← Адаб

Адаб · id 10003

فن المقال الصحفي في أدب طه حسين

عبد العزيز شرف

Полный текст (424 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في الشرق الأدنى، أو السلطان العثماني. وأعتقد أيضًا أن مصر أمة واحدة، لكنها جزء من عالم أكبر, لا بل من عدة عوالم: العثماني والمسلم والشرقي، كما أعتقد أنه عليها أن تؤدي علاقاتها مع كلٍّ من هذه العوالم الثلاثة١. وقد نشر هذه الأفكار خطابة وكتابة، فكان خطيبًا مفوهًا وصفيًّا ناجحًا, ويعزى إليه الفضل في إنشاء ثاني صحيفة مصرية في سنة ١٩٠٠ هي صحيفة "اللواء", بعد أن كان السيد علي يوسف قد أنشأ "المؤيد" في ١٨٨٩، حين كانت معظم الصحف بأيدي السوريين٢, كما أصدر اللواء في طبعتين: إنجليزية وفرنسية, وأكسبته أفكاره وبلاغته وصحفه نفوذًا لدى الشباب المثقَّف، على أن ما أكسبه النفوذ السياسي المباشِر هو تأييد الخديو له وصلته به٣, ذلك أن عباس حلمي بخلاف سلفه توفيق الذي حماه الإنجليز من الثورة وثبَّتوا عرشه، فكان عن ضرورة وعن ضعف، آلةً طيعةً في يد كرومر، أما عباس فكان شابًّا يكره الائتمار بأوامر رجل مسنٍّ، ويرغب في أن يحكم بنفسه, ولكنَّ انجلترا تذرَّعت بصغر سنه ونادت صحفها٤ بأن ارتقاء الخديو الشاب عرش مصر يجعل بقاء الاحتلال أكثر ضرورة من أي وقت، فلا يجوز منذ الآن الكلام عن الجلاء", ووجد عباس في مصطفى كامل أداةً مفيدةً للحدِّ من سلطة كرومر، كما وجد فيه مصطفى كامل وسيلة لتحقيق غايته الوطنية، وظنَّ "كلٌّ منهما أنه يستخدم الآخر"٥ إلّا أن هذا التحالف أخذ يضعف تدريجيًّا ببروز نقاط الضعف في هذه السياسة. فانخذال فرنسا في فاشودة، في ١٨٩٨، والاتفاق الودي في ١٩٠٤، جعلا من الصعب التصديق أن بإمكان فرنسا دعم الوطنيين في مصر٦. فاتجه الخديو بعد سنة ١٩٠٤ في اتجاه التقرب من الإنجليز، إذ أصبح ذلك في الإمكان بعد عزل كرومر ومجيء جورست خلفًا له, وكان مصطفى كامل قد انتهى إلى الاعتقاد بأن اهتمام الخديو عباس بسلطته الخاصة كان أشد من اهتمامه باستقلال مصر٧. على أن نمو طبقة الطلاب قد أتاح لمصطفى كامل مجالًا واسعًا للخطابة والكتابة، كما أن حادث دنشواي قد فجَّرَ الشعور بالمقاومة الوطنية, وترك "في الشعور العام تأثيرًا عميقًا"٨ على نحوٍ يصوره قاسم أمين أبلغ تصوير

стр. 37

"ولكن هذا الإخاء في الشعور بقي مكتومًا في النفوس لم يجد سبيلًا يخرج منه فلم يبرز بروزًا واضحًا حتى يراه كل إنسان". ولم يلبث هذا الشعور العام بالإضافة إلى تخفيف شدة الرقابة تنفيذًا لتوصية دوفرين، أن ظهرت آثار ذلك جميعًا في ازدهار المقال الصحفي وارتباطه بالرأي العام، الذي غدا بدوره ظاهرة لفتت كُتَّاب المقال وعُنُوا بتعميقه وتطويره، وذهب لطفي السيد إلى أن "الرأي العام للأمة إذا لم يكن منطبقًا على الحق والعدل في ذاتهما, فإنه على الأقل منطبق على الحق والعدل على الوجه الذي به تفهمها الأمة وتحتملها"١. ذلك أن الرأي العام في مصر منذ عصر إسماعيل قد ضعف "لحداثة سنه من جهة، ولقوة الحكومة الظالمة من جهة أخرى, إلَّا أن ضعفه لم يمنعه من النموِّ والارتقاء يومًا فيومًا، تبعًا لقواعد الرقي التدريجي, فكانت كل حادثة من الحوادث السياسية، من شأنها أن تقوي ساعده وتَشُدُّ عضده للبقاء، حتى صار اليوم على ما نراه عليه"٢ فالمصريون من يوم أن بدأوا التعليم على الطريقة الغربية، أخذوا يطمعون في حكومة دستورية متمدنة، وأخذوا يتذمرون سرًّا من احتكار الشراكسة للوظائف العسكرية، حتى بلغ الرأي العام أشده إبَّان الثورة العرابية التي انتهزها الإنجليز سببًا لاحتلال مصر٣. أما ظهور هذا الرأي العام ظهورًا جليًّا أمام أعين الأوربيين، فإنه لم يبتدئ إلا مع حرية الصحافة المصرية، التي لم تنتشر إلّا في عهد الاحتلال، وصار انتشارها أعمّ في أزمنة سياسة الخلاف بين القصر والإنجليز. وينكر لطفي السيد أن الصحافة المصرية خلقت رأيًا عامًّا كاذبًا، كما يزعم كرومر٤. "فماذا كان ذنب هذه الصحافة المصرية، التي هي البقية الباقية للمصريين من ميراث الحرية الذي ورثوه عن أبويهم: آدم وحواء؟ "٥. على أن اتجاهات الرأي العام في تلك الفترة تصبغ الوطنية بصبغتين متميزتين مختلفتين، إحداهما تتجه إلى الجامعة الإسلامية٦ وتتمسك بالرابطة العثمانية٧, والثانية تتجه إلى ما عُرِفَ حينذاك بالجامعة المصرية وهو الاصطلاح السائد في ذلك الوقت للتعبير عن القومية المصرية٨، وكانت فكرة ناتئة لم تتبلور بعد في الأذهان٩ انتقلت إلى مصر مع ما انتقل

стр. 38

إليها من الغرب، متأثرة في ذلك بالاتجاهات القومية التي سادت في أوربا في القرن الماضي١, وقد اختلطت الفكرتان اختلاطًا شديدًا منذ البداية، فقد أصرَّ الطهطاوي على وجود ولائين: الأول تجاه مَنْ يدينون بالدين الواحد، والآخر تجاه المواطنين، كما في دولة الفقهاء الإسلامية المثلى٢, لكن فكرة "الوطن" الفرنسية كانت قد انتصرت في مصر بعد وفاته، في رحلة البحث الحديث عن الوطن المصري، وكان من مظاهر انتشارها إنشاء إحدى الصحف الكبرى الأولى في سنة ١٨٧٧ باسم "الوطن", وعندما وضع حسين المرصفي كتيبًا في ١٨٨٩، لشرح "بعض المفردات الشائعة على ألسنة الناس" أدخل كلمات: "الوطن" و"الأمة" في عداد تلك المفردات؛ كالحرية والعدالة والظلم والسياسة والحكومة والتربية، حسب مفاهيم عصره، فالأمة مثلًا، في مفهومه معنًى أوسع بكثير من المعنى الديني٣, ومن ذلك ما أخذه الأستاذ الإمام على عرابي من "جهلٍ لحقيقة معنى الكلمات التي كان يستعملها"٤ ويتجلى خلال تلك الفترة التي لعبت فيها الصحافة التوجيهية دورًا مهمًّا في الحياة السياسية المصرية، وبرزت "شخصية الصحفي السياسي كشخصية رئيسية في العصر الحديث، وهو الذي عُنِيَ خصوصًا لا بنشر الآراء فحسب, بل بمهارته في استعمال اللغة، بإثارة المشاعر الجيَّاشة"٥. على أن مفهوم القومية المصرية لم ينفصل تمامًا عن الجامعة الإسلامية، إلّا بعد الحرب الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية, ثم سقوط الخلافة بعد ذلك، ذلك أن هذا الانفصال لم يتم إلّا تدريجيًّا بعد أن أخذت معالمه تنمو وتتضح منذ بداية القرن العشرين٦. ومن ذلك تبين أن العلاقة بين الصحافة والرأي العام، قد لعبت دورًا أساسيًّا في تحديد مفهوم القومية المصرية، فلم تظهر "الأحزاب السياسية المنظمة"٧ إلّا من دور الصحف كتجسيدٍ ماديٍّ لآرائها التي كانت تدافع عن قضية البلاد٨؛ فتأسَّسَ الحزب الوطني ليُجَسِّدَ آراء واتجاهات صحيفة

стр. 39

"اللواء", كما جسَّدَ حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية اتجاه "المؤيد", وخرج حزب الأمة أساسًا من "الجريدة", وكان لطفي السيد مديرها وسكرتير الحزب هو المعبِّر الحقيقي عن آرائه. ونخلص من ذلك إلى أنَّ المحوْرَ القومي في الحياة السياسية، وتحديد مفهوم القومية المصرية، من أهم الأمور في تطوُّرِ المقال الصحفي في مصر، تأسيسًا على أن ظهور المقال الصحفي الأوربيّ يرتبط كذلك بظهور القوميات المنسلخة عن العالم المسيحي الموحَّدِ، ولقد تصادَف أن تتزامن حركة الانفصال عن الخلافة العثمانية مع تحديد مفهوم المقال الصحفي في مصر١.

стр. 40

٤- الحياة الفكرية: وتأسيسًا على هذا الفهم، نجد المقال الصحفيِّ في بيئة التكوين لجيل طه حسين مرتبطًا بالبيئة المصرية وما يضطرب فيها من حيوات، بحيث بدت القاهرة حينئذ أشبه ما تكون ببرج بابل، كما يقول العقاد١، تعج بدعواتٍ من كلِّ لونٍ، ولكنَّ هذه الصورة ترتبط من الوجهة المصرية بالأستاذ الإمام محمد عبده، الذي ذهب في توجيه النهضة القومية بعد عودته من المنفى إلى وجهةٍ تتفق مع مذهبه في الحياة، وهي وجهة "لا يشغلها الغرض القريب عن الغرض البعيد، ولا ييئسها الأمل الضائع أن تصمد للأمل الذي لا يضيع"٢ فلا معول للأمم في جهادها –لديه- أنفع وأصدق في المضي بها إلى غايتها من العلم الحي والتربية القومية, وكان يقول للمقرَّبين لديه من مريديه: لو كان في هذه الأمة مائة رجل لما استطاع الإنجليز أن يحكموها، ولما أدركوا منها أربًا في حكمهم إياها، وإنما الرجل عنده صاحب الفكر البصير والخلق المكين: صاحب الكفاءة الذي إن وُجِدَ في الأمة قادها لا محالة، ولم يتمكَّن أجنبي ذو سطوة أو ثروة أن ينازعه على قيادها٣. ويلخص لنا هذا القول اتجاه الإمام وأثره في التربية الوطنية، وسبب انصرافه إلى حصر نشاطه في تلك الدائرة التي ارتضاها لنفسه وهي تزعم حركة الإصلاح الديني والاجتماعي, ولم يتعداها إلى خارجها, ولم يُرِدْ أن يكون صاحب رأي مباشر في الحياة السياسية إلّا من خلال مذهبه الاجتماعي والصحافة النزيهة وتربية القادة٤. ويتبين هذا الأثر الفكريّ من تمثل كُتَّاب الجريدة لأفكار الإمام واتجاهاته، فقال عنهم كرومر في تقرير ١٩٠٦ "إنهم من أتباع الشيخ محمد عبده", وقال عنهم غيره: إنهم من تلامذته وروَّاده, ومهما يكن من شيء فقد اتجه كُتَّاب "الجريدة" إلى تعقيل الحياة وتخليصها من عناصر الخرافة وما إليها٥، واستمت هذه الدعوة بالنظر في الإصلاح المصري على أساسٍ جديد، هو العقل من ناحية، والمنفعة الذاتية لمصر وحدها من جهة ثانية٦. على أن هذه الدعوة لا يمكن أن تنفصل عن الفكرتين اللتين سادتا البيئة

стр. 41

المصرية في هذه الفترة، وهما: فكرة الحضارة الأوروبية من جهةٍ, وفكرة الجامعة الإسلامية من جهة ثانية، وذلك بعد أن تركت كلٌّ من هاتين الفكرتين آثارًا عميقة في الرأي العام المصري، والحياة العامة المصرية، على النحو المبين فيما تَقَدَّمَ, فأصبح "التعقيل" اتجاهًا ثقافيًّا وفكريًّا لخطة الأستاذ الإمام، نهض به لطفي السيد, ووسم به مدرسته, فامتازت الحركة الأدبية والفكرية في مصر -في النصف الأول من القرن العشرين- بميلٍ حقيقيٍّ للتعقيل، وإيثارٍ لجانب التفكير، وبعدٍ عن مسايرة العواطف. ومن جهةٍ أخرى فقد أبرز لطفي السيد نموذجًا جديدًا يُضَافُ إلى النموذج العربي الإسلامي، وهو نموذج الفكر اليوناني؛ فترجم لأرسطو، وأردف ذلك بنقل فكرة الديمقراطية إلى الحياة المصرية, وغنيٌّ عن البيان أن نقول: إن النهضة الأوروبية الحديثة قامت على هذا النموذج اليوناني، وفي أحضان هذه النهضة ولدت المقالة الأوربية على يد "مونتاني" في فرنسا, و"بيكون" في انجلترا, وهما فيلسوفان عقليَّان. ولعل في ذلك ما يعلل اتجاه طه حسين إلى تأثر العقل المصري بالبحر المتوسط منذ عصوره الأولى، وأن العقل المصري قد اتصل بالعقل اليوناني اتصال تعاون وتوافق١, وهو الاتجاه الذي يجعل طه حسين لا يقول بوجود "عقل أوربي يمتاز من هذا العقل الشرقي الذي يعيش في مصر وما جاورها من بلاد الشرق القريب، وإنما هو عقل واحد، تختلف عليه الظروف المتباينة المتضادة، فتؤثِّر فيه آثارًا متباينة متضادة، ولكن جوهره ليس فيه تفاوت ولا اختلاف"٢. ومهما يكن من شأن الاختلاف في جدوى الخطتين: السياسة أو التعليم في القضية المصرية، فليس هناك خلاف في رجحان كفة العلم على كفة السياسة، سيما أن الجيل الذي أثمرته خُطَّة التعليم، كان هو نفسه الجيل الذي نهض بالسياسة من بعد، ومضى بمصر في جهادها للظفر بالاستقلال والدستور والحرية. ولذلك لم يرض كرومر عن فكرة إنشاء الجامعة المصرية، وأحصى لطفي السيد هذا الموقف من سيئات كرومر التي ندَّدَ بها٣، ذلك أن الاهتمام بالتعليم عامَّة، كان نعمة من نعم الوعي القومي الجديد, وثمرة من ثمار الحركة الوطنية في شتَّى مظاهرها واتجاهاتها، وذلك ما يعبِّر عنه قاسم أمين

стр. 42

بقوله١: إن الوطنية الصحيحة لا تتكلَّم كثيرًا, ولا تعلِنُ عن نفسها, ثم قوله: نطمع في أن نرى بين أبناء وطننا طائفة تطلب العلم حبًّا للحقيقة وشوقًا إلى اكتشاف المجهول، فئة يكون مبدؤها التعلُّم للتعلُّمِ، نود أن نرى من أبناء مصر، كما نرى في البلاد الأخرى، عالمًا يحيط بكل العلم الإنساني، واختصاصيًّا أتقن فرعًا مخصوصًا من العلم ووقف نفسه على الإلمام بجميع ما يتعلق به، وفيلسوفًا اكتسب شهرة عامة، وكاتبًا ذاع صيته في العالم، وعالمًا يُرْجَعُ إليه في حلِّ المشكلات ويُحْتَجُّ برأيه. أمثال هؤلاء هم قادة الرأي العام عند الأمم الأخرى، والمرشدون إلى طريق نجاحها، والمدبرون لحركة تَقَدُّمِهَا، فإذا قَدَّمَتْهُم أمة حلَّ محلَّهم الناصحون الجاهلون والمرشدون الدجالون". ولقد صدقت نبوءة قاسم أمين للجامعة المصرية، فكان أوّل خريجيها هو الدكتور "طه حسين" الذي أصبح فيما بعد "كاتبًا ذاع صيته في العالم" كما نعلم، الأمر الذي يجعلنا نذهب إلى أن تصور تلاميذ الإمام للجامعة المصرية، قد أكَّدَ ثمار إيثاره خُطَّة التعليم في خدمة قومه على خطط خصومه المشغولين بسياسة الصحف والأحزاب٢، ذلك أن الجامعة بيئة للثقافة بأوسع معانيها, وللحضارة بأوسع معانيها أيضًا، كما يذهب إلى ذلك طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر"٣, وهي البيئة التي تمثلها في تكوينه، فلم يكتف بأن يكون "مثقفًا, بل كان يعنيه أن يكون مصدرًا للثقافة"٤, ولم يكتف بأن يكون "متحضرًا بل أن يكون منمِّيًا للحضارة"٥ وفي ذلك ما يشير إلى تفاعل الفرد مع البيئة، والاتجاه بالمقال الصحفي القائم على التعقيل إلى أن يغدو مصدرًا للثقافة ومنمِّيًا للحضارة.

стр. 43

٥- الحياة الاجتماعية: شهدت البيئة المصرية في مطلع هذا القرن بوادر الانقلاب الاجتماعي، التي ترتبط بالحياة الفكرية والاتصال بالغرب واتجاهات الأحزاب السياسية, والتي تتمثل في اتجاهين: الأول يدعو إلى عدم فصل الدين عن الدولة، كما يتضح من مبادئ الحزب الوطني، بينما يدعو الاتجاه الثاني إلى عدم اختلاط الدعوة الوطنية بالنزعة الدينية، كما يبين من مبادئ حزب الأمة, ومن ثَمَّ دعا ممثلوا هذا الاتجاه في إطار مصطلح تعقيل الحياة المصرية إلى فصل الدين عن الدولة، وتحرير المرأة، وفض الحجاب عنها, وفي مقدمة الداعين إلى ذلك قاسم أمين أحد تلاميذ الأستاذ الإمام, الذي ينطلق كتابه" تحرير المرأة" سنة ١٨٩٩ من مسألة تأخر المصريين عن اللحاق بالأمم المتقدمة، ويذهب إلى أنها إذا بقيت على ضعفها فلن تتمكن من البقاء في عالمٍ تسوده قوانين "الانتقاء الطبيعي"١ وفقًا لمفهوم الدارونية. ويذهب إلى أن أسباب هذا التأخر لا ترجع إلى البيئة الطبيعية، إذ قامت في بعض العهود مدنيات مزدهرة في هذه البلاد ذاتها، وكما أنها لا ترجع إلى زوال القوة الاجتماعية أو القيم المعنوية، ومرجع ذلك إلى الجهل بالعلوم الحقيقية التي تمكن من استنباط قوانين السعادة البشرية, ويبدأ هذا الجهل في الأسرة، فالعلاقة بين الرجل والمرأة، والأم وابنها، إنما هي أساس المجتمع، فالفضائل القائمة في الأسرة هي ذاتها الفضائل التي تستمر في المجتمع، وعلى ذلك فإن دور المرأة في المجتمع هو "إصلاح أخلاق الأمة"٢. ومن ذلك يتبين أن جوهر القضية الاجتماعية كما يصوره قاسم أمين هو مركز المرأة, وهذا المركز في مجتمع تقليدي متأثر بعصور الانحطاط لا يتحسَّن إلا بالتربية، كما أنه لا يُمَكِّنُ المرأة من أن تمارس حقوقها وتقوم بدورها في المجتمع من غير تعليم، إذ أن المرأة لا تكون كاملة ما لم تتصرف بنفسها، وتتمتع بالحرية التي منحتها إياها الشريعة, وما لم تنم طاقتها إلى أقصى الحدود٣. وتصور العاصفة الشديدة التي قوبلت بها أفكار قاسم أمين في الصحف، ردَّ الفعل التقليدي الذي ذهب إلى مهاجمة نظريته في الكتب والمقالات, في حين ذهب بعض الكُتَّاب إلى تأييد هذه النظرية، ولم يلبث قاسم أمين في سنة ١٩٠٠ أن أصدر كتاب "المرأة الجديدة" ليردَّ على معارضيه بأسلوبٍ أكثر جدلية من أسلوب الكتاب الأول، مستندًا إلى الفكر الاجتماعي الأوروبي الحديث في

стр. 44

تطوير المجتمع المصري، تأسيسًا على أن حرية المرأة هي أساس جميع الحريَّات الأخرى ومعيارها. ذلك أن حقوق المرأة قد تطورت مع تطور المجتمع البشري١. ولم تلبث هذه الرؤيا الاجتماعية الجديدة أن شغلت أذهان الشباب الذين ذهبوا إلى التفكير في الأمر جديًّا، يرى فيه أكثرهم مروقًا من الدين وتمهيدًا للإلحاد، ويرى بعضهم أنه حقٌّ، وأنه الوسيلة الوحيدة لخلق شعب حرٍّ يدرك الحياة إدراكًا صحيحًا، كما أنه "العدل كل العدل ألّا تُحْرَمَ المرأة من نور الحياة ومن نور العلم الذي يريدها للحياة إدراكًا وتقديرًا صحيحً"٢. ولم تلبث هذه البادرة القومية -كذلك- أن تمخَّضَت عن معناها العملي الدائم، الذي شوهد في واقع الحياة المصرية بعد ذلك, وبرزت حقيقته في كل مهمَّة تتطلب الرجال العاملين من المفكرين المؤمنين بفريضة الإصلاح ورسالة التَّقَدُّمِ, فقد أعاد هؤلاء وغيرهم من تلاميذ الإمام إلى العقل المصري المستنير، الثقة بعقيدته في هذا العصر الحديث، ورفع من طريقه إلى العمل عقبات المجتمع التقليدي: الجمود والخرافة والتقليد؛ لأنه زوَّدَه على قواعد دينه بفلسفة الحياة التي يقابل بها "فلسفات الغرب المتسلطة عليه من جهة السطوة, أو من جهة الإيمان بالعقائد والآراء"٣. فسار المجتمع المصري في طريقه إلى التطور يأخذ من القديم والحديث ما ساغه ذوقه، وأحسَّ بنفعه العام له، وظلَّ القديم الصالح يعمل عمله، وكَمُنَ ما تصوَّر البعض أنه غير صالح في أطوار المجتمع، ولم تنعدم وظيفته انعدامًا تامًّا، ومن هنا تحول التليد والطارف إلى ما يشبه الصراع النفسي في أطواء الوجدان الشعبي، وفي مكنون الوجدان الفردي معًا، وصوَّر الأدب الفصيح والشعبي٤، كما صوَّرت الصحافة المصرية تطوَّرَ هذا الصراع. وإذا كان الكيان الاجتماعي في مطلع هذا القرن كما صوَّره الأستاذ الإمام، يقوم في لبابه على "فلسفة أخلاقية"٥, فإن ذلك لم يكن سهوًا عن عمل التجارة والصناعة، ولا عن عمل النظام العادل في سياسة الناس, ولكنه كان يعتقد أن الجهل فقرٌ أشد على الناس من فقر المال، فليست بلادنا كما يقول الأستاذ الإمام "بلاد الجوع القتال، ولا بلاد البرد القارس المميت، ولا بلاد الشقاء التي لا ينال الإنسان فيها قوت يومه إلّا بالعذاب الأليم، بل

стр. 45

نحن في بلاد رزقها الله سعةً من العيش، ومنحها خصوبةً وغنًى يسهلان على كل عائش فيها قطع أيام الحياة بالراحة والسعة، ولكن يا للأسف مُنِيَتْ مع ذلك بأشد ضروب الفقر: فقر العقول والتربية"١. وفي ضوء هذه الصورة التي يتمثَّلها طه حسين في بيئة التكوين -كما سيجيء، نجد أن مقاله الصحفي يذهب إلى زوال المجتمع التقليدي بأمراضه الناشئة عن الجهل والجمود، وتجاوز هذا المجتمع الجامد إلى مجتمع متغير جديد يتسم بالفكر المتجدد وتعقيل كيانه. ونخلص من هذه الصورة لبيئة المقال الصحفي التي تَمَّ تكوين طه حسين فيها، والتي استوحيناها مما ترسَّبَ في العقل من القراءات المتعلقة بالحيوات السياسية والفكرية والاجتماعية إلى تأكيد أثر هذه البيئة في توجيه المقال الصحفي في مصر وجهة جديدة، يلتقي فيها التيار الحديث بالتيار القديم لتكوين العقل المصري الجديد الذي يتوسَّل بهذا المقال. ففي هذه البيئة عاش طه حسين مرحلة التكوين العقلي والفكري على اتصالٍ باتجاهات جيله في باكورة شبابه، وبامتداد التيار الغربي حيث أمدَّته البيئة المصرية بتعمق آثاره، ولم يعد أمام هذا الجيل من الشباب إلّا أن يتسلَّّم زمام القيادة للاتجاهات الجديدة، وطبع التيار الوافد بطابع بيئتهم وجيلهم. ذلك أن أبناء هذا الجيل رغم بريق الرومانسية القومية وشعورهم بالإباء دفاعًا عن النفس، وبحثهم العميق في مقومات الشخصية المصرية، كانوا يعترفون بوجه عام "أن الحضارة الأوربية أرقى حضارات العالم"٢, ولكنهم مع ذلك كانوا يعتقدون أن مصر الحديثة ليس في مقدروها إنشاء نظامٍ سياسيٍّ ديمقراطي ليبرالي يتبنى قيم هذه الحضارة إلّا إذا كانت مستقلة٣. وفي ذلك ما يشير إلى إجماع أبناء هذا الجيل بعد الثورة القومية في سنة ١٩١٩، على اتخاذ موقف عام من السياسة والمجتمع، كما نجد عند طه حسين وغيره من معاصريه الذين تسلموا قيادة الرأي العام من الجيل الذي تتلمذوا عليه، وكانت ثقافتهم العربية التقليدية، الأمر الذي هيأهم لقيادة الرأي العام من خلال المقال الصحفي قبل غيره من فنون القول، فقد عبَّروا عن أفكارهم في معظم الأحوال على صفحات الصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية والشهرية.

стр. 46

ومن ذلك يتبين الخط البياني لأثر البيئة العامة في مقال طه حسين وتعرُّفِه على مقوِّمات الشخصية المصرية، فكان في مطلع هذا القرن "مقصورًا على نفسه لا يكود يتجاوزها"١ في حين ينتقل بعد ثورة١٩١٩ بالفكر المصري إلى طورٍ جديدٍ يسميه طور "الحياة العالمية لمصر"٢, وهو الطَّوْر الذي يتمثَّل مقومات البيئة المصرية بعناصرها الثلاثة: العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم, وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم٣, والعنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة, والذي "امتزج بهذه الحياة امتزاجًا مكونًا لها مقومًا لشخصيتها"٤, وهذا العنصر ليس عنصرًا أجنبيًّا، ذلك أنه كما يقول طه حسين قد "تَمَصَّرَ منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثِّرَات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري"٥, والعنصر الأخير عنصر أجنبي تقتضيه الطبيعة الجغرافية لمصر٦, ويأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب٧. ويتفاوت تأثير هذه العناصر الثلاثة على كُتَّاب المقال الصحفي في مصر بمقدار حظِّ كل كاتبٍ منها، فبعض آثارهم يغلب عليه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدًّا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإننا ننتقل إلى دراسة الجانب المتمِّم في بيئة التكوين الصحفي للدكتور طه حسين، وهو الجانب المتعلِّق بمدرسة الجريدة.

стр. 47

مدرسة الجريدة مدخل ... ب- مدرسة الجريدة: ترتبط مدرسة "الجريدة" بمعلمها لطفي السيد، كما ترتبط بتيار التجديد في البيئة الصحفية العامة قبل صدور "الجريدة", حين أتمَّ لطفي السيد دراسة الحقوق سنة ١٨٩٤, وأنشأ مع زملائه: عبد العزيز فهمي وأحمد طلعت وحامد رضوان ومحمد بدر الدين والدكتور عبد الحليم حلمي وعلي بهجت ومحمد عبد المطلب جمعية سرية غرضها "تحرير مصر"١, ويتبين هذا الارتباط من الالتقاء الفكري والحياتي مع الأستاذ الإمام وقاسم أمين وسعد زغلول٢, والذي ظهرت إرهاصاته الأولى في مجلة "الموسوعات" التي أنشأها محمود أبو النصر، حين نشر لطفي السيد مقالًا بعنوان "مشخصات الأمة"٣ نادى فيه بإصلاح الحروف العربية، وأشار إلى طائفة من الآراء الإصلاحية الأخرى٤. على أن اتجاهات التجديد التي ذهب إليها لطفي السيد والتي تمثلها الجيل الجديد، إنما ترتبط باشتغاله بالصحافة في المحل الأول، في جريدة "الجريدة" التي انتخب مديرًا لها ورئيسًا لتحريرها لمدة عشر سنوات٥, وكان من الممكن ألّا تترك "الجريدة" تأثيرها في الجيل الجديد والجيل الذي تلاه إن لم يكن محررها لطفي السيد بطبعه رائدًا ومعلمًا أكثر منه صحفيًّا وسياسيًّا، فإنا لا نرى صحيفة من الصحف المصرية قبل الحرب العالمية الأولى قد عُنِيَت بالمجتمع المصري عناية الجريدة به٦. الأمر الذي جعل من "الجريدة" مدرسة فكرية لها روَّادُها وتلامذتها بفضل محررها الذي خرج بها من النطاق الحزبي الضيق إلى آفاق أرحب من التوجيه والإرشاد والتثقيف, فأصبح لطفي السيد بحقٍّ معلم هذا الجيل٧.

стр. 48

١- مدرسة الجريدة وجيل طه حسين: وهكذا أصبحت الجريدة مدرسة الجيل الجديد١، فمحررها كما يقول طه حسين "أستاذ الجيل غير منازع، وهو الذي علَّمَ الشباب المصريين حقَّ الأمة في أن تحكم نفسها بنفسها, وعلَّمَهم أن مصر يجب أن تكون لأبنائها, وأن تخلص لهم من دون الترك العثمانيين أصحاب السيادة حينئذ، ومن دون الإنجليز المحتلين"٢. ذلك أن عناية لطفي السيد بتلاميذه من جيل طه حسين, من الذي تمثَّلوا مذهبه ودعوته وأسلوبه في "الجريدة" تمتد إلى إفساح مجال الكتابة لهم على صفحاتها٣، كما تعهد أساليبهم ومعارفهم بالصقل والتهذيب, وقراءاتهم بالتوجيه والإرشاد، كما سيبين من صلة طه حسين بلطفي السيد. ويتفاوت تأثير الجريدة في روَّادها وتلاميذها بتفاوت اتصالهم بها

стр. 49

أو بمحررها؛ فمنهم مَنْ كان وثيق الصلة به كمحمد حسين هيكل, ومنهم مَنْ اتصل به فلمس فيه محررها نبوغًا يمكن أن يثمر وينمو كطه حسين، ومنهم مَنْ كان اتصاله بالجريدة عن طريق العمل كعبد القادر حمزة وعبد الرحمن شكري، فقد كانا محررين بها، أو عن طريق مراسلتها كسلامة موسى ومحمد توفيق دياب اللذين كانا يكاتبانها من لندن، ومنهم مَنْ وقف اتصاله بالجريدة وبمحررها عند الكتابة لها والتردد على ندوتها وهم كثير منهم: مصطفى صادق الرافعي, وماري زيادة المعروفة بميّ، ومنهم مَنْ كان مرتبطًا بها بحكم الصلة العائلية التي تربطه بأعضاء حزب الأمة؛ كمصطفى عبد الرازق، إلّا أنهم جميعًا مِمَّنْ تأثروا باتجاهات لطفي السيد التجديدية ومذهبه الفكريِّ بنوع خاصٍّ, فكانوا جميعًا من دعاة التوفيق بين الحضارتين والثقافتين، وكانوا جميعًا من المتحمِّسين بدرجات متفاوتة لحركة تحرير المرأة وتعليمها، واعتنق كثير منهم الدعوة إلى المصرية في الفكر والأدب والفن، وأخذ آخرون بدعوته إلى تجديد اللغة العربية١. على أن مدرسة "الجريدة" الفكرية تتسم بسمتين بارزتين، هما: سمة التجديد وسمة التعقيل والترشيد, مصبوغتين بصبغة الحرية، التي جعلها لطفي السيد قاعدةً لكل إنتاجٍ فكريٍّ ولكل إصلاح عام ولكل علاقة بين الفرد والمجتمع وبين الفرد والحكومة, واستقام له مذهب دعاه "مذهب الحريين" أو مذهب "الأحرار"٣ في إطار من التجديد والترشيد، بحيث تخضع الدعوة إلى هذا المذهب, وإلى القومية المصرية لهُدَى المنطق والعقل على ضوء المنفعة الذاتية لمصر وحدها، وهو الأثر الذي تركته البيئة المصرية في مدرسته، وصبغ دعوته، ذلك أنه يستَمد أصوله من فهمه العميق لتاريخ بلاده وتقاليدها وعاداتها وإحساسه بمصريته إحساس الفلاح الذي عانى من جَوْرِ الترك، وإحساس المثقَّف الذي عرف عيوب قومه فعمل على إصلاحها, وأدرك محاسن الحضارة الأوربية فدعا إليها, وآمن بالتطور الوئيد وكره الانقلاب المفاجئ، مدركًا ما كان لفشل الثورة العرابية من تأثير على تفكير جيله١. كما نجد هذا التأثير في فكر الأستاذ الإمام وإيثاره خُطَّةَ تعليم الأمة على الخُطَّةِ السياسية في تحقيق الاستقلال٤.

стр. 50

٢- طه حسين ولطفي السيد: من الموافقات في حياة طه حسين أن تكرمه الدولة مع أستاذه لطفي السيد في يوم واحد، ويوجِّه القول في كلمته إلى رئيس الجمهورية بهذا المعنى "وإني يا سيدي الرئيس لأشعر بأنك تكرمني مرتين, تكرمني حين تكرِّم أستاذي أحمد لطفي السيد، وكل تكريم للأستاذ فإنما هو تكريم لتلاميذه أيضًا"١. ويتبين مما تَقَدَّمَ أن علاقة طه حسين بأستاذه لطفي السيد ترجع إلى أكثر من نصف قرن "قبل وفاة لطفي السيد، حين اتصل به وهو في الثامنة عشرة من عمره، في لقاء يصفه طه حسين بقوله: "لم يكد يلقاني لأول مرة حتى امتلأ قلبي إكبارًا له وإعجابًا به, وتمنيت لو أتيح لي أن ألقاه في كل يوم، وكنت أعتقد بل كنت أثق بأني إنما أتمنَّى شيئًا لا سبيل إليه, وأين يكون طالب في الأزهر لا خطر له من مدير الجريدة, ذاك الذي كان حديث الناس في كل بيئة وفي كل مكان -وهو أحد الناس يقرأون مقالاته الرائعة في الجريدة كل مساء. "ولكن لم اصدق أذني حين هممت بالانصراف عنه فسمعت صوته العذب يطلب إليَّ أن أعود لزيارته كلما أحببت ذلك, سمعت هذه الدعوة الكريمة فلم أملك نفسي من الابتهاج والغبطة, وأكببت على يده أريد أن أقبِّلُها كما كنا نقبِّلُ أيدي أساتذتنا في الأزهر, ولكنه يمتنع علي, وما أشعر إلا بقبلة يضعها على جبهتي, فأنصرف من عنده وقد ملكني العجب والتيه"٢. ثم تتصل هذه الزيارة، ويختلف طه حسين إلى أستاذه في مكتبه أكثر أيام الأسبوع وإذا به قد أصبح له تلميذًا، لا يَلُمُّ به مرة إلا استفاد منه علمًا جديدًا وعلمًا بأشياء لم تكن تخطر له ولا لزملائه من الطلاب الأزهريين. كان يحدثه عن أوربا ويذكر له أسماء لم يسمع بها من قبل أن يلقاه.. يذكر له فولتير وروسو ومونتسكيو"٣. ويحدثه عن أثر هؤلاء في بيئاتهم الفرنسية وعمَّا كانوا يكتبون، وعمَّا كان يعرض لهم من الأحداث، وعمَّا كانوا يهيئون لوطنهم من هذه الثورة الفرنسية الكبرى، والتي لم أسمع بها قبل أن ألقاه, ثم فتنت بها أي فتنة بعد أن سمعت عنه بعض حديثها"٤. وفي مكتب مدير الجريدة ظفر طه حسين بشيء طالما تمناه، وهو أن يتصل ببيئة "الطرابيش" بعد أن سئم بيئة العمائم، ولكنه اتصل في بيئة الطرابيش بأرقاها منزلةً وأثراها ثراءً، وكان وهو فقير متوسط الحال في أسرته

стр. 51

سيء الحال جدًّا إذا أقام في القاهرة، فأتاح له ذلك أن يفكِّرَ فيما يكون من هذه الفروق الحائلة بين الأغنياء والفقراء البائسين١. على أن أحاديث لطفي السيد وزائريه كانت تفتح أمام طه حسين في مرحلة التكوين آفاقًا جديدة من العلم والمعرفة، كما يقول٢، فضلًا عن أن لطفي السيد هو الذي أغراه بتعلُّمِ اللغة الفرنسية، ثم الالتحاق بالجامعة المصرية والاختلاف إلى ما يُلْقَى فيها من الدروس والمحاضرات, فلطفي السيد إذن، هو ثاني اثنين -كما يقول طه حسين- فَتَحَا له من أبواب المعرفة ما لم يكن يخطر له على بال، أحدهما ٣ كان يحدِّثُه في الأزهر عن الأدب العربي القديم, والثاني كان يحدِّثُه ويحدِّثُ كثيرين غيره من طلاب المدارس العليا عن الحياة الأوربية الحديثة وما فيها من فنون المعرفة٤ يقول: "وإذا أنا أنصرف عن دروس الأزهر إلى حديث هذين الأستاذين الكريمين, ثم أراني أكتب المقالات قصارًا أحيانًا وطوالًا أحيانًا أخرى, وأعرضها عليه فيُصْلِحُ ما يحتاج منها إلى الإصلاح ويأمر بنشرها, ويشجعني على المضي في الكتابة٥. وإذا كان لطفي السيد معلمًا بطبعه، فقد استمع منه طه حسين مع زملائه إلى دروس في السياسة المصرية والعالمية: "ولأول مرة سمعنا منه ألفاظ الديمقراطية والأرستقراطية, وحكم الفرد, وحكم الجماعة, وحق الأمة في أن تحكم نفسها بنفسها ولنفسها, وآراء أرسططاليس وأفلاطون، مولانا أرسططاليس وسيدنا أفلاطون -كما كان يقول- في أنواع الحكومات على اختلافها, وعن آراء مونتسكيو في كتابه "روح القوانين", وآراء روسو في كتابه "العقد الاجتماعي"٦. ذلك إلى ما كان يقرأ في مقالاته من أن "الأمة هي الكل في الكل, ومن أنَّ مقام الأمة فوق كل مقام، ومن أنَّ الحكام ليسوا في حقيقة الأمر إلّا خدامًا للشعب يخدمونه ويأخذون أجرهم منه، فإذا استقاموا ونصحوا الشعب فهم خدَّام أمناء, وإذا جاروا وغَشّوا الشعب فهم خدَّامٌ خونةٌ لا فرق في ذلك بين أمير ووزير وموظَّف مهما يكون مركزه٧. ويذكر طه حسين أنه سمع من لطفي السيد لأول مرَّة قول أبي العلاء: "ظلموا الرعية واستجازوا كيدها وعدوا مصالحها وهم أجراؤها٨". ويصرِّح بأن أستاذه هو الذي حبَّبَ إليه أبا العلاء حتى أخذ في درسه

стр. 52

واستقصاء أدبه وفلسفته وتَقَدَّمَ برسالته عنه إلى الجامعة يبتغي بها درجة الدكتوراه١. يقول: "ولست أنسى يومًا لقيته فيه بعد أن فرغ من قراءة هذه الرسالة, فإذا هو يأخذني بين ذراعيه ويقبِّلُني قائلًا: ستكون إن اجتهدت أبًا لعلائنا"٢. وقد استمرّت هذه الصلة الوثقى بين الأستاذ وتلميذه بعد سفر طه حسين إلى أوربا، فاتصلت الرسائل بينهما, ولم يقدِّمُ رسالته عن "ابن خلدون" إلى السوربون إلّا بعد أن قرأها لطفي السيد وأجازها, وكلَّفَ الجامعة أن تكتب بذلك, وأن تأذن له في تقدير الرسالة كما كانت القاعدة تقضي بذلك في تلك الأيام٣. وكانت رعاية لطفي السيد لطه حسين بعد عودته من أوربا، أستاذًا في الجامعة، كرعايته له تلميذًا٤. فلم تتغير السيرة، وإنما ظل "دائمًا أبًا برًّا وصديقًا وفيًّا, وقد استقال من الجامعة حين أخرجت منها في بعض الأزمات السياسية٥ ولم يعد إلّا بعد أن عدت أنا إليها٦, وتفصح صورة الاستقالة التي رفعها لطفي السيد إلى وزير المعارف٧ عن صداقته لتلاميذه من "الشباب الناهض المفكِّر كله"٨، وعن إيمانه باستقلال الجامعة في الرأي والفكر والعمل، فإن التعليم الجامعي لا يقوم إلا على الحرية؛ حرية التفكير وحرية النقد، والتربية الجامعية لا تستقيم ما لم يكن قوامها حرية العمل، والابتعاد بالجامعة عن السياسة والتيارات الحكومية معًا٩, وهي المبادئ التي ظلَّ طه حسين يدافع عنها ويروّج لها في مقاله الصحفي أمدًا طويلًا، كما سيبين من شواهده، فلطفي السيد كما يقول طه حسين، هو الذي وضع للجامعة المصرية فلسفتها، وصاغ روحها الجامعي، ومثلها العليا١٠. وهكذا وجد طه حسين من رعاية معلم الجريدة وتوجيهه ما ظلَّ يذكره طوال حياته، فلطفي السيد هو "المعلم الأول لعصرنا هذا الذي نحن فيه"١١ وهو بتعبير طه حسين أيضًا "أستاذ لطه حسين كما أنه، أستاذ للشباب الناهض المفكر كله"١٢, وهو لهذه المعاني التي تجعل علاقة "الابن من

стр. 53

القلب" بأستاذه أوثق من علاقة "الابن من الصلب بأبيه"، يهدي "حديث الأربعاء" إلى "الأستاذ الصديق أحمد لطفي السيد، تجلَّة تلميذ وتحية صديق"١, ولعل في ذلك تلخيصًا مكثفًا لعلاقة طه حسين بلطفي السيد. التوجيه الفكري في صلة طه حسين بلطفي السيد: أما جانب التوجيه الفكري في هذه الصلة، فإن آثاره ستبين بوضوح عندما نتحدث عن موقفه من البيئة العامة للمقال الصحفي، واتصاله "بالجريدة" التي تعددت على صفحاتها ألوان نتاجه الفكري والصحفي في مرحلة التكوين, وأغلب الظن أن لطفي السيد هو الذي رشَّحَ طه حسين للعمل في صحيفة السياسة مع زميله في مدرسة الجريدة: الدكتور محمد حسين هيكل، وهي صحيفة حزب الأحرار الدستوريين، لينهض تلامذته بدفع رسالته الصحفية والسياسية والاستمرار بها في الحياة العامة. ويشخِّصُ طه حسين هذا الجانب الفكري الذي تمثِّلُه من فلسفة لطفي السيد في هذه الخصال٢: الأولى: أنها فلسفة تجديد وإصلاح، لا يقومان على هدم القديم، بل يقومان على تنقيته وتصفيته وتقويته وإزالة ما فيه من أسباب الانحلال والضعف. الثانية: إنها فلسفة حرية وصراحة، ولكن بأوسع معاني الحرية والصراحة العقلية. الثالثة: إنها فلسفة ذوق وقصدٍ في اللفظ والمعنى والسيرة معًا. الرابعة: إنها فلسفة كرامة وعزة واعتراف بالشخصية الإنسانية, وحمل الناس على أن يعترفوا بهذه الشخصية. ويبين تمثل طه حسين وزملائه من تلاميذ لطفي السيد وأصفيائه، من أخذهم "بحظهم من هذه الخصال، فهم مصلحون ودعاة إلى التجديد؛ وهم أحرار ودعاة إلى الحرية, وهم محبُّون للذوق حين يفكرون وحين يعملون، وهم أباة حريصون على الكرامة الفردية والاجتماعية, لهم لونٌ خاصٌّ يمتازون به ويعرفون بين الطبقات المختلفة والأصناف المتباينة من الناس، يتخذهم خصومهم أحيانًا هزؤًا وسخرية، ولكنهم على ذلك كله يقدرونهم ويتأثرون خطاهم ويحسدونهم على ما يسخرون منهم من أجله٣".

стр. 54

وتأسيسًا على ذلك، فإن مكانة الدكتور طه حسين، كما سيتبين من شواهد الدراسة، إنما تحددها المعركة المتواصلة في سبيل الحرية، وأيًّا كانت المحاولات التي بُذِلَت في التعرُّف على سيرته الذاتية في "الأيام" ومحاولة التعرُّف على أبعاده، فإن القليلين هم الذين يستطيعون أن يتبينوا أن ظرفه الخاص كان بعيد الأثر في استشعاره بذاته أولًا، وبمكان هذه الذات من الأُطُرِ الاجتماعية في الحياة ثانيًا١، وفي اندفاعه انطلاقًا من واقعه وتحديداته، يحقق ذاته بالدعوة إلى حرية الفكر, وبالإلحاح على تعقيل الحياة، وهذه هي الأصول التي يقوم عليها منهجه المعروف في النقد وتاريخ الأدب٢، ويتركَّز عليها عمله في الجامعة وفي الحياة العامَّة من خلال الصحافة والسياسة، وتستند إليها دعوته إلى الثقافة والتنوير وإشاعة المعرفة. وقد أتاحت له هذه المدرسة الفكرية أن يستشعر ذاته من خلال استشعار الذات القومية التي لم تمح من "الأدب المصري محوًا تامًّا في يوم من الأيام"٣ ويقول في هذا الاندماج بين الذات الفردية والذات القومية قولًا صريحًا: "ولست أعتقد أن كلمة "أنا" لم يكن لها مدلول في لغة المصريين, ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي نتحدث عنه، فردَّ عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاويةً ذابلةً إلى حَدٍّ بعيد في وقت من الأوقات لعله يبتدئ بآخر عصر المماليك, ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكُتَّاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث"٤. وفي هذا العصر الحديث أتيح لمدرسة الجريدة أن تشيع هذا الاستشعار بالذات القومية، كما أتيح لمعلمها أن يفتح لجيل طه حسين "طريق الاستقلال الأدبي"٥, ولذلك يقرن طه حسين، لطفي السيد بصديقيه المصلحين محمد عبده وقاسم أمين٦؛ في تكوين الأُطُر العقلية والسياسية والاجتماعية التي وجهت تفكيره، وهي الأُطُر التي وسمت المقال الصحفي لرواد الجريدة وتلاميذها من خلال التجديد والترشيد والتعقيل، كما فعلت هذه الأُطر في تميز مقالات "مونتاني بنزعة التعقيل"٧ من قبل, وميَّزت فن المقال بوجه عام بين فنون

стр. 55

القول الأخرى، فإذا كان المقال اتجاهًا فكريًّا أو وثبة ذهنية، كما يقول الدكتور "جونسون"١ تعبِّرُ عن رأي صاحبها، فإن استشعار طه حسين لذاته الفردية والقومية، ولمكانه من الأُطر الاجتماعية, وتحقيق ذاته بالدعوة إلى حرية الفكر، والإلحاح على تعقيل الحياة، بشكل هذا الاستشعار بمظاهره تلك أصولًا تهيئه لِأَنْ يكون كاتب مقال صحفي من الطراز الأولِ، ومن شأنه أن يقوم بالدور الذي قامت به مقالات عصر النهضة الأوربية، وهو دورٌ يستند إلى دعوته إلى الثقافة والتنوير في مصر الحديثة.

стр. 56

الفصل الثاني: طه حسين وبيئة المقال الصحفي في مصر مدخل ... الفصل الثاني: طه حسين وبيئة المقال الصحفي في مصر نتحدث في هذا الفصل عن الدكتور طه حسين وبيئة المقال الصحفي في مصر، لنتبَيَّنَ مكانه من هذه البيئة، ونتعرَّف على الصحف التي حرَّرها أو اشترك في تحريرها، كما نحاول التعرُّف على أثر هذه البيئة في اتجاهات الاتصال الصحفي في مقاله، والأصداء التي تُنْبِئُنَا عن فعالية اتصاله بجمهور القارئين، وفي هذه البيئة التي تمتد زمنيًّا لتشمل النصف الأول من هذا القرن، نجد طه حسين يعاصر عهودًا متباينة من عهود الكتابة والتحرير الصحفي، ويتطوَّر معها على النحو الذي تقتضيه دون أن يُقَصِّرَ في شروطها ومقتضياتها، كما سيجيء. ويمكن أن نتبيَّنَ في بيئة المقال الصحفي في مصر في النصف الأول من هذا القرن، تطورًا لوظيفة هذا المقال؛ بحيث لم يعد كما كان بالنسبة للأستاذ الأمام جانبًا من جوانب رسالته, شأنه في ذلك شأن الدين والسياسة والأدب، تنصهر جميعًا في شخصية الواحد، فكان لا بُدَّ أن ينساق كل جانب منها إلى دواعي الجوانب الأخرى، فأدبه يتسق مع صحافته، وصحافته تتسق مع سياسته، وسياسته تتسق مع عقيدته الدينية، فلم تلبث هذه الجوانب أن أخذت تنفرط ليضطلع بكلٍّ منها مَنْ يجيد فنونه، فقد جاء العقد الأوَّل من هذا القرن برجالٍ من طراز يختلف عن طراز محمد عبده، من أمثال: لطفي السيد وقاسم أمين، ثم جاء العقد الثاني بطرازٍ ثالث من أمثال: هيكل والعقاد وطه حسين، وأعقبه العقد الثالث بطراز رابع من أمثال سلامة موسى وعلي عبد الرازق، ثم العقد الرابع بطرازٍ خامس تمثَّلَ في توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومدرسة أبولو، وفي العقد الخامس حدثت حيرة وإرهاصات بالفكرة الاشتراكية، وقامت ثورة يوليو ١٩٥٢، فأصبحت محورًا رئيسيًّا، واشتدت الصلة بين الفكر والحياة١. ومن الواضح أن هذه الموجات المتلاحقة قد تداخل بعضها في بعض، فأبناء الموجة المعينة منها يبقون على مسرح الحياة الثقافية ليضاف إليهم -لا ليحل محلهم- أبناء الموجات التالية٢. ذلك أن هؤلاء جميعًا يجتمعون حول هدف مشترك أعظم، وهو الحرية بكل فروعها وشعابها, والانفتاح على العصر، بينما تسلك كل فئة نحو ذلك الهدف سبيلًا يختلف بعض الشيء في محور ارتكازه عن الفئة التي بدأت من قبل، فكان رجال الموجة الأولى -بعد محمد عبده- أقرب إلى الساسة، وهم الذين تتلمذ عليهم جيل طه حسين، ورجال الموجة الثانية أقرب إلى الأدباء، ورجال الموجة الثالثة أقرب إلى العلماء، على أن الصحافة كانت قاسمًا مشتركًا بين أولئك وهؤلاء جميعًا، حتى جاءت الموجة الرابعة فاستطاعت لأوَّل مرة أن تسلخ الأدب عن السياسة وعن الصحافة معًا٣. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإننا نتحدث عن طه حسين في بيئتين: الأولى: بيئة التكوين في مطلع القرن, والثانية: بيئة المقال الصحفي بعد ثورة ١٩١٩.

стр. 57

أ- طه حسين والبيئة الأولى: بيئة التكوين الصحفي: تتميز هذه البيئة الصحفية الأولى، بالحركة الوطنية قبل الحرب العالمية الأولى، حيث بلغ الإحساس الوطني فيها ذروته, وبدت اليقظة الوطنية في كمالها وتمام قوتها. ويتَّصل طه حسين في هذه البيئة الأولى بحزب الأمة وجريدة "الجريدة", ونرجِّحُ أن السبب الرئيسي في هذا الاتصال إنما يرجع إلى شخصية لطفي السيد مفكِّر الحزب ومدير "الجريدة"، كما تَقَدَّمَ، فهو الذي خرج بالجريدة من النطاق الحزبي الذي صدرت لتمثله٢، لا سيما وأنها لا تمثِّل حزبًا فحسب, بل تمثل طبقة من الأمة لها مصالحها ولها أهدافها ولها خطتها التي تتحرى تحقيق هذه المصالح, وتنشد الوصول إلى هذه الأهداف. على أن الجريدة لم تلبث أن أصبحت مدرسة فكرية لها أفكارها ومُثُلُها التي تتحمَّسُ لها وتجمع من حولها الرواد والأنصار والمؤيدين على النحو الذي فصَّلْنَا فيه القول، ومن هنا يمكن القول أن ارتباط طه حسين برجال حزب الأمة لم يكن ارتباطًا بالحزب السياسي بقدر ما كان ارتباطًا بالمدرسة الفكرية التي خرج بها لطفي السيد عن نطاق الحزب. ومن جهة أخرى, فإن طه حسين يميل بقوة إلى التيار الذي خلقه الأستاذ

стр. 58

الإمام، والذي ذكره بكل إجلال في الجزء الثاني من الأيام وحده تسع عشرة مرة لم يرد اسمه في أيها مجردًا، كما كانت روح الإعجاب تشيع في كل إشاراته عنه في تلك المرحلة المبكرة وما بعدها, وكانت الأسباب النفسية قد تقطَّعت بين طه حسين وبين الأزهر حين استيأس من الأساتذة وساء ظنه بالشيوخ١, وأحسَّ أن الذين بكوا الشيخ صادقين، لم يكونوا من أصحاب العمائم, وإنما كانوا من أصحاب الطرابيش، فوجد في نفسه ميلًا إلى أن يقترب من أصحاب الطرابيش هؤلاء٢, وهم الذين نسب إليهم أنهم من أتباع الشيخ محمد عبده، كما قال عنهم كرومر وغيره٣، وإن كنا لا ننكر تأثير الأستاذ الإمام فإننا لا نبالغ فيه، وغاية ما نذهب إليه أن أفكار الأستاذ الإمام السياسية والإصلاحية قد وجدت صداها في نفوسهم، ذلك أنه كان رائد حركة الإصلاح الاجتماعي والديني٤ بل والتفكير السياسي. وكان الإمام يميل إلى الاعتدال فوافق مشربه مشربهم، وخاصة حين نزع عن نفسه رداء السياسة إلى العلم والتثقيف وجعلهما وسيلة إلى تحقيق الغرض السياسي في النهاية٥؛ فمهَّدَ بذلك للوطنية المعتدلة, والتفَّ حوله كثير من الوطنيين المعتدلين, واتفقت آراؤه مع آرائهم في أن الإصلاح الحقيقي الداخلي هو وسيلة الجلاء٦, ولا ضير في الاستعانة بالإنجليز في ذلك٧. وفي ذلك ما يفسِّر اقتراب طه حسين من رجال "حزب الأمام" كما يسميه بعض الباحثين٨، إلى جانب ارتباطه بلطفي السيد والمدرسة الفكرية التي رادها, فلم يرتبط طه حسين إذن ارتباطًا سياسيًّا بالكيان الحزبي ومصالحه، ذلك أن طه حسين كما يقول -كان فقيرًا متوسط الحال في أسرته، فأتاح له هذا الاتصال بحزب الأمة أن يفكر في الفروق الحائلة بين الأغنياء والبائسين٩, وكانت بيئة الجريدة أنسب البيئات الصحفية لذهنه المتفتح، الذي يضيق ببيئة العلماء في الأزهر١٠. وفي بيئة الجريدة تَعَرَّفَ إلى كثيرين من الذين كانوا يلُمُّون بلطفي السيد من الشيوخ والشباب، واتصل برفاق له "أحباء عمل معهم فيما بعد, ولقي معهم خطوبًا أي خطوب، عرف عنده هيكل ومحمود عزمي والسيد كامل, وكامل

стр. 59

البنداري وأترابًا لهم كثيرين، وعرف بفضله لونًا من المعرفة لم يكن يُقَدِّرُ أنه سيتاح له في يوم من الأيام. فقد لقي عنده ذات يوم تلك الفتاة التي كان الناس يتحدثون عنها فيكثرون الحديث، لا لأنها كانت جميلة فاتنة, ولا لأنها كانت جذَّابة خلَّابة، ولكن لأنها كانت طامحة ملِحَّةً في الطموح، ظفرت لأول مرة بالشهادة الثانوية، وكانت أول فتاة ظفرت بها؛ وهي نبوية موسى١. ولم يلبث طه حسين أن شغل بهذه البيئة الجديدة، لقد كان يخلص لحياته فيها منذ قرأ لنفسه "أول مقال نشرته له الصحف, أرضاه ذلك عن نفسه وأطمعه في المزيد منه، فجعل يكتب في الجريدة رغبة في الكتابة أحيانًا، وتقربًا بها إلى مدير الجريدة أحيانًا أخرى، وجعل مدير الجريدة يرضى عن فصوله ويغريه بالكتابة ويحثُّه عليها حثًّا, ويعلمه القصد في اللفظ والأناء في التفكير"٢. ومن ذلك يتبين أن ارتباط طه حسين بصحيفة حزب الأمة، إنما يجيء من خلال التيار الفكري وليس من خلال التيار السياسي الحزبي، ذلك أنه ارتبط بمدرسة الجريدة واتجاهاتها الفكرية الداعية إلى تعقيل الحياة المصرية، وإلى التنوير والحرية, وتجديد شباب مصر بمقومات الحضارة الحديثة, ونجد عند دراسة مقالاته في "الجريدة" تعبيرًا عن اتجاهات التجديد التي ذهبت إليها مدرستها الفكرية، الأمر الذي يفتح أمامه أبواب التجديد على مصاريعها. وفي حين تمثل الجريدة الجانب الفكري في تكوين طه حسين الصحفي, نجد إعجابه بشخصية مصطفى كامل الذي جعله أحد ثلاثة تدين مصر لهم بما أتيح لها من اليقظة؛ أولهم: الأستاذ الإمام الذي أحيا الحرية العقلية, والثاني: قاسم أمين الذي أحيا الحرية الاجتماعية، أما مصطفى كامل فهو الذي أذكى جذوة الحرية السياسية٣، الأمر الذي يكشف عن اتجاه سياسي حماسي في بيئة التكوين الصحفي لطه حسين، متطرِّفٌ في عداوته للاحتلال. على أن توزع طه حسين بين الاتجاهين الأساسيين في مرحلة التكوين يجعله كذلك لا ينتمي إلى الحزب الوطني انتماء سياسيًّا، ذلك أن هذا الحزب قد ظل متحفظًا في كثير من القضايا الفكرية الرئيسية، وقد اتخذ لنفسه هذا الطابع منذ زعيمه الأول مصطفى كامل٤؛ فهو حزب يحترم الدين، ويدعو إلى التمسك بتعاليمه، ويرى في ذلك بحق ضمانًا لتماسك الأمة حفاظًا على قوتها المعنوية أمام المحتل٥. ولذلك نجد تأثر طه حسين باتجاه الحزب الوطني المرتبط بالحرية السياسية: الجلاء والاستقلال التام، ولا يرتبط بالجانب

стр. 60

الفكري في هذا الاتجاه، وذلك ما نجده في القصائد المبكرة التي نشرها في صحف الحزب الوطني، ومنها قصيدة يهنئ فيها عبد العزيز جاويش بمناسبة خروجه من السجن سنة ١٩٠٩: ومطلعها: "الآن حق لك الثناء ... فلتحيى وليحيى اللواء ولتحيى مصر وأهلها ... شاء العدى أو لم يشاءوا ومنها: "إن كان ذكرك للجلا ... ء بسوء فليكن الجلاء أو كان صوت الشعب عن ... دهمو هو الداء العياء فليعل صوت الشعب ح ... تى يرجعوا من حيث جاءوا١ ويكتب طه حسين في هذه البيئة الأولى قصائد كثيرة يدافع فيها عن الجلاء والاستقلال وبعض القضايا الوطنية، نشر معظمها في صحف الحزب الوطني, ومن نماذج تلك القصائد ما نشره في سنة ١٩٠٩ تحت عنوان: "هم جائش"٢ حينما عرضت حكومة بطرس غالي على مجلس الشورى مد امتياز قناة السويس, ومطلعها: "تيمموا غير وادي النيل وانتجعوا ... فليس في مصر للأطماع متسع كفوا مطامعكم عنا، أليس لكم ... مما جنيتم وما تجنونه شبع؟ " وفي قصيدة أخرى يخاطب العام الهجري الجديد، يقول: كن أنت بعد أخيك خير هلال ... وأضئ لمصر سبيل الاستقلال٣ ومن هذه النماذج يبين لنا تمثُّل طه حسين المبكر للاتجاهات السياسية التي كان يعبر عنها المقال الصحفي في "اللواء" و"مصر الفتاة" وغيرها من صحف الحزب الوطني، ولكن طه حسين مع ذلك ظل "محتفظًا بخلافاته الفكرية مع الحزب الوطني"٤, ومن ذلك أنه حين يتناول موضوع المرأة وما تلاقيه من إهمال، يتبنَّى آراء قاسم أمين التي عنيت بها "الجريدة".

стр. 61

الأمر الذي يشير إلى أن طه حسين في بيئة التكوين الصحفي كان موزَّعًا بين اتجاهين: الأول: اتجاه فكري تقوده مدرسة الجريدة. الثاني: اتجاه سياسي تقوده صحف الحزب الوطني في سبيل "الجلاء التام والاستقلال الكامل"؛ فالاتجاه الفكري عند مدرسة الجريدة أقرب لعقل طه حسين، وخاصَّةً بعد خروجه من الأزهر والتحاقه بالجامعة, وكان لطفي السيد يدعو إلى "التعقيل", وفي ذلك ما جذب إليه الشباب من جيل طه حسين كمحمد حسين هيكل وعباس العقاد وغيرهم من الذين كانوا أقرب إلى الإيمان "بالعقل" منه إلى الإيمان "بالشعور", فكانوا -كما يقول العقاد١- يقرأون مقالات اللواء فيحمدون له غيرته, ويعجبون بصدقه في جهاده، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام منهج من الكتابة والقول غير المنهج الذي يتلقون منه رسالة الفكر والعاطفة, وتستجيب إليه بديهتهم المتطلِّعة إلى الوعي والمعرفة، فإن ذلك الأسلوب "الخطابي الشعوري" الذي كان له أبلغ الأثر في جمهور صحف الحزب الوطني٢, لم يكن هو الأسلوب المختار الذي عهده روَّاد التجديد فيما اطَّلَعوا عليه من كلام مقروءٍ أو كلام مسموع. وعلى ذلك, فإن اتجاه طه حسين نحو الجريدة اتجاه فكري يتمثَّل دعوتها إلى التجديد والتعقيل, ويتخذ من معلمها لطفي السيد أستاذًا، يتنبأ لتلميذه بأن "سيكون موضعه من مصر موضع فولتير من فرنسا"٣ الأمر الذي جعله يتطلَّع بعد تخرجه في الجامعة إلى فرنسا خاصة٤, وأخذ في تعلُّم الفرنسية، وأخذت مناهج التفكير الأوربي بلُبِّه، ولذلك وجد مع أبناء المدرسة التجديدية من جيله في "الجريدة" مَحَطَّ آمالهم، سيما أن هذه الجريدة قد خرجت على "أعقل طراز بين الصحف الأوربية وبخاصة صحافة فرنسا التي كان معظم المتعلمين من رؤساء الحزب يتثقفون بثقافتها ويفضلون صحفها على صحف إنجلترا" دولة الاحتلال٥، ويذكر العقاد٦ أن رجال الحزب اختلفوا زمنًا على اختيار إحدى الصحيفتين الكبيرتين في باريس مثالًا لصحيفة الحزب اليومية، وهما "الطان" و"الجورنال", أما "الطان" فكان المرجح لها عند العارفين بالشئون الصحفية أن ترجمة اسمها "الزمان" تجعلها أصلح للنداء عليها في اللغة العربية. ولكن "الطان" صحيفة شبيهة بالرسمية, وعلى صلة

стр. 62

بالدواوين العليا، فليس من الموافق لحزب يسمى بحزب الأمة ويتجنب الاتصال بقصر عابدين وقصر الدوبارة على السواء أن يتخذها مثالًا لصحيفته القومية, فانتهى الخلاف إلى اختيار "الجورنال" نموذجًا لصحيفتهم, و"الجريدة" هي ترجمة اسم "الجورنال"١. وظهرت "الجريدة" على مثال "الجورنال" في الصبغة غير الرسمية, وفي نظام التحرير وترتيب الصفحات، وأظهر ما كان في هذا النظام فتح صفحات "الجريدة" للكتابة الأدبية بأقلام ناشئة الجيل الحديث، وربما أفسحت في صفحتها الأولى -إلى جانب المقال الافتتاحي- موضعًا بارزًا لقصيدة عاطفية, أو مقال طريف من مقالات الوصف والنقد اللغوي، وترددت على صفحاتها أسماء: محمد حسين هيكل ومصطفى عبد الرازق وطه حسين وعباس العقاد ومحمد السباعي وعبد الرحمن شكري والمازني والقاياتي وغيرهم كثيرون٢. وكان "اللواء" لسان الحزب الوطني، و"المؤيد" لسان حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية يتقبلان الكتابة بأقلام النشائين، ولكنهما يقصرانها على الناحية السياسية, ولا يرحبان بالكتابة الأدبية إلا إذا كانت بأقلام الشعراء والكتاب النابهين من طراز شوقي وحافظ ومطران والمويلحي والمنفلوطي وأمثالهم بين أدباء الجيل المتقدم، فاتجه الأدباء الناشئون إلى "الجريدة" ولاسيما الطلبة والموظفون؛ إذ كانت الكتابة في السياسة محظورة عليهم، وكانوا يكتبون فيها أحيانًا إلى الصحف عامة -ومنها الجريدة- بتوقيع مستعار٣. وكان شعار الجريدة الذي اختاره لطفي السيد من كلمات الفيلسوف الأندلسي ابن حزم يمثل نزوع جيل طه حسين من التجديديين إلى الجريدة؛ لأن هذا الجيل كان يعلم أن معارضيه بالرأي أضعاف مؤيديه: "مَنْ حقق النظر وراض نفس على السكون إلى الحقائق وإن آلمتها لأول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكبر من مدحهم إياه", وهو يلخص لنا العلاقة النفسية بين هذه المدرسة وبين طه حسين الثائر على البيئة العلمية المحافظة في الأزهر، والذي فُصِلَ منه نتيجة تطرفه في الرأي الذي صدم هذه البيئة. أما اتصال طه حسين بصحف الحزب الوطني بعد وفاة مصطفى كامل، فهو يرتبط بشخصية الشيخ عبد العزيز جاويش الذي أكثر الاختلاف إليه والاستماع له٤، وكان الشيخ جاويش يتشبه بـ"جمال الدين الأفغاني"

стр. 63

في حين يتشبه أقرانه على الأكثر بالأستاذ الإمام كالشيخ رشيد رضا؛ ومصطفى المراغي، وطنطاوي جوهري، وعبد الحميد الزهراوي ومحمد الخضري؛ ومحمد المهدي والنجار وغيرهم١. وفي ذلك ما يفسر إعجاب طه حسين بعنف الشيخ جاويش في السياسة والأزهر وشيوخه, وكان "يُحَبِّبُ العنف إلى الفتى ويرغِّبُه فيه, ويزيّن في قلبه الجهر بخصومة الشيوخ, والنعي عليهم في غير تَحَفُّظٍ ولا احتياط، فهو كان يرى أنهم آفة هذا الوطن يحولون بينه وبين التقدُّم، بما كانوا يلجون فيه من المحافظة، ويعينون عليه الظالمين بممالأتهم للخديوي، ومصانعتهم للإنجليز"٢. وقد وجد هذا العنف من نفس طه حسين قبولًا واستجابة، فلم يكد يأخذ في الكتابة "حتى عُرِفَ بطول اللسان والإقدام على ألوانٍ من النقد، قَلَّمَا كان الشباب يقدمون عليها في تلك الأيام, ولكنه كان نقدًا محافظًا غاليًا في المحافظة، إلّا أن يعرض لشئون الأزهر، فهنالك كان يخرج حتى عن طَوْرِ الاعتدال ويغْلُو في العبث بالشيوخ, ويجد التشجيع على ذلك كل التشجيع من الشيخ عبد العزيز جاويش, وربما وجد منه إغراء بذلك وحثًّا عليه"٣. ومن ذلك يَبِينُ أن طه حسين كان موزَّعًا بين مذهبين من مذاهب الكتابة كما كان موزَّعًا بين هذين الحزبين الوطنيين في ذلك الوقت: "أحدهما: مذهب الاعتدال والقصد، ذلك الذي كان الأستاذ لطفي السيد يدعوه إليه ويزينه في قلبه, والآخر: مذهب الغُلُوِّ والإسراف، ذلك الذي كان الشيخ عبد العزيز جاويش يغريه به ويحرِّضه عليه تحريضًا, وكان الفتى يستجيب للمذهبين جميعًا. فإذا اقتصد في النقد نشر في الجريدة، وإذا غلا نشر في صحف الحزب الوطني"٤. ومن ذلك يبين أثر هذين المذهبين في بيئة التكوين الصحفي لمقال طه حسين، فإذا كان لطفي السيد تلميذ الأستاذ الإمام في القصد والاعتدال والعلم والتثقيف، وهو مذهب يرجع إلى تاريخ "الإقدام" في حياة الإمام؛ لأن نظرته إلى الغرض القريب لم تعجله عن النظر الطويل إلى الغرض البعيد الدائم وراء جميع الأغراض"٥, فإن هذا الأثر يبين من اهتمام مقال طه حسين من بعد، بنشر المعرفة و"تعقيل" الحياة المصرية، والاهتمام بالتربية والتعليم، كما كان لقاؤه بالشيخ جاويش -المتشبه بجمال الدين- من الحوادث الهامة في تربية الصحفي الناشئ، وشحذ مواهبه في النزال على

стр. 64

الرغم من أن "طول اللسان هو الذي قطع الصلة قطعًا حاسمًا بين صاحبنا وبين الأزهر، ودفعه دفعًا إلى حياته التي أتيحت له، وعرضه لسخطٍ أي سخط، وحزنٍ أي حزن؛ وعناء أي عناء"١. وعلى الشيخ جاويش يلقي طه حسين نصيبًا غير قليل من "ثِقَلِ تلك الفصول الطوال السمجة التي كتبها الفتى فشُغِلَ بها الأدباء والمثقفين حينًا، ثم لم ينقطع استخذاؤه لها وضيقه بها وخجله منها كلما ذكرت له, وكان موضوعها نقد "نظرات" المنفلوطي ﵀, وكان عنوانها "نظرات في النظرات". وما أسرع ما انزلق الفتى من هذا النقد السخيف إلى طول اللسان وشيء من الشتم لم تكن بينه وبين النقد صلة, ولم ينس الفتى مقالًا دفعه ذات مساء إلى الشيخ جاويش، فلم يكد يقرأ أوله حتى طَرِبَ له وأَبَى إلا أن يقرأه بصوته العذب على من يحضر مجلسه ذاك, وابتهج الفتى حين سمع الثناء وأحسَّ الإعجاب, واستيقن أنه أصبح كاتبًا ممتازًا, ثم لم يذكر بعد ذلك أول هذا المقال حتى طأطأ من رأسه ومن نفسه وسأل الله أن يتيح له التكفير عن ذنبه ذاك العظيم, وكان أول المقال: "عم صباحًا أو مساء، واشرب هواء أو ماء، واستأجر من تشاء لما تشاء فقد وضح الحق وبرح الخفاء"٢. ويذكر طه حسين، فيما بعد، أن أحاديثه تلك عن المنفلوطي قد شغلت الناس حتى تحدَّثَ إليه فيها كل من كان يلقاه إلّا رجلًا واحدًا لم يشر إليها قط على كثرة ما كان يلقاه ويتحدث إليه، وهو مدير الجريدة لطفي السيد٣, الذي لم يرض عن هذه الفصول٤، ربما لما اتَّسمت به من عنفٍ لا يتفق مع مذهب القصد والاعتدال, سيما وأن طه حسين كان يعيب من المنفلوطي فقط "انه يخطئ في اللغة ويضع الألفاظ في غير مواضعها, يصطنع ألفاظًا لم تثبت في لسان العرب، ولا في القاموس المحيط"٥، وربما لأن لطفي السيد كان من المرحبين بالظاهرة الأدبية التي تمثَّلت في فن المنفلوطي، أو في أسلوبه الإنشائي عند ظهورها في الصحافة، وبعد جمع المقالات في كتاب "النظرات" لأن المقالة الإنشائية كانت "قالبًا لفظيًّا" لا عنايةً فيه بالمعنى قبل المنفلوطي، وقبل المويلحي في فصول "عيسى بن هشام" على التخصيص، فكانت كتابة المنفلوطي على عهد "الجريدة" ظاهرة ملحوظة بين المنشئين٦.

стр. 65

ومهما يكن من شيء، فقد أصبح طه حسين كاتبًا في الصحف بفضل هذين الرجلين: لطفي السيد والشيخ جاويش١, وأصبح كاتبًا لشيء آخر, وهو أنه أثناء الأعوام العشرة الأولى من كتابته في الصحف لم يكتب إلا حبًّا للكتابة ورغبة فيها لم يكسب بها "درهمًا ولا مليمًا"٢. ولم يقف فضل الشيخ جاويش عند تعريف طه حسين إلى جماهير الناس ووقفه بين أيديهم منشدًا للشعر، كما كان يفعل الشعراء المعروفون وحافظ منهم, خاصة في بعض المناسبات العامة، وإنما "علَّمه الكتابة والتحرير في المجلات, فقد أنشأ مجلة "الهداية", وطلب إلى الفتى أن يشارك في تحريرها ثم ترك له أو كاد الإشراف على هذا التحرير، وكان له الفضل كل الفضل فيما تعلَّمَ الفتى من إعداد الصحف وتنسيق ما ينشر فيها من فصول, ولم تخل "الهداية" من جدال عنيف دُفِعَ إليه الفتى دفعًا, وكان خصمه الشيخ رشيد رضا, وقد أسرف الفتى على نفسه وعلى الشيخ رشيد في ذلك الجدال"٣. ومن هذا النقد الذاتي لموقفه من بيئة التكوين، نجد أن طه حسين قد آثر خُطَّةَ لطفي السيد في الفكر والقصد، وهي الخطة التي تتضح من انضمامه لأسرة "السفور" التي تتألف من تلاميذ "الجريدة" بعد توقفها عن الصدور في الحرب الأولى، واستحال العمل الصحفي في ظل الأحكام العرفية، وقد ترك احتجابها في نفوسهم من الألم ما دفعهم إلى مواصلة رسالة التجديد في "السفور". يقول مصطفى عبد الرازق: "استبشرنا بها راية يلتفُّ حولها الجوهر المصفَّى من شبابنا, وتسير في ظلها دعوة الحرية والتقدُّم بين جاه العلم والعقل وجاه العصبية.. كانت الجريدة قد تَفَرَّقَ عنها أصحابُها غافلين لاهين بمظاهر ألقابهم وأموالهم.. إن المرزوئين في الجريدة هم أهل الجد من فتياتها الذين كانت لهم صحيفة الأعيان مظهرًا لمذاهبهم الحرة وأفكارهم الجديدة، ولن يعدموا بإذن الله وسيلةً لنشر دعوتهم الصالحة في جرائد, إن كانت صغيرة ضعيفة فستمدها قوة الحق فتكبر وتقوى, أما بعد فإننا في هَمٍّ من موت الجريدة يشغلنا اليوم عن التقدير لجريمة من أماتوها وعاشوا بعدها". وقد جاءت "السفور" امتدادًا للجريدة في اتجاهاتها التجديدية, ذلك أن "للسفور معنًى أشمل مما يتبادر إلى الذهن عند سماع هذه الكلمة"٤.

стр. 66

ويمتد هذا المعنى إلى كشف النقاب عن المجتمع التقليدي "فنحن أمة محجبة على حقيقتها، لا تتفق مع ما فُطِرَت عليه في شيء"١. وفي "السفور" يختم طه حسين مرحلة التكوين الصحفي التي بدأها في سنة ١٩٠٨, موزِّعًا جهوده بين الأزهر والجامعة المصرية، بين الجريدة وصحف الحزب الوطني، حتى انتهت تلك المرحلة بحصوله على الدكتوراه في الآداب سنة ١٩١٤، وسفره إلى فرنسا، ويحدد موقفه من بيئة التكوين الصحفي حين يؤثر امتداد الجريدة في "السفور"، ويستمر مع تلاميذ الجريدة في أداء رسالتها التجديدية، في فترة وهنت فيها الحياة الأدبية والصحفية وهي فترة الحرب٢، ولذلك جعلوا من أنفسهم كما يقول محرر السفور -عبد الحميد حمدي٣- "جيل التضحية" الذي "يحتاج إلى شجاعة، وأسمى أنواعها الشجاعة الأدبية؛ لأن التضحية بالنفس هينة، وإذا كان لا بُدَّ من جيلٍ يضحي بنفسه لمصلحة بلاده, سواءً اليوم أو غدًا فهل يرضى جيلنا هذا أن يسميه التاريخ في الغد جيل التضحية"٤. ونخلص مما تَقَدَّمَ إلى أن الدكتور طه حسين قد تمثَّل بيئة التكوين الصحفي في مقاله، كما تمثَّل تياري القديم والحديث في ثقافته، وأخذ مزاجه المصري من الثقافة الأجنبية ما يلائمه, وعدَّلَ فيه وأضاف إليه، وهو الأمر الذي تبين آثاره في مقاله بعد عودته من فرنسا, ومشاركته في الخدمة العامة من طريق الكلمة، والمقال الصحفي خاصة، وتكون السياسة المصرية والحياة المصرية قد انتقلت إلى طور جديد بعد ثورة ١٩١٩، وتمثل لنا المقال الصحفي فنًّا أصيلًا في مزاج جيله له في أبدنا تقاليد مكينة، كما تبين من دراستنا لمصادرها في القديم والحديث، وهي المصادر التي كانت بيئة التكوين الصحفي مهيأة لتمثلها نتيجةً لإحياء القديم, كما يحدث في النهضات القومية, ولتعقيل الحياة المصرية، والتوفق بين الثقافتين، الأمر الذي نجد آثاره في اتجاهات المقال الصحفي عند طه حسين، والتي تَنُمُّ عن تمثله للحيوات القومية والسياسية والاجتماعية والفكرية, وللثقافة الفرنسية في نهاية الأمر. ومن آثار ذلك في بيئة التكوين الصحفي اتجاه طه حسين في اتجاهاتها سياسيًّا واجتماعيًّا وأدبيًّا ولغويًّا، وهي اتجاهات تنمُّ عن تمثُّل مصادر الثقافة، والاتجاه القوي نحو التجديد، فلم يعد أسلوبه يميل إلى الغريب أو المحسنات كأثرٍ للبيئة السلفية في مقالاته الأولى، ولكنه اتجه بأسلوبه إلى السلاسة والسهولة، وهما الصفتان اللتان أصبحتا من مميزات أسلوبه في الصحافة والأدب من بعد، ورسم لمقاله غاية تتمثَّل في "إثارة التفكير لدى القراء"٤ ودعوتهم إلى "قراءة ما يكتب٥, وهو الأمر الذي ظلَّ من لوازم مقالاته الصحفية من بعد، وغدت أكثر حجية ومنطقية كنتيجة مستفادة من دراساته العربية والأوربية.

стр. 67

ب- طه حسين والبيئة الثانية: ويبين مما تَقَدَّمَ أن بيئة التكوين الصحفي قد هيَّأَت لطه حسين كاتب المقال الصحفي قدرات تميز بها في بيئته الثانية، بيئة المشاركة العامة بعد ثورة ١٩١٩، ونعني قدرات: الشرح والتفسير والاعتماد على الحجج المنطقية العاطفية لتأكيد ما يذهب إليه، أو لتدعيم نزالياته، وتلك هي قدرات "كاتب المقال الصحفي"١. وفي هذه البيئة الصحفية الثانية التي بُنِيَت فيها الحركة الوطنية على أساس المفاوضات المصرية البريطانية، تألَّق قلم طه حسين مع غيره من كُتَّاب المقال الصحفي في مصر، ذلك أن حرية الصحافة قد أُطْلِقَت بالرغم من القيود الرسمية المفروضة عليها، وأكبر الظن أن لبعثة ملنر دخلًا في تقرير هذه الحرية التي بدونها يَعِزُّ على البعثة فهم الموقف على حقيقته، كما أشار تقرير ملنر إلى ذلك٢, وفي هذه الأثناء أصدر محمود عزمي جريدة الاستقلال "في مايو ١٩٢١, وهي الصحيفة التي حرَّرَ فيها طه حسين وكتب مقالاته بعد عودته من باريس، واتَّسَمت هذه الصحيفة بخلوِّها من العنف الذي أثر عن جريدة "الأخبار", ثم نقل امتياز "الاستقلال" فيما بعد إلى جبرائيل تقلا صاحب "الأهرام"، ومن اسم "الاستقلال" يبين ارتباطها بالفترة التي نشأ فيها الخلاف بين الوطنيين على مسائل المفاوضات"٣. ولعل في ذلك ما يفسِّرُ مفهوم طه حسين لمهمته في الصحافة المصرية بعد الثورة، ذلك أن العلماء والمفكرين "سيكونون هم الذين يحققون التوازن بين الساسة حين يختلفون، وسيقضون بينهم فيما يضطرون إليه من الاختلاف"٤, ولذلك آثر الصحف "المعتدلة" التي لا تميل إلى جانب متطرف، فيكتب في "الاستقلال" و"الأهرام" مقالات يتناول فيها السياسة المصرية العامة ويذهب

стр. 68

إلى أن "الاستقلال وسيلة لا غاية. إننا نطلب الاستقلال لتكون لنا الحرية الكاملة في تدبير حياتنا والأخذ من لذَّاتها المختلفة بأعظم نصيب, نطلب الاستقلال لنسعد لا لنكون مستقلين"١. وتأسيسًا على هذا الفهم يذهب طه حسين في اتجاه مدرسة الجريدة فيكتب افتتاحيات يدعو فيها إلى "عناية المصريين بتاريخ مصر"٢، كما ينشر في "الأهرام" الكثير من المقالات عن الحضارة التي يجب أن يكون الاستقلال وسيلة إليها٣. ويكتب مقالات عَمَّا ينبغي أن يُبْذَلَ في سبيل الفنون والعلوم والآداب كسبيلٍ إلى الحضارة٤, ذلك أن طه حسين قد اشترك في البيئة الصحفية الثانية في الوقت الذي "ظهر فيه نشاط مصر كلها للسعي إلى الاستقلال والإلحاح فيه, والمطالبة بأن تعترف لها الأمم به وتقرها المم منه على ما تريد, في الوقت الذي كان المصريون يثورون فيه على ضفاف النيل ليظفروا باستقلالهم السياسي يضحون في سبيل ذلك بالأنفس والأموال"٥، ويذهب طه حسين إلى أن هذا الاستقلال وسيلة وليس غاية في ذاته، فالنهضة المصرية لا ينبغي أن تكون "كلامًا ولغوًا، ولا محاولة من هذه المحاولات التي لا تجدي وإنما هي حقيقة واقعة تصوّر شعبًا قد استيقظ بعد نوم، ونشط بعد فتور، ووصل جديده بقديمه, وأبى إلا أن يكون هذا الجديد ملائمًا لذلك القديم"٦، لذلك ينظر طه حسين إلى تصريح ٢٢ فبراير ١٩٢٢ على أنه "أتاح لمصر مظاهر الاستقلال وشيئًا من حقائقه, مهما يكن قليلًا فإن له ما بعده" ولكن السعديين كانوا ينكرون بهذا التصريح ويرونه شرًّا ونكرًا ويرون قبوله جريمة وإثمًا"٧. وإذا كان التنظيم الحزبي، نتيجة توزع طرائق النظر إلى الأهداف العليا, والاختلاف على تفاصيل الحركة الوطنية، قد أدَّى إلى تنظيم الاشتغال بالسياسة من حيث البرامج والعمل، فإن هذا التنظيم كانت له اتجاهات ومُثُل، فاتجه الوفد في العهد البرلماني من تاريخنا المعاصر نحو نظام وأهداف "الحزب الواحد" الذي عرفته بعض الأمم في الطور من تاريخ العالم الذي تلا الحرب العالمية الأولى٨, وتألَّفَ حزب الأحرار الدستوريين، قبل صدور الدستور

стр. 69

للدفاع عنه كما وضعته اللجنة التي نيط بها وضعه١. وللحزب أشباه في الأحزاب السياسية الفرنسية من حيث فلسفة برنامجه، ومن حيث اضطراره -في أثناء هذه الفترة من تاريخنا- للعمل في الحكم أو في المعارضة مشتركًا مع غيره، "وكان على العموم حزب موازنة وتلطيف"٢, ويصدر هذا الحزب جريدة "السياسة" في ٣٠ أكتوبر ١٩٢٢, يرأس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل، ويشترك في تحريرها طه حسين ومحمود عزمي وتوفيق دياب وغيرهم. وتتضح رسالة الحزب من العنصر النفسي لهذه الصحيفة، والذي يمثل غرضًا مزدوجًا في كيانها الصحفي وهو: "الدفاع عن المشروع الذي وضعته لجنة الدستور حتى يصدر, والحرص على أن تحقق المعاهدة التي تعقد مع إنجلترا إكمال استقلال مصر وكفالة حقوقها في السودان"٣ وتتوسَّل في سبيل ذلك بتوجيه الرأي العام وتنويره, والدعوة إلى هذا العنصر بأسلوبٍ يقترب من أسلوب "الطان" الفرنسية؛ أسلوب التعقل والاعتدال٤. ومن هذا العنصر النفسي وذلك الأسلوب، يبين الامتداد الفكري لمدرسة "الجريدة", ومُثُلُها التي تتحمَّس لها وتجمع من حولها الآراء، وعنايتها بالإرشاد والتثقيف والتوجيه والتجديد في "الأسلوب والموضوع"٥ فخرجت عن تلك الدائرة الضيقة التي كانت الصحافة فيها قاصرة على "ذكر الحوادث السياسية" في الداخل أو في الخارج"٦. وأفردت "صحائف للأدب والفن والزراعة والسيدات"٧. وفي هذه الصحيفة يواصل طه حسين رسالته التي انتهى إلى تصورها في "الجريدة"؛ فالإمام الذي جمع الجاهلين في شخصه, وحاول أن يجمعهما في حزب الأمة -جاه العلم والعقل وجاه العصبية والغنى٨, هو نفس الإمام الذي حاول نفس الجمع في حزب الأحرار الدستوريين، فهو أستاذ لطه حسين

стр. 70

و"للشباب الناهض المفكر كله"١ يتخذ من ألفاظ مقالاته "نموذجًا للكتابة, ومن معناها نموذجًا للتفكير"٢, ويصبح طه حسين من "أنصار الجديد في قصد واعتدال"٣، وفي ذلك تفسير ارتباطه بالأحرار الدستوريين وصحيفتهم التي نرجُِّح أن تسميتها تعود إلى محرر "الجريدة" الذي ترجم لأرسطو، فالسياسة عند أرسطو هي "أشرف العلوم"؛ لأنه يعرِّفُها بأنها تدبير المدينة ليكون سكانها فضلاء، ومن هذا التعريف ترجع إلى السياسة سائر العلوم، أو كما قال أرسطو: إن السياسة تبيِّنُ ما هي العلوم الضرورية لحياة فضلاء"٤. ولعل في ذلك ما يبين العنصر النفسي الذي قامت عليه صحيفة "السياسة", وهو العنصر الذي جعل طه حسين ينظر إلى زملائه في تحريرها على أنهم "مصلحون ودعاة إلى التجديد، وهم أحرار ودعاة إلى الحرية، وهم محبون للذوق حين يفكرون وحين يعملون، وهم أباة حريصون على الكرامة الفردية والاجتماعية، لهم لون خاص يمتازون به ويعرفون بين الطبقات المختلفة والأصناف المتباينة من الناس، يتخذهم خصومهم أحيانًا هزؤا وسخرية، ولكنهم على ذلك كله يقدرونهم ويتأثرون خطاهم ويحسدونهم في ما يسخرون منهم من أجله"٥. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن اتجاه طه حسين إلى صحيفة "السياسية" يمثِّلُ اتساقًا مع مفهومه لدور "العلماء والمثقفين من أبناء هذا الوطن, فهم قد عرفوا تجارب الأمم, وعرفوا حقائق العلم, واستطاعوا أن يميزوا بين ما يمكن من الأمر وما لا يمكن, وهم القادرون على أن يقودوا الشعب إلى الخير ويسلكوا به قصد السبيل"٦. على أنه لم ينفق في مصر شهورًا بعد عودته حتى تبيَّنَ أنه "كان واهمًا في كل ما قدر"٧ وأن العلماء والمفكرين "ناس من الناس يتأثرون بالجماعات التي يعيشون فيها, فيخطئون مثلها ويصيبون, بل هم قد يرون الخطر ويعمدون إليه متابعين للجماعات التي يذهبون مذهبها أو يرون رأيها"٨. ومهما يكن من شيء, فإن اتجاهات صحيفة "السياسة" تتسق مع مفهومه لمهمته في الصحافة، والتي تقوم على الملائمة "بين نتائج العلم على اختلافها, وبين حاجات الناس وطاقاتهم واستعدادهم للتطور والمضي في سبيل الرقي"٩. وهي المهمة التي تحدد نوعية مقالاته في هذه الصحيفة، فهو معني بالأدب

стр. 71

والثقافة العامة أول الأمر، متَّجِهٌ إلى السياسة والنزال بعد ذلك, وهو يبتدع فنونًا جديدة لمقاله، نجد منها ما يمكن أن نسميه "بالعمود الثقافي" في "حديث الأربعاء"١, والاتجاه نحو قضايا التعليم وشئونه وغاياته٢، وحرية الفكر والرأي٣ وقضية الجديد والقديم٤, وفي "السياسة" يكتب كذلك المقال الرئيسي موقعًا في كثير من الأحيان، وقد يتناول قضية اجتماعية كالتعليم٥, كما قد يتَّجِه اتجاهًا سياسيًّا أو نزاليًّا كما سيجيء, ويكتب "المقال الافتتاحي" للصحيفة: "حديث اليوم" مكان الدكتور هيكل في بعض الأحيان٦، ولكنه يوقعه، ويتخذ له عناوين تميزه، وعن هذه الصحيفة عُرِفَ التهكُم السياسي إن صح التعبير، في مقالات طه حسين٧ الصحفية، ولم يلبث المفهوم الأرسطي "للسياسة" أن وسم مقالاته بسمات "التنوير" و"التثقيف" و"التصوير" و"النقد" في صفحة "الأدب" التي كان يحررها طه حسين، والتي وسمت صحيفة "السياسة الأسبوعية"، بميسها منذ صدورها في مارس ١٩٢٦. ويذكر الأستاذ حافظ محمود٨ أن إدارة جريدة "السياسة" اليومية لاحظ أعضاؤها رواجها يوم الأربعاء الذي تظهر فيه الصفحة الأدبية ولم يكن رواج قراء فقط، ولكنه كان رواج أفكار يرسل بها كُتَّاب وقرّاء هذه الصفحة، ومن هنا نشأت فكرة إصدار "السياسة الأسبوعية". على أننا نلاحظ كذلك ارتباطًا بين توقيت إصدار "السياسة الأسبوعية" التي صدرت في مارس ١٩٢٦، وبين قضية فكرية كان بطلُها طه حسين ونعني قضية "الشعر الجاهلي" الذي صدر في نفس العام، وانتصر فيها كُتَّاب المقال الصحفي من مدرسة التجديد على اختلاف نزعاتهم الحزبية لحرية الفكر, فكان إنشاء هذه الصحيفة الأسبوعية في تلك الأثناء تأكيدًا لحرية الفكر، وتحريره من قيود السياسة. وهو ما نلاحظه في مقال لطه حسين بالعدد الأول عن "الشعر الجاهلي والشك فيه"٩, الأمر الذي يوجب إطلاق وظيفة التثقيف في الصحافة المصرية من كل القيود والمؤثرات الحزبية. ونتيجةً لذلك أتاحت "السياسة الأسبوعية" و"البلاغ الأسبوعي" من

стр. 72

بعد، للكُتَّاب قسطًا من الحرية لم يتح لهم في الصحف اليومية ليعالجوا موضوعات تتعلق بالنهضة المنشودة. ولم يلبث طه حسين أن عُيِّنَ رئيسًا لتحرير جريدة "الاتحاد" لسان حزب الاتحاد، الذي أوعز القصر بإنشائه في سنة ١٩٢٥، ويذكر الدكتور هيكل أن "الصحف أعلنت أن جريدة الاتحاد ستظهر لسانًا لحزب الاتحاد، وأن المسئولين عن هذا الحزب قد اختاروا صديقي وزميلي في تحرير السياسة الدكتور طه حسين، رئيس تحرير لجريدتهم، كما عُيِّنَ يحيى باشا إبراهيم رئيسًا للحزب، وعلي ماهر باشا وكيلًا له. وظهرت الجريدة الجديدة فهاجمها الوفديون, وهاجموا الحزب الذي تنطق باسمه, وردت الجريدة هجومهم، وبدأ محرورها ينهضون بالعبء الملقى على كواهلهم"١, على أن هذه الصحيفة لم تلبث هي وزميلتها "الشعب" من بعد، أن خمل ذكرهما، رغم الأقلام الغنية عن علم وفهم فيهما، إذ كان حرَّرَ فيها إبراهيم المازني وغيره من الكُتَّاب النابهين٢, ولعل مرجع ذلك إلى أن الحزب نفسه لم يلق استجابة من الرأي العام، بل وجد على النقيض من ذلك انصرافًا مرًّا٣, وعن هذا الحزب يقول طه حسين فيما بعد: "إنما هي جماعات تتألف من أفراد لهم مآرب"٤، ويذهب إلى أن حزبي "الاتحاد" و"الشعب": "حزبان شقيقان لأم وأب لم يقع بينهما خلاف, ولن يقع بينهما من ألفة ومودة ومن صلة لن تنقطع وحبٍّ لن يصيبه الصدأ، هو قول الشاعر القديم: رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا تتفرق٥ ولعل تجربة طه حسين في صحيفة "الاتحاد" هي التي جعلته يرفض طلب صدقي باستقالته من الجامعة ليصبح رئيسًا لتحرير "الشعب" لسان حزب "الشعب" الذي أنشأه صدقي في ١٩٣٠، كما تَقَدَّمَ. وفي مارس ١٩٣٣ طلب إليه زعيم الوفد: مصطفى النحاس أن يكتب في "كوكب الشرق" التي كان يصدرها حافظ عوض، فقَبِلَ، وكان ثَمَّتَ ائتلاف بين الوفديين والأحرار الدستوريين ضد صدقي. ويعلل طه حسين انتقاله إلى صحف الوفد بقوله: "لقد جرت العادة أن يتغير الناس كلما تقدمت

стр. 73

بهم السن فينتقلون من الشمال إلى اليمين, وينتقلون من الثورة إلى الاعتدال, أما أنا فقد انتقلت من اليمين إلى الشمال، لقد وجدت الأحرار الدستوريين والسعديين قد ائتلفا, وكنت أفهم أنني أكتب معهما هنا تحولت إلى الوفد"١. وتحتفي صحيفة "كوكب الشرق" بانضمام طه حسين إليها حفاوة ذهبت إلى اعتباره الزعيم الفكري لحزب الأغلبية، وموجِّه حركة الجماهير في هذه الصحيفة التي أصدرها حافظ عوض وفديةً في ٢١ سبتمبر ١٩٢٤, فآخت "البلاغ" في اتجاهها الحزبي, وأعلن صاحبها بأن شعارها سيكون "العمل المتواصل لتحقيق الأمنية العظمى أَلَا وهي استقلال مصر استقلالًا صحيحًا"٢, وقد لقيت هذه الصحيفة متاعب جَمَّة من السلطات المحلية كلما اعتُدِيَ على الدستور وتوقفت الحياة النيابية٣. وتحتفي "كوكب الشرق" بانضمام طه حسين إليها في المحنة الدستورية الصدقية، فتنشر في صفحتها الأولى على عددين متتاليين هذا التنويه٤: "الكوكب في ١٢ صفحة واشتراك الدكتور طه حسين في تحريره". وتحت هذا العنوان تقول الصحيفة أنها ستظهر في "اثتني عشرة صفحة متنوعة الأبواب والموضوعات"٥ و"قد كان من توفيق الله أن أتاح للكوكب فضلًا من لدنه سبحانه، باشتراك حضرة الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب السابق في تحريره يوميًّا، ولن تقتصر آثار الدكتور طه حسين على ما تفيض به موهبته من الفصول السياسية الرائعة، بل ستعُمّ أيضًا الصفحات الأدبية والفنية والاجتماعية"٦، و"يظهر الكوكب بثوبه الجديد هذا يوم الخميس المقبل ٩ مارس "١٩٣٣", وسيزدان العدد الأول منه بتصريح تفضل فوعد به حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا"٧. وتصدر "كوكب الشرق" في ٩ مارس، متضمنة في الصفحة الأولى "تصريح الرئيس الجليل, تحية دولته للكوكب في ثوبه, وللأستاذ طه حسين بخط يده"٨ ويتضمَّن هذا التصريح: "وإني لمغتبط باشتراك النابغة الكبير الدكتور طه حسين في تحريره على المبدأ الوفدي الذي دلت الحوادث على

стр. 74

أنه مبدأ الحق ودين الأمة١ الذي قامت عليه في نهضتها نحو غايتها السامية في الحرية والاستقلال". ويعاهد طه حسين قراء "الكوكب" على "الإخلاص في القول والعمل والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة, والاستعداد لاحتمال المكروه في سبيل الواجب والوطن"٢. ويحضر زعيم الوفد محاضرته بالجامعة الأمريكية في الأدب العربي٣, ويقابل طه حسين مقابلة شعبية، وتنوه "الكوكب" بلقاء "الوطنية والأدب", ولا عجب أن يفعل الزعيم وصحبه ذلك حتى تقرَّ عيونهم وتمتلأ نفوسهم غبطة بزعيم التحرير للسان حالهم، وزعيم الثقافة في بلد يجاهدون لتحريره واستقلاله، والثقافة أكبر أساس من أسس الحرية والاستقلال"٤. ومن الأصداء التي تمثلها رسائل جمهور القراء إلى الصحيفة، الذين "ابتهجوا بظهور الكوكب في ثوبه الجديد, ورحبوا بالأستاذ الكبير الدكتور طه حسين"٥ نتبين أثر طه حسين في جمهور صحيفة حزب الأغلبية، وتأثره بهم في مقالاته الصحفية التالية على أساس من هذا التأثر, وهكذا تكتمل الدورة الاتصالية، كما يقول علماء الاتصال بالجماهير٦, فلم يكد "يصل "الكوكب" إلى قرائه متضمنًا الإعلان عن انضمام طه حسين، حتى "انهالت الرسائل البرقية والبريدية من مختلف الجهات"٧، ومن هذه الرسائل نتبين "نموذج" طه حسين في أذهان جمهور صحيفة الأغلبية الوفدية فهو "زعيم الثقافة الحديثة ورافع لواء التفكير الحر، لا في مصر وحدها بل في الشرق العربي"٨ وطه حسين "رجل سياسي حكيم"٩ و"كاتب كبير"١٠ و"من أمراء البيان"١١ و"خريج كتاب الله"١٢. و"الباحث الناقد"١٣ ... إلخ. انظر ملحق الصور

стр. 75

ويبين تأثر طه حسين بهذه الأصداء في رسائله الصحفية، من "عهد"١ عاهد فيه القراء في أول مقالٍ له بالصحيفة الوفدية، يقول فيه: ".. وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون في ويرجون مني, فلن أقصِّرَ عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح، ولن أضنَّ بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه, وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي ماضي العزم، قوي الأمل، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين"٢. ويمضي مقال طه حسين في "كوكب الشرق" محققًا لهذا "العهد" متوسلًا -كما يقول حافظ عوض٣- "بقلمه الفياض، وإيمانه الفياض، وعقله الفياض، في الصحافة المصرية وفي السياسة المصرية، في الأزمة المصرية الحالية"٤. على أن الخصومة بين طه حسين وصدقي ليس مصدرها، كما زعمت الصحف الوزارية فصله من الجامعة٥، وموهمةً بأن هذه الخصومة "انتقام لنفسه"٦؛ إذ كان في مقدوره أن يظل "عميدًا لكلية الآداب وإلى أكثر من ذا المنصب لو أراد"٧, ولكنه أراد مصلحة الوطن وعمل على استقلال الجامعة وإبعادها عن أهواء الوزارة وشهوتها الحزبية, في سبيل ذلك ضحَّى راضيًا مغتبطًا بمنصبه الخطير"٨. ومن ذلك يبين أن طه حسين يتحول بسرعة متعاقبة إلى ارتباط بالوفد وجماهيره وصحافته، فينتقل من التجديد الفكري إلى التنشئة الاجتماعية والاقتراب من مشكلات المجتمع، التي تجسدت في الأزمة الاقتصادية، وما نجم عنها من تهديد للعقائد الثابتة عند الناس من خلال التبشير، وفساد الحكم٩ ويتخذ من هذه المشكلات مواقف عنيفة جريئة، يساق بسببها إلى النيابة والقضاء، مع الدكتور هيكل وعبد حسن الزيات وحفني محمود، ويصدر الحكم عليهم بالغرامة وتعطيل السياسة شهرًا واحدًا١٠. ثم يشتري طه حسين امتياز جريدة "الوادي" بعد استقالته من "كوكب
следующие страницы →