وفي رواية عنه أربع، وبه قال أيوب بن المتوكل البصري.
وفي رواية عن البصريين أنهم قالوا: تسع عشرة، وروي ذلك عن قتادة، وفي عدد الشامي ست وعشرون، وهو مروي عن يحيى بن الحارث الذماري" أ. هـ١.
وقد تقدَّم سبب اختلاف العاديين قريبًا.
٣، ٤- أما عدد كلماته وحروفه, فقد شغل العلماء أنفسهم بعدِّها تتمةً للفائدة، فذكروا أن عدد كلماته "٧٧٩٣٤" أربع وثلاثون وتسعمائة وسبعة وسبعون ألف كلمة.
وذكر بعضهم غير ذلك:
قيل: وسبب الاختلاف في عدد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز.
قال السخاوي: "لا أعلم لعدد الكلمات والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك". أ. هـ.
ولكن ورد من الأحاديث في اعتبار الحروف ما أخرجه الترمذيّ عن ابن مسعود مرفوعًا: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "ألم" حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف".
وأخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: "القرآن ألف ألف حرف, وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرًا محتسبًا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين".
стр. 72
قال السيوطي بعد أن أورده: "رجاله ثقات إلّا شيخ الطبراني محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس، تكلَّمَ فيه الذهبي ثم قال: وقد حمل ذلك -أي: العدد المذكور في هذا الحديث- على ما نُسِخَ رسمه من القرآن، إذ الموجود الآن لا يبلغ هذا العدد، وهو يريد أن هذا الرقم الكبير الذي روي في هذا الحديث ملحوظ فيه جميع الحروف النازلة من القرآن ما نسخ منها، وما لم يُنْسَخ، والله تعالى أعلم"١.
стр. 73
المبحث الثالث عشر: نزول القرآن على سبعة آحرف
مدخل
...
المبحث الثالث عشر: نزول القرآن على سبعة أحرف
صحَّ عن رسول الله ﷺ أن القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرف، كلها كافٍ شافٍ، ورُوِيَ ذلك عن جمع كبير من الصحابة -رضوان الله عليهم.
منهم: عمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة؛ وأبو بكرة، وأبو جهم، وأبو سعيد الخدري، وأبو طلحة الأنصاري، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وعبد الرحمن بن عوف, وعمرو بن أبي سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأنس، وحذيفة، وأم أيوب امرأة أبي أيوب الأنصاري، وغيرهم ممن رواه، أبو شهد أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، على ما سيأتي بيانه.
وقد نصَّ أبو عبيد القاسم بن سلام على تواتر١ حديث نزول القرآن على سبعة أحرف.
ولكن العلماء اختلفوا في معنى هذه الأحرف اختلافًا كثيرًا، حتى قال ابن حبان: "اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا".
وقال السيوطي: "اختُلِفَ على معنى هذا الحديث على نحو أربعين قولًا"٢.
стр. 74
وذكر كثيرًا منها.
وإني بحمد الله تعالى سأذكر من هذه الأقوال ما أراه جديرًا بالذكر, مرجِّحًا ما أحسبه أولى بالقبول.
ولنبدأ بذكر الأحاديث الواردة في هذا الأمر، ثم نتبع ذلك بذكر الأصول المستنبطة منها، ثم نذكر أهم الأقوال في المراد بالأحرف السبعة سردًا، ثم نكر عليها بالمناقشة والتمحيص لنقف من وراء ذلك كله على الراجح منها بالدليل، ونختم المبحث بذكر فوائده.
стр. 75
بعض ما ورد في ذلك:
وردت في نزول القرآن على سبعة أحرف أحاديث كثيرة, نكتفي هنا بذكر بعضها، لتتحقق أن هذه الأحاديث في جملتها بلغت الغاية في الصحة، وأنها تفيد اليقين الذي لا يرتفع بالشك، ولا يسوغ لأحد إنكاره بحال.
ولتعلم من خلالها المراد من الأحرف السبعة، من حيث ما تستلزمه من أصول عامة يقاس عليها عند التصحيح أو الترجيح.
١- روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
زاد مسلم: "قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة في الأمر الذي يكون واحدًا لا يختلف في حلال ولا حرام".
٢- وروى البخاري ومسلم أيضًا "واللفظ للبخاري" أن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ , فاستمعت لقراءته , فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره١ في الصلاة فانتظرته حتى سلَّم، ثم لببته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟
стр. 76
قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قلت له: كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله, إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله ﷺ : "أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام"، فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول الله ﷺ : "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه".
٣- وروى مسلم بسنده عن أُبَيّ بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعًا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه, فأمرهما رسول الله ﷺ فقرأ، فحسَّن النبي ﷺ شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني, ضرب في صدري، ففضت عرقًا، وكأنما أنظر إلى الله فرقًا، فقال لي: "يا أُبَيّ، أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هوِّن على أمتي، فردَّ إلي الثانية: أقرأه على حرفين فرددت إليه: أن هوِّن على أمتي، فردَّ إلي الثالثة: أقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليومٍ يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ ".
٤- وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رجلًا يقرأ آية سمع النبي ﷺ يقرأ خلافها، قال: فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي ﷺ فقال: "كلاكما محسن فأقرأ".
قال شعبة أحد رواة هذا الحديث: أكبر علمي أن النبي ﷺ قال: "فإن مَنْ كان قبلكم اختلفوا فأُهْلِكُوا".
стр. 77
٥- روى مسلم بسنده عن أُبَيِّ بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار١، قال: "فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين, فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا".
٦- وروى الترمذي عن أُبَيّ بنب كعب أيضًا قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المروة، قال: فقال رسول الله ﷺ لجبريل: "إنما بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ الفاني، والعجوز الكبيرة والغلام"، قال: فمرهم فليقرأوا القرآن على سبعة أحرف".
قال الترمذي: حسن صحيح، وفي لفظ: "فمن قرأ بحرفٍ منها فهو كما قرأ".
وفي لفظ حذيفة: "فقلت: "يا جبريل, إني أرسلت إلى أمة أمية, فيهم الرجل، والمرأة، والغلام، والجارية، والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابًا قط"، قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف".
٧- أخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو, أن رجلًا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأيّ ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا".
أي: فلا تشكوا، ولا تجادلوا.
стр. 78
الأصول المستفادة من هذه الأحاديث:
ونستطيع أن نستلخص من هذه الأحاديث وما في عناها أصولًا خمسة، نرجع إليها عند مناقشة الأقوال المنقولة عن قائليها في المراد من الأحرف السبعة, وترجيح بعضها على بعض، لتنتهي إلى القول الذي تطمئن إليه النفس، وهو القول الخالي من التعارض السالم من النقد والنقض.
الأصل الأول: الإلزام بقراءة القرآن على حرف واحد في أول العهد به أمر يَشُقُّ على هذه الأمة الأمية، وهم مختلفون في لغاتهم ولهجاتهم, غير مدرَّبين على أسلوبه ولحنه، وهو قمة في الفصاحة والبلاغة ودقة النظم، وجمال التعبير.
وفيهم الشيخ الكبير، والطفل الصغير، ففي إلزامهم بقراءته على حرف واحد حرج ومشقة، والشريعة الغراء مبنيةٌ على رفع الحرج ودفع المشقة.
الأصل الثاني: مبني على الأصل الأول، وهو أن المقصود من إنزال القرآن على سبعة أحرف هو التيسير على هذه الأمة في القراءة والفهم.
الأصل الثالث: أن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف من هذه الأحرف السبعة، فكلها كافٍ شافٍ كما جاء في بعض الروايات.
الأصل الرابع: أن الصحابة كانوا يقرأون على وجوه مختلفة، بحسب ما تعلَّم كلٌّ منهم من رسول الله ﷺ ، حتى أنكر بعضهم على بعض قراءته, لعدم سماعها من رسول الله ﷺ .
الأصل الخامس: أن الرسول ﷺ قد أقرَّ كل قارئ على القراءة التي أقرأه إياها، على أنها جميعًا منَزَّلَةٌ من عند الله .
فهذه الأصول الخمسة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقرير كلِّ قول من الأقوال الواردة في معنى الأحرف السبعة، بحيث يستنبط القول الصحيح على مقتضاها، فإن بعض الأقوال التي نقلها السيوطي في الإتقان وغيره, بعضها قد بَعُدَ عنها كل البعد، وبعضها قد انحرف عنها قليلًا، وبعضها قد اقترب منها ومشى في ضوئها، لكن لم يسلم من المعارض.
стр. 79
وواحد منها أصاب الحق، وصادف القبول.
وإليك بعض هذه الأقوال ومناقشتها، وبيان الراجح منها بالدليل.
стр. 80
بعض الأقوال في معنى الأحرف:
١- ذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف مشكَلٌ لا يُعْرَف المراد منه؛ لأن الحرف في اللغة من المشترك اللفظي الذي لا يتعين المعنى المراد منه إلا بقرينة.
فالحرف يطلق في اللغة -كما في القاموس- على: طرف الشيء، وشفيره، وحده، ومن الجبل أعلاه المحدد، وعلى أحد حروف التهجي، وعلى الناقة الضامرة، ومسيل الماء، وعلى الوجه.
وليس في الكلام قرينة توضح المراد من هذه المعاني، فكان المعنى المراد مبهمًا لا يُعْرَف على وجه الحقيقة.
٢- وذهب بعضهم إلى أن العدد لا مفهوم له، بمعنى: أن حقيقته غير مرادة، وإنما المراد به التيسير والتسهيل والتوسعة على الأمة بوجوه متعددة كثيرة، لا تنحصر في سبعة.
والتعبير بالسبعة يراد به في الشرع أحيانًا المبالغة في الكثرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّه﴾ ٢.
وقوله -جل شأنه:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ﴾ ٣.
فالسبعة يُرَادُ بها الكثرة في الآحاد، والسبعون يراد بها الكثرة في العشرات، والسبعمائة يراد بها الكثرة في المئات.
стр. 81
وإلى هذا القول جنح القاضي عياض ومن تبعه، كما قال الزرقاني في المناهل١.
٣- قال بعضهم: المراد من الأحرف السبعة لغات سبع متفرقة في القرآن كله.
على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم، فأكثره بلغة قريش، ومنه ما هو بلغة هذيل، أو ثقيف، أو هوازن، أو كنانة، أو تميم، أو اليمن، فهو يشتمل في مجموعه على اللغات السبع.
وذهب إلى هذا القول: أبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو حاتم السجستاني، واختاره الأزهري في التهذيب، واختاره أيضًا ابن عطية، حيث قال: "معنى قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" أي: فيه عبارة سبع قبائل، بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبَّر عن المعنى فيه تارةً بعبارة قريش, ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك، بحسب الأفصح والأوفر في اللفظ، ألا ترى أن "فطر" معناه عند غير قريش "ابتدأ"، فجاءت في القرآن، فلم تتجه٢ لابن عباس حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، فقال ابن عباس: ففهمت حينئذ معنى قوله تعالى:
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ .
وقال أيضًا: ما كنت أدري معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ .
حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعالى أفاتحك، أي: أحاكمك, وكذلك قول عمر بن الخطاب وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف﴾ ، أي: على تنقص لهم، وغير ذلك.
ثم قال: وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .
стр. 82
ولم يقل: "قرشيًّا"١.
٤- ذهب بعضهم إلى أن الأحرف لغات عربية في كلمة واحدة, وكان من تيسير الله على الأمة أن يقرأ كل قوم بلغتهم، فالهذليّ يقرأ "عتى حين" يريد: "حتى حين"، والأسدي يقرأ: "تعلمون" بكسر أوله، والتميمي يهمز, والقرشي لا يهمز، ولو أراد كل منهم أن يزول عن لغته، وما جرى عليه لسانه طفلًا وناشئًا وكهلًا لشقَّ عليه غاية المشقة، فيسَّر الله عليهم، واستمرَّ هذا التيسير حتى جمع عثمان الناس على قراءة واحدة.
٥- ذهب بعض أهل الفقه والحديث، منهم سفيان وابن وهب وابن جرير الطبري، والطحاوي، إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات في الكلمة الواحدة، ذات معنى واحد، مثل: هلم، وأقبل، وتعال، وعجل، وأسرع، وقصدي، ونحوي، هذه ألفاظ سبعة في معنى طلب الإقبال.
ويستدل لهذا الرأي بقراءة أُبَيّ بن كعب، إذا كان يقرأ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه﴾ .
"كلما أضاء لهم مروا فيه".
"كلماء أضاء لهم سعوا فيه".
وما جاء في قراءة ابن مسعود: "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أمهلونا".
"يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أخرونا نقتبس".
ويلتزم أصحاب هذا الرأي أن يقولوا: إن هذه الأوجه كانت جائزة في أول الأمر، ثم نسخت إلا وجهًا في العرضة الأخيرة، وهي التي نسخ عليها عثمان مصاحفه.
٦- وبعضهم يرى أن الأحرف السبعة هي ما فيه من أمر ونهي، وحلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.
стр. 83
أو: وعد ووعيد، وحلال وحرام، ومواعظ وأمثال، واحتجاج.
أو: محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخصوص وعموم، وقصص.
أو: مطلق ومقيد، وعام وخاص، ونص ومؤول، وناسخ ومنسوخ، واستثناء، وغير ذلك.
٧- وذهب جماعة من أهل العلم، وعلى رأسهم الإمام الرازي, إلى أن الأحرف السبعة هي وجوه سبعة يقع فيها التغاير بين قراءة وأخرى:
الأول: اختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع، والتأنيث والتذكير.
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون﴾ .
إذ قرئ: "لأماناتهم" جمعًا، و"لأمانتهم" بالإفراد.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض ومضارع وأمر، ويمثِّل له بقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ .
قرئ بنصب "ربنا" على النداء، وبلفظ "باعد" على فعل الأمر.
وقرئ "ربنا بعد" برفع "رب" على الابتداء, وبلفظ "بعّد" ماضيًا مضعف العين، خبر المبتدأ.
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب:
ويمكن التمثيل له في الأفعال بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ .
قرئ بفتح الراء، على أن "لا" ناهية والفعل مجزوم، وقرئ بضم الراء، على أن "لا" نافية والفعل بعدها مرفوع.
ويمكن التمثيل في الأسماء بقوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد﴾ .
قرئ برفع لفظ "المجيد" على أنه نعت لكلمة "ذو", وقرئ بجره، على أنه نعت لكلمة "العرش".
стр. 84
وهذه الأحرف الثلاثة موافقة لرسم المصحف العثماني؛ لأنه كما سبق كان خاليًا من النقط ومن الشكل.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة.
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ .
وقرئ "تجري من تحتها الأنهار" بزيادة لفظ "من"، وهما قراءتان متواترتان، وقد وافقت كلٌّ منهما رسم المصحف، فالأولى بدون "من" وافقت رسم غير المصحف المكي، والتي بزيادة "من" وافقت رسم المصحف المكي.
ومن هذا الوجه -الزيادة والنقص- ما لا يوافق رسم المصحف قراءة: "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" بزيادة لفظ "صالحة" وقراءة: "والذكر والأنثى" بحذف لفظ وما خلق، فإن زيادة "صالحة", ونقص "وما خلق", مخالفة لخطِّ جميع المصاحف العثمانية، ولذلك تركت هذه القراءة, وعُدَّت منسوخة في العرضة الأخيرة.
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير.
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ .
فقد قرئ: "وجاءت سكرة الحق بالموت", ولكن القراءة الثانية لا توافق رسم مصحف من المصاحف العثمانية، فتُرِكَت وعُدَّت منسوخة التلاوة، في العرضة الأخيرة.
ومثال ما وافق رسم المصحف من هذا الوجه، قوله تعالى في سورة التوبة:
﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ .
قرئ الفعل الأول مبنيًّا للمعلوم، والثاني مبنيًّا للمجهول، وقرئ بالعكس، الأول مبني للمجهول، والثاني مبني للمعلوم، والقراءتان متواترتان.
стр. 85
السادس: الاختلاف بالإبدال:
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ .
قرئ "ننشزها" بالزاي وبالراء قراءتان متواترتان.
وكذا قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
وقرئ "فتثبتوا" قراءتان متواترتان، موافقتان لرسم المصحف.
ومثال ما لم يوافق رسم المصحف قوله تعالى:
﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
قرئ "فامضوا إلى ذكر الله", وهي مخالفة لرسم جميع المصاحف العثمانية، فتُرِكَت، وعُدَّت منسوخة التلاوة في العرضة الأخيرة.
السابع: اختلاف اللغات "أي: اللهجات" كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام، ونحو ذلك.
ويمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ .
بالفتح أو الإمالة في "أتى", وفي "موسى", وهذا الوجه موافق دائمًا لرسم المصحف؛ لأنه تغيير في النطق الشكلي، وليس في جوهر الكلمة.
مناقشة الأقوال السابقة وبيان الراجح منها:
أما "القول الأول": وهو أن حديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" مشكَلٌ لا يُعْرَف المراد منه، فإنه لا إشكال فيه بحمد الله تعالى؛ لأن المشترك اللفظي إذا وجدت قرينة تبين المعنى المراد منه لا يكون مشكلًا، وقد قامت قرائن تمنع بعض معانيه، وتعين بعضها الآخر.
لأنه لا يصح أن يراد أحد حروف التهجي؛ لأن القرآن مؤلَّف من جميع حروف الهجاء, لا من سبعة منها فقط.
ولا يصحُّ أن يراد به طرف الشيء، ولا الناقة الضامرة, ولا مسيل الماء، فتعيَّن أن يراد منه الوجه, وإذا تعيَّن أحد وجوه المشترك اللفظي بمثل هذه القرائن لم يكن مشكلًا.
стр. 86
أما "القول الثاني": وهو أن حقيقة العدد غير مقصودة فهو غير صحيح، لما جاء في حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل استزيده، ويزيدني، حتى بلغ سبعة أحرف".
ولما جاء في حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: "فنظرت إلى ميكائيل فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدة".
فهذان الحديثان مع المراجعات الثابتة في الأحاديث السابقة, تدل على أن المراد بالسبعة حقيقة العدد الواقع بين الستة والثمانية.
وأما "القول الثلث": وهو أن المراد من الأحرف السبعة لغات سبع متفرقة في القرآن كله، فليس بالقول المرضي، وذلك لوجوه:
الأول: أن عدم فهم ابن عباس وابن عمر لبعض ألفاظ القرآن لا يدلُّ على أن هذه الألفاظ غير قرشية أو مستعملة في لغة قريش؛ لأنه لا يمكن إدعاء إحاطة كلٍّ منهما بجميع ألفاظ لغة قريش، فقد قالوا: إنه لا يحيط باللغة إلا معصوم.
الثاني: أن هذا القول يتنافى مع ما عُلِمَ من الأحاديث المتقدِّمَة من أن نزول القرآن على سبعة أحرف كان الهدف منه التيسير على الأمة, بأن يقرأ كلُّ واحد بأيِّ حرف منها شاء.
فإذا كان معنى الأحرف السبعة على ما قالوا, لم يكن هناك تخيير في القراءة, بل يكون الكل ملزمًا بحرف واحد.
الثالث: إن هذا الرأي لا يمكن معه تصوّر اختلاف الصحابة في القراءة، وإقرار النبي ﷺ كلًّا منهم على قراءته.
الرابع: أن لغات العرب أكثر من سبع، وفي القرآن كلمات لقبائل كثيرة تزيد على هذا العدد بكثير.
الخامس: أن هذا القول يقتضي أن يكون القرآن أبعاضًا، منه ما هو بلغة قريش، ومنه ما هو بلغة هذيل، وهكذا.
وهذا المذهب يستلزم أن كلَّ شخص لا يمكنه أن يقرأ إلّا البعض الذي نزل بلغته, دون البعض الذي نزل بلغة غيره.
стр. 87
وهذا يتنافى مع التيسير المقصود من نزول القرآن على سبعة أحرف كما قدمنا.
وهو مخالف لما صورته لنا الروايات السابقة من اختلافٍ في القراءت بين الصحابة، فإن المقروء فيها كان واحدًا لا محالة.
أما "القول الرابع": وهو أن المراد بالأحرف السبعة لغات عربية في كلمة واحدة؛ فهو رأي له وجاهته, غير أنه يلزم منه أن بعض هذه اللغات التي قرأ بها المسلمون قد ضيَّعَها عثمان ﵁ لمَّا جمع الناس على حرف واحد، فيحتاج أصحاب هذا الرأي إلى مبرِّرٍ يدفع عنه التهمة، وعن المسلمين الذين أقرُّوه على ذلك، بأن يقولوا: إن المسلمين قد خُيِّرُوا في القراءة بأيِّ وجه٩ شاءوا, فاختاروا هذا الوجه على غيره حسمًا للخلاف ودرءًا للفتنة.
وأما "القول الخاس": وهو أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات في الكلمة الواحدة ذات المعنى الواحد مثل: هلمَّ، وأقبل، وتعال، وعجِّل، وأسرع، وقصدى، ونحوي.
فقد رجَّحه جماعة منهم سفيان بن عيينة، وابن جريج الطبري، وابن وهب، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء.
واستدلوا على هذا القول بما جاء في حديث أبي بكرة: "أن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل، استزده، فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شافٍ كافٍ ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقولك: هلمَّ وتعال وأقبل، واذهب وأسرع وعجل"١.
قال ابن عبد البر: "إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها، وأنها معانٍ متفق مفهومها, مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها
стр. 88
معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافًا ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب"١.
ويؤيده أحاديث، منها:
قرأ رجل عند عمر بن الخطاب ﵁ فغيَّرَ عليه، فقال: لقد قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغيِّر علي، قال: فاختصما عند النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "بلى" , قال: فوقع في صدر عمر شيء، فعرف النبي ﷺ ذلك في وجهه قال: فضرب صدره وقال: "أبعد شيطانًا" -قالها ثلاثًا, ثم قال: "يا عمر، إن القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذابًا، أو عذابًا رحمة" ٢.
وعن بسر بن سعيد أن أبا جهيم الأنصاري أخبره أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، فسألا رسول الله ﷺ عنها, فقال رسول الله ﷺ : "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن, فإن المراء فيه كفر" ٣.
وعن الأعمش قال: قرأ أنس هذه الآية: "إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأصوب قيلًا".
فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هي "وأقوم", فقال: أقوم، وأصوب وأهيأ واحد٤.
وعن محمد بن سيرين قال: نُبِّئْتُ أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي ﷺ ، فقال له جبرائيل: اقرأ القرآن على حرفين، فقال له ميكائيل:
стр. 89
استزده، قال: حتى بلغ سبعة أحرف، قال محمد: لا تختلف في حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي، هو كقولك: تعالى: وهلمَّ، وأقبل، قال: وفي قراءتنا: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ في قراءة ابن مسعود: "إن كانت إلا زقية واحدة"١.
ولكن هذا القول مردود من وجهين:
الأول: أن الكلمة التي يوجد لها سبع مرادفات في القرآن نادرة، فلا يتأتَّى التيسير، ولا رفع الحرج الذي أنزل القرآن على سبعة أحرف من أجله.
وقد أنكر ابن قتيبة أن يكون في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه.
الثاني: أنه يؤدي إلى أن الاختلاف في أوجه القراءة قد انتهى، مع أن الأمة أجمعت على صحة القراءات الكثيرة التي نُقِلَت بالتواتر.
وأمَّا "القول السادس": وهو أن الأحرف السبعة هي ما فيه من أمر ونهي، وحلال وحرام، ... إلى آخره, فإنه قول لا دليل عليه، فهو مخالف لظاهر الأحاديث الواردة في أنَّ نزول القرآن على سبعة أحرف كان تيسيرًا على الأمة.
وظاهر الأحاديث يدل على أن المراد بالأحرف السبعة: أن الكلمة تقرأ على وجهين أو ثلاثة إلى سبعة توسعةً للأمة، والشيء الواحد لا يكون حلالًا وحرامًا في آية واحدة، والتوسِعَة لم تقع في تحريم حلال، ولا تحليل حرام، ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة.
والذي ثبت في الأحاديث السابقة أن الصحابة الذين اختلفوا في القراءة، احتكموا إلى النبي ﷺ ، فاستقرأَ كلَّ رجل منهم، ثم صوَّب جميعهم في قراءتهم على اختلافهم، حتى ارتاب بعضهم لتصويب إياهم، فقال ﷺ للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم: "إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف".
ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا فيه من ذلك لو كان فيما دلَّت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم، والوعد والوعيد, وما أشبه ذلك، لكان مستحيلًا أن
стр. 90
يصوّب النبي ﷺ جميعهم، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه، لما يلزم عليه من اجتماع الضدين على شيء واحد.
فظهر أن هذا القول ساقط لا يعوَّل عليه، ولا يلتفت إليه.
وأما "القول السابع": وهو أن الأحرف السبعة هي حروف سبعة يقع فيها التغاير بين قراءة وأخرى, فهو القول الصحيح الجامع لكلِّ ما تقدَّم من الأحاديث الصحيحة، والموافق للأصول الخمسة التي استنبطها العلماء منها، والذي لا يلحقه اعتراض فيما أرى، ولا يتوجَّه إلى المسلمين فيه أيِّ اتهام.
كما أنه يعتمد على الاستقراء التامِّ لمرجع اختلاف القراءات, ويتمشَّى مع بقاء الأحرف السبعة إلى اليوم.
وهذا القول ذهب إليه في جملته فحول من العلماء، على رأسهم أبو الفضل الرازي -كما ذكرنا, وتبعه فيه أو قاربه كل القرب ابن قتيبة، وابن الجزري، والقاضي ابن الطيب ﵏ جميعًا.
شبهات مردودة:
قد أورد بعض الكُتَّابِ في كتبهم شبهات حول حديث نزول القرآن على سبعة أحرف، وقاموا مشكورين بدحضها وتفنيدها.
الشبهة الأولى: ذهب بعض من لا علم له إلى القول بأن المراد بالأحرف السبعة, القراءات السبعة المنقولة عن الأئمة السبعة المعروفين عند القراء.
قال ابن الجزري في الردِّ على هذه الشبهة:
"لا يجوز أن يكون المراد هؤلاء السبعة القراء المشهورين, وإن كان يظنُّه بعض العوام؛ لأن هؤلاء السبعة لم يكونوا خُلِقُوا ولا وُجِدُوا"١.
"وقال أبو شامة: "ظنَّ قومٌ أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يَظُنُّ ذلك بعض أهل الجهل"
стр. 91
وقال ابن عمار: لقد فعل مُتَّبِعُ هذا السبع ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة، بإبهامه كل من قلَّ نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته نقص عن السبعة، أو زاد ليزيل الشبهة".
وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يُقْرَأُ بها اليوم، وصحَّت رواياتها عن الأئمة، هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
ثم قال: وأما من ظنٍّ أن قراءة القرَّاء كنافع وعاصم، هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقد غلط غلطًا عظيمًا، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة، مما ثبت عن الأئمة وغيرهم، ووافق خطَّ المصحف، أن لا يكون قرآنًا، وهذا غلط عظيم"١.
وابن مجاهد الذي جمع القراءات السبع لم يقتصر على السبع لاعتقاده أنها هي المرادة بقوله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" , وإنما كان ذلك منه على سبيل الصدفة، أو كان كما يقول شهاب الدين القسطلاني في مقدِّمَة إبراز المعاني من حرز الأماني" لأبي شامة: "جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار، ليكون ذلك موافقًا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده أو اعتقاد غيره من العلماء أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءاتهم"٢.
قال أبو شامة في إبراز المعاني: "فذكرت تصانيف الأئمة في القراءات المعتبرة والشاذة، ووقع اختيار أكثرهم على الاقتصار على ذكر قراء سبعة من أئمة الأمصار، وهم الذين أجمع عليهم، وإن كان الاختلاف أيضًا واقعًا فيما نُسِبَ إليهم، وأول من فعل ذلك الإمام أبو بكر بن مجاهد قبيل سنة ثلاثمائة أو في نحوها، وتابعه بعد ذلك من أتى بعده إلى الآن، وكان من كبار أئمة هذا الشأن، وبعضهم صنَّف في قراءة أكثر من هذا العدد، وبعضهم في أنقص منه.
واختار ابن مجاهد ومن بعده هذا العدد موافقة لقوله ﵊: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف".
стр. 92
فإن كان المراد بها غير ذلك على ما ذكرناه في كتاب مفرد لذاك، وتأسيًا بمصحف الأئمة التي أنفذها الصحابة إلى الأمصار، فإنها كانت سبعة على ما نطقت به الأخبار, ووقع اختيارهم من أئمة القراءة على كل مختار"١.
الشبهة الثانية: يقول المفترون من المستشرقين ومن نحا نحوهم من أهل الزيغ والضلال: إن اختلاف القراء في قراءة القرآن على سبعة أحرف، والأحاديث الدَّالة على أنه نزل على سبعة أحرف, تدل على أن في القرآن اختلافًا كثيرًا, بينما ينفي الله عن هذا القرآن الاختلاف, ويجعل وجوده دليلًا على أنه ليس من عنده.
والجواب أن الاختلاف الناشئ عن الأحرف السبعة هو اختلاف في طرق الأداء في دائرة محدودة، لا تعارض بين معانيها، ولا تضارب بين أحكامها.
والاختلاف المنفي إنما هو التعارض في المعاني، والتناقض في الأحكام والأخبار.
الشبهة الثالثة: "قالوا: إن بعض الروايات في اختلاف القراءات تثير الشك في القرآن، وتفقد الثقة فيه، ففي بعض الروايات تخيير الشخص أن يأتي باللفظ أو بمرادفه، أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى، من ذلك حديث أبي بكرة من رواية أحمد، وفيه: "كلها شافٍ كافٍ، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، نحو قولك: تعالى، وأقبل، وهلمَّ، وأسرع، وعجِّل".
ومن ذلك أيضًا ما روي عن ابن مسعود، "أنه أقرأ رجلًا: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فقال الرجل: طعام اليتيم، فردها عليه، فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر؟ قال: نعم، قال: فأفعل".
والحقيقة أن كثرة الأقوال، وتهافتها، وضعف الروايات وسقوطها، مكَّن لأعداء الإسلام من التهجُّم على الكتاب الخالد، الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه", وأتاج لهم فرصة الاعتراض والتشكيك.
نعم، وإن سماحة الإسلام فتحت مجال القول والكتابة على مصراعيه،
стр. 93
فدخله العالم والجاهل، فكتب فيه -بحسن قصد- ما ليس منه، ووجد من كلام أبنائه معاول هدم أخطر من سيوف المبشِّرين والمستشرقين، وصدق القائل:
لا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
فما أحوج ثروة الإسلام العلمية إلى جملة نقاء وتصفية في كتب التفسير، وكتب الحديث، وكتب السير، بل وكتب الأحكام الفقهية الفرعية.
ونرى بعض العلماء يسلِّمُ بصحة هذه الروايات لمجرد اطمئنانه للمسند، ويحاول الرد بأن هذا كان جائزًا في أول الإسلام حتى تلين ألسنة المبعوث إليهم, مع ملاحظة أن الكلَّ نازل من عند الله.
وتلك المحاولة -رغم حسن القصد الباعث عليها- لا تزيد الشبهة إلّا اشتباهًا, فإن القرآن لم ينزل للعرب وحدهم, وكان حريًّا به أن يراعي المشقة بالنسبة لجميع الأمم لا بالنسبة لبعض القبائل العربية التي تقف ألسنتها عند كلمات منه محدودة.
والأولى ردَّ هذه الروايات من أساسها؛ لأن ما جاءت به يخالف الأمر المجمع عليه"١.
стр. 94
المبحث الرابع عشر: القراءات والقراء
مدخل
...
المبحث الرابع عشر: القراءات والقراء
علم القراءات من أجلِّ العلوم قدرًا, وأرفعها منزلة، وهو لا يقل عن علم التفسير شأنًا؛ لأنه يعنى ببيان الوجوه التي أُنْزِلَ بها القرآن، وحفظها وضبطها وتصحيح أسانيدها، وتوثيق رواتها، وتمييز متواترها وآحادها وشاذِّها، وغير ذلك مما يتعلَّق بها من الأحكام.
وإنه لمن العلوم التي لا يستغني عنها مشتغِلٌ بالدراسات الشرعية واللغوية, لهذا اعتنى به فريق كبير من العلماء، وفرَّغُوا أنفسهم له حتى نبغوا فيه واشتهروا به ولقِّبُوا بالقراء، وهم كثير -بحمد الله- في كل زمان ومكان، وعلى جانبٍ عظيم من الورع والتقى وشرف المكانة وعلوِّ المنزلة بين علماء الشريعة واللغة بوجه خاصٍّ، وبين الناس بوجه عام.
وهذا العلم بحر واسع عميق الأغوار، لا يجيد السباحة فيه إلّا من عَلَت همته، وقويت عزيمته، وتعدَّدت مواهبه, واتسعت مداركه، وكان على حظٍّ وافر من الورع والتقى والإخلاص.
وسنتكلم في هذا المبحث عن تعريف هذا العلم، وبيان الحكمة من تعدد القراءات، ونشأة علم القراءات، وأقسامها باعتبار السند وضوابط قبولها، وخلاف العلماء في شرط التواتر في كل قراءة، وغير ذلك مما يأتي عرضًا في ثنايا البحث.
والله ولي التوفيق.
стр. 95
تعريف القراءات:
"القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًّا لناقله.
فخرج بهذا التعريف علم: اللغة، والنحو، والتفسير"١.
"أو هي مذهب يذهب إليه إمام من الأئمة مخالفًا به غيره في النطق بالقرآن الكريم، مع اتفاق الروايات عنه.
وهي اختلاف في اللهجات وكيفية النطق وطرق الأداء فقط، من إدغام وإظهار، وتفخيم وترقيق، وإمالة وإشباع، ومد وقصر، وتشديد وتخفيف، وتليين، إلخ، نزل بها جبريل على النبي ﷺ ، فأقرأها رسول الله ﷺ صحابته.
فكانوا إذا أخذ أحدهم كيفية مخالِفَة لما أخذ الآخر عن رسول الله ﷺ فقرأ على مسمع أخيه أنكره، واحتكما إلى النبي ﷺ ، فأقرَّ كلًّا على قراءته، وأعلن أنها مطابقة لما أنزل"٢.
وقد مرَّ بك ما رواه البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ في المبحث الذي قبله.
وما رواه مسلم عن أُبَيّ بن كعب.
стр. 96
الحكمة من تعدد القراءات:
١- قد عرفت في المبحث السابق أن نزول القرآن على سبعة أحرف كان تيسيرًا على الأمَّة، فإنها كانت قبائل شتَّى, لكل قبيلة لهجة خاصة يصعب عليها أن نتكلم بغيرها، فكان من فضل الله على الناطقين بالعربية على اختلاف لهجاتهم, أن أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كافٍ شافٍ، بأيِّ حرف قرأ منها المسلم أصاب.
٢- ومن حكمة تعدد القراءات: التعرُّف من خلالها على حكم الصحيح
стр. 97
وحسم مادة الخلاف عنه التعارض في أقوال الفقهاء، أو ترجيح بعضها على بعض، فإن الفقيه يلجأ في تصويب رأيه إلى وجوه القراءات؛ لعلمه أن القرآن يفسِّر بعضه بعضًا.
فمثلًا: قراءة "يطَّهّرن" بتشديد الطاء والهاء في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ١.
فقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة، ومن نحا نحوهم إلى عدم جواز وطء المرأة حتى تغتسل اعتمادًا على قراءة "يطَّهَّرن" بالتشديد، أي: حتى يقمن بتطهير أنفسهن من الحيض بالاغتسال.
ومثل ترجيح غسل الرجلين على مسحهما، بقراءة نصب "أرجلكم" عطفًا على قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ .
ومن رجَّح مسح الرجلين على الغسل اعتمد على قراءة "أرجلكم" بالجر.
وهكذا ترى الفقهاء يعتمدون على وجوه القراءات في تصويب قراءاتهم، وتصحيح أقوالهم، وترجيح بعضها على بعض.
"ولم تزل العلماء تستنبط من كل حرف يقرأ به قارئ معنًى لا يوجد في قراءة الآخر.
فالقراءات حجة الفقهاء في الاستنباط، ومحجَّتهم في الاهتداء إلى سواء الصراط"٢.
فتنوع القراءات بمثابة تعدد الآيات، وسعت مدارك العلماء، وفتحت لهم مجالًا رحبًا للتأمُّل والنظر، وفي ذلك من الإعجاز التشريعي والبياني ما لا يخفى.
٣- وفي تعدُّد القراءات تعظيم لأجر الأمَّة في حفظها, والعناية بجمعها، ونقلها بأمانة إلى غيرهم، ونقلها بضبطها مع كمال العناية بهذا الضبط إلى الحدِّ الذي حاز الإعجاب.
стр. 98
نشأة علم القراءات:
من المعلوم لدى المشتغلين بالعلوم الشرعية أن المعوّل في تلقي القرآن الكريم هو السماع والمشافهة من ثقة عدل ضابط عن مثله إلى النبي ﷺ ، وقد أخذ الصحابة القرآن عن رسول الله ﷺ بالسماع والمشافهة، ومن لم يسمع منهم عن الرسول ﷺ ، سمعه من مثله، ومنهم مَنْ أخذ القرآن عنه ﷺ بحرف واحد، ومنهم من أخذه عنه بحرفين، ومنهم من زاد، ثم تفرَّقوا في البلاد, فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم، وأخذ تابع التابعين من التابعين، وهلمَّ جرَّا حتى وصل الأمر على هذا النحو إلى الأئمة القراء المشهورين الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات يضبطونها، ويعنون بها، وينشرونها بين العباد في كل وادٍ وناد.
"هذا منشأ علم القراءات واختلافها، وإن كان الاختلاف يرجع في الواقع إلى أمور يسيرة بالنسبة إلى مواضع الاتفاق الكثيرة كما هو معلوم، لكنه -على كل حالٍ- اختلاف في حدود السبعة الأحرف التي نزل عليها القرآن، وكلها من عند الله، لا من عند الرسول، ولا من عند أحد من القراء أو غيرهم"١.
وقد اشتُهِرَ في كل طبقة من طبقات الأمة جماعة بحفظ القرآن وتحفيظه.
فاشتُهِرَ بذلك من الصحابة عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأُبَيّ ابن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم.
وقد بعث عثمان بن عفان مع كل مصحف أرسله إلى الأمصار قارئًا ماهرًا من القراء، يجيد القراءة التي عُنِيَت بها النسخة التي يحملها ليعلِّمَ الناس ويقرئهم.
وممن اشتُهِرَ من التابعين بالحفظ والتحفيظ بالمدينة: ابن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وزيد بن أسلم، ومسلم بن جندب، وابن شهاب الزهري، ومعاذ بن الحارث, المشهور بمعاذ القارئ.
стр. 99
وبمكة اشتُهِرَ: عطاء، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، وابن أبي مليكة، وعبيد بن عمير، وغيرهم.
وبالبصرة اشتُهِرَ: عامر بن عبد القيس، وأبو العالية, وأبو رجاء، ونصر ابن عاصم، ويحيى بن يعمر، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، وغيرهم.
وبالكوفة اشتُهِرَ: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة، والربيع بن خيثم، والحارث بن قيس، وعمر بن شرحبيل، وعمر بن ميمون، وأبو عبد الرحمن السلمي، وزِرّ بن حبيش، وعبيد بن فضلة، وأبو زرعة بن عمرو، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشعبي، وغيرهم.
وبالشام: المغيرة المخزوميّ، وخليد بن سعيد صاحب أبي الدرداء.
ثم تفرَّغَ قوم للقراءات يضبطونها، ويعلمونها, ويعنون عناية فائقة بأسانيدها حفظًا وتمحيصًا, فكان بالمدينة منهم: أبو جعفر بن يزيد القعقاع، ثم شيبة بن نصاح، ثم نافع بن أبي نعيم.
وكان بمكة: عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج، ومحمد بن محيصن.
وكان بالكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النجود، وسليمان الأعمش، ثم حمزة، ثم الكسائي.
وكان بالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمرو، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري، ثم يعقوب الحضرمي.
وكان بالشام: عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابي، وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، ثم يحيى بن الحارث الزماري، ثم شريح بن يزيد الحضرميّ.
وذاعت شهرة بعض هؤلاء في الأمصار، حتى صاروا أئمة يُرْحَل إليهم، ويُتَلَقَّى منهم، وزادت الثقة فيهم وفي سعة علمهم أكثر من غيرهم.
стр. 100
فكان الناس بالمدينة على قراءة نافع، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب، وبالشام على قراءة ابن عامر.
هذا وأوَّل مَنْ ألَّفَ في علم القراءات: أبو عبيد القاسم بن سلَّام، وأبو حاتم السجستاني، وأبو جعفر الطبري، وإسماعيل بن إسحاق.
ولم يقتصرْ واحد منهم في تأليفه على هؤلاء السبعة المشهورين، وظلَّ الحال على ذلك حتى اشتهرت من القراءات على كثرتها سبع قراءات لسبعة أئمة أعلام، ولكنها لم تأخذ طريقها إلى التدوين مجموعة في كتاب واحد حتى نهاية القرن الثالث الهجري، أو قبل نهايته بقليل.
ثم جاء أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي البغدادي، المولود في بغداد سنة ٢٤٥ للهجرة، والمتوفَّى سنة ٣٢٤ للهجرة، فألَّفَ كتابًا في هؤلاء السبعة المشهورين، فناقش فيه أصحاب القراءات السبعة ورواتهم، وذكر أنسابهم وأساتذتهم وتلاميذهم، وذكر وجوه قراءتهم على كثرتها، ووثَّقَها بالأسانيد الصحيحة.
والسبب في اقتصاره على السبعة، مع أن في أئمة القرَّاء مَنْ هو أجلَّ منهم قدرًا، أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرين جدًّا، فلمَّا تقاصرت الهمم اقتصروا بما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتُهِرَ بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراء, والاتفاق في الأخذ عنه، فأفردوا من كل مَصْرٍ إمامًا واحدًا.
وقد أراد ابن مجاهد -رحمه الله تعالى- كما قلنا في الشبهة الأولى من المبحث السابق موافقة المصاحف السبعة التي أرسل بها عثمان ﵁ إلى الأمصار، ولم يرد -رحمه الله تعالى- حصر وجوه الكلمات في سبعة، ولم يرد إلزام أحد بهذه القراءات المروية عنه.
وقد أضيف إلى القراءات السبع ثلاثة أخر، اشتُهِرَت عن الأئمة الأعلام، وصحَّت أسانيدها واشتهرت، فقامت الشهرة مقام التواتر، وهي:
стр. 101
قراءة يعقوب، وأبي جعفر، وخلف.
وهناك قراءات أخرى شاذة، لم تصل أسانديها إلى حدِّ التواتر، ولا إلى حدِّ الاشتهار، مثل قراءة الحسن البصري، وابن محيصن، ويحيى اليزيدي، والشنبوذي.
стр. 102
أقسام القراءات باعتبار السند:
ضبط علماء القراءات الأسانيد التي وصلت إليهم عن طريقها ضبطًا محكمًا، وقسَّموا هذه الأسانيد إلى أربعة أقسام: قراءة، ورواية، وطريق، ووجه.
فالقراءة: ما كان الخلاف فيها لأحد الأئمة السبعة أو العشرة، أو الأربعة عشر أو نحوهم، واتفقت عليه الروايات والطرق.
والرواية: ما كان الخلاف فيه للراوي عن الإمام، واتفقت الطرق عنه.
والطريق: ما كان الخلاف فيه لمن بعد الراوي عن الإمام فنازلًا.
والوجه: هو الخلاف الراجع إلى تخيير القارئ فيه.
стр. 103
ضوابط قبول القراءات:
اشترط أهل هذا العلم لقبول القراءة ثلاثة شروط نصَّ عليها ابن الجزري في "النشر في القراءات العشر" فقال: قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصحَّ سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها، ولا يحلّ إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختلَّ ركن من هذه الأركان الثلاثة أُطْلِقَ عليها ضعيفة، أو شاذّة، أبو باطلة، سواء كانت عن السبعة أو عَمَّن هو أكبر منهم.
هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف, صرَّح بذلك الإمام الحافظ أبو عمر وعثمان بن سعيد الداني، ونصَّ عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحقَّقه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة.
стр. 104
وهو مذهب السلف الذي لا يُعْرَف عن أحد منهم خلافه.
ثم أخذ ابن الجزري يشرح هذه الضوابط واحدًا تلو الآخر، فقال -رحمه الله تعالى:
وقولنا في الضابط: ولو بوجه، نريد به وجهًا من وجوه النحو, سواء كان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضرُّ مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع، وتلقَّاه الأئمة بالإسناد الصحيح؛ إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتَبَرْ إنكارهم، بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها؛ كإسكان "بارئكم"، ويأمركم" ونحوه.
قال الحافظ أبو عمرو الداني في كتابه "جامع البيان", بعد ذكره إسكان "بارئكم" "ويأمركم" لأبي عمرو، وحكاية إنكار سيبويه له، قال: والإسكان أصحُّ في النقل، وأكثر في الأداء، وهو الذي اختاره وأخذ به، ثم لما ذكر نصوص رواته قال: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل.
والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فَشْوَ لغة، لأنَّ القراءة سنَّة متَّبَعة يلزم قبولها والمصير إليها.
قال ابن الجزري: ونعني بموافقة أحد المصاحف: ما كان ثابتًا في بعضها دون بعض، كقراءة ابن عامر: "قالوا اتخذ الله ولدًا" في البقرة بغير واو.
"وبالزُّبرِ وبِالكِتَابِ الْمُنِير" بزيادة الباء في الاسمين، ونحو ذلك، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي.
وكقراءة ابن كثير: "جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار" في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة "من" فإن ذلك ثابت من المصحف المكي.
وكذلك: ﴿فإنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد﴾ في سورة الحديد بحذف "هو". وكذا ﴿سَارِعُوا﴾ بحذف الواو.
стр. 105
وكذا "منهما مُنْقَلَبًا" بالتثنية في الكهف، إلى غير ذلك من مواضع كثيرة في القرآن اختلفت المصاحف فيها، فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار على موافقة مصحفهم، فلو لم يكن ذلك كذلك في شيء من المصاحف العثمانية لكانت القراءة بذلك شاذة؛ لمخالفتها الرسم المجمَع عليه.
وقولنا بعد ذلك: "لو احتمالًا" نعني به: ما يوافق الرسم ولو تقديرًا، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقًا وهو الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديرًا وهو الموافقة احتمالًا.
فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعًا نحو السماوات، والصلحات، واليل، والصلوة، والزكاة، والربوا.
وقد توافق بعض القراءات الرسم تحقيقًا، ويوافقه بعضها تقديرًا، نحو ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف، فقراءة الحذف تحتمله تحقيقًا، كما كتب ﴿مَلِكِ النَّاس﴾ وقراءة الألف محتملة تقديرًا، كما كتب ﴿مَالِكَ الْمُلْك﴾ فتكون الألف حذفت اختصارًا.
ثم قال ابن الجزري في شرح الشرط الثالث:
وقولنا: "وصحَّ سندها" فإنا نعني به: أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله، كذا حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين له، غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شَذَّ بها بعضهم١.
стр. 106
هل التواتر شرط في صحة القراءة:
من المعلوم أن القرآن الكريم قد نقل إلينا كله بالتواتر، ولكن هل يشترط التواتر في كل حرف من حروفه لصحة القراءة به، أم يكفي أنه اشتهر بين القراء سلفًا وخلفًا, فتقوم الشهرة مقام التواتر؟
قال ابن الجزري: "وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبُت إلّا بالتواتر، وأن ما جاء
стр. 107
مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذا ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي ﷺ وجب قبوله، وقُطِعَ بكونه قرآنًا, سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة، وغيرهم.
ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف"١.
وإلى هذا القول جنح أبو شامة في "مرشده", وغيره من الباحثين المحقِّقين في هذا العلم.
والمعوَّل عليه في صحة القراءة وقبولها والقراءة بها هو النقل الصحيح.
قال الإمام أبو محمد مكي في مصنَّفه الذي ألحقه بكتاب "الكشف" له: فإن سأل سائل فقال: فما الذي يقبل من القرآن الآن فيقرأ به، وما الذي يقبل ولا يقرأ به؟
فالجواب: أن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام:
قسم يقرأ به اليوم، وهو ما اجتمعت فيه الشروط الثلاثة المتقدمة.
والقسم الثاني: ما صحَّ نقله عن الآحاد، وصحَّ وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف، فهذا يقبل ولا يقرأ به.
والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية, فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف.
стр. 108
المبحث الخامس عشر: جمع القرآن في الصدور والسطور
مدخل
...
المبحث الخامس عشر: جمع القرآن في الصدور والسطور
جمع الله القرآن في صدر نبيه ﵊, كما وعده بذلك في قوله سبحانه:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ١.
فوعاه قلبه، فلم ينس منه شيئًا، كما دلَّ على ذلك قوله -جلَّ وعلا- في سورة الأعلى:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ ٢.
"أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه، والمعنى: نجعلك قارئًا للقرآن فلا تنساه"٣.
وتلقَّاه عنه أصحابه، فحفظه بعضهم بتمامه عن ظهر قلب، وحفظ بعضهم منه ما شاء الله أن يحفظ، واستعانوا على حفظه بكتابته، ولم يكن أكثرهم يعرِفُ القراءة والكتاية، فكان أحدهم إذا أنسي شيئًا ترقَّب قراءة الرسول ﷺ وتابعها، ليتذكَّر من خلالها ما أنسيه، أو سأل عنه من يحفظ القرآن في صدره أو في مصحفه، وكان يعين بعضهم بعضًا على الحفظ والتدبُّر؛ إيمانًا منهم بضرورة نشر العلم بوجه عام، ونشر القرآن بوجه خاصٍّ، وكان النبي ﷺ يرغِّبُهم في ذلك، حتى أنه جعل مهر امرأة تعليم آيات من كتاب الله.
فقد روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلّا إزاري هذا، فقال النبي ﷺ : "إن أعطيتها إزارك
стр. 109
جلست لا إزار لك، فالتمس شيئًا" , فقال: ما أجد شيئًا، فقال: "التمس ولو خاتمًا من حديد" فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال النبي ﷺ : "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، لسور يسميها، فقال النبي ﷺ : "قد زوجتكها بما معك من القرآن".
ولقد أعانهم على حفظه أيضًا كثرة تلاوته في الصلوات الخمس، وفي قيام الليل، وفي مجالسهم المختلفة، فقد تعبَّدهم الله بتلاوته وسماعه وتدبره والعمل به، وجعله منهج حياتهم ونور قلوبهم، وشفاء أرواحهم وأبدانهم، فجعلوه شغلهم الشاغل في حِلِّهم وترحالهم، فملك عليهم بحلاوته شغاف قلوبهم، وكان لهم الروح والريحان، فحفظه في صدورهم، واستعانوا على حفظه بكتابته كما قلنا، لئلَّا يفوتهم منه شيء.
وجمع القرآن معناه: حفظه في الصدور، ومعناه أيضًا: كتابته في الصحف, وضم بعضه إلى بعض.
وجمعه -بمعنى كتابته- حدث في الصدر الأول ثلاث مرات:
الأولى: في عهد النبي ﷺ .
والثانية: في خلافة أبي بكر ﵁.
والثالثة: على عهد عثمان ﵁.
وسنتكلم عن جمعه في كل عصر من هذه العصور الثلاثة بشيء من التفصيل.
стр. 110
جمعه في عصر النبي ﷺ :
حَفِظَ القرآن الكريم كله في عصر النبي ﷺ كثير من أصحابه، واشتهر بالحفظ منهم عدد؛ لكثرة تلاوتهم له, والتصدي لتعليمه وتفسيره, وجمعه في كتبهم, وغير ذلك من أسباب الشهرة الطيبة.
فما ورد من أنهم سبعة أو أقل، فإنه يحمل على من اشتُهر منهم، لا على إرادة الحصر.
فقد أورد البخاري في صحيحه ثلاث روايات، ذكر في مجموعها سبعة