الخاصة الرابعة: براعته في تصريف القول, وثروته في أفانين الكلام:
فهو يورد المعنى الواحد بألفاظ مختلفة، وطرق متعددة، بمقدرة فائقة خارقة، تنقطع في حلبتها أنفاس الموهوبين من الفصحاء والبلغاء.
فهو ينتقل بك بين الأساليب الإنشائية والخبرية في المعنى المراد إبرازه، ويسلك مسالك شتَّى في التعبير والتصوير والترغيب والترهيب، من غير أن تشعر بفجوة بين أسلوب وأسلوب، أو تنافر بين كلمة وأخرى، ومن غير أن تشعر بتغيير يذكر بين الجوِّ العام للنص.
وهذا ضَرْبٌ فريد في الإعجاز البياني، جدَّ في طلبه رجال لم يلههم عنه تجارة ولا بيع، فنقَّبوا عن لطائفه، ودقائقه ونفحاته وإشراقاته، فخرجوا بعد التحري وطول التأمُّل والنظر بزاد غير قليل، زاد في إيمانهم بعظمة هذا الكتاب وقدرته على التحدي، وتأبيه على المعارضة والمطاولة، في أي وجه من وجوه الجمال الذي تحلَّى به في كل جزئية من جزئياته.
ولا نريد أن نتوسَّع هنا في ذكر مثال لكل أسلوب من أساليبه، فهذا يحتاج إلى مجلدات، ولكن نكتفي بذكر أسلوبين من هذه الأساليب، وهما:
أسلوبا الأمر والنهي: ومن خلالهما تستطيع أن تنطلق باحثًا بين دفتي المصحف عن غيرهما من الأساليب.
فخذ أولًا تعبيره عن طلب الفعل من المخاطبين، فإنه قد ورد بأساليب مختلفة، كل أسلوب منها في موقعه سديد:
١- فقد يرد الأمر صريحًا بمادَّته المستعمَلة فيه, وهو لفظ "افعل" مثل قوله تعالى:
стр. 422
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] .
٢- وقد يرد بلفظ فيه حروف الأمر نفسها، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] .
٣- وأحيانًا يدل على الأمر بصيغة "كتب"، مثل قوله تعالى:
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
٤- والإخبار بكونه على الناس، نحو قوله -جل شأنه:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
٥- والإخبار عن المكلف بالفعل المطلوب منه نحو قوله تعالى:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
أي: مطلوب منهن أن يتربصن.
وقد جاء هذا الأمر بصيغة الخبر مبالغة في طلب الحرص على فعله, حتى لكأنه واقع منهن بمقتضى حياتهن الذي فُطِرْنَ عليه، فإن المطلَّقة من شأنها أن تستحي من تعريض نفسها للأزواج بعد الطلاق، حتى تظل مدة كافية تتأكَّد فيها من براءة رحمها، وتكون لزوجها فرصة في مراجعتها إن كان قد طلقها طلقة رجعية.
وكذلك الحال في قوله -جل شأنه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
стр. 423
فهو أمر لهنَّ بإرضاع أولادهنَّ بوصفهنَّ والدات, فلا ينبغي أن يحملهن طلاقهن على ترك إرضاع أولادهن نكاية في أزواجهن.
٦- والإخبار عن الفعل بأنه خير، نحو قوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .
٧- ووصف الفعل بالفرضية، نحو قوله تعالى:
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] .
أي: من بذل المهور والنفقة، والمعاشرة بالمعروف.
٨- وترتيب الوعد والثواب على الفعل، نحو قوله سبحانه:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] .
٩- وترتيب الفعل على شرط قبله، نحو قوله تعالى:
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
١٠- وإيقاع الفعل منفيًّا معطوفًا عقب استفهام، نحو قوله -جل شأنه:
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
أي: تذكَّروا.
١١- وإيقاع الفعل عقب ترجٍّ نحو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ .
١٢- وترتيب وصف شنيع على ترك الفعل، نحو قوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
هذه هي أهم صيغ الأمر، ويقابله النهي, وله صيغ كثيرة منها:
١- الصيغة المألوفة الصريحة بأداة النهي المعروفة، مثل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] .
стр. 424
٢- الصيغة الصريحة التي تفيد التحريم بلفظه، مثل قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] .
٣- نفي الحلِّ عنه، نحو قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] .
٤- ووصفه بأنه شرٌّ، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٨٠] .
٥- وذكر الفعل مقرونًا بالوعيد، نحو قوله سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] .
٦- وذكر الفعل منسوبًا إليه الإثم، نحو قوله -جل شأنه:
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] .
هذه نماذج من الأوامر والنواهي جاءت كما رأيت على أساليب متعددة، وفق المقام الذي سيقت له والجوّ الذي سيقت فيه.
"وهكذا تجد القرآن يفتن في أداء المعنى الواحد بألفاظ وطرق متعددة، بين إنشاء وإخبار، وإظهار وإضمار، وتكلم وغيبة، وخطاب ومضيّ، وحضور واستقبال، وإسمية وفعلية، واستفهام وامتنان ووصف، ووعد ووعيد إلى غير ذلك.
стр. 425
ومن عجب أنه في تحويله الكلام من نمط إلى نمط, كثيرًا ما تجده سريعًا لا يجارى في سرعته، ثم هو على هذه السرعة الخارقة لا يمشي مكبًّا على وجهه، مضطربًا أو متعثرًا، بل هو محتفظ دائمًا بمكانته العليا من البلاغة "يمشي سويًا على صراط مستقيم".
... واعلم أن تصريف القول في القرآن على هذا النحو كان فنًّا من فنون إعجازه الأسلوبي كما ترى، وكان في الوقت نفسه مِنَّة يمنها الله على الناس، ليستفيدوا عن طريقها كثرة النظر في القرآن, والإقبال عليه قراءة وسماعًا وتدبُّرًا وعملًا، وأنه لا عذر معها لمن أهمل هذه النعمة وسفَّه نفسه.
اقرأ إن شئت قوله سبحانه في سورة الإسراء:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ ١.
وقوله سبحانه في سورة الكهف:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ٢.
وقوله سبحانه في سورة الرعد:
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال﴾ ٣ أ. هـ.٤.
стр. 426
المبحث الثلاثون: إعجاز القرآن
مدخل
...
المبحث الثلاثون: إعجاز القرآن
ما من نبيٍّ أرسله الله إلى أمَّة من الأمم إلّا أيده بمعجزة تكون برهانًا قاطعًا، وحجَّة ساطعة على صدقه فيما يبلغ عن ربه .
وغالبًا ما تكون معجزته من جنس ما نبغ فيه قومه, مبالغة في التحدي, وإمعانًا في التعجيز.
ولما كان العرب من أرقى الأمم في الإفصاح والبيان، جاءت معجزة النبي ﷺ عقلية لغوية، ليكون التحدي بها قائمًا على العدل والإنصاف، فلا يقول قائل منهم: تحدانا الله بما لا نجيده ولا نعرفه ولا نألفه.
قال رسول الله ﷺ : $"ما من الأنبياء نبي إلّا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا" أخرجه البخاري.
وكل معجزة ذهبت بذهاب صاحبها، إلّا معجزة القرآن الكريم، فإنها باقية ما بقي الدهر، والتحدي بها قائم، لكل من أنكر رسالة النبي محمد ﷺ ، وذلك لأن رسالته عامة، ورسالة الأنبياء من قَبِلِه كانت خاصة محدودة بأمة معينة -كما هو معلوم.
وكانت لمحمد ﷺ بجانب هذه المعجزة الكبرى معجزات أخرى, نبعت من روحه وحسِّه وخلقه، أهَّلته لهذه الرسالة الخالدة, وجعلت كل من رآها فيه أو رأى شيئًا منها يسلِّمُ بصدقه في دعوته من أعماق قلبه، مع معجزات أخرى حسية رأتها الأعين، وسمعتها الآذان، ولكن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى التي فاقت جميع المعجزات على الإطلاق.
فاتسع مجال البحث فيها، واستمرَّ الدارسون في كشف وجوه الإعجاز ومناحيه حتى هذا العصر، ولم يصلوا إلى منتهى يقفون عنده، ولن يصلوا؛
стр. 427
لأن القرآن الكريم كَوْنٌ لا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي غرائبه, ولا تبلى جدته، وسيظل في جماله وجلاله وكماله، كما نزل به الروح الأمين على قلب النبي الكريم ﷺ .
وسنتكلم في هذا المبحث عن وجوه الإعجاز التي كشف عنها العلماء، وعن القدر الذي وقع به التحدي والإعجاز, وغير ذلك مما يتعلق به.
стр. 428
تعريفه:
إعجاز القرآن معناه في اللغة: إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به، فهو من إضافة المصدر لفاعله.
والمعجزة: هي الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، يوقعه الله على يد نبي ليكون حجة له في دعوته، وبرهانًا على صدقه فيما يبلغ عن ربه .
والتعجيز ليس مقصودًا لذاته، بل المقصود لازمه, وهو إثبات أن محمدًا ﷺ مرسَلٌ من ربه، وأن القرآن قد أُنْزِلَ عليه من لدنه خالصًا نقيًّا لم تَشُبْهُ شائبة من كلام البشر ولا من كلام غيرهم.
"وكذلك الشأن في كل معجزات الأنبياء، ليس المقصود بها تعجيز الخلق لذات التعجيز، ولكن للازمه وهو دلالتها على أنهم صادقون فيما يبلِّغون عن الله؛ فينتقل الناس من الشعور بعجزهم إزاء المعجزات، إلى شعورهم وإيمانهم بأنها صادرة عن الإله القادر، لحكمة عالية، وهي إرشادهم إلى تصديق من جاء بها ليسعدوا باتباعه في الدنيا والآخرة"١.
стр. 429
عناية العلماء به:
لم يكن الإعجاز القرآني في عصر الصحابة والتابعين قضية تحتاج منهم إلى نظر واستدلال.
فقد استيقنتها قلوبهم، وشهدت بها قرائحهم العربية الصافية النفية، وعلموا بالسليقة والفطرة أن القرآن كلام لا يدانيه كلام، وحديث ليس كمثله حديث.
وكان لهم من واقعهم ما يملأ بذلك قلوبهم إيمانًا لا يخالجه شكّ في أيِّ وجه من وجوه إعجازه التي عرفوها بملكاتهم العقلية، ولم يفصحوا عنها بألسنتهم, لعدم وجود ما يستدعي ذلك الإفصاح، لأن الجميع كانوا في أمر الإعجاز على قلب رجل واحد.
فلمَّا مضى عصر الصحابة والتابعين، وجاء القرن الثالث الهجري، واختلط العرب بالأعاجم، وفسدت أذواق بعض الناس في أمر المعاني التي يحملها نظم الكلام العربي بوجه عام، والنظم القرآني بوجه خاص، وظهر في الناس من يثير الشبهات، ويختلق الأقاويل على القرآن والسنة، ويخلط بين الدين والفلسفة -لما كان ذلك كذلك، اضطر العلماء الأخيار أن يدافعوا بجدٍّ وإخلاص عن كتاب ربهم ، وسنة نبيهم ﷺ , فعقدت مجالس العلم في كل وادٍ ونادٍ، للرد على ما يُثَار من شبهات، وما يَرِدُ من قِبَلِ أعداء الإسلام من اعتراضات تمسُّ جوهر العقيدة، وأصول الشريعة, ومن بينها قضية "إعجاز القرآن".
فقد خاض فيها كثير من المعتزلة والخوارج, وقالوا فيها ما لا ينبغي أن يقال، فانبرى أهل التفسير والحديث والفقه يفنِّدون مزاعمهم، ويسفِّهون آراءهم، واتسعت حلبة النزال في هذا الميدان.
وأُلِّفت في هذه القضية كتب كثيرة يتحدَّث فيها مصنِّفوها عن وجوه الإعجاز القرآني، ومناحيه ومسائله المتعلقة به.
وفيما يلي بيان أهم المؤلفات فيه، ثم بيان هذه الوجوه والمناحي والمسائل، بأسلوب بعيد بحمد الله تعالى عن التكلُّف والاعتساف.
стр. 430
أهم المؤلفات فيه:
لما كثر الكلام في قضية الإعجاز القرآني في مجالس العلم, نهض جمعٌ من العلماء بتدوين ما كان يقال في كتب ورسائل خاصة بين أهل العلم، فكان بعضها على سنن الهدى، وبعضها على غير ذلك.
دفعهم إلى تصنيف هذه الكتب والرسائل -كما يذكر الرافعي- "انتشار مقالة بعض المعتزلة بأن فصاحة القرآن غير معجزة، وخوفهم من أن يلتبس ذلك على العامة بالتقليد أو العادة، وعلى الحشوة من أهل الكلام الذين لا رسوخ لهم في اللغة، ولا سليقة لهم في الفصاحة، ولا عرق لهم في البيان، مسَّت الحاجة إلى بسط القول في فنونٍ من فصاحته ونظمه ووجه تأليف الكلام فيه.
قال ﵀: فصنَّف أديبنا الجاحظ المتوفَّى سنة "٢٥٥" كتابه "نظم القرآن", وهو فيما ارتقى إليه بحثنا أوَّل كتاب أُفْرِد لبعض القول في الإعجاز, أو فيما يهيئ القول به.
وقد غضَّ منه الباقلاني بقوله: إنه لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عمَّا يلتبس في أكثر هذا المعنى "أي: الإبانة عن وجه المعجزة".
وذهب الباقلاني ﵀ أن ما دعا الجاحظ إلى وضع كتابه في أوائل القرن الثالث غير الذي دعاه هو إلى التصنيف في أواخر القرن الرابع، فلم يحاول الجاحظ أكثر من توكيد القول في الفصاحة, والكشف عنها على ما بقي بالابتداء في هذا المعنى، إذ كان هو الذي ابتدأ التأليف فيه, ولم تكن علوم البلاغة قد وضِعَت بعد.
بيد أن أول وضعٍ لشرح الإعجاز، وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف، إنما هو فيما نعلم كتاب "إعجاز القرآن" لأبي عبد الله محمد بن يزيد الواسطي, المتوفَّى سنة "٣٠٦"، وهو كتاب شرحه عبد القاهر الجرجاني شرحًا كبيرًا سماه: المعتضد، وشرحًا آخر أصغر منه.
ولا نظن الواسطي بنى إلّا على ما ابتدأه الجاحظ، كما بنى عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" على الواسطي.
ثم وضع أبو عيسى الرماني, المتوفَّى سنة "٣٨٢", كتابه في الإعجاز، فرفع بذلك درجة ثالثة.
وجاء القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفَّى سنة "٤٠٣", فوضع كتابه المشهور "إعجاز القرآن", الذي أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الإعجاز على
стр. 431
حدة، والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب الواسطي، ولا كتاب الرماني، ولا كتاب الخطابي الذي كان يعاصره، وأومأ إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما، فكأنه هو ابتداء بالتأليف في الإعجاز بما بسط في كتابه واتسع، وفي ذلك ما يثبت لنا أن عهد هذا التأليف لا يرد في نشأته إلى غير الجاحظ.
على أن كتاب الباقلاني وإن كان فيه الجيد الكثير، وكان الرجل قد هذَّبه وصفاه، وتصنَّع له، إلا أنه لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره، ولم يتحاش وجهًا من التأليف لم يرضه مَنْ سواه، وخرج كتابه كما قال في كتاب الجاحظ: "لم يكشف عَمَّا يلتبس في أكثر هذا المعنى".
فإن مرجع الإعجاز فيه إلى الكلام، وإلى شيء من المعارضة البيانية بين جنس وجنس من القول، ونوع وآخر من فنونه، وقد حشد إليه أمثلة من كل قبيل من النظم والنشر، ذهبت بأكثره وغمرت جملته، وعدَّها في محاسنه وهي من عيوبه.
وكان الباقلاني ﵀ وأثابه- واسع الحيلة في العبارة، مبسوط اللسان إلى مدى بعيد، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ، ومذهب مقلده ابن العميد على بصر وتمكُّن، وحسن تصرُّف، فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضِعَ له، لما فيه من الإغراق في الحشد، والمبالغة في الاستعانة، والاستراحة إلى النقل، إذ كان أكبر غرضه في هذا الكتاب أن ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه, ويهدي إلى الحجة، وهذه ثلاثة لو بسط لها كل علوم البلاغة، وفنون الأدب لوسعتها، وهي مع ذلك حشو ووصل.
على أن كتابه قد استبدَّ بهذا الفرع من التصنيف في الإعجاز، واحتمل المؤنة فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد، ووفى بكثير مما قصد إليه من أمهات المسائل والأصول التي أوقع الكلام عليها، حتى عَدُّوه الكتاب وحده، لا يشرك العلماء معه كتابًا آخر في خطره ومنزلته وبُعْدِ غوره، وإحكام ترتيبه, وقوة حجته، وبسط عبارته، وتوثيق سرده, فأنظر ما عسى أن يكون غيره مما سبقه أو تلاه.
стр. 432
وما زاد الباقلاني ﵀ على أن ضمَّن كتابه روح عصره، وعلى أن جعله في هذا الباب، كالمستحث للخواطر الوانية، والهمم المتثاقلة في أهل التحصيل والاستيعاب الذين لم يذهبوا عن معرفة الأدب، ولم يغفلوا عن وجه اللسان، ولم ينقطعوا دون محاسن الكلام وعيوبه, ولم يضلوا في مذاهبه وفنونه، حتى قال: إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها، وقد كانت علوم البلاغة لم تهذَّب لعهده, ولم يبلغ منها الاستنباط العلمي، ولم تجرَّد فيها الأمهات والأصول، ككتب عبد القاهر ومن جاء بعده، فبسط الرجل من ذلك شيئًا، وأجمل شيئًا، وهذَّب شيئًا, ونحا في الانتقاد منحى الذين سبقوه من العلماء بالشعر وأهل الموازنة بين الشعراء، وكانت تلك العصور بهم حفيلة.
وبالجملة فقد وضِعَ ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه في عصره، بيد أن القرآن كتاب كل عصر، وله في كل دهر دليل من الدهر على الإعجاز.
وممن ألَّفوا في الإعجاز أيضًا على وجوه مختلفة من البلاغة، والكلام، وما إليها: الإمام الخطابي المتوفي سنة "٣٨٨"، وفخر الدين الرازي المتوفَّى سنة "٦٠٦"، والأديب البليغ ابن أبي الإصبع المتوفَّى سنة "٦٥٤"، والزملكاني المتوفَّى سنة "٧٢٧", وهي كتب بعضها من بعض" أ. هـ١.
وتتابع الغيث من بعد هؤلاء، فأُلِّفَت في الإعجاز البياني والتشريعي والعلمي كتب كثيرة، ورسائل جامعية, جاء فيها مؤلفوها بجديد في هذه المناحي الثلاثة.
وسيظل كتاب الله منهلًا عذبًا يرتوي منه كل باحث متدبر.
стр. 433
وجوه الإعجاز
الوجه الأول: لغته وأسلوبه
...
وجوه الإعجاز:
لا يسع أيُّ باحث في كتاب الله تعالى أن يحيط بوجوه إعجازه كلها، ولا بأكثرها، ولا يسعى أحدهم إلى ذلك، لعلمه أنه لا يحيط بكلام الله إلّا الله, ولكن ما لا يدرك كله لا يُتْرَك جله.
من هنا نقَّب الباحثون كلٌّ على قدر طاقته وعلمه على هذه الوجوه في بيانه وتشريعه وعلومه ومعارفه, فحصَّلُوا من هذه الوجوه قدرًا كافيًا.
وذكر كل مجتهد ما رآه أولى بالذكر من غيره.
وسنحاول تلخيص أهم هذه الوجوه، ونبيِّن ما نراه راجحًا على غيره, مستأنسين في ذلك بأقوال من سبقنا، بعد شيء من التدبر والتأمل في الوجوه مجتمعة.
الوجه الأول: لغته وأسلوبه
فقد بهر بلغته السهلة الجزلة، الخالية تمامًا من التنافر والتعقيد أساطين البلاغة والبيان، وملك بأسلوبه في تأدية المعاني عقول الحكماء ودعاة الخير والإصلاح، فأيقنوا بأنه وحي منزَّل يستحيل أن يتقوَّلَه أحد، لما رأوه فيه من جمال التعبير ودقة التصوير وروعة البيان.
فقد اشتمل على خصائص لغوية في تأدية المعاني لم تتوفَّر لكلام سواه، واتصف مَنْطِقُه بسمات بلاغية كأنَّ العرب لم يقعوا عليها في غير هذا القرآن، مع أنه نزل بلغتهم، وهذا منتهى التحدي، وقمة الإعجاز.
"وها قد مرَّت على اللغة العربية من عهد نزول القرآن إلى عصرنا هذا أدوار مختلفة، بين علوٍّ ونزول واتساع وانقباض، وحركة وجمود، وحضارة بداوة، والقرآن في كل هذه الأدوار واقف في عليائه، يطل على الجميع من سمائه، وهو يشعُّ نورًا وهداية، ويفيض عذوبة وجلالة، ويسيل رقة وجزالة، ويرف جدة وطلاوة، ولا يزال كما كان غضًّا طريًّا يحمل راية الإعجاز، ويتحدى أمم العالم في يقين وثقة، قائلًا في صراحة الحق وقوته, وسلطان الإعجاز وصولته:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١، ٢.
стр. 434
الوجه الثاني: طريقة تأليفه
وبيان ذلك أنه قد رُتِّبَتْ آياته وسوره ترتيبًا غاية في الائتلاف والتناسق، مع أنه نزل منجَّمًا في نحو ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والحوادث، ومقتضيات الأحوال.
حتى إنَّ الناظر فيه دون أن يعلم بتنجيم نزوله لا يخطر على باله أنه نزل منجَّمًا، وحتى إنك مهما أمعنت النظر وبحثت لا تستطيع أن تجد فرقًا بين السور التي نزلت جملة، والسور التي نزلت منجَّمَة؛ من حيث إحكام الربط في كلٍّ منهما، ومن حيث نظام المبنى ودقة المعنى، وتمام الوحدة الفنية.
стр. 435
الوجه الثالث: بلاغته
ونعني ببلاغته: ما اشتمل عليه أسلوبه من أنواع المعاني والبيان والبديع, مما يُحْدِثُ في النفس من التأثير الذي لا يحدثه غيره من الكلام.
قال الزركشي في البرهان: قال الخطابي في كتابه -يعني "بيان إعجاز القرآن": "إن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة, وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر، لكن لمَّا صَعُبَ عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس، قال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في درجة البيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون النوع الهجين المذموم الذي لا يوجَد في القرآن شيء منه البتة.
فالقسم الأول أعلاه، والثاني أوسطه، والثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، انتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتها كالمتضادين؛ لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة، والمتانة في الكلام يعالجان نوعًا من الوعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع
стр. 436
نبو كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن، يسرها الله بلطيف قدرته، ليكون آية بينة لنبيه، ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر دينه" أ. هـ١.
стр. 437
الوجه الرابع: تأثيره في القلوب
...
الوجه الرابع: تأثره في القلوب
فهو يقتحم بمبانيه ومعانيه أعماق القلوب، قبل أن يتجاوز الآذان ويغوص في بواطن النفوس وخلجات المشاعر، حتى يهيمن بسلطانه على ملكات العقل والحسِّ، فينشر فيها السرور بجميل وعده، ويشيع فيها الحزن والخوف بشدة وعيده، ويجمع بين هذا وذاك في آنٍ واحد من خلال أسلوب ترغيبه وترهيبه؛
فتنقلب القلوب بين الخوف من عذابه، والطمع في رحمته.
وتتجلجل الجوارح في خشية الله بين التصدُّع والطمأنينة، وفي هذا وذاك يكون الدواء، والشفاء من أمراض القلوب، وعللها، فتسلم بتلاوته وسماعه من كل ما يعكِّر صفوها، ويكدِّر جلوتها، ويطمس شيئًا من نورها.
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢.
стр. 438
وقال جل في علاه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
стр. 439
الوجه الخامس: علومه ومعارفه
وبيان ذلك الوجه أن هذا القرآن قد نزل من عند الله على نبيٍّ أميِّ، لم يقرأ ولم يكتب ولم يجلس إلى معلم، فألفيناه كتابًا جامعًا لأخبار الأولين والآخرين، حافلًا بالإشارات الدالة على ما في الكون من آيات وعِبَر، ومعلومات كانت مستترة عن سائر البشر، ومغيبات ما كان لأحد أن يعرفها إلّا عن طريق هذا الكتاب المبين.
ووجدنا فيه جميع أسباب الهداية، ووسائلها الحكيمة، وعرفنا منه ما يكون فيه صلاح الناس جميعًا في دنياهم وآخرتهم.
فقد اشتمل هذا الكتاب العزيز على كثير من العلوم والمعارف الكونية، والإنسانية، والمشتملة على أصول الإصلاح العقدي، والنفسي، والخلقي، والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والفكري، فكان بذلك كتاب هداية، ومنهج حياة.
"تقرؤه فإذا بحر العلوم والمعارف متلاطِمٌ زاخر، وإذا روح الإصلاح فيه قويٌّ قاهر، ثم إذا هو يجمع الكمال من أطرافه، فبينما تراه يُصْلِحُ ما أفسده الفلاسفة بفلسفتهم، إذ تراه يعدم ما ترَدَّى فيه الوثنيون بشركهم، وبينما تراه يصحح ما حرَّفه أهل الأديان في دياناتهم، إذ تراه يقدِّم للإنسانية مزيجًا صالحًا من عقيدة راشدة ترفع همة العبد، وعبادة قومية تطهِّر نفس الإنسان، وأخلاق عالية تؤهل المرء لأن يكون خليفة الله في الأرض، وأحكام شخصية ومدنية واجتماعية تكفل حماية المجتمع من الفوضى والفساد، وتضمن له حياة الطمأنينة والنظام والسلام والسعادة.. دينًا قيمًا يساوق الفطرة ويوائم الطبيعة، ويشبع حاجات القلب والعقل, ويوفِّق بين مطالب الروح والجسد، ويؤلف بين
стр. 440
مصالح الدين والدنيا، ويجمع بين عزِّ الآخرة والأولى، كل ذلك في قصد واعتدال، وببراهين واضحة مقنعة تبهر العقل، وتملك اللب، والكلام على هذه التفاصيل يستنفد مجلدًا بل مجلدات" أ. هـ١.
стр. 441
الوجه السادس: إنه شيء لا يمكن التعبير عنه
"وهو اختيار السكاكي حيث قال في "المفتاح": واعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يُدرَك ولا يمكن وصفه, كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، وكما يدرك طيب النَّغم العارض لهذا الصوت، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة، إلّا بإتقان علمَيْ المعاني والبيان والتمرُّن فيهما.
وقال أبو حيان التوحيدي في "البصائر": لم أسمع كلامًا ألصق بالقلب، وأعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي -وكان بحرًا في العلم, وقد سُئِلَ عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف على المفتي، وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان؟ فليس للإنسان موضع من الإنسان، بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته، ودللت على ذاته، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلّا وكان ذلك المعنى آية في نفسه، ومعجزة لمحاوله، وهدًى لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه, وأسراره في كتابه، فلذلك حارت العقول, وتاهت البصائر عنده"١.
стр. 442
الوجه السابع: أنه معجز لأنه معجز
وبيان ذلك كما ذكر الرافعي١: "إنه معجز بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه, فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغًا، وليس إلى ذلك
стр. 443
مأتى ولا جهة، وإنما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصنعة، وهيئة الوضع، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغًا من ذوب تلك المواد كلها.
وما نظنه إلّا الصورة الروحية للإنسان، إذا كان الإنسان في تركيبه هو الصورة الروحية للعالم كله.
فالقرآن معجِزٌ في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني، ومعجز كذلك في حقائقه، وهذه وجوه عامَّة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء، فهي باقية ما بقيت" أ. هـ.
стр. 444
الخلاصة والتحقيق
مدخل
...
الخلاصة والتحقيق:
والخلاصة أن القرآن الكريم معجز بكل ما ذكرناه وما لم نذكره من الوجوه البيانية، ليس لوجه منها فضل على الآخر، لكنها جميعًا في الذروة العليا, متشابهة في الحلاوة والطلاوة.
واختلاف العلماء في تفضيل بعض الوجوه على بعض إنما هو ناشء عن اختلافهم في التذوق الجمالي لمفرداته وتراكيبه، ونظمه، وأسلوبه، وغير ذلك.
واعتبار هذا الخلاف القائم بين العلماء في الوجه المعجز من القرآن خلافًا حقيقيًّا يؤثر على جوهر العقيدة، أو يغضُّ من شأن المختلفين، تحكُّمٌ لا برهان له، ولا دليل عليه.
ووجوه الإعجاز القرآني -في الحقيقة- لا تنحصر؛ فهو معجز في بيانه، وصور البيان لا تحصى، ولكل صورة منها جمال يخصها، وفيها الحسَن والأحسن، والفصيح والأفصح، والجميل والأجمل.
والقرآن في جميع ذلك نمط فريد لا يُدَانى من بعيد ولا من قريب.
فمهما بذل العلماء من جهد في تخريج لطائف أسلوبه، ودقائق تعبيره، ورقة تصويره وعذوبة منطقه، فلن يبلغوا من ذلك كله إلّا كما يبلغ العصفور من البحر.
стр. 445
وهو معجز في تشريعه، وللتشريع كما هو معلوم أحكام وافية بمطالب البشر في كل زمان ومكان، وفي كل حكم من أحكامه ضرب من الإعجاز التشريعي, ويكفي أن نعلم أن هذا التشريع على كثرة قوانينه وفروعه ومسائله يخلو تمامًا من التناقض والاختلاف، والزيغ والانحراف.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ١.
стр. 446
القول بالصرفة:
ومن الباحثين من طوَّعت له نفسُه أن يذهب إلى القول بأن وجه إعجاز القرآن هو الصرفة، منهم أبو إسحاق الإسفراييني من أهل السنة، والنَّظَّام من المعتزلة، والمرتضى من الشيعة.
ومعنى الصرفة: أن الله قد صرف العرب عن معارضته، وكان في إمكانهم لولا ذلك أن يأتوا بمثله.
وقد اختلفوا في فهم هذه الصرفة، فمنهم من يرى أن بواعث هذه المعارضة ودواعيها لم تتوافر لديهم.
ومنهم من يرى أن صارفًا إلهيًّا زهَّدهم في المعارضة, فلم تتعلق بها إرادتهم، ولم تنبعث إليه عزائمهم، فقعدوا عنها على رغم توافر البواعث والدواعي.
ومنهم من يرى أن عارضًا مفاجئًا عطَّل مواهبهم البيانية, وعاق ملكاتهم البلاغية، وسلبهم أسبابهم العادية إلى المعارضة, على رغم تعلق إرادتهم بها، وتوجه همتهم إليها.
"وأنت إذا تأملت هذه الفروض الثلاثة التي التمسوها أو التُمِسَت لهم، علمت أن عدم معارضة العرب للقرآن لم تجيء من ناحية إعجازه البلاغي في زعمهم، بل جاءت على الفرضين الأوَّلَيْن من ناحية عدم اكتراث العرب بهذه المعارضة، ولو أنهم حالولوها لنالوها، وجاءت على الفرض الأخير من ناحية
стр. 447
عجزهم عنها، لكن بسبب خارجي عن القرآن، وهو وجود مانع منها قهرًا، ذلك المانع هو حماية الله لهذا الكتاب, وحفظه إياه من معارضة المعارضين وإبطال المبطلين، ولو أن هذا المانع زال لجاء الناس بمثله؛ لأنه لا يعلو على مستواهم في بلاغته ونظمه"١.
وهذا القول بفروضه التي افترضوها، أو بشبهاته التي تخيلوها، لا يثبت أمام البحث، ولا يتفق والواقع.
أما الفرض الأول: وهو أن بواعث المعارضة ودواعيها لم تكن متوفِّرة لديهم، فإن القرآن ينقضه، فقد تحداهم الله بأن يأتوا بسورة من مثله، فلو كانت البواعث والدواعي غير متوفرة لديهم، ما جاز أن يتحداهم؛ فإن التحدي حينئذ يكون عبثًا، والعبث على الله محال.
"وكيف يُقَال: إن الدواعي والبواعث لم تكن متوفِّرة لديهم وهم أساطين البلاغة، وملوك الفصاحة والبيان، وصناعتهم الكلام، وهم أهل حمية ونعرة جاهلية، لا يصبرون على التحدي والاستفزاز.
وقد كان من عادتهم أن يتحدى بعضهم بعضًا في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب، ثقة منهم بقوة الطبع، ولأن ذلك مذهب من مفاخرهم يستعلون به، ويذيع لهم حسن الذكر، وعلوّ الكلمة، وهم مجبولون عليه فطرة، ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم ومجامعهم, فتحداهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه, وسلك إلى ذلك طريقًا كأنها قضية من قضايا المنطق التاريخي، فإن حكمة هذا التحدي وذكره في القرآن إنما هي أن يشهد التاريخ في كل عصرٍ بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللد، والفصحاء اللسن، وهم كانوا في العهد الذي لم يكن للغتهم خير منه، ولا خير منهم في الطبع والقوة، فكانوا مظنة المعارضة والقدرة عليه, حتى لا يجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن مولَّد أو أعجمي أو كاذب أو منافق، أو ذو غفلة، فيزعم أن العرب كانوا قادرين على مثله، وأنه غير معجز، وأن عسى أن لا يعجز عنه إلا
стр. 448
الضعيف، ويا لله من سمو هذه الحكمة، وبراعة هذه السياسة التاريخية لأهل الدهر"١.
وأما الفرض الثاني: وهو أن صارفًا إلهيًّا زهَّدهم في المعارضة، فلو تتعلق بها إرادتهم، ولم تنبعث بها عزائمهم، فينقضه الواقع التاريخي، فإنه قد ثبت من غير طريق أن بواعث العرب إلى المعارضة قد وجدت سبيلها فعلًا إلى نفوسهم، ونالت منالها من عزائمهم.
"فالتاريخ -كما يقول الرافعي: لا يخلو من أسماء قوم قد زعموا أنهم عارضوا القرآن، فمنهم من ادَّعى النبوة, وجعل ما يلقيه من ذلك قرآنًا. كيلا تكون صنعته بلا أداة، كمسيلة بن حبيب الكذاب، وعبهلة بن كعب، الذي يقال له الأسود العنسي، وطلحة بن خويلد الأسدي، وسجاح بنت الحارث بن سويد التميمية.
أما مسيلة فقد زعم أن له قرآنًا نزل عليه من السماء, ويأتيه به ملك يُسَمَّى "رحمن"، بيد أن قرآنه إنما كان فصولًا وجملًا، بعضها مما يرسله، وبعضها مما يترسَّل به في أمر إن عرض له، وحادثة إن اتفقت، ورأي إذا سُئِلَ فيه، وكلها ضروب من الحماقة يعارض بها أوزان القرآن في تراكيبه، ويجنح في أكثرها إلى سجع الكهان؛ لأنه كان يحسب النبوة ضربًا من الكهانة، فيسجع كما يسجعون.
ومن قرآنه الذي زعمه قوله -أخزاه الله: والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا.
لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه.
وقوله: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض وقد حرم المذق, فما لكم لا تمجعون.
стр. 449
وقوله: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل, له ذنب وبيل، وخرطوم طويل.
وقال الجاحظ في الحيوان عند القول في الضفدع: ولا أدري ما هيَّجَ مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيها فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين, لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين.
وكل كلامه على هذا النمط واهٍ سخيف لا ينهض ولا يتماسك، بل هو مضطرب النسج, مبتذل المعنى، مستهلك من جهتيه.
وأما أبو الأسود العنسي، فقد كان يدَّعِي أنه يوحى إليه، ولم يزعم أن له قرآنًا.
وأما طليحة الأسدي فقد ادَّعى النبوة، وزعم أن جبريل يأتيه بالوحي، ولم يكن يزعم أنه يعارض القرآن لأن قومه كانوا فصحاء لم يتابعوه إلّا حمية وعصبية, وإنما كانت كلمات يزعم أنها نزلت عليه، منها ما جاء في معجم البلدان لياقوت الحموي، وهي قوله: إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئًا، فاذكروا الله قيامًا، فإن الرغوة فوق الصريح.
ولكن الرجل أسلم فيما بعد، وحسن إسلامه، وكان له في واقعة القادسية بلاء حسن.
وأما سجاح التميمية فقد ادَّعت النبوة، وزعمت أنه يوحى إليها بما تأمر، وتسجع في ذلك سجعًا، كقولها حين أرادت مسيلمة: عليكم باليمامة، ودفوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرامة, لا يلحقهم بعدها ملامة.
وفي رواية صاحب الأغاني: أنه كان فيما ادَّعت أنه أنزل عليها: يا أيها المؤمنون المتقون, لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قوم يبغون.
وهي كلمة مسيلمة أيضًا.
وقد أسلمت هذه المرأة فيما بعد، وحسن إسلامها.
стр. 450
هذا خلاصة ما ذكره الرافعي في الإعجاز عن هؤلاء الذين ادَّعوا النبوة، وعارض بعضهم القرآن بكلام لا يقوله الأطفال.
وقد ذكر الرافعي قومًا عارضوا القرآن، ولم يدَّعوا النبوة ضربنا عن ذكرهم صفحًا، لأن أكثر ما قيل فيهم لا يصح, وهو نفسه يشك في صحته -راجعه إن شئت"١.
أما الفرض الثالث من الصرفة: وهو أن عارضًا مفاجئًا عطَّل مواهبهم البيانية، فينقضه بما هو معروف من أن العرب حين خوطبوا بالقرآن قعدوا في جملتهم عن معارضته اقتناعًا بإعجازه وعجزهم الفطري عن مساجلته، ولو أن عجزهم هذا كان لطارئ مباغت عطَّل قواهم البيانية لأُثِرَ عنهم أنهم حاولوا المعارضة بمقتضى تلك الدوافع القوية التي سبق ذكرها، ففوجئوا بما ليس في حسبانهم، ولكان ذلك مثار عجب لهم.
ولأعلنوا ذلك في الناس ليلتمسوا العذر لأنفسهم, وليقللوا من شأن القرآن في ذاته، ولعمدوا إلى كلامهم القديم فعقدوا مقارنة بينه وبين القرآن, يغضون بها من مقام القرآن وإعجازه, ولكانوا بعد نزول القرآن أقلَّ فصاحة وبلاغة منهم قبل نزوله، وكل هذه اللوازم باطلة، فبطل ما استلزمها وهو القول بالصرفة بناء على هذه الشبهة الهازلة.
стр. 451
القدر المعجز منه:
وبقي لنا من هذا البحث بيان القدر المعجز الذي وقع به التحدي، وعجز العرب عن الإتيان بمثله، فنقول: لقد تحدى الله العرب أولًا بحديث مثله، فقال في سورة الطور: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ١.
والحديث كلام يطلق على القليل والكثير.
стр. 452
ثم تحدَّاهم بعشر سور مفتريات، وذلك لما قالوا: إن محمدًا يفتري القرآن، فقال -جل شأنه- في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
أي: فأتوا بعشر سور من مفترياتكم، لا تلتزمون فيها الحكمة ولا الحقيقة، وليس إلا النظم والأسلوب.
ثم تحداهم بسورة مثله, فقال في سورة يونس: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
وبلغ التحدِّي أشده في سورة البقرة، حيث طلب منهم أن يأتوا بسورة من مثله، وأن يستعينوا في ذلك بشهدائهم، وسجَّل عجزهم عن الإتيان بها على وجه التأكيد والتأبيد، مع الإنذار والتهديد والوعيد، فقال -جل شأنه- في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٣.
ثم سجل الله على الخلق جميعًا عجزهم عن معارضته ليكون ذلك التحدي باقيًا ما بقي القرآن.
فقال في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٤.
ومن هذه الآيات نعلم أن التحدي وقع بالقرآن كله، وبعشر سور منه،
стр. 453
وبسورة واحدة، فدلَّ ذلك على أن الإعجاز يقع بسورة مثل سورة الكوثر, أو بآية تساويها في طولها.
"قال القاضي أبو بكر: ذهب عامة أصحابنا -وهو قول أبي الحسن الأشعري في كتبه- إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها.
قال: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة, وإن كانت كسورة الكوثر فذلك معجز.
وأما قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِه﴾ .
فلا يخالف هذا، لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة"١.
وفي نظري أن الآية من القرآن معجزة بذاتها، وإن لم تبلغ في الطول سورة الكوثر، فإنك لو عرض على سمعك شيء من كلام الناس، وشيء من كلام الله، استطعت أن تميِّز بين الكلامين من غير كلفة، ولا إنعام نظر، فالآية القرآنية مهما كانت قصيرة فإن لها من الجلال والجمال ما للآية الكبيرة، فهو معجز كله, وإعجازه في كل آية من آياته، يُعْرَف ذلك بالبصائر والضمائر.
والله عليم بالسرائير، وهو من وراء القصد, وله الحمد في الأولى والآخرة, وهو الحكيم الخبير.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
تَمَّ الكتاب بحمد الله تعالى في يوم ٣ من شهر رجب عام ١٤١١هـ الموافق ١٩ من يناير ١٩٩١م.
стр. 454
المراجع:
١- الإتقان - للسيوطي.
٢- إرشاد العقل السليم - للإمام أبي السعود.
٣- أسباب النزول - للواحدي.
٤- أسرار التنزيل - للنسفي.
٥- إعجاز القرآن - للباقلاني.
٦- أساس البلاغة - للزمخشري.
٧- إعجاز القرآن - للخطابي.
٨- أسباب النزول - للنيسابوري.
٩- إعجاز القرآن - للرماني.
١٠- الإبريز - لأحمد بن المبارك.
١١- إعجاز القرآن - للرافعي.
١٢- إرشاء الفحول - للشوكاني.
١٣- إرشاد الأريب - لياقوت الحموي.
١٤- اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر - للدكتور محمد إبراهيم شريف.
١٥- أحكام القرآن - لابن العربي.
١٦- أحكام القرآن - للجصاص.
١٧- الإصابة في تمييز الصحابة - لابن حجر.
١٨- إبراز المعاني - لأبي شامة.
١٩- الإحكام - للآمدي.
٢٠- أصول الفقه - لمحمد الخضري.
стр. 455
٢١- أصول الفقه - لمحمد البرديسي.
٢٢- البرهان - للزركشي.
٢٣- البحر المحيط - لأبي حيان التوحيدي.
٢٤- البداية والنهاية - لابن كثير.
٢٥- البغوي الفراء وتفسيره للقرآن الكريم - للدكتور محمد إبراهيم شريف.
٢٦- بصائر ذوي التمييز للفيروز أبادي.
٢٧- تأويل مشكل القرآن - لابن قتيبة.
٢٨- التبيان في أقسام القرآن - لابن القيم.
٢٩- التفسير الكبير - للرازي.
٣٠- تفسير المنار - رشيد رضا.
٣١- التفسير القرآني للقرآن - للشيخ عبد الكريم الخطيب.
٣٢- التعبير الفني في القرآن الكريم - للشيخ أمين بكري.
٣٣- التفسير ورجاله - لابن عاشور.
٣٤- تفسير القرآن العظيم - لابن كثير.
٣٥- تاريخ بغداد - للخطيب البغدادي.
٣٦- تفسير التحرير والتنوير - لابن عاشور.
٣٧- تحفة الأحوذي - للمباركفوري.
٣٨- الجامع لأحكام القرآن - للقرطبي.
٣٩- جامع البيان عن تأويل آي القرآن - لابن جرير الطبري.
٤٠- جامع الأصول - لابن الأثير الجزري.
٤١- حاشية الجمل على الجلالين - للشيخ سليمان الجمل.
٤٢- الحيوان - للجاحظ.
стр. 456
٤٣- دلائل الإعجاز - لعبد القاهر.
٤٤- روح المعاني - للألوسي.
٤٥- رسم المصحف - دراسة لغوية تاريخية - لغانم قدوري الحمد.
٤٦- سير أعلام النبلاء - للذهبي.
٤٧- السبعة في القراءات - لابن مجاهد.
٤٨- سنن أبي داود.
٤٩- سنن الترمذي.
٥٠- سنن النسائي.
٥١- سنن ابن ماجه.
٥٢- سنن الدارمي.
٥٣- شرح مسلم - للنووي.
٥٤- صحيح البخاري.
٥٥- صحيح مسلم.
٥٦- صحيح ابن خزيمة.
٥٧ طبقات المفسرين - للداودي.
٥٨- عون المعبود - لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي.
٥٩- الفهرست - لابن النديم.
٦٠- في ظلال القرآن - لسيد قطب.
٦١- الفروق اللغوية - لأبي هلال العكسري.
٦٢- فتح الباري - لابن حجر.
٦٣- القاموس المحيط - للفيروزأبادي.
٦٤- الكشاف - للزمخشري.
٦٥- كشف الظنون - لحاجي خليفة.
стр. 457
٦٦- الكشف عن وجوه القراءات السبع - لمكي بن أبي طالب.
٦٧- لسان العرب - لابن منظور.
٦٨- اللآلئ الحسان في علوم القرآن - للدكتور موسى لاشين.
٦٩- لطائف الإشارات لفنون القراءات - للقسطلاني.
٧٠- لباب التأويل في معاني التنزيل - للخازن.
٧١- لباب النقول في أسباب النزول - للسيوطي.
٧٢- مختار الصحاح - للرازي.
٧٣- المصباح المنير - للفيومي.
٧٤- مفتاح العلوم - للسكاكي.
٧٥- المغني - لابن هشام.
٧٦- الموافقات - للشاطبي.
٧٧- المفردات - للراغب.
٧٨- المحصول - للرازي.
٧٩- المقدمة - لابن خلدون.
٨٠- المقدمة - لابن الصلاح.
٨١- مناهل العرفان في علوم القرآن - محمد عبد العظيم الزرقاني.
٨٢- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - للهيثمي.
٨٣- معالم التنزيل - للبغوي.
٨٤- محاسن التأويل - للقاسمي.
٨٥- مقاييس اللغة - لابن فارس.
٨٦- منجد المقرئين ومرشد الطالبين - لابن الجزري.
٨٧- المستنير في تخريج القراءات المتواترة - لمحمد سالم محيسن.
٨٨- مجمع البيان - للطبرسي.
стр. 458
٨٩- مسند الإمام أحمد.
٩٠- موطأ الإمام مالك.
٩١- معجم البلدان - لياقوت الحموي.
٩٢- مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع - لصفي الدين البغدادي.
٩٣- معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع - لعبد الله بن عبد العزيز الأندلسي.
٩٤- النبأ العظيم - لمحمد عبد الله دراز.
٩٥- النشر في القراءات العشر - للجزري.
٩٦- النسخ - للدكتور مصطفى زيد.
٩٧- واقعية المنهج القرآني - لتوفيق محمد سبع.
стр. 459
الفهرس:
الصفحة الموضوع
٥ مقدمة
٩ المبحث الأول: معنى علوم القرآن
١٣ المبحث الثاني: نشأة علوم القرآن وتطورها
١٩ المبحث الثالث: أسماء القرآن
٢١ المبحث الرابع: الفرق بين القرآن والحديث القدسي والنبوي
٢٤ المبحث الخامس: تنزلات القرآن
٢٩ المبحث السادس: تنجيم القرآن
٣١ الحكمة من تنجيم القرآن
٣٤ المبحث السابع: أول ما نزل من القرآن, وآخر ما نزل
٣٥ أول ما نزل بإطلاق
٣٧ آخر ما نزل
٤١ المبحث الثامن: جهات نزول القرآن
٤٤ المبحث التاسع: المكي والمدني
٤٦ ضوابط كلية لتمييز المكي من المدني
٤٨ مقاصد المكي والمدني
٥٠ فائدة العلم بالمكي والمدني
٥٢ المبحث العاشر: آيات القرآن وترتيبها
٥٢ معنى الآية
٥٣ طريق معرفة الآي
٥٣ سبب الخلاف في عد الآي
٥٤ فرائد معرفة الآي
٥٥ ترتيب الآي
٥٦ المبحث الحادي عشر: سور القرآن وترتيبها
٥٦ تعريف السورة
٥٦ حكمة تسوير القرآن
стр. 460
الصفحة الموضوع
٥٧ تقسيم السور بحسب الطول والقصر
٥٨ أسماء السور
٥٩ ترتيب السور
٦٥ المبحث الثاني عشر: عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه
٦٨ المبحث الثالث عشر: نزول القرآن على سبعة أحرف
٦٩ بعض ما ورد في ذلك
٧٢ الأصول المستفادة من هذه الأحاديث
٧٣ بعض الأقوال في معنى الأحرف
٧٨ مناقشة الأقوال السابقة وبيان الراجح منها
٨٣ شبهات مردودة
٨٧ المبحث الرابع عشر: القراءات والقُرَّاء
٨٨ تعريف القراءات
٨٨ الحكمة من تعدد القراءات
٩٠ نشأة علم القراءات
٩٣ أقسام القراءات باعتبار السند
٩٣ ضوابط قبول القراءات
٩٥ هل التواتر شرط في صحة القراءة
٩٧ المبحث الخامس عشر: جمع القرآن في الصدور والسطور
٩٨ جمعه في عصر النبي ﷺ
١٠٣ جمعه في عهد الصديق ﵁
١٠٦ لماذا اختار الصديق زيدًا لجمع القرآن؟
١٠٩ جمعه في عهد عثمان
١١٢ خطة عثمان في نسخ المصاحف
١١٤ عدد ما نُسِخَ من المصاحف
١١٥ مصير مصحف حفصة
١١٥ الفرق بين جمع الصديق وجمع عثمان