكر هذه الفروق.
وهذا القول هو الأولى بالقبول من سابقه.
قال محمد عبد الله دراز في كتابه "النبأ العظيم"١ مرجِّحًا هذا القول: "وهذا هو أظهر القولين فيه عندنا؛ لأنه لو كان منَّزلًا بلفظه لكان له في الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنَّظْمِ القرآني، إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منَزَّلَين من عند الله، فكان من لوازم ذلك وجوب المحافظة على نصوصه، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعًا, وحرمة مسِّ المحدِّث لصحيفته، ولا قائل بذلك كله.
وأيضًا فإن القرآن لما كان مقصودًا منه مع العمل بمضمونه شيء آخر وهو التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته احتيج لإنزال لفظه، والحديث القدسي لم ينزل للتحدُّث ولا للتعبُّد، بل لمجرد العمل بما فيه، وهذه الفائدة تحصل بإنزال معناه.
فالقول بإنزال لفظه، قول شيء لا داعي في النظر إليه, ولا دليل في الشرع عليه، اللهمَّ إلا ما قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى الله بصيغة "يقول الله ﵎ كذا".
لكن القرائن التي ذكرناها آنفًا كافية في إفساح المجال لتأويله بأن المقصود نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه، وهذا تأويل شائع في العربية، فإنك تقول حينما تنثر بيتًا من الشعر: "يقول الشاعر كذا", وتقول حينمًا تفسِّر آية من كتاب الله بكلام من عندك "يقول الله تعالى كذا"، وعلى هذه القاعدة حكى الله تعالى عن موسى وفرعون، وغيرهما مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم، وأسلوب غير أسلوبهم، ونسب ذلك إليهم.
стр. 19
فإن زعمت أنه لو لم يكن في الحديث القدسي شيء آخر مقدَّس وراء المعنى لصحَّ لنا أن نسمي بعض الحديث النبوي قدسيًّا أيضًا، لوجود هذا المعنى فيه, فجوابه: إننا لما قطعنا في الحديث القدسي بنزول معناه لورود النصِّ الشرعي عن نسبته إلى الله بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "قال الله تعالى كذا" سميناه قدسيًّا لذلك، بخلاف الأحاديث النبوية، فإنها لما لم يرد فيها مثل هذا النص، جاز في كل واحد منها أن يكون مضمونه معلمًا بالوحي، وأن يكون مستنبطًا بالاجتهاد والرأي، فسمي الكل نبويًّا وقوفًا بالتسمية عند الحدِّ المقطوع به، ولو كانت لدينا علامة تمييز لنا قسم الوحي لسميناه قدسيًّا كذلك".
стр. 20
المبحث الخامس: تنزلات القرآن
١- نزل القرآن أولًا من الله تعالى إلى اللوح المحفوظ بكيفية لا نعلمها، الله يعلمها.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ١.
"ومعنى إنزاله في اللوح المحفوظ مجرَّد إثباته فيه، من غير نظر إلى علوٍّ وسفل، وحكمة هذا النزول ترجع إلى الحكمة من وجود اللوح نفسه, فإنه السجل الجامع لما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، وقد بيَّن الله حكمة وجوده بقوله:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ٢، ٣.
٢- ثم نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة مباركة هي ليلة القدر.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ ٤.
وقال جل شأنه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ .
وقال عز من قائل:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ٥.
وليلة القدر من ليالي شهر رمضان كما هو معلوم.
فهذه الآيات الثلاث تدل بمجموعها على أن هذا القرآن العظيم قد نزل غير مُنَجَّمٍ, مما يدل على أنه نوع آخر من أنواع التنزُّلات غير النوع الذي أنزل على محمد ﷺ .
стр. 21
"وإنما قلنا ذلك جمعًا بين هذه النصوص في العمل بها، ودفعًا للتعارض فيما بينها، ومعلوم بالأدلة القاطعة -كما يأتي- أن القرآن أنزل على النبي ﷺ مفرَّقًا لا في ليلة واحدة، بل في مدى سنين عددًا، فتعيَّنَ أن يكون هذا النزول الذي نوَّهت -هذه الآيات الثلاث نزولًا آخر غير النزول على النبي ﷺ ، وقد جاءت الأخبار الصحيحة مبينة لمكان هذا النزول، وأنه في بيت العزة من السماء الدنيا.
أخرج الحاكم بسنده, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس أنه قال: "فُصِّلَ القرآن من الذكر"١ فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي ﷺ ".
وأخرج النسائي والحاكم والبيهقي من طريق داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس أنه قال: "أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أُنْزِل بعد ذلك في عشرين سنة"٢ ثم قرأ:
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٣.
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٤.
وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: "أُنْزِلَ القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض".
وأخرج ابن مردويه والبيهقي, عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال: أوقع في قلبي الشك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٥.
стр. 22
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ .
وهذا أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم, وصفر، وشهر ربيع، فقال ابن عباس: "إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ورسلًا في الشهور والأيام" قال أبو شامة: رسلًا أي: وفقًا، وعلى مواقع النجوم أي: مثل مساقطها.
يريد أنه أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم مفرقًا، يتلو بعضه بعضًا على تؤدة ورفق.
هذه أحاديث أربعة من جملة أحاديث ذكرت في هذا الباب، وكلها صحيحة كما قال السيوطي، وهي أحاديث موقوفة على ابن عباس، غير أن لها حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، لما هو مقرر من أن قول الصحابي مما لا مجال للرأي فيه، ولم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، حكمه حكم المرفوع، ولا ريب أن نزول القرآن إلى بيت العزة من أنباء الغيب التي لا تعرف إلّا من المعصوم، وابن عباس لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات, فثبت الاحتجاج بها.
وكان هذا النزول جملة واحدة في ليلة واحدة هي ليلة القدر كما علمت؛ لأنه المتبادر من نصوص الآيات الثلاث السابقة، وللتنصيص على ذلك في الأحاديث التي عرضناها عليك، بل ذكر السيوطي أن القرطبي نقل حكاية الإجماع على نزول القرآن جملةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا"١ والحكمة في هذا التنزل لا نعلمها على وجه اليقين, ولسنا مكلفين بمعرفتها.
وأبلغ الظن أنه تفخيم لشأن القرآن الكريم، وشأن من نزل عليه، بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزَّلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم.
стр. 23
٣- ومن بيت العزة نزل به جبريل ﵇ على قلب محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- منجَّمًا في نحو ثلاث وعشرين سنة هدًى للناس، وتبيانًا لكلِّ شيء، يتعلَّق به شأن من شئونهم الدنيوية والأخروية, قال -جلَّ شأنه- في سورة الشعراء:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١.
"والذي يجب الجزم به أن جبريل نزل بألفاظ القرآن المعجِزَة من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس, وتلك الألفاظ هي كلام الله وحده، لا دخل لجبريل ولا لمحمد ﷺ في إنشائها ولا في ترتيبها، فالألفاظ التي نقرؤها ونكتبها هي من عند الله، وليس لجبريل ﵇ في هذا القرآن سوى حكايته للرسول ﷺ , وليس للرسول ﷺ سوى وعيه وحفظه وتبليغه، ثم بيانه وتفسيره، ثم تطبيقه وتنفيذه"٢.
وقد تلقَّاه النبي ﷺ عن الله بواسطة جبريل ﵇ بقلبه، إذ هو المالك لجميع جوارحه؛ به يسمع، وبه يعقل، وبه يبصر.
وقد قال الله : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ﴾ .
للدلالة على أنَّ ما نزل عليه محفوظ بعناية الله تعالى, وأن الرسول ﵊ متمكن من تلقيه واستيعابه حفظًا وفهمًا.
"والقلب هو المخاطَبُ في الحقيقية؛ لأنه موضع التمييز والاختيار، وسائر الأعضاء مسخرة له.
يدل على ذلك القرآن والحديث والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب﴾ ٣.
стр. 24
وأما الحديث: فقوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة, إذا صلُحَت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
وأما المعقول: فإن القلب إذا غُشِّيَ عليه، وقطع سائر الأعضاء لم يحصل له شعور، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات"١.
هذا ما انتهى إليه علمنا في كيفية التلقي، لا تجاوزه إلى ما لا علم لنا به، ولا قدرة لنا على تحصيله وفهمه.
وقد كان الوحي ينزل على النبي ﷺ بكيفيات مختلفة، ويلقي إليه القرآن كما أمره ربه , فيسمعه الرسول ﷺ بأذنَي قلبه, والناس من حوله لا يسمعون شيئًا.
وهذا أمر من أمر الله، وآية من آيات قدرته الباهرة، وسرٌّ من أسراره الخفية, وبرهان على أن رسوله الكريم طراز فريد، له روح ليست كالأرواح البشرية, وله قلب من معدن خاصٍّ يسمع به ويرى ما لا يسمعه غيره ويراه.
стр. 25
المبحث السادس: تنجيم القرآن
عرفنا أن القرآن الكريم قد نَزَلَ من لدن الحكيم العليم إلى اللوح المحفوظ أولًا، بمعنى: أن الله أثبته فيه، كما أثبت كل شيء كان ويكون إلى ما شاء الله ﷻ ، وذلك لحكمة خفيت علينا.
وعرفنا أن القرآن الكريم قد نزل على النبي ﷺ منجمًا في نحو ثلاث وعشرين سنة، على حسب الوقائع والأحداث، ومقتضيات الأحوال, ولكن هل هو الكتاب الوحيد الذي نزل منجَّمًا؟
ذهب كثير من أهل العلم إلى أن التنجيم خصوصية من خصائص القرآن الكريم، بدليل أن الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم قالوا -شاكين ومشككين في صحة نزوله من الله تعالى على محمد ﷺ : هلَّا نزل هذا القرآن من الله جملة واحدة, كما أنزلت الكتب السابقة، فأبطل الله شبهتهم, وأبان عن الحكمة من إنزال القرآن على وجه الخصوص منجمًا بقوله:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ١.
والدليل على أن الكتب السماوية السابقة قد نزلت جملة واحدة, أن الله قد عدل عن الجواب على سؤالهم إلى بيان الحكمة من التنجيم، ولو كانت
стр. 26
الكتب السماوية السابقة نزلت مفرقة لكان يكفي في الردِّ عليهم أن يقول: إن ذلك سنة الله في الكتب التي أنزلها على الرسل السابقة.
والقول بأن الكتب السماوية نزلت جملة واحدة، هو مذهب كثير من رجال العلم.
ويرى القاسمي أنه لم يثبت على وجه قاطع أن الكتب السماوية نزلت جملة واحدة، ويرجِّح أنها نزلت منجَّمة بمقدار مكث النبي ﷺ ، فيقول في تفسيره النفيس المسمَّى بمحاسن التأويل، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ .
إلى قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ .
"يذكر المفسرون ههنا أن الآية ردٌّ على الكفرة في طلبهم نزول القرآن جملة، كنزول بقية الكتب جملة، ويرون أن القول بنزول بقية الكتب دفعة صحيح، فيأخذون لأجله في سرِّ مفارقة التنزيل له.
والحال أن القول بنزولها دفعة واحدة لا أصل له, وليس عليه أثارة من علم, ولا يصححه عقل، فإن تفريق الوحي وتمديد مدته بديهي الثبوت لمقدار مكث النبي ﷺ ، إذ ما دام بين ظهراني قومه فالوحي يتوارد تنزله ضرورة، ومن راجع التوراة والإنجيل الموجودين يتجلَّى له ذلك واضحًا لا مرية فيه، وعذر القائل به ظنه أن الآية تعريض بنزول غيره كذلك، وما كلّ كلام معرض به، وإنما الآية حكاية لاقتراح خاص، وتعنّت متفنِّن فيه -والله أعلم".
ورأي القاسمي عندي جدير بالاعتبار، للأسباب الوجيهة التي ذكرها، ولعدم الدلالة في الآية على ما ذهب إليه المفسرون على وجهٍ تطمئن إليه النفس، ولأن حاجة النبيين قاضية بتجدد الوحي على حسب مقتضيات الأحوال، وحاجتهم إلى التثبيت والمواساة، كحاجة نبينا ﷺ , فقد واجهوا أممًا عاتية لا تقلُّ في ضلالها وغلوائها عن أهل مكة.
стр. 27
وكانوا أيضًا في حاجة إلى دفع شبهات المشركين بالوحي الذي يتنزل عليهم, كحاجة نبينا ﷺ لذلك، فأصول الدين واحدة، وقلوب المشركين متشابهة، فكان تنجيم الكتب السماوية جميعًا أمرًا لا بُدَّ منه شرعًا وعقلًا -والله أعلم.
الحكمة من تنجيم القرآن:
أما الحكمة في نزول القرآن على النبي ﷺ منجَّمًا فقد أطلعنا الله عليها في محكم هذا التنزيل.
وهي تتلخص المقاصد الآتية:
١- تثبيت قلب النبي ﷺ ، وتسليته ومواساته، ورفع الحرج عنه، وإزالة ما يعتري صدره من ضيق وحزن، وإدخال السرور عليه الفَيْنَة بعد الفينة, ومده بالقوة التي تدفعه إلى المضي في دعوته، وتبليغ رسالته على خير وجه وأكمله، وتهوِّن عليه ما يلقاه من قومه من أذى وعنت وصدود، وليدفع عنه شبح اليأس كلما حام حوله، واعترض طريقه, لتظل همته دائمًا في الذروة العليا.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ١.
وقال -جل شأنه- في سورة هود: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ٢.
٢- ومن أهداف التنجيم أيضًا تيسير حفظ هذا القرآن العظيم على النبي ﷺ ، وعلى أصحابه، وقد كان أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب ولا عهد لهم بمثل هذا الكتاب المعجِز, فهو ليس شعرًا يسهل عليهم حفظه، ولا نثرًا يشبه كلامهم, يسهل عليهم نقله وتداوله، وإنما هو قول كريم, ثقيل في معانيه ومراميه، يحتاج المسلم في حفظه وتدبره إلى تريِّثٍ وتؤدة وإنعام نظر.
стр. 28
قال تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ .
"قال القاشاني: الترتيل هو أن يتخلَّل بين كل نجم وآخر مدة يمكن فيها ترسخه في قلبه, وأن يصير ملكة لا حالًا"١.
وقال جل شأنه: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٢.
"أي: نزَّلْنَاه مفرقًا منجَّمًا لتقرأه على الناس على مهل وتؤدة وتَثَبُّت، فإنه أيسر للحفظ، وأعون في الفهم ونزلناه تنزيلًا من لدنا على حسب الأحوال والمصالح"٣.
٣- ومن أهم الأهداف التي أُنْزِلَ من أجلها القرآن مفرَّقًا "التدرج بالأمة في تخليهم عن الرذائل، وتحليهم بالفضائل، والترقي بهم في التشريعات، فلو أنهم أُمِروا بكل الواجبات، ونُهوا عن جميع المنكرات دفعة واحدة لشقَّ عليهم، ولضعُفَت الهمم الصغيرة عن التجاوب والمسايرة.
تمامًا كالطبيب الذي يعطي المريض دواءه على جرعات, ولو أعطاه له مرة واحدة لتحقق أحد أمرين، إما رفض المريض للدواء والصد عنه، وإما القضاء عليه"٤.
٤- نزل القرآن منجَّمًا لمواكبة الحوادث، وهي متتجددة متعددة.
فكان كلما جَدَّ جديد من الأمور الصحية التي تتعلق بمصالح العباد في العاجل والآجل، جاء حكم الله فيها, فيرسخ في النفوس، وتتجاوب معه وترتضيه.
وفي القرآن آيات كثيرة نزلت على سبب أو أكثر، إذا جهل سببها لا يعرف حكمها، على ما سيأتي بيانه في أسباب النزول, فكم من قضية توقَّفَ النبي
стр. 29
صلى الله عليه وسلم- في البتِّ فيها، حتى نزل في شأنها قرآن يُتْلَى، فكان ما نزل فيها تقريرًا شافيًا، وحكمًا عادلًا، لا يستطيع أحدٌ رده، ولا يسع المسلمين إلّا قبوله والرضى به.
٥- الردّ على شبه المشركين، ودحض حجج المبطلين؛ إحقاقًا للحقِّ، وإبطالًا للباطل، كما قال تعالى:
﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ .
وفي ذلك لكيدهم في نحروهم أولًا بأوَّل، حتى يتمادوا في غيهم وإضلالهم لضعفاء النفوس منهم, وحتى لا يتأثَّر أحد من المسلمين بأقوالهم، فينعكس ذلك على إيمانه وطاعته لله رب العالمين، والقلوب تحتاج دائمًا إلى تطهير من الشبهات والوساوس الشيطانية، والهواجس النفسية، فكان القرآن الكريم كفيلًا بذلك كله، كما قال -جل شأنه:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ ١.
٦- وهناك أمر آخر يغفل عنه كثيرٌ من أهل العلم في حكمة التنجيم، وهو الدلالة على الإعجاز البياني، والتشريعي للقرآن، فإنه -وإن كان قد نزل مفرَّقًا في نحو ثلاث وعشرين سنة, وفي أوقات متباينة، وأحكام مختلفة، وحوادث متعددة, قد رُتِّبَ ترتيبًا عجبًا لا ترى فيه بترًا، ولا خللًا بين آياته، ولا تنافرًا بين ألفاظه، ولا تناقضًا في معانيه، ولا اختلافًا في مقاصده ومراميه.
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ٢.
إنه كلام الله تعالى قد استوت ألفاظه ومعانيه على محجة بيضاء، لا يعرف الناس لها عوجًا ولا أمتًا، وانتظمت في عقدٍ فريد لا يبلغ كلام أحد شأوه، ولا يعرف كنه جلاله وجماله إلا من أنزله.
стр. 30
المبحث السابع: أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل
مدخل
...
المبحث السابع: أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل
هذا بحث تاريخي مداره على النقل والتوقيف، ولا مجال للعقل فيه إلّا بالترجيح بين الأدلة, أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها، شأنه في ذلك شأن كثير من مباحث علوم القرآن، كمعرفة المكي والمدني, وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك.
ولهذا البحث فوائد منها:
١- تمييز الناسخ من المنسوخ, فيما إذا وردت آيتان أو آيات على موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هذه الآيات يغاير الحكم في الأخرى.
٢- معرفة تاريخ التشريع الإسلامي، ومراقبة سيره التدريجي، والوصول من وراء ذلك إلى حكمة الإسلام وسياسته في أخذه الناس بالهوادة والرفق، والبعد بهم عن غوائل الطفرة والعنف، سواء في ذلك هدم ما مردوا عليه من باطل، وبناء ما لم يحيطوا بعلمه من حق.
٣- إظهار مدى العناية التي أحيط بها القرآن الكريم حتى عُرِفَ فيه أول ما نزل، وآخر ما نزل، كما عُرِفَ مكيه ومدنيه، وسفرّيه وحضرّيه، إلى غير ذلك، ولا ريب أن هذا مظهر من مظاهر الثقة به، ودليل على سلامته من التغيير والتبديل: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١، ٢.
٤- ويضاف إلى هذه الفوائد فائدة أخرى، وهي معرفة الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم، عن طريق ربط أول ما نزل منه بآخره، فإن من ينظر في أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل يعرف الصلة الوثيقة بين آياته كلها في ألفاظها ومعانيها ومراميها، ويتبين له بوضوح أن أول ما نزل مقدمة تقود الباحث إلى ما في هذا الكتاب العزيز من مقاصد وعبر، وأحكام وحكم، وآخرما نزل يوجز
стр. 31
كل ما ورد فيه من تلك المقاصد والعِبَر، والأحكام والحكم, فيلتقي الآخر بالأول في نسق واحد، ونسج فريد لا تناقض فيه ولا اختلاف، كما ستعرف ذلك عند معرفة أول ما نزل من الآيات، وآخر ما نزل على الصحيح من أقوال المحققين.
وإني لا أتتبع هنا أول ما نزل وآخر ما نزل في كل باب من أبواب العبادات والمعاملات، أو في كل ضربٍ من أضرب الآداب الشرعية والأخلاق المرعية, فذاك أمر عسير يحتاج تتبعه واستقصاؤه إلى طاقات فكرية وعلمية لا تتوفر لأمثالي.
ولكني أتكلم هنا عن أوَّل ما نزل بإطلاق، وآخر ما نزل على الراجح من أقوال العلماء بإطلاق.
стр. 32
أول ما نزل بإطلاق:
١- اتَّفَق جمهور المحققين على أن أوَّلَ ما نزل من القرآن الكريم بإطلاقٍ أوائل سورة العلق، إلى قوله -جل شأنه: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
وذلك لما رواه البخاري ومسلم "واللفظ للبخاري", عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "أوَّلَ ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث١ فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوَّد لذلك, ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: أقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: أقرأ، قلت: ما أنا بقارئ, فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة ثم أرسلني، فقال: أقرأ باسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق, اقرأ وربك الأكرم. الحديث"٢.
стр. 33
وفي بعض الروايات: حتى بلغ "ما لم يعلم".
وهناك أحاديث كثيرة غير هذا الحديث، تفيد صراحةً أن هذه الآيات من سورة "العلق" هي أوَّل ما نزل من القرآن الكريم، ضربنا صفحًا عن ذكرها، مخافة التطويل.
٢- وقيل: إن أوَّلَ ما نزل من القرآن أوائل سورة المدثر، واستدلَّ أصحاب هذا القَوْلِ بما رواه البخاري ومسلم, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل قبل؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: أو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك﴾ , وفي رواية نبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَْ﴾ , فقال: أحدثكم ما حدَّثنا به رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : "إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت, فاستبطنت الوادي -زاد في رواية: فنوديت فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي- ثم نظرت إلى السماء فإذا هو "يعني: جبريل" -زاد في رواية: جالس على عرشٍ بين السماء والأرض- فأخذتني رجفة, فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .
لكن هذه الرواية ليست نصًّا فيما نحن بسبيله من إثبات أوَّل ما نزل من القرآن إطلاقًا، بل تحتمل أن تكون حديثًا عَمَّا نزل بعد فترة الوحي، وذلك هو الظاهر من رواية أخرى رواها الشيخان أيضًا، عن أبي سلمة, عن جابر أيضًا: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء, فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسيٍّ بين السماء والأرض, فجثثت ١ حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي، فقلت: زملوني، فزملوني, فأنزل الله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ .
قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان. أ. هـ.
стр. 34
"فظاهر هذه الرواية يدل على أن جابرًا استند في كلامه على أن أوَّل ما نزل من القرآن هو المدثر، إلى ما سمعه من رسول الله ﷺ ، وهو يحدِّث عن فترة الوحي، وكأنه لم يسمع بما حَدَّثَ به رسول الله ﷺ عن الوحي قبل فترته، من نزول الملك على الرسول ﷺ في حراء بصدر سورة اقرأ "كما روت عائشة", فاقتصر في إخباره على ما سمع ظانًّا أنه ليس هناك غيره، اجتهادًا منه، غير أنه أخطأ في اجتهاده بشهادة الأدلة السابقة في القول الأول، ومعلوم أن النصَّ يُقَدَّمُ على الاجتهاد، وأن الدليل إذا تطرَّق إليه الاحتمال، سقط به الاستدلال, فبطل إذًا القول الثاني، وثبت الأول"١.
أقول: لعل جابر بن عبد الله أراد أن أوائل المدثر نزل في أول الرسالة، وآيات سورة العلق نزلت في بدء النبوة، وبذلك يرتفع الإشكال بدليل قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ .
أول أن آيات المدثر من أوائل ما نزل، لا أول ما نزل على الإطلاق -والله أعلم.
стр. 35
آخر ما نزل:
اختلف العلماء في آخر ما نزل من القرآن على الإطلاق اختلافًا كثيرًا، لعدم وجود أثر صحيح مسند إلى رسول الله -صلى الهل عليه وسلم، يُعْتَمَد عليه في تحقيق ذلك على وجهٍ يقطع الخلاف، ويزيل الالتباس، وقد انتهت أقوال العلماء في هذا الأمر إلى عشرة أقوال أشهرها أربعة:
الأول: آخر ما نزل قوله تعالى في سورة البقرة:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ١.
стр. 36
أخرجه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس.
وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم قال: "آخر ما نزل من القرآن كله:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ، الآية.
وعاش النبي ﷺ بعد نزولها تسع ليال، ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول.
الثاني: إن آخر ما نزل هو قول الله تعالى في سورة البقرة أيضًا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
أخرجه البخاري عن ابن عباس، والبيهقي عن ابن عمر.
الثالث: أن آخر ما نزل آية الدَّيْن في سورة البقرة أيضًا, وهي قوله سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ .
إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ ٢.
وهي أطول آية في القرآن.
أخرج بن جُرَيج عن سعيد بن المسيب "أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدًا بالعرش آية الدين".
أخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال: "آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين".
ويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة بما قاله السيوطي ﵁ من أن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف؛ لأنها في قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح.
قال الزرقاني في مناهل العرفان٣ بعد أن سرد هذه الأقوال: "ولكن النَّفس تستريح إلى أن آخر هذه الثلاثة نزولًا هو قوله الله تعالى:
стр. 37
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
وذلك لأمرين:
أحدهما: ما تحمله هذه الآية في طيَّاتها من الإشارة إلى ختام الوحي والدين، بسبب ما تحثّ عليه من الاستعداد ليوم المعاد، وما تنوّه به من الرجوع إلى الله، واستيفاء الجزاء العادل من غير غبنٍ ولا ظلم، وذلك كله أنسب بالختام من آيات الأحكام المذكورة في سياقها.
ثانيهما: التنصيص في رواية ابن أبي حاتم السابقة على أن النبي ﷺ عاش بعد نزولها تسع ليالٍِ فقط، ولم تظفر الآيات الأخرى بنص ِّمثله".
الرابع: أن آخر ما نزل هو سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ رواه مسلم عن ابن عباس.
ولكنك تستطيع أن تحمل هذا الخبر على أن هذه السورة آخر ما نزل مشعِرًا بوفاة النبي ﷺ ، ويؤيده ما روي من أنه ﷺ قال حين نزلت: "نعيت إلى نفسي"، وكذلك فهم بعض كبار الصحابة.
كما ورد أن عمر ﵁ بكى حين سمعها وقال: "الكمال دليل الزوال".
ويحتمل أيضًا أنها آخر ما نزل من السور فقط, ويدل عليه رواية ابن عباس: آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ .
ويظن بعض أهل العلم أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١.
والحق أنها ليست آخر ما نزل بإطلاق.
стр. 38
ولعلك لم تنس أن آية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه﴾ .
كانت آخر الآيات نزولًا على الإطلاق، وأن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليالٍ فقط، وتلك قرينة تمنعنا أن يفهم إكمال نزول القرآن من إكمال الدين في آية المائدة المذكورة.
والأقرب أن يكون معنى إكمال الدين فيها يومئذ هو إنجاحه وإقراره، وإظهاره على الدين كله، ولو كره الكافرون.
стр. 39
المبحث الثامن: جهات نزول القرآن
...
المبحث الثامن: جهات نزل القرآن
نعني بالجهات: الأماكن التي نزل فيها القرآن على النبي ﷺ ، وهي كثيرة.
فمنه ما نزل بمكة، ومنه ما نزل بالمدينة، ومنه ما نزل بالجحفة، ومنه ما نزل ببيت المقدس، ومنه ما نزل بالطائف، ومنه ما نزل بالحديبية.
وقد حاول الباحثون أن يتتبعوا ما نزل في هذه الأماكن وغيرها، معتمدين في ذلك على الروايات الصحيحة، ليستعينوا بمعرفة جهات النزول على فهم الأحكام الشرعية التي تضمنتها الآيات، وليعرفوا الناسخ منها والمنسوخ، وغير ذلك من الفوائد التي سيأتي بيانها.
وقد نقل السيوطي في الإتقان١ عن أبي القاسم النيسابوري في كتابه "التنبيه على فضل علوم القرآن" قوله:
"من أشرف علوم القرآن علم نزوله، وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني, وما نزل بالمدينة وحكمه مكيّ، وما نزل بمكة من أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيعًا، وما نزل مفردًا، والآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكيات في السور المدنية، وما حُمِلَ من مكة إلى المدينة, وما حُمِلَ من المدينة إلى مكة، وما حُمِلَ من المدينة إلى أرض الحبشة، وما أُنْزِلَ مجملًا، وما نزل مفصَّلًا، وما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدني وبعضهم مكي.
فهذه خمسة وعشرون وجهًا مَنْ لم يعرفها ويميِّزُ بينها, لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى".
стр. 40
أقول: في هذا الكلام شيء من المبالغة؛ لأن معرفة هذه الوجوه كلها لا يترتب عليها فوائد ذات بال.
ومعرفتها جميعًا من فضول العلم لا من أصوله، وقوله: "مَنْ لم يعرفها ويميِّز بينها لم يحِلّ له أن يتكلم في كتاب الله تعالى" حكم غير صحيح، فإن أراد بعضها كمعرفة المكي والمدني، فمسلم.
والصحابة -رضوان الله عليهم- لم يكونوا يعرفون هذه الوجوه جميعًا، ومع ذلك كانوا يتكلمون في كتاب الله تعالى بما انتهى إليه علمهم عن الصادق المصدوق ﷺ ، أو وصل إليه فهمهم للآيات إذا لم يكن فيها بيان عن الرسول ﷺ بقولٍ منه أو بفعل.
نقل الزركشي في البرهان عن القاضي أبي بكر في الانتصار: إن هذا يرجع إلى حفظ الصحابة وتابعيهم, غير أنه لم يكن من النبي ﷺ في ذلك قول, ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أنَّ قدر ما نزل بمكة كذا، وبالمدينة كذا، وفصَّله لهم، ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله؛ لأنه لم يؤمر به, ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة.
وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليُعْرَف الحكم الذي تضمنها، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول ﷺ ، وقوله هذا هو الأول المكي، وهذا هو الآخر المدني.
وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبوا أنَّ من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا يسوغ الجهل به، لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكي أو مدني، وأن يعملوا في القول بذلك ضربًا من الرأي والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذِكر المكي والمدني، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه، مكية أو مدنية.