← Общие книги

Общие книги · id 10004

الاستشراق والتبشير

محمد السيد الجليند

Полный текст (131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كتابه "الأجوبة الفاخرة" وابن القيم في هداية النصارى، وغيرهم من العلماء الذين أسسوا في ذلك منهجا مستقبلا في البحث هو منهج النقد الداخلي للنص فدرسوا نصوص الأناجيل دراسة نقدية وبينوا ما في هذه الأناجيل من تناقض يفضح تزييفها وتحريفها مما ينأى بها أن تكون هي مما نزل على عيسى ﵇ وإنما هي بقايا من وثنيات الأديان السابقة. وإن الصليبية المعاصرة لا تمت إلى روح الديانة النصرانية بسبب لا من قريب ولا من بعيد، فالصليبية شيء وروح النصرانية التي بشَّر بها عيسى بن مريم شيء آخر، فالصليبية حقد وكراهية والنصرانية حب ورحمة، والصليبية استكبار وفساد وسفك للدماء، والنصرانية التي جاء بها عيسى ﵇ ود وتراحم وتواضع كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] . وسوف أضع بين يدي القارئ اعتقاد الوثنيين في بوذا وفي كريشنا واعتقاد النصارى في عيسى ﵇؛ ليعرف القارئ مدى التحريف الذي أصاب النصرانية وأن عقيدتهم في أصولها وفروعها مأخوذة من الوثنيات السابقة وأنها لا تمت بسبب إلى ما نزل على عيسى ﵇.

стр. 37

أولا: عقيدة الهنود في كريشنا كريشنا هو المخلص والفادي والراعي وابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس؛ وهو الأب والابن والروح القدس. كان كريشنا من سلالة ملوكانية ولكنه ولد في غار بحال الذل والفقر. عرف الناس ولادة كريشنا من نجمه الذي ظهر في السماء. لما ولد كريشنا سبحت الأرض وأنارها القمر بنوره، وترنمت الأرواح، وهامت السماء فرحا وطربا، ورتَّل السحاب بأنغام مطربة. ومات كريشنا ثم قام من بين الأموات كريشنا الألف والياء وهو الأول والوسط وآخر كل شيء. كريشنا هو براهما العظيم القدوس بالناسوت سر من أسراراه العجيبة الإلهية. ثانيا: عقيدة البوذية كان يجد بوذا بواسطة حلول روح القدس على العذراء مايا. ولد بوذا ابن العذراء مايا التي حل فيها الروح القدس يوم عيد الميلاد "٢٥ كانون الأول" وقد دل على ولادة بوذا نجم ظهر في أفق السماء ويدعونه نجم المسيح. لما ولد بوذا فرحت السماء ورتلت الملائكة أناشيد المجد. بوذا الألف والياء ليس له ابتداء ولا انتهاء.

стр. 38

وقد عمّد بوذا المخلص وحين عمادته بالماء كانت روح الله حاضرة وهو لم يكن الإله العظيم فقط بل روح القدس الذي في سارا تجسد كوتاما لما حل على العذراء مايا قال بوذا إنه لم يأت لنقض الناموس كلا بل أتى؛ ليكمله. عقيدة النصارى في عيسى: يسوع هو المخلص والفادي والمفدي والراعي وابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، وهو الأب والابن والروح القدس كان يسوع من سلالة ملوكانية ولكنه ولد في حالة الذل والفقر بغار "إنجيل مريم". كان تجسد يسوع المسيح بواسطة حلول الروح القدس على العذراء مريم. ولد يسوع ابن العذراء مريم التي حل فيها الروح القدس يوم الميلاد. وقد دل على ولادة يسوع نجم ظهر في المشرق وبواسطة ظهور نجمه عرف الناس قبل ولادته. لما ولد يسوع المسيح رتل الملائكة فرحًا وسرورًا، وظهر من السحاب أنغام مطربة: لله المجد في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة.

стр. 39

ومات يسوع ثم قام من بين الأموات يسوع الألف والياء والوسط وهو آخر كل شيء. يسوع هو مهده العظيم القدوس، وظهوره في الناسوت سر من أسراره العظيمة الإلهية ويوحنا عمّد يسوع بنهر الأردن وكانت روح الله حاضرة، وهو لم يكن الإله العظيم بل والروح القدس الذي تم تجسده عندما حل على العذراء مريم، فهو الأب والابن والروح القدس. وقال يسوع: لا تظن إني جئت لأنقض الناموس؛ ما جئت لأنقض بل لأكمل١. وعلى القارئ أن يقارن بين هذه العقائد الثلاثة: عقيدة الهنود في بوذا وفي كريشنا، وعقيدة النصارى في عيسى ﵇؛ ليدرك التحريف الكبير الذي أصاب المسيحية من الوثنيات السابقة. ومن يقرأ نصوص المستشرقين وأقوالهم عن القرآن، ودعوى أنه بشري المصدر، ويقارن بين هذه الاتهامات وما حكاه القرآن الكريم عند مشركي مكة قديما، وعن موقفهم من الرسول والقرآن لا يجد شيئا جديدًا عند المستشرقين؛ فإن رأيهم ودعواهم في القرآن قد سبق إليها مشركو مكة وأهل الكتاب في المدينة، ولقد بلغ حرص النصارى على هذه الاتهامات وتكرارها من جيل إلى جيل أن بعضهم

стр. 40

وقد أفردها بمؤلفات مستقلة، كما فعل يوحنا الدمشقي وبولص الأنطاكي في رسالته عن النصرانية والإسلام. وقديما قال المشركون عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥] . وقالوا عنه: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] . وقالوا عن الرسول: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] . وقالوا له: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ﴾ [الحجر: ٦] . وقالوا له: لست مرسلا.. قالوا غير ذلك الكثير عن القرآن وعن الرسول مما حكاه القرآن عنهم، فلا غرابة -إذن- أن تردد هذه الاتهامات على ألسنة أحفادهم في كل جيل من المستشرقين والمبشرين بالنصرانية ومن دار في فلكهم من أبناء ملتنا. وكذلك الذين اتهموا الرسول ﷺ بأنه عبقري أو أحد العظماء العشرة في العالم، أو أنه طالب رياسة وزعامة، أو مصلح اجتماعي ... أو ... أو، ولا نجد لديهم جديدًا عما حكاه القرآن عن أهل الكتاب بالمدينة أو مشركي مكة، ولا يتسع المقام لتفصيل القول في ذلك لكن نود الإشارة إلى أمور:

стр. 41

أولا: لقد قال المشركون عنه: إنه معلم، وشاعر، وساحر، وأن القرآن إفك افتراه، ولعل مجيء القرآن مشتملا على هذه الاتهامات، ذاكرا لها أكبر دليل على أن القرآن الكريم ليس من عند محمد ولا من بنات أفكاره. فإن من له صلة بالقرآن وتلاوته يدرك تماما سقوط هذه الدعاوى الظالمة، ويعلم يقينا أن القرآن كان أمينا في عرض هذه الاتهامات على ألسنة المشركين وأمينا في الاحتفاظ بها تتلى ضمن آياته، ويتعبد بها المسلم كما يتعبد بتلاوة غيرها من الآيات؛ ليكون القرآن نفسه حاملا معه أدلة نفي هذه الاتهامات الكاذبة، وحاملا معه دلائل مصدره الإلهي؛ فإن مَن له حظ من العقل والحكمة يعلم تماما أن هذا القرآن لو كان من عند محمد لجاء خاليًا تمامًا من ذكر هذه الاتهامات الموجهة إليه، ولكان أولى له أن يأتي بشهادات تأييده وصدقه، بدلا من ذكر الاتهامات التي وجهها المشركون إليه في أول عهدهم بالدعوة، إن تسجيل القرآن الكريم لهذه الاتهامات يدل على أمرين مهمين جدًّا في شأن الدعوة الإسلامية. الأمر الأول: دلالته على صدق النبي وأمانته في النقل عن ربه؛ لأنه ليس من صالح أصحاب الرسالات أن ينقلوا إلينا هذه الاتهامات التي تحمل معنى التكذيب والافتراء بل كان الأولى بهم لو لم يكونوا رسلا صادقين أن يخفوا ذلك تماما عن الأتباع، ولجاءوا بدلًا منها بشهادات تأييد وتصديق، كما يحدث في عهدنا هذا في كثير

стр. 42

من المناسبات، ولكنهم الرسل، وحاشا لواحد منهم أن يكون غير ذلك فالله أعلم حيث يجعل رسالته. أما الأمر الثاني: فهو دلالة هذا النص القرآني على ألوهية مصدره ودلالته على أنه من عند الله وليس من قول البشر، والذي له صلة بالقرآن يعلم تماما أن ذلك هو حق اليقين. ثانيًا: إن القرآن يشتمل على كثير من مواقف اللوم والعتاب لرسول الله ﷺ ، وذلك في أمور كان يتصرف فيها الرسول من واقع بشريته الخالصة، فكان ينزل القرآن معاتبا للرسول على ما فعل، حدث ذلك في موقفه ﷺ مع ابن أم مكتوم، حين انصرف عنه الرسول إلى غيره، فنزل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ ... إلخ الآيات [عبس: ١-٤] . وحدث ذلك في شأن أسرى بدر، حين أوشك الرسول أن يأخذ الفدية من الأسرى ويطلق سراحهم، فنزل الوحي مخالفا لرأي الرسول ومعاتبا له بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧] .

стр. 43

وجاء مثل ذلك في سورة الكهف حين اهتم الرسول ببعض وجهاء مكة أملا في إسلامهم، وأعرض عن بعض أتباعه، فنزل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [سورة الكهف: ٢٨] . وحدث نظير ذلك في مواقف عديدة ذكرها القرآن الكريم حين قالت قريش للرسول: أقبل على بعض أمرنا، ونحن نقبل على بعض أمرك، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٣-٧٤] . ونظائر ذلك في القرآن كثير يتلوها المسلم ويتعبد بها كما يتبعد بتلاوة الأوامر والنواهي، فهل يكون ذلك اللوم وذلك العتاب من عند محمد؟.. أليس من الأولى لو كان القرآن من عند محمد كما زعموا أن يكون خاليا من مثل ذلك اللوم الموجه إلى شخصه، وهل يكون القرآن من عند محمد، ويكون مشتملا على مثل قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ إن القرآن نفسه قد احتوى على ألوهية مصدره كجزء ذاتي فيه وليس خارجا عنه من ذلك مثلا:

стр. 44

١- ما أشرنا إليه آنفا وهو إشارته لمواقف العتاب لرسول الله ﷺ في الأمور التي كاد يتصرف فيها بمقتضى بشريته، والتي ذكرنا أمثلة منها. ٢- إشارته إلى مواقف المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لألوهية مصدره ودعواهم أنه من عند محمد تارة أو أنه قد اتخذه من أهل الكتاب أو ... أو ... إلخ. ٣- إشارته إلى اتهام المشركين لمحمد بأنه "ساحر أو شاعر أو معلم أو مجنون"؛ إذ كان من عند محمد لما جاء مشتملا على هذه الاتهامات، وكان أولى به أن يأتي بشهادات تؤيد صدقه. وينبغي أن نعلم القرآن الكريم عندما ذكر هذه الإشارات لم يذكرها إلا مقرونة بدليل إبطالها وبيان فسادها، فأحيانا يذكر الفرية، ثم يتبعها بقوله: إن يتبعون إلا الظن؛ لينفي أن يكون معهم دليل على كذبهم كما في قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ ... إلخ؛ ليبين أن كلامهم متهافت في ميزان المنطق؛ لافتقاد دليل صدقه، وأحيانا يذكر الفرية ثم يتبعها بالقضية الجازمة بأن القرآن من عند الله، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] ، وأحيانا ينفي عنهم صفة العلم أصلا بمستوياته المختلفة كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ، ولعل القرآن كان يلفت نظر المسلمين إلى جنس هذه الافتراءات وأن أدعياءها لا يملكون دليلا

стр. 45

على صحة دعواهم، وإن هي إلا ظنون وأوهام أنبتتها بذور الحقد والكراهية لهذا الدين ولنبيه. ثالثا: ومن معجزات القرآن الكبرى أنه صالح لكل زمان ومكان، وأن أدلته وبراهينه التي تحدى بها كفار مكة وأهل الكتاب في المدينة هي بعينها ما زالت مصدرا للتحدى لكبار المستشرقين ومن سار في فلكهم؛ ذلك أن أهل الكتاب بالمدينة وقبلهم مشركو مكة لما قالوا: إن القرآن من عند محمد وأنه إفك افتراه تحداهم القرآن على لسان الرسول بحجة سهلة وميسورة لكل عربي، فقال لهم: إذا كنتم عربا ومحمد عربي مثلكم، وقد أتى بهذا القرآن من عند نفسه، فأتوا بآية من مثله، أو بسورة، أو بعض سورة مثله مفتريات، وهذه حجة في غاية الإقناع والإقحام في نفس الوقت أنها ملزمة للخصم فهو إما أن يأتي بمثل القرآن إن كان بشريًّا تصديقا لدعواه، أو يسلم بأنه من عند الله فيؤمن به، فإذا أصر على موقفه بعد ذلك فإنه بذلك يكون خارجا عن مجال الحوار العلمي إلى مجال العناد والاستكبار، وهذا هو شأن المشركين قديما والمستشرقين حديثا، كما قال القرآن حاكيا عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنغام: ٣٣] . ومن تمام نعم الله على عباده ومن كمال حجته على خلقه أن آيات النبوة وبراهين الرسالة الخاتمة معلومة لكل الخلق، وفي استطاعتهم العلم بها، وقد يكون عند بعضهم من دلائل نبوته ما لا يوجد

стр. 46

عند البعض الآخر، وقد يظهر لكل قوم من الآيات والدلائل النفسية والأفقية ما يتبين به أن القرآن حق، وإذا ظهرت هذه الدلائل ووضحت وأعرض الإنسان عنها أو أعرض عن النظر الحق الموجِبِ للعلم بها، كان موقفه عنادًا واستكبارًا، وكان في شقاق مع الله ورسوله. ثالثًا: والله تعالى قد شهد للقرآن بنفسه تارة وبملائكته تارة وبآياته البينات تارة، وأخبر عن هذا القرآن بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ، وقد أخبر الرسول بذلك في أول أمر الدعوة في مكة، وأخبر الرسول عن هذا وبهذا النفي العام الشامل للإنس والجن فيه آيات لنبوته؛ لأن مثل هذا الخبر لا يقدم عليه من يريد من الناس أن يصدقوه، إلا وهو واثق كل الثقة أن الأمر كذلك في نفسه، ولو كان عنده شك في ذلك لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر، ويفسد عليه قصده، وهذا لا يقدم عليه حكيم ولا عاقل. رابعا: ولم يثبت أن واحدا من العرب عارض القرآن، والذي حاول ذلك منهم أتى بأشياء فضحت أمره بين قومه، ومعلوم أن توفر الدواعي المعارضة للقرآن كانت موجودة لدى المشركين، ولما عجزوا عن معارضته مع توفر الدواعي عندهم، ومع الحرص الشديد على محاربته وإبطاله بكل وسيلة ممكنة، دل ذلك على

стр. 47

العجز المطلق، وهذا في حد ذاته برهان تام على صدق القرآن، وصدق أنه آية على نبوة محمد ﷺ ، وهذه آية ظاهرة وباقية إلى يوم القيامة، وليس القصد هنا الحديث عن إعجاز القرآن؛ فإن ذلك له مجال آخر، ولكن الذي أود الإشارة إليه أن دلائل ألوهية المصدر القرآني متنوعة ومتعددة، وكلها من أوجه إعجاز القرآن، وكل وجه منها دليل على صدق النبي، وفي نفس الوقت دليل على أن القرآن من عند الله، ولما قص القرآن علينا موقف مشركي مكة ودعواهم الكاذبة في أن القرآن من عند محمد قال لهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] أي: كفاك يا محمد أن الله وملائكته يشهدون بما أنزل إليك، ثم أعاد التحدي في المدينة مع أهل الكتاب بعد الهجرة، فقال في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، ثم قال ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤: ٢٣] ، فدلت الآية على أمرين؛ الأول قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يعني إذا لم تفعلوا فقد علمتم أنه حق، وينبغي أن تعترفوا بذلك وتؤمنوا به.

стр. 48

الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ و"لن" تفيد تأكيد النفي في المستقبل فثبت بالخبر أن البشر لن يأتوا بمثله فيما يستقبل من الزمن، فكان القرآن بذلك قد أخبر بعجز الإنس والجن أن يأتوا بمثله ولو تعاون على ذلك أهل الأرض قاطبة. وكان كفار في مكة من أحرص الناس على إبطاله ومعارضته مجتهدين في ذلك بكل الوسائل، تارة يسألون أهل الكتاب عن أمور غيبية؛ ليسألوا عنها محمدا؛ ليظهروا بذلك عجزه، كما سألوهم عن قصة يوسف، وأهل الكهف، وذي القرنين، وحاولوا أن يختبروا الرسول في ذلك. وتارة يجتمعون المرء بعد المرء؛ ليتفقوا على أمر يسألون عنه محمدًا بقصد إعجازه، فكان ينزل القرآن بالإجابة الشافية لأمراضهم، فإذا كان هذا شأنهم معه، حرصٌ تامٌّ على المعارضة المرة تلو المرة ولو كانوا قادرين عليها لفعلوها؛ لأنه إذا وجدت الدواعي التامَّة وامتنعت الصوارف وكانت القدرة حاصلة، وجب وجود المطلوب، وهذا شأننا مع المستشرقين الآن، وهذا التحدي من أبلغ المواقف القرآنية التي يتحدى بها أهل الأرض قديمًا وحديثًا، وكل من ادعى بشرية القرآن فعليه أن يأتي بمثله آية، أو سورة، أو عشر سور، فإن لم يستطع أحد أن يفعل ذلك فعليه أن يؤمن به، ومعلوم لدى أهل العلم بالقرآن وعلومه أن أوجه الإعجاز القرآني من جهة معانيه وإخباره

стр. 49

عن الغيوب الماضي منها والمستقبل أكثر من جهة إعجازه اللفظي، ولكن أردنا بذلك أن نضع بين يدي القاريء نماذج منها على وجه التمثيل فقط وليس على وجه الاستقصاء أو الحصر؛ لأنه من ذا الذي يستطيع حصر أوجه إعجاز القرآن؟! ومن أراد تفصيل القول في ذلك فليراجع كتب علوم القرآن، كالاتقان في علوم القرآن للسيوطي أو دقائق التفسير لابن تيمية خاصة الجزء الأول منه "مقدمة في إعجاز القرآن". خامسا: ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن الذين تأملوا القرآن بعين الإنصاف من المستشرقين لم يلبثوا أن أعلنوا إسلامهم واعتناقهم للإسلام دينا وللقرآن دستورًا، وأعلنوا ندمهم الشديد على ماضي أيامهم التي قضوها على الكفر والعناد، يقول موريس بوكاي الطبيب الفرنسي الذي أسلم وألف كتابه "القرآن الكريم والتوارة والإنجيل والعلم": لقد أثارت دهشتي هذه الجوانب العلمية التي يختص بها القرآن والتي كانت مطابقة تمامًا للمعارف العلمية الحديثة، ولقد درست هذه النصوص بروح متحررة تماما من كل حكم سابق وموضوعية تامة، بيد أني لا أنكر تأثير التعاليم التي تلقيتها في شبابي، حيث لم تكن الأغلبية تتحدث عن الإسلام، وإنما عن المحمديين لتأكيد الإشارة إلى أن هذا الدين أسسه رجل، وبالتالي فهو ليس بدين

стр. 50

سماوي فلا قيمة له عند الله، وكان يمكن أن أظل محتفظًا بالكثير من هذه الأفكار الخاطئة عن الإسلام، وهي شديدة الانتشار، ولما تحدثت مع بعض المستنيرين من غير المتخصصين، عرفت أني كنت جاهلا قبل أن تعطي لي صورة صحيحة تختلف عن ذلك التي تلقيتها في الغرب عن الإسلام، وكان هدفي هو قراءة القرآن ودراسة نصه آية آية ... وانتهيت إلى دقة الإشارات الخاصة بالظواهر الطبيعية ومطابقتها المفاهيم التي نملكها اليوم، والتي لم يكن لمحمد ولا لأي إنسان في عصر محمد أن يكوِّن عنها أدنى فكرة ... وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية فادحة، فإننا لا نجد في القرآن أي خطأ.. وقد دفعني ذلك إلى أن أتساءل لو كان مؤلف القرآن إنسانا بشرًا فكيف استطاع في القرن السابع المسيحي أن يكتب ما اتضح اليوم أنه يتفق مع العلم الحديث ففي مجال القضايا التي تخضع للملاحظة، مثل تطور الجنين يمكن مقابلة مختلف المراحل الموصوفة في القرآن مع معطيات علم الأجنة "الحديث". هذه شهادة مستشرق هداه الله للإسلام؛ لأنه بحث عن الإسلام، وفي الإسلام بمنهج علمي متحرر من العصبية، بروح متجردة إلا من البحث عن الحقيقة، وصدق الله العظيم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ . [النساء: ٨٢]

стр. 51

٢- حول الفكر الإسلامي وأصالته: ولقد أثار المستشرقون شبهات أخرى كثيرة حول الإسلام ورسوله، وحول العقيدة والوحي، وحول الفلسفة الإسلامية وأصالتها، والتصوف وأصوله، وحول السنة وعلومها. أ- فالمستشرق "شاخت" وضع كتابه "في أصول الشريعة المحمدية"، ولعله أشهر كتاب له، جعله طعنًا في كتب السنة الصحيحة ومسانيدها، وقال: إن الأحاديث الفقهية وغيرها ظهرت في القرن الثالث الهجري، وأن الفقه ومسائله لم يظهر في عصر محمد ولا في عصر الصحابة، وإنما ظهر بعد هذا الجيل، واستدل بذلك على كذب الأحاديث النبوية، ومع ما في هذه الدعوى من مغالطات وأكاذيب تاريخية، فإن هذا المستشرق لم يكلف نفسه عناء البحث؛ ليعرف أن أقوال الرسول وأفعاله كانت تقوم بين جيل الصحابة مقام كتب الفقه بين الأجيال المتأخرة فضلا عن أن أحاديث الفقه كغيرها من الأحاديث الأخرى رواها المحدثون بسندها المتصل عن رسول الله ﷺ ، وللمحدثين في ذلك منهج في التوثيق أفاد منه إلى حد كبير علماء المناهج المعاصرون، ووصفوه بالدقة، والموضوعية، وقوة الضبط، وسلامة النقل، وسار على نفس المنهج في التشكيك في كتب السنة آخرون أمثال "منتوجمري واط" المستشرق الإنجليزي، و"مارجليوث" و"جولد تسهير" وغيرهم، والأدلة التي يذكرها الواحد منهم على صحة دعواه تجدها مكررة عند غيره كأنهم قد تواصوا بذلك فيما بينهم وتوارثوها جيلا بعد جيل.

стр. 52

ب- أما في مجال الفلسفة الإسلامية فقد تواطأ كثير من المستشرقين على أكذوبة أن العقل العربي ليس من طبيعته التفلسف، أو حب الفلسفة؛ لأنه ساذج بطبعه يميل إلى الأخذ بالجزئيات، ولا يعرف التعامل مع القضايا العامة أو الكلية، صرح بذلك "رينان" في كتابه عن اللغات السامية، و"ديبور" في تاريخه للفلسفة الإسلامية، و"بينز" في كتابه عن "مذهب الذرة عند المسلمين". يقول ديبور في مقدمة كتابه عن مصادر الفلسفة الإسلامية: لم يكن للعقل السامي قبل اتصاله بالفلسفة اليونانية في الفلسفة غير الأحاجي والأمثال والحكم، وكان هذا التفكير يقوم على نظرات في الإنسان ومصيره، وإذا عرض للعقل السامي ما يعجز عن إدراكه لم يشقَّ عليه أن يرده إلى إرادة لا تدرك مداها. ج- ونفس الفكرة صرح بها رينان قبل ديبور، ولا شك أن هذا الحكم خاطئ من أساسه؛ لأنه يتنبأ فكرة مسبقة، وهي تفوُّق الجنس الآري على الجنس السامي، فالفلسفة الإسلامية ما دامت تنتمي إلى جنس سامي فهي ليست بأصلية، ولا تشتمل على عناصر جديدة؛ لأن الأصالة والجدة من خصائص الجنس الآري فقط كما يزعمون، وقد يكون هذا الحكم مدعاة إلى طرح سؤال مهم، وهو إذا كانت هذه الفلسفة ليس أصيلة ولا جديدة وخالية من عنصر الابتكار، فلماذا شغلتم أنفسكم بها إلى هذا الحد الكبير..؟ وإجابة ديبور على ذلك تطلعنا على قضية أهم وأخطر، حين تقرأ قوله: فإن هذا البحث له شأن عظيم؛ إذ يتيح لنا فرصة لمقارنة المدنية

стр. 53

الإسلامية بغيرها من المدنيات، والفلسفة ظاهرة فريدة نشأت في بلاد اليونان في ظروف غير خاضعة لنشأة المدنيات، ولا يمكن تعليلها بأسباب خارجة عنها، إن ذلك يرينا أول محاولة للتغذي بثمرات الفكر اليوناني تغذيًا أبعد مدى وأوسع حرية مما كان عليه الأمر في نشأة العقائد أن تتبع أفكار اليونان وامتزاجها في مدينة الشرق الكثيرة العناصر لكثير الفائدة عند ديبور؛ لأنه يجعل ذلك بداية التمدن الحقيقي في بلاد الشرق، وديبور لم يبحث الفلسفة الإسلامية بهدف بيان أصالتها أو مكانتها في مسيرة الحياة الفكرية للإنسانية ككل، ولم يكن تأريخه لها لذاتها ولا حبًّا فيها، ولا حتى بوصفها واسطة بين الفلسفة اليونانية والأوربية الحديثة كما يزعم البعض.. لا.. لم يكن هذا هدفا مقصودًا لديبور ولا لغيره ممن أرخوا للفلسفة الإسلامية أو كتبوا عنها، مثل هنر كوربان، وماسينيون، إن ما يهتم به المستشرقين من وراء ذلك التاريخ هو العمل على تكملة وإتمام تاريخ ذلك النهر الفكري في أوربا، ذلك النهر الذي بدأه فلاسفة اليونان، ما زال عطاؤه متدفقا إلى يومنا هذا في أوربا، فإذا انحرف مسار ذلك النهر عن طريقه الطبيعي، وخرج إلى جنس آخر غير آرى كالجنس العربي مثلا؛ فإنما ليأخذ بيد شعوبه إلى مسار المدنية والحضارة، ثم ما يلبث أن تعود مياهه إلى مجراها الطبيعي بأوربا، فدراسة الفلسفة الإسلامي عند المستشرقين يقصدون من ورائها إلى أمور محددة تتصل بحياتهم الفكرية.

стр. 54

١- ذلك أن دراسة الفلسفة الإسلامية تمكنهم أولا من تتبع دخول أفكار اليونان وتأثيرها في مدينة الشرق، وهذا يعني عندهم مواصلة التأثير والعطاء للفلسفة اليونانية، وهي من نتاج الجنس الآري الأوربي. ٢- ودراستها تمكنهم ثانيا من مقارنة المدنية الإسلامية بالمدنية اليونانية مقارنة توضح لهم بجلاء أن الفلسفة لم تظهر في المدنية الإسلامية من داخلها وإنما وفدت إليها عندما احتكت بالجنس الآري، وهذا في حد ذاته يكون برهانا لهم على أن الفلسفة اليونانية ظاهرة فريدة خاصة بالجنس الآري فقط، ولم تظهر خارجه، وبالتالي فهي لا تدين لآية حضارة أخرى سابقة عليها. ٣- ودراستها تمكنهم ثالثا من التعرف على أول محاولة للتأثر بثمرات العقل اليوناني من جهة، ومن الوصول إلى أن هذه الفلسفة ارتبطت بها أول نهضة عربية لبيان فضل الفلسفة "الآرية" على الجنس العربي. إن هذه الأمور الثلاثة أصبحت مؤكدة لدى دارس الفلسفة الإسلامية من المستشرقين؛ ليؤكدوا بذلك أمرين: ١- فوقية الجنس الآري على ما عداه من أجناس أخرى. ٢- الإلحاح على فكرة المركزية الأوربية بالنسبة للعالم؛ فكرًا وثقافة وحضارة ومدنية، وهذا ما يهدف إليه ديبور وغيره من المستشرقين، إنهم -إذن- لم يدرسوا الفلسفة الإسلامية لذاتها،

стр. 55

وإنما لاستكمال فهمهم للفلسفة اليونانية وللفكر الأوربي بصفة عامة، والقصد من ذلك هو محاولة إقناع العالم بأوربة الفكر الإنساني كله، والقول بأوربة الحضارة الإنسانية بصفة عامة. فعل ذلك "بيتز" في كتابه مذهب الذرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهند، ولقد ظهر هذا الكتاب في الثلاثنيات من هذا القرن وهو يحمل العنوان السابق الذي يدل لأول نظرة على مقصده ومضمونه، ويدور الكتاب في معظم فقراته على سلب العقلية العربية كل خصائص الأصالة والابتكار لينسبها إما إلى الهند مرة، وإما إلى اليونان في معظم الأحوال، فهو مرة يرجع أصول مقالات المتكلمين في الجوهر الفرد إلى أصول هندية، ومرات يرجع أصول رأي الرازي في نفس المشكلة إلى آراء أفلاطون وديقريطس، وقد يتساءل المرء: ولماذا الإصرار على إرجاع كل مصادر القول بالذرة عند علماء الكلام إلى أصل هندي؟، والجواب: أن الهنود ليسوا جنسًا ساميًا، أما العرب فهم ساميون لا يصلحون للابتكار، ومعنى هذا أن المستشرقين يقبلون أن يكون للهند مذهب مستقل في الجوهر الفرد، ولا يرضون ذلك للعرب، وهل تستطيع أن تجد لهذا التحكم من تبرير عقلي سوى التعصب لفكرتهم عن تفوق العقل الآري على بقية الأجناس، ولخطورة هذه الدعوى أود أن أخصصها بشيء من الرد التفصيلي عن أصالة الفكر الإسلامي واستقلاله عن الفلسفة اليونانية.

стр. 56

الفكر الإسلامي بين الأصالة والتقليد مدخل ... الفكر الإسلامي بين الأصالة والتقليد: إن حياة الأمم وتقدمها رهن بقيمة تراثها وأصالته؛ فإن الأمة التي لا تراث لها لا ماضي لها ولا تاريخ لها تعتز به، والشعوب التي تعيش بلا تاريخ ليست إلا كتلًا بشرية لا قيمة لها في ميزان الأمم، والتاريخ في جوهره ليس إلا تسجيلا أمينا للجهود البشرية المتطورة والمتطلعة نحو الكمال، والأمة العربية أشد الأمم في هذه الآونة من التاريخ احتياجا إلى الدفاع عن تراثها وماضيها؛ ذلك أن الهجمات عليه قوية ومتوالية ومحكمة، ولم نقرأ في تاريخ الإنسانية كلها أن ثقافةً هوجمت بمثل العنف والشراسة اللذين هوجمت بهما الثقافة العربية والإسلامية بصفة خاصة، فمنذ أن فتح الاستعمار أعينه على منطقة الشرق العربي لم تكد تنقطع حملات التشكيك والتشهير بالفكر الإسلامي ورجاله؛ ذلك أن الثقافة العربية بخصائصها وروحها القوية كانت سياجًا قويًّا وحصنًا أمينًا ضد الغزوات الفكرية التي تعرضت لها هذه المنطقة على مر التاريخ، لما حل الاستعمار الحديث بهذه المنطقة مع ما تميز به من أساليب استعمارية امتازت بذكائها ودهائها استطاع أن يدخل على المسلم المعاصر ويلبس عليه الأمور من ناحية التشكيك في أصالة ما لديه من تراث وقيم. ولقد بدأت هذه الحملات المسعورة على الفكر الإسلامي أبان القرن التاسع عشر حيث أشيع في تحامق وتعصب أن تعاليم الإسلام

стр. 57

تتنافى مع النظر العلمي الحر، وأنها لم تأخذ بين العلم، ولم تنهض بالفلسفة العقلية ولم تنتج الثقافة الإسلامية إلا انحلالا موغلا واستبدادا ليس له نهاية، وكان من أخطر هذه الدعاوى قضية المفاضلة بين الأجناس، ولقد ظهرت هذه القضية في القرن التاسع عشر على يد الفيلسوف الفرنسي رينان في كتابه "تاريخ اللغات السامية" الذي صرح فيه بأن الجنس السامي أقلُّ ذكاء ومرتبة من الجنس الآري، وأخذت هذه المفاضلة عند رينان تضفي على العرب أوصافا لم يقم عليها دليل من بحث أو دراسة. وكذلك الأمر بالنسبة لديبور؛ فإنه لا يمل من تكرار هذه الدعوى القائلة بأن الفلسلفة الإسلامية ليست إلا صورة مشوهة للفلسفة اليونانية بعد أن امتزجت بآراء الأفلاطونية المدحثة وليس للعرب في ذلك فضل يذكر سوى أن نقلوا علوم اليونان وفلسفتهم إلى العصر الوسيط بأوربا المسيحية. ونستطيع أن نلخص الدعاوى التي قال بها هذان المستشرقان حول هذه القضية في أمور محددة: ١- إن العقلية الآرية أفضل من العقلية السامية. ٢- إن العقلية العربية تنزع بطبعها إلى رؤية الأشياء متباعدة؛ فهي تدرك الجزيئات ولا تدرك الأمور الكلية. ٣- إن الفلسفة الإسلامية ليست إلا تكرارًا مشوها لآراء أفلاطون وأرسطو.

стр. 58

٤- إن العقلية العربية عاجزة عن الابتكار وليس لها في عالم الفكر من فضل يستحق أن يذكر. وقد يكون الأمر سهلا ومقبولا لو أن هذه الاتهامات كانت قاصرة على المستشرقين وحدهم، إلا أن بعض الدارسين قد أخذ هذه الدعاوى وآمن بها واعتبرها غير قابلة للنقاش أو الرفض. ولقد تردد صدى هذه الدعاوى في كثير من المؤلفات الحديثة وعلى صفحات الصحف اليومية والأسبوعية، وهذا في حد ذاته يعتبر هدفًا مقصودًا لحملات التشكيك الموجهة ضد الثقافة الإسلامية وتراثها، ونودُّ أن ننبِّهَ هنا إلى حقيقة مهمة جدًّا: إننا لو فتشنا نحن في الثقافة الغربية وتاريخها وحاولنا أن ننقدها بنفس المقاييس التي تناول بها المستشرقون علماءنا وأسلافنا لما نجا منهم واحد، وهذا أرسطو أعظم فلاسفة اليونان والغرب وقع في كثير من الأخطاء التي كانت أوربا تدين بها على أنها مسلَّمات بديهية حتى اكتشف خطأه في القرن الخامس عشر، فلقد رفض أرسطو المذهب القائل بأن أصل الوجود هو الذرة، وأخذ بنظرية العناصر الأربعة القائلة بأن أصل الأشياء هو الماء والهواء والنار والتراب، وهذه النظرية قد رفضها مفكرو اليونان قبل أرسطو؛ لظهور فسادها، وقال أرسطو بأن الجسمين المختلفي الثقل إذا سقطا من شاهق؛ فإن سرعتهما في السقوط تتناسب مع ثقلها تناسبًا رأسيًّا، ومعنى ذلك أننا إذا ألقينا من شاهق حجرين وزن أحدهما كيلو جرام ووزن الأخر

стр. 59

نصف الكيلو، فإن الحجر الأول يصل إلى الأرض في نصف المدة التي يستغرقها الحجر الثاني، وهذا قد ثبت بطلانه كما هو معروف في علوم الطبيعة والرياضيات من قانون الثقل النوعي ومقاومة الماء والهواء للأجسام. وهذا لا يعيب أرسطو، كما لا يعيب بعض مفكري الإسلام إذا وقعوا في أخطاء، فإذا أخذ المستشرقون على العرب أخطاء ومآخذ، فهذا شيء لم تخل منه أمة من الأمم حتى تخلو منه الأمة العربية، وأما إذا كانت مآخذ المستشرقين على الثقافة العربية بهدف إنكار أصالتها وسلب فضلها على مسار الحضارة الإنسانية، فمن واجبنا أن نكشف النقاب عن جهود علمائنا وعن فضل الثقافة العربية على النهضة الحديثة، وسوف تكون هذه الدعاوى التي وجهها المستشرقون إلى الثقافة العربية هي مدخلنا إلى توضيح ما للفكر الإسلامي من أصالة وما له من دور هام في حمل لواء الحضارة الإنساية في وقت كانت أوروبا منغمسة في جهالة القرون الوسطى مكبلة بقيود التقليد الأعمى للحضارات السابقة.

стр. 60

الرد على "رينان ": أولا: أما عن قول رينان بأن العقلية العربية أقل شأنا من العقلية الآرية فهذه دعوى تفتقر إلى الدليل البرهاني، ولا يملك رينان في دعواه هذه إلا التعصب للجنس والثقافة، وما أشبه هذه الدعوى بأكذوبة إسرائيل في وقتنا الحاضر بأنهم شعب الله المختار الذي يجب أن يسود العالم، ولعل هذه الدعوى الأخيرة امتداد لسابقتها، وما أسهل على المرء أن يرسل الدعاوى العامة على علاتها بلا دليل؛ لكي ينفس بها عن رغبة ملحة أو هوى مكبوت، والمنهج العلمي الصحيح يرفض تماما أمثال هذه الدعاوى، ومن الخطأ الفاحش أن يظن رينان أن الفلسفة الإسلامية وليدة الفكر العربي وحده، أو العقلية العربية وحدها؛ فلقد أسهم فيها مفكرون من شعوب أخرى مختلفة الجنس واللون من فرس وهنود وأتراك وسوريين ومصريين وبربر وأندلسيين. ثانيا: الإسلام قد حث أبناءه على المعرفة وطلب العلم ولم يقف في وجه طالب العلم أيا كان هذا العلم -عكس دعوى رينان- بل أن الإسلام جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وقال لأبنائه اطلبوا العلم ولو بالصين، وكلمة العلم ينبغي أن تفهم هنا بعناه العام المطلق الذي يشمل العلم الديني والدنيوي معًا، وليس كما يدعيه بعض الباحثين بأن الإسلام لا يعرف العلم، إلا بالمعنى الديني فقط، ولو كان المراد بالعلم هنا معناه العلم الديني فقط لما حثهم الرسول على الترحال في طلبه إلى الصين في الوقت الذي كان هو موجودا بين أظهرهم وهو مصدر كل علم ديني للمسلمين. ثالثا: وإذا كان الجزء الأول من دعوى رينان يدل على تعصبه لجنسه فإن الجزء الأخير من هذه الدعاوى يدل على جهله بروح الإسلام وموقفه من العلم والنظر والتأمل الفكري المنزه عن

стр. 61

الهوى والغرض إلا لطلبه الحق، فما كان الإسلام، وكتابه المقدس يدعو إلى التأمل في آفاق السموات والأرض؛ ليضيق الخناق على أبنائه ويمنعهم من النظر والتأمل في هذا الكون وما فيه من آيات. رابعًا: على أن رينان قد تناقض مع نفسه في موقفه من الفكر الإسلامي، فهو حين ينكر الفلسفة الإسلامية ويجحد أصالتها في كتابه تاريخ اللغات السامية يعود في كتابه عن ابن رشد ومذهبه، فيقرر أن هناك فلسفة إسلامية مستقلة يجب أن نتلمسها في مظانها الخاصة بها، وأن العرب قد عرفوا كيف يخلقون لأنفسهم فلسفة ملأى بالعناصر الخاصة بهم، وإن الحركة الفلسفية الحقيقية في الإسلام ينبغي أن تتلمس في مذاهب المتكلمين، وهذا الموقف المضطرب إن دلَّ على شيء؛ فإنما يدل على أن أحكام رينان على الفلسفة الإسلامية ليست مؤسسة على النظرة العلمية النزيهة، ولا على معرفة تامة بالفلسفة الإسلامية وتراثها. خامسا: وأما اتهام رينان وديبور للتفكير العربي بأنه يهتم بالجزئيات المتباعدة فذلك شيء ينبغي أن يحمد للعرب كما قال بذلك أستاذنا المرحوم محمود قاسم؛ لأن المنهج العلمي الحديث يقوم أساسًا على خطوات محددة، وأول هذه الخطوات هي ما يسمى بمرحلة البحث، وفيها يقوم الباحث بجمع الملاحظات والتجارب في العلوم الطبيعية والإنسانية على سواء، وجمع الملاحظات ليس إلا ملاحظة الأشياء الجزئية المتباعدة، ثم يحاول الباحث أن يربط بين هذه الملاحظات الفردية بما يتخيله من علاقات ومناسبات تجمع بين المتباعد منها، وبهذا وحده يمكن للباحث أن يفسر الظواهر والوقائع التجريبية، فكيف يعد ذلك اتهاما وهو ركيزة من ركائز العلم التجريبي في القرن العشرين.

стр. 62

أخطاء ديبور مدخل ... أخطاء ديبور: وحين يناقش ديبور في دعواه أن الفلسفة الإسلامية ليست إلا تكرارًا لآراء أرسطو وأفلاطون بصورة مشوهة سوف نجد أن هذا الحكم فيه إجحاف بدور العرب وتجريد لهم من عبقريتهم التي أضافوها إلى الفلسفة اليونانية، وينبغي ألا ننكر أثر الفلسفة اليونانية على فلاسفة الإسلام وخاصة التقليديين منهم أمثال الفارابي وابن سينا، فلا شك أن الفلاسفة المسلمين قد أخذوا عن أرسطو بعض آرائه كما تأثروا بآراء أفلاطون أيضا، ولكن السؤال الآن هو: مَنْ مِنَ المفكرين لم يتأثر بمن سبقوه؟ وهذا حق مشروع لجميع الأجيال وليس هناك خلق من العدم كما يظن البعض، وفلسفة اليونان في جوهرها ليست إلا نتاجا لعباقرة سبقوا أفلاطون وأرسطو. وينبغي أن نتلمس مصادرها لدى قدماء المصريين وفلسفة الصين والفرس، وإذا كانت الفلسفة اليونانية مدينة بالفضل لما سبقها من آراء وأفكار، فلماذا نحرم الفلاسفة المسلمين من التأثر بمن سبقهم أيضا؟ وينبغي أن نشير هنا إلى أن تأثر هؤلاء بآراء أفلاطون وأرسطو لم يبلغ حد الإذعان والسيطرة لكل ما قالوه، بل نقدوها حينا ونقضوا بعضها أحيانا أخرى؛ فإن ابن سينا قد نقد أفلاطون واعترض

стр. 63

عليه في رأيه حول طبيعة النفس وجوهرها، كما أن ابن رشد قد رد كثيرًا من أقوال أرسطو في المنطق وطبيعة النفس، وألف ابن تيمية كتابا مستقلا عن نقض منطق أرسطو بين فيه تهافت هذا المنطق عن تحصيل الجديد من العلوم، ولا شك أن نقل العرب هذه العلوم إلى أوروبا كان فاتحة لعصر النهضة الحديثة، وهذا في حد ذاته مجهود كان لا بد منه؛ لبعث روح الحضارة التي كانت قد ماتت في أوروبا، ولقد تصدى للرد على هذه الدعاوى في القرن التاسع عشر السيد جمال الدين الأفغاني في كتابه "الرد على الدهريين"، ونشر هذا الرد في مجلة العروة الوثقى، كما رد علينا أيضا الإمام محمد عبده في مجلة المنار، وحين تجددت هذه الدعاوى بعد الحرب العالمية الأولى كتب الشيخ مصطفى عبد الرازق كتابه "تمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام" ناقش فيه هذه الأقوال مناقشة مستفيضة كما تناولها أيضا كل من الأستاذين الدكتور إبراهيم بيومي مدكور في كتابه العظيم "في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق"، والدكتور محمود قاسم في كتابه "نظرية المعرفة عند ابن رشد". ج- وأما قول ديبور بأن العقل العربي لم يبتكر شيئا في مجال الفكر يستحق التسجيل فيكفي لإبطال ذلك أن نورد هنا بعض الأمثلة من مختلف العلوم التي كان للعرب فضل السبق إليها والابتكار فيها، ولن يكون اختيارنا لهذه الأمثلة اختيارًا عشوائيًّا، وإنما سنورد أمثلة من العلوم التجريبية التي هي بحق مقياس النهضة الأوربية في عصرنا الحاضر.

стр. 64

١- في العلوم الرياضية: إن تاريخ الرياضيات المعاصر يدين بالفضل إلى حدٍّ كبير لتراث العرب وما خلفوه من مؤلفات في هذا العلم ظلت حبيسة المكتبات والمتاحف وفي بطون المخطوطات إلى وقت قريب، وللأسف الشديد فقد اهتم غير المسلمين وغير العرب بهذا التراث، ونفضوا عنه غبار الزمن، وفتحوا له صدورهم وعقولهم، وأنشأوا لإحيائه المؤسسات والمراكز البحثية، ورصدوا لطباعته ونشره الميزانيات الضخمة، بل إن العرب والمسلمين لم يعرفوا قيمة هذا التراث إلا بعد أن وقف الغرب على نشره وتحقيقه الجهود الكبيرة، ولعل من أكبر المهتمين بإبراز دور العرب في النهضة العلمية في أوربا "جورج سارتون" في كتابه "تاريخ العلم"، و"ل. ديورانت" في كتابه "قصة الحضارة"، كما أفرد العالم الإيطالي "أولدو ميلي OLDO MIELI" مجلدًا خاصًّا لبيان فضل العرب في الرياضيات، وكذلك ينبغي ألا ننكر فضل "يوسكوفيتش" في كتابه "تاريخ الرياضيات"؛ حيث عقد فصلا خاصا أسماه الرياضيات العربية. ولقد اطلع العرب على علوم الأمم الأخرى حيث امتزجت الحضارة الإسلامية بالحضارات المجاورة للأمم الأخرى في الهند وفارس، وصارت بغداد بوتقة انصهرت فيها هذه الحضارات في مدرستي الكوفة، والبصرة، وفي بغداد العاصمة التي تأسست فيها مدرسة رياضية كبيرة تمت فيها ترجمة رياضيات "أرشميدس" و"بطليموس"، وانتقلت إليها نظريات "فيثاغورس" في الهندسة.

стр. 65

ولم يقف جهد العقل العربي في الرياضيات على مجرد الاختراع فقط بل تعدى ذلك إلى الاختراع والابتكار: ١- الأعداد: وقف العرب على نظام الأعداد والترقيم للأمم المجاورة، واستحسنوا فيها الأرقام الهندية فأخذوا بها وطورها ونظموا أشكالها حيث لم تكن موحدة بالشكل الذي نعرفه الآن، فوحدها العرب وهذبوها وتفرع عنها نوعان من الأرقام عرفت إحداهما بالأرقام الهندسية وهي التي يستعملها أكثر شعوب العالم العربي الآن: كما عرفت الثانية بالأرقام الغبارية أو الأرقام "الفاسية" نسبة إلى فاس بالمغرب واشتهرت هذه الأرقام الأخيرة ببلاد المغرب والأندلس ولا زالت تستعمل بها حتى الآن، وهي التي تعرف في أوربا بالأرقام العربية، في سلسلة مضاعفات العشرة والمائة والألف. ومن الجدير بالذكر أن كلمة صفر عربية وهي ترجمة للكلمة السنكريتية sumga وتعني الفراغ. وأول تمثيل الصفر على شكل نقطة ظهر على قرطاس يرجع تاريخه إلى عام ٨٧٣م١، والصفر لم يكتشف في الهند إلا في القرن الثامن الميلادي ونقله العرب عنهم وبدأوا العمل به قبل أن يتقدم الهنود في استعماله ومن العجيب حقا أن أول كتاب ألف بالعربية

стр. 66

وظهر فيه الصفر مرسومًا نقطة كما نرسمه اليوم ظهر سنة ٢٧٤هـ الموافق ٨٧٤م. بينما أول نقش هندي ظهر فيه الصفر يرجع تاريخه إلى سنة ٨٧٦م أي بعد استعمال العرب الصفة في كتبهم بعامين١. ولا شك أن العالم عرف الأرقام العددية والصفر الهندي عن طريق العرب وليس عن طريق الهنود ولا تزال هذه الأرقام تحمل اسمها العربي إلى اليوم في أوروبا، وكذلك الصفر فإنه في الإنجليزية صيفر "cipher" وفي الألمانية تصفر "ziffer" وفي الفرنسية شيفر "chiffre" وفي الإيطالية شفرا "cifra" وبواسطة الصفر أمكن تحديد مراتب الأعداد وقيمتها حسب موضع الصفر منها يمينا أو يساوا، والعرب لم يفهموا الصفر على أنه عدم كما يفهم الناس ذلك خطأ ولا كما فهمه الأوروبيون أول أمرهم حين سموه "nol"، ويعنون به العدم بل أن الصفر قيمة ما يطرأ بسببها تبدل أساسي على الأعداد المأخوذة معه حسب موضعه فيها يمينا أو يسارا. ب- ولقد استطاع غياث الدين الكاشي في أول القرن التاسع الهجري أن يستخرج نسبة محيط الدائرة إلى قطرها بصورة أدق مما نعرفه عليها اليوم٢. ج- وأول من ألف في الجبر هو المفكر العربي "الخوارزمي" صاحب كتاب حساب الجبر والمقابلة. واستطاع أن يحل معادلات من الدرجة الأولى والثانية والثالثة، واستطاع عمر الخيام المتوفى ٥١٧هـ حل المعادلات من الدرجة الرابعة، وهذا أرقى ما وصل إليه علماء الرياضيات في عصرنا الحاضر. د- كما سبق العرب إلى اكتشاف النظرية القائلة بأن مجموع عددين مكعبين لا يكون عددا مكعبا وهذا هو أساس النظرية التي اشتهر بها الرياضي الفرنسي "بيبر" المتوفي سنة ١٦٦٥م، وفضل العرب على علم التفاضل والتكامل لا ينكره أحد.

стр. 67

٢- في العلوم الطبيعية: اهتم العرب بهذه العلوم في فترة مبكرة من التاريخ فلقد اشتغل خالد بن يزيد الملقب بحكيم آل مروان بعلم الكيمياء في القرن الأول للهجرة وانتدب لذلك جماعة من مدرسة الإسكندر بمصر سنة ٦٨٣م، وأمر أحدهم وهو اصطفن الإسكندري بنقل كتب الكيمياء إلى العربية حتى يقف العرب على حقيقتها، ولعل هذه أول ترجمة حدثت في الإسلام، ثم جاء جابر بن حيان، فبلغ في ذلك شأنًا عظيمًا، على أن مجهودات البيروني وابن الهيثم والكندي في هذه العلوم لا يجهلها أحد من المشتغلين بها، ويكفي أن كتاب "المناظر في البصريات" لابن الهيثم في قوانين الضوء يعد جزءًا من العلم الحديث إلى اليوم خاصة إذا علمنا أن كتب ابن الهيثم ترجمت إلى اللاتينية في زمن متقدم على النهضة الحديثة، ولقد أفاد منه روجر بيكون سنة ١٢٩٢ وجون بكام سنة ١٢٩١هـ ومما يدعو إلى الدهشة حقًّا أن عالما متقدما كابن الهيثم

стр. 68

قد راودته فكرة بناء السد العالي للانتفاع بنيل مصر قبل تنفيذ هذه الفكرة بما يزيد على الألف عام. ومن الذي يستطيع أن ينكر فضل العرب في الطب بعد أن ذاعت شهرة الأطباء العرب في أوربا كلها عبر العصور الوسطى، فلقد عرف العرب الطب والتشريح وعلوم الصيدلة في وقت مبكر من التاريخ ابتداء من الكندي والرازي وعلي بن العباس، كما ظهرت المؤلفات الطبية في الفكر العربي، أما كتاب القانون لابن سينا فأشهر من أن يشار إليه، فلقد اعتبرته الجامعات الأوروبية أهم مرجع في الطب في العصور الوسطى، فكان يدرَّس في مدارسها وجامعاتها على حد سواء، ولقد ترجمه إلى اللاتينية "جيزار الكريموني المتوفى سنة ١١٨٧م" في طليطة، ولم تكد طبعته اللاتينية تظهر في حوالي سنة ١٤٧٣م حتى لقي الكتاب شهرة كبيرة فنقل إلى اللهجات المحلية وأول من اعتراف بالقانون كمراجع أساسي في الطب هي جامعة بولونا في القرن الثالث عشر للميلاد، حيث أنشئت كلية العلوم في تلك الجامعة سنة ١٢٦٠م ومنذ ذلك التاريخ بدأ قانون ابن سينا غزو جامعات أوربا وإنجلترا واسكتلاندا، وأصح هذا الكتاب يمثل نصف المقررات الطبية في أواخر القرن الخامس عشر. وترجع قيمة هذا الكتاب إلى أن مؤلفه قد عرض فيه الكثير من الأمراض ووصف علاجها مع ملاحظات مبتكرة في تشخيص نوع المرض ووصف العلاج له، ومن ابتكارات ابن سينا في هذا الكتاب تعرضه لخصائص العدوى في أمراض الرئة والأمراض التناسلية والاضطرابات العصبية والنفسية عن طريق تحليلاته التي يعد مذهبه فيها منهجا قائما بذاته.

стр. 69

٣- في مناهج العلوم: لعل من أحدث الدراسات التي يعنى بها الآن دراسة المناهج للعلوم المختلفة وتطبيقاتها، وإذا كان المختصون بدارسة مناهج البحث في العلوم يولون أهمية كبرى لما يجدونه من تحديد دقيق لهذه المناهج لدى مفكري أوروبا المحدثين، فمن الأجدر بهم أن يبحثوا عن أصول لهذه المناهج في تاريخ الفكر الإسلامي حتى ينسبوا الفضل إلى أهله، ولقد قام المرحوم الدكتور محمود قاسم بإلقاء بحث عن دور العرب في تحديد مناهج العلوم الإنسانية، كشف فيه زيف ما يدعيه المستشرقون من أن العرب ليس لهم فضل يُذكَر في هذا المجال. ولا يتسع المجال هنا لعرض تفاصيل ما قام به العرب من دور هام في تحديد مناهج العلوم؛ لأن هذه المناهج كانت مطبقة فعلا في العلوم العربية والإسلامية فالإمام الشافعي قد عرف القياس والاستقراء وطبقهما في مذهبه الفقهي، وكذا علماء الفقه والأصول واللغة فضلا عما قام به علماء الحديث في هذا المجال، ويكفي أن نشير هنا إلى نموذجين مختلفين من مفكري الإسلام كابن تيمية وابن خلدون لنرى أن عناصر المنهج العلمي الحديث كانت واضحة لديهما تمام الوضوح.

стр. 70

أولا: أما ابن تيمية فإنه يعكس في تراثه كله العقلية المنهجية بوضوح كامل رغم تشدده مع خصومه من الفلاسفة وعلماء الكلام والصوفية، ولقد هاجم هذا المفكر الفلسفة الأرسطية المتمثلة في تراث الفارابي وابن سينا كما هاجم الغزالي والرازي في كثير من كتبه، لكنه كان يعتمد في موقفه من هؤلاء وأولئك على الاستقراء الكامل لرأي مخالفيه في المشاكل الفلسفية المتعددة فيجمع العناصر الفرعية لآرائهم كل على حدة، ثم يربط بينها ويستنتج منها الحلول والأحكام التي يصدرها على هؤلاء، وهذا المنهج الذي طبقه ابن تيمية قد هداه إلى اكتشاف أوجه النقص في المنهج اليوناني في منطق أرسطو بالذات، ووضع لكشف أخطاء المنطق الأرسطي كتابين هما "نقض المنطق، والرد على المنطقيين"، وكشف ابن تيمية في هذين الكتابين عن قواعد منهجية كبرى وجدناها مطبقة لدى مفكري أوروبا في القرن السابع عشر، فمثلا نقض ابن تيمية الفكرة التي سادت في أوربا عصورا طويلة وهي القائلة بأن منطق أرسطو هو الأداة أو المنهج العلمي الذي يجب تحصيله كشرط ضروري لكسب المعرفة في مختلف فروع الدراسة، ويقول ابن تيمية: "إن الحاذقين في العلوم الطبيعية والطبية لم يستعينوا بالمنطق وأبو الطب أبقراط له كلام مقبول من جميع الأطباء، وقد وجدنا مصدق قوله بالتجارب، ومع ذلك لم يستعن بشيء من هذه الصناعة "المنطق".

стр. 71

كذلك فطن ابن تيمية إلى أن منطق أرسطو ليس في الحقيقة إلا تحصيل حاصل بمعنى أنه لا يضيف جديدًا من المعارف إلى من يأخذ به، وأحسن ما يقدمه المنطق أنه يستخدم في عرض المعلومات التي تكون قد اكتسبت بخبراتنا السابقة. ويقرر ابن تيمية أن علماء الطب والحساب والنحو وأهل العلوم المختلفة لا يستعينون في مؤلفاتهم بالحدود المنطقية، وأن القياس المنطقي الذي وضعوه وحددوه لا يُعلم بمجرده شيء من العلوم الكلية الثابتة في الخارج، وينتهي ابن تيمية إلى تقرير حقيقة منطق أرسطو حين يقول: "أما بعد؛ فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به الغبي، ولكني كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيته من صدق الكثير منها، ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه". وإذا تركنا موقف ابن تيمية من منطق أرسطو لنرى ما يقول ديكارت في القرن السابع عشر عن هذا المنطق لم تجد لديه أكثر مما قال ابن تيمية قبل ذلك بثلاثة قرون، لقد قال ديكارت إن القياس يستخدم بالأحرى؛ لكي يفسر المرء للآخرين الأشياء التي يعلمونها بدلا من أن يكشف لهم عن تلك التي يجهلونها، ولذلك فمن واجب المفكرين أن يقلعوا عن استخدام القياس على النحو الذي كان يفعله أتباع أرسطو حتى القرن السابع عشر، وأوجست كونت كان يرد في القرن الماضي ما قاله ابن تيمية عن منطق أرسطو، أما في القرن الثالث عشر الذي كانت علوم العرب تغزو فيه أوروبا فإننا نجد

стр. 72

روجر بيكون يدعو معاصريه ألا يصبوا لعناتهم على الرياضة والملاحظة والتجارب بدعوى أنها علوم عربية وإسلامية، بل عليهم أن يفسحوا المجال لها إيمانا منه بأن ذلك هو الطريق إلى منهج جديد وروجر بيكون هذا هو الذي لقبه رينان بأنه الأمير الحقيقي للفكر الأوروبي في القرن الثالث عشر١. ثانيا: أما ابن خلدون فبالإضافة إلى أنه أول من أسس علم الاجتماع على منهج علمي سليم قائم على استقراء أحوال البلاد وظروفها الطبيعية فإنه قد اهتدى إلى أن هناك نوعين من الاستقراء أحدهما فطري والآخر علمي، وهذه الفكرة وجدناها عند كلود بارنارد في القرن التاسع عشر وشرح كل من هذين المفكرين لهذين النوعين من الاستقراء يكاد يكون واحدًا، فرغم اختلاف الاستقراء الفطري عن الاستقراء العلمي في الدرجة إلا أن كلا منهما طريق صحيح لكسب المعلومات الجديد التي لا يمكن الوصول إليهما عن طريق القياس اليوناني، وابن خلدون يشرح الاستقراء الفطري بأنه عبارة عن المعاني التي يستخدمها المرء في التطبيق العلمي دون أن يشعر بها؛ لأنها من المعاني التي اكتسبها عن طريق الخبرة الزمنية، وهذه المعاني لا تبعد عن الشعور ولا يلتفت إليها المرء؛ ليتعمق فيها، يقول ابن خلدون: " ... بل كلها تدرك بالتجربة وبها تستفيد؛ لأنها

стр. 73

معانٍ جزئية تتعلق بالمحسوسات وصدقها وكذبها يظهر قريبًا من الواقع، فيستفيد طالبها حصول العلم بها. وفي هذا النص نجد أن خطوات المنهج الاستقرائي الفطري محددة وواضحة حيث يجمع المرء الوقائع الجزئية عن طريق التجارب اليومية، ثم يضع فروضًا تكاد تكون غير شعورية ثم يتحقق من صدقها أو كذبها بالواقع. وما سماه ابن خلدون بالاستقراء الفطري هو ما أطلق عليه كلود بارنارد بالخبرة العلمية غير الشعورية التي يكتسبها المرء بمباشرة الأشياء، ومع ذلك فمن الضروري أن تكون هذه المعرفة المكتسبة بهذا الطريق مصحوبة بتفكير تجريبي غامض يتم بطريقة غير شعورية يقوم بها الإنسان دون أن يدري، وفرَّق ابن خلدون بين الاستقراء الفطري والعلمي، فإن الاستقراء العلمي يتم بطريقة شعورية للوصول إلى غاية محددة، وذلك بأن ينتقل الباحث بطريقة مقصودة من دراسة الأمثلة الجزئية حتى يصل إلى القاعدة العامة. هذه بعض النماذج التي ذخر الفكر العربي بالكثير منها في وقت كانت أوروبا تقف فيه من هذا التراث موقف التلميذ المتلقي، ولا أدلّ على ذلك مما كتب في دائرة المعارف البريطانية١. لا يستطيع أحد أن ينكر ما اتصف به التفكير الغربي في العصور الوسط من البعد التام عن العلوم وعن النقد. إن وجود شخص واحد مثل روجر بيكون في عصر ما لا يبرئ ذلك العصر من تهمة الجهل: "ولقد أبدى بيكون إعجابه في أكثر من موقف من الرجل الذي يريد أن يبحث في الفلسفة دون أن يعرف اللغة العربية٢، وهذا يعتبر اعترافا صريحا من روجر بيكون بقيمة الزاد الحضاري الذي أمكن أن تقدمه هذه اللغة في تراثها، ولا يخفى أن هذا المفكر نفسه قد أفاد من هذه اللغة وتراثها بحيث اعتبره الأوروبيون أبا للفكر الحديث.

стр. 74

٣- بين الاستشراق والاستعمار: يعبر الاستشراق من أهم الوسائل التي مهدت للاستعمار العسكري وغزو الشرق ثقافيا وعسكريا والاستعمار الحديث يعتمد على المستشرقين بصورة فعالة في دراسة نفسية الشعوب، وعاداتها وتقاليدها، وأفضل الوسائل للسيطرة عليها بأقل يدر ممكن من التكاليف، والذي يتابع أحداث القرن التاسع عشر والقرن العشرين "وهما أكثر القرون في النشاط الاستعماري" يعلم مدى الصلة القوية بين الاستعمار والاستشراق، ومن هنا فإننا نجد في كثير من سفارات الدول الاستعمار مستشرقين عاملين بها، ويقع على عاتق هؤلاء المستشرقين مهمة الاتصال بالعقول المفكرة في البلاد التي يريدون السيطرة عليها ثقافيًّا أو عسكريًّا، وكذلك الاتصال بكبار العاملين في المناصب القيادية في مجالات الثقافة والإعلام والتعليم العام والجامعي، ولا تنفصهم الوسائل المناسبة في محاولة احتواء هذه

стр. 75

الشخصيات عن طريق الصداقة أو المشاركة في أعمال ثقافية أو تقديم الخبرة لهم، أو ... أو ... إلخ، وعن طريق هذه الشخصيات يستطيعون تنفيذ خططهم في غزو البلاد فكريًّا ثم عسكريًّا إذا اقتضى الأمر، وقد استطاع الاستعمار الحديث أن يغزو معظم البلاد الإسلامية فكريًّا وثقافيًّا عن هذا الطريق، كما استطاع أن ينفذ خططه في السيطرة على عقول كثير من المفكرين في بلادهم؛ ليكونوا هم الأداة لتنفيذ برامج الاستعمار في هذه البلاد. وبلغ الأمر مبلغا خطيرا، حتى إن كثيرا من المشتغلين بالثقافة جعلوا أنفسهم بمثابة وكلاء عن المستشرقين في توزيع أفكارهم والدعوة إلى تبني آرائهم في الفكر الإسلامي وقضاياه، فهذا مندوب عن ماركس والشيوعية، وذاك مندوب عن الوضعية والوضعيين، وثالثهم مندوب الوجودية والوجوديين، وآخر يدعو إلى القول بتأنيس الإله أو تأليه الإنسان ... إلخ، وامتلأت المؤسسات الثقافية في مصر والشام وشمال أفريقيا بوكلاء معتمدين؛ لتوزيع الفكر الاستشراقي على المؤسسات العربية، وشحذ الوجدان العربي بمفاهيمهم تحت مقولات مضللة كالتنوير والتقدمية والنهضوية ... إلخ. ولقد عمد هؤلاء إلى إثارة الفتنة حول بعض القضايا الخلافية في الفكر الإسلامي وعملوا على إحياء الخلافات حولها. فلقد أثاروا فتنة كبيرة حول ما أسموه بقضايا المرأة في الإسلام، مثل قضية الطلاق، وتعدد الزوجات، والعصمة، وتعدد
следующие страницы →