بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة: التفسير الإعلامي لأدب طه حسين:
الاتصال هو حامل العملية الاجتماعية، وهو الوسيلة التي يستخدمها الإنسان لتنظيم واستقرار وتغيير حياته الاجتماعية، ونقل أشكالها ومعناها من جيلٍ إلى جيلٍ عن طريق التعبير والتسجيل والتعليم, ولكل مجتمعٍ -مهما كانت درجة بداءته أو رقيِّه- نظامٌ معيَّنٌ من الاتصال يساعد على تسيير أموره، أما الاتصال بالجماهير فيمكن تعريفه على أنه "بثّ رسائل واقعية أو خيالية موَحَّدة على أعداد كبيرة من الناس، يختلفون فيما بينهم من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وينتشرون في مناطق متفرقة١".
ويُقْصَدُ بالرسائل الواقعية مجموعة الأخبار والمعلومات التي تدور حول الأحداث، وتنشرها الصحف وتذيعها الإذاعة المسموعة والمرئية, أما الرسائل الخيالية فهي القصص والتمثيليات والروايات والأغاني وغيرها من المبتكرات الفنية التي قد ترتكن إلى الواقع وتنسج منه صورة فنية, أو قد تكون من نسج الخيال, وحتى في الحالة الثانية لا بُدَّ من ارتباط التعبير الاتصالي بواقع المجتمع وما فيه من اتجاهات ومبادئ ومعتقدات وقيم. وفي الاتصال الجماهيري الحديث تتعرَّض الجماهير المختلفة باختلاف السن أو الحالة الاقتصادية أو المكانة
стр. 2
الاجتماعية أو الثقافية لنفس المؤثِّرات الإعلامية والفنية الموحدة مهما تباعدت مناطق إقامتهم١.
ولا شك أن الأدب أو الفن بوجهٍ عام -كما يقرر تولستوي- إحدى وسائل الاتصال بين الناس, فكما أن الإنسان ينقل أفكاره إلى الآخرين عن طريق "الكلام", فإنه ينقل إلى الآخرين عواطفه عن طريق الأدب والفن, ومعنى هذا: أن الأدب لا يخرج عن كونه أداة تواصل بين الأفراد، يتحقق عن طريقها ضَرْبٌ من الاتحاد العاطفي أو التناغم الوجداني فيما بينهم, ولما كان الناس يملكون هذه المقدرة الفطرية على نقل عواطفهم إلى الآخرين عن طريق الحركات والأنغام والخطوط والألوان والأصوات وشتَّى الصور اللفظية، فإن كل الحالات الوجدانية التي تمرُّ بالآخرين من حولنا هي بطبيعة الحال في متناول إحساساتنا، فضلًا عن أن في وسعِنَا أيضًا أن نستشعر عواطف أخرى أحسَّ بها غيرُنا من قبل منذ آلاف السنين٢.
ولا يَقِلُّ الفن أهميةً في نظر تولستوي عن "الكلام"؛ لأنه لو لم تكن لدينا تلك المقدرة على التعاطف مع الآخرين عن طريق الفن، لبقينا متوحشين منعزلين يحيا كلٌّ منَّا بمنأى عن الباقين, أو لظللنا فرادى عاجزين عن تحقيق أيِّ توافقٍ فيما بيننا بعضنا والبعض الآخر.. وكما أن اللفظ هو أداة اتصال فكري هامٍّ بين بني البشر، فإن الفن هو أداة اتصال عاطفيّ هام بين الناس أجمعين. وتبعًا لذلك فإن تولستوي يعرِّفُ الفنَّ بقوله: أنه "ضَرْبٌ من النشاط البشري الذي يتمَثَّلُ في قيام الإنسان بتوصيل عواطفه إلى الآخرين، بطريقة شعورية إرادية، مستعملًا في ذلك العلامات الخارجية", ويضرب تولستوي لذلك مثلًا فيقول: إنه لو قُدِّرَ لطفلٍ صغير استشعر انفعال الخوف الشديد عند لقاء الذئب أن يروي لجماعة من الناس ما اعْتَوَر نفسه من مخاوف حينما التقى بذلك الحيوان الكاسر، ولو نجح مثل هذا الطفل في أن يسترجع نفس المشاعر عند روايته لتلك القصة، وأن يولِّدَ في نفس سامعيه مشاعر مماثلة, لكان عمله هذا فنًّا ما في ذلك ريب.. وحتى لو افترضنا أن هذا الطفل لم يلتق في حياته يومًا بذئب، ولكنه نجح في أن ينقل إلى الآخرين شعوره المتوهم بالخوف، فإن مثل هذه الصورة المتخيَّلة تُعَدُّ أيضًا ضربًا من الفن، بشرط أن يتمَّ عن طريقها انتقال العواطف من الراوي إلى المستمعين. وتبعًا لذلك، فإن تولستوي لا يَقْصِرُ كلمة "الفن" على ما نراه في المسارح والمعارض, أو ما نسمعه في صالات الموسيقى والغناء، أو ما نقرأه في كتب الأدب والشعر والقصة والرواية، بل هو يدخل أيضًا في دائرة الفن كل ما
стр. 3
من شأنه أن يوصِّلَ إلى الآخرين حياتنا الباطنية، أو أن يوصِّل إلينا حياتهم الباطنية، بما في ذلك أغاني الأمهات لهدهدة أطفالهن، وشتَّى ضروب الرقص الشعبي، وسائر حركات التقليد والمحاكاة.. إلخ.
والعمل الفني الحقيقي.. في نظر تولستوي.. هو ذلك الإنتاج الصادق الذي يمحو كل فاصل بين صاحبه من جهة، وبين الإنسان الذي يوجَّه إليه من جهة أخرى، ثم هو أيضًا ذلك الإنتاج العامر بالعاطفة الذي يكون من شأنه أن يوحِّدَ بين قلوب كل مَنْ يوجه إليهم. والميزة الرئيسية للفن إنما تنحصر على وجه التحديد في قدرته على محو شتى الفواصل بين الناس، لكي يحقق ضربًا من الاتحاد الحقيقي بين الجمهور والفنان.
ويذهب "جيروم ستولنتيز"١ إلى أن عددًا كبيرًا من الفنانين، وربما معظمهم، يهتمون بالقدرة التوصيلية لفنهم. والدليل على ذلك أنهم كانوا يراجعون عملهم، خلال عملية الخلق، ليجعلوه أسهل فهمًا أو أكثر جاذبية للجمهور المنتظر. ففي المجتمع القديم والوسيط، وفي كل مجتمع كان الفن يخدِمُ فيه أغراضًا جماعية، كان الفنان يفترض مقدمًا أهمية التوصيل الناجح إلى الآخرين. وفضلًا عن ذلك فإن الوسيط الذي كان يستخدمه الفنان، أي: "القوالب" من أمثال السوناتا والرواية، وكذلك رمزيته، تستمد عادة من تراث حضاري. ومن هنا فإنا نستطيع استخدامها من أجل إنتاج موضوع "عام" يمكن المشاركة فيه٢, غير أن تولستوي لم يفطن إلى الوسائل التي تجعل هذا الاتصال حقيقة، فالاتصال يتم بامتدادات أنفسنا، وهو في كل امتداد يتمثَّل خصائصه، كما أنه لم يفطن إلى أن تأثر الأفراد بالعمل الفني يختلف من فرد إلى آخر, بدليل أننا نجد أفرادًا يتحمَّسون لبعض الأعمال الفنية، في حين يعجز غيرهم عن تمييز ما فيها من عناصر وجدانية أو عاطفية.
وتأسيسًا على هذا الفهم، نحاول في هذا الكتاب تفسير أدب طه حسين من زاوية اتصاله بالجماهير، ذلك أن طه حسين قد اتَّخذ من وسائل الإعلام بعامة، والصحافة بخاصة، وسيلة للاتصال بالجماهير في تحقيق التقارب، والتواصل القائم على أن "الفكرة" في دلالتها الاجتماعية, و"الكلمة" في صيغتها العملية، من أقدم الوسائل لتحقيق ما ننشد، والفكرة والكلمة
стр. 4
لهما القوة الساحرة التي تستطيع أن تتغلب على رواسب الفوارق والعنصريات بين الأمم في سبيل تحقيق المثل العليا من وحدة الشعور ووحدة الفكر، ووحدة القيم، لتعزيز الأخوة الإنسانية بأعمق دلالاتها، وأكرم معانيها.
فتمثل اتصاله بالجماهير هذه الرؤيا في الميدان الفكري والميدان العملي على السواء، لا يفصل بين الفكرة والفعل، وإنما ترتبط رؤياه الذهنية برؤياه الاجتماعية الفاعلة لإحداث التغيير الأساسي في المجتمع، ودعم قيمه الإيجابية.
ولعل في ذلك ما حَدَا بكثيرٍ من المستشرقين إلى توكيد الارتباط بين الجوانب المختلفة في كتابات طه حسين ونبوغه الفني١ -في كتاباته الثقافية والسياسية والأدبية على السواء٢، ذلك أن الاتصال الصحفي بالجماهير هو الذي استنفد هذه الكتابات, وأعطى شكلًا ومضمونًا لأشهر مؤلفاته التي كانت محل نقاش الكثيرين، والتي كانت سببًا في ذيوع شهرته داخل مصر والعالم العربي وخارجهما, ولعل في ذلك ما يشير إلى هدف الدراسة الاتصالية، في التعرف على طه حسين من وراء صحافته، على النحو الذي يبرز رؤياه الاجتماعية العملية التي تكمن وراء آثاره الفكرية في الاتصال بالجماهير، والتي يقيم من خلالها مشاركة مع مَنْ يتصل بهم, أو على حدِّ تعبيرٍ مستَعَارٍ من الإعلام, فإن "المرسل - طه حسين" يحاول توصيل معلوماته أو مشاهده أو مواقفه التي يحولها إلى كلمات مسموعة أو مكتوبة، وبعد أن ترسل الرسالة يتوقع المرسِلُ أنها قد رسمت في ذهن المتلقي الصورة نفسها التي كانت في ذهنه.
وإذا كانت عملية الاتِّصَال في الأدب تقوم على أساس من الوحدة، فإن طه حسين المرسل -والمضمون والوسيلة والمستقبل والاستجابة، جميعًا حلقات متصلة في سلسلة واحدة، ولقد عنينا في كتابنا عن "طه حسين وزوال المجتمع التقليدي" بدراسة هذه العناصر الاتصالية، ولكننا في هذا الكتاب الجديد نركِّزُ على أهم عناصر هذه الدورة, ونعني عنصر التعبير عن الفكرة الإبداعية وصياغتها في رموز، وهو العنصر الذي يطلق عليه مصطلح "الرسالة" الاتصالية، وإن كنا ننظر إلى هذا العنصر: "الرسالة"، على أنه جزء من الموقف الاتصالي العام بأبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية، ذلك أن عملية الاتصال ليست موقفًا ساكنًا أو جامدًا, وإنما هي عملية ديناميكية
стр. 5
متحركة، نخطئ إذا قلنا أن لها بداية معينة ونهاية معينة؛ لأنها تسري في المجتمع سريان الدورة الدموية في جسم الإنسان.
ومن ذلك يتضح أن دراسة "الرسالة" في الاتصال الجماهيري عند طه حسين، تعني: دراسة "المادة والشكل"، أما "المادة" فتدل على "قوالب البناء" الحسية التي يتركَّبُ منها العمل -من أصوات وألفاظ.. إلخ. وفي العمل ترتب هذه القوالب وتنظمٌ على نحو معين -هو الشكل. غير أن العمل "الرسالة" أكثر من مجرَّد ترتيب لعناصر مادية, فعندما ندركه جماليًّا، نجده ينطوي على انفعالات وصور وأفكار، وهناك عنصر آخر يوجد في بعض الأعمال الفنية وإن لم يكن في كلها, وقد أسماه "جيروم ستولنتيز"١ بموضوع العمل الفني "Subject Matter", أي: الموضوعات والحوادث التي تصوّر في الفن التمثيلي كالدراما والتصوير التقليدي.
على أن دراسة التركيب الفني في الرسالة الاتصالية عند طه حسين، تنظر إلى الرسالة أو العمل الفني كوحدة، لا يمكن أن تفهم نظريًّا أو تتذوَّق جماليًّا إلّا على هذا الأساس, وإذا كان العمل الفني شديد التعقيد، فإننا نحاول في دراسته عند طه حسين أن نحلل تعقده إلى أجزائه المكوِّنة له، من خلال استقراء علمي للآثار الاتصالية في صحافته كوسيلة للاتصال الجماهيري، ولذلك اتجهنا إلى دراسة عناصر الأصالة ومظاهر التجديد للتعرُّف على صياغة تجربته الاتصالية المستمرة في مراحل تطوره الصحفي، فعرضنا لتنوع فنونه المقالية في الاتصال بالجماهير.
стр. 6
ودراستنا هذه تتوسَّل بالمنهج العلمي في دراسة الاتصال بالجماهير، الذي يتوسل بالمناهج الكيفية والكمية على السواء، كما يتوسَّل بالدراسة التاريخية في تعيين الآراء والاتجاهات المختلفة في مكانها من عصرها، وتبيان قيمتها في عصرنا، في الوقت الذي يغدو الاستقراء العلمي فيه سبيل كسب المعرفة الجديدة عن طريق الانتقال من معلوم إلى مجهول، ولذلك ذهبت هذه الدراسة إلى رفض التضاد الذي يفصل بين الدراسات "الكيفية" أو "الكمية", وأفادت من مزايا هذين الأسلوبين قدر المستطاع، ذلك أن البيانات الإحصائية ليست إلّا نقطة البداية التي تيسّر دراسة الاتصال بالجماهير في ضوء الفوارق الكيفية، انطلاقًا من المرحلة الأولى في وصف المقال وصفًا موضوعيًّا ومنتظمًا من خلال الرموز المستخدمة في عملية الاتصال.
ونخلص مما تَقَدَّمَ إلى أن المقال الصحفي في أدب طه حسين، كان في عاقبة الأمر هو محور دراسة اتصاله بالجماهير، بجلاء مصادره وأصوله، وتعيين مكانته، واستقراء الحديث من الاتجاهات التي سرت إليه، أو التي يُعْتَدُّ بها فيه, ومن أجل ذلك لم نورد النصوص المقالية إلّا للاستشهاد بها على مضمون المقال أو اتجاهاته أو فنونه، انتقالًا منها كجزئيات إلى حكم عام لا يدعي اليقين، وإن حاول الاقتراب منه، لما ينشده من تعليل إعلامي قائم على العلم.
والحق أن الأمة العربية تشهد في نهضتها الحاضرة، ازدهارًا للدراسات الإعلامية، يقوم على أساس من وحدة فنون الإعلام والربط بين وسائله جميعًا، تتلاقى في أصولها وفروعها، على النحو الذي تطورت إليه الدراسات الأكاديمية في مصر, وبلغت مداها الآنيّ بتحقيق هذه الوحدة الإعلامية، في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، ويعود الفضل إلى عميدها الأسبق الدكتور إبراهيم إمام، في تحديد النظرية الإعلامية المصرية، التي تذهب إلى أن الفن الصحفي هو الفن الإعلامي الكلاسيكي الذي تعلَّمَت منه سائر الفنون الإعلامية الأخرى كالإذاعة والتليفزيون والسينما١، واشتقت منه سائر فنون الإعلام أشكالها وفنونها وأساليبها وطرائقها٢.
وفي هذا البحث حاولنا -ما وسعنا- أن نتعرَّفَ على الأسس الجوهرية والتيارات الفكرية العامة والنواحي الفنية الهامة التي أسفر عنها الفن الصحفي فيما يخص المقال الصحفي في أدب الدكتور طه حسين، في تلاقيه مع أهداف الفن الصحفي أو افتراقه عنها، من حيث تحريره، وغايته في الارتباط بالجماهير, فضلًا عن عمومية وسيلة الاتصال الصحفي ودوريتها، والرؤية الوظيفية التي تدفع الفن المقالي وتحدد شكله ومضمونه.
стр. 7
ذلك أن الدكتور طه حسين، قد اتخذ من الفن الصحفي وسيلة للاتصال بالجماهير في تحقيق التقارب، والتواصل، القائم على أن "الفكرة" في دلالتها الاجتماعية، و"الكلمة" في صيغتها العملية، من أقدم الوسائل لتحقيق ما ينشد، والفكرة والكلمة لهما القوة الساحرة التي تستطيع أن تتغلب على رواسب الفوارق والعنصريات بين الأمم في سبيل تحقيق المثُل العليا من وحدة الشعور ووحدة الفكر، ووحدة القيم، لتعزيز الأخوة الإنسانية بأعمق دلالاتها، وأكرم معانيها١.
ولقد كان طه حسين أحد الطلائع الذين استوت على أيديهم معالم النهضة المصرية الحاضرة، فقوموها على ذلك النهج الواضح من الفكر والثقافة العصرية، وسبروا أعماق الشخصية المصرية وتمثَّلُوها حتى استقامت على نهجها الواضح ومعالمها الأصيلة, فكانت مراحل حياته المختلفة كما كانت جهوده الصحفية، مظهرًا لإيمانه بهذه المثل، ومصداقًا لعمله على التعبير عنها في الوصول بمصر إلى الغد المشرق، وفي تعزيز صلاتها بالفكر الإنساني على تعدد آفاقه، وفي مقاومة العزلة، بجميع ألوانها، متمثِّلًا في ذلك كله تراثها التاريخي وطابعها العقلي وقيمها الفكرية، ومقوماتها الأصيلة، التي كانت في مجرى الحضارة الإنسانية الموصول عاملًا فعَّالًا لا يجحد أثره الدارسون.
فيمثل مقاله الصحفي هذه الرؤيا في الميدان الفكري والميدان العملي على السواء، لا يفصل بين الفكرة والفعل، وإنما ترتبط رؤياه الذهنية برؤياه الاجتماعية الفاعلة لإحداث التغيير الأساسي في المجتمع المصري ودعم قيمه الإيجابية، كما قلنا من قبل.
ولعلَّ في ذلك ما حَدَا بكثيرٍ من المستشرقين، إلى توكيد الارتباط بين الجوانب المختلفة في كتابات طه حسين ونبوغه الفني٢ -في كتاباته الثقافية والسياسية والأدبية على السواء٣، ذلك أن فن المقال الصحفي هو الذي استنفذ هذه الكتابات, وأعطى شكلًا ومادة لأشهر مؤلفاته التي كانت محلَّ نقاش الكثيرين، والتي كانت سببًا في ذيوع شهرته داخل مصر والعالم العربي وخارجهما. وعندما أذاعت الأكاديمية الإيطالية وأكاديمية الآداب الرفيعة بباريس عضويته فيهما، كان ذلك اعترافًا دوليًّا بفضل طه حسين الذي شاء له القدر أن يبدأ حياته بظرفه البصري الخاص -بذلك التعليم التقليدي وبذلك التكوين الأزهري٤, وأن لا يستجيب المصريون لصيحته فحسب، وإنا تستجيب له أوروبا وأمريكا، حتى أن الكاتب"دونالد رونسن" في مؤلفه
стр. 8
عن أشهر الرجال المائة الذين كانوا على قيد الحياة، وقت إصدار الكتاب -عَدَّه بين العشرة الذي لهم أعمق الأثر في الحضارة العربية١.
إن ذلك الطريق الطويل الشاق حسبما جاء في تاريخ حياته الذي وضعه عند "ليدر باسكي"٢ الذي قاد الشاب الأزهري إلى هضم أعظم الثقافات الكلاسيكية والأوروبية، على النحو الذي تحدَّث عنه طه حسين في أيامه, إنما يلخص سيرة "المقال الصحفي" في أدبه، والذي كان موضع التجربة في هذا التطور. فسرعان ما تخلَّى عن الأساليب التقليدية في الصحافة المصرية، وسرعان ما ظهرت أسس الفن الصحفي الحديث، في اتجاهها بالمقال من تحويل الفكر الأكاديمي المجرَّد إلى عرض فني منسق يستسيغه الجمهور دون أن يهبط إلى مستوى الإسفاف والمبالغة، مواجهًا بمقاله المعادلة الصعبة أو التحدي العظيم الذي يواجه الفن الصحفي الحديث٣ من خلال ارتباطه بالجماهير، وتمثُّله للوظائف الصحفية الاجتماعية، إلى جانب تمثُّله في لغته القومية تلك الأناقة والوضوح والشفافية التي امتازت بها لغة الفن الصحفي في فرنسا، والتي يسمِّيَها بعض المستشرقين "لغته الثانية"٤ أي: اللغة الفرنسية التي أتقنها كل الإتقان "كأستاذ فيها دون مساس بروح اللغة العربية، ودون أن يعرض نفسه لتهمة الخروج عن قواعدها, أو بث العجمة والكلمات الأجنبية في مفرداتها"٥, ذلك أن الرؤية العملية للغة العربية، هي التي جعلت لغته الصحفية تبتعد عن الحذلقة والخشونة، لتنساب في يسر وبساطة، وفي عبارات وظيفية، لا تتعارض مع ما في نثره الفني من ثروة وتنوع، مكتفيًا بالأثر الذي يشع عن الفكرة العملية، وما تتضمنه من إرادة في إحداث التغيير والتدعيم في المجتمع، لتحقيق التواصل بين التجديد والأصالة، من خلال أدبه وصحافته على السواء.
ذلك أن مقالات طه حسين، ومؤلفاته الشاملة، أو التي ضمَّت جانبًا من هذه المقالات، تنبع دائمًا من فكرة محاولة التأثير في مجتمعه، لنقله من حالة التخلق إلى حالة التقدم، ومن حالة الذل والاستكانة والخمول والجهل والاستبداد والظلم الاجتماعي والجمود, إلى حالة العزة والكرامة والنباهة والعلم، والمساواة والحرية الاجتماعية والازدهار الاقتصادي٦، من خلال مواقف عملية واضحة ترتبط أوثق الارتباط بالحياة الواقعية.
стр. 9
بل أن المؤلفات التي تبدو مغرقة في البحث الأكاديمي الصِّرْف لا تخلو من هذا الاتجاه الصريح أو الخفيِّ لتنوير مواطنيه بحقائق الأوضاع المختلفة في نظامهم السياسي والاجتماعي والفكري، وذلك إما بالكشف عن مواضع هذا الخلل، وإما بالتنوير بأنظمة أفضل تحققت في عهود مضت, أو في مجتمعات حديثة غير المجتمع المصري١. ولعل في ذلك ما يشير إلى هدف الدراسة الصحفية، في التعرُّف على طه حسين من وراء صحافته، على النحو الذي يبرز هذه الرؤية الاجتماعية العلمية التي تَكْمُنُ وراء آثاره الصحفية والفكرية على السواء، في نطاق الصحفيين والأدباء ودعاة الإصلاح الذين كان يعيش بينهم، وفي نطاق علاقات التأثُّرِ والتأثير التي تمثِّل لنا مقاله الصحفي أشدَّ وضوحًا, وتضعه في مكانه من آثار رواد النهضة المصرية الحديثة.
ولعل في هذه الرؤيا الصحفية لآثار طه حسين، ما يفسِّر اتجاه بعض الدارسين٢ إلى اعتباره أكثر اتساقًا في التفكير وفنية الأسلوب، وأكثر تأثيرًا في النهضة المصرية، كما يعتبر "ألبرت حوراني"٣ إن الأفكار التي نادى بها زعماء النهضة الحديثة قد بدأت تتبلور عند طه حسين، وأنها أثَّرت على التفكير الاجتماعي والعمل السياسي في العالم العربي بأسره على مدى ثلاثة أجيال٤.
ولقد تقاضانا المنهج العلمي في دراسة "فن المقال الصحفي في أدب طه حسين" أن ننطلق من فهم عملية الإعلام على أنها في جوهرها عملية اتصال بين كاتب وقارئ، عن طريق وسيلة إعلامية تنتقل بواسطتها الرسالة من طرف إلى آخر٥. الأمر الذي يجعل دراسة المقال الصحفي في مكانه من عملية الإعلام، كجزء من الموقف الاتصالي العام بأبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية.
ولذلك انقسمت هذه الدراسة إلى عدد من الفصول، نتناول في كلٍّ منها جانبًا من جوانب العملية الإعلامية، في الأطر الاجتماعية والطبيعية والسيكولوجية والثقافية٦.
ففي دراستنا لمقومات الاتصال الصحفي -في الفصل الأول- عنينا عنايةً خاصَّةً بدارسة هذه الأُطُر من خلال تحديد الصلة بين البيئتين العامة والخاصة،
стр. 10
محاولين تعيين ما لكليهما من أثرٍ في مقاله الصحفي، وما لكليهما من أثرٍ في تحقيق التناغم والتوافق بين طه حسين وقرَّائه، من خلال ربط مقاله بجوانب من خبرته تشابه إلى حَدٍّ كبير خبرة الوجهة والمستقبل، كما تبين من دراسة مقومات شخصيته ومصادر ثقافته، ومكانه من النظام الاجتماعي، والأدوار التي قام بها من خلاله، والمهام التي ذهب إليها مقاله الصحفي, وذلك إلى محاولة التعرُّفِ على سلوكه في الاتصال بالجماهير، من خلال الصحف التي حررها أو اشترك في تحريرها.
وقد حاولنا في كتابنا السابق "طه حسين وزوال المجتمع التقليدي"١ التعرُّف على اتجاهات الاتصال الصحفي عند طه حسين في إطارٍ من تحديد مقوماته الاتصالية، وأثرها في طريقة التفكير, والرؤية الخاصة المتميزة للحياة في مقال طه حسين، وما ترتكز عليه من رؤية عملية وظيفية للفن الصحفي تمثَّلت في نموذج اتصالي، حاولنا تصوره من خلال استقراء مقالاته، وتحديد مكان قادة الفكر في هذا النموذج.
وفي هذا الكتاب السابق أيضًا دراسةٌ لمضمون المقال الصحفي واتجاهات هذا المضمون، فبحثنا في فصوله الأربعة: الموضوعات والعوامل والمتغيرات التي ترتبط بهذا المضمون، والوظائف التي ذهب إلى أدائها في المقال الصحفي، من خلال دراسة المقال في الاتجاه السياسي، ثم في الاتجاه الاجتماعي، والاتجاه الثقافي، ودوره في زوال المجتمع التقليدي.
وفي دراستنا لأساليب التحرير في مقال طه حسين في هذا الكتاب الجديد، حاولنا أن نقوم باستقراءٍ علميٍّ للآثار المقالية في صحافته، للتعرُّف على نواحيها الفنية، التي لا تنفصل بحالٍ عن المضمون، بوصفها مجهودات متتابعة تعالج الحياة الواقعية في فنون المقال وإنتاجه، ولذلك اتجهنا إلى دراسة عناصر الأصالة ومظاهر التجديد للتعرُّف على صياغة تجربته الاتصالية المستمرة في مراحل تطوره الصحفي، فعرضنا لتنوع فنونه المقالية، التي أسفر عنها الاستقراء في هذه الدراسة، وهي: فن المقال التنويري، والمقال النقدي، والعمود الثقافي المتخصص، والعمود الصحفي، والمقال القصصي، والمقال الوصفي، والتقرير الصحفي، والمقال الرمزي، وفن اليوميات الصحفية، ثم فنون المقال المرتبطة بالصحيفة اليومية، كذلك من خلال الرؤيا الوظيفية في تحرير المقال الرئيسي والافتتاحي، وفن المقال النزالي، وفن المقال الكاريكاتيري، ثم فن المقال التحليلي والتقويم الصحفي.
стр. 11
فلقد تبيَّنَ من مطافنا الطويل في التعرُّف على فنِّ المقال الصحفي في أدب طه حسين، أنه يمثل طريقة تفكير ورؤيا خاصة متميزة للحياة، عند رجل لا يكاد يذكر اسمه إلّا ويقترن في ذهن السامع بلقب "عميد الأدب العربي"١، وهو لقبٌ له دلالته في تحديد الدور الكبير الذي قام به طه حسين في الصحافة المصرية الحديثة، التي أصبح من خلالها "زعيم المجددين" أو "زعيم المدرسة الحديثة"٢، وهو في تاريخ تلك المدرسة الحديثة التجديدية، معلمها، "الفاهم، الغيور، القوي، المدافع٣".
ولعلَّ في هذه الرؤية المتميزة، وفي هذا الدور الذي قام به طه حسين في نهضتنا الصحفية الحديثة، ما يلقي الضوء على تقدير المستشرقين لدوره، فيذهب الأستاذ "سبرنجلنج" عميد كلية الدراسات الشرقية بجامعة شيكاغو إلى أنه لم يظهر من عصر هوميروس إلى الآن من نَبَغَ نبوغ الدكتور طه حسين، كما يذهب المستشرق "برجشستراسر" عميد كلية الدراسات الشرقية بجامعة ميونخ من وراء إهداء أحد كتبه إلى الدكتور طه حسين، إلى أنه "فخر الأدب بمصر٤". ذلك أن طه حسين في الصحافة المصرية، يشبه سقراط الذي لو كان حيًّا في زماننا لكان أنسب عمل يشتغل به هو أن يكون كاتب مقال صحفي ينشره في جريدة يومية، ويوقعه بإمضائه، كما يشبه الجاحظ الذي يذهب علماء الفن الصحفي٥ إلى أنه جدير بأن يكون أول صحفي ممتاز لو أنه عاش في القرن الذي نعيش فيه، ذلك أن ثلاثتهم رجال شديدوا الانغماس في المجتمع يعبرون عنه في أسلوب عمليٍّ كاشف، على أن طه حسين في إطار عصره أكثر اتساقًا في مقاله الصحفي من حيث التفكير وفنية الأسلوب، وقد رأينا "ألبرت حوراني"٦ يذهب إلى أن الأفكار التي نادى بها زعماء النهضة الحديثة قد بدأت تتبلور عند طه حسين، وأنها أثَّرَت على التفكير
стр. 12
الاجتماعي والعمل السياسي في العالم العربي بأسره على مدى ثلاثة أجيال.
فرأينا طه حسين يتمثَّل مفهوم المقال الصحفي في تحرير العقل مما فرضته القواعد السلفية ليفكِّر تفكيرًا صحيحًا مستقيمًا منتجًا، الأمر الذي يستتبع تحرير العقل في التفكير، مما يشير إلى ارتباط فن المقال بالاتجاه القوي نحو التعقيل، متفقًا في ذلك مع أئمة المقاليين في عصر النهضة الأوربية، ولذلك وجدناه يذهب إلى تحديد حرية العقل أمام العقل في حرية وصراحة وفي غير تَحَفُّظٍ ولا احتياط. كما وجدناه ينتهي إلى تحديد ماهية فن المقال أمام وسيلة الاتصال الجديدة بالجماهير، على النحو المستفاد من بيئته الصحفية العامة، فالصحافة هي الوعاء المادي للمقال بفنونه المختلفة، وهي لذلك تقتضي وضع خطوط فاصلة واضحة بين فن المقال بمفهومه الجمالي الأدبي، وفن المقال بمفهومه الوظيفي الصحفي، الذي يقتضي تنوعًا في الشكل والموضوع، على نحو ما وجدناه عند طه حسين، حين يشتق موضوعات مقاله الصحفي ولغته من الحياة الواقعة، ثم يعيد توصيلها في رسالة مقالية عن طريق وسيلة الاتصال الصحفي إلى جمهور القارئين في نفس تلك الحياة الواقعية، على اختلاف أذواقهم وأفهامهم وثقافاتهم وطبقاتهم. وانتهى من خلال هذا الفهم لفنِّ المقال الصحفي، كفنٍّ حضاريٍّ يقوم على وظيفة اجتماعية عملية، إلى توظيف المقال الأدبي نفسه، واستثماره كقالبٍ جديد يصوغ فيه الأفكار، ويتخِذُ منه سلاحًا ماضيًا في النقد والتعقيب، وأداة فعالة للتوجيه والإرشاد، وقد يقصد بها إلى الإخبار والإعلام في بعض الأحيان. ومن أجل ذلك وجدنا طه حسين يحقق في صحافته التقارب المنشود بين المستويات اللغوية، التي تبعد المسافة بينها في عصور الانحطاط، وتقرب وتضيق في البيئة المتحضرة التي يعيش فيها -الكاتب للجمهور وبالجمهور.
وانطلاقًا من فهم عملية الإعلام على أنها في جوهرها عملية اتصال بين كاتبٍ وقارئ عن طريق وسيلة إعلامية، تنتقل بواسطتها الرسالة الإعلامية من طرفٍ إلى آخر، تعرفنا على أثر البيئة المصرية العامة، والمقومات الشخصية للدكتور طه حسين، ومصادر ثقافته، في تكوين مقومات الاتصال الصحفي في مقاله، الذي لولا ملاءمة البيئة لعبقرية كتابه، وتفاعلهما معًا، وتجارب القرَّاء لما أمكن ظهور هذا الفن ثم ازدهاره.
وقد ظهر من ثنايا دراستنا لبيئة المقال الصحفي في مصر، أن البيئة المصرية من أصلح البيئات لنشأة فنِّ المقال ونموّه وازدهاره، كنتيجة لطبيعتها، ومقومتها، فالمصرين من أشد الأمم شغفًا بأحاديث الدول، وعنايةً بالخصومات السياسية، واستطلاع الحكومات، لما تعاقب عليهم من التجارب وتوالى على أسماعهم من أحاديث الصاعدين والهابطين، إلى جانب الميل القديم الذي ظهرت
стр. 13
أثاره في أوراق البردي، الأمر الذي يشير إلى تهيؤ هذه البيئة المصرية حين تقبل المطبعة لتحدث ثورتها في الاتصال بالجماهير، إلى تَقَبُّل الفنون الصحفية وإنمائها وإنهاضها، وفقًا لفطرة أصيلة من موروثات الحضارة الفكرية فيها.
وفي هذه البيئة يَتَمَثَّل طه حسين عناصر الأصالة في مقاله، في رافدين كبيرين؛ أولهما: الرافد المصري الذي لوَّنته البيئة المادية، وثانيهما: الرافد العربي الذي يحمل في أعطافه خصائص الأدب العربي من ناحية, وبعض الموروثات من الحضارات الأخرى، التي تمصَّرت كلها حتى اتضحت في عصر النهضة الصحفية الحديثة، وما صدر عنها من آثار مقالية، إلى جانب ما تحدر من بذور مقالية في الأدبين المصري القديم والعربي الإسلامي، تشير إلى تقاليد مكينة وعريقة في الشكل والمضمون، كما انتهينا إلى أن البيئة المصرية هي التي وجَّهَت المقال الصحفي عند طه حسين إلى تحقيق صلة ثقافية بين الشعوب العربية أولًا, وبين هذه الشعوب وأمم العرب ثانيًا، كنتيجة لمكان البيئة المصرية في التوسُّط الحضاري بين الشرق والغرب.
على أن هذه الصلة، إنما اتخذت أبعادها النهائية، عند طه حسين, بعد مراحل من الصراع الناجم عن الاتصال بالحضارة الأوربية، وما أسفر عنه من تغيير خصائص كثيرة من خصائص النفس العربية، فاضطرت إلى أنحاءٍ من التصوُّر والتصوير لم تكن مألوفة من قبل، كما دفع هذا الاتصال عنصر التطور إلى العمل من جديد في طريقين متعاكستين، فقد كان أحياء الأدب القديم يدفع العقل المصري الحديث إلى وراء, ويقوي فيه عنصر الثبات والاستقرار، كما كان الاتصال بالثقافة الأوربية وحضارتها يدفع العقل المصري إلى أمام، ويقوي فيه عنصر التطور والانتقال، وألقت هذه الصورة على صحافة طه حسين مهمة الاستمرار بعنصر التطور والانتقال في تَقَدُّمِه واطراده، والشد من قوة العقل المصري في الثبات لهذا التعاكس العنيف والانتفاع به أشد انتفاع، الأمر الذي أدَّى إلى تطور مضمون المقال الصحفي وفنونه في صحافة طه حسين.
وليس من قبيل المصادفة أن يكون الأفغاني ومحمد عبده ولطفي السيد وحسين هيكل والعقاد وطه حسين من روَّاد المقال الصحفي, الذين استقامت لهم طريقة تحقق فيها التوازن الصحيح بين القديم والجديد، فاحتفظ المقال على أيديهم بأصوله الأساسية، ولم يستعص على التطور، واستطاع هؤلاء بجهودهم الرائدة الرائعة أن يخلقوا لغةً للفنِّ الصحفي العربي تقترب من لغة الأدب وتمتاز بالسلاسة والواقعية والتبسيط.
وقد وضح من خلال دراستنا لمقوماته الخاصة، ومصادر ثقافته، وتمثل
стр. 14
الاتجاهات العامة، وأثر مدرسة الجريدة في الاستشعار بالذات القومية، كيف انتهت إلى تكوين مقوماته في الاتصال الصحفي، التي كان لها أثرها فيما أذاعه من آدابٍ وآراء فكرية ونظم اجتماعية وسياسية مختلفة، في إطار مفهوم عملية الاتصال وتحقيق التناغم والتوافق بينه وبين جمهور قارئيه, وهو الأمر الذي تبيَّن من دراستنا لمكانه في النظام الاجتماعي, وكذلك مكانه من بيئة المقال الصحفي في مصر، التي رأيناها تمتد زمنيًّا لتشمل النصف الأول من هذا القرن، يعاصر فيها طه حسين عهودًا متباينة من عهود التحرير الصحفي، ويتطور معها على النحو الذي تقتضيه "الأصالة والتجديد، دون أن يقصر في شروطها ومقتضياتها, واستطاع أن يَعْبُرَ الفوارق الضخمة بين صحافة البداوة وصحافة الحضارة في سهولة ويسر, لما كان يتمتع به كصحفي منذ مطلع حياته من الأسلوب المتميز الجميل والذوق المتطور، وكأن لثقافته الفرنسية، ووضوح النموذج الفرنسي في الفنِّ الصحفي في رؤياه الإبداعية، أثر كبير في معرفة صناعة الخبر وأسلوب النزال وطرق التشويق وسبل النفاذ إلى نفسية القارئ وكيفية الإقناع والتنويع في المادة المحتواة، إلى جانب ما تمثله في بيئة التكوين من مذاهب الكتابة والتحرير الصحفي على النحو الذي تشير إليه صلته بأستاذه لطفي السيد في الجريدة، والشيخ عبد العزيز جاويش في صحف الحزب الوطني، فكان الأخير يحبِّبُ العنف إليه ويرغِّبَه فيه ويزيِّن في قلبه الجهر بخصومة الشيوخ والنعي عليهم في غير تحفُّظٍ ولا احتياط، وقد وجد هذا العنف من نفس طه حسين قبولًا واستجابة، فلم يكد يأخذ في الكتابة حتى عرف -كما يقول: "بطول اللسان والإقدام على ألوان من النقد قلما كان الشباب يقدمون عليها في تلك الأيام", ومن ذلك يبين المذهب الأول الذي تمثَّله طه حسين في بيئة التكوين الصحفي، وهو "مذهب الغُلُوِّ والإسراف" الذي كان الشيخ جاويش يغريه به ويحرضه تحريضًا.. أما المذهب الآخر فهو "مذهب الاعتدال والقصد", ذلك الذي كان لطفي السيد يدعوه إليه ويزينه في قلبه, وقد وجدنا طه حسين يستجيب للمذهبين جميعًا "فإذا اقتصد في النقد نشر في الجريدة، وإذا غلا نشر في صحف الحزب الوطني".
وفي كتابنا عن "طه حسين وزال المجتمع التقليدي" تعرَّفنا على اتجاهاته في الاتصال بالجماهير، وعلى مهاراته في التبسيط والتفسير والنمذجة الصحفية، من خلال التَّعَرُّفِ على رؤياه الخاصة المتميزة للحياة، والتي وجدناها تقوم على رؤية عملية للحياة الواقعة، كان لها أثرها في توجيه مقاله الصحفي في اتجاهات الإصلاح الاجتماعي وتجديد العقل المصري وتغيير منهجه في البحث والدرس. ونشر المعرفة وتيسيرها للناس جميعًا، من خلال تواصل عملي يقوم على التجربة والمعايشة التي لم تتوفر لكثير من معاصريه, على الصورة التي تجمع بين الأزهر والسوربون، والمعاناة العملية في البحث عن الصواب في القضايا التي كانت
стр. 15
تشغل أذهان أبناء مجتمعه، على نحو ما تبيَّن من استمرار دوران ذهنه وخلقه الفكري حول بعض الميادين المحدودة التي كانت تشكِّل ما يشبه الشرايين الكبرى لتحركه الصحفي, والتي كانت تصب في قنواتها الواسعة الفرعية المنحدرة مما لا يحصر من الموضوعات إلى آفاق بالغة التشعب، وما يبدو من تلازم وتقارب بين الاتجاه العام لخُطَى السير في اتجاه المقال في الميدان الثقافي من جهة, واتجاهه في الميدانين الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى، يوضِّح المرامي والوظائف الاجتماعية التي تتحدد في استراتيجية قومية يصدر عنها المقال الصحفي.
وعن هذه الرؤيا الاجتماعية يتمثَّل التناغم والتوافق بين طه حسين كمرسِلٍ، وبين القارئ كمستقبلٍ، في نموذج اتصالي يصدر عنه سلوكه الواقعي، ويجسِّد تجربته الاتصالية في المقال الصحفي عن قصد ووعي، فيجعل هذا المقال على قدر التجربة, ويمثلها أصدق تمثيل.
وقد رأينا هذه الرؤيا الاجتماعية في الوسائل والغايات، التي تنتظمها استراتيجية قومية تنطوي على أهداف فرعية أو مرحلية تشبه معالم الطريق للوصول إلى الهدف النهائي، وفي ضوء هذه الرؤية، تبيّن من دراسة مضمون المقال عند طه حسين، أن زوال الاتجاهات التقليدية في المجتمع المصري، ليس غاية في ذاته؛ ولكنه هدف فرعي أو مرحلي، يوصِّل إلى تحقيق الغاية القومية في بناء مصر الحديثة، ولذلك وجدنا مقاله يذهب إلى التوسّل بأسباب الحضارة الأوربية في بناء الشخصية المصرية الحديثة، كما وجدناه يوظِّفُ الاتصال بالجماهير كمضاعف للتحرك الأعظم في إطارٍ من الوسائل والغايات.
وتعَرَّفْنَا على منهجين في مقال طه حسين، ينبعان من هذه الرؤية الاجتماعية والاستراتيجية القومية، ونعني منهج التغيير، ومنهج التدعيم، ويقوم هذان المنهجان على فهمٍ للشخصية المصرية, وما تمتاز به من عناصر التجديد والأصالة، ولذلك رأينا أن قضية "الشعر الجاهلي" إنما ترتبط بمغزاها الاجتماعي العملي، من حيث مكانها من رؤياه القومية، ودورها في تصدُّع المجتمع التقليدي باتجاهاته السلبية التي تعوق تطور المجتمع العربي، وذهبنا من ذلك إلى أن منهج هذا الكتاب وما لازمه من مقالات، ليس منهجًا فلسفيًّا يستخدم في العلم والفلسفة فحسب، ولكنه عند طه حسين يرتبط بمنهج التغيير الاجتماعي لتحرير العقل العربي من سلطان الجمود.
وفي مقابل هذا المنهج، ذهبنا إلى أن قضية "التبشير" وما أسفرت عنه من نتائج، إنما تمثِّلُ منهج التدعيم في أكمل صوره للقيم الدينية الإيجابية، وهو منهج لا يتناقض مع منهجه في التغيير الاجتماعي، وإنما يتمم عمله، ويكمل دوره في إطار قومي عام, ولما لهذه القضية -التبشير- من آثار إيجابية في
стр. 16
الفكر العربي الحديث، والصحافة العربية الحديثة، فإن هذه الدراسة، توصي بأن تكون موضوع دراسة أكاديمية، تستكمل جوانبها المختلفة، وأبعادها، وأثرها في توجيه الفكر العربي الحديث، ومقاومة الصحافة العربية للتبشير، على النحو الذي أدّى إلى نتائج إيجابية في المجتمع العربي.
وإذا كنَّا قد مثَّلْنَا لمنهجي: التغيير والتدعيم بقضيتين صحفيتين فكريتين، فإن هذين المنهجين استقطبا منهج المقال الصحفي عند طه حسين في الاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية، فوجدناه في الاتجاه السياسي يتخذ مواقف محددة بإزاء المشكلات السياسية في الداخل والخارج، محتملًا تبعات "غرقه في السياسة١" غير "منكر من سيرته شيئًا, ولم يندم على فعل أو قول قاله٢"؛ لأن المقال السياسي كان محدَّدَ الوظائف في إطارٍ من الوسائل والغايات التي ترتبط بنوعية الحياة الوطنية لمصر، وهي النوعية التي يقوّمها على ضوء مبادئ يمكن دعوتها فلسفة المجتمع والتاريخ، حدَّدت موقفه من قضية الاستقلال، ومن الأحزاب السياسية في مصر، فوجدنا أن الاستقلال في مقال طه حسين وسيلة لها ما بعدها، وليس غاية يقف الجهاد عندها، كما وجدنا مواقفه من الأحزاب السياسية هي مواقف التغيُّر والتدعيم، على النحو الذي تبيَّنَ من مواقفه بإزاء حزب الأحرار الدستوريين التي تقترن بمرحلة تجديد المجتمع المصري، ومواقفه بإزاء حزب الوفد التي تقترن بمرحلة تدعيم القيم الإيجابية والنضالية.
وهذه المواقف السياسية لا تنفصل عن مواقفه في الاتجاه الاجتماعي، لخلق الجو الحضاري الملائم للتقدم والنهضة عن طريق التنوير والتوعية الشاملة بأهداف المجمع وخططه, فأسفر المقال في الاتجاه الاجتماعي عند طه حسين عن بقاء القديم الصالح واضحًا يعمل عمله إلى جانب اتجاهات التجديد التي أخذ منها المجتمع ما يتفق مع كيانه العام، كما تبين من مواقفه من التبشير والعدل الاجتماعي والتعليم والتنشئة الاجتماعية، واكتساب الوعي الاجتماعي في المجتمع، الحرص على منهجي التدعيم والتغيير بالتفكير المشترك والشعور الواحد، على النحو الذي تتميز به الشخصية المصرية في بقائها واستمرارها. الأمر الذي لم يجعل مقاله في الاتجاه الاجتماعي يفصل بين "التثقيف" و"التنشئة الاجتماعية، وإنما يرتبطان ارتباط تفاعل وارتباط منهج وأسلوب، كما تبيَّن من دراستنا للمقال في الاتجاه الثقافي، الذي جاء ثمرة من ثمار المشاركة في الحياة الواقعة، فاتجه إلى ترقية العقل وتوسيع الأفق، ومَدَّ آماد الفكر الإنساني من حيث هي مصدر لشعور الفرد بحقِّه وتقديره لواجبه،
стр. 17
ومن حيث هي مصدر لشعور الجماعة بحقِّها وتقديرها لواجبها وثباتها للخطوب واحتمالها لأثقال الحياة، متوسلًا في أداء أغراض التثقيف بفنون مقالية جديدة هي: فن العمود الثقافي، وفن المقال التنويري، وفن المقال النقدي.
وإذا كانت دراسة التحرير الصحفي ثمرة للتفكير في الآثار الصحفية لتقويمها، ببيان زيفها من صحيحها، وتفسير نواحيها الفنية، ثم الحكم عليها، فإن أساليب التحرير الصحفي لا يمكن أن تنفصل بحال عن المضمون، ولذلك تذهب هذه الدراسة إلى الارتباط الوثيق بين التدعيم والأصالة من جهة، وبين التغيير ومظاهر التجديد في المقال الصحفي من جهة أخرى, وهذا ما تحاول هذه الدراسة تقديمه، ولكنها تدرك أن قواعد التحرير الصحفي وأصوله، غالبًا ما تكون لاحقة للإنتاج الصحفي؛ لأنها تقويمٌ لشيءٍ سبق وجوده، ولكن أقدم صورة لفنون التحرير تتمثَّل في رؤية الكاتب لما ينتجه، وهو في عمله هذا يبذل جهد الناقد.
ومن الجليِّ أن دراسة التحرير الصحفي تمسُّ الصحافة في حاضرها لتوجهها في مستقبلها، ولهذا كانت لدراسة التحرير الصحفي المعاصر أهمية خاصة, ولكن ينبغي ألَّا يشغلنا ذلك عن دراسة فنون التحرير الصحفي في تطورها، فليست هذه الفنون مجرَّدَ نظريات تجريدية تعبِّر عن ذاتية قائليها، أو حاجات عصر انقضت صلتنا به، كما قد يُتَوهم، ولكنَّ هذه الفنون تطبيقية، وظيفية، الأمر الذي يجعل لدراسة فنون التحرير في الماضي آثارًا بعيدة المدى في إدراكنا للتحرير الصحفي في الحاضر، فنحن نفيد منها الأساليب المنهجية التي اتبعها الكتَّاب في تحرير مقالاتهم وصحفهم، بوصفها مجهودات متتابعة تعالج الحياة الواقعة في فنون تحريرية، على حسب مبادئ وحجج قد تختلف من كاتب إلى آخر, ومن عصر إلى آخر، ولكن يمكن عرضها ومقارنتها مجرَّدة من خصائصها الموضعية، بحيث تساعد على التعرُّف على فنون التحرير الصحفي الذي تعلمت منه سائر الفنون الإعلامية الأخرى كالإذاعة والتليفزيون والسينما، واشتقت منه أشكالها وفنونها وأساليبها وطرائقها، كما تساعد على تربية الذَّوْق عند طلاب التحرير الصحفي، وعلى السموِّ بغاياته، إلى ما لها من أهمية تاريخية خاصة، وما تشير إليه قواعد التحرير وأصوله من وسائل للتحليل والإحاطة بجوانب الموضوعات, لا بوصفها مبادئ أو قوانين مطلقة يلتزم بها الكاتب التزامًا لا يحيد عنه، إذ هي في تغيُّرٍ مستمر تبعًا لما يحفها من متغيرات، وحياتها في هذا التغير؛ إذ لكل عصر مقاييسه الخاصة في فنه الصحفي والإعلامي.
وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن هذه الدراسة لا تهدف إلى أن "تقنِّنَ" في الصحافة، كما اتجه العصر الكلاسيكي في القرن السابع عشر والثامن
стр. 18
عشر١ إلى التقنين في الأدب، متَّخِذًا من الأدب القديم المثال الذي يحتذى، فكانت مهمة الناقد أن يضع قواعد لمختلف الأجناس الأدبية، وأن يدعو الكُتَّاب للسير عليها، وأن يحكم على قيمة إنتاجهم بمبلغ اتباعهم لتلك القواعد. وإنما تذهب هذه الدراسة إلى استقراء التحرير الفني المعملي في الصحف من خلال التراث الصحفي, بحثًا عن أشكال جديدة لتطور الفن الصحفي نفسه، في ضوء الرؤيا الصحفية، التي تذهب إلى أن التعبير عن المضمون يتم من خلال الكل وفي إطاره.
وقد ظهر لنا من خلال دراسة عناصر الأصالة والتجديد في مقال طه حسين أن هذه العناصر تنتظمها عملية إبداعية نقدية عن قصد، من أجل إيجاد الاتصال والفهم المشترك، الأمر الذي أدَّى إلى تبرئة المقال الصحفي من الوقوف عند الشكل، والكلف بالتجزئة، وإلى اتجاه هذا المقال نحو بلاغة جديدة في الاتصال بالجماهير، تطوع اللغة العربية لتتسع للكثير في نطاق الفكر النظري والتطبيقي، ليس في المفردات فحسب، بل في التراكيب وصور الأداء. وبيَّنَّا كيف انتهى طه حسين إلى تصحيح مفهوم اللغة في ضوء هذه الرؤيا، ومن خلال تجربته في الاتصال بالجماهير، وتحريرها من أغلالها، لتستجيب لحاجات العصر، الأمر الذي وسم مقاله الصحفي بتحقيق التقارب بين المستويات اللغوية: العلمية والأدبية والعملية، بحيث تغدو صحافة طه حسين من "أعلى صور الأدب؛ لأن جميع ألوان الأدب العليا صحافة" على حد تعبير "برنارد شو".
ولذلك وجدنا فنون المقال في صحافة طه حسين تنبع من التحكم الواعي والاشتغال بالمعاني والوضوح والوظيفية الهادفة، وتتوسَّل بلغة عملية في الاتصال بالجماهير، كما تتوسّل بالأدوات الفنية ضد الشوائب والأعراض التي تصحب عملية تنظيم العنصر البدائي الخام في تجربة الاتصال الصحفي، وتحويل هذا العنصر إلى فنٍّ مقاليّ، مما دفعه في كثير من الأحيان إلى الخروج على الأشكال المألوفة في تحرير المقال، وإلى توسيع أبعاده الفنية إلى مستوى التنبؤ الشامل في محاولة التوفيق بين رؤياه وبين الاستجابة لموضوعات الساعة والقضايا المباشرة، ولضرورات وسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير.
ومن هذه الفنون المقالية، تزعم هذه الدراسة لنفسها فضل تحديد أبعادها واستقرائها من تراثه الصحفي: فن المقال التنويري وفن المقال النقدي، وقد وجدنا أنهما يرتبطان بالاتجاه الثقافي في التغيير والتدعيم، كما وجدنا العمود الثقافي في "حديث الأربعاء" يقوم على أداء وظيفة التبسيط والتفسير في الفن الصحفي, كما تبيَّن أن فنون المقال في صحافة طه حسين تسعى إلى تقديم المادة العلمية
стр. 19
والفنية والاجتماعية والسياسية في قوالب مبسطة تيسر الاتصال بجماهير القراء، وتؤدي الوظائف الاجتماعية للصحيفة الدورية في تكامل مع المواد الأخرى، التي تحيط القارئ علمًا بالأحداث، أو تفسر وتعلل ما يجري من هذه الأحداث، أو تنور عقله بمعلومات وحقائق.
ومن أجل ذلك وجدنا طه حسين يوظِّف "المقال القصصي" لأداء متطلبات الفن الصحفي من تنويع في المواد شكلًا وموضوعًا في إطارٍ من الحاليَّة والحيوية والاستجابة لاهتمامات القراء, وفي شكل مقالي أكثر مرونة من الشكل الأدبي؛ لأنه يجعل الآثار الأدبية التي تقف في مكانٍ ما بين القصة القصيرة والمقال كثيرة جدًّا.
ورأينا المقال الوصفي والتقرير الصحفي يقربان المسافة بين الأدب والصحافة من خلال التقريب بين المستويات اللغوية في مقال طه حسين، وقيامه على أغراض الصحافة ومراميها ومستويات جماهيرها. كما تعرَّفْنَا على فنٍّ مقاليٍّ جديد هو "فن المقال الرمزي", الذي يطوِّع اللغة العربية من خلاله لأداء وظائف المقال الصحفي، من خلال أسلوب يتوسّل بالإيحاء والرمز يقهر ظروف الرقابة على الإنتاج العقلي، ولكنه مع ذلك يمتاز بخفَّة الظلِّ وسلاسة الأسلوب، كما يمزج التعبير بالتهكم والسخرية مع الحكم والأمثال المتداولة والاقتباسات الدالة، والنقد البَنَّاء. كما يمتاز بقيامه على أساس من الاتصال الوثيق بالقرَّاء ومشكلاتهم وحياتهم الواقعة، في أسلوب يمتاز بالنمذجة الرمزية.
وفي مواجهة ضرورات الرقابة، تعرَّفْنَا على فنٍّ مقاليٍّ يجمع بين الأصالة والجديد عند طه حسين، ونعني به "فن الرسائل المقالية" التي تلتقي مع الرسائل المقالية في تراثنا العربي، وفي تراث الجاحظ خاصة، كما تلتقي مع رسائل فولتير ومونتسكيو، ولكنها تقوم أساسًا على أداء وظائف المقال الصحفي الحديث.
وتعرَّفْنَا على فنٍّ مقالي يعكس التجاوب بين الصحافة والشعب المصري بعد ثورة ١٩١٩، ويواجه ظروف المحن السياسية التي تفرض الرقابة على الإنتاج العقلي في الصحف بين حين وحين, ونعني به "فن العمود الصحفي"، الذي اتخذ شكلًا متخصصًا في بداية الأمر، كما سيجيء نتيجة للروابط الثقافية التي ظهرت بظهور الترابط الاجتماعي, كما اتخذ بعد ذلك شكلًا رمزيًّا في "جنة الشوك" للتعبير عن مظاهر "كنا نبغضها ولا نستطيع أن نتحدث عنها بصراحة أثناء تلك الأيام السود١".
стр. 20
ورأينا كيف تميَّزَ العمود الصحفي عند طه حسين، بأن المضمون فيه ليس شطرًا منضافًا إليه، وإنما يشكل صلبه ومنطلقه، ولذلك وجدناه يتوسّل بشكل "الإبيجراما" الشعري القصير كما سماه اليونانيون واللاتينيون، في ابتداع مقال عمودي جديد، يقوم على أصوله في تعبير نثري قصير، يتفق ومقتضيات الفن الصحفي الحديث, إلى أن المعنى فيه أثر من آثار العقل والإرادة والقلب جميعًا.
وقد وجدنا طه حسين يبرع في "فن اليوميات الصحفية" و"فن المقال الاعترافي" الذي وجدنا فيه أساسًا لفن اليوميات في الصحافة المصرية يهدف إلى نقد القيم على صعيدين رئيسيين: الصعيد الاجتماعي، والصعيد الثقافي، من خلال أسلوب يتَّسِم بالصدق أولًا، والنمذجة الصحفية والتصوير النفسي بعد ذلك.
وتعرَّفْنَا على امتداد الوظيفة الاجتماعية الفكرية في فن المقال الصحفي في أدب طه حسين، من خلال توظيف الفنون المقالية في صحافته التي ترتبط بحركة الأحداث في المجتمع، على النحو الذي تبيَّنَ من دراسة فن المقال الرئيسي الافتتاحي، وفن المقال النزالي، والمقال الكاريكاتيري، ثم المقال التحليلي والتقويم الصحفي، ذلك أن هذه الفنون المقالية، شأنها شأن الفنون الأخرى في صحافة طه حسين, لا تفصل بين أسلوب التحرير ومضمون المقال، من خلال نموذج اتصالي بالجماهير يَتَمَثَّلُ فيه مكانه من قيادة الفكر في تكوين الرأي العام المصري، الأمر الذي وجَّه مقاله الصحفي إلى النهوض بمهام التوجيه والإرشاد والتقويم والتثقيف والتنشئة الاجتماعية والتبسيط والتحليل، وهو لذلك يعنى بالاجتماع والسياسة والاقتصاد عنايته بالفنِّ والثقافة جميعًا، بحيث يمكن القول أن طه حسين قد انتقل بالمقال الصحفي من مرحلته اللغوية الأولى، إلى حيث أصبح يمثِّلُُ العقل الذي يفسر ويوازن ويحلل ويشرح، ويشتق موضوعاته من الحياة الواقعية، في مستوى عملي يمتاز بلغته العربية الفصحى، وأسلوبه الواضح البسيط على نحو ما تمثله البلاغة الجديدة في الاتصال بالجماهير عند طه حسين.
هذا، وقد حرصت في هذه الدراسة على التزام الحيدة العلمية والإنصاف لطه حسين أو لمعارضيه في بعض مبادئه، بأقصى ما وسعني الجهد فيهما، وأرجو أن أكون قد وفقت إلى شيء من ذلك، فجل من لا يخطئ تحيزًا أو قصورًا في عالم البشر.
القاهرة:
عبد العزيز شرف
٢٩ مايو ١٩٧٤
стр. 21
الفصل الأول: الدكتور طه حسين ومدرسة الجريدة
مدخل
...
نتحدث في هذا الفصل عن "الدكتور طه حسين ومدرسة الجريدة" لنتعرف على بيئة التكوين التي نشأ فيها الدكتور طه حسين كاتب المقال الصحفي, انطلاقًا من فهم عملية الإعلام على أنها في جوهرها عملية اتصال بين كاتب وقارئ أو متحدث ومستمع. أي: بين مرسِلٍ ومستقبلٍ عن طريق وسيلة إعلامية تنتقل بواسطتها الرسالة الإعلامية، من طرفٍ إلى آخر١, ثم نتحدث في فصول هذا الباب التمهيدي عن البيئة الخاصَّة والمقومات الشخصية للدكتور طه حسين، وعن مكانه من الهيئة الاجتماعية والثقافية، وثقافته واتجاهاته في الاتصال الصحفي بالجماهير، وهذه المقومات الاتصالية هي التي تساعدنا في فصولٍ أخرى على التعرُّف على قدراته الاتصالية في ابتكار فنونٍ جديدة من فنون المقال الصحفي.
فإذا كان هذا الاتصال هو قطب الرحى في بناء المجتمع الإنساني٢، بحيث يستحيل بدونه بناء مثل هذا المجتمع، فإن هذا الفصل حين يركِّز على بيئة التكوين في مقال طه حسين، كباعث للمقال الصحفي في موضوع هذا البحث، إنما يمهِّد لدراسة فنِّ المقال الصحفي في أدبه على العموم من خلال المفهوم القائم على أن الرسالة جزء من الموقف الاتصالي العام بأبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي يقتضي أن نتناول في هذا الفصل بالدراسة السريعة: البيئة العامة للمقال الصحفي قبل طه حسين، ثم مدرسة الجريدة التي قضى فيها طه حسين مرحلة التكوين الصحفي.
стр. 22
بيئة المقال الصحفي في مصر
مدخل
...
أ- بيئة المقال الصحفي في مصر:
إذا كان "التفكير ظاهرة اجتماعية" كما يقول طه حسين١, بمعنى أن الفرد لا يفكر ولا يقدر ولا يروي إلّا من حيث هو عضو من أعضاء الجماعة التي يعيش فيها, والتي يستحضرها في نفسه استحضارًا ملحوظًا أو غير ملحوظ حين يفكِّرُ أو يُقَدِّرُ أو يروي، فإن المقال الصحفي أوضح الظواهر الاجتماعية بين فنون القول، فعبقرية الكُتَّاب والصحفيين من أمثال "ديفو defoe وستيل Steel" وأديسون Adisson و"جولد سميث Gold Smith" التي لا يمكن إنكارها، لا يمكن كذلك أن يعزى إليها وحدها هذا الفن الرائع بثروته وجماله، وغزارته وإتقانه,٢ وعلى ذلك فإن المقال الصحفي شأنه شأن فنون القول المختلفة "ظاهرة اجتماعية لا يمكن أن تكون إلّا في الجماعة التي تسمع الأثر الأدبي أو تقرؤه فتتأثر به، راضيةً عنه أو ساخطةً عليه، معجبةً به، أو زاهدةً فيه"٣.
على أن ذلك لا يعني محوَ المقومات الشخصية لقادة الرأي وحملة القلم، سواء اتخذوا المقال الصحفي أو الآداب أو الفلسفة لقيادتهم الفكرية وسائل، فلسنا نجهل أن "الفرد قوة تختلف عِظَمًا وضآلة, ولكنها قوة على كل حال، قوة لها أثرها في تكوين القوة الاجتماعية، بل لها أثرها العظيم في تكوين هذه القوة"٤ فليس من سبيلٍ إذن إلى تصوّر الفرد مستقلًّا، وإنما هو -كما يقول طه حسين: "أثر اجتماعي وظاهرة من ظواهر الاجتماع، لا يوجد إلّا إذا التقى الجنسان، فإذا وُجِدَ فالجماعة كلها متعاونة متظاهرة على تنشئته وتربية جسمه وعقله وشعوره، وعواطفه, وهل التربية المادية والمعنوية إلّا قالب يُصَاغُ فيه الفرد على صورة الجماعة التي ينشأ فيها، يتعلَّم الفرد بهذه التربية اللغة التي يتكلمها وليس هو الذي يحدث هذه اللغة".٥
وتأسيسًا على هذا الفهم، فليس من أصول البحث العلمي في شيء كما يقول طه حسين في "قادة الفكر"٦، أن نجعل الفرد كل شيء ونمحو الجماعة التي أنشأته وكوَّنته، إنما السبيل أن "نقدِّرَ الجماعة وأن نقدِّرَ الفرد", وأن نجتهد ما استطعنا في تحديد الصلة بينهما، وفي تعيين ما لكليهما من أثر في الآداب والآراء الفلسفية والنظم الاجتماعية والسياسية المختلفة".
وعلى ذلك فإننا نجتهد ما استطعنا في هذا الفصل في تحديد الصلة بين بيئة المقال الصحفي في مصر وبيئة التكوين للدكتور طه حسين، ثم الصلة بين هذه البيئة العامة ومقوَّمَاته الشخصية في فصل تالٍ، لنتعرف على ما لكليهما من أثرٍ في مقومات المقال الصحفي، الذي لولا "ملاءمة البيئة لعبقرية كتابه، وتفاعلهما معًا، وتجاوب القرّاء لما أمكن ظهور هذا الفنِّ ثم ازدهاره"٧, ودراسة هذه البيئة الصحفية تقتضي العناية بدراسة: البيئة المصرية والحيوات السياسية والاجتماعية والفكرية.
стр. 23
١- البيئة المصرية:
بزغ فجر الضمير من مصر -كما يقول المصرولوجي "جيمس هنري برستد"- قبل أن تتهيأ للمجتمعات الإنسانية الأخرى عوامل التجمع والاستقرار كأكمل ما تكون المجتمعات الراقية وحدة واتساقًا وتكاملًا.
وكان لطابع البيئة ما مهَّد للإنسان في مصر عوامل التجمع والوحدة الشاملة والاستقرار الدائم، ثم كانت هذه الحضارة الزاهرة التي سبقت حضارات العالم أجمع نتاج التفاعل الدائم بين البيئة والإنسان، فقد واتت الطبيعة هذه البيئة المصرية من العوامل ما جعلها مسرحًا صالحًا؛ لأن تثمر فيه جهود الإنسان في بعث حضارة وطيدة اتصلت حلقاتها، فاستطاعت أن تغالب الدهر وتبقى على الزمن وهي في مسارها لم تفقد يومًا صلتها بماضيها، واحتفظت بمقوماتها جلية بارزة١, وفي مقدمة هذه المقومات ثلاث ظواهر كونية كبيرة تصلح في ذاتها مجتمعة لتكون شارة أو رمزًا للوطن المصري, وهذه الظواهر الكونية الثلاث مرتبطة ومتفاعلة، وهي لا تبرز في موضع بروزها في هذا الموضع الفريد، في ملتقى القارات الثلاث، وعند مجمع البحرين وبين صحراوين، عظيمتين، في موقعها الفذِّ من أفريقية وبين أوربا وآسيا، تحرس مدخل البحر الأحمر، وتشارك في توجيه الحياة في البحر المتوسط، وتشعّ الحضارة إلى مدى بعيد في كل اتجاه٢.
وأول هذه الظواهر الكونية الكبيرة الثلاث هي الشمس التي تكاد تبدو سافرة النهار بطوله على مدى العام، ولا ترمد عنها إلا قليلًا، ومن هنا قدَّسَها المصريون الأقدمون وقاسوا عليها فترات الزمن في اليوم، ومن السنة فصولًا محددة, وجعلوا من ذلك كله تقويمًا من أدق التقاويم، ثم فطنوا بعد ذلك إلى تأثيرها في الأشياء والأحياء وجعلوها رمز الحياة، وقبسوا منها الوضوح والبساطة، وعدم التعقيد، والنظام والاستقرار٣، وهي الصفات التي تمثَّلَها طه حسين في مقاله الصحفي كما سيجيء، إلى جانب وظيفة "التقويم" الصحفي التي تميَّزَ بها، والتي تستمد من هذه الظاهرة الكونية التي اتخذها المصريون رمزًا "للضمير", وجعلوها "سفينة الملايين" تطل منها حين تميِّزُ بين الخير والشر فيما يصدر من الناس من أفعال وحركات, ولا يزال المصريون يتأثرون هذه الظاهرة الكونية في فطرتهم، وفي وجداناتهم وفي أخلاقهم، نراها حين يلقي الصغار بأسنانهم في عين "الشموسة", وفي غير ذلك من تصرفات يأتيها البعض.
стр. 24
وثانية الظواهر الكونية الكبيرة: الرمز الخالد على مصر.. يدل عليها، ويقترن اسمها به دائمًا، لأنها قطعة منه.. إنه هذا النهر العبقري الذي لا نظير له بين أنهار العالم جميعًا من طوله، وانتظام فيضانه، واستقامة مجراه، عرف المصريون فضله عليهم، ومكانه منهم, فقدَّسه قدماؤهم، كما فعلوا مع الشمس١، وأخذ المصريون عن النيل دأبه ومثابرته ووفاءه ونزوعه المستمر إلى البناء والنفع والخير بلا تفريق، بل أخذوا عنه خصلةً تكاد تكون من أمهات خصالهم, وهي النزوع الدائم إلى الوحدة القومية, على نحو ما نجد في مقال طه حسين، كما نجده في نزوع المصريين إلى التوحُّد منذ جعلوا من "أوزوريس" رمزًا للخير والعلم والنفع.
وإلى جانب هذه السمة البارزة المكتَسَبة من النيل، سمة النزوع الأبدي إلى الاتحاد القومي، نجد مقومًا آخر لا يقل عنها خطرًا, هو أن اختيار النيل لمجراه بين هاتين الصحراويين العظيمتين الشاسعتين جعل الموطن المصري يحتفظ بأهله، وجعل الجاذبية البشرية إلى الداخل، الأمر الذي يدفع بالعناصر التي تفد إليه، تنطبع إذا استقرّت بالطابع المصري، فـ"التمصير" صفة أساسية من صفات البيئة المصرية التي لا تقاوم, والنيل هو الذي علَّمَ المصريين فلاحة الأرض، ونظمها لهم مواسم ري وبذور وحصاد، وعلى ضفافه نبتت آلة الحضارة الأولى, وهي ورق البردي، وأقلام القصب، فكتب المصريون، ووصلوا بين آحادهم، وسجلوا أعمالهم، وثبتوا تصرفاتهم ونظموا أملاكهم، وربطوا بين الجيل الشاخص والجيل الذي سبقه والجيل الذي يكر بعده، فتواصلت المعرفة وانتظمت الحياة, وكانت خلة "الاستمرار" المتجدد أبدًا ميزة من ميزات النيل التي لا تعد, فكانت مصر أمينة على تراثها، ولم تكن سلفية خالصة ولا ثابتة جامدة، ولا رجعية تستقبل الحياة بظهرها، وإنما كانت مستأنية في تطوّرها، مثلها في ذلك نيلها في حركته الدائبة في أناة، وإذا وضع في طريقها حاجز ضخم فعلت به ما يفعل النيل، فسارت فيه أو حطمته، وهذه الصفة: "الاستمرارية" هي التي تميز عناصر الأصالة وعناصر التجديد في مقال طه حسين، على النحو الذي سندرسه فيما بعد٢, وهي العناصر التي تتمثَّل كذلك الظاهرة الثالثة في مصر، والتي جعلتها تميل إلى الاستقرار, وإن لم تعزلها عن العالم حولها، وهذه الظاهرة هي الصحراء التي تمتد عن يمين النيل وعن شماله، والتي أسبغت على الوطن المصري صفحة المحافظة على التراث المادي الشاخص، وبفضل هذا الموقع أصبح الوطن المصري نقطة الارتكاز في العالم العربي. كما اتصل العقل المصري بالعقل اليوناني منذ عصوره الأولى،
стр. 25
اتصال تعاون وتوافق وتبادل مستمر منظم للمنافع، في الفن والسياسة والاقتصاد١, وكان اليونان في عصورهم الأولى، يرون أنهم تلاميذ المصريين في الحضارة وفي فنونها الرفيعة بنوع خاص٢.
وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن القول بأن البيئة المصرية أصلح البيئات لنشأة فن المقال، ونموه وازدهاره، قول لا يصدر عن نعرة قومية، بقدر ما تكون دوافعه من طبيعة هذه البيئة ومقوماتها أساس كل اعتبار، فالمصريون من أشد الناس اهتمامًا بالسياسة وتتبعها واستطلاع أخبارها وماجرياتها، والبصر بمداخلها ومخارجها، وكانوا منذ القديم من أشد الأمم شغفًا بأحاديث الدول, وعنايةً باستطلاع الحكومات، وقد يسري بينهم شعور ملهم بدخائل الأغراض الخفية, واتجاه الخير واتجاه الشر في الخصومات السياسية، لما تعاقب عليهم من التجارب, وتوالى على أسماعهم من أحاديث الصاعدين والهابطين والمقبلين والمدبرين٣. وفي هذا الميل القديم ما يهيئ البيئة المصرية حين تقبل المطبعة لتحدث ثورتها في الاتصال بالجماهير. إلى تَقَبُّل الفنون الصحفية وإنهاضها وإنمائها، وفقًا لفطرة أصيلة من موروثات الحضارة القديمة فيها.
وفي هذه البيئة المصرية نتلمس عناصر الأصالة في فن المقال الصحفي بصفة عامة، وعند طه حسين على نحوٍ أخصٍّ فيما بعد، في رافدين كبيرين: أولهما الرافد المصري الذي لوَّنته البيئة المادية منذ عصر ما قبل الأُسَر إلى دخول العرب, وبقيت منه خصائص فيما صدر عن مصر الإسلامية إلى أوائل النهضة الحديثة. والرافد الثاني: عربي، يحمل في أعطافه خصائص الأدب العربي من ناحية, وبعض المأثورات من الحضارات التي مَدَّ الإسلام عليها سلطانه من ناحية أخرى, ولقد "تمصَّرت" هذه العناصر كلها حتى اتضحت في عصر النهضة الصحفية الحديثة, وما صدر عنها من آثار مقالية.
فإذا كان الوظيفة الاجتماعية هي التي تخلق مبررات ظهور الصحافة وقيامها على أداء تلك الوظيفة, فإن أوراق البردي التي اكتشفها "فلندر زبري", والتي يرجع تاريخها إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد توضح مدى اهتمام المصريين القدماء بإثارة ميول القرّاء، وجذب انتباههم٤. وإذا اختلف المؤرخون حول المكان الأصيل الذي نبتت فيه الصحافة أول مرة، وسايرت تطوّر الإنسان وتقدُّمه من البدائية إلى الاستقرار إلى التحضر، فإن ذلك لا يحول دون اتفاقهم
стр. 26
على أن مصر قد عرفت الصحافة بهذا المفهوم منذ سبعة وثلاثين قرنًا١, فهناك وثيقة يرجع عهدها إلى سنة ١٧٥٠ قبل الميلاد تدل على وجود جريدة رسمية تنطق بلسان الحكومة, ويكتب فيها الوزير "رخمارا" مقالات تبيِّنُ اتجاهات الحكومة٢. ومن العجيب أن ورق البردي انقرض من العالم وحلَّت محله هذه الأوراق التي تجمعها الكتب بين دفتيها، وذهب النسخ وجاءت المطبعة, ولا يزال الاسم الذي أطلق على ورق البردي Papyrus هو الأصل الذي اشتقت منه الأسماء التي تطلق على الورق والصحف في اللغات العربية؛ فورقة البردي التي سميت "بريس" بدار الكتب الأهلية بباريس تُعَدُّ -كما يقول "جوستاف لوبون"٣- أقدم من أشعار هوميروس وأقدم من كتب التوراة، ويرجع عهدها إلى الأسرة الثانية عشرة، ففيها إذن ما خطَّته الأقلام منذ خمسة آلاف من السنين٤.
من ذلك تبيّن لنا قيمة هذه الوثيقة العريقة والتي حملت اسمًا ذا دلالة حديثه في لغة الحضارة Presse إلى جانب ما توحي إليه من جذور مقالية في التراث القديم، إذ تضمَّنَت مقالًا أخلاقيًّا ألف "كامكنا" في حكم الملك سنيفرو من الأسرة الثالثة، ومعلومات فتاحوتب التي ترجع إلى الأسرة الخامسة٥. وإلى جانب هذه الوثيقة عرفت مصر لونًا من صحافة الرأي في النقد والتوجيه والمعارضة، كالصحف التي ناوأت الملك رمسيس الثالث, كما عرفت النزال في صحفها "الهزلية" التي تناولت بالنقد الشديد والتهكم المرِّ فراعنة مصر، على النحو الذي اتجهت إليه "صحيفة القصر".
فالدارس للنماذج المقالية الباقية من مصر القديمة يلاحظ أنها تقوم على تقاليد مكينة وعريقة، ذلك أن المقال المصري يرتبط بشغف المصريين بتعلُّم الآداب، فجاءت مقالاتهم ثمرة رقيٍّ طويلٍ في طرائق الكتابة للجماهير، وطرقت موضوعات أخلاقية واجتماعية وفكرية وسياسية، وقد لا يكون منتجًا أن نتقرى أوجة الشبه أو وجوه الاختلاف بين الشكل القديم للمقال المصري، والشكل المحدث في صحافتنا اليوم، وإن كان هذان الشكلان يلتقيان ويفترقان، فقامت النماذج القديمة بوظائف المقال، حين اقتربت منه في تنوّع الموضوع، وحينما ذهبت معه لتخاطب الجماهير، فتميَّزت بسلامة الفكرة وسذاجة التعبير، وإن كانت قد اتجهت مع التقدُّم التاريخي إلى التأنق والتكلُّف في الأسلوب والتعقيد في
стр. 27
الأفكار وخُلُوّ الكتابة من الروح كما يحدث في عصور الانحطاط دائمًا١، وكما حدث في العصر العثماني من بعد.
ومهما يكن من شيء، فقد فرضت البيئة المصرية على المصري ذهنًا عمليًّا واقعيًّا، سهل المنطق واضح في نظرته إلى الدنيا وحكمه على الأشياء والناس، شأنه في ذلك شأن أبناء الأمم الزراعية عامة٢، وهذا الذهن العملي هو الذي يبدع الفن الصحفي، باتجاهه العملي وبلغته العملية الواقعية, وهو على ذلك أصلح الأذهان للإبداع في فنِّ المقال الصحفي على ما نعرفه اليوم.
وإذا كانت بذور الأدب المقالي قد وجدت في الحضارة المصرية القديمة, فإن هذه البذور في الأدب العربي الذي تمثلته مصر الإسلامية من بعده، توجد في "الأمثال وجوامع الكلم", وذلك شأن الأمم في بداوتها، فالمثل قريب بطبيعته وصياغته من فن المقالة التي أراد لها "مونتاني" أن تكون صورة صادقة عن إحساسه بالحياة وتأمله لها، لا يلحقها أيّ تشذيب أو تصنع. وذلك ما نجده عند العرب قبل الإسلام، وذلك أنهم كانوا أمة شعر، لها حياتها الاجتماعية والسياسية الخاصة, "فلما جاء الإسلام تغيرت هذه الحياة الاجتماعية والسياسية وحلَّ محلَّها نظام جديد يقوم على وحدة الأمة, وإدماج الأمم الأخرى في الإسلام، ونشأ عن ذلك اطلاع العرب على ما كان لهذه الأمم من آراء وأفكار، وديانات وعلوم وفلسفة, فأخذ العرب في هذا العصر الجديد يفكرون ويرون، وظهرت أمامهم مسائل ومشكلات جعلتهم يفكرون ويتلمسون لها الحلول, الأمر الذي أدَّى إلى تغيُّر موضوعات التفكير وأسلوب التعبير، فنشأن النثر الذي "يعبِّرُ عن المعاني بدون القيود الشعرية"٣.
ومن ذلك يتبين أن التراث العربي القديم في عصره الأول لم يعرف المقال بمعناه الاصطلاحي لدينا، ذلك أن المدلول الحتمي لهذا اللفظ هو "القول", فإذا ذكر النابغة في معلقته وهو يعتذر إلى النعمان ويحاول أن يرد التهمة التي ألصقت به، وأن يقذف بها أعداءه.
مقالة أن قد قلت: سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
فإنما هو يعني: القول, وإذا قال الجاهلي أو العربي بعد الإسلام: هذه مقالة صدق، فإنما يريد ما نريده اليوم من تعبيرنا: هذا قول صادق أو حق.
стр. 28
ولا نقع في القرآن الكريم، ولا في الحديث الشريف، ولا فيما أبقت لنا هذه الفترة المبكرة الأولى على غير هذا الاستعمال لهذه اللفظة١؛ فالمقال إذن في صميم هذا الاستعمال العربي، يشير إلى أنه "كلام شفوي" يرتبط بالنطق, فإذا ذكرنا المقال بعد ذلك في العصور التي ازدهرت فيها الثقافة العربية وفي هذه العصور التي نحياها أو أطرافًا منها٢ وأنه يعني الكلام المكتوب، أدركنا أضخم الفروق التي طرأت على استعمال هذا اللفظ بين القديم والجديد، ذلك أن هذا اللفظ كان "في حياتنا الثقافية بهذا المفهوم، جزءًا أصيلًا من هذه الثقافة، التي كانت تعتمد في أكثرها على الرواية، فكانت المقالة كلامًا منطوقًا"٣ ولم تلبث في عصور التدوين أن اتخذت شكل "الرسائل المقالية" التي يذهب بعض مؤرخي الصحافة إلى أنها مع التجوّز القليل، صحافة كاملة بالنسبة للعصور التي ظهرت فيها٤. وهذه الرسائل المقالية -كما سيجيء- تشكل عنصرًا هامًّا من عناصر الأصالة في مقال طه حسين، بصفة خاصة، والمقال العربي بصفة عامة، وإن كان مدلول هذه الرسائل المقالية لا يخرج عن الأشكال التي تشكلت بها الرسائل في الاتجاه نحو الذات, كما نجد في الرسائل الإخوانية, وفي الاتجاه نحو المذاهب المختلفة كما في رسائل الأشعريين والمعتزلة٥, ولكننا نجد في هذه الرسائل المقالية على العموم نواةً لفن المقال في الاتجاه نحو الفكرة: سياسية أو اجتماعية كما في رسائل الجاحظ، الذي يعتبر -كما يقول الدارسون٦- أول صحفي ممتاز لو أنه عاش في القرن الذي نعيش فيه.
وتأسيسًا على هذا الفهم، للبيئة المصرية فرعونية، وإسلامية، نلاحظ أنها بيئة مهيأة لهذا المقال الصحفي الحديث، لما يتَّسِم به المصريون من وحدة قومية وأصالة دينية، صبغتا المقال المصري بصبغة تميزه بين فنون المقال المدوَّنة بالعربية في أقطار أخرى، ذلك أن المقال المصري إلى جانب ذلك يتمثَّل الروح المصري والذهن العملي الذي يتيح له "لغة عملية تمتاز بالبساطة والوضوح والإيناس واللطف والرشاقة"٧ وهي اللغة المستفادة كذلك من "لطف"
стр. 29
الشخصية المصرية الذي عُرِفَت به بين جيرانها١، كما عُرِفَت "بالتنكيت" في الزمن القديم والحديث٢.
وحين نتفق على ارتباط الشخصية الفردية بالشخصية العامة، فإن القول بأن البيئة المصرية من أصلح البيئات لفن المقال الصحفي قول صحيح، يرتبط باكتشاف الكُتَّاب المصريين وطنهم، تأسيسًا على أن الاتصال النفسي بين الشخصيتين هو أساس الإبداع الحضاري، الذي يمثِّل المقال الصحفي مظهرًا من مظاهره، ولذلك يذهب طه حسين إلى أن "الشعب المصري أول من كتب بالقلم" واتخذ الحروف رمزًا للكلام الذي يؤدي عن القلوب والنفوس والعقول وما يثور فيها من العواطف وما يضطرب بها من الأهواء وما يخطر لها من الآراء٣", ويتمثَّل طه حسين بيئته المصرية التي تضم "وطنًا خالدًا ثابتًا سعيدًا تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف، فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائمًا، تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتعبث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان٤" ويتمثل ذلك جميعًا في مقاله الصحفي، بحيث لا يفكر "في عروبة مصر أو فرعونيتها، فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلّا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، أو فيما يشبه العلم من الحديث، وأما مصر التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعًا فهي فوق الفروض جميعًا، وهي فوق الاحتمالات جميعًا، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين وفلسفة الفلاسفة٥".
وهذه البيئة المصرية هي التي تحدد مهمة المقال الصحفي في أدب طه حسين في تحقيق "صلة ثقافية بأدق معاني هذه الكلمة وأرفعها بين الشعوب العربية أولًا, وبين هذه الشعوب وأمم الغرب ثانيًا٦".
стр. 30
٢- الاتصال بالحضارة الأوربية:
على أن موضع هذه البيئة المصرية، الذي أتاح لها أن تمتاز بين بلاد الشرق الأدنى بثروتها وقوتها وثقافتها, أتاح لها أن تقوم بمهمة التوسُّط بين الشرق والغرب في شئون الثقافة والسياسة والاقتصاد١، فإذا كان فن المقال بمفهومه الحديث يرتبط بتاريخ الصحافة ارتباطًا وثيقًا، فإن عوامل كثيرة قد تضافرت على النهوض به، منها انتشار التعليم الحديث، ثم العمل على إحياء التراث العربي القديم، ومنها كذلك عناية المستشرقين باللغة العربية وآدابها, ثم انتشار الصحافة في الشرق العربي٢.
فالمقال الصحفي في مصر يرتبط بانتهاء عصر الوقوف والركود واستئناف الاتصال بين العالم العربي والعالم الأوربي في أواخر القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر، ثم دقة هذا الاتصال وتنظيمه في هذا القرن الذي نعيش فيه٣؛ حيث ألغيت المسافات الزمنية والمكانية, وأصبح الاتصال في كل لحظة ظاهرة من الظواهر الطبيعية للحياة المألوفة٤.
على أن هذا الاتصال بالحضارة الأوربية قد فرض طابعه على جانب هام من جوانب التطور الفكري والاجتماعي الذي يشمل الصحافة في أعطافه، وأخذ امتداد هذا التيار الأوربي يهز القيم والتقاليد القديمة هزًّا عنيفًا لا يبلغ حَدَّ الثورة على تلك القيم والتقاليد, وإن كان يرمي إلى التوفيق بين القديم والجديد في إطارٍ من تراث الآباء والأجداد والحضارة العربية الأصيلة٥. ذلك أن الثقافة في مصر في نهاية القرن الثامن عشر -رغم ما كانت عليه من جمود وانحطاط- كانت ثقافة متجانسة لا تعاني من ازدواج أو صراع. حتى إذا ما استيقظ المصريون على صوت مدافع بونابرت في سنة ١٧٩٨ غازيًا للبلاد تحدث مواجهة فعلية بين ثقافتين وحضارتين مختلفتين على الرغم من اشتراكهما في الأصول والمنابع الأولى إلى حد كبير٦.
وقد انعكست الصورة المترسبة عن عصور الانحطاط على فنِّ المقال الذي اتسم "بالجمال الفني في الكلام"٧, وقنع بما كان بينه وبين الأدب العربي المنحط من صلة, على أن اصطدام المصريين بغيرهم من الأمم قد أذكى في
стр. 31
نفوسهم وفي نفوس هذه الأمم جذوة الأدب والفن والعلم١, فما هي إلّا أن انتهى القرن التاسع عشر -كما يقول طه حسين٢- حتى كانت الحياة الغربية قد وصلت إلى طائفة من الناس فأثَّرت بعض التأثير في عقولهم، وعجزت عن أن تؤثر في شعورهم وعواطفهم، فكانت حياة عقلية فيها شيء من الجدة، وفيها ميل إلى الخروج على القديم، وكان اندفاع، يختلف قوة وضعفًا إلى العلم باختلاف الظروف وأطوار الحياة الفردية والاجتماعية، وأنشئت مدارس وظهرت صحف، وترجمت كتب، ولكن الأدب ظلَّ كما هو قديمًا أو متين الاتصال بالقديم٣".
على أن مسار التطور في أساليب التعبير، لا ينفي أن هذه الحماية الفرنسية قد "فتحت أعين الشرق على مواطن عجزه ونقصه، وعلمته قهرًا ما كان يأبى أن يتعلمه باختياره، فأدرك حاجته إلى التغيير العاجل٤", ولعلَّ من أهم ما جاءت به هذه الحملة أنها أتت إلى مصر بالمطبعة العربية، التي أخذت تحدث في "مصر والشرق أثرًا كالذي أحدثته في أوربة إبَّان النهضة الأوربية منذ قرون"٥, ومن أهم هذه الآثار أن هذه الحملة قد جاءت لتمهِّدَ لانفصال القومية عن العالم الإسلامي، وهو الأثر الذي ننظر إليه في إطار الارتباط بين ظهور المقال الصحفيِّ الأوربي, وظهور القوميات المنسلخة عن العالم المسيحي الموحَّد. فنجد أن فن المقال الصحفي في مصر كذلك جاء هو الآخر مرتبطًا بحركة الانفصال عن الخلافة العثمانية٦ التي ارتبطت في أذهان المصريين بالتخلُّف الذي جعلهم يتجهون إلى فكرة التقَدُّمِ العصري الذي سبق إليه القوم" بعلوم ابتكروها، أو بعلوم اقتبسوها منَّا، وآن لها أن تردها إلينا"٧. فلم يمض جيل واحد بعد الحملة الفرنسية حتى ظهر "الرجل المثقف" في البيئة المصرية, ولم تخل منه بيئة من بيئات التقليد والرجعة إلى القديم، وهي على عادتها في الأزمنة المختلفة أعدى أعداء التحول والتجديد٨, وأظهره ما كان من الرجوع إلى الأدب القديم، وإحيائه بالنشر والإذاعة أولًا، ثم بالتقليد والمحاكاة ثانيًا، وما كان من تعلُّمِ بعض اللغات الأجنبية, وقراءة ما ينتج فيها من الآثار، وترجمة بعض هذه الآثار إلى اللغة العربية في غير نظام ولا اطِّراد، وما كان آخر الأمر من الإعراض عن الحياة المادية القديمة والإقبال على الحضارة المادية الحديثة، واستعارة النظم السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية والقضائية من أوربا، ثم العدول عن العلم الموروث بعد ذلك إلى العلم الحي الحديث, ومناهج تعليمه الحية المستحدثة، وإقرار هذا كله في المدارس والمعاهد
стр. 32
العربية والمصرية١.
وكنتيجة لهذا الاتصال بالحضارة الغربية تغيَّرت خصائص كثيرة من خصائص النفس العربية, واضطرت إلى أنحاءٍ من التصوّر والتصوير لم تكن مألوفة من قبل٢, وأخذ عنصر التطور يعمل من جديد في طريقين متعاكستين أشد التعاكُس وأقواه، فقد كان إحياء الأدب القديم يدفع العقل العربي الحديث إلى وراء, ويقوي فيه عنصر الثبات والاستقرار، كما كان الاتصال بالثقافة الأوروبية وحضارتها يدفع العقل العربي إلى أمام٣, ويقوي فيه عنصر التطوّر والانتقال٤.
وألقت هذه الصورة على الصحافة مهمة الاستمرار بعنصر التطور والانتقال في تقدُّمه واطراده، والشد من قوة العقل العربي في الثبات لهذا التعاكُس العنيف، وتنتفع به أشد انتفاع، وكان يخشى في أواسط القرن الماضي وفي أول هذا القرن أن يتمَّ التقاطع بين هذين الاتجاهين؛ فيذهب فريق من "المتأدبين إلى وراء من غير رجعة، ويذهب فريق منهم إلى أمام على غير أناة"٥, ويضيع العقل المصري والعربي بين هاتين الطريقتين المتعاكستين٦, ولكن الصحافة المصرية ثبتت لهذه المحنة واستفادت منها، فكانت الترجمة كضرورة صحفية مظهرًا من مظاهر تغذية المجتمع بالجانب المشرق من الثقافة الغربية، فأسهمت هذه الضرورة في تحرير النثر الصحفي وغير الصحفي من أغلال الصنعة التقليدية الموروثة عن عصور الانحطاط، كما جنحت به إلى السهولة والاهتمام بالمعاني والدقة في التعبير على النحو الذي نراه فيما بعد في مدرسة الجريدة، وصحافة المدرسة الحديثة بصفة عامة، التي عالجت المقالة الأدبية والمقالة الصحفية, وأفادت من الدراسات النفسية والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية في مضمون المقال.
فالاتصال بالحضارة الأوربية وثقافتها إذن: قد أسهم في تطوُّر مضمون المقال الصحفي وفنونه من بعد، على النحو الذي تشير إليه خارطة التطوُّر في المقال المصري، ابتداءً من الصحفي رفاعة الطهطاوي الذي يمثِّلُ بداية الالتحام بين الثقافتين٧، ومرورًا بكُتَّاب هذا المقال من العلمانيين وغيرهم؛ كالدكتور يعقوب صرورف, الذي جعل من "المقتطف" نقطة تحوّل في الفن الصحفي في محاولاته الأدبية والاقتصادية والسياسية، ومقارناته بين كتابات "سبنسر" في علم الاجتماع الإنساني ومقدمة ابن خلدون٨. وليس من قبيل المصادفة
стр. 33
أن يكون جمال الدين الأفغاني ويعقوب صنوع ومحمد عبده ومصطفى كامل وأحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل وطه حسين وعباس العقاد من روّاد الصحافة الذين استقامت لهم طريقة تحقق فيها التوازن الصحيح بين القديم والجديد، فاحتفظ المقال الصحفي على أيديهم بأصوله التقليدية الأساسية ولم يستعص على التطور، فاستطاع هؤلاء بجهودهم الرائعة أن يخلقوا لغة الفن الصحفي العربي التي تقترب من لغة الأدب, وتمتاز بالسلاسة والواقعية والتبسيط١. ذلك أن هؤلاء الكُتَّاب المقاليين قد قبلوا من الثقافات الأجنبية الحديثة مثل ما قَبِلَ العقل العربي من الثقافات الأجنبية أيام العباسيين٢, واستحدثوا من الفنون ما يلائم العصر الحديث، كما استحدث من الفنون ما كان يلائم عصر العباسيين٣. وأول مظهر لهذا هو أن المقال الصحفي على يد هؤلاء قد اتَّخَذَ اللغة العربية له لسانًا٤، وعرض كثيرًا من الاتجاهات السياسية والثقافية والاجتماعية في لغة عربية واضحة، كما يعرض في اللغات الأجنبية المختلفة.
وتأسيسًا على هذا الفهم للاتصال الحديث بالحضارة الأوربية، نجد أن العوامل التي طوَّرت المقال الصحفي عما كان عليه في صحافة النشأة في مصر، وخلصت من المماحكات اللفظية قد اطرد نموها، وتضافرت على توجيهه وجهة أخرى غير الوجهة التي رأيناها عند التقليديين، في صحافة النشأة. وخلاصة ما يُقَالُ فيها أن حركة التجديد في الصحافة قد وليت حركة اليقظة في أوجَّهَا عند الأستاذ الإمام, وسارت في توازٍ مع مسار الحركة الوطنية, وقد أدَّت هذه العوامل إلى ظهور نوع جديد من أدب المقالة، وهو المقال السياسي, وقد برع الكُتَّاب في المطالبة باستقلال الشعب وإزاحة الاستعمار عن كاهل المصريين, واتسعت دائرة المقال وتعددت ألوانه, فظهرت المقالة الأدبية والمقالة الاجتماعية والمقالة النقدية٥. وليس من شكٍّ في أن الصحافة صاحبة الحظ الموفور في نشر الأدب والعلم وإنشاء النثر الحديث, ونعني بالصحافة ما يذهب إليه طه حسين، من أنها الصحافة كلها يومية وأسبوعية وشهرية٦, وقد استطاعت هذه الصحافة المصرية أن تؤثِّرَ في الأدب من طريق السياسة ومن السعي إلى السياسة٧.
стр. 34
٣- الحياة السياسية:
ومهما يكن من شيء فقد ساعد على فعالية هذه العوامل تخطيط سياسة الاحتلال الذي وضعه اللورد "دوفرين"١ وطبقة "كرومر" والذي تضمَّن: تَرْك شيء من الحرية النسبية للصحف تنفيسًا عما قد يعنُّ لمحرريها من آراءٍ وملاحظاتٍ قد تفيد منها سياسة الاحتلال -مع إغفال قانون المطبوعات٢, وتحقيقًا لهذه السياسة ذهب كرومر إلى أن تكون للاحتلال صحف تؤيد بقاءه صراحةً لا ضمنًا, وتدافع عن أعماله وترد على معارضيه, وفي مقدوره تأييدها ماديًّا وأدبيًّا، فأوعز إلى أصحاب "المقتطف" إنشاء صحيفة يومية سياسية تعبِّر عن المصالح البريطانية, كما كانت "الأهرام" تعبِّر عن المصالح الفرنسية, فتَقَدَّم يعقوب صروف وفارس نمَّر وشاهين مكاريوس إلى إدارة المطبوعات في ١٨ أبريل سنة ١٨٨٨ يرجون الترخيص لهم بإنشاء جريدة "المقطم"٣.
ومضت صحيفة "المقطم" منذ صدورها قبل مولد طه حسين بشهور، تؤيّد الاحتلال البريطاني وتشيد بسياسته، وتدافع عن صنائعه من المصريين، وتنتهز كل مناسبة للنَّيْل من الباب العالي، وفي ذلك تقول جريدة "الشعب" وهي تؤرِّخ للمقطم "أنه إنجليزي صرف, وكل أعمال الحكومة ممدوحة لديه، وهو يترجم ويطبع تقارير المعتمد"٤, كما هاجمت الخديوي عباس الثاني الذي أيَّدَ الوطنيين في بداية حكمه٥، ولعلَّ في ذلك ما يلقي الضوء على اتجاه الخديوي في نهاية القرن الماضي إلى كسب تأييد الرأي العام والوقوف في وجه المعتمد البريطاني، والرد على مفتريات الصحف الإنجليزية والفرنسية، فصدرت جريدة "المؤيد" في أول ديسمبر ١٨٨٩ لصاحبها السيد علي يوسف, للتعبير عن مصالح المصريين عامة، والخديوي خاصة، ولتتحدث بلسان حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية٦.
وإذا كان التفكير الديني عند السيد علي يوسف يضفي عليه اتجاهًا سلفيًّا، فإنه كان كاتبًا مجددًا في المقال الصحفي تعبيرًا وأسلوبًا, ذلك أنه كان يصنع "صناعته" الصحفية ليتعلمها الناس منه، ولم يكن يتعلَّم تلك الصناعة على أساتذتها في الشرق والغرب، ولا على أدواتها التي تمليها عليه٥؛ فالسيد علي يوسف يكتب مادة "صحفية صحيحة بكل ما تحمل هذه الكلمة من
стр. 35
معنى"١ مستحدثًا في الأسلوب العربي ما يسمى بالأسلوب السياسي٢, بحيث يمكن القول أن مقال السيد علي يوسف يضع البداية الفاصلة بين فنِّ المقال الصحفي وفنِّ المقال الأدبي، فكان رائدًا لمن أتوا بعده من كبار الصحفيين٣.
على أن المضمون السياسي في مقال علي يوسف، يمثِّلُ اتجاهًا من اتجاهات الحركة الوطنية في عهد الاحتلال، يتجه إلى تأييد الخديو من جهة، والدعوة إلى الرأي المحافظ من جهة أخرى, كما يذهب إلى ذلك تشارلس آدمس. فالفرق بين الزعيم مصطفى كامل وعلي يوسف هو "الفرق بين السياسة القومية وسياسة القصر والحاشية الخديوية، أو الفرق بين الخطيب المنطلق والكاتب الحصيف٤".
وتأسيسًا على هذا الفهم نَتَلَمَّسُ اتجاهين إلى جانب هذا الاتجاه المحافظ، غلبا على الحركة الوطنية في عهد الاحتلال، اتجاه حماسي متطرِّفٌ في عداوته للاحتلال, وآخر معتدل٥ لا ينكر التعاون مع الإنجليز والسير معهم لتحقيق المصلحة العامة للبلاد، ورأي يقول: إنه لا أمل في الإصلاح الحقيقي إلا بزوال الاحتلال, وآخر يقول: إن الإصلاح الحقيقي الداخلي هو وسيلة الجلاء٦, وكان على الاتجاه الأول والرأي الأول مصطفى كامل وشيعته، وعلى الاتجاه الثاني جماعة من الأعيان المصريين وبعض "حصفاء" الثورة العرابية٧ الذين شهدوا تذبذب السياسة الفرنسية والسياسة العثمانية قبل الاحتلال, فاستقاموا على الطريق الممهَّد لهم من تزويد الأمة بعد العلم والإصلاح الداخلي٨.
وفي الاتجاه الثاني -الاتجاه المعتدل- سارت "الجريدة" فحملت عبء الدفاع عن الرأي الذي يقول بأن الإصلاح الداخلي بالتعاون مع الاحتلال هو أقوم السبل إلى تحقيق الاستقلال٩, كما سار فيه غير أصحاب الجريدة ممَّن تفاوتت درجات اعتدالهم وتعاونهم مع الاحتلال وآمالهم في الإصلاح١٠, في حين دعا مصطفى كامل إلى وضع حَدٍّ للاحتلال البريطاني، ورأى إمكان تحقيق ذلك بمساعدة دولة ثالثة، وهي إما فرنسا الخصم التقليدي لانجلترا
стр. 36
في الشرق الأدنى، أو السلطان العثماني. وأعتقد أيضًا أن مصر أمة واحدة، لكنها جزء من عالم أكبر, لا بل من عدة عوالم: العثماني والمسلم والشرقي، كما أعتقد أنه عليها أن تؤدي علاقاتها مع كلٍّ من هذه العوالم الثلاثة١.
وقد نشر هذه الأفكار خطابة وكتابة، فكان خطيبًا مفوهًا وصفيًّا ناجحًا, ويعزى إليه الفضل في إنشاء ثاني صحيفة مصرية في سنة ١٩٠٠ هي صحيفة "اللواء", بعد أن كان السيد علي يوسف قد أنشأ "المؤيد" في ١٨٨٩، حين كانت معظم الصحف بأيدي السوريين٢, كما أصدر اللواء في طبعتين: إنجليزية وفرنسية, وأكسبته أفكاره وبلاغته وصحفه نفوذًا لدى الشباب المثقَّف، على أن ما أكسبه النفوذ السياسي المباشِر هو تأييد الخديو له وصلته به٣, ذلك أن عباس حلمي بخلاف سلفه توفيق الذي حماه الإنجليز من الثورة وثبَّتوا عرشه، فكان عن ضرورة وعن ضعف، آلةً طيعةً في يد كرومر، أما عباس فكان شابًّا يكره الائتمار بأوامر رجل مسنٍّ، ويرغب في أن يحكم بنفسه, ولكنَّ انجلترا تذرَّعت بصغر سنه ونادت صحفها٤ بأن ارتقاء الخديو الشاب عرش مصر يجعل بقاء الاحتلال أكثر ضرورة من أي وقت، فلا يجوز منذ الآن الكلام عن الجلاء", ووجد عباس في مصطفى كامل أداةً مفيدةً للحدِّ من سلطة كرومر، كما وجد فيه مصطفى كامل وسيلة لتحقيق غايته الوطنية، وظنَّ "كلٌّ منهما أنه يستخدم الآخر"٥ إلّا أن هذا التحالف أخذ يضعف تدريجيًّا ببروز نقاط الضعف في هذه السياسة. فانخذال فرنسا في فاشودة، في ١٨٩٨، والاتفاق الودي في ١٩٠٤، جعلا من الصعب التصديق أن بإمكان فرنسا دعم الوطنيين في مصر٦. فاتجه الخديو بعد سنة ١٩٠٤ في اتجاه التقرب من الإنجليز، إذ أصبح ذلك في الإمكان بعد عزل كرومر ومجيء جورست خلفًا له, وكان مصطفى كامل قد انتهى إلى الاعتقاد بأن اهتمام الخديو عباس بسلطته الخاصة كان أشد من اهتمامه باستقلال مصر٧.
على أن نمو طبقة الطلاب قد أتاح لمصطفى كامل مجالًا واسعًا للخطابة والكتابة، كما أن حادث دنشواي قد فجَّرَ الشعور بالمقاومة الوطنية, وترك "في الشعور العام تأثيرًا عميقًا"٨ على نحوٍ يصوره قاسم أمين أبلغ تصوير
стр. 37
"ولكن هذا الإخاء في الشعور بقي مكتومًا في النفوس لم يجد سبيلًا يخرج منه فلم يبرز بروزًا واضحًا حتى يراه كل إنسان".
ولم يلبث هذا الشعور العام بالإضافة إلى تخفيف شدة الرقابة تنفيذًا لتوصية دوفرين، أن ظهرت آثار ذلك جميعًا في ازدهار المقال الصحفي وارتباطه بالرأي العام، الذي غدا بدوره ظاهرة لفتت كُتَّاب المقال وعُنُوا بتعميقه وتطويره، وذهب لطفي السيد إلى أن "الرأي العام للأمة إذا لم يكن منطبقًا على الحق والعدل في ذاتهما, فإنه على الأقل منطبق على الحق والعدل على الوجه الذي به تفهمها الأمة وتحتملها"١. ذلك أن الرأي العام في مصر منذ عصر إسماعيل قد ضعف "لحداثة سنه من جهة، ولقوة الحكومة الظالمة من جهة أخرى, إلَّا أن ضعفه لم يمنعه من النموِّ والارتقاء يومًا فيومًا، تبعًا لقواعد الرقي التدريجي, فكانت كل حادثة من الحوادث السياسية، من شأنها أن تقوي ساعده وتَشُدُّ عضده للبقاء، حتى صار اليوم على ما نراه عليه"٢ فالمصريون من يوم أن بدأوا التعليم على الطريقة الغربية، أخذوا يطمعون في حكومة دستورية متمدنة، وأخذوا يتذمرون سرًّا من احتكار الشراكسة للوظائف العسكرية، حتى بلغ الرأي العام أشده إبَّان الثورة العرابية التي انتهزها الإنجليز سببًا لاحتلال مصر٣.
أما ظهور هذا الرأي العام ظهورًا جليًّا أمام أعين الأوربيين، فإنه لم يبتدئ إلا مع حرية الصحافة المصرية، التي لم تنتشر إلّا في عهد الاحتلال، وصار انتشارها أعمّ في أزمنة سياسة الخلاف بين القصر والإنجليز. وينكر لطفي السيد أن الصحافة المصرية خلقت رأيًا عامًّا كاذبًا، كما يزعم كرومر٤. "فماذا كان ذنب هذه الصحافة المصرية، التي هي البقية الباقية للمصريين من ميراث الحرية الذي ورثوه عن أبويهم: آدم وحواء؟ "٥.
على أن اتجاهات الرأي العام في تلك الفترة تصبغ الوطنية بصبغتين متميزتين مختلفتين، إحداهما تتجه إلى الجامعة الإسلامية٦ وتتمسك بالرابطة العثمانية٧, والثانية تتجه إلى ما عُرِفَ حينذاك بالجامعة المصرية وهو الاصطلاح السائد في ذلك الوقت للتعبير عن القومية المصرية٨، وكانت فكرة ناتئة لم تتبلور بعد في الأذهان٩ انتقلت إلى مصر مع ما انتقل
стр. 38
إليها من الغرب، متأثرة في ذلك بالاتجاهات القومية التي سادت في أوربا في القرن الماضي١, وقد اختلطت الفكرتان اختلاطًا شديدًا منذ البداية، فقد أصرَّ الطهطاوي على وجود ولائين: الأول تجاه مَنْ يدينون بالدين الواحد، والآخر تجاه المواطنين، كما في دولة الفقهاء الإسلامية المثلى٢, لكن فكرة "الوطن" الفرنسية كانت قد انتصرت في مصر بعد وفاته، في رحلة البحث الحديث عن الوطن المصري، وكان من مظاهر انتشارها إنشاء إحدى الصحف الكبرى الأولى في سنة ١٨٧٧ باسم "الوطن", وعندما وضع حسين المرصفي كتيبًا في ١٨٨٩، لشرح "بعض المفردات الشائعة على ألسنة الناس" أدخل كلمات: "الوطن" و"الأمة" في عداد تلك المفردات؛ كالحرية والعدالة والظلم والسياسة والحكومة والتربية، حسب مفاهيم عصره، فالأمة مثلًا، في مفهومه معنًى أوسع بكثير من المعنى الديني٣, ومن ذلك ما أخذه الأستاذ الإمام على عرابي من "جهلٍ لحقيقة معنى الكلمات التي كان يستعملها"٤ ويتجلى خلال تلك الفترة التي لعبت فيها الصحافة التوجيهية دورًا مهمًّا في الحياة السياسية المصرية، وبرزت "شخصية الصحفي السياسي كشخصية رئيسية في العصر الحديث، وهو الذي عُنِيَ خصوصًا لا بنشر الآراء فحسب, بل بمهارته في استعمال اللغة، بإثارة المشاعر الجيَّاشة"٥.
على أن مفهوم القومية المصرية لم ينفصل تمامًا عن الجامعة الإسلامية، إلّا بعد الحرب الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية, ثم سقوط الخلافة بعد ذلك، ذلك أن هذا الانفصال لم يتم إلّا تدريجيًّا بعد أن أخذت معالمه تنمو وتتضح منذ بداية القرن العشرين٦.
ومن ذلك تبين أن العلاقة بين الصحافة والرأي العام، قد لعبت دورًا أساسيًّا في تحديد مفهوم القومية المصرية، فلم تظهر "الأحزاب السياسية المنظمة"٧ إلّا من دور الصحف كتجسيدٍ ماديٍّ لآرائها التي كانت تدافع عن قضية البلاد٨؛ فتأسَّسَ الحزب الوطني ليُجَسِّدَ آراء واتجاهات صحيفة
стр. 39
"اللواء", كما جسَّدَ حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية اتجاه "المؤيد", وخرج حزب الأمة أساسًا من "الجريدة", وكان لطفي السيد مديرها وسكرتير الحزب هو المعبِّر الحقيقي عن آرائه.
ونخلص من ذلك إلى أنَّ المحوْرَ القومي في الحياة السياسية، وتحديد مفهوم القومية المصرية، من أهم الأمور في تطوُّرِ المقال الصحفي في مصر، تأسيسًا على أن ظهور المقال الصحفي الأوربيّ يرتبط كذلك بظهور القوميات المنسلخة عن العالم المسيحي الموحَّدِ، ولقد تصادَف أن تتزامن حركة الانفصال عن الخلافة العثمانية مع تحديد مفهوم المقال الصحفي في مصر١.
стр. 40
٤- الحياة الفكرية:
وتأسيسًا على هذا الفهم، نجد المقال الصحفيِّ في بيئة التكوين لجيل طه حسين مرتبطًا بالبيئة المصرية وما يضطرب فيها من حيوات، بحيث بدت القاهرة حينئذ أشبه ما تكون ببرج بابل، كما يقول العقاد١، تعج بدعواتٍ من كلِّ لونٍ، ولكنَّ هذه الصورة ترتبط من الوجهة المصرية بالأستاذ الإمام محمد عبده، الذي ذهب في توجيه النهضة القومية بعد عودته من المنفى إلى وجهةٍ تتفق مع مذهبه في الحياة، وهي وجهة "لا يشغلها الغرض القريب عن الغرض البعيد، ولا ييئسها الأمل الضائع أن تصمد للأمل الذي لا يضيع"٢ فلا معول للأمم في جهادها –لديه- أنفع وأصدق في المضي بها إلى غايتها من العلم الحي والتربية القومية, وكان يقول للمقرَّبين لديه من مريديه: لو كان في هذه الأمة مائة رجل لما استطاع الإنجليز أن يحكموها، ولما أدركوا منها أربًا في حكمهم إياها، وإنما الرجل عنده صاحب الفكر البصير والخلق المكين: صاحب الكفاءة الذي إن وُجِدَ في الأمة قادها لا محالة، ولم يتمكَّن أجنبي ذو سطوة أو ثروة أن ينازعه على قيادها٣.
ويلخص لنا هذا القول اتجاه الإمام وأثره في التربية الوطنية، وسبب انصرافه إلى حصر نشاطه في تلك الدائرة التي ارتضاها لنفسه وهي تزعم حركة الإصلاح الديني والاجتماعي, ولم يتعداها إلى خارجها, ولم يُرِدْ أن يكون صاحب رأي مباشر في الحياة السياسية إلّا من خلال مذهبه الاجتماعي والصحافة النزيهة وتربية القادة٤. ويتبين هذا الأثر الفكريّ من تمثل كُتَّاب الجريدة لأفكار الإمام واتجاهاته، فقال عنهم كرومر في تقرير ١٩٠٦ "إنهم من أتباع الشيخ محمد عبده", وقال عنهم غيره: إنهم من تلامذته وروَّاده, ومهما يكن من شيء فقد اتجه كُتَّاب "الجريدة" إلى تعقيل الحياة وتخليصها من عناصر الخرافة وما إليها٥، واستمت هذه الدعوة بالنظر في الإصلاح المصري على أساسٍ جديد، هو العقل من ناحية، والمنفعة الذاتية لمصر وحدها من جهة ثانية٦.
على أن هذه الدعوة لا يمكن أن تنفصل عن الفكرتين اللتين سادتا البيئة