← Общие книги

Общие книги · id 10004

الاستشراق والتبشير

محمد السيد الجليند

Полный текст (131 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة: أن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد، هذه دراسة موجزة عن الاستشراق والتبشير تلبية لرغبة عزيزة من كلية الشريعة بجامة قطر. وصادفت هذه الرغبة هوى في نفسي، خاصة بعد أن أثمرت جهود المستشرقين والمنصرين في بعض أقطارنا العربية بعض ثمارها على المستوى الثقافي والفكري في بعض منها، وعلى المستوى التعليمي والإعلامي في بعضها الآخر. وسمعنا وقرأنا من يردد آراء المستشرقين في طلب المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث والطلاق وتعدد الأزواج وتكوين الأسرة غير التقليدية. ولست ممن يقولون إن الاستشراق أو المستشرقين يجمعهم حكم واحد، أو كلهم على رأي واحد في موقفهم من الإسلام وقضاياه، لا، بل إن الإنصاف يقضي علينا أن نقول: إن منهم منصفين للإسلام القضايا المسلمين، ولقد أفدنا من دراستهم الكثيرة حول قضايا الإسلام ينبغي أن لا ننكر ذلك ولا نشك فيه، ولكن مما لا أشك فيه أن

стр. 2

الاستشراق والتنصير كانا من أخطر الوسائل التي سلكها الاستعمار في تنفيذ سياسته في العالم الإسلامي، ولا أشك في أنهما وجهان لعملة واحدة، وهو موقف الصليبية المعاصرة من العالم الإسلامي، أقول الصليبية ولا أقول المسيحية، وينبغي أن يكون القارئ على وعي بالفروق الجوهرية بينهما. لأن المسيحية دين نؤمن بما نزل منه على عيسى ﵇، أما الصليبية المعاصرة، فهي موقف وأيديولوجية، هي تكوين سياسي وثقافي نرفضه ونحاربه.. نرفضه كاتجاه ثقافي يهدف إلى احتواء الإسلام بحضارته وثقافته، الصليبية موقف واتجاه يهدف إلى تذويب حضارتنا وخصوصيتنا في حضارة الغرب وثقافته، ولعل رءوس الفتن التي تطل علينا بين الحين والآخر تحت ستار التنوير والتقدمية هي من آثار جهود هاتين الظاهرتين، وهذه الدراسة الموجزة التي أقدمها؛ تلبية لرغبة كلية الشريعة آمل أن تكون محققة للمطلوب منها. توخينا فيها الإيجاز غير المخل بالمقصود مكتفين بإثارة القضايا الكبرى التي التي تمثل المحاور العامة والأهداف الكبرى والمقصودة، رغبة في توضيحها وتعريفها لتكشف النقاب عن هذه الروح الصليبية التي يتعامل به الغرب مع العالم الإسلامي، وليس ذلك من باب إثارة الأحقاد وزرع الضغائن، وإنما من باب تجلية المواقف وكشف الحقائق، تناولنا خلال القسم الأول ظاهرة الاستشراق وارتباطها تاريخيًّا بالحروب الصليبية، ثم بيَّنَّا موقف المستشرقين من أهم القضايا الكبرى؛ القرآن، النبي، "والفكر الإسلامي" مؤيدين ذلك بنصوصهم

стр. 3

لكما أمكن ذلك، ثم أوضحنا الأخطاء التاريخية والمنهجية والزيف والافتراء الذي وقعوا فيه بسبب بعدهم عن روح الإنصاف وعدم التحلي بطلب الحق وقصده. وفي القسم الثاني تناولنا قضية التنصير في العالم الإسلامي، وركزنا بصفة خاصة على نشاط المنصرين في الجزيرة العربية وبينَّا وسائلهم في التنصير وسياستهم في الالتفاف حول الحرمين الشريفين في الجزيرة العربية، وحول دور الأزهر الشريف في مصر. ونحن نعلم سلفا أن طبيعة هذه الدراسة تحتاج إلى التفصيل والشرح رغبة في إزالة الشبهات التي قد يثيرها هذا أو ذلك حول هذا الموضوع الذي نعترف بأهميته وخطورته معًا، ولكن حسبنا في هذا المقام أن تجيء هذه الدراسة وافية بالمطلوب منها، وأن تحقق الغرض الذي انتدبنا له ونحيل القارئ الكريم إلى المطولات والمصادر التاريخية التي تحقق مقصودة في معرفة التفصيلات ونلتمس منه العذر في قصدنا إلى الإيجاز والاختصار. والله من وراء القصد، ونسأله سبحانه أن يجعل عملنا كله خالصا لوجه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. محمد الجليند ١٤ رجب سنة ١٤١٣هـ ٧ ديسمبر سنة ١٩٩٥م.

стр. 4

الاستشراق والمستشرقون: ما هو الاستشراق: أطلق لفظ الاستشراق على تلك المحاولة التي قام ويقوم بها بعض مفكري الغرب للوقوف على معالم الفكر الإسلامي وحضارته وثقافة الشرق وعلومه. كما أطلق لفظ مستشرق على المفكرين المشتغلين بدراسة علوم الشرق وتاريخه وحضارته وأوضاعه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومن المفيد أن يعرف القارئ الكريم أن مصطلح الشرق يرجع في أصل وضعه إلى مفكري الغرب، فهم الذين قسموا العالم إلى شرق وغرب، وقسموا الشرق إلى شرق أدنى أوسط وأقصى، ويطلق لفظ الشرق عادة على المنطقة العربية وشعوب آسيا وأفريقيا، أما لفظ الشرق الأوسط فقط فيطلق عادة على المنطقة العربية فقط، وفي العصر الحاضر أطلق لفظ العالم الثالث على تلك الشعوب التي كان يطلق عليها الماضي العالم الشرقي، أو دول الشرق. والذي يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط فقط أو المنطقة العربية بالذات، ذلك أن متابعة جهود المستشرقين خارج المنطقة العربية عمل فوق الطاقة الشخصية وليس ذلك داخلا في خطتنا من هذه الدراسة ولا يمثل ذلك هدفا لنا الآن، كما أن دراسات المستشرقين المتعلقة بشعوب العالم الإسلامي من

стр. 5

غير العرب كالهند وباكستان وأندونيسيا ودول شرق وجنوب شرق آسيا وأفريقيا، وكانت في معظم أحوالها تسير على نفس المنهج والطريقة التي كانوا يسلكونها في منطقة العالم العربي، وكان الهدف من محاولات المستشرقين وجهودهم في الدراسات التي قاموا بها في هذه المناطق كلها هو تطويق المد الإسلامي والعمل على انحساره ووقف نموه المطرد بين أبناء هذه الشعوب المتباعدة، وإن كانت أعمالهم تبدو في معظم أحوالها في ثوب علمي أو أكاديمي، فإن ذلك ينبغي ألا يحجب عن أعيننا نواياهم الخفية التي صرح بها معظمهم في المؤلفات والمؤتمرات العلمية التي كانت تعقد بين الحين والحين لهذا الغرض. أ- النشأة والتاريخ:

стр. 6

علاقة الاستشراق بالحروب الصليبية: يربط كثير من الباحثين المهتمين بالدراسات الاستشراقية بين نشأة الاستشراق وبداية ظهوره، وذلك الفشل الذريع الذي منيت به أوربا في الحروب الصليبية على يد صلاح الدين الأيوبي، ذلك أن الحملات الصليبية لم تحقق للغرب طموحاته ولم تسعفه بالسيطرة على الشعوب العربية واستخلاص بيت المقدس من أيدي المسلمين، ومن الجدير بالذكر أن الحملات الصليبية المتكررة على العالم الإسلامي قد رفعت الصليب شعارا لهذه الحرب؛ لتعلن للعالم الأوربي أنها حرب دينية مقدسة من ناحية أسبابها ودوافعها ومن ناحية غايتها

стр. 7

وأهدافها، وما دامت هذه الحملات لم تحقق الهدف الذي قامت من أجله، فلا بد من البحث عن بديل آخر، ولا بد من التفكير في وسيلة أخرى -ربما كانت طويلة الأجل- تحقق لهم هدفهم من السيطرة على شعوب المنطقة وإخضاع العالم الإسلامي لنفوذهم الثقافي والحضاري ثم السياسي والاقتصادي، وكان الاستشراق هو ذلك البديل المتاح في حينها؛ ليحقق أحلام الغرب وأهدافه. وإذا كانت فكرة السيطرة على العالم الإسلامي تمثل الهدف والغاية، من نشأة الاستشراق فإن ذلك لا يمنع أن يتجاوز الاستشراق هذا الهدف في سيرته التاريخية إلى أهداف أخرى علمية أو الأسمى للاستشراق لم يغب عن ذهن المستشرقين لحظة واحدة، بل كان هو المحور والأساس الذي دارت حوله معظم دراسات المستشرقين التي قاموا بها حول الشرق وعلومه، وقد تختلف درجة وضوح هذا الهدف ووسيلة التعبير عنه من شخص إلى آخر ومن جيل إلى جيل من المستشرقين، إلا أن ذلك لم يكن سببه غياب الهدف عن ذهن هذا المستشرق أو ذاك، وإنما كان سببه يرجع إلى حظ المستشرق نفسه من الثقافة العربية ودرجة اتقانه لها، وذكائه في أسلوب التعبير عن غايته وهدفه، تصريحا أو تلميحا. ولقد تغير أسلوب المواجهة بين العالم الإسلامي والغرب بعد الحروب الصليبية فاحتلت الكلمة والحوار واستخدام المنهج العلمي

стр. 8

المكانة الأولى في دراسة نفسية الشرق؛ لمعرفة الأسلوب الأمثل للمواجهة، وكان ذلك بديلا عن المواجهة بالسلاح والقوة العسكرية. ولقد فرض هذا الأسلوب الجديد في المواجهة العكوف على دراسة أحوال الشرق؛ لغته ودينه، حضارته وتاريخه، فلسفته وعلومه، عقيدته وأصولها، وأن توضع المناهج الدراسية المناسبة لاستكشاف عوامل هذه القوة الصلبة التي تكسرت عليها تلك الحملات الصليببية المتكررة ومحاولة فهمها وتحليلها نفسيا لمواجهتها بأسلوب يختلف تمامًا عن المواجهة العسكرية. ولما كان القائمون على أمر الحروب الصليبية والمحركون لها هم رجال الكنيسة وسدنتها، فإن ذلك جعل رجال الكنيسة في طليعة المهتمين بأمر الشرق ودراسة أحواله، ومن هنا فإن طليعة المستشرقين كانوا في معظمهم من القساوسة ورجال الدين المسيحي.

стр. 9

بداية الاستشراق وأسبابه: ١- لا نستطيع الجزم بتحديد من هو أول شخص نبتت في ذهنه فكرة الاستشراق وغزو الشرق من الداخل، إلا أن معظم المحققين لهذه المسألة يكادون يجمعون على أن بداية هذه الحركة نشأت في نهاية القرن العاشر الميلادي وأوائل القرن الحادي عشر بفرنسا، وإن الراهب الفرنسي "جرير دي أولياك ٩٣٨-١٠٠٣م" كان من أوائل المشتغلين بعلوم الشرق، وارتبطت باسمه بداية حركة الاستشراق، حيث رحل من فرنسا إلى أسبانيا مهد الحضارة الإسلامية في وقته، فتعلم فيها اللغة العربية، ووقف على علوم العرب في الرياضيات والطب والكيمياء والفلسفة، كما قرأ بعض العلوم الدينية حتى قيل إنه كان أوسع علماء عصره معرفة بعلوم العرب، وخاصة في الرياضيات والفلك، ثم ارتحل إلى روما حيث اشتهر من بين أقرانه بمعرفته الواسعة باللغة العربية وعلومها، وانتخب حبرًا أعظم باسم سلفستر الثاني "٩٩٩-١٠٠٣م" وكان بذلك أول بابا فرنسي، واستطاع من خلال منصبه الجديد أن ينشئ مدرستين؛ لتدريس اللغة العربية وعلومها، وكانت الأولى في روما مقر البابوية، والثانية في وطنه الأصلي "دايمس"، ثم أنشأ بعد ذلك مدرسة ثالثة تسمى مدرسة "شارتر"، وقام هذا الراهب الفرنسي بترجمة بعض الكتب العربية في الرياضة والفلك، وإليه يرجع الفضل في انتشار الأعداد العربية في أوربا التي كانت ينقصها رقم الصفر، ولم تكن تعرفه حتى نقله إليها "جرير دي أولياك" من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية. ٢- ثم جاء بعده "قسطنطين الأفريقي ١٠٨٧"، "بطرس المحترم ١٠٩٢-١١٥٦م" و"أرجو دي سانتلا ١١٠٧م" ثم "جيرارد كريمون ١١١٤-١١٨٧م"، ثم تتابع رواد هذه الحركة وتكاثرت أعدادهم واختلفت جنسياتهم بحيث شملت معظم دول أوربا

стр. 10

وأمريكا في العصر الحديث، وكان هؤلاء إذا عادوا إلى بلادهم عملوا على نشر علوم العرب بين أبناء وطنهم إلى أن تطورت الأمور بعد ذلك حيث أنشأت الحكومات الأوربية في جامعاتها أقساما مستقلة؛ لتدريس اللغة العربية وعلوم الشرق. ٣- ثم أخذت بعد ذلك حركة الاستشراق تنمو في اطِّراد مستمر حتى سنة ١٣١١-١٣١٢م، حيث عقد مؤتمر فينا الكنسي، وكان من أهم قرارته إنشاء كرسي للغة العبرية والعربية في معظم جامعات أوربا، فتأسس كرسي اللغة العربية في روما على نفقة الفاتيكان، وفي باريس على نفقة ملك فرنسا، وفي إكسفرد على نفقة ملك انجلترا، ويعتبر كثير من المؤرخين لحركة الاستشراق أن هذا المؤتمر هو البداية المنظَّمة وشبه الرسمية للاستشراق، وما كان قبل ذلك إنما كان بمثابة الإرهاص لميلاد هذه الحركة، وتبع ذلك انتشار المدارس والمعاهد الاستشراقية المعنية بدراسة الشرق وعلومه الإسلامية بصفة خاصة.

стр. 11

الدوافع والأهداف مدخل ... الدوافع والأهداف: مما لا ريب فيه أن الحروب الصليبية قد تركت آثارها السيئة على نفسية الغرب، لكنها في الوقت نفسه قد فتحت أعين الغرب على الشرق وما فيه من علوم ومعارف وحضارة، ولقد واكب ذلك ما شهدته أوربا من حركة الإصلاح الديني وموقف الكنيسة من العلم والعلماء، ولقد فرضت هذه الظروف الجديدة على الكنيسة أن تعيد ترتيب أوراقها، وأن تعيد النظر في المفاهيم الدينية التي تتعامل بها مع العلماء، بحيث تعيد تأويل هذه المفاهيم بما لا تتعارض مع العلم، وترتب على هذه النزعة الإصلاحية أن أحس الغرب بحاجته إلى التعرف على المزيد من علوم الشرق وثقافته، ومن هذه المواقف وغيرها كانت الدوافع والأهداف وراء حركة الاستشراق، ونستطيع أن نوجز أهم هذه الدوافع كما أشار إليها المفكرون فيما يلي١:

стр. 12

١- إثارة الخلافات الدينية: لا يمكن إرجاع ظاهرة الاستشراق إلى عامل واحد فقط؛ وذلك نظرا لاتساع نشاطه وتعدد أهدافه، ولكن الذي لا أشك فيه هو سيطرة السبب الديني على سائر أسبابه الأخرى، وفي هذه الدراسة الموجزة من النصوص ما يدل بيقين على صدق ما نقول من سيطرة السبب الديني وهيمنته على الأسباب الأخرى، ولقد سلك المستشرقون وسائل شتى لتحقيق هذا الهدف الديني، لكن كان أخطرها بلا شك التركيز على إثارة القضايا الخلافية في الفكر الإسلامي والعمل على إحياء الآراء الشاذة للفرق المغالية؛ ليشغل المسلمون أنفسهم بها عن التفكير في عظائم الأمور، فعمدوا إلى إثارة الخلافات المذهبية والصوفية، كما ركزوا في دراساتهم على إحياء ألوان معينة من التراث الصوفي للغلاة من الصوفية فتخصص الكثير منهم في تراث ابن عربي وابن سبعين والحلاج وذي النون المصري، وحاول

стр. 13

بعضهم إحياء الخصومات التاريخية بين المعتزلة والأشاعرة أو بين المعتزلة والسلف. أ- وهذا الهدف قد أعلنه المستشرقون قديما وحديثا ولم يجدوا في ذلك حرجًا ولا عيبًا، ولكن الحرج والعيب من وجهة نظرنا أن يتشكك بعض الباحثين من المسلمين في صدق الهدف ويشككوا فيه، ولقد صرح المفكر الفرنسي "هانوتو" بعد أن احتلت فرنسا الجزائر بما يلي: لقد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية"، وكانت هذه العبارة عنونا لمقال كبير نشر مترجما باللغة العربية في جريدة المؤيد المصرية، ونقل أطرافا منه المرحوم الدكتور محمد البهي في كتابه عن الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار، ومما جاء فيه: إنه لا يوجد مكان على ظهر الأرض إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده منتشرًا في الآفاق، فهو الدين الوحيد الذي أمكن انتحال الناس له زمرًا وأفواجًا، وهو الدين الوحيد الذي تفوق شدة الميل إليه والتدين به كل ميل إلى اعتناق دين سواه.. إن هذا الدين قائم الدعائم ثابت الأركان في أوربا عينها.. لقد صارت في صدر الإسلام وكبده.. ليس الإسلام في داخلنا فقط بل هو خارج عنا أيضا، قريب منا في مراكش.. قريب منا في طرابلس الغرب.. قريب منا في مصر.. وهو شائع ومنتشر في أسيا.. ولا يزال الهلال

стр. 14

"الإسلامي" ينتهي طرفاه من جهة بمدينة القسطنطينية ومن جهة أخرى ببلدة فاس في المغرب الأقصى معانقا بذلك الغرب كله. ويقول هانوتو: إن هذا الدين قائم في الآستانة حيث عجزت الشعوب المسيحية عن استئصاله من هذا الركن المنيع الذي يحكم منه على البحار الشرقية ويفصل الدول الغربية بعضها عن بعض شطرين، ثم يعلن "هانوتو" صراحة أنه لا بد من العمل على تفكيك تلك الرابطة التي تجمع بين المسلمين شرقا وغربا على سطح المعمورة فتجعل منهم أمة واحدة، وهي رابطة الدين، لا بد من العمل على أضعاف هذه الروح السائدة التي تحرك المسلمين من سباتهم.. إنهم متى اقتربوا من الكعبة، من البيت الحرام.. من ماء زمزم المقدس، من الحجر الأسود.. وحققوا بأنفسهم أمنيتهم العزيزة التي استحثتهم على ترك بلادهم في أقصى مدن العالم للفوز بجوار الخالق في بيته الحرام اشتعلت جذوة الحمية الدينية في قلوبهم.. إن رابطة الإخاء الجامعة بين أفراد المسلمين كفيلة بأن تجعل المسلم في شرق الأرض يهبُّ لنصرة المسلم في غربها فهي عامل مؤرق لفرنسا في المستعمرات التي تخضع لها. ومن هنا فإن العمل على إضعاف هذه الرابطة بين المسلمين كانت ولا زالت تمثل غاية وهدفا لنشاط المستشرقين؛ وما كتبه "هانوتو" صرح به غيره، ولقد كتب "كيمون" المستشرق الفرنسي في كتابه بثولوجيا الإسلام عن المسلمين وعن رسولهم ﷺ بمثل ما صرح

стр. 15

به "هانوتو" وزيادة؛ حيث وصف الرسول والإسلام بصفات يخجل القلم عن تسطيرها. ب- إذا أضفنا إلى ذلك أن أول من اشتغل بعلوم الشرق بحثا ودراسة كان راهبا وقسيسا ثم بابا لروما فيما بعد، كما أن معظم المشتغلين بعلوم الشرق قديما وحديثا، معظمهم من رجال الكهنوت المسيحي واليهودي، ولا يمكن أن نتصور هؤلاء مجردين عن عواطفهم الدينية، بل إنهم كانوا مدفوعين إلى هذا اللون من الدراسة بدافع الانتصار لدينهم، إن هذه النوايا التي عبرت عنها نصوص أصحابها -وغيرها كثير- تجعلنا نثق في صدق سيطرة السبب الديني وهيمنته على الأسباب الأخرى، ومن هنا فقد تنوعت الدراسات الإسلامية عند المستشرقين وتعددت اهتماماتهم بالإسلام وحضارته، فمن دارس للعقيدة وأصولها، وللفقه وأصوله، وللتاريخ وحضارته، وللقرآن وعلومه، وللحديث ورجاله، واللغة وآدابها، والرسول وغزواته وعلاقته بأهل الكتاب في المدينة، واتبعوا في ذلك منهجا نفسيا ركزوا خلاله على سر قوة المسلم ونقاط الضعف في العالم الإسلامي؛ ليسلبوا المسلم سر قوته؛ ليصبح بعد ذلك لقمة سهلة التناول في أيديهم، يشكلون عقيدته حسب أهوائهم الصليبية، وحسب مكرهم السياسي والمذهبي، ولقد أفصح بعضهم عن هذا الهدف في بعض المؤتمرات بقوله: " ... لا نريد أن نرسل إلى الشرق جنودا مسلحين وإنما نريد لهم رسلا مبشرين بالنصرانية".

стр. 16

وهذه الأهداف التبشيرية كانت واضحة تماما في كتابات المستشرقين قديما وحديثا مما مهد الطريق لحملات التبشير في العصر الحديث، حيث التقت أهداف الاستشراق والتبشير في العمل على بذر الشكوك حول عقيدة المسلم ورسوله؛ ليخرجوا المسلم عن دينه إن استطاعوا، فإذا عجزوا عن تحقيق هذا الهدف فلا أقل من أن يتركوه بلا دين ولا عقيدة كما صرح بذلك "زويمر" وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: الآية ١٢٠] .

стр. 17

٢- التمهيد للاستعمار: لم يكن استيلاء صلاح الدين الأيوبي على بيت المقدس بالأمر الذي ينساه الغرب، بل إن الأمل في السيطرة عليه وتخليصه من أيدي المسلمين ظل حلما وأملا بالنسبة للصليبيين، ولذلك فإن الحملات الصليبية تكررت كثيرا على بيت المقدس؛ لتحقيق هذا الهدف، وكان من الوسائل التي سلكها الغرب لتحقيق هدفهم محاولة دراسة ما يتعلق بشؤون البلاد وأحوال الناس فيها، وهذا الدور الذي قام به المستشرقون قد مهد السبيل للاستعمار لكي يحتل بلاد المسلمين بأيسر السبل وأقصرها معا، فلم يكد ينتهي القرن التاسع عشر إلا وقد احتل الغرب معظم البلاد الإسلامية والعربية بصفة خاصة، فوضعت فرنسا يدها على سوريا ولبنان ومعظم دول شمال أفريقيا الإسلامية، ووضعت انجلترا يدها على مصر والسودان والعراق والأردن

стр. 18

وفلسطين وكثير من إمارات الخليج العربي واليمن، وبدأ الاستعمار يتعامل بأسلوب جديد مع شعوب هذه المناطق، حيث عمل على إضعاف روح المقاومة في نفوس المسلمين؛ ليجعل منهم شعوبا قابلة للاستعمار فكرا وثقافة وحضارة وعقيدة، وهذا أخطر ما أصيب به العالم الإسلامي؛ قابليته للاستعمار بأشكاله وأساليبه الحديثة والمعاصرة، وكان من أهم وسائل الاستعمار في ذلك ما يلي: أ- التشكيك في ماضي هذه الأمة، في تراثها وحضارتها، حتى إذا فقد المسلم ثقته في نفسه أخذ يبحث له عن هوية وانتماء يعيد به ثقته في نفسه ويجد فيه الأمان المفقود، فيرتمي في أحضان الغرب تقليدا واتباعا، وظهرت مصطلحات: التنوير، التقدمية، كمبررات لتقليد الغرب والارتقاء في أحضانه. ب- وضع مفاهيم جديدة وطرحها على الرأي العام خلال أجهزة الإعلام التي نجح الاستعمار في استقطاب كثير من العاملين بها؛ ليقوموا نيابة عنهم بهذه المهمة، بقصد إضعاف روح الانتماء الإسلامي والعربي، فطرحوا الفكر القومي بدلا من الانتماء الإسلامي، وعملوا على إحياء الفرعونية في مصر، والفينيقية والآشورية في بلاد العراق والشام، والكردية والفارسية والتركية كلٌّ في موطنه، بعد أن كانت هذه الأقطار المترامية يجمعها رباط واحد هو الإسلام، وخلافة واحدة هي الخلافة العثمانية، ولقد روج المستشرقون ومن سار في ركبهم لهذه الروح الجاهلية التي كان القضاء عليها هدفا من أهداف الإسلام وانفراط عقد

стр. 19

الأمة بالقضاء على الخلافة العثمانية التي كانت رمزًا حيًّا لهذه الوحدة الإسلامية، واحتل الحديث عن القوميات مكان الصدارة بدلا من الحديث عن الانتماء الإسلامي والإخاء الديني، وأصبحت الفرصة مواتية للاستعمار ليملأ الفراغ في هذه البلاد بعد سقوط الخلافة العثمانية، وأخذ يحتل البلد تلو الآخر حتى تمت له السيطرة على الأقطار الإسلامية شرقًا وغربًا، ووضع يده على ثروات شعوبه، وأحكم القبضة على العالم الإسلامي، وكان له ما أراد بعد أن مهد الاستشراق له بخلقه روح القابلية للاستعمار، وإضعافه روح الانتماء الديني بين المسلمين.

стр. 20

٣- ثروات الشرق: كانت وما زالت ثروات الشرق وخبراته إحدى الأهداف التي سعى الغرب للسيطرة عليها ووضعها تحت يده، وحرمان شعوب المنطقة منها، ولذلك فقد أنشئت الأسواق التجارية والمؤسسات المالية، وكان الحصول على هذه الثروات بأبخس الأثمان دافعًا قويًّا لحركة الاستشراق ومن هذا أرسلت المؤسسات المالية في الغرب من يتولى إدارة شؤونها في الشرق فعينت المستشارين والمترجمين من المستشرقين، كما أخذ بعض المستشرقين المهتمين بالتراث العربي يعمل على تحقيقه ونشره والاستفادة منه، كما أنشأوا بعض المؤسسات المالية في دول الخليج واليمن، وكان بعض العاملين بها من المستشرقين الذين اهتموا بجمع المخطوطات العربية من المكتبات الخاصة من البلاد الخليجية ونقلوها إلى أوربا، والذي يقرأ فهارس المخطوطات بالمتحف البريطاني يتبين له أن كثيرا من تراثنا الإسلامي تحت أيديهم وفي حوزتهم.

стр. 21

٤- الاحتواء السياسي: بعد حركة التحرير التي سادت شعوب المنطقة العربية حرص الاستعمار على أن يكون له بين هذه الشعوب من يتولى تنفيذ مخططه والقيام على شؤون مصالحه، فعين في سفارته وقنصلياته مستشارين لهم من ذوة الخبرة والمعرفة بشؤون الشرق وعلومه، وكان المستشرقون من أهم العناصر التي قامت بهذه المهمة وكان نشاطهم السياسي ملحوظا في جميع البلاد التي عملوا بها وكان من أهم أعمالهم أن اتصلوا بكثير من المشتغلين بالثقافة والتعليم والإعلام في هذه المنطقة؛ ليشكلوا منهم ما يمكن أن نسميه بالطابور الخامس؛ ليتولى نيابة عنهم نشر الأفكار التي يرغبون في إشاعتها بين الشعوب العربية كالقوميات وإحلال العامية بدلا من الفصحى، ومثالية النموذج الأوربي ووجوب الأخذ به ... إلخ، وكثيرا ما كانت تقع الاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية، وكثيرا ما كانت تتغير المناهج الدراسية والبرامج الثقافية في كثير من البلاد؛ استجابة لمصالح الغرب، وتلبية لرغبة هؤلاء العملاء في البلاد الإسلامية، خاصة إذا عرفنا أن هذه الشخصيات كانت تتولى مناصب قيادية في أجهزة الحكم في بلادهم وبالذات في المجالات الثقافية والإعلامية والتربوية، وهذا لم يسلم منه بلد إسلامي تقريبا ولا يغيب عن الذهن ما فعله كرومر ودانلوب في المنطقة العربية في مطلع هذا القرن.

стр. 22

٥- طلب العلم والمعرفة: وقد نجد عددًا قليلًا من المستشرقين طلبوا علوم الشرق والتعرف على حضارته طلبا بالمعرفة، وهذا عدد قليل إذا قيس بأعداد المستشرقين الآخرين، وهذا النوع من المستشرقين يتميز بالروح العلمية النزيهة، والدقة في الأحكام العلمية والإنصاف فيها، ولا نعدم أن نجد بينهما من شهد للحضارة العربية بدورها الرائد في الحضارة الأوربية المعاصرة، وخاصة في العلوم الرياضية والتجريبية، وكثير منهم كتب مؤلفاته وبحوثه حول شخصيات إسلامية كانت رائدة في مجالات العلم المتعددة، ونجد بين هؤلاء من وصل به بحثه النزيه وروحه العلمية إلى اكتشاف الحقيقة فآمن به وأعلنها، وقد يصل به الأمر في نهاية المطاف إلى أن يعلن إسلامه، ويعلم المتخصصون في هذا اللون من الدراسات أن هناك عدد غير قليل من المستشرقين يتمتعون بهذه الروح العلمية النزيهة، وقد تحولوا بعد إسلامهم إلى جنود مدافعين عن الإسلام وقضاياه، وعن العالم الإسلامي ومشكلاته، غير أن هناك أمور يشترك فيه جميع المستشرقين بما فيهم هذا النمط الأخير، فهم جميعا قد يقعون في أخطاء علمية بسبب جهلهم بأساليب اللغة العربية وطرائف التعبير فيها، ويرتبون على فههم الخاطئ نتائح وأحكاما خاطئة تبتعد بهم كثيرا عن منطق الصواب والإنصاف، وقد يكون الفارق بين هذا النمط الأخير وغيرهم هو توفر حسن النية عند النمط الأخير الذي تميز بالإنصاف والنزاهة وتوفر سوء القصد وعدم النزاهة عند غيرهم.

стр. 23

موقف المستشرقين من الفكر الإسلامي مدخل ... موقف المستشرقين من الفكر الإسلامي: تنوعت اهتمامات المستشرقين بالإسلام وتعددت اتجاهاتهم، بحيث شملت كل فروع الثقافة تقريبا، وأسسوا مدارس وأقساما في الجامعات الأوربية تخصصت في هذه الدراسات الشرقية، واستقدموا لها بعض أبناء العالم الإسلامي؛ ليتعلموا بها عن طريق المنح الدراسية، وعن طريق التبادل الثقافي بين الجامعات، وحصل كثير من أبناء العالم الإسلامي على درجاتهم العلمية من هذه الجامعات الأروبية، ومن جهة أخرى عملت بعض الدول الأوربية على إنشاء جامعات ومدارس في كثير من البلاد الإسلامية تعمل تحت إشرافها العلمي وخططها الدراسية، ولا تكاد تخلو بلد إسلامي من هذا النوع من المؤسسات التعليمية التي تخضع في تمويلها ومناهجها العلمية لدول أوربا، وفي معظم الأحوال فإن أبناء هذه المدارس وخريجيها يكون ولاؤهم الثقافي والحضاري والسياسي لهذه الدول التي تلقوا تعليمهم فيها أو تحت إشرافها. ومن الجهود التي قام بها المستشرقون، أنهم قاموا بوضع الموسوعات العلمية الإسلامية مثل دوائر المعارف المختلفة مثل دائرة المعارف الإسلامية، والقاموس الإسلامي، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ورغم الأخطاء الكثيرة التي وقعت في دائرة المعارف الإسلامية وفي المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، إلا أن هذه الأعمال قد أدت خدمات جليلة للباحثين ووفرت كثيرا من الجهد والوقت.

стр. 24

للدرسين، والأخطاء التي وقعت في هذه الدوائر المعرفية قد انتقلت منها إلى كثير من أعمال الدارسين، وقبلوها على أنها قضايا مسلمة وشاعت هذه الأخطاء بين المهتمين بالدراسات الإسلامية من العرب وغيرهم. كذلك امتدت نشاطات المستشرقين في مجال الدراسات العربية والإسلامية فعقدوا المؤتمرات والندوات وألقوا المحاضرات في الجامعات العربية والإسلامية، فضلا عن تأليف الكتب والاشتغال بتحقيق التراث العربي والإسلامي في مجالات كثيرة كما تسللوا إلى المجامع اللغوية في كثير من البلاد، فأصبح بعضهم أعضاء عاملين في مجمع اللغة العربية بمصر، وفي سوريا، وبغداد، والمغرب وتونس، ولا تكاد تخلو جامعة أوربية الآن من قسم متخصص في الدراسات الشرقية والإسلامية، وكانت أكثر دول أوروبا اهتماما بهذه القضية هي فرنسا، فأنشأت بها أقدم مدرسة للدراسات العربية منذ القرن الثاني عشر في "دايمس" بأمر البابا سلفستر، ثم مدرسة شارتر سنة ١١١٧م، وأنشأ البابا هونوريوس معهدا للغات الشرقية سنة ١٢٨٥م، كما أنشيء أخيرا كرسي للغات الشرقية الدراسات الإسلامية بباريس والسوربون، فضلا عن المدارس الكثيرة التي انتشرت في أنحاء كثيرة من فرنسا لهذا الغرض، ثم أنشأت فرنسا معاهد كثيرة في البلاد الإسلامية التي احتلتها، فأنشأت المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بمصر في المنيرة سنة ١٨٨٠م، وأنشأت كلية بورجاد في تونس سنة

стр. 25

١٨٤١م، ثم تحولت إلى جامعة للآداب العربية، وأنشأت مدرسة الآداب العالية بالجزائر سنة ١٨٨١م، ثم تحولت إلى جامعة سنة ١٩٠٩م، وكذلك أنشأت في المغرب معهدًا للدراسات المغربية بالرباط سنة ١٩٣١م، ولها في دمشق المعهد الفرنسي سنة ١٩٢٢م، وكذلك المعهد الفرنسي بطهران الذي أنشئ سنة ١٩٤٨م. ولقد أخذت معظم دول أوربا تحذو حذو فرنسا في الاهتمام بالدراسات الاستشراقية فأنشأت أقساما ومعاهد ومدارس مختلفة للدراسات الشرقية كما هو الحال في جامعة إيطاليا، وانجلترا، وأسبانيا والبرتغال، والنمسا، وهولندا، وألمانيا، والدنمارك، والسويد، والمجر، وروسيا، وأمريكا.. إلخ، وبعض هذه الدول قد أسست في كثير من البلدان التي تقع تحت نفوذها معاهد أو كليات تابعة لهم، كما فعلت أمريكا في بيروت ومصر وتركيا، غيرها، حيث أنشأت بكل منها جامعة مستقلة تسمى الجامعة الأمريكية يتسرب من خلال نشاطها الثقافي مبادؤها وأهدافها إلى الجامعات والمؤسسات التربوية في هذه الشعوب. ولقد اختلفت مواقف المستشرقين من الفكر الإسلامي وقضاياه تبعا لاختلاف أديانهم أو مذاهبهم الفكرية والسياسية؛ لأننا نجد بين صفوف المستشرقين اليهودي الحاقد على الإسلام وأهله، والمسيحي الراهب المبشر بدينه، والشيوعي الملحد الذي لا دين له، ولا بد أن تختلف مواقف هؤلاء جميعا تبعا لانتمائهم الفكري والعقائدي، ولكن

стр. 26

على سبيل العموم كان أسوأ هؤلاء جميعا هم المستشرقون اليهود، فمنهم من يتهم الإسلام بأنه دين فرضه محمد وأتباعه بقوة السيف والحروب. وفيهم من ينكر نبوة محمد أصلا، ويرى أن ما جاء به من تعاليم قرآنية أخذها عن أحبار اليهود وكهنة النصارى. ومن المستشرقين من يتهم إله المسلمين بأنه متعالٍ جبار بينما إله النصارى عطوف ودود متواضع ظهر الناس في صورة واحد منهم وهو عيسى ابن مريم، ولا يكاد يخلو كتاب استشراقي يتصل بالإسلام ونبيه إلا وهو يقطر سما وحقدا على الإسلام والمسلمين، ويفصح بعض المستشرقين عن هذا الحقد المعلن في تعليق صريح له، على الحملات الصليبية فيقول: وهكذا تقهقرت قوة الهلال أمام راية الصليب، وانتصر الإنجيل على القرآن، وعلى ما تضمنه من قوانين الأخلاق الساذجة. وقد يطول بنا المقام لو أردنا التفضيل في موقف المستشرقين من الفكر الإسلامي وعلمائه، ولكننا سوف نقصر دراستنا هنا على نقاظ محددة أراها أكثر مناسبة للمقام حسب المساحة المحددة لنا في هذا الكتاب.

стр. 27

١- موقفهم من النبي والقرآن الكريم: يرتبط موقف المسشرقين من القرآن الكريم بموقفهم من نبوة محمد ﷺ ؛ لأنهم يقفون من النبي موقف الإنكار المطلق، وقد ينكر بعضهم أصل النبوة أساسا ولا يعترف بها إطلاقا، لأي من أنبياء الله ورسله، وهذا الإنكار يترتب عليه القول بأن محمدا ليس نبيا وبالتالي فإن القرآن حسب زعمهم لا يكون وحيًا من السماء، وإنما هو من عند محمد ومن وضعه هو، وليس كتابا إلهيًّا ولا وحيًا سماويًّا. ومعلوم أن الإيمان بالنبي والنبوة أصل من أصول الاعتقاد التي لا تقبل الشك يؤمن بها كل مسلم إيمانا جازما كإيمانه بالله وهي المفتاح الحقيقي لتقبل كل ما جاء به الوحي والإيمان به. والنبوة في جوهرها إنباء الله عبدًا من عباده بشرع ما، فإن أمره بتبليغ هذا الشرع إلى الناس كان رسولا نبيا، وإن لم يأمره بالتبليغ كان نبيا فقط، والنبوة في جوهرها اصطفاء ووهب وعطاء من الله، وليست كسبا ولا اجتهادا كما يرى بعض الفلاسفة، وما بلغته الرسل من الله نزل به الروح الأمين على قلب محمد وغيره من الرسل ليكونوا من المنذرين به، فنزل القرآن بالعربية، والإنجيل بالسريانية، والتوراة بالعبرية؛ تحقيقا لمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وهذا الوحي ليس فيضًا من العقل الفعال كما تدعى الفلاسفة، وليس إلهامًا ولا إبداعًا لعبقرية محمد كما يقول بعض المستشرقين، إنما هو وحي من الله على قلب الرسل بواسطة ملك الوحي جبريل ﵇ فهو من عند الله بلفظه ومعناه.

стр. 28

والمستشرقون يرون القضية عكس ذلك تمامًا؛ فهم أولا لا يؤمنون بنبوة محمد ولا يعترفون بها. ١- فهو عند البعض أحد عباقرة العالم العشرة. ٢- وعند البعض الآخر أحد الأبطال العظماء. ٣- وعند آخرين ناقل ذكي من كتب الأولين. ٤- أو متعلم من رهبان النصارى قد أجاد في تعلمه عنهم. ٥- أو أحد المشعوذين وطلاب الرياسة والزعامة.. وهكذا يقولون في حق نبي الإسلام ﵊، وإذا أرادوا شيئا من الإنصاف قالوا: إنه جاء ليدعو إلى الاشتراكية وليس إلى عقيدة دينية جديدة. أ- يقول هويرت جريمي "مستشرق ألماني" في كتابه: "محمد"١: لم يكن محمد في بادئ الأمر يبشر بدين جديد بل إنما كان يدعو إلى الاشتراكية، ثم يقول: فالإسلام في صورته الأولى لم يكن يحتاج إلى أن نرجعه إلى ديانة سابقة تفسر لنا تعاليمه، بل هو محاولة للإصلاح الاجتماعي تهدف إلى تغيير الأوضاع الفاسدة، وعلى الأخص إزالة الفوارق الصارخة بين الأغنياء والفقراء، لذلك نراه يفرض ضريبة معينة لمساعدة المحتاجين، وهو يستخدم فكرة الحساب في اليوم الآخر كوسيلة للضغط المعنوي وتأييد دعوته.

стр. 29

ب- بينما يرى المستشرق الإنجليزي "جب" في كتابه: "المذهب المحمدي" أن محمدًا ككل شخصية مبدعة قد تأثرت بضرورات الظروف الخارجية المحيطة به من جهة ثم هو من جهة أخرى قد شق طريقا جديدًا بين الأفكار والعقائد السائدة في زمانه، والدوائر في المكان الذي نشأ فيه.. ومحمد نجح؛ لأنه كان واحدًا من المكيين، ومعارضة المكيين له لم تكن من أجل تمسكهم بالقديم، أو بسبب عدو رغبتهم في الإيمان وإنما كانت لسبب سياسي أو اقتصادي فالمستشرق "جب" يفسر موقفه من نبوة محمد ﷺ ، فيرى أن الظروف المكية هي التي جعلت من محمد زعيمًا سياسيًّا، وأعطته الفرصة لكي يظهر في وسط قومه المكيين بهذه الصورة وإن يتلف حوله فقراء مكة طلبًا للإنصاف من الأغنياء. ج- وهناك نمط آخر من المستشرقين يرون أن محمدًا ﷺ قد حلت به حالة نفسية أدت به إلى نوع من التأمل الذاتي في السماء وما فيها من نجوم، وساعد على تألق هذا النوع من التأمل وعالمه الطبيعي الموحش من الجبال وما حولها، وما تثيره في النفوس من حالات الهلع والتأمل الذاتي. وعلى مثل هذا النحو من الفهم عن الرسول ﷺ كان موقف المستشرقين من النبي فهم ينكرون رسالته جملة

стр. 30

وتفصيلا، وهذا بالطبع سوف ينسحب على موقفهم من القرآن الكريم ومن مصدره الإلهي. يقول غوستاف لوبون: يجب اعتبار محمد من فضيلة المتهوسين من الناحية العلمية كأكبر مؤسسي الديانات، ولا تعجب لذلك؛ فلم يكن ذوو المزاج البارد من المفكرين هم الذين ينشؤون الديانات، ويقودون الناس، وإنما أولو الهوس هم الذين مثلوا هذا الدور وهم الذين أقاموا الأديان وهدموا الدول.. وقادوا البشرية. ولقد وضع هذا المستشرق كتابه عن "حضارة العرب" وصرح فيه بآراء وأفكار تدل على جهله بالوحي والنبوة وطبيعة الحضارة الإسلامية، وبطبيعة الحياة الخاصة للرسل فهو يتهمه بالشهوانية في حياته الزوجية، ويترتب على هذا الإتهام مجموعة من الأحكام التي تدل على جهله بخصوصيات الرسول، ويجعل القرآن دليلًا على عبقرية الرسول وإبداعه أو يضعه في مكانة أدنى من كتب الهندوس الدينية، ويرى أنه كتاب مؤقت بعصره لا يحقق حاجات الناس في عصور لاحقة بل يجعله السبب في تخلف المسلمين. د- أما جولد تسيهر فقد وضع كتابه عن "مذاهب التفسير الإسلامي"، ونسب فيه المعرفة التي تلقاها محمد عن مصدرين؛ إذ يقول: فتبشير النبي العربي ليس إلا مزيجا من معارف وآراء دينية عرفها بفضل اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية التي تأثر بها تأثرا عميقا والتي رآها جديرة بأن توقظ في بني وطنه عاطفة

стр. 31

دينية صادقة، وهذه التعاليم التي أخذها عن تلك العناصر الأجنبية، كانت في وجدانه ضرورية لإقرار لون من الحياة في اتجاه يريده الله؛ ولقد تأثر بهذه الأفكار تأثرا عميقا، وأدركها بإيحاء التأثيرات الخارجية، فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحيًا إلهيًّا. هـ- ويسير في نفس الاتجاه "بلاشير" في كتابه: "معضلة محمد"؛ حيث يرى أن التشابه الواقع بين قصص القرآن وقصص التوراة والإنجيل كان سببًا في القول بأن محمدًا أخذ القرآن عن هذين المصدرين. و أما نيكلسون فقد ركز اهتمامه على دراسة التصوف الإسلامي؛ ليثبت به أن محمدًا ﷺ أخذ القرآن عن مصادر متعددة، لكن أهمها هي المسيحية، ويتهم القرآن بالتناقض والتضارب الذي لم يستطع أهل مكة اكتشاف ما فيه من تناقض؛ لسذاجتهم وعدم قدرتهم، يقول نيكلسون: والقارئون للقرآن من الأوربيين لا تعوزهم الدهشة من اضطراب مؤلفه، وهو محمد، وعدم تماسكه في معالجة كبار المعضلات، وهو نفسه -محمد- لم يكن على علم بهذه المعضلات، كما لم تكن حجر عثرة في سبيل صحابته، الذين تقبل إيمانهم الساذج القرآن على أنه كلام الله، كما يتهم الرسول في هذا الكتاب -الصوفية في الإسلام- بأنه حرف النصرانية وأساء فهمهما.

стр. 32

هذه هي نظرة المستشرقين للقرآن من ناحية مصدره، فالقرآن عندهم ليس إلهيا ولا ربانيا، وإنما هو بشري من صنع محمد، وإن ما جاء فيه من قصص توافق ما جاء في التوراة والإنجيل فإنه قد أخذها عن هذين المصدرين بتحريف وإساءة فهم. ومعلوم لدى كل مسلم أن الإيمان بالقرآن وأنه كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود أصل من أصول الاعتقاد، ولا ريب في ذلك لدى كل مسلم، وأنه بلفظه ومعناه من الله، نزل به الروح الأمين على قلب النبي حسب الحوادث وما تحتاجه من حلول لما أشكل فيها. مناقشة هذه الآراء: أولا: ليست الدعاوى التي يفتريها المستشرقون في حق نبي الإسلام وفي حق القرآن الكريم بجديدة على المثقف المسلم، ولا أريد في هذه الدراسة الموجزة أن أتعرض بالرد التفصيلي على ما أثاره المستشرقون من شبهات وشكوك حول الإسلام، كما أن المعاندة أو المجادلة بقصد الغلبة ليست هدفا مقصودا لنا في هذه الدراسة؛ لأن ديننا ونبينا الذي يفترون عليه كذبا وبهتانا ينهَوْن عن ذلك، ويأمرون أن نقول للناس حسنى، وألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وأن نؤمن بأن الأنبياء جميعا دينهم واحد وأمهاتهم شتى كما أخبر بذلك الرسول ﷺ ، ومن هنا فإننا ننبه إلى عقيدة كل مسلم في نبي الله عيسى وموسى وجميع الأنبياء، فينبغي ألا نقول في حق نبي الله عيسى إلا كما قال القرآن الكريم.

стр. 33

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] . ولا تتكلم في حقه ﵇ بأفضل مما تكلم هو في حق نفسه حيث قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [سورة مريم: ٣٠-٣٣] . وأنه ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى﴾ [النساء: ١٧١] . وأنه ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢] . هذه هي عقيدة المسلمين في نبي الله عيسى، وكذلك يؤمن المسلمون بأن ما نزل على عيسى من ربه هو الحق، ولا نقول في حقه إلا كما قال القرآن على لسان عيسى حين قال: إني عبد الله أتاني الكتاب ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨] ، وأن هذه الكتاب الذي أنزل على عيسى قد صدقه القرآن وبين أنه وقع فيه التحريف على أيدي النصارى، وأن الكتب التي بأيدي النصارى اليوم وما يتعبدون به لا تمت بسبب إلى الكتاب الذي نزل على عيسى ﵇، وسوف نبين ذلك بالبراهين القاطعة فيما بعد.

стр. 34

وكذلك يعتقد جميع المسلمين بعفاف مريم وطهارتها، وأنها صديقة اصطفاها الله تعالى كما قال ربنا: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] . وكما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] . هذا هو اعتقاد كل مسلم في حق عيسى في حق وأمه البتول الطاهرة. وفي حق الكتاب الذي أنزل عليه، ولا يصح إيمان المسلم إلا بذلك، وأن الكتاب الذي أنزل على عيسى جاء مبشرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وأن هذا النبي قد ذكرته التوراة باسمه صراحة وأن الإنجيل قد ذكره بوصفه في أكثر من موضع. هذا أصول اعتقادية يؤمن بها كل مسلم ولا يفرق في ذلك بين أحد من أنبياء الله ورسله، ولا يقبل من المسلم إيمانه إلا بذلك. ونحن كمسلمين يفرض علينا ديننا أن نعلن براءتنا مما افتراه اليهود في حق عيسى ﵇، ونعلن براءتنا مما افترته اليهود في حق أمه مريم وأن اتهام اليهود لمريم بهتان عظيم نبرأ إلى الله منه؛ لأن الله قد طهرها، واصطفاها على نساء العالمين، والإيمان بطهارتها وعفتها عقيدة إسلامية. وبعد هذه الأصول الاعتقادية التي كان لا بد من بيانها. أرى ضروريا أن نضع أمام طلبة العلم الأصول الوثنية التي انحرفت إليها

стр. 35

أناجيل النصارى؛ لنبين أن ما نزل على عيسى ابن مريم شيء وأن ما يدين به النصارى اليوم شيء آخر؛ فإن ما أنزل على عيسى ﵇ هو الحق من ربه، وما يتعبد به النصارى اليوم لم ينزل به وحي ولم ينطق به نبي، وإنما هو من تحريف علمائهم، وإن الطقوس والشعائر التي يتعبدون بها الآن إنما هي من نراث الوثنيات السابقة على النصرانية المعاصرة لها، وقد نبه إلى ذلك مفكرون كبار أمثال الإمام ابن تيمية في كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وتلميذه ابن القيم في كتابه هداية الحيارى في الرد على النصارى. كما ألف بعض المهتدين من النصارى مؤلفات مستقلة نذكر منهم في هذا المقام محمد بن طاهر البيروتي في كتابه العقائد الوثنية في الديانة النصرانية "الذي طبع أكثر من مرة"١. وجاء الفصل السابع من هذا الكتاب كاملا في المقارنة بين النصوص التي تصور عقيدة الهنود في بوذا وكريشنا وعقيدة النصارى في عيسى ﵇، وأوضح ما يقول به النصارى في حق عيسى ﵇ من أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وأن عقيدة التعميد والعشاء الأخير وغيرها من عقائد النصارى مأخوذة من العقائد الوثنية السابقة على عقيدة النصارى، ولا بد أن نشير ههنا إلى جهود علمائنا السابقين أمثال ابن حزم في كتابه العظيم "الفصل في الملل والنحل" وابن تيمية في الجواب الصحيح. وما كتبه القرافى في

стр. 36

كتابه "الأجوبة الفاخرة" وابن القيم في هداية النصارى، وغيرهم من العلماء الذين أسسوا في ذلك منهجا مستقبلا في البحث هو منهج النقد الداخلي للنص فدرسوا نصوص الأناجيل دراسة نقدية وبينوا ما في هذه الأناجيل من تناقض يفضح تزييفها وتحريفها مما ينأى بها أن تكون هي مما نزل على عيسى ﵇ وإنما هي بقايا من وثنيات الأديان السابقة. وإن الصليبية المعاصرة لا تمت إلى روح الديانة النصرانية بسبب لا من قريب ولا من بعيد، فالصليبية شيء وروح النصرانية التي بشَّر بها عيسى بن مريم شيء آخر، فالصليبية حقد وكراهية والنصرانية حب ورحمة، والصليبية استكبار وفساد وسفك للدماء، والنصرانية التي جاء بها عيسى ﵇ ود وتراحم وتواضع كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] . وسوف أضع بين يدي القارئ اعتقاد الوثنيين في بوذا وفي كريشنا واعتقاد النصارى في عيسى ﵇؛ ليعرف القارئ مدى التحريف الذي أصاب النصرانية وأن عقيدتهم في أصولها وفروعها مأخوذة من الوثنيات السابقة وأنها لا تمت بسبب إلى ما نزل على عيسى ﵇.

стр. 37

أولا: عقيدة الهنود في كريشنا كريشنا هو المخلص والفادي والراعي وابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس؛ وهو الأب والابن والروح القدس. كان كريشنا من سلالة ملوكانية ولكنه ولد في غار بحال الذل والفقر. عرف الناس ولادة كريشنا من نجمه الذي ظهر في السماء. لما ولد كريشنا سبحت الأرض وأنارها القمر بنوره، وترنمت الأرواح، وهامت السماء فرحا وطربا، ورتَّل السحاب بأنغام مطربة. ومات كريشنا ثم قام من بين الأموات كريشنا الألف والياء وهو الأول والوسط وآخر كل شيء. كريشنا هو براهما العظيم القدوس بالناسوت سر من أسراراه العجيبة الإلهية. ثانيا: عقيدة البوذية كان يجد بوذا بواسطة حلول روح القدس على العذراء مايا. ولد بوذا ابن العذراء مايا التي حل فيها الروح القدس يوم عيد الميلاد "٢٥ كانون الأول" وقد دل على ولادة بوذا نجم ظهر في أفق السماء ويدعونه نجم المسيح. لما ولد بوذا فرحت السماء ورتلت الملائكة أناشيد المجد. بوذا الألف والياء ليس له ابتداء ولا انتهاء.

стр. 38

وقد عمّد بوذا المخلص وحين عمادته بالماء كانت روح الله حاضرة وهو لم يكن الإله العظيم فقط بل روح القدس الذي في سارا تجسد كوتاما لما حل على العذراء مايا قال بوذا إنه لم يأت لنقض الناموس كلا بل أتى؛ ليكمله. عقيدة النصارى في عيسى: يسوع هو المخلص والفادي والمفدي والراعي وابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، وهو الأب والابن والروح القدس كان يسوع من سلالة ملوكانية ولكنه ولد في حالة الذل والفقر بغار "إنجيل مريم". كان تجسد يسوع المسيح بواسطة حلول الروح القدس على العذراء مريم. ولد يسوع ابن العذراء مريم التي حل فيها الروح القدس يوم الميلاد. وقد دل على ولادة يسوع نجم ظهر في المشرق وبواسطة ظهور نجمه عرف الناس قبل ولادته. لما ولد يسوع المسيح رتل الملائكة فرحًا وسرورًا، وظهر من السحاب أنغام مطربة: لله المجد في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة.

стр. 39

ومات يسوع ثم قام من بين الأموات يسوع الألف والياء والوسط وهو آخر كل شيء. يسوع هو مهده العظيم القدوس، وظهوره في الناسوت سر من أسراره العظيمة الإلهية ويوحنا عمّد يسوع بنهر الأردن وكانت روح الله حاضرة، وهو لم يكن الإله العظيم بل والروح القدس الذي تم تجسده عندما حل على العذراء مريم، فهو الأب والابن والروح القدس. وقال يسوع: لا تظن إني جئت لأنقض الناموس؛ ما جئت لأنقض بل لأكمل١. وعلى القارئ أن يقارن بين هذه العقائد الثلاثة: عقيدة الهنود في بوذا وفي كريشنا، وعقيدة النصارى في عيسى ﵇؛ ليدرك التحريف الكبير الذي أصاب المسيحية من الوثنيات السابقة. ومن يقرأ نصوص المستشرقين وأقوالهم عن القرآن، ودعوى أنه بشري المصدر، ويقارن بين هذه الاتهامات وما حكاه القرآن الكريم عند مشركي مكة قديما، وعن موقفهم من الرسول والقرآن لا يجد شيئا جديدًا عند المستشرقين؛ فإن رأيهم ودعواهم في القرآن قد سبق إليها مشركو مكة وأهل الكتاب في المدينة، ولقد بلغ حرص النصارى على هذه الاتهامات وتكرارها من جيل إلى جيل أن بعضهم

стр. 40

وقد أفردها بمؤلفات مستقلة، كما فعل يوحنا الدمشقي وبولص الأنطاكي في رسالته عن النصرانية والإسلام. وقديما قال المشركون عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥] . وقالوا عنه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] . وقالوا عن الرسول: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] . وقالوا له: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ﴾ [الحجر: ٦] . وقالوا له: لست مرسلا.. قالوا غير ذلك الكثير عن القرآن وعن الرسول مما حكاه القرآن عنهم، فلا غرابة -إذن- أن تردد هذه الاتهامات على ألسنة أحفادهم في كل جيل من المستشرقين والمبشرين بالنصرانية ومن دار في فلكهم من أبناء ملتنا. وكذلك الذين اتهموا الرسول ﷺ بأنه عبقري أو أحد العظماء العشرة في العالم، أو أنه طالب رياسة وزعامة، أو مصلح اجتماعي ... أو ... أو، ولا نجد لديهم جديدًا عما حكاه القرآن عن أهل الكتاب بالمدينة أو مشركي مكة، ولا يتسع المقام لتفصيل القول في ذلك لكن نود الإشارة إلى أمور:
следующие страницы →