← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 10002

دراسات في علوم القرآن - محمد بكر إسماعيل

محمد بكر إسماعيل

Полный текст (465 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أخرجه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس. وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم قال: "آخر ما نزل من القرآن كله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ، الآية. وعاش النبي ﷺ بعد نزولها تسع ليال، ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول. الثاني: إن آخر ما نزل هو قول الله تعالى في سورة البقرة أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. أخرجه البخاري عن ابن عباس، والبيهقي عن ابن عمر. الثالث: أن آخر ما نزل آية الدَّيْن في سورة البقرة أيضًا, وهي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ . إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ ٢. وهي أطول آية في القرآن. أخرج بن جُرَيج عن سعيد بن المسيب "أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدًا بالعرش آية الدين". أخرج أبو عبيد في الفضائل عن ابن شهاب قال: "آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين". ويمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة بما قاله السيوطي ﵁ من أن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف؛ لأنها في قصة واحدة، فأخبر كل عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح. قال الزرقاني في مناهل العرفان٣ بعد أن سرد هذه الأقوال: "ولكن النَّفس تستريح إلى أن آخر هذه الثلاثة نزولًا هو قوله الله تعالى:

стр. 37

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ . وذلك لأمرين: أحدهما: ما تحمله هذه الآية في طيَّاتها من الإشارة إلى ختام الوحي والدين، بسبب ما تحثّ عليه من الاستعداد ليوم المعاد، وما تنوّه به من الرجوع إلى الله، واستيفاء الجزاء العادل من غير غبنٍ ولا ظلم، وذلك كله أنسب بالختام من آيات الأحكام المذكورة في سياقها. ثانيهما: التنصيص في رواية ابن أبي حاتم السابقة على أن النبي ﷺ عاش بعد نزولها تسع ليالٍِ فقط، ولم تظفر الآيات الأخرى بنص ِّمثله". الرابع: أن آخر ما نزل هو سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ رواه مسلم عن ابن عباس. ولكنك تستطيع أن تحمل هذا الخبر على أن هذه السورة آخر ما نزل مشعِرًا بوفاة النبي ﷺ ، ويؤيده ما روي من أنه ﷺ قال حين نزلت: "نعيت إلى نفسي"، وكذلك فهم بعض كبار الصحابة. كما ورد أن عمر ﵁ بكى حين سمعها وقال: "الكمال دليل الزوال". ويحتمل أيضًا أنها آخر ما نزل من السور فقط, ويدل عليه رواية ابن عباس: آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ . ويظن بعض أهل العلم أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١. والحق أنها ليست آخر ما نزل بإطلاق.

стр. 38

ولعلك لم تنس أن آية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه﴾ . كانت آخر الآيات نزولًا على الإطلاق، وأن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليالٍ فقط، وتلك قرينة تمنعنا أن يفهم إكمال نزول القرآن من إكمال الدين في آية المائدة المذكورة. والأقرب أن يكون معنى إكمال الدين فيها يومئذ هو إنجاحه وإقراره، وإظهاره على الدين كله، ولو كره الكافرون.

стр. 39

المبحث الثامن: جهات نزول القرآن ... المبحث الثامن: جهات نزل القرآن نعني بالجهات: الأماكن التي نزل فيها القرآن على النبي ﷺ ، وهي كثيرة. فمنه ما نزل بمكة، ومنه ما نزل بالمدينة، ومنه ما نزل بالجحفة، ومنه ما نزل ببيت المقدس، ومنه ما نزل بالطائف، ومنه ما نزل بالحديبية. وقد حاول الباحثون أن يتتبعوا ما نزل في هذه الأماكن وغيرها، معتمدين في ذلك على الروايات الصحيحة، ليستعينوا بمعرفة جهات النزول على فهم الأحكام الشرعية التي تضمنتها الآيات، وليعرفوا الناسخ منها والمنسوخ، وغير ذلك من الفوائد التي سيأتي بيانها. وقد نقل السيوطي في الإتقان١ عن أبي القاسم النيسابوري في كتابه "التنبيه على فضل علوم القرآن" قوله: "من أشرف علوم القرآن علم نزوله، وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني, وما نزل بالمدينة وحكمه مكيّ، وما نزل بمكة من أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيعًا، وما نزل مفردًا، والآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكيات في السور المدنية، وما حُمِلَ من مكة إلى المدينة, وما حُمِلَ من المدينة إلى مكة، وما حُمِلَ من المدينة إلى أرض الحبشة، وما أُنْزِلَ مجملًا، وما نزل مفصَّلًا، وما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدني وبعضهم مكي. فهذه خمسة وعشرون وجهًا مَنْ لم يعرفها ويميِّزُ بينها, لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى".

стр. 40

أقول: في هذا الكلام شيء من المبالغة؛ لأن معرفة هذه الوجوه كلها لا يترتب عليها فوائد ذات بال. ومعرفتها جميعًا من فضول العلم لا من أصوله، وقوله: "مَنْ لم يعرفها ويميِّز بينها لم يحِلّ له أن يتكلم في كتاب الله تعالى" حكم غير صحيح، فإن أراد بعضها كمعرفة المكي والمدني، فمسلم. والصحابة -رضوان الله عليهم- لم يكونوا يعرفون هذه الوجوه جميعًا، ومع ذلك كانوا يتكلمون في كتاب الله تعالى بما انتهى إليه علمهم عن الصادق المصدوق ﷺ ، أو وصل إليه فهمهم للآيات إذا لم يكن فيها بيان عن الرسول ﷺ بقولٍ منه أو بفعل. نقل الزركشي في البرهان عن القاضي أبي بكر في الانتصار: إن هذا يرجع إلى حفظ الصحابة وتابعيهم, غير أنه لم يكن من النبي ﷺ في ذلك قول, ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أنَّ قدر ما نزل بمكة كذا، وبالمدينة كذا، وفصَّله لهم، ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله؛ لأنه لم يؤمر به, ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة. وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليُعْرَف الحكم الذي تضمنها، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول ﷺ ، وقوله هذا هو الأول المكي، وهذا هو الآخر المدني. وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبوا أنَّ من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا يسوغ الجهل به، لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكي أو مدني، وأن يعملوا في القول بذلك ضربًا من الرأي والاجتهاد، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذِكر المكي والمدني، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه، مكية أو مدنية.

стр. 41

فيجوز أن يقف في ذلك، أو يغلب على ظنه أحد الأمرين، وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا، أو شهرته في الناس، ولزوم العلم به لهم, ووجوب ارتفاع الخلاف فيه. لهذا لا يجب أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن كل هذه الوجوه التي ذكرها أبو القاسم النيسابوري, ولكننا نكتفي بما تتعلق به فائدة في معرفة حكم من أحكام الدين. وأشهر ما يعنى به العلماء من هذه الوجوه معرفة المكي والمدني. وفيما يلي بيان ما اصطلحوا على تسميته مكيًّا، وما اصطلحوا على تسميته مدنيًّا، ومناقشة هذه المصطلحات بإيجاز.

стр. 42

المبحث التاسع: المكي والمدني مدخل ... البحث التاسع: المكي والمدني للعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات: الأول -وهو الأولى والأشهر: أن المكي ما نزل قبل هجرته ﷺ إلى المدينة، وإن كان نزوله بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة. وهذا التعريف جامع مانع، روعي فيه زمان النزول، وهو أولى من رعاية المكان؛ لأن معرفة التدرج في التشريع ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وغير ذلك من الفوائد متوقفة على معرفة المتقدِّم والمتأخِّر في الزمان، لهذا كان هذا التعريف هو المعتمد عند أكثر أهل العلم. وعليه تكون آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ ١ -مثلًا- مدنية، مع أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة في حجة الوداع. وكذلك آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٢. فإنها مدنية مع أنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم. وقل مثل ذلك فيما نزل بأسفاره ﵊؛ كفاتحة سورة الأنفال، وقد نزلت ببدر، فإنها مدنية لا مكية على هذا الاصطلاح المشهور. الثاني من المصطلحات: أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، ويدخل في مكة ضواحيها، كالمنزَّل على النبي ﷺ بِمِنَى وعرفات والحديبية، ويدخل في المدينة ضواحيها أيضًا، كالمنزَّل عليه في بدر وأحد، وهذا التقسيم لوحظ فيه مكان النزل كما ترى.

стр. 43

وهذا التعريف لما روعي فيه المكان لم يكن ضابطًا صحيحًا لاختلاف الأماكن التي نزل فيها القرآن، بخلاف التعريف الأول، فإنه يحدِّد المكي بزمان معين، وهو ما قبل الهجرة، ويحدِّد المدني بزمان معين، وهو ما كان بعد الهجرة، ونحن نعلم أن من القرآن ما لم ينزل بمكة ولا بالمدينة, بل أنزل بأماكن أخرى متباعدة. فقوله تعالى -مثلًا- في سورة التوبة: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ ١، نزلت بتبوك. وقوله -جل شأنه- في سورة الزخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ٢. فإنها نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء. الثالث: أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة. وعليه يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قال: إن ما صدر في القرآن بلفظ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ فهو مكي، وما صدر فيه بلفظ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني؛ لأن الكفر كان غالبًا على أهل مكة؛ فخوطبوا بيا أيها الناس، وإن كان غيرهم داخلًا فيهم، ولأن الإيمان كان غالبًا على أهل المدينة، فخوطبوا بيا أيها الذين آمنوا، وإن كان غيرهم داخلًا فيهم أيضًا، وأَلْحَق بعضهم صيغة ﴿يَا بَنِي آَدَم﴾ بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ . أخرج أبو عبيد في فضل القرآن عن ميمون بن مهران قال: "ما كان في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ أو ﴿يَا بَنِي آَدَم﴾ فإنه مكي، وما كان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه مدني.

стр. 44

وهذا التعريف غير ضابط، لأنه لوحظ فيه المخاطبون، فإن في المكي ما صدر بيا أيها الذين آمنوا، وفي المدني ما صدر بيا أيها الناس. وفيهما ما لم يصدر بأحداهما. سورة الحج -مثلًا- مكية وفي آخرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. وسورة النساء مدينة وأولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ ٢. ومن ذلك في المكي والمدني كثير. ويمكننا أن نقول: إن هذا التعريف يجري مجرى الغالب، إلّا أنه من شأن التعريف أن يكون جامعًا مانعًا، وجريانه مجرى الغالب لا يجعله كذلك. فالمراد لا يدفع الإيراد -كما يقولون.

стр. 45

ضوابط كلية لتمييز المكي من المدني: علمنا أن طريق معرفة المكي والمدني من القرآن النقل الصحيح عن الصحابة، ثم عن التابعين ومَنْ بعدهم، وعلمنا أن أشهر المصطلحات وأصحَّها في تعريف المكي والمدني, هو أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، ونريد أن نعرف هنا أن هناك ضوابط كلية لمعرفة كلٍّ منهما، مبناها على الغالب والكثير ترجع إلى اللفظ، أو إلى أمور معنوية، وأن هناك أيضًا خواص ومزايا، ومقاصد وأغراض، انفرد بها كلٌّ منهما عن الآخر، وهي أمور دقيقة يتوقف إدراكها على شيء من إعمال الفكر، وإنعام النظر، ومعرفة واسعة بعلوم الشريعة واللغة.

стр. 46

ويلاحظ أن هذه الضوابط توجد في بعض السور دون بعض، فإذا وجد في سورة من السور شيء من هذه الضوابط عُلِمَ أنها مكية أو مدنية. فيما يلي بيان بعض هذه الضوابط بإيجاز: ١- كل سورة فيها لفظ "كَلَّا" فهي مكية، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة، كلها في النصف الأخير؛ لأن هذا النصف نزل أكثره بمكة، وأكثرهم جبابرة، فتكررت فيه على وجه التهديد. ٢- كل سورة في أولها حرف من حروف المعجم مثل "المص -ق - ن" فهي مكية، إلّا الزهراوين١، وفي الرعد خلاف. ٣- كل سورة فيها سجدة فهي مكية. ٤- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الماضية, فهي مكية سوى البقرة فهي مدنية، وكذا آل عمران. ٥- كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية، سوى البقرة. ٦- كل سورة فيها ذكر الجهاد، من الإذن فيها وبيان أحكامه، فهو مدنية، وكذا ما يتعلق به كالمعاهدات. ٧- كل سورة فيها ذِكْرُ المنافقين فهي مدينة، ما عدا سورة العنكبوت، والتحقيق أن سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الأولى منها، وهي إحدى عشرة، فإنها مدنية، وهي التي ذُكِرَ فيها المنافقون. ٨- كل سورة فيها ذكر الحدود والفرائض فإنها نزلت بالمدينة، والمراد بالفريضة هنا فريضة الميراث، لا مطلق الفريضة، وإلّا ففي المكي فرائض كثيرة كالصلاة والعدل، والتواضي بالحق، والتواصي بالصبر، والوفاء بالعهد وغيرها. وقد اشتهرت أحكام الميراث باسم الفرائض، حتى قال ﷺ -كما روى الإمام أحمد بإسناد صحيح: "أفرضكم زيد".

стр. 47

مقاصد المكي والمدني: القرآن الكريم بوجه عام كتاب هداية، ومنهج حياة، بيَّن الله فيه للناس ما يجب لهم، وما يجب عليهم، وما يحل لهم، وما يحرم عليهم، بأسلوب واضح ناصع البيان، وقد كان في مرحلته الأولى يمتاز بمميزات تأسيسية عقدية وشرعية مجمَلة، وكان في مرحلته الثانية يمتاز بمميزات فرعية تابعة لما سبقها, مفصِّلَةٌ لها، ومبينة لشروطها وأسبابها وعللها، وغير ذلك مما يقتضيه مقام البيان والتفصيل. فما نزل بالمدينة تابع لما نزل بمكة في أصوله العامة, ومحمولٌ عليه، ومؤيِّدٌ لها. وإليك بيان ما امتاز به القرآن المكي عن القرآن المدني، وبيان ما امتاز به المدني عن المكي بوجه عام: ١- يعنى القرآن المكي أولًا بترسيخ الأصول الاعتقادية التي جاءت بها جميع الشرائع السماوية. وهي توحيد الله ، وإفراده بالعبادة، وتنزيهه عن كل ما لا يليق بذاته تعالى، وتصديق الرسل في كل ما جاءوا به، والإيمان بالكتب المنزَّلة، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، إلى آخر ما هنالك من الأصول الاعتقادية. ٢- وعُنِيَ القرآن المكي أيضًا كلَّ العناية بالقضاء على ما ورثوه عن آبائهم، وما ابتدعوه من عند أنفسهم من عادات سيئة، ومعتقدات فاسدة، كسفك الدماء، وأكل مال اليتيم، ووأد البنات، والتطفيف في الكيل والميزان، وغير ذلك من الرذائل. ٣- ودعاهم إلى أصول التشريعات العامة، والآداب السامية، بوصفها برهانًا عمليًّا على سلامة الفطرة وصحة الاعتقاد. وهذه الأصول التي دعاهم إليها القرآن المكي فصَّلها القرآن المدني، ووضع لها الشروط والقواعد والضوابط، كما سيأتي بيانه بعد قليل.

стр. 48

٤- ولتثبيت هذه الأصول والمعتقدات الصحيحة في قلوب الناس جميعًا؛ مؤمنين وكافرين، عُنِيَ القرآن المكي عناية فائقة بأخبار الأنبياء والأمم السابقة، لما فيها من عظاتٍ وعِبَرٍ وتبيانٍ لسنة الله تعالى في هلاك المكذبين، ونجاة المؤمنين. ولقد كان إيراد القصص في القرآن المكي بكثرةٍ من أبلغ الأدلة على أن القرآن كان وحيًا من الله تعالى. ولو تأخَّر إيراده إلى العهد المدني، لقال الكفار: تعلمه محمد ﷺ من أهل الكتاب, ولكان لقولهم هذا مبرِّرٌ على نحوٍ ما؛ لأن أهل الكتاب كانوا على علمٍ ما بقصص الأنبياء، وأخبار الأمم. ولقد قال المشركون في مكة: إنما يعلمه بشر، وادعوا أنه يخلو إلى غلام رومي، ويتلقى عنه هذا القرآن، ولم يكن لقولهم هذا شاهد من العقل، ولا من الواقع. قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ١. فلو قالوا عن القرآن المدني: تعلَّمه محمد من اليهود حين جاورهم واتصل بهم، قيل لهم: ومَنْ الذي علمه القرآن الذي نزل عليه بمكة، متضمنًا من أخبار الأولين والآخرين ما لا يعلمه اليهود ولا غيرهم. ٥- ومن خواص هذا القسم قِصَرُ معظم آياته وسوره, ولا سيما أوائل ما نزل، ولعل ذلك كان كذلك ليتمكن المؤمنون من حفظه بسهولة ويسر، فهم في أول عهدهم به لم تتعوَّد ألسنتهم على النطق به مرتلًا كما أمر الله تعالى أن يُتْلَى، وفيهم الشيخ الكبير، والمرأة المسنة، والطفل الصغير، وأكثرهم أمِّيُّون، فكيف يستطيعون قراءة الآيات الطويلة المقاطع، وهم لم يتعودوا بعد على مثل

стр. 49

ذلك، فكان من رحمة الله بهم أن أنزل الله هذه السور القصيرة في آيتها ومقاطعها ليتمكنوا من حفظها وتلاوتها في يسر ونشاط. وأمَّا مقاصد القرآن المدني فهي -كما قلنا- تابعة للمقاصد السابقة، ومبنية عليها، ومبيِّنَة لمجملها، ويمكننا أن نجملها فيما يلي: ١- بيان الأحكام العقدية والشرعية بالتفصيل، بيانًا يكشف دقائقها وأسبابها، وشروط صحتها، والحكمة من تشريعها. ٢- ظهرت في العهد المدني تشريعات لم تكن في العهد المكي، مثل مشروعية الصوم، ومشروعية القتال، وفريضة الحج، وتحريم الخمر، وتحريم الربا، وغير ذلك. ٣- الكشف عن أحوال المنافقين الذين كانوا أشدَّ الناس خطرًا على الإسلام والمسلمين، وبيان ما انطوت عليه نفوسهم من خبث ومكر وخداع، وحرصٍ وطمع، وإعلام المسلمين بمآلهم بعد إعلامهم بحالهم، وإيصائهم باتخاذ الحيطة والحذر من كيدهم وألاعيبهم، ومراقبتهم في جميع تصرفاتهم المغرضة، ومجاهدتهم بالحجة والبرهان، والإغلاظ عليهم في القول والمعاملة، مع بذل النصح لهم بالرجوع إلى الله تعالى، والتمسُّك بدينه الحنيف. ٤- دعوة أهل الكِتَاب إلى الإسلام ومجادلتهم بالحُجَّة والبرهان في معتقاداتهم الباطلة، وشبههم المزيفة، وبيان جناياتهم على الكتب السماوية بالتحريف والتبديل، وردِّهم عن غيِّهم إلى الرشد الذي جاءهم به الإسلام.

стр. 50

فائدة العلم بالمكي والمدني: بعد أن عرفنا ما هو المكي والمدني، وخصائص كلٍّ منهما، يجدُر بنا أن نختم هذا البحث ببيان ما يعود على الباحثين فيه من الفوائد، فنقول: ١- تمييز الناسخ من المنسوخ، فيما لو وردت آيتان أو أكثر مختلفة الحكم، وعلمنا أن إحداها مكية، والأخرى مدنية، فإننا نحكم حينئذ بأن المدنية ناسخة للمكية لتأخرها عنها.

стр. 51

٢- معرفة تاريخ التشريع، والوقوف على سنة الله في التدرج بالأمة من الأصول إلى الفروع، ومن الأخفِّ إلى الأثقل، وهذا يترتب عليه الإيمان بسموِّ السياسة الإسلامية في تربية الفرد والجماعة. ٣- تفيد هذه الدراسة في الوقوف على الخصائص البلاغية لكلٍّ من المكي والمدني، والكشف عن ظواهرها المختلفة، ومقارنة بعض هذه الظواهر ببعض، والبحث في مواضع الجمال في كلٍّ منهما من غير تفضيل ولا موازنة، لأن القرآن كله متساوٍ في الفصاحة والبلاغة، والحلاوة والطلاوة والجمال، على ما سيأتي بيانه عند الكلام على أسلوب القرآن وبيان إعجازه. لهذا عُنِيَ المسلمون عناية فائقة بتتبُّع ما نزل بمكة، وما نزل بالمدينة، بل عُنِيَ بعضهم بتتبع جهات النزول في أمكانها وأوقاتها المختلفة، وبذلوا في ذلك جهودًا مضنية. وفي ذلك دليل على سلامة القرآن من أي تغيير أو تحريف، فقد تلقَّاه الجمع الغفير من التابعين عن الجمع الغفير من الصحابة، وتلقَّاه الأواخر عن الأوائل بالمشافهة والتلقين, مع الوقوف على أماكن نزوله وأوقاته وأسبابه، وغير ذلك مما يتصل بألفاظه ومعانيه ومقاصده. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.

стр. 52

المبحث العاشر: آيات القرآن وترتيبها معنى الآية ... المبحث العاشر: آيات القرآن وترتيبها عرفت فيما سبق أن القرآن الكريم قد نزل منجَّمًا في نحو ثلاث وعشرين سنة، على حسب الحوادث والوقائع ومقتضيات الأحوال. وتعرف في هذا البحث -إن شاء الله تعالى: معنى الآية وطريق معرفتها، وسبب اختلاف العلماء في عد الآي، وفوائد معرفة الآي، وخلاف العلماء في ترتيبها، وغير ذلك مما يقتضيه مقام البحث. معنى الآية: ١- تطلق الآية في اللغة على المعجزة، والعلامة، والدليل، والعبرة، والأمر العجيب. وهذه المعاني كلها مرادة في تسمية القطعة ذات المبتدى والمنتهى، المدرَجَة في السورة من القرآن. فالآية القرآنية معجزة، يعجز الجن والإنس عن الإتيان بمثلها، إذا كانت في مثل سورة الكوثر طولًا١. وهي أمر عجيب غاية في العجب لما لها من حلاوة وطلاوة، وتأثير خاص يأخذ بتلابيب العقول، ومجامع القلوب. وهي علامة على أنها من عند الله تعالى، لا يسع القارئ والسامع إلّا أن يشهد بذلك طوعًا أو كرهًا. وهي دليل قاطع على صدق من نزلت عليه؛ لأنه أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجلس في حياته إلى معلم. وهي عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن اتعظ، تقشعرُّ منها جلود الذين يخشون ربهم، وتلين قلوبهم إلى ذكر الله.

стр. 53

ولسنا في حاجة إلى ذكر الشواهد على ذلك، فهي كثيرة قد استوعبها هذا الكتاب المبين. ٢- والآية القرآنية في اصطلاح العلماء: طائفة من القرآن لها مبدأ ومقطع, مندرجة في سورة.

стр. 54

طريق معرفة الآي: طريق معرفة الآية القرآنية هو السماع من النبي ﷺ . فقد كان يحدِّد بقراءته مبادئ الآيات وخواتيمها، حتى علم ذلك أصحابه، فنلقوا إلينا عدد الآيات في كل سورة كما وقفوا عليه من قراءته ﷺ . قال الزمخشري: الآيات علم توقيفي لا مجال للقياس فيه، ولذلك عدوا ﴿الم﴾ حيث وقعت -وهي ست- و ﴿المص﴾ ، ولم يعدوا ﴿المر﴾ ولا ﴿الر﴾ وهي في خمسة سور، وعدوا ﴿حَم﴾ آية في سورها، وهي سبعة، و ﴿حم، عسق﴾ آيتان. وكذا ﴿طه﴾ و ﴿يس﴾ ، ولم يعدوا ﴿طس﴾ النمل و"طسم" آية في الشعراء والقصص. ومما يدل على أنه توقيفي أيضًا, قول ابن العربي: ذكر النبي -صلى اله عليه وسلم- أن الفاتحة سبع آيات، وسورة الملك ثلاثون آية، وصحَّ أنه قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران. قال: وفي آياته طويل وقصير، ومنه ما ينقطع ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائه كقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ على مذهب أهل المدينة, فإنه يعدونها آية، وينبغي أن يعوَّل في ذلك على فعل السلف١.

стр. 55

سبب الخلاف في عد الآي: سبب اختلاف السلف في عد الآي، أن النبي ﷺ كان يقف على رءوس الآي ليعلمهم أوائلها وأواخرها، فلما رآهم قد عرفوا ذلك صار يقف أحيانًا على ما يتم به المعنى، فحسب بعضهم أن ما وقف عليه رأس آية. ومن هنا اختلفوا في عد الآي. أضف إلى ذلك أن بعضهم كان يَعُدُّ البسملة آية من السورة. فسورة الفاتحة -مثلًا- عند الجمهور سبع آيات، لكنهم اختلفوا فيما بينهم في البسلمة، هل هي آية من الفاتحة أم ليست بآية منها. فمن عدَّها آية من الفاتحة كالكوفيين والمكيين، لم يعتبر: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ رأس آية. ومن لم يعدها آية من الفاتحة -وهم من سوى أهل الكوفة وأهل مكة- يعدون: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ آية، ويقفون عليها. فوائد معرفة الآي: لمعرفة الآيات فوائد كثيرة منها: ١- إدراك الحد الذي يقع به الإعجاز، فقد صحَّ عند المحققين أن الآية الواحدة إذا كانت في طول سورة "الكوثر" وقع بها التحدي، وثبت عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثلها، وسيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل عند الكلام على الإعجاز -إن شاء الله تعالى. ٢- معرفة ما يجزئ من القراءة في الصلاة بعد الفاتحة، فإن أقلَّ ما يجزئ فيها قراءة سورة أو آية في طولها أو ثلاث آيات، تقوم مقامها على خلاف يسير في ذلك بين الفقهاء. ٣- اعتبارها فيمن جهل الفاتحة، فإنه يجب عليها بدلها سبع آيات، واعتبارها في خطبة الجمعة، فإنه يجب فيها قراءة آية كاملة, ولا يكفي شطرها -قاله السيوطي في الإتقان. والعجيب فيمن يجهل الفاتحة كيف يحفظ من القرآن سبع آيات تقوم مقامها في الصلاة. ٤- معرفة الوقف والابتداء، فإنَّ مَنْ عرف أوائل الآيات وأواخرها أمكنه أن يقف على رأس كل آية، والبدء بالآية التي بعدها.

стр. 56

ترتيب الآي: اتفق العلماء على أن ترتيب آيات القرآن كانت بتوقيف من النبي ﷺ تلقاه من ربه بطريق الوحي. وقد حكى الإجماع في ذلك غير واحد من المحققين. كما ذكر الزركشي في البرهان، والسيوطي في الإتقان وغيرهما، وقد ورد في ذلك نصوص مترادفة تدل على ذلك منها: ما أخرجه أحمد بإسناد حسن, عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ إذ شَخَصَ ببصره، ثم صوَّبَه، ثم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذه الموضع من هذه السورة". ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ١. إلى آخرها. ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ٢ قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئًا منه من مكانه. ومن النصوص الدالة على ذلك إجمالًا ما ثبت من قراءته ﷺ لسور عديدة كسورة البقرة وآل عمران في الصلاة وغيرها، بمسمَعٍ من الصحابة، وما كان الصحابة ليرتِّبوا ترتيبًا سمعوا النبي ﷺ يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك التواتر. وروى الترمذي والحاكم وابن حبَّان وأبو داود وأحمد من حديث ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَنْ كان يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". حسَّنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم.

стр. 57

المبحث الحادي عشر: سور القرآن وترتيبها تعريف السورة ... المبحث الحادي عشر: سور القرآن وترتيبها نتكلم في هذا المبحث عن معنى السورة لغة واصطلاحًا، وعن الحكمة من تسوير القرآن، وتقسيم السور بحسب الطول والقصر، وعن أسماء السور, هل كانت بتوقيف من الرسول ﷺ أم باجتهاد من الصحابة -رضوان الله عليهم. ثم نتحدث عن ترتيب السور، هل كان بالتوقيف أم بالاجتهاد، أم كان بعضها بالتوقيف، وبعضها بالاجتهاد، مع بيان الراجح من هذه الأقوال بالدليل، والله المستعان. تعريف السورة: عرفت فيما سبق تعريف الآية لغة واصطلاحًا, ونذكر لك هنا تعريف السورة أيضًا لغة واصطلاحًا، فنقول: السورة في اللغة إما أن تكون مشتقة من سور المدينة، شبهت به لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور. أو من التسوّر، بمعنى التصاعد والتركيب، لعلوِّ شأنها وشأن قارئها. والسورة -في اللغة أيضًا- تطلق على المنزلة الرفيعة، قال النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك حولها يتذبذب وهي في الاصطلاح: طائفة من الآيات القرآنية لها بدء ونهاية.

стр. 58

حكمة تسوير القرآن: ذكر العلماء في ذلك حكمًا تلمَّسوها بخواطرهم، واستنبطوها بعقولهم، فكان مما قالوه: ١- "إنَّ جَعْلِ القرآن سورًا ييسر حفظه، فتجزئة العمل باعث على إنجازه، مبيِّنٌ للقدر الذي أنجز، والقدر الذي بقي، باعث على المواصلة للإحاطة به واستكماله.

стр. 59

وفي كونه سورًا طويلة وقصيرة وترتيبه الترتيب المعروف -تيسير آخر لتعليم الأطفال، والتدرج بهم من السور القصار إلى ما فوقها. ٢- وإن جعل القرآن سورًا يشوق قارئ القرآن ودارسه إلى المواصلة، ويبعث فيه الهمة والنشاط لاستيعابه. ٣- وإن في جعل القرآن سورًا رسوخًا لموضوعات السور، ودلالة على عناصر كل منها، وما تناولته من أحكام. ٤- وإن جعل القرآن سورًا طوالًا وقصارًا يشير إلى أن الطول ليس شرطًا في التحدي والإعجاز، فالسور معجزة برأسها، وإن بلغت في القصر ثلاث آيات. ٥- وقال الزمخشري في فوائد تجزئة القرآن: إن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابًا واحدًا. وعلى هذا النمط ألَّفَ المؤلفون كتبهم، وبوَّبوا مصنفاتهم أبوابًا، صدَّروا كل باب بعنوان خاص. ٦- وإن التفصيل لتلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض يساعد على ملاحظة المعاني وأسرار النظم الكريم" أ. هـ.١.

стр. 60

تقسيم السور بحسب الطول والقصر: تنقسم السور من حيث الطول والقصر إلى أربعة أقسام: ١- السبع الطوال وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، وبراءة. وسميت بالطوال لطولها، والطوال جمع طولى. ٢- المئون: وهي ما ولي السبع الطوال، سُمِّيَت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها. ٣- المثاني: وهي ما ولي المئين، ويُسَمَّى القرآن كله مثاني، كما جاء في قوله تعالى:

стр. 61

﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ ١. وسُمِّيَ "مثاني" لأن الوعد فيه مقرون بالوعيد، وقيل غير ذلك. ٤- المفصَّل: وهو ما ولي المثاني من قصار السور، سُمِّيَ مفصلًا لكثرة الفصول التي بين السور ببسم الله الرحمن الرحيم. "واختلف في تحديد أوله: ١- فمن العلماء من قال: أوله الجاثية. ٢- ومنهم من قال: أوله القتال، وقال الماوردي: إنه قول الأكثرين. ٣- ومنهم من قال: أوله الحجرات. ٤- والصحيح: أن أوله "ق"، قال الماوردي في تفسيره: حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة، وهو الذي يؤيده الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد من حديث أوس بن حذيفة، وفيه قال أوس: "فسألت أصحاب رسول الله ﷺ : كيف تحزِّبُون القرآن؟، فقالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده". وعلى هذا فإذا جمعنا الأحزاب الستة الأول كان الحاصل ثمانيًا وأربعين سورة، فتكون التي بعدهن سورة "ق". أ. هـ٢.

стр. 62

أسماء السور: اختلف العلماء في أسماء سور القرآن، هل كانت بتوقيف من النبي ﷺ ؟ أم كانت باجتهاد من الصحابة, مأخوذ من موضوع السورة؟ "فذهب السيوطي إلى أن كل سورة سُمِّيَت باسم خاص بتوقيف من النبي ﷺ ، وقال: وقد ثبت جميع أسماء السور بالتوقيف من

стр. 63

الأحاديث والآثار، ولولا خشية الإطالة لبينت ذلك، واستدل بما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كان المشركون يقولون: سورة البقرة، وسورة العنكبوت، يستهزئون بها فنزل: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين﴾ ١. وقد يكون للسورة الواحدة أسماء متعددة، كالفاتحة. وقد يكون للسورة اسم واحد، وهو الكثير. والذي ينبغي التزامه المحافظة على الاسم الوارد وعدم تغييره، فإن في فتح باب جواز التسمية إهدارًا لكيان السورة، وما اشتهرت به، وتعمية للجلي الواضح، ووضعه في ثوبٍ من الجهل والخفاء، مما لا يليق وعظمة سور القرآن.

стр. 64

ترتيب السور: اختلف العلماء في ترتيب سور القرآن الكريم على ثلاثة أقوال: الأول: إن ترتيب السور على ما هو عليه الآن في المصاحف كان باجتهاد الصحابة، ولم يكن بتوقيف من النبي ﷺ . وينسب هذا القول إلى الإمام مالك، وجمهور غفير من العلماء. واستدلَّ أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة، منها: ١- أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة في ترتيب سورها, ولو كان الترتيب توقيفًا ما ساغ لهم أن يرتبوا على غير الوارد. فمصحف ابن مسعود كان مبدوءًا بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، وهكذا على اختلاف واسع بينه وبين الترتيب الذي في المصحف اليوم. ومصحف أُبَيِّ بن كعب كان مبدوءًا بالفاتحة ثم البقرة ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، إلخ، مع خلاف كبير. ومصحف علي -كرَّم الله وجهه- كان مرتَّبًا على حسب النزول, فأوله سورة أقرأ، ثم المدثر، ثم "ن والقلم"، ثم المزمل، ثم تبت؛ ثم التكوير، وهكذا إلى آخر سورة المكية، ثم السور المدنية.

стр. 65

٢- أخرج ابن أشتة في المصاحف عن أبي محمد القرشي قال: أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال، فجعلت سورة الأنفال وسورة التوبة في السبع، ولم يفصل بينهما "بسم الله الرحمن الرحيم". ٣- روى أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر "بسم الله الرحمن الرحيم"، وضممتوها في السبع الطوال؟ فقال عثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا أُنْزِلَ عليه شيء دعا بعض من يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقضتها، فظننت أنها منها، فقُبِضَ رسول الله ﷺ ، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب سطر "بسم الله الرحمن الرحيم" ووضعتهما في السبع الطوال. فهذا الحديث يدل على اجتهاد الصحابة في ترتيب سور القرآن. ٤- ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قرأ سورًا ولاء١ على غير ترتيبها التي هي عليه الآن, فقرأ سورة النساء قبل سورة آل عمران. ويعبِّر عن هذا الرأي ابن فارس في كتابه المسائل الخمس، فيقول: جُمِعَ القرآن على ضربين، أحدهما تأليف، كتقديم السبع الطوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا الذي تولته الصحابة ﵃. وأما الجمع الآخر، وهو جمع الآيات في السور، فذلك شيء تولاه النبي ﷺ ، كما أخبر به جبريل عن أمر ربه . أ. هـ.

стр. 66

الثاني: أن ترتيب جميع السور كان بتوقيف من النبي ﷺ كترتيب الآيات، ويعبِّر عن هذا الرأي الكرماني في البرهان، فيقول: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التي توفي فيها مرتين. أ. هـ. ويقول أبو بكر بن الأنباري: أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرق في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبر، ويقف جبريل النبي ﷺ على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف, كله عن النبي ﷺ ، فمن قدم سورة، أو آخرها فقد أفسد نظم القرآن٢. واستدلوا لهذا الرأي بالأدلة الآتية: ١- روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن سعيد بن خالد: قرأ رسول الله ﷺ بالسبع الطوال في ركعة، وفيه أنه ﵊ كان يجمع المفصَّل في ركعة. ٢- روى أحمد وأبو داود عن حذيفة الثقفي قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف، فقال لنا رسول الله ﷺ : "طرأ علي حزب من القرآن، فأردت ألا أخرج حتى أقضيه"، فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ ، قلنا: كيف تحزِّبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصَّل من "ق" حتى نختم.

стр. 67

فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو عليه في المصحف الآن, كان على عهد رسول الله ﷺ . ٣- أخرج ابن أشته في كتاب المصاحف, عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قُدِّمَت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما أنزلتا بالمدينة؟، فقال: قُدِّمَتَا وألِّفَ القرآن على علم ممن أَلَّفه، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا مما ينتهي إليه, ولا يسأل عنه. ٤- أن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كُتِبَ في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد، فلو كان هذا الإجماع عن اجتهاد لتمسَّك أصحاب المصاحف المخالفة بترتيب مصاحفهم. ٥- لو كان ترتيب السور عن اجتهاد لظهرت العلة التي بُنِيَ عليها، فمن الواضح أنه لم يرتَّبْ على حسب النزول الزمني، ولا على الطول والقصر، فسور طوال بين قصار وبالعكس، ولا على المكي والمدني, فسور مكية بين سور مدنية وبالعكس، ولا على تجانس الموضوعات وقربها؛ فبين سور القصة الواحدة سور أخرى، ولا على حسب الفواتح، فلم تذكر المسبحات ولاء، مع أن الحواميم رتبت ولاء، كذلك اختلَّ ترتيب الطواسين حيث فصل بين "طسم" الشعراء و"طسم" القصص بـ "طس". وحيث لم تظهر علة لهذا الترتيب مع الإجماع عليه، كان بتوقيف وتسليم وإذعان لصاحب القرآن. وقد حاول الزركشي أن يجعل الخلاف بين هذين القولين لفظيًّا، فقال في البرهان: والخلاف بين الفريقين لفظيّ؛ لأن القائل بالثاني يقول: إنه رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع كلماته. ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ ، مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي؟ أو بمجرد إسناد فعلي؛ بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر؟ أ. هـ.

стр. 68

والمتأمل في أدلة الفريقين يبستبعد وجهة نظر الزركشي, ويحكم بحقيقة الاختلاف. القول الثالث: أنَّ سور القرآن ترتيبها توقيفي إلّا قليلًا منها؛ فترتيبيه عن اجتهاد من الصحابة، واختلف أصحاب هذا القول في مقدار هذا القليل وتحديده، فابن عطية يرى: أن كثيرًا من السور كان قد عُلِمَ ترتيبها في حياته ﷺ ؛ كالسبع الطوال، والحواميم والمفصَّل، وإن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فُوِّضَ الأمر فيه إلى الأمة بعده. وأبو جعفر بن الزبير يرى: أن الآثار تشهد بأكثر مما نصَّ عليه ابن عطية. والبيهقي في المدخل يرى: أن القرآن كان مرتَّبًا على عهد النبي ﷺ سوره وآياته على هذا الترتيب إلّا الأنفال وبراءة. وأدلة هذا القول عبارة عن الأخذ بأدلة الفريقين السابقين والجمع بينهما. وقد ناقش العلماء هذه الأدلة مناقشة موضوعية لترجيح بعضها على بعض، فاستقرَّ أكثرهم على ترجيح القول الثالث واعتماده لخلوه من الاعتراض، وجمعه بين الأقوال على نحو تطمئن إليه النفس. وقد لخَّص الدكتور موسى لاشين هذه المناقشة بقوله: "إن استدلال أصحاب القول الأول باختلاف مصاحف الصحابة في ترتيبها, يمكن أن يُرَدَّ بأن الصحابة إنما رتبوا ترتيبهم قبل علمهم بالتوقيف، فلما علموا سلَّموا واعتمدوا الترتيب المُجْمَع عليه، وحرقوا مصاحفهم. وأما استدلالهم الثاني والثالث: فيمكن حصر عدم التوقيف في السورتين الواردتين في الدليلين "الأنفال والتوبة", ولا يصلح دليلًا لسحب حكم التوقيف على جميع سور القرآن. وأما الاستدلال الرابع: فإنه في القراءة والتلاوة، وهي غير موطن النزاع، إذ لا خلاف في جواز وقراءة السور على غير ترتيبها، وإن كان الأولى قراءتها مرتَّبة, ومحل النزاع هو اعتقاد موافقة ترتيب القرآن في المصاحف لترتيبه في اللوح، وفي أن هذا الترتيب بتعليم النبي ﷺ , أو باجتهاد من الصحابة.

стр. 69

وأما استدلال أصحاب القول الثاني بالحديث الأول والثاني والثالث, فإن غاية ما فيها الدلالة على أن بعض السور أو أكثرها رُتِّبَ بتوقيف من النبي ﷺ ، لكنه لا دلالة فيها على أن جميع السور بتوقيف. وأما دليلهم الرابع فيمكن أن يكون رجوع الصحابة عن ترتيبهم إلى ترتيب عثمان, بدافع قطع دابر النزاع والحفاظ على وحدة الأمة، لا عن اعتقاد خطأ ما كانوا عليه. وأما دليلهم الخامس فهو مقبول في غير السور التي ورد فيها النص بالاجتهاد، ورد فيها بيان علة الترتيب كما في حديث سؤال ابن عباس لعثمان ﵄. وعلى هذا: فالقول الثالث أمثل الأقوال، وهو السليم من الاعتراض والمناقشة، وأمثل ما فيه رأي البيهقي. ولذا قال السيوطي في نهاية المطاف: والذي ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقي وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي، إلا براءة والأنفال. قال الدكتور موسى لاشين بعد هذا التلخليص المفيد: سواء كان ترتيب السور توقيفيًّا أم اجتهاديًّا, فإنه ينبغي احترامه، خصوصًا في كتابة المصاحف؛ لأن أقلَّ الأمرين رعاية صدوره عن الإجماع، والإجماع حجة واجبة القبول. والله أعلم"١.

стр. 70

المبحث الثاني عشر: عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه ١- أجمع من يُعْتَدُّ بإجماعه من أهل العلم على أن عدد سور القرآن: مائة وأربع عشرة سورة. وقيل: مائة وثلاث عشرة, سورة يجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة، لعدم الفصل بينهما بالبسملة، ولكنَّ هذا القول مردود؛ لأن النبي ﷺ سَمَّى كل واحدة منهما. وأما عدم الفصل بينهما بالبسملة فلأن سورة "براءة" نزلت بالسيف، أي: نزلت لتفضح المشركين والمنافقين وأهل الكتاب وتتوعدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وتكشف اللثام عَمَّا انطوت عليه نفوسهم من خبث ومكر، وزيغ وضلال، هذا ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ "ففي المستدرك عن ابن عباس قال: سألت علي بن أبي طالب: لِمَ لَمْ تكتب في براءة "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ قال: لأنها أمان، وبراءة نزلت بالسيف"١. ٢- وأما عدد آياته فقد اختلف العادُّون فيها اختلافًا يسيرًا. "قال صاحب التبيان ما نصُّه: وأما عدد آي القرآن فقد اتفق العادُّون على أنه ستة آلاف ومائتا آية وكسر، إلّا أن هذا الكسر يختلف مبلغه باختلاف أعدادهم: ففي عدد المدني الأول سبع عشرة، وبه قال نافع، وفي عدد المدني الأخير أربع عشرة عند شيبة، وعشر عند أبي جعفر. وفي عدد المكي عشرون. وفي عدد الكوفي ست وثلاثون، وهو مروي عن حمزة الزيات. وفي عدد البصري خمس، وهو مروي عن عاصم الجحدري.

стр. 71

وفي رواية عنه أربع، وبه قال أيوب بن المتوكل البصري. وفي رواية عن البصريين أنهم قالوا: تسع عشرة، وروي ذلك عن قتادة، وفي عدد الشامي ست وعشرون، وهو مروي عن يحيى بن الحارث الذماري" أ. هـ١. وقد تقدَّم سبب اختلاف العاديين قريبًا. ٣، ٤- أما عدد كلماته وحروفه, فقد شغل العلماء أنفسهم بعدِّها تتمةً للفائدة، فذكروا أن عدد كلماته "٧٧٩٣٤" أربع وثلاثون وتسعمائة وسبعة وسبعون ألف كلمة. وذكر بعضهم غير ذلك: قيل: وسبب الاختلاف في عدد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز. قال السخاوي: "لا أعلم لعدد الكلمات والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك". أ. هـ. ولكن ورد من الأحاديث في اعتبار الحروف ما أخرجه الترمذيّ عن ابن مسعود مرفوعًا: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "ألم" حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". وأخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: "القرآن ألف ألف حرف, وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرًا محتسبًا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين".

стр. 72

قال السيوطي بعد أن أورده: "رجاله ثقات إلّا شيخ الطبراني محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس، تكلَّمَ فيه الذهبي ثم قال: وقد حمل ذلك -أي: العدد المذكور في هذا الحديث- على ما نُسِخَ رسمه من القرآن، إذ الموجود الآن لا يبلغ هذا العدد، وهو يريد أن هذا الرقم الكبير الذي روي في هذا الحديث ملحوظ فيه جميع الحروف النازلة من القرآن ما نسخ منها، وما لم يُنْسَخ، والله تعالى أعلم"١.

стр. 73

المبحث الثالث عشر: نزول القرآن على سبعة آحرف مدخل ... المبحث الثالث عشر: نزول القرآن على سبعة أحرف صحَّ عن رسول الله ﷺ أن القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرف، كلها كافٍ شافٍ، ورُوِيَ ذلك عن جمع كبير من الصحابة -رضوان الله عليهم. منهم: عمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة؛ وأبو بكرة، وأبو جهم، وأبو سعيد الخدري، وأبو طلحة الأنصاري، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وعبد الرحمن بن عوف, وعمرو بن أبي سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأنس، وحذيفة، وأم أيوب امرأة أبي أيوب الأنصاري، وغيرهم ممن رواه، أبو شهد أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، على ما سيأتي بيانه. وقد نصَّ أبو عبيد القاسم بن سلام على تواتر١ حديث نزول القرآن على سبعة أحرف. ولكن العلماء اختلفوا في معنى هذه الأحرف اختلافًا كثيرًا، حتى قال ابن حبان: "اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا". وقال السيوطي: "اختُلِفَ على معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولًا"٢.

стр. 74

وذكر كثيرًا منها. وإني بحمد الله تعالى سأذكر من هذه الأقوال ما أراه جديرًا بالذكر, مرجِّحًا ما أحسبه أولى بالقبول. ولنبدأ بذكر الأحاديث الواردة في هذا الأمر، ثم نتبع ذلك بذكر الأصول المستنبطة منها، ثم نذكر أهم الأقوال في المراد بالأحرف السبعة سردًا، ثم نكر عليها بالمناقشة والتمحيص لنقف من وراء ذلك كله على الراجح منها بالدليل، ونختم المبحث بذكر فوائده.

стр. 75

بعض ما ورد في ذلك: وردت في نزول القرآن على سبعة أحرف أحاديث كثيرة, نكتفي هنا بذكر بعضها، لتتحقق أن هذه الأحاديث في جملتها بلغت الغاية في الصحة، وأنها تفيد اليقين الذي لا يرتفع بالشك، ولا يسوغ لأحد إنكاره بحال. ولتعلم من خلالها المراد من الأحرف السبعة، من حيث ما تستلزمه من أصول عامة يقاس عليها عند التصحيح أو الترجيح. ١- روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف". زاد مسلم: "قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة في الأمر الذي يكون واحدًا لا يختلف في حلال ولا حرام". ٢- وروى البخاري ومسلم أيضًا "واللفظ للبخاري" أن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ , فاستمعت لقراءته , فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره١ في الصلاة فانتظرته حتى سلَّم، ثم لببته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟
следующие страницы →