من ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.
ففي المثل الأول إثارة لمحور الطمع في الإنسان, وذلك بتمثيل بذل المال في سبيل الله ببذر الحب في الأرض الخصبة الطيبة.
والناس بطبعهم يعرفون قيمة العطاء الزراعي إذا أقبل، فإذا كان هذا الإقبال في العطاء الزراعي قد يصل بعملية حسابية غير معقَّدة إلى سبعمائة ضعف، كانت إثارته لطمع الإنسان الزارع والتاجر بطبعه أعظم وأكثر.
فأي إنسان لا يحب الربح؟ وأي إنسان لا يطمع في فيوض الثروة؟
فالغرض من التمثيل في هذا النصِّ مع بيان حقيقة مضاعفة ثواب المنفقين في سبيل الله إلى أضعاف كثيرة جدًّا -إثارة محور الطمع في فضل الله في نفس المخاطبين، ليكون هذا الطمع محرِّضًا ذاتيًّا في الأنفس على بذل الأموال في سبيل الله.
والمثل الثاني يدعم المثل الأول ويؤكده, ويفصح عن الجوانب الكامنة فيه، وذلك بتشبيهه البذل في سبيل الله بإخلاص وطيب نفس, بجنة بربوة قد أثمرت وأينعت وآتت أكلها ضعفين في جميع الأحوال المناخية والظروف الطبيعية، بحيث لا يضرُّها الوابل الغزير فيغرقها، ولا يضرُّ بها إن قلَّ قدره، وأو تأخرَّ نزوله فهي جنة مباركة تنبت بإذن ربها نباتًا حسنًا في كل حين وتحت أي مؤثِّر خارجي.
стр. 387
وفي هذا المثل فوق إثارة الطمع في ثواب الله تحريض على الإخلاص له والثقة بفضله، وقصر المهمة على طلب مرضاته.
أما إثارة محور الخوف والحذر، فيظهر في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
ففي المثل الأول يشبه الله أعمال المرائين والذين يتبعون صدقاتهم بالمَنِّ والأذى بحجر أملس عليه تراب نزل عليه الماء، فجرف التراب، وترك الحجر صلدًا يابسًا لا يمسك ماء، ولا ينبت كلأ.
وفي المثل الثاني يشبه الله الكافر أو المرائي وعمله بحال رجل له جنة، بذل وسعه في إصلاحها وتشجيرها وتنقيتها من الآفات الضارة لتكون هذه الجنة قوتًا له في حياته، وقوتًا لعياله بعد موته، وذريته صغار ضعاف، وهي كل ثروته ومنتهى أمله في الحياة، لا يملك سواها، فأصابه الكبر والوهن، فأتى إعصار مدمِّر فيه نار، فأحرق جنته وأحرق معها آماله كلها، وبدَّله بعد الأمن خوفًا على نفسه وعلى ذريته من بعده.
وفي هذين المثلين كما هو واضح إثارة لمحور الخوف والحذر بأبلغ أسلوب، وأعذب بيان.
стр. 388
ولقد ضرب الله أمثلة حية من قصص الأولين أَبَانَ فيها سنته في معاملة عباده, ومجازاتهم بالثواب أو بالعقاب؛ ليبعث في نفوس المؤمنين كوامن الرغبة والطمع في ثوابه ورحمته، ويبعث دوافع الخوف في نفوس الصادِّين عن سبيله، والمعرضين عن ذكره.
والفرق بين هذا الغرض والذي قبله: أن هذا الغرض لا يقتصر على ذكر محاسن الشيء وتقبيحه, وإنما يذكر ما فيه من ربح جَمٍّ، أو خسارة فادحة؛ ليبعث في النفوس تلك الغرائز الكامنة التي أشرنا إليها، بحيث تكون هي الدوافع الأساسية للتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل.
الغرض الخامس: مدح من يستحق المدح، وذم من يستحق الذم، بقصد التمييز بين المصلِح والمفسِد، والمحسِن والمسيء؛ ليزداد المحسِن إحسانًا، ويرعوي المسيء عن إساءته.
والأمثلة في ذلك كثيرة، منها ما ضربه الله في شأن النبي ﷺ وأصحابه في سورة الفتح من قوله -جل شأنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١.
إلى آخر السورة.
ومن ذلك ما ورد في ذمِّ اليهود من سورة الجمعة:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ٢.
الغرض السادس: شَحْذُ ذهن المخاطَب، وتحريك طاقاته الفكرية، أو استحضار ذكائه؛ لتوجيه عنايته حتى يتأمَّل ويتفكَّر، ويصل إلى إدراك المراد عن طريق التفكر.
وهذا النوع من الأمثال يخاطَبُ به الأذكياء وأهل التأمُّل والتفكُّر، ومعلوم أن استخدام الأساليب الذكية التي يحتاج إدراك المراد منها إلى ذكاء، مما يرضي الأذكياء، ويحرك طاقاتهم الفكرية، ويلفت أنظارهم بقوة، ويدفعهم إلى توجيه عنايتهم لإدراك المراد بالتأمُّل وإمعان النظر.
стр. 389
ومن الأمثال القرآنية التي تصلح شاهدًا لهذا قول الله تعالى في سورة الحشر:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
إن إنزال القرآن على جبل من الجبال ليس من خبرات الناس حتى يُضْرَبَ المثلُ به للإقناع أو للتقريب أو لغير ذلك من الأغراض التي سبق شرحها، لكنه مَثَلٌ يحرِّك في الأذكياء طاقاتهم الفكرية, ويوجِّه عنايتهم حتى يتأمَّلوا ويتفكَّروا ويدرسوا ويتابعوا البحث، رجاء أن يصلوا إلى معارف يحلُّون بها لغز هذا المثل.
ويشير إلى هذا قول الله تعالى عقب ضرب المثل:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
فما جاء في المثَل يحتاج إلى تفكُّر، وأشار إلى بعد مدرك هذا النوع من الأمثال بقوله: ﴿َتِلْكَ﴾ إذ من المعلوم أن هذه الإشارة تستعمل فيما هو بعيد حسًّا أو معنًى أو منزلة.
وبعد. فهذه أهم المقاصد التي اشتملت عليها الأمثال القرآنية.
وهي مقاصد عامة يندرج تحتها كثير من الأهداف الجزئية التي ينقِّب عنها الباحث المحقِّق المدقق، المتعمِّق في أصول الشريعة واللغة.
فالأمثال القرآنية كما ذكرنا فيما سبق قواعد عامة، أو أصول كلية يندرِج تحتها من المسائل الفرعية والأمور الجزئية ما لا ينحصر.
والقرآن الكريم -كما نعلم- كتاب وافٍ بمطالب البشر على اختلاف أجناسهم وعصورهم وبيئاتهم، فما من صغيرة ولا كبيرة مما يحتاج الناس إليه إلّا وسِعَها تشريعه، وشملها بيانه، فهو كتاب هداية، ومنهج حياة.
стр. 390
المبحث الثامن والعشرون: أسلوب القس في القرآن الكريم
المقسم به
...
المبحث الثامن والعشرون: أسلوب القسم في القرآن الكريم
أسلوب القسم في اللغة: طريق من طرق توكيد الكلام وإبراز معانيه ومقاصده على النحو الذي يريده المتكلِّم، إذ يؤتي به لدفع إنكار المنكرين أو إزالة شك الشاكِّين.
فالأساليب الخبرية تختلف باختلاف غرض المتكلِّم وحال المخاطب.
فإذا كان المخاطَب خالي الذهن، جاءه الخبر من المتكلم من غير توكيد بالقسم ولا بغيره.
وإذا كان المتكلم قد رأى أن المخاطب يشك في كلامه أكَّدَ له القول بنوع من أنواع التوكيد، وأهمها: القسم.
وإذا كان قد رأى المخاطَب ينكِرُ قوله, كان التوكيد أولى وألزم.
ومن هنا قسَّم علماء البلاغة أسلوب الخبر إلى ثلاثة أقسام:
أ- ابتدائي، ويُلْقَى لخالي الذهن من غير توكيد.
ب- طلبي: ويلقى لمن داخله الشك مؤكدًا بأداة من أدوات التوكيد.
ج- إنكاري، ويلقى لمن أنكر القول مؤكدًا بأكثر من توكيد.
وللقسم في القرآن الكريم مقاصد كثيرة فوق التي ذكرناها، وفي طيَّاته مواطن للعظة والعبرة، ومجالات رحبة للتأمُّل والنظر، ولطائف خفية يكتشفها المؤمن بنور بصيرته، فيزداد بها يقينًا يسمو به إلى مراتب العارفين بربهم ﷻ وعز شأنه.
المقسَم به:
يتألَّف أسلوب القسم من: مقسَم به، ومقسَم عليه، وأداة قسم.
ونتكلَّم أولًا عن المقسَم به، فنقول:
المقسَم به لا ينبغي أن يكون إلّا باسم معظَّم في ذاته أو لمنفعة فيه، أو للتنبيه على كوامن العبرة فيه.
стр. 391
وقد أقسم الله ﵎ بذاته، وأمر نبيه أن يقسِم به، وأقسَم بنبيه، وببعض مخلوقاته.
أ- أقسم بذاته في ستة مواضع:
الأول: في سورة النساء آية "٦٥"
قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم﴾ .
الثاني: في سورة الحجر "٩٢"
قال -جل شأنه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .
الثالث: في سورة مريم "٦٨"
قال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ .
الرابع: في سورة الذاريات "٢٣":
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ .
الخامس: في سورة المعارج "٤٠":
﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ .
السادس: في سورة الشمس:
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ .
على أن "ما" في الآيات بمعنى "من" أي: والسماء وبانيها، والأرض وطاحيها، ونفس ومسويها، وهو قول مجاهد كما يذكر ابن كثير١.
"وقد أوثرت "ما" على "من" لإرادة الوصفية، أي: القادر الذي أبدع خلقها"٢.
ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية بمعنى: والسماء وبنائها، والأرض وطحائها، ونفس وتسويتها، وهو قول قتادة، وغيره.
стр. 392
ب- وأمر نبيه أن يقسِمَ في ثلاثة مواضع:
الأول: في سورة يونس "٥٣"
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ .
الثاني: في سورة التغابن٧:
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
ج- وأقسم بنبيه محمد ﵊ في موضع واحد من كتابه العزيز، فقال -جل شأنه- في سورة الحجر "٧٢": ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون﴾ .
قال السيوطي في الإتقان١: "أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفسًا أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون﴾ .
وأخرج ابن جرير الطبري عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس أيضًا في تفسير هذه الآية قال: "ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلّا بحياة محمد ﷺ قال: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٢.
د- وأقسَمَ -جل شأنه- بملائكته، فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ .
стр. 393
وأقسم بالرياح، فقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ .
وأقسم بالنجم والشمس والقمر، والليل والنهار، والسماء والأرض، والخيل، والتين والزيتون، وطور سنين، والبلد الأمين، وغير ذلك من مخلوقاته، لما فيها من دلائل القدرة، وآيات العظمة، ومواطن العبرة.
ولله أن يقسِمَ بما شاء على ما شاء، وليس لنا أن نقسِمَ إلا بذاته أو صفة من صفاته.
لما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما, عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم, فمن كان حالفًا فليحلِف بالله أو ليصمت".
стр. 394
المقسَمُ عليه:
والمقسم عليه هو الذي يُرَاد توكيده، أو تعظيمه، أو التنبيه على ما فيه من عظاتٍ وعبر، ونفع وضرر.
وقد أقسَمَ الله -جل شأنه- في كتابه العزيز على أمور كثيرة ترجع في جملتها إلى أمرين:
الأول: أصول الإيمان.
والثاني: حال الإنسان.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب "التبيان في أقسام القرآن":
"فهو سبحانه يقسِم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها، تارةً يقسِم على التوحيد، وتارة يقسِم على أن القرآن حقٌّ، وتارة على أن الرسول حقٌّ، وتارة على الجزاء والوعد والوعيد، وتارة على حال الإنسان.
стр. 395
فالأول كقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا، إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ .
والثاني كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ .
والثالث كقوله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
وقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ إلى آخر القصة.
وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ .
وأما القسم على الجزاء والوعد والوعيد, ففي مثل قوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا، إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ .
ثم ذكر تفصيل الجزاء، وذكر الجنة والنار، وذكر أن في السماء رزقهم وما يوعدون، ثم قال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾ ٢.
ومثل قوله:
أدوات القسم:
أدوات القسم هي: الباء، والواو، والتاء، أما الباء فهو أصلها، ولهذا خُصَّ بأحكام منها:
١- ذكر الفعل معه، مثل: "أقسم بالله لتفعلن".
٢- دخوله على الضمير مثل: "بك لأفعلن".
٣- القسم الاستعطافي مثل: "بالله هل قام زيد؟ ".
أي: أسألك بالله مستحلفًا.
وأما الواو فإنه يجر الاسم الظاهر، ولا تتعلق إلّا بمحذوف يُقَدَّر بنحو: "أقسم، وأحلف".
وأما التاء فإنه يختص باسم الله تعالى، فلا يُقَالُ تالرب، ولا تالكعبة.
وورد قليلًا قولهم: تربى، وترب الكعبة، وتالرحمن، ولا يقاس عليه. والقسم بالواو في القرآن أكثر من القسم بالباء والتاء.
"وقد نبَّه ابن هشام في المغني على قاعدة يجب وضعها في الاعتبار عند الإعراب إذا ورد القسم بشيء عُطِفَ عليه مثله فقال: إن تلتها واو أخرى نحو قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ .
فالتالية واو العطف، وإلّا لاحتاج كلٌّ من الاسمين إلى جواب". أ. هـ١.
стр. 398
مقاصد القسم ومواطن العبرة فيه:
اعلم أن الله لا يقسِمُ بشيء إلا وفيه موضع للعبرة، وموطن للعظة والذكرى، ومجال رحب للتأمُّل والنظر، وكان من ورائه مقصد يطلبه المؤمن المتدبِّر والعاقل المستبصر.
وكثيرًا ما يحمل المقسم عليه خصائص المقسَم به وسماته, فتكون المناسبة بينهما جدّ قوية، على ما سيأتي بيانه.
فقد يقسِمُ الله بالشيء لتعظيمه, أو للتهويل من شأنه, والتحذير من شره، أو للتذكير بنعمه، أو لدعوة العقلاء إلى التأمُّل فيه، والتعرُّف على أسراره، وقد
стр. 399
تجتمع هذه الأغراض كلها في القسَم، وقد يجتمع بعضها دون البعض الآخر، ولكن المقصد الأصيل من القسم هو توكيد المقسَم عليه وتقريره وتثبيته في قلوب العباد ليستيقنوه حق الاستيقان، على أن توكيد المقسَم عليه بالمقسَم به يُعَدُّ ضربًا من الإيجاز، فهو دائمًا يأتي بالدعوة مصحوبة بدليلها, فيوفر للقارئ منطلقًا رحبًا، ويفتح له أبوابًا واسعة للتأمل والنظر.
فلو وقف القارئ أمام آية من آيات القسم, وأخذ في تدبرها وتفهُّم معانيها, لاستطاع أن يستخرج منها عشرات، بل مئات الأدلة على صحة الدعوى وصدق المقسَم عليه، فإن المقسَم به دائمًا ما يحمل السامع على الإيمان بالمقسَم عليه قبل أن يرد على مسامعه ذكره.
فإذا قرأ المتأمل مثلًا قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ .
إلى قوله -جل شأنه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ .
أيقن أن من بيده تصريف هذه الآيات الكونية قادرًا على كل شيء.
فالمشركون لما أنكروا الرسالة والوحدانية، والبعث والجزاء, واستبعدوا ذلك كله أيما استبعاد, اقتضى توكيد ما أنكروه، وتقرير ما جحدوه بشتَّى أنواع التوكيد، ولا شكَّ أن القسَم من أقوى هذه الأنواع، وقد جرت عادة العرب توكيد عظائم الأمور به، فجاء القرآن الكريم على وفق ما جرت به عادتهم من جهة, وللأغراض التي ذكرنا بعضها من جهة أخرى.
ففي الذاريات والحاملات والجاريات والمقسمات, عظات بالغة، وآيات ناطقة بوحدانية الله تعالى وعظيم قدرته على تصريفها، وإرسالها نعمة على قوم، ونقمة على آخرين، وجعل فيها الحياة للإنسان والحيوان والنبات، وصنَّفَها وفق حكمته أصنافًا شتَّى، وجعل لكل صنف منها وظيفة كونية خاصة.
فمنها ما يذرو النبات ويحركه لينمو ويزدهر, ومنها ما يحمل السحب المثقَلَة بالماء.
стр. 400
ومنها ما يجري بهذه السحب في يسر وخِفَّةٍ إلى حيث شاء الله ﷻ .
ومنها ما ينزِّل المطر من هذه السحب بقدر معلوم إلى أماكن محدودة.
ومنها ... ومنها..
والمؤمن العاقل الحصيف يتلمَّس مواطن العبرة في كل آية من آيات القرآن الكريم، وينظر في هذا العالم نظرة الواعي البصير.
وما هذه الأقسام التي أقسم الله بها إلّا دعوة للتأمل والنظر.
فمن نظر أبصر، ومن أبصر عرف.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١. صدق الله العظيم.
стр. 401
وجه المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه
...
وجه المنسابة بين المقسَم به والمقسَم عليه:
التناسب بين الآيات والسور ضرب من الإعجاز البياني للقرآن الكريم، فهو كتاب محكَم النَّسْجِ، لا تجد فيه خللًا بين كلماته، ولا تنافر بين حروفه، ولا تناقض في معانيه ولا في مراميه.
مع أنه نزل منجَّمًا في نحو ثلاث وعشرين سنة، فانظر كيف رتَّبه الله ترتيبًا فريدًا غاية في الحسن والجمال، والجلال والكمال، بهر العقول ببراعة نظمه، وسلاسة أسلوبه، ودقة تصويره, وروعة تعبيره، وعذوبة بيانه.
فإذا تأمَّلنا مثلًا في آيات القسَم وجدنا الصلة جدَّ قوية بين المقسَم به والمقسَم عليه، وأدركنا أن بينهما تناسبًا وثيقًا؛ بحيث لو جيء مكان أحدهما بشيء آخر لاختلَّ النظام, وذهبت مواطن الجمال والجلال.
فقد أقسم الله مثلًا بطوائف من الملائكة على وحدانيته وربوبيته, لنفي ما زعمه المشركون من وجود صلة نسبية بينه وبينهم، فقال:
стр. 402
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ .
فقد زعموا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نسبًا، فأقسم بهم لبيان وظائفهم، وتحديد مكانتهم، وإثبات كماله في ذاته، وبيان أنه الواحد الأحد, رب السماوات والأرض وما بينهما.
فلو جيء بمقسَم به آخر غير الملائكة، فقيل مثلًا: "والذاريات ذروًا" أو قيل: "والنجم إذا هوى" لاختلَّ نظم الكلام ونسق المعاني، ولذهب وجه فريد من وجوه الإعجاز البياني، وعلى ذلك فقس. وبالله توفيقك.
стр. 403
الفرق بين القسم والحلف:
ونختم هذا المبحث ببيان الفرق الدقيق بين القَسَمِ والحلف، تتمة للفائدة.
قال أبو هلال العسكري: "الفرق بين القسَم والحلف أن القسم أبلغ من الحلف؛ لأن معنى قولنا: أقسم بالله: أنه صار ذا قسم بالله.
والقسم: النصيب، والمراد أن الذي أقسم عليه من المال وغيره قد أحرزه، ودفع عنه الخصم بالله.
والحلف من قولك: سيف حليف، أي: قاطع ماضٍ.
فإذا قلت: حلف بالله؛ فكأنك قلت: قطع المخاصمة بالله، فالأول أبلغ, يتضمَّن معنى الآخر مع دفع الخصم, ففيه معنيان، وقولنا: حلف، يفيد معنًى واحدًا, وهو قطع المخاصمة فقط، وذلك أن من أحرز الشيء باستحقاق في الظاهر فلا خصومة بينه وبين أحد فيه، وليس كل من دفع الخصومة في الشيء فقد أحرزه.
واليمين اسم للقسَم مستعار، وذلك أنهم كانوا إذا تقاسموا على شيء تصافحوا بأيمانهم, ثم كثر ذلك حتى سُمِّيَ القسم يمينًا"١.
стр. 404
المبحث التاسع والعشرون: خصائص أسلوب القرآن
مدخل
...
المبحث التاسع والعشرون: خصائص أسلوب القرآن
انفرد القرآن الكريم بطريقة سويِّة في تأديه المعاني وإبرازها في قوالب لغوية لا تنافُرَ بين ألفاظها ولا بين حروفها.
إنها طريقة مستقيمة لا عوج فيها، ولا تناقض ولا اختلاف، تسلك بالناس مسالك الهدى من غير تكلُّف ولا اعتساف، وتأخذ بتلابيب عقولهم إلى التأمُّل والنظر في الحجج الساطعة التي يأتي بها الواقع المشاهَد، بحيث لا يسع أحد إنكاره أو المراء فيه، إلّا من سفه نفسه، وألغى عقله، وتخلى عن فطرته التي فطره الله عليها.
فأسلوب القرآن في الإقناع ممتِع، يملك على المؤمنين أفئدتهم، فتلين وتخشع من خشية الله، وتستنير بنور الإيمان الذي يزداد كلما تُلِيَت آياته بتدبُّر وتبصُّر.
قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ١.
ولهذا الأسلوب القرآني خصائصه الفنية، وسماته البلاغية، ولطائفه اللغوية، وسوانحه العقلية، وتأثيره الخاص في النفوس السوية، وفي النفوس الجامحة أيضًا.
وله جمال يعرف ولا يوصف، فمهما قيل فيه فهو أسمى وأرفع من أن تحيط بكنهه العقول، أو تعبِّر عنه ألسنة المتكلِّمين أو أقلام الكاتبين.
ولكن لا بُدَّ أن ندلي بدلونا المتواضع مع أولئك الذين سبقونا إلى الحديث المستفيض عن هذه الخصائص والسمات، واللطائف والسوانح، فنتكلم عنها من خلال كلامهم، ونشهد معهم بما شهدوا به على طلاوة أسلوب القرآن وجلاله, بعد أن ذقنا شيئًا من حلاوة ألفاظه, وعرفنا شيئًا عن سلامة منطقة، وبراعة تعبيره، ودقة تصويره، وروعة بيانه.
стр. 405
وينبغي أن نقرِّرَ بادئ ذي بدء أن خصائص القرآن التي تميَّزَ بها عن غيره من الكتب السماوية بوجه خاص، وعن كلام الناس بوجه عام، فجعلته معجِزًا في بيانه وتشريعه. قد أفاض في ذكرها الأدباء والبلغاء من أصحاب الملكات الفريدة، والمواهب الفذة، فكانوا بين مقلٍّ في سردها ومكثِر، ولكن لم يقل واحد منهم إنه قد أحاط بما لديه خبرًا، بل إنهم جميعًا لم يقدموا لنا من هذه الخصائص إلا قطرة من بحر، فلم يزيدوا على أن قرَّبوا لنا البعيد بِضَرْبٍ من التمثيل بغية الإيضاح والتبيين.
ويبقى القرآن أبدًا هو الكتاب الذي لا تنتهي عجائبه, ولا تنقضي غرائبه، ولا تبلى جدته، ولا يمله قارئوه ولا سامعوه.
ونحن إذا سمحنا لأنفسنا أن نتكلَّم عن بعض هذه الخصائص القرآنية, فإنما نذكر على وجه التمثيل والتقريب أيضًا، وما لا يدرك كله لا يترك جله.
стр. 406
الخاصة الأولى: جمال التعبير
اصطفى الله من ألفاظ اللغة العربية أفصحها وأيسرها على اللسان، وأسهلها على الأفهام, وأمتعها للآذان، وأقواها تأثيرًا على القلوب, وأوفاها تأدية للمعاني، ثم ركَّبَها تركيبًا محكم البنيان، لا يدانيه في نسجه كلام البشر من قريب ولا من بعيد، وذلك لما يكمن في ألفاظه من الإيحاءات التي تعبر إلى خلجات النفس، وتقتَحِم شغاف القلوب.
وما يكون في تركيبه من ألفة عجيبة، وانسجام وثيق بين هذه الألفاظ, مهما تقاربت مخارج حروفها أو تباعدت.
فقد جاء رصف المباني وفق رصف المعاني، فالتقى البحران على أمر قد قُدِرَ، فاستساغته جميع القبائل على اختلاف لهجاتها قراءة وسماعًا.
واستسلمت لهذا النسق الفريد، والترتيب العجيب أساطين البلاغة في كل زمان ومكان، واستمدَّت منه النفوس المؤمنة روحها وريحانها، فلم يشبع من دراسته العلماء، ولم يملّ تلاوته أحد من الأتقياء.
стр. 407
"ومن عجيب أمر هذا الجمال اللغوي, وذاك النظام الصوتي, أنهما كما كانا دليل إعجاز من ناحية, كانا سورًا منيعًا لحفظ القرآن من ناحية أخرى، وذلك أنّ من شأن الجمال اللغوي والنظام الصوتي أن يسترعي الأسماع، ويثير الانتباه، ويحرك داعية الإقبال في كل إنسان إلى هذا القرآن الكريم، وبذلك يبقى أبد الدهر سائدًا على ألسنة الخلق وفي آذانهم، ويُعْرَف بذاته ومزاياه بينهم، فلا يجرؤ أحد على تغييره وتبيدله مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
وإن نظام القرآن الصوتي في ائتلاف حركاته وسكناته، ومدَّاته وغنَّاته، واتصالاته وسكتاته, أمر يبهر العقول، ويسترعي الأسماع ويستهوي النفوس، بصورة تختلف كل الاختلاف عَمَّا يجده المتذوق لكلام الناس من نسق وانسجام, فإنه مهما كان كلام البشر سهلًا جزرًا عذبًا, فإنه لا يخلو من قصور في المعنى, أو ثِقَلٍ في النطق، أو خَلَلٍ في الترتيب.
"وبيان ذلك أن من ألقى سمعه إلى مجموعة القرآن الصوتية، وكان بعيدًا لا يسمع إلّا صدى الصوت من غير تمييز للحروف والكمات, متميزًا بعضها عن بعض, يشعر من نفسه -ولو كان أعجميًّا لا يعرف العربية- بأنه أمام لحن غريب, وتوقيع عجيب، يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع الموسيقى وترنيم الشعر؛ لأن الموسيقى تتشابه أجراسها, وتتقارب أنغامها, فلا يفتأ السمع أن يملَّها، والطبع أن يمحيها، ولأن الشعر تَتَّحِدُ فيه الأوزان, وتتشابه القوافي في القصيدة الواحدة غالبًا وإن طالت على نمط يورث سامعه السأم والملل، بينما سامع لحن القرآن لا يسأم ولا يملّ؛ لأنه ينتقل فيه دائمًا بين ألحان متنوعة، وأنغام متجددة، على أوضاع مختلفة, يهز كطل وضع منها أوتار القلوب، وأعصاب الأفئدة.
وهذا الجمال الصوتي أو النظام التوقيعي هو أول شيء أحسَّته الآذان العربية أيام نزول القرآن، ولم تكن عهدت مثله فيما عرفت من منثور الكلام، سواء
стр. 408
أكان مرسلًا أم مسجوعًا، حتى خُيِّلَ إلى هؤلاء العرب أن القرآن شعر؛ لأنهم أدركوا في إيقاعه وترجيعه لذة، وأخذتهم من لذة هذا الإيقاع والترجيع هزة، لم يعرفوا شيئًا قريبًا منها إلّا في الشعر، ولكن سرعان ما عادوا على أنفسهم بالتخطئة فيما ظنوا، حتى قال قائلهم -وهو الوليد بن المغيرة: "وما هو بالشعر" معللًا ذلك بأنه ليس على أعاريض الشعر في رجزه، ولا في قصيده.
بيد أنه تورَّط في خطأ أفحش من هذا الخطأ، حين زعم في ظلام العناد والحيرة أنه سحر؛ لأنه أخذ من النثر جلاله وروعته، ومن النظم جماله ومتعته، ووقف منهما في نقطة وسط خارقة لحدود العادة البشرية، وبين إطلاق النثر وإرساله، وتقييد الشعر وأوزانه.
ولو أنصف هؤلاء لعلموا أنه كلام منثور؛ لكنه معجز ليس كمثله كلام، لأنه صادر من متكلم قادر ليس كمثله شيء، وما هو بالشعر ولا بالسحر؛ لأن الشعر معروف لهم بتقفيته ووزنه، وقانونه ورسمه، والقرآن ليس منه؛ ولأن السحر محاولات خبيثة لا تصدر إلّا من نفس خبيثة، ولقد علمت قريش أكثر من غيرهم طهارة النفس المحمَّدية، وسموَّها ونبلها"١.
وعلمت كذلك أن هذا القرآن ليس من عند بشر، ولكنهم جحدوا ذلك حسدًا من عند أنفسهم، وتعاليًا على الحقِّ, واستكبارًا في الأرض بغير حق.
قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢.
وقال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣.
ونخلص من هذا الذي ذكرناه آنفًا إلى أن اللفظ الذي انتقاه الله من أفصح لغات العرب يمتاز عن غيره من الألفاظ السائدة في كلامهم بثلاث سماتٍ رئيسية:
стр. 409
الأولى: جمال وقعه في السمع.
الثانية: انسجامه الكامل في المعنى.
الثالثة: اتساع دلالته لما لا تتسع له عادة دلالات الألفاظ الأخرى.
وقد نجد هذه السمات الثلاثة في بعض الأساليب الأدبية، ولكنها لا تجتمع كلها في أسلوب أديب.
ولو اجتمعت لا تطَّرد في جميع كلامه، بل لا بُدَّ أن يشذَّ لفظ عن دائرة الفصاحة، أو يتنافر مع غيره في التركيب, أو يقصِّر عن أداء المعنى المراد إبرازه، أو لا يكون له من الجمال ما يثير الإعجاب، أو يبعث في النفوس الرغبة الملِّحة في القراءة أو في السماع.
أما القرآن الكريم فإنه في الذروة العليا فصاحة وبلاغة وبيانًا، لا قدرة لأحد مهما علا قدره في البلاغة والأدب أن يباريه أو يجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى، مع أنه لم يغلق دونهم أبواب المعارضة، بل فتحها لهم على مصاريعها، ودعاها إليها أفرادًا وجماعات، وتحدَّاهم بسورة من سوره, فعجزوا جميعًا عن الإتيان بمثل آية من آياته, فأدركوا من خلال عجزهم أنه ليس من كلام البشر, بل هو من كلام خالق القوى والقدر، وسيأتي بيان هذا التحدي بصوره المختلفة في مبحث "إعجاز القرآن" إن شاء الله تعالى.
"فالجديد في لغة القرآن أنه من كل شأن يتناوله من شئون القول يتخيَّر له أشرف المواد، وأمسها رحمًا بالمعنى المرَاد، وأجمعها للشوارد، وأقبلها للامتزاج، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها, وهي أحق به؛ بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلّا مرآته الناصعة وصورته الكاملة، ولا يجد اللفظ في معناه إلّا وطنه الأمين وقراره المكين، لا يومًا أو بعض يوم، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور، فلا المكان يريد بساكنه بدلًا، ولا الساكن يبغي عن منزله حِولًا، وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان، أسلوب عجب، ومنهج من الحديث فذٌّ مبتَكَر، كأن ما سواه
стр. 410
من أوضاع الكلام منقول، وكأنه بيَّنَها على حَدِّ قول بعض الأدباء "وضع مرتجل" لا ترى سابقًا جاء بمثاله، ولا لاحقًا طُبِعَ على غراره، فلو أن آية منه جاءتك في جمهرة من أقوال البلغاء على مكانها، واستمازت من بينها، كما يستميز اللحن الحسَّاس بين ضروب الألحان، أو الفاكهة الجديدة بين ألوان الطعام"١.
وهذا مطلب له دليله، وإجمال له تفصيله، ومحل ذلك مبحث الإعجاز.
стр. 411
الخاصة الثانية: دقة التصوير
ومع جمال التعبير تكون دقة التصوير، وهي نوع آخر من أنواع الجمال الفني المعجِز الذي تتيه فيه عقول البلغاء في كل زمان ومكان.
فالقرآن الكريم يبرز المعاني المعقولة في صور محسَّة منتزَعَة من الواقع المشاهَد، مؤتلفة ائتلافًا عجيبًا في قوالب كلية متحركة، تشعر فيها بالأصوات والألوان والحركات، مما يجعلك تعيش مع الواقع الذي تصوره لك هذه التشبيهات والاستعارت والكنايات, المسبوكة سبكًا فريدًا يأخذ بمجامع القلوب، ويملك على الإنسان حسَّه ومشاعره، فلا يحتاج إلى مزيد تصوير للحقائق التي يذكرها القرآن في ثنايا هذه اللوحات البارعة البديعة في عناصرها، وائتلافها وانسجامها مع معانيها ومراميها.
إنها تشبيهات واستعارات وكنايات حيوية، تستمد حيوتها من الطبيعة في أسمى مظاهرها وأبهج مناظرها، فكانت خالدة على مرِّ الزمان، لا يمسها وهَنٌ، ولا يعتريها ضَعْفٌ، ولا يطويها نسيان، تمثل في الذهن، فلا تفارقه، وتكمنُ في القلب فلا تغادره، وذلك لما تتميز به من السمات البلاغية التي ينقِّب عنها الأدباء والبلغاء، فلا يجدون منتهى يقفون عنده حتى يكون هذا المنتهى هو المبتدى، فيعودون في التنقيب على بدء، وهكذا إلى أن يشاء الله.
ومن سماته التي اكتشفوها بالاستقراء والتتبُّع لهذه الصور البيانية أنها تصوِّر الغائب حتى يصبح حاضرًا، وتقرِّب البعيد النائي حتى يصير قريبًا دانيًا.
стр. 412
ومن سماتها إنها تتغلغل في النفس البشرية حتى تصير جزءًا من كيانها الروحي.
فإذا ما تدبَّر المؤمن البصير هذه الصور المنتزعة من الواقع المشاهَد كما قلنا، وتفاعل معها وانفعل بها، وهضم معانيها, جرت هذه المعاني في عروق روحه مجرى الدم في عروق بدنه، فنمت وسمت إلى آفاق رحبة من العلم والمعرفة واليقين.
ومن سماتها أيضًا التلوين في التشبيهات، فكثيرًا ما يكون المشبَّه واحدًا والمشبَّه به شيئان فأكثر، تثبيتًا للمعاني المرادة، وتعميقًا لآثارها في النفس.
ومن ذلك ما شبَّه الله به حال المنافقين في سورة البقرة، بقوله -جل شأنه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ، يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
والتشبيه الأول ناري والثاني مائي، والمشبَّه فيهما المنافقون، والمشبَّه به أمور كثيرة مؤتلفة لا ينفك بعضها عن بعض، والصور فيهما كلية متزاحمة في نسق فريد، لإبراز أحوال هؤلاء المنافقين إبرازًا لا تخفى معه حقيقة من حقائقهم، ولا خفيَّة من خفاياهم، فقد أخرجت لنا ما كان يدور في خلجات نفوسهم من شرٍّ أرادوا به المسلمين، وما كانت تنطوي عليه ضمائرهم من خبث ومكر ودهاء، وكشف لنا بجلاء عن عاقبة أمرهم في الدنيا والآخرة.
فهي في إدعائهم الإيمان كمن أوقد لنفسه نارًا لينتفع بها، وفي إخفائهم الكفر يكون مثلهم كمثل من لم ينتفع بالنار التي أوقدها، أو أوقدت له, فالمنافقون قد أظهروا الإيمان حمايةً لأنفسهم وأموالهم، ولتكون لهم مثل ما للمؤمنين من الحقوق العامة في الغنيمة، والزكاة، وغيرها.
стр. 413
لكنهم بكفرهم الذي أخفَوْه فأظهره الله في محكَم آياته فقدوا الانتفاع والتمتُّع بهذه الحقوق الدنيوية، وفقدوا أيضًا ثواب الآخرة، وحُرِمُوا نور الله الذي أوقدته في قلوبهم فطرة الله التي فطرهم عليها، وأوقده لهم نبيهم بما كان يتلوه عليهم من قرآن.
وهم في تخوّفهم من أن يفتضح أمرهم، واحتيالهم في إخفاء كفرهم، وإفسادهم في الأرض، ومداهنتهم المؤمنين تارة، وطاعتهم لشياطينهم من الجن والإنس تارة أخرى؛ كمثل أهل الصيب الذين يكونون في أمسِّ الحاجة إليه, فينزل عليهم مصحوبًا برعد وبرق، وظلمات بعضها فوق بعض، فهم يطمعون في الغيث، ولكنهم يخشون ما يصحبه من رعد وبرق وظلمة، يحاولون أن يتجاهلوه بوضع أناملهم في آذانهم توقيًا من الموت فزعًا وهلعًا، ولكن دون جدوى, فالله محيط بهم وبأمثالهم.
ومثلهم في ترددهم في شأن الإيمان، وحيرتهم بين إرضاء إخوانهم من اليهود والمشركين، لنَيْل ما في أيدي كليهما من المنافع العاجلة، مثلهم في ذلك كمثل من يمشي في ظلمة حالكة، لا يبصر تحت قدميه شيئًا، فيبرق البرق, فيمشي على ضوئه هنيهة، فإذا ذهب البرق -وسرعان ما يذهب- وقف كما هو, لا يقدِّمُ رجلًا ولا يؤخِّر أخرى، فقد بلغ به الأمر أقصى درجات الخطر، فأفقده القدرة على مجرد التفكير في الذهاب والإياب.
وفي هذين المثلين وجوه من التشبيه لا تكاد تنحصر، فهي تختلف بحسب حال الممثَّل له في جميع مواطنه وشتَّى عصوره، بحيث لو أجرى كل مثل من هذين المثلين على قوم من المنافقين في أي عصر، وأي مكان, لطابق المشبَّه المشبَّه به، وطابق الاسم المسَمَّى.
ومن عجيب أمر الأمثال في القرآن الكريم أنها تخلو من المبالغات التي تخرِجُ الكلام عن المعاني المرادة إلى جوٍّ من الخيال المفرِط، الذي يؤدي إلى تشتت الأذهان، وذهاب الحقائق وخلوِّ الأسلوب عن الإقناع العقلي، وإن صحبه شيء من الإمتاع العاطفي.
стр. 414
لهذا كانت تشبيهات القرآن، وأمثاله صورًا حية تعبِّر عن الواقع، لا تعدوه إلى غيره، ومع ذلك تجدها لا تخلو من الإمتاع العاطفي، والتأثير الوجداني, بما اشتملت عليه من ألوان المعاني والبيان والبديع، الذي يخلو تمامًا من التكلُّف والاعتساف، مع رقَّةٍ في النظم والحواشي والفواصل، كانت ولا تزال زادًا للبلغاء والأدباء، ومتعة عظيمة لكل ذوَّاقة لفنون الكلام البليغ في أسمى صوره، وأبهى معانيه.
وإذا كان للأمثال القرآنية هذا الجمال الفني الرائع، كان للكنايات القرآنية لون آخر من هذا الجمال المتجدِّد على مرِّ العصور، فإنها تأتي بالمعنى مصحوبًا بدليله المقنع، ويتلاشى في طيَّاتها ما نستقبح ذكره من الأقوال، وتقوم بما يقوم به التشبيه والاستعارة "وهي لون من التشبيه كما هو معروف" من إبراز المعاني والأهداف في صور محسَّة مفردة أو مركَّبة، موجبة أو سالبة، فيها تأديب وتهذيب، وترغيب وترهيب، وتنويه وتعريض, وتلميح وتمثيل، وغير ذلك من المقاصد والغايات.
يجد فيها السامع من الإقناع العقلي، والإمتاع العاطفي, ما لم يجده في غيرها من الكنايات المنتشرة في كلام الناس، هذا مع الإيجاز البليغ، والتعبير الأخَّاذ.
وكنايات القرآن منتَزعة أيضًا من الواقع المشاهَد, وأكثرها أمثال مرسَلٍة مسلمة المقدمات والنتائج عند جميع العقلاء في كل زمان ومكان، مناسِبَة لجميع الظروف والملابسات الزمنية والإنسانية, لا تبلى جدتها، ولا تبدل بغيرها، ولا يغني غناءها سواها.
وهذا أمر أسمى من أن ننبه عليه ونشير إليه.
ومن كنايات القرآن الكريم قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ١.
стр. 415
فالمقصود من قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ : هو ما يلزم عنه من إخراج الفضلات، وهو أمر يمجّ الطبع السليم ذكره، وتستهجن الآذان سماعه، فعدل عنه إلى ملزومه، وهو أكل الطعام.
والكناية هي لفظ له معنيان، أحدهما قريب غير مراد, والآخر بعيد هو المراد، لعلاقة المشابهة بين المعنيين.
فأكل الطعام يحتاج إليه لإقامة بنيته، ويحتاج أيضًا إلى إخراج فضلاته، فاكتفى سبحانه بذكر الملزوم، وأراد اللازم، أو أرادهما معًا، فاكتفى بأكل الطعام عَمَّا يلزم عنه؛ لأنه دالٌّ عليه بالضرورة.
ومن كناياته: قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ١.
فالمراد في هذه الآية نهي النبي ﷺ وأمته عن البخل والإسراف.
فقد عبَّر سبحانه عن البخل بجعل اليد مغلولة إلى العنق، وهي صورة محسَّة منفرة بغيضة، فهذه اليد التي غُلَّت إلى العنق لا تستطيع أن تمتد بشيء إلى فقير، ولا إلى صاحب أو صديق أو ذي رحم.
وعبَّر ببسطها عن كثرة البذل إلى حدٍّ يوجب الذنب، وهو تصوير لحال هذا المبذِّر الذي لا يُبْقِي من ماله على شيء لنفسه وعياله، فاليد المبسوطة من شأنها ألّا يبقى فيها شيء.
ولما كان بسط اليد من الأمور المحمودة قيَّدَها بقوله: ﴿كُلَّ الْبَسْطِ﴾ .
ليبقى البسط المعقول على حاله من الوجوب المستحق للمحمدة.
والمعنى: ولا تبسطها البسط كله.
стр. 416
ومن كناياته: قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ١.
فقد صوَّر حال الظالمين يوم القيامة بصورة محسَّة يراها الناظر إلى من اشتدَّ ندمه، واستفحلت مصيبته وحسرته.
ومنها قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ٢.
فتقليب الكفَّين كناية عن الأسف والندم أيضًا, إلّا أن هذا قد وقع في الدنيا، وذاك يقع في الآخرة.
لهذا عبَّر عنه بصورة أبلغ في الدلالة على شدة التحسُّر، وهو العضُّ على الأيدي.
ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ٣.
فانظر كيف صوَّر الله الغيبة بأكل لحم الميتة، وأيّ ميتة؟، إنها لحم أخيه الذي نهشَ عِرضه وقال فيه ما يكره.
فقد شبَّه مَنْ ينهش أعراض الناس، بمن ينهش لحوم الأموات؛ تنفيرًا منها، وتبشيعًا لعواقبها.
"وقال ابن الأثير في "المثل السائر" في بحث الكناية:
كُنِّيَ عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتًا، ثم جعل ما هو الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة.
стр. 417
فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له، مطابِقة للمعنى الذي وردت من أجله.
فأمَّا جعل الغيبة كأكل لحم الإنسان لحم إنسان آخر مثله, فشديد المناسبة جدًّا؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة.
وأما جعله كلحم الأخ فلِمَا في الغيبة من الكراهة؛ لأن العقل والشرع مجتمان على استكراهها، آمران بتكرها والبعد عنها، ولمَّا كانت كذلك جُعِلَت بمنزلة لحم الأخ في كراهته.
ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر, إلّا أنه لا يكون مثل كراهة لحم أخيه، فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة.
وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولًا بالمحبة, فلما جُبِلَت عليه النفوس من الميْلِ إلى الغيبة، وبشهوة لها، مع العلم بقبحها.
فانظر أيها التأمِّل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبهًا، لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها، وجدتها مناسبة لما قُصِدَت له". انتهى١.
وهكذا نجد العلماء في كل زمانٍ ومكانٍ يحلِّقون في سماء القرآن لاستنباط معانيه من خلال مبانيه، ويبحثون في جِدٍّ عن لطائفه البلاغية، ودقائقه اللغوية، ليقفوا من وراء ذلك كله على معانيه ومراميه بقدر طاقتهم البشرية.
لكنهم لا يحصلون منه إلّا غرفة من بحر، أو رشفة من غيث، فهو كتاب الله القويم، وحبله المتين ونوره المبين.
стр. 418
الخاصة الثالثة: قوة التأثير
وتنشأ من جمال التعبير ودقة التصوير خاصَّة أخرى, وهي قوة التأثير في العقول والقلوب معًا، فالقرآن الكريم يخاطب العقل والعاطفة معًا، ولا يخاطب
стр. 419
العقل وحدَه؛ لأنه ليس كتاب فلسفة يقف عند حدود سرد المقدمات، واستنتاج النتائج، في أسلوب متقعِّر أو جافٍّ متحجِّر.
ولا يخاطب القلب وحده، لأنه ليس كتاب أدب يعذب فيه الكذب، ويروق فيه الخيال المفرط، وإنما هو -كما قلنا أكثر من مرة- كتاب هداية ومنهج حياة، يهدي الناس إلى ما فيه صلاح أمرهم في الدنيا والآخرة، ويقودهم إلى ساحات الخير والفضل الإلهي، فيدعوهم إلى الإيمان بخالقهم في سلاسة أسلوب، وعذوبة منطق، وقوة حجة لا تدع لهم مجالًا للشك والارتياب.
والإيمان بالله يتطلَّب استجابة العقل والقلب معًا، فالعقل والقلب من الإيمان كجناحي طائر لا يطير بأحدهما دون الآخر.
يضاف إلى ذلك أنه يُرْضِي بأسلوبه العامة والخاصة، وهو أمر لا يتوفَّر لشيء من كلام الناس، حتى ما يُسَمَّى عند الأدباء بالسهل الممتنع، إذ إن أسلوب القرآن ليس سهلًا ممتنعًا فحسب، ولكنه معجز، له جلال يقتحم أعماق القلوب من غير حاجزٍ أو مؤثِّرٍ خارجي.
ومعنى ذلك أنه إذا تُلِيَت آياته على العامة والخاصة وجدوا جميعًا في سماعه حلاوة تتذوقها القلوب قبل أن تصل إلى الأسماع.
ولا تعجب من هذا القول، فإنك لو تهيَّأت لتلاوته أو سماعه بقلب مفتوح مجرَّد عن الشهوات والشبهات لسبق قلبك إلى تلاوته لسانك، وسبق إلى سماعه أذنيك, ومن ذاق عرف.
والعامة والخاصة من الناس ليسوا سواء -بالطبع- في تذوّق حلاوة القرآن، بل إن الخاصة متفاوتون أيضًا في التذوّق بحسب استعدادهم الوهبي والكسبي, وبحسب تفاوتهم في درجات الإيمان والإخلاص والصفاء الروحي والذهني.
ومن هنا كانت لدعوة القرآن الكريم إلى التدبُّر في آياته صدى في نفوس العلماء حملتهم على اتخاذ كل الوسائل التي تعينهم على ذلك، فأفنَوْا في طلب العلم أعمارهم، وأفرغوا في تفهُّم آيات القرآن جهدهم، فكانوا بين شغوف ببيان أحكامه، ومولَع ببيان الجمال الفني في تعبيره وتصويره، ومهتَمٌّ
стр. 420
ببيان وجوه إعرابه، ومشتقات ألفاظه، وغير ذلك مما يسترعي انتباههم، ويستميل أنظارهم.
وصار لكل مفسِّر طريقته ومنهجه، واتجاهه في التفسير والتأويل.
وسيظل هذا الكتاب المعجِزُ بحرًا زخارًا لمن يجيد السباحة فيه, والاغتراف من سلسبيله، حتى يرث الله الأرض ومَنْ عليها.
стр. 421
الخاصة الرابعة: براعته في تصريف القول, وثروته في أفانين الكلام:
فهو يورد المعنى الواحد بألفاظ مختلفة، وطرق متعددة، بمقدرة فائقة خارقة، تنقطع في حلبتها أنفاس الموهوبين من الفصحاء والبلغاء.
فهو ينتقل بك بين الأساليب الإنشائية والخبرية في المعنى المراد إبرازه، ويسلك مسالك شتَّى في التعبير والتصوير والترغيب والترهيب، من غير أن تشعر بفجوة بين أسلوب وأسلوب، أو تنافر بين كلمة وأخرى، ومن غير أن تشعر بتغيير يذكر بين الجوِّ العام للنص.
وهذا ضَرْبٌ فريد في الإعجاز البياني، جدَّ في طلبه رجال لم يلههم عنه تجارة ولا بيع، فنقَّبوا عن لطائفه، ودقائقه ونفحاته وإشراقاته، فخرجوا بعد التحري وطول التأمُّل والنظر بزاد غير قليل، زاد في إيمانهم بعظمة هذا الكتاب وقدرته على التحدي، وتأبيه على المعارضة والمطاولة، في أي وجه من وجوه الجمال الذي تحلَّى به في كل جزئية من جزئياته.
ولا نريد أن نتوسَّع هنا في ذكر مثال لكل أسلوب من أساليبه، فهذا يحتاج إلى مجلدات، ولكن نكتفي بذكر أسلوبين من هذه الأساليب، وهما:
أسلوبا الأمر والنهي: ومن خلالهما تستطيع أن تنطلق باحثًا بين دفتي المصحف عن غيرهما من الأساليب.
فخذ أولًا تعبيره عن طلب الفعل من المخاطبين، فإنه قد ورد بأساليب مختلفة، كل أسلوب منها في موقعه سديد:
١- فقد يرد الأمر صريحًا بمادَّته المستعمَلة فيه, وهو لفظ "افعل" مثل قوله تعالى:
стр. 422
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] .
٢- وقد يرد بلفظ فيه حروف الأمر نفسها، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] .
٣- وأحيانًا يدل على الأمر بصيغة "كتب"، مثل قوله تعالى:
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] .
٤- والإخبار بكونه على الناس، نحو قوله -جل شأنه:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
٥- والإخبار عن المكلف بالفعل المطلوب منه نحو قوله تعالى:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
أي: مطلوب منهن أن يتربصن.
وقد جاء هذا الأمر بصيغة الخبر مبالغة في طلب الحرص على فعله, حتى لكأنه واقع منهن بمقتضى حياتهن الذي فُطِرْنَ عليه، فإن المطلَّقة من شأنها أن تستحي من تعريض نفسها للأزواج بعد الطلاق، حتى تظل مدة كافية تتأكَّد فيها من براءة رحمها، وتكون لزوجها فرصة في مراجعتها إن كان قد طلقها طلقة رجعية.
وكذلك الحال في قوله -جل شأنه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
стр. 423
فهو أمر لهنَّ بإرضاع أولادهنَّ بوصفهنَّ والدات, فلا ينبغي أن يحملهن طلاقهن على ترك إرضاع أولادهن نكاية في أزواجهن.
٦- والإخبار عن الفعل بأنه خير، نحو قوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .
٧- ووصف الفعل بالفرضية، نحو قوله تعالى:
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] .
أي: من بذل المهور والنفقة، والمعاشرة بالمعروف.
٨- وترتيب الوعد والثواب على الفعل، نحو قوله سبحانه:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] .
٩- وترتيب الفعل على شرط قبله، نحو قوله تعالى:
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
١٠- وإيقاع الفعل منفيًّا معطوفًا عقب استفهام، نحو قوله -جل شأنه:
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
أي: تذكَّروا.
١١- وإيقاع الفعل عقب ترجٍّ نحو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ .
١٢- وترتيب وصف شنيع على ترك الفعل، نحو قوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
هذه هي أهم صيغ الأمر، ويقابله النهي, وله صيغ كثيرة منها:
١- الصيغة المألوفة الصريحة بأداة النهي المعروفة، مثل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] .
стр. 424
٢- الصيغة الصريحة التي تفيد التحريم بلفظه، مثل قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] .
٣- نفي الحلِّ عنه، نحو قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] .
٤- ووصفه بأنه شرٌّ، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٨٠] .
٥- وذكر الفعل مقرونًا بالوعيد، نحو قوله سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] .
٦- وذكر الفعل منسوبًا إليه الإثم، نحو قوله -جل شأنه:
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] .
هذه نماذج من الأوامر والنواهي جاءت كما رأيت على أساليب متعددة، وفق المقام الذي سيقت له والجوّ الذي سيقت فيه.
"وهكذا تجد القرآن يفتن في أداء المعنى الواحد بألفاظ وطرق متعددة، بين إنشاء وإخبار، وإظهار وإضمار، وتكلم وغيبة، وخطاب ومضيّ، وحضور واستقبال، وإسمية وفعلية، واستفهام وامتنان ووصف، ووعد ووعيد إلى غير ذلك.
стр. 425
ومن عجب أنه في تحويله الكلام من نمط إلى نمط, كثيرًا ما تجده سريعًا لا يجارى في سرعته، ثم هو على هذه السرعة الخارقة لا يمشي مكبًّا على وجهه، مضطربًا أو متعثرًا، بل هو محتفظ دائمًا بمكانته العليا من البلاغة "يمشي سويًا على صراط مستقيم".
... واعلم أن تصريف القول في القرآن على هذا النحو كان فنًّا من فنون إعجازه الأسلوبي كما ترى، وكان في الوقت نفسه مِنَّة يمنها الله على الناس، ليستفيدوا عن طريقها كثرة النظر في القرآن, والإقبال عليه قراءة وسماعًا وتدبُّرًا وعملًا، وأنه لا عذر معها لمن أهمل هذه النعمة وسفَّه نفسه.
اقرأ إن شئت قوله سبحانه في سورة الإسراء:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ ١.
وقوله سبحانه في سورة الكهف:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ٢.
وقوله سبحانه في سورة الرعد:
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال﴾ ٣ أ. هـ.٤.