Полный текст (1 471 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
عمل المعتني بالكتاب (عن موسوعة صحيح البخاري) [¬*]:
اعتمدنا في تحقيق كتاب مشارق الأنوار على ثلاث نسخ خطية:
النسخة الأولى:
ورمزنا لها (م)
عدد أوراقها: ٤٤٦ وفي كل ورقة من ٣٢ إلى ٣٥ سطراً، رُتبت حروفها على الترتيب المغربي.
وهي تعود إلى العصر المملوكي تاريخ نسخها صبيحة يوم الجمعة رابع ذي القعدة المحرم عام ستة وخمسين وثماني مئة بمكة المشرفة، إلا أنَّ الرطوبة أثرت فيها فلم يتضح اسم الناسخ.
وثبت وقف المرحوم أزبك أتابك العساكر بالديار المصرية رحمه الله تعالى على الورقة الأولى منها.
وهي نسخة قوية، ضُبطت فيها بعض الكلمات على قلّة إلا أنَّها عند الاختلاف أقوى النسخ مقارنةً بباقي الأصول التي اعتمدنا عليها، وثبت على حواشيها بعض البلاغات وإشارات قليلة إلى نسخ أخرى مما يدل على مقابلتها والعناية بضبطها.
لكن سقطت فيها بعض الأوراق لأنها غير صالحة للتصوير كما ذُكر في بيانات النسخة على الغلاف.
النسخة الثانية:
رمزنا لها (غ).
عدد أوراقها ٤٧٩، في كل ورقة حوالي ٢٣ سطراً، رُتبت حروفها ترتيباً مشرقياً.
خطها نسخي واضح، ومُيِّزت الجذور فيها باللون الأحمر.
ولم يثبت عليها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، إلا أنها نسخة قوية، كما يظهر بمقارنتها مع باقي الأصول، وهي مضبوطة بالشكل التام، والسقط فيها نادر، وفي مواضع يسيرة من حواشيها تصحيحات وتعليقات يسيرة.
وخُرم منها حوالي أربعين ورقة وهي من أول الاختلاف والوهم من (ف ي ض) إلى الاختلاف والوهم من (ك ي د)، وأُكملت بخط مغاير جديد لا يتجاوز عمره مائة سنة.
ولكنّها يختلط بالمطالع في بعض الأحيان كما هو واضح من نسخ المطالع، ويعلق نقلاً عن المطالع أحياناً أخرى وهذا أكبر إشكال فيها.
النسخة الثالثة:
رمزنا لها (ت)
عدد أوراقها: ٢٩٨ وفي كل ورقة منها حوالي ٢٥ سطراً، رُتبت حروفها ترتيباً مغربياً، وعلى ورقة الغلاف فهرس لجذور الأحرف.
وعلى الورقة الأولى منها تملك محمد بن محمد بن عبد المؤمن، ومحي تاريخ التملك، وعليها ختم تملك كاشف زاده محمد عاجل وتاريخه ١٢٧٥ هـ
خطها مغربي واضح، قليل الضبط، وأشارت حواشي الأوراق الأولى منها إلى نسخ أخرى، مما يدل على مقابلتها بها.
وهي نسخة ناقصة تنتهي عند أول حرف النون، كما أتت الرطوبة على زوايا أوراق قليلة منها نبهنا عليها في المقابلة.
الرموز المستعملة:
خ للبخاري، م لمسلم، ط للموطأ، خت البخاري تعليقاً، د لأبي داود، ت للترمذي، ن للنسائي، هـ لابن ماجه، حم لأحمد في المسند، وما وضع أمام تخريجه * من الرموز السابقة فهو للدلالة على روايته بالمعنى.
_________
[¬*] (تعليق الشاملة): هذا العمل خاص بنص النسخة الإلكترونية المنشورة بموسوعة صحيح البخاري، وهو نفسه النص المنشور هنا بالمكتبة الشاملة. أما المطبوع فقد زيد في تحقيقه وحواشيه
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى الله على سيِّدنا ومولانا محمَّدٍ وآله وسلم تسليماً
قال الشَّيخُ الإمامُ العالمُ الحافظُ الفقيهُ القاضي أبو الفَضلِ عِياضُ بنُ موسى بنِ عِياضٍ اليَحصبيُّ ﵀:
الحمدُ لله مُظهِرِ دينِهِ المُبِينِ، وحافِظِه من شُبَهِ المُبطِلين، وتحرِيفِ الجاهِلين، بعَث محمَّداً ﷺ إلى كافَّةِ خَلْقِه، بكِتابِه الَّذي لا يَأتِيه الباطلُ من بينِ يدَيه ولا من خَلفِه، وضمِنَ تعالى حِفظَه؛ فما قدَر العدُوُّ على إدْخالِ الخلَلِ في لَفظِه، مع كَثرةِ الجاحدِ الجاهدِ على إطفاءِ نُورِه، وظُهرَةِ المُعادي المُعاند لظُهورِه.
وبيَّن على لسانِ نبيِّه ﷺ من مَناهجِه وشِرْعَتِه ما وكَّل نفيَ التَّحريفِ عنه لعُدُولِ أعلام الهُدى من أمَّته، فلم يزالوا ﵃ يذبُّون عن حِمى السُّننِ، ويقُومُون لله بهَديهِم القَوِيم الحسَن، ويُنبِّهون على مَن يُتَّهم بهَتكِ حَريمِها، ومَزجِ صحيحِها بسَقيمِها، حتَّى بان الصِّدقُ من المَينِ، وبان الصُّبحُ لذي عَينَينِ، وتميَّز الخبيثُ من الطَّيِّبِ، وتبيَّن الرُّشدُ من الغَيِّ، واستقامَ مِيسَمُ الصَّحيح، وأبدَى عن الرَّغوةِ الصَّريح.
ثمَّ نظروا ﵏ بعد هذا التَّمييزِ العزيزِ، والتَّصريحِ المُريحِ، نظراً آخرَ في الصَّحيحِ، فيما يقَع لآفةِ البَشريَّة من ثِقاتِ رُوَاته من وَهمٍ وغَفلةٍ، فنقَّبوا في البِلاد عن أسْبابِها، وهتَكُوا ببارعِ مَعرِفتِهم ولُطف فِطنَتهم سُجُفَ حِجابها، حتَّى وقَفوا على سِرِّها، ووقَعوا على خَبيئةِ أمرِها، فأبانُوا عِلَلَها، وقيَّدوا مُهمَلَها، وأقاموا مُحرَّفَها، وعانَوا سَقيمَها، وصحَّحوا مُصحَّفها، وأبرَزوا في كلِّ ذلك تصانيفَ كثُرتْ صنُوفُها، وظهَر شفُوفُها، واتَّخذها العالَمُون قدوَةً، ونصبَها العالِمُون قِبْلةً، فجزاهُم الله عن سَعيِهِم الحَمِيد أحسَن ما جازى به أحبارَ ملَّةٍ.
стр. 3
ثمَّ كلَّت بعدَهم الهِمَم، وفتَرت الرَّغائبُ، وضعُف المَطلُوبُ والطَّالبُ، وقلَّ القائمُ مَقامَهم في المَشارِق والمَغاربِ، وكان جُهْدُ المُبرَّز في حملِ عِلْم السُّنن والآثارِ نَقْلَ ما أثبَت في كتابه، وأداءَ ما قيَّده فيه دون مَعرفةٍ لخطئه من صَوابه، إلَّا آحاداً من مَهرةِ العُلماءِ، وجَهابذَة الفُهماءِ، وأفراداً كدَرارِيِّ نُجومِ السَّماءِ، ولعَمرُ الله! إنَّ هذه بعدُ لَخُطَّةٌ أعطى صاحبُ الشَّريعةِ للمُتَّصف بها من الشَّرفِ والأجر قِسطَه، إذا وفَّى عملَه شرطَه، وأتقَن وعيَه وضبطَه، فقال ﵇ في الحديثِ الصَّحيحِ: «نَضَّر الله امرَأً سمِعَ مقالَتي فوَعَاها، فأدَّاها كما سمِعَها، فرُبَّ حامِلِ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حامِلِ فقهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ منه».
وقد كان فيمَن تقدَّم مَن هو بهذه السَّبيلِ منَ الاقتصار على أداء ما سمِع وروَى، وتبليغ ما ضبَط ووعَى، دون التَّكلُّم فيما لم يُحِط به علماً، أو التَّسوُّر على تبديل لفظٍ أو تأويل معنًى، وهي رُتبَةُ أكثر الرُّواة والمَشايخِ، وأمَّا الإتقانُ والمَعرفةُ ففي الأعلامِ والأئمَّةِ، لكنَّهم كانوا فيما تقدَّم كَثرَةً وجملَة.
وتسَاهَل النَّاسُ بعدُ في الأخذِ والأداءِ حتَّى أوْسَعوه اختلالاً، ولم يألوه خَبالاً، فتجِدُ الشَّيخَ المَسموعَ بشأنه وثَنائِه، المتكلَّفَ شاقَّ الرِّحلة للقائه، تنتظِم به المَحافل، ويتناوبُ الأخذَ عنه ما بين عالمٍ وجاهلٍ، وحضورُه كعَدَمِه؛ إذ لا يحفَظ حديثَه، ويُتقِن أداءَه وتحمُّله، ولا يُمسِك أصلَه فيعرِف خطَأه وخَللَه، بل يمسِكُ كتابَه سِواه، ممَّن لعلَّه لا يُوثَق بما يقوله ولا ما يراه، وربَّما كان مع الشَّيخِ مَن يتحدَّث معه، أو غدا مُستَثقِلاً نوماً، أو مفكِّراً في شؤُونه حتَّى لا يعقل ما سَمِعه، ولعلَّ الكتابَ المقرُوءَ عليه لم يَقرَأه قطُّ، ولا علِم ما فيه إلَّا في نوبته تلك، وإنَّما وَجَد سماعه عليه في حال صِغَره بخطِّ أبيه أو غَيرِه، أو ناوَله بعضُ مُتساهِلي الشُّيوخ ضبائرَ كتُبٍ وودائع أسْفار، لا يعلَم سوى ألقابها، أو أتته إجازةٌ فيه من بلدٍ سَحيقٍ بما لا يعرف وهو طِفل أو حَبَلُ حَبَلةٍ لم يُولَد بعدُ ولم يُنطَف، ثمَّ يُستعار للشَّيخِ كتابُ بعضِ من عُرِف سماعُه من شيُوخه أو يشتريه من السُّوق، ويَكتفي بأن يجِدَ عليه أثرَ دعوى بمُقابَلته وتَصحِيحِه.
ثمَّ ترَى الرَّاحلَ لهذا الشَّأنِ، الهاجرَ فيه حبيبَ الأهلِ ومألوفَ الأوطانِ، قد سلَك من التَّساهل
стр. 4
طبقَةً مِن عدَم ضَبطه لكتابه، وتشاغُلِه أثناءَ السَّماعِ بمُحادَثة جَليسِه، أو غير ذلك من أسبابه، وأكثرُهم يحضُر بغير كتابٍ، أو يشتَغِل بنَسْخِ غَيرِه، أو تراه مُنجَدلاً يغِطُّ في نَومِه، قد قنِعا معاً في الأخذ والتَّبليغ بسماع هينمةٍ لا يفهمان معنى خطابها، ولا يقفان على حقيقة خَطئها من صَوابها، ولا يُكَلَّمان إلَّا من وراء حِجابها، ورُبَّما حضَر المجلسَ الصَّبيُّ الَّذي لم يفهَم بعدُ عامَّة كلام أمِّه، ولا استَقلَّ بالميزِ والكَلامِ لما يَعنِيه من أمْرِه، فيَعتَقِدون سماعَه سماعاً، لاسيِّما إذا وفَّى أربَعَة أعوامٍ من عُمرِه، ويحتجُّون في ذلك بحَديثِ محمُود بنِ الرَّبيعِ، وقَولِه: «عقَلْتُ من النَّبيِّ ﷺ مجَّةً مجَّها في وَجهِي وأنا ابنُ أربَعِ سنِينَ»، ورُوِيَ: «وأنا ابنُ خمسِ سنِينَ».
وليس في عَقلِه هذه المجَّةَ على عَقلِه لكلِّ شيءٍ حُجَّة، ثمَّ إذا أُكمِل سماعُ الكتاب على الشَّيخِ كتَب سماعَ هذا الصَّبيَّ في أصلِه، أو كتَبه له الشَّيخُ في كتابِ أبيه أو غيرِه؛ ليَشهد له ذلك بصحَّة السَّماع في مُستأنَف عُمرِه، وأكثرُ سماعاتِ النَّاس في عَصرِنا وكثيرٍ من الزَّمان قبلَه بهذا السَّبيل.
ولهذا ما حدَّثنا الشَّيخُ الفقيه أبو محمَّدٍ عبدُ الرَّحمن بنُ عتَّابٍ بلَفظِه ﵀ وغيرُه عن الفقيه أبي عبدِ الله أبيه؛ أنَّه كان يقول: لا غنى في السَّماع عن الإجازة؛ لهذه العِلَل والمُسامَحة المُستَجازةِ.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ الشَّيخُ الصَّالحُ عن الحافظِ أبي ذرٍّ الهرويِّ إجازةً، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ بَكرٍ المالكيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ أبو سَهلٍ العطَّارُ بالإسكَندَرِية، قال: كان أحمدُ بنُ مُيسَّر يقول: الإجازةُ عندي على وَجهِها خيرٌ وأقوى في النَّقولِ من السَّماعِ الرَّديءِ.
وهبْكَ صحَّ هذا كلُّه في مُراعاة صِدق الخبر، أين تحرِّي المرويِّ وتَعيِين المخبَر؟! لا جرمَ -بحسَب هذا الخلَل، وتظاهر هذه العِلل- ما كثُر في المُصنَّفات والكتُب التَّغيِيرُ والفسادُ، وشمَل ذلك في كثير من المتونِ والإسناد، وشاع التَّحريفُ وذاع التَّصحيفُ، وتعدَّى ذلك منثورَ الرِّوايات إلى مجمُوعها، وعمَّ أصولَ الدَّواوين مع فرُوعها، حتَّى اعتَنى صُبابةُ أهلِ الإتقان والعِلم-وقليلٌ ما هم- بإقامة أوَدِها ومُعاناة رمَدِها، فلم يستمرَّ على الكافَّة تغييرُها جملةً لما أخبَر ﵇ عن عدُول
стр. 5
خلَفِ هذه الأمَّة، وتكلَّم الأكياسُ والنُّقَّاد من الرُّواة في ذلك بمِقدار ما أوتُوه، فمن بين غالٍ ومُقصِّرٍ، ومَشكورٍ عَليمٍ ومُتكلِّفٍ هَجومٍ، فمِنهُم من جسَر على إصلاحِ ما خالَف الصَّوابَ عنده، وغيَّر الرِّواية بمُنتهَى عِلمه، وقَدْر إدْراكِه، وربَّما كان غَلَطُهُ في ذلك أشدَّ من استِدْراكِه؛ لأنَّه متى فُتِح هذا البابُ لم يوثَقْ بعدُ بتَحمُّل روايةٍ، ولا أُنِس إلى الاعتداد بسَماعٍ، مع أنَّه قد لا يُسَلَّم له ما رآه، ولا يُوافَق على ما أتاه؛ إذ فوْقَ كلِّ ذي عِلمٍ عَليمٌ.
ولهذا سدَّ المحقِّقون بابَ الحديثِ على المعنى، وشدَّدوا فيه، وهو الحقُّ الَّذي أعتَقِده ولا أمتَرِيه؛ إذ بابُ الاحتمالِ مَفتوحٌ، والكلامُ للتَّأويلِ مُعَرَّض، وأفهامُ النَّاس مختَلِفة، والرَّأيُ ليس في صَدرٍ واحدٍ، والمرءُ يُفتَن بكَلامِه ونَظرِه، والمغترُّ يعتَقِد الكمالَ في نَفسِه، فإذا فُتِح هذا البابُ، وأُورِدَت الأخبارُ على ما يَنفهِم للرَّاوي منها لم يتحقَّق أصلُ المَشرُوع، ولم يكن الثَّاني بالحكم على كلام الأوَّل بأولى من كلام الثَّالث على كلام الثَّاني، فيتدرَّج التَّأويل، وتتناسَخُ الأقاويل، وكفى بالحجَّة على دَفعِ هذا الرَّأي العليل دعاؤُه ﵇ في الحديثِ المَشهورِ المتقدِّم لمن أدَّى ما سَمِعه كما سَمِعه بعد أن شرَط عليه حِفظَه ووَعْيَه.
ففي الحديثِ حجَّةٌ وكِفايةٌ وغُنيَةٌ في الفُصول الَّتي خُضْنا فيها آنفاً من صحة الرِّواية لغير الفقيه، واشتراطِ الوَعيِ والحفظِ في السَّماعِ والأداءِ كما سَمِع، وصحَّةِ النَّقلِ وتَسليمِ التَّأويلِ لأهل الفقه والمَعرِفةِ، وإبانة العِلَّة في مَنعِ نَقلِ الخبرِ على المعنى لأهل العلمِ وغيرِهم، بتنبيهه على
стр. 6
اختِلاف مَنازِل النَّاس في الدِّراية، وتفاوُتِهم في المَعرِفة وحُسنِ التَّأويلِ.
والصَّوابُ من هذا كلِّه لمن رُزِقَ فهماً وأُوتِي عِلماً إقرارُ ما سَمِعه كما سَمِعه ورواه، والتَّنبيهُ على ما انتَقَده في ذلك ورآه، حتَّى يجمَع الأمرين، ويترُكَ لمن جاء بعدَه النَّظرَ في الحرفَين، وهذه كانت طريقُ السَّلفِ فيما ظهَر لهم من الخَللِ فيما روَوه؛ من إيراده على وَجهِه، وتَبيِينِ الصَّوابِ فيه، أو طَرحِ الخطَأ البيِّن، والإضرابِ عن ذِكْره في الحديث جملَة، أو تبييضِ مَكانه والاقتصارِ على روَايةِ الصَّوابِ، أو الكنايةِ عنه بما يظهَر ويُفهَم لا على طريقِ القَطعِ.
وقد وقَع من ذلك في هذه الأمَّهاتِ ما سنُوقِف عليه، ونشيرُ في مَظَانِّه إليه، وهي الطَّريقةُ السَّليمةُ، ومذاهبُ الأئمَّة القويمة. فأمَّا الجَسارَةُ فخَسارَةٌ، فكثيراً ما رأينا من نبَّه بالخطأ على الصَّوابِ فعكَس الباب، ومن ذهَب مَذهَب الإصلاحِ والتَّغيير فقد سلَك كلَّ مَسلكٍ في الخطأِ، ودلَّاه رأيُه بغُرورٍ.
وقد وقَفتُ على عجائبَ في الوجهَين، وسَننبِّه من ذلك على ما ترى فيه العِبرَ، ونتَحقَّقُ من تحقيقه أنَّ الصَّوابَ مع من وقَف وأحْجَم، لا مع من صمَّم وجسَر.
وتَتأمَّل في هذه الفُصول ما تكلَّمنا عليه، وتكلَّم عليه الأشياخُ والحفَّاظُ، فيما أصلَحه أبو عبدِ الله بنُ وضَّاحٍ في «المُوطَّأ» على يحيى بنِ يحيى فيمن تقدَّم، وعلى ما أصلَحه القاضي أبو الوليدِ الكِنانيُّ على هذه الكتُب فيمن تأخَّر، وإظهارَ الحُجَج على الغلَط في كثيرٍ من ذلك الإصلاحِ، وبيانَ صحَّة الرِّواية في ذلك من الأحاديثِ الصِّحاحِ.
وكما وجَدنا مُعظماً من حفَّاظِ المتأخِّرين المَغارِبة أصلاً، البَغداديين نزُلاً، قد روَى حديثَ جُلَيبِيبٍ وقولَ المرأة: «أجُلَيْبِيبٌ إِنِيهِ!» فقيَّده (أَلجُلَيبِيبٍ الابنَةُ!) لما كان الحديثُ في خِطبَة ابنة هذه المَرأةِ، وهي قائِلَةُ هذا الكَلام، ولم ينفَهِم لمن لم يَعرِف معنى «إِنِيهِ»، وإلحاقَ بعضِ العَربِ هذه الزيادةَ الأسماءَ في الاستفهام عند الإنكار؛ ظنَّ أنَّه مُصحَّف من الابنة.
وكذلك فعَل في حَديثِ جُوَيرِيَة، وشكِّ يحيى بنِ يحيى في سَماعه اسمها في حَديثِه وقوله: (أحسِبُه قال: جُوَيرِيَةَ -أو الْبَتَّةَ- ابنَةَ الحارِثِ) فقيَّده (أو أَلِيته) بفَتحِ الهمزَةِ وكَسرِ اللَّامِ بعدها يَاء باثنتين تحتها مخفَّفة، وظنَّه اسماً، وأنَّ شَكَّ يحيى بنُ يحيى إنَّما هو في تَغيِير الاسم لا في
стр. 7
إثباته أو سُقوطه، ويحيى إنَّما شكَّ هل سمِعَ في الحديثِ زِيادَة اسمِ جُوَيرِية أو إنَّما سَمِع ابنة الحارث فقط، ثمَّ نفى الشَّكَّ عن نَفسِه بعد قوله: (أحسِبُه قال: جُوَيرِية، فقال: أو الْبتَّة) أي: إنِّي أُحقِّق أنَّه قالها، ومثل هذا في حديث يحيى بنِ يحيى كثيرٌ، وسَنذكُر منه في مَوضِعه إن شاء الله.
وكذلك روَى حديثَ إدامِ أهلِ الجنَّة: «بَالَامٌ» [خ¦٦٥٢٠] فقال: (باللَّأَى) يعني: الثَّورَ.
وهكذا وجَدتُ معظماً من شيُوخنا قد أصلَح في كتابه من مُسلمٍ في حديث أمِّ زَرعٍ من رِوايَته عن الحُلوانيِّ عن موسى بنِ إسماعيلَ عن سَعيدِ بنِ سلمَةَ في قوله: «وعَقْرُ جارتِها» فأصلَحه (وعُبْرُ جارَتِها) بالباء وضَمِّ العين اتِّباعاً لما رواه فيه ابنُ الأنباريِّ، وفسَّره بالاعتبار أو بالاستعبار على ما سَنذكُره؛ إذ لم ينفَهِم له ذلك في (عَقْر)، والمعنيان بيِّنان في (عَقْر)؛ إذ هو بمعنى الحيرَة والدَّهَش، وقد يكون بمعنى الهلاك، وكلُّه بمعنَى قوله في الرِّواية المَشهُورة: «وغَيْظُ جارَتِها» [خ¦٥١٨٩]، وسنبيِّنه في موضعه إن شاء الله بأشبَعَ من هذا في أمثلةٍ كثيرةٍ نَذكُرها في مواضِعِها، إلَّا قصَّة جُلَيبِيبٍ، فهذا اللَّفظ ليس في شيءٍ من هذه الأصُولِ.
فبحَسب هذه الإشْكَالات والإهمالاتِ في بعض الأمَّهات واتِّفاق بيان ما يَسمَح به الذِّهنُ ويقتَدِحُه الفِكرُ مع الأصحابِ في مجالس السَّماعِ والتَّفقُّهِ، ومَسِيس الحاجة إلى تحقيقِ ذلك ممَّا تكرَّرَ عليَّ السُّؤال في كتابٍ يجمَعُ شَوارِدَها، ويسدِّدُ مَقاصِدَها، ويبيِّنُ مُشكِل مَعناها، ويَنُصُّ اختلافَ الرِّواياتِ فيها، ويُظهِر أحقَّها بالحقِّ وأولاها.
فنَظرتُ في ذلك فإذا جُمْعُ ما وقَع من ذلك في جماهيرِ تصانيف الحديثِ وأمَّهاتِ مَسانيدِه ومَنشُوراتِ أجزائه يطُولُ ويكثُرُ، وتتبُّع ذلك ممَّا يشقُّ ويعسُر، والاقتصار على تفاريقَ منها لا يرجع إلى ضبطٍ ولا يُحصَر.
فأَجمَعتُ على تحصيل ما وقَع من ذلك في الأمَّهات الثَّلاثِ الجامعةِ لصحيح الآثار الَّتي أُجمِع على تَقدِيمها في الأعصار، وقبِلَها العلماءُ في سائر الأمصار، كُتُبُ الأئمَّة الثَّلاثة: «المُوطَّأ» لأبي عبدِ الله مالكِ بنِ أنسٍ المَدنيِّ، و «الجامع الصَّحيح» لأبي عبدِ الله محمَّد بنِ إسماعيلَ البُخاريِّ، و «المسند الصَّحيح» لأبي الحسينِ مُسلمِ بنِ الحجَّاجِ النَّيسابوريِّ.
إذ هي أصولُ كلِّ أصلٍ، ومُنتهَى كلِّ عملٍ في هذا الباب وقولٍ، وقدوةُ مدَّعي كُلِّ قُوَّة بالله في
стр. 8
علمِ الأثر وحولٍ، وعليها مَدارُ أندِيَة السَّماع وبها عمارَتُها، وهي مَبادئ علُوم الآثارِ وغايَتُها، ومصاحفُ السُّنن ومُذاكرَتُها، وأحقُّ ما صُرِفت إليه العِنايةُ وشُغِلت به الهمَّةُ.
ولم يُؤلَّف في هذا الشَّأنِ كتابٌ مُفرَد تقلَّد عُهدَةَ ما ذكَرناه على أحدِ هذه الكتُب أو غيرها، إلَّا ما صنعه الإمامُ أبو الحسَن عليُّ بنُ عمرَ الدَّارقُطنيُّ في «تَصحيفِ المُحدِّثين»، وأكثرُه ممَّا ليس في هذه الكتُب، وما صنَعه الإمامُ أبو سليمانَ الخَطَّابيُّ في جُزءٍ لَطيفٍ، وإلَّا نُكَتاً مُفتَرقة وقعَت أثناء شرُوحها لغير واحدٍ لو جُمِعَتْ لم تشفِ غليلاً، ولم تَبْلُغ من البُغيَة إلَّا قليلاً.
فأمَّا ما جمَعه الشَّيخُ الحافظُ أبو عليٍّ الحسينُ بنُ محمَّدٍ الجَيَّانيُّ الغَسَّانيُّ شيخُنا رحمه الله تعالى في كتابِه المسمَّى بـ: «تَقيِيد المُهمَل»، فإنَّه تقصَّى فيه أكثَر ما اشتَمَل عليه «الصَّحيحان»، وقيَّده أحسَن تقيِيدٍ وبيَّنه غايةَ البيانِ، وجوَّده نِهايةَ التَّجويدِ، لكن اقْتصَر على ما يتعلَّق بالأسماءِ والكُنى والأنسابِ وألقابِ الرِّجالِ، دون ما في المُتونِ من تَغييرٍ وتَصحيفٍ وإشكالٍ، وإن كان قد شذَّ عليه من الكِتابَين أسماء، واّْستدركتُ عليه فيما ذكَر أشياءَ، فالإحاطةُ بيَدِ مَن يعلَم ما في الأرض والسَّماءِ.
ولمَّا أجمَع عَزمي على التَّفرُّغ له وقتاً من نهاري وليلي، وأن أَقسِمَ له حَظَّاً من تكاليفي وشُغلي، رأيتُ تَرتِيبَ تلك الكَلماتِ
على حرُوفِ المُعجَم أيسَر للنَّاظر وأقرَب للطَّالبِ، فإذا وقَف قارِئ كتابٍ منها على كَلمةٍ مُشكِلةٍ، أو لَفظةٍ مُهمَلةٍ؛ فزِع إلى الحرفِ الَّذي في أوَّلها إن كان صحيحاً، وإن كان من حرُوف الزَّوائدِ أو العِلَل ترَكَه وطلَب الصَّحيحَ، وإنْ أشكَلَ وكان مُهمَلاً طلَب صُورَته في سائر الأبوابِ الَّتي تُشبِهه حتَّى يقَعَ هنالك.
فبدَأتُ بحَرفِ الألفِ وختَمتُ بالياءِ على تَرتيبِ حرُوفِ المُعجَم عندنا، ورتَّبتُ ثاني الكَلِمة وثالثها من ذلك الحرفِ على ذلك التَّرتيب، رغبةً في التَّسهيل للرَّاغب والتَّقريبِ.
стр. 9
وبدَأتُ في أوَّل كلِّ حَرفٍ بالألفاظِ الواقِعَة في المُتونِ المُطابقة لبابه على التَّرتيب المَضمُون، فتَولَّينا إتقان ضَبطِها بحيثُ لا يَلحَقها تصحِيفٌ يُظلِمها ولا يبقَى بها إهمالٌ يُبهِمها.
فإن كان الحرفُ ممَّا اختَلَفت فيه الرِّواياتُ نبَّهنا على ذلك، وأشَرنا إلى الأرجَحِ والصَّوابِ هنالك، بحُكمِ ما يوجَد في حديثٍ آخر رافعٍ للاختِلاف، مُزيحٍ للإشكالِ، مُريحٍ من حيرَةِ الإبْهامِ والإهْمالِ، أو يكونُ هو المَعرُوفَ في كلامِ العَربِ، أو الأشهرَ، أو الأليقَ بمَساق الكلام والأظهَرَ، أو نصَّ من سبَقنا من جَهابِذَة العُلماء وقدوة الأئمَّة على المُخطئ والمُصحَّف فيه، وأدْرَكناه بتَحقيقِ النَّظرِ وكَثرةِ البَحثِ على ما نتقَبَّله من مَناهِجِهم ونَقتَفيه.
وترجَمنا فصلاً في كلِّ حَرفٍ على ما وقَع فيها من أسماءِ أماكِنَ من الأرضِ وبلادٍ يُشكِل تَقيِيدها، ويقلُّ مُتقِنُ أسامِيها ومُجِيدُها، ويقَعُ فيها لكَثيرٍ من الرُّواة تَصحِيفٌ يَسمُج، ونبَّهنا معها على شرْحِ أشْباهِها من ذلك الشَّرحِ.
ثمَّ نَعطِف على ما وقَع في المُتونِ في ذلك الحرفِ بما وقَع في الإسناد من النَّصِّ على مُشكِل الأسماءِ والألقابِ، ومُبهَم الكُنى والأنساب، وربَّما وقَع منه مَن جرى ذكرُه في المَتنِ فأضَفْناه إلى شَكلِه من ذلك الفنِّ.
ولم نتتبَّع ما وقَع في هذه الكتُب من مُشكلِ اسم مَن لم يجرِ في الكتاب إلا كُنيَتُه أو نسَبُه، وكُنية مَن لم يُذكَر في الكتاب إلَّا اسمُه أو لقَبه؛ إذ ذلك خارجٌ عن غرَضِ هذا التَّأليفِ ورَغبةِ السَّائلِ، وبحرٌ عميقٌ لا يكاد يُخرَج منه إلى ساحلٍ، وفي هذا الباب كتُبٌ جامعةٌ كثيرةٌ، وتصانيفُ مَبسُوطة ومُقتَضبة شَهِيرة.
وقد انتُقِد على الشَّيخِ أبي عَليٍّ في كتابه ذِكْرُ أشياءَ من ذلك لم تُذكَر في الكِتابَين بحالٍ، ولو أعطَى فيها التَّأليفَ حقَّه لاتَّسع كتابُه وطال، وفي ذِكْر البَعضِ قدحٌ في حُسنِ التَّأليفِ وغضٌّ، كترجمة الجزَّار والخزَّاز والخرَّاز، وذكَر من يُعرَف بذلك ممَّن في «الصَّحيحين»، وليس فيها من هذه الألقاب مذكوراً حقيقَةً غير يحيى بن الجزَّار، وأبو عامر الخزَّاز، ومَن عداهما فإنَّما فيهما ذكرُ اسمهِ أو كُنيتهِ دون نِسبَتِهِ بذلك، وكذلك ذكَر في الأسماء: بُور وثَور وثُوَب، وليس في «الصَّحيحين» من هذه الأسماء إلَّا ثور وحدَه! وغيرِ ذلك في أسماءٍ وكُنًى ذُكِرت فيه، وإنَّما ذكرنا هاتين التَّرجمتين مِثالاً لعشراتٍ مِثلها.
стр. 10
وذكَرنا في آخرِ كلِّ فَصلٍ من فُصُول كلِّ حرفٍ ما جاء فيه من تَصحيفٍ، ونبَّهنا فيه على الصَّوابِ والوجهِ المَعروفِ، ودعت الضَّرُورة عند ذِكْر ألفاظ المُتون وتقويمها إلى شَرحِ غريبها، وبيانِ شيءٍ من معانيها ومَفهُومها، دون تَقصٍّ لذلك ولا اتِّساعٍ، إلَّا عند الحاجة لغمُوضه، أو الحجَّةِ على خلافٍ يقَع هنالك في الرِّواية أو الشَّرحِ، ونِزاعٍ، إذ لم نضَع كتابنا هذا لشَرح لُغةٍ، وتفسير مَعانٍ، بل لتَقويمِ ألفاظٍ وإتقانٍ، وإذ قدِ اتَّسعنا بمِقدار ما تفضَّل الله به وأعان عليه في شَرحنا لكتاب «صحيح مسلم» المسمَّى بـ: «الإكمال».
وشذَّت عن أبواب الحرُوف نُكَتٌ مُهمَّة غرِيبَة لم تَضبِطها تراجمها؛ لكونها جملَ كلمات يضطرُّ القارئ إلى مَعرفةِ ترتيبها وصحَّة تَهذِيبها، إمَّا لما دخَلَها من التَّغييرِ والإبهامِ، والتَّقديمِ والتَّأخيرِ، أو أنَّه لا يُفهَم المراد بها إلَّا بعد تَقديمِ إعراب كلماتها، أو سُقوط بَعضِ ألفاظها، أو تَركه على جهة الاختصار ولا يُفهَم مراد الحديث إلَّا به، فأفْرَدنا لها في آخر الكِتاب ثلاثة أبوابٍ:
أوَّلها: في الجُملِ الَّتي وقَع فيها التَّصحيفُ وطَمَس معناها التَّلفيفُ، إذ بيَّنا مُفرَداتِ ذلك في تراجِمِ الحرُوفِ.
الباب الثَّاني: في تَقويمِ ضَبطِ جُمَلٍ في المُتُون والأسانيدِ، وتَصحيحِ إعرَابِها، وتحقيقِ هِجاء كِتَابها، وشَكلِ كَلِماتها، وتَبيِينِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ اللَّاحقِ لها؛ ليَستَبينَ وجهُ صَوابها، ويَنفَتحَ للأفْهامِ مُغلَقُ أبوَابِها.
الباب الثَّالث: في إلحاق ألفاظٍ سقَطت من أحاديثِ هذه الأمَّهاتِ، أو من بَعضِ الرِّواياتِ، أو بُتِرت اختصاراً، أو اقتصاراً على التَّقريبِ بطريق الحديثِ لأهلِ العِلْم به، لا يُفهَم مرادُ الحديث إلَّا بإلحاقها، ولا يستَقِل الكلامُ إلَّا باستِدْراكها.
فإذا كَملَت بحَولِ الله هذه الأغراضُ، وصحَّت تلك الأمراضُ؛ رجَوتُ ألَّا يبقَى على طالبِ مَعرِفةِ الأصُولِ المَذكُورةِ إشكالٌ، وأنَّه يَستَغني بما يجِدُه في كتابنا هذا عن الرِّحلة لمتْقِني الرِّجالِ، بل يَكتَفي بالسَّماع على الشُّيوخِ إن كان من أهلِ السَّماعِ والرِّوايةِ، أو يقتَصِرَ على دَرسِ أصلٍ مُشهُور الصِّحَّة، أو يُصحِّحَ به كتابه، ويَعتَمِد فيما أشكَل عليه على ما هاهنا إن كان من طالبي التَّفقُّه والدِّرايةِ.
فهو كتابٌ يحتاجُ إليه الشَّيخُ الرَّاوي كما يَلجَأ إليه الحافظُ الواعي، ويَتدرَّج به المُبتدي كما يَتذكَّر به المُنتَهي، ويضطَر إليه طالبُ التَّفقُّه والاجتهادِ، كما لا يَستَغني عنه راغبُ السَّماع
стр. 11
والإسناد، ويحتجُّ به الأديبُ في مُذاكَرته، كما يَعتَمِد عليه المُناظِر في مُحاضَرتِه.
وسيَعلَم مَن وقَف عليه مِن أهل المَعرفةِ والدِّراية قَدْرَه، ويُوفِّيه أهلُ الإنصاف والدِّيانة حقَّه، فإنِّي نخَلتُ فيه مَعلُومي، وبثَثتُ فيه مكتُومي، ورصَّعتُه بجواهرَ مَحفُوظي ومَفهُومي، وأودَعتُه مَصوناتِ الصَّنادق والصُّدور، وسَمحت فيه بمَضنُونات المشايخِ والصُّدور، ممَّا لا يُبِيحُون خَفِيَّ ذِكْره لكلِّ ناعقٍ، ولا يَبوحون بسرِّه في مُتداوَلاتِ المَهارقِ، ولا يقلِّدون خَطِيرَ دُرِّه إلَّا لَبَّات أهلِ الحقائقِ، ولا يرفَعُون منها رايةً إلَّا لمن يتلقَّاها باليَمينِ، ولا يودِعُون منها آيةً إلَّا عند ثقةٍ أمِينٍ.
وقد ألَّفته بحُكم الاضطرار والاختيار، وصنَّفته مُنتَقِي النُّكتِ من خِيار الخيارِ، وأودَعْتُه غرائبَ الوَدائعِ والأسرارِ، وأطلَعتُه شمساً يُشرِقُ شُعاعُها في سائر الأقطارِ، وحرَّرتُه تحريراً تحارُ فيه العُقول والأفكارُ، وقرَّبتُه تقرِيباً تتقلَّب فيه القلوبُ والأبصارُ، وسَمَّيته:
بـ «مشارق الأنوار على صحاح الآثار».
وإلى الله جلَّ اسمُه أرغَبُ في تَصحيحِ عَملي ونيَّتي، وإليه أبرَأُ من حَولي وقُوَّتي، ومنه أستَمِدُّ الهِداية لهمَّتي وعَزمَتي، وإيَّاه أسألُ العِصمةَ والوِقايةَ لجُملَتي، والعفوَ والغُفران لذَنبِي وزَلَّتي، إنَّه مُنعِمٌ كرِيمٌ.
بابُ ذكرِ أسَانيدِي في هذه الأصُولِ الثَّلاثةِ
ورأيتُ ذِكرها ليُعلم مخرجُ الرِّواية الَّتي أنصُّ عليها عند الاختلاف، أو أضيفُها إلى راويها؛ ليكُونَ الواقفُ عليها على أثارةٍ من عِلْمها.
١ - فأمَّا الكتابُ «المُوَطَّأ» للإمام أبي عبدِ الله مالكِ بنِ أنسٍ الحِمْيريِّ ثمَّ الأصْبحيِّ النَّسَب، القُرشيِّ ثمَّ التَّيميِّ بالحِلْفِ، الحجازيِّ ثمَّ المدنيِّ الدَّار والمَولِد والمَنشَأ، من رواية الفقيه أبي
стр. 12
محمَّدٍ يحيى بنِ يحيى الأندلسيِّ ثمَّ القُرطبيِّ الدَّار والمَولدِ والمَنشَأ، العَربيِّ ثمَّ اللَّيثيِّ بالحِلْف، البَربريِّ ثمَّ المَصمُوديِّ بالنَّسَب، الَّتي قصَدناها من جُملَة روايات «المُوطَّأ» لاعتمادِ أهل أُفُقِنا عليها غالباً دون غيرها، إلَّا المُكثِرين ممَّن اتَّسعَت روايته وكثُر سماعُه، فإنَّا قرأنا جمِيعَه وسَمِعناه على عدَّةٍ من شيُوخِنا ببَلدِنا وبالأندلُسِ.
فحدَّثنا بها الشَّيخُ الفقيهُ أبو محمَّدٍ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَتَّابٍ والقاضي أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ عليِّ بنِ حَمْدِين رحمهما الله سماعاً عليهما بقُرطبةَ سنَةَ سَبعٍ وخمسِ مئةٍ، عن الفَقيهِ أبي عبدِ الله محمَّدِ بنِ محسِنِ بنِ عَتَّابٍ.
وقرَأتُ جميعه وسَمِعتُه مرَّةً أخرى بسَبْتَةَ على الفَقيهِ أبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ جَعفرٍ اللَّواتي وحدَّثني به عن القاضي أبي الأصبَغ عيسَى بنِ سَهلٍ.
وسَمِعته على القاضي أبي عبدِ الله محمَّدِ بنِ عيسى التَّميميِّ إلَّا ما شَكَكت في قراءته عليه فأجازَنيه، وحدَّثني بجميعه عن الشَّيخِ الحافظِ أبي عليٍّ الحسينِ بنِ محمَّدٍ الجَيَّانيِّ وقد كتَب إليَّ: أخبَرنا به أبو عليٌّ هذا في إجازَته إيَّايَّ.
قال هو وأبو الأصبَغ بنُ سهلٍ: حدَّثنا أبو عبدِ الله بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أبو القاسمِ خلفُ بنُ يحيى، عن أحمدَ بنِ مُطرِّفٍ، وأحمدَ بنِ سعيدِ بنِ حزمٍ، ومحمَّدِ بنِ قاسمِ بنِ هِلالٍ.
قال أبو عبدِ الله بنُ عتَّاب: وحدَّثنا به أيضاً أبو عثمانَ سعيدُ بنُ سلمَةَ، والقاضي أبو بكر بنُ وافد -وشكَّ في سماع بَعضِه منه، وذلك كتابُ الحجِّ وبعضُ كتابِ الصَّلاة- عن أبي عيسى يحيى بنِ عبدِ الله بنِ أبي عيسى.
كلُّهم عن عبيدِ الله بنِ يحيى، عن أبيه يحيى بنِ يحيى، عن مالكِ بنٍ أنسٍ.
قال شيخُنا أبو محمَّدٍ بنُ عتَّابٍ والقاضي أبو الأصبغِ بنُ سَهلٍ والحافظُ أبو عليٍّ: وحدَّثنا به أيضاً أبو القاسمِ حاتمُ بنُ محمَّدٍ الطَّرابلسيُّ عن الفَقيهَين أبي عبدِ الله محمَّدِ بنِ عمرَ بنِ الفَخَّارِ، وأبي عمرَ أحمدَ بنِ محمَّدٍ الطَّلمَنْكيِّ، عن أبي عيسى.
قال أبو عمرَ: وحدَّثنا به أيضاً أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ عون الله، عن أبي محمَّدٍ قاسمِ بنِ أصبَغ البيانيِّ، عن محمَّدِ بنِ وَضَّاحٍ، عن يحيى بنِ يحيى.
стр. 13
قال حاتم: وحدَّثنا به أيضاً أبو بكر بنُ حَوبيلَ التّجيبي، عن أحمدَ بنِ مُطرِّف، عن عبيدِ الله عن أبيه يحيى.
قال أبو الأصبغِ بنُ سَهل: وحدَّثنا به أيضاً الفقيهُ أبو زكريا يحيى بنُ محمَّد بنِ حُسَين القُليعيُّ، وقال القاضي أبو عبد الله بن حَمْدِين: وحدَّثني به أبي ﵀ عن أبي زكريا القُليعيُّ، عن الفقيه أبي عبدِ الله محمَّد بنِ عبدِ الله بنِ أبي زَمَنِين، عن أحمدَ بنِ مُطرِّف، عن عبيدِ الله.
وقال القاضي أبو عبدِ الله بنُ عيسى: وحدَّثنا به أيضاً الفقيهُ أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ فرجٍ مولى ابنِ الطَّلَّاع، عن القاضي أبي الوليدِ يونسَ بنِ مُغيثٍ، عن أبي عيسى.
قال: وحدَّثني به أيضاً القاضي أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ مُطرِّف بنِ المُرابط، عن أبي الوليدِ محمَّد بنِ عبدِ الله بن مِيقُل، وأبي القاسمِ المُهلَّبِ بنِ أبي صُفرَةَ، عن أبي محمَّد الأصيليِّ، عن ابنِ المَشَّاطِ، عن عُبيدِ الله، وعن الأصيليِّ، عن وَهبِ بنِ مَسرَّةَ، عن ابنِ وَضَّاحٍ.
قال أبو الوليدِ: وحدَّثني به أيضاً عيسى بنُ أبي العَلاء، عن أحمدَ بنِ سَعيدِ بنِ حَزمٍ، عن عُبيدِ الله.
وحدَّثني به أيضاً سماعاً لبَعضه ومُناولةً لما فاتني منه الفقيهُ أبو محمَّد بنُ أبي جعفرٍ ﵀، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ وَضَّاحٍ، حدَّثنا أبو عبدِ الله بنُ نبَات، حدَّثنا أبو عيسى، عن عُبيد الله.
وحدَّثني به أيضاً الفقيهُ أبو بَحرٍ سفيانُ بنُ العاصي الأسديُّ، والفقيهُ أبو عمران موسى بنُ أبي تَليدٍ، والحافظُ أبو عليٍّ إجازةً، وغيرُ واحدٍ، قالُوا كلُّهم: حدَّثنا بجَميعِه أبو عمرَ بنُ عبدِ البَرِّ الحافظُ، عن أبي عثمانَ سعيدِ بنِ نَصرٍ، عن أبي محمَّدٍ قاسمِ بنِ أصبَغ، عن ابنِ وضَّاحٍ.
قال أبو عمرَ: وحدَّثنا به أبو الفَضلِ التَّاهَرتيُّ، عن أبي عبدِ الملكِ محمَّدِ بنِ أبي دُلَيمٍ، ووهبِ بنِ مَسرَّةَ، عن ابنِ وضَّاحٍ.
قال أبو عمرَ: وأخبَرني به أيضاً أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمَّدٍ الأمويُّ، عن أبي المُطرِّف بنِ المَشَّاطِ، وأحمدَ بنِ سَعيدٍ، عن عُبيدِ الله.
قال القاضي أبو الفَضلِ ﵀: وأخبَرني بـ: «المُوطَّأ» أيضاً الشَّيخُ الصَّالحُ أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ غَلْبُونَ الخُولانيُّ، عن أبي عمرٍو عثمانَ بنِ أحمدَ، عن أبي عيسى.
стр. 14
وقد سَمِعته ورويته وأجازَنيه غيرُ واحدٍ سوى من ذكَرتُه، ولنا فيه ولشيُوخِنا أسانيدُ أُخَر غيرُ ما ذكَرْناه، ترَكْناها اكتفاءً بما أثبَتْناه، وكذلك في «مُوَطَّآت» غيرِ يحيَى، وما ذكَرْناه منها.
٢ - وأمَّا الكتاب «الجامعُ المسنَدُ الصَّحيحُ المختصَرُ من آثارِ رَسولِ الله ﷺ » للإمامِ أبي عبدِ الله محمَّدِ بنِ إسماعيلَ البُخاريِّ المَولِد والمَنشَأ والدَّارِ، الجُعفِيِّ النَّسَب بالولاء، فقد وصَل إلينا: من رِوايَة أبي عبدِ الله محمَّدِ بنِ يوسفَ الفِرَبريِّ، وأكثرُ الرِّواياتِ من طَريقِه، ومِن رواية إبراهيمَ بنِ مَعقِلٍ الشَّاشيِّ النَّسفيِّ عن البُخاريِّ، ولم يصل إلينا من غير هذَين الطَّريقَين عنه، ولا دخَل المَغرِب والأندلس إلَّا عنهما على كثرَة رُوَاة البُخاريِّ عنه لكِتابِه.
فقد رُوِّينا عن أبي إسحاقَ المُستَملي أنَّه قال: عن أبي عبدِ الله الفِرَبريِّ أنَّه كان يقُول: روَى الصَّحيحَ عن أبي عبدِ الله البُخاريِّ تِسعُون ألفَ رَجلٍ ما بَقِي مِنهُم غيري.
فأمَّا رِوايةُ الفِرَبريِّ: فرَوَيناها من طرُقٍ كثيرةٍ، منها طريقُ الحافظِ أبي ذَرٍّ عبدِ بنِ أحمدَ الهَرويِّ، وطريقُ أبي محمَّدٍ عبدِ الله بنِ إبراهيمَ الأصيليِّ، وطريقُ أبي الحسَنِ عليِّ بنِ خَلفٍ القابِسيِّ، وطريقُ كَرِيمةَ بنتِ أحمدَ المَروَزِيةِ، وطريقُ أبي عليٍّ سعيدِ بنِ عثمانَ بنِ السَّكنِ البَغداديِّ، وطريقُ أبي عليٍّ إسماعيلَ بنِ محمَّدٍ الكُشَانيِّ، وأبي عليٍّ محمَّدِ بنِ عمرَ بنِ شَبُّويَه، وأحمدَ بنِ صالحٍ الهَمَذَانيِّ، وأبي نُعيمٍ الحافظِ الأصبهانيِّ، وأبي الفَيضِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ المَروَزيِّ وغَيرِهم.
- فأمَّا روايةُ أبي ذَرٍّ فإنِّي سَمِعتها بقِراءَة غيري بجامع مدينةِ مُرسِيَةَ لجميعِ الصَّحيحِ بها على القاضي الشَّهيدِ أبي عليٍّ الحسَينِ بنِ محمَّدٍ الصَّدَفيِّ، وحدَّثنا بها عن القاضي أبي الوليدِ سليمانَ بنِ خَلفٍ الباجيِّ، عن أبي ذرٍّ عبدِ بنِ أحمدَ الهَرويِّ عن شيُوخِه الثَّلاثةِ: أبي محمَّدِ بنِ حَمَّويَه السَّرخسِيِّ، وأبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ أحمدَ المُستَملي، وأبي الهيثَمِ محمَّدِ بنِ المَكيِّ الكُشْمِيهَنِيِّ كلُّهم عن الفِرَبريِّ عن البُخاريِّ.
وأخبَرني به الشَّيخُ أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ غَلْبُونَ بمدينةِ إشْبِيلِيةَ، عن أبي ذَرٍّ الهرويِّ إجازةً.
- وأمَّا روايةُ الأصِيليِّ فإنِّي قرَأت بها جميعَ الكتابِ على الفَقيهِ الشَّيخِ أبي محمَّدٍ عبدِ الرَّحمن بنِ محمَّدِ بنِ عتَّابٍ بمَدينَةِ قُرطُبةَ، وحدَّثني به عن أبيه، عن أحمدَ بنِ ثابتٍ الواسطيِّ، وغيرِه، عن الأصيليِّ عن أبي زيدٍ محمَّدِ بنِ أحمدَ المَروَزيِّ، وأبي أحمدَ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ يوسفَ
стр. 15
الجُرجانيِّ، كلاهما عن الفِرَبريِّ.
قال لي أبو محمَّد بنُ عتَّابٍ: وأجازَنيها الفَقيهُ أبو عبدِ الله بنُ نبَات، عن الأصيليِّ.
قال القاضي أبو الفَضلِ: وكتَب إليَّ بها إجازةً بخَطِّ يدِه الحافظُ أبو عليٍّ الحسينُ بنُ محمَّدٍ الجَيَّانيُّ، وحدَّثني بها مُشافَهةً الكاتبُ أبو جَعفرٍ أحمدُ بنُ طريفٍ، حدَّثاني به جميعاً عن القاضي سِراجِ بنِ محمَّدِ بنِ سِراج، عن الأصيليِّ.
قال الجَيَّانيُّ: وحدَّثني به أيضاً أبو شاكرٍ عبدُ الواحدِ بنُ مَوهَبٍ عنه.
وعارَضتُ كتابي بأصلِ الأصيليِّ الَّذي بخَطِّه حرفاً حرفاً، وكذلك عارَضتُ مواضعَ إشكاله بأصلِ عُبدُوس بنِ محمَّدٍ الَّذي بخَطِّه أيضاً، وروايَتُه فيه عن المَروَزيِّ.
- وأمَّا روايةُ القابِسيِّ فحدَّثني بها سماعاً وقراءةً أبو محمَّدٍ بنُ عتَّاب وأبو عليٍّ الجَيَّانيُّ وغيرُ واحدٍ، قالوا: حدَّثنا أبو القاسمِ حاتمُ بنُ محمَّدٍ الطَّرابلسيُّ، عن أبي الحسَنِ القابِسيِّ، عن أبي زَيدٍ المَروَزيِّ عن الفِرَبري.
وأخبَرنا بها أحمدُ بنُ محمَّدٍ، عن الفقِيهَين أبي عِمران موسى بنِ عيسى الفاسيِّ، وأبي القاسمِ عبدِ الرَّحمن
بنِ محمَّدٍ الحَضْرميِّ بالإجازَةِ عن القابِسيِّ.
ولنا فيها أيضاً روايةٌ من طريقِ القاضي أبي القاسمِ المهلَّبِ بنِ أبي صُفرَةَ عنه.
- وأمَّا روايةُ أبي عليِّ بنِ السَّكنِ عن الفِرَبريِّ فحدَّثني بها أبو محمَّد بنُ عتَّاب عن أبيه، عن أبي عبدِ الله بنِ نبَات، عن أبي جَعفرِ بنِ عَونِ الله ومحمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ مُفرِّج، عن أبي عليِّ بنِ السَّكنِ، عن الفِرَبريِّ.
قال أبو محمَّد بن عتَّاب: وأجازَنِيها ابنُ نبَات المَذكُور.
قال القاضي ﵀: حدَّثنا بها الشَّيخُ أبو عليٍّ الجَيَّانيُّ فيما كتَب إلينا به.
وحدَّثنا به القاضي أبو عبدِ الله بنُ عيسى سماعاً لأكثَرِه عنه، قال: حدَّثنا بها القاضي أبو عمرَ بنُ الحذَّاء، وأبو عمرَ بنُ عبدِ البَرِّ الحافظُ، قالا: حدَّثنا أبو محمَّدٍ عبدُ الله بنُ أسَدٍ، عن ابنِ السَّكنِ.
قال القاضي ﵀: وحدَّثنا به أبو محمَّد بنُ عتَّاب، عن أبي عمرَ بنِ الحذَّاء إجازةً منه له.
- وأمَّا روايةُ كريمَةَ فحدَّثني بها الشَّيخُ أبو الأصبغِ عيسى بنُ أبي بَحرٍ الزُّهريُّ، والخطيبُ أبو القاسمِ خلفُ بنُ إبراهيمَ المُقرِئ، والشَّيخُ أحمدُ بنُ خَليفَةَ بنِ مَنصورٍ الخُزاعيُّ إجازةً، وغيرُ واحدٍ، كلُّهم عن كريمَةَ بنتِ محمَّدٍ، سماعاً عن أبي الهيثَمِ الكُشمِيهنيِّ، عن الفِرَبريِّ.
- وأمَّا روايةُ أبي عليٍّ الكُشَانيِّ فإنَّ القاضي الحافظَ أبا عليٍّ حدَّثنا بها عن أبي الحسَنِ عليِّ
стр. 16
بنِ الحسَنِ بنِ أيُّوب البزَّاز سماعاً منه ببَغدَاد، عن أبي عبدِ الله الحسَينِ بنِ محمَّدٍ الخلال، عن أبي عليٍّ الكُشَانيِّ، عن الفِرَبريِّ.
- وأمَّا روايةُ أبي إسحاقَ النَّسفيِّ فكتَب إليَّ بها الشَّيخُ الحافظُ أبو عليٍّ الحسينُ بنُ محمَّدٍ الغَسانيُّ، وسَمِعت على القاضي أبي عبدِ الله التَّميميِّ كثيراً ممَّا قيَّد منها عنه، قال: حدَّثني بها أبو العاصي حكمُ بنُ محمَّدٍ الجُذاميُّ، عن أبي الفَضلِ بنِ أبي عِمرانَ الهرويِّ، على أبي صالحٍ خلَفِ بنِ محمَّدٍ الخيَّامِ البُخاريِّ، عن إبراهيمَ بنِ مَعقِلٍ النَّسفيِّ، عن البُخاريِّ إلَّا أنَّ النَّسفيَّ فاته من آخرِ الكتابِ شيءٌ من كتابِ الأحكامِ إلى قَولِه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] فإنَّه إجازَةٌ من البُخاريِّ للنَّسفيِّ، ثمَّ ما بعدَه لم يكن في رِوايَةِ النَّسفيِّ إلى آخر الكتابِ، وذلك نحو عشرَةِ أوراقٍ لم يَروِ منها إلَّا تِسعَةَ أحاديثَ أوَّل الكِتاب، آخرُها طرَفٌ من حديثِ الإفْكِ.
٣ - وأمَّا كتابُ «المسنَد الصَّحيحُ المختَصر بنَقلِ العَدلِ عن العَدلِ عن رَسولِ الله ﷺ » للإمام أبي الحُسينِ مُسلمِ بنِ الحجَّاجِ القُشيريِّ النَّسَب، النَّيسابُوريِّ الدَّارِ؛ فإنَّه وصَل إلينا من رِوايتَين أيضاً؛ رِوايَة أبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ سُفيانَ المَروزيِّ، ورِوايَة أبي محمَّدٍ أحمدَ بنِ عليٍّ القَلانسِيِّ، إلَّا أنَّ آخرَه من باب حديثِ الإفْكِ لم يَسمَعه ابنُ ماهَانَ إلَّا من ابنِ سُفيانَ، فتفرَّدتِ الرِّوايةُ من هنالِكَ عن ابنِ سُفيانَ؛ لأنَّ إلى هاهنا انتَهَت رِوايةُ أبي بكرِ بنِ الأشْقرِ على القَلانسيِّ، ولم يصِل إلينا من غير هاتَين الرِّوايتَين.
وطرُقُ هاتَين الرِّوايتَين كثِيرَةٌ:
فأمَّا روايةُ القَلانسِيِّ فحدَّثني بها الفَقيهُ أبو محمَّدٍ عبدُ الله بنُ أبي جَعفرٍ الخُشنِيُّ بقِراءتي عليه لجميع الكتاب بمُرسِيَة سنة ثمانٍ وخمس مئة عن أبيه، عن أبي حَفصٍ عُمرَ بنِ الحسَنِ الهَوزَنيِّ، عن القاضي أبي عبدِ الله محمَّدِ بنِ أحمدَ الباجيِّ، عن أبي العَلاءِ عبدِ الوَهابِ بنِ عيسَى بنِ ماهانَ عن أبي بَكرٍ محمَّدِ بنِ يحيَى الأشقَرِ، عن القَلانسِيِّ، عن مُسلمٍ.
وحدَّثنا بها أيضاً القاضي أبو عبدِ الله بنِ عيسى فيما قُرِئ عليه وأنا أسمَع إلَّا ما فاتَني فأجازَنِيه وبَعضُه قِراءَة بلَفظِي، وحدَّثني به عن الشَّيخِ أبي عليٍّ الجَيَّانيِّ عن القاضي أبي عمرَ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ الحذَّاءِ، عن أبيه، عن ابنِ ماهانَ.
قال القاضي ﵀: وأجازَنِيه أنا الجَيَّانيُّ وأبو محمَّد بنُ عتَّاب عن أبي عمرَ بنِ الحذَّاءِ.
стр. 17
وأمَّا روايةُ ابنِ سُفيانَ فقرَأناها وسَمِعناها على جماعةٍ من شيُوخِنا بطُرِقِها المُختَلِفةِ فمِمَّن سَمِعتُها عليه: الفَقيهُ الحافظُ القاضي أبو عليٍّ الصَّدفيُّ، والشَّيخُ الرَّاويةُ أبو بَحرٍ سُفيانُ بنُ العاصي الأسدي، قالا: حدَّثنا بها أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ عمرَ العُذريُّ.
وحدَّثني بها أيضاً سماعاً وقراءةً وإجازةً القاضي الفَقيهُ أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ عيسى التَّميميُّ عن أبي العبَّاسِ العُذريِّ إجازةً، قال: حدَّثنا أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ حسَنٍ الرَّازيُّ.
قال أبو بَحرٍ: وحدَّثني به أيضاً الشَّيخُ أبو الفَتحِ نصرُ بنُ الحسَنِ السَّمرقَنديُّ، عن أبي الحُسينِ عبدِ الغافرِ بنِ محمَّدٍ الفارِسيِّ.
وقرَأتُها على الفَقيهِ أبي محمَّد بنِ أبي جَعفرٍ بلَفظِي، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسينُ بنُ عليٍّ الطَّبريُّ الإمامُ، عن أبي الحُسينِ الفارِسيِّ، قال ابنُ أبي جَعفرٍ: وحدَّثني بها أبي عن أبي حَفصٍ الهَوزنيِّ، عن أبي محمَّدٍ عبدِ الله بنِ سَعيدٍ الشَّنتَجاليِّ، عن أبي سَعيدٍ عمرَ بنِ محمَّدٍ السِّجزيِّ.
وحدَّثنا الشَّيخُ الحافظُ أبو عليٍّ الغَسانيُّ من كتابه، وأبو محمَّد بنُ عتَّاب وغيرُ واحدٍ إجازةً، قالوا: حدَّثنا حاتمُ بنُ محمَّدٍ الطَّرابلسيُّ عن أبي سَعيدٍ السِّجزيِّ، قال هو والرَّازي والفَارسيُّ: حدَّثنا أبو أحمدَ محمَّدُ بنُ عيسَى الجُلُودِيُّ: حدَّثنا ابنُ سُفيانَ.
قال حاتمُ بنُ محمَّدٍ: وحدَّثنا بها أيضاً عبدُ الملك بنُ الحسنِ الصِّقليُّ، عن أبي بكرٍ محمَّدُ بنُ إبراهيمَ الكِسائيِّ، عن ابنِ سُفيانَ، عن مُسلمٍ ﵀.
ولنا ولشيُوخِنا أسانيدُ أُخَرَ في هذَين الطَّريقَين، وفي طرُقِ البُخاريِّ ﵀ اختَصَرناها.
والآن نَبتَدِئ بتَرتيبِ الكِتابِ، وتَقريبِ تلك الفُصولِ المَوعُود بها والأبوابِ، والله المُعينُ على ما فيه رِضاهُ، المُرشِد للصَّوابِ.
стр. 18
حرفُ الهَمزةِ
فيما نَذكُرُ من المُتُونِ ما ننُصُّهُ على التَّرتيبِ المُتقدِّمِ
بابُ الألِفِ والهمزَتَينِ المُنفرِدَتَينِ
ممَّا اختُلِفَ فيه
١ - قوله: «أَتَسخَرُ بي وأنتَ المَلِكُ؟!» [خ¦٦٥٧١] حمَلَ الحديثَ جماعةٌ من المتأوِّلينَ على أنَّ الألِفَ ألِفُ استِفهامٍ، وعلى الاستِعارَة والمقابَلةِ، كما قال في قَولِه تعالى: ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وسَنذكُرُه في حَرفِ السِّين [س خ ر]، وقيل: بل الألفُ هنا للنَّفيِ بمعنى: «لا»؛ أي: إنَّك لا تسخَرُ بي، ولا يليقُ بك السُّخريةُ، كقوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي: أنتَ لا تفعَلُ ذلك.
ومثلُه قولُه في حديثِ الوَصِيَّة: «أَهَجَرَ؟!» [خ¦٣١٦٨]، أو «أيَهجُرُ؟!» في روايةِ مَن رواهُ بمعنَى: يَهذِي؛ أي: إنَّه لا يهجُرُ، ولا يصِحُّ أن يهجُرَ، وهو معصومٌ مِن أنْ يقولَ ما لا حقيقةَ له، وإنَّه لا يقولُ في الصِّحةِ والمرضِ واليقَظةِ والنَّومِ والرِّضا والغَضبِ إلا حقًّا، وهذا كلُّه صحيحٌ من جهةِ المعنَى.
الهمزةُ مع الباءِ
٢ - (أ ب د) قوله ﷺ : «إنَّ لِهذه البَهائمِ أوابِدَ كأوابِدِ الوَحْشِ» [خ¦٢٤٨٨] مَعناهُ: نوافِرُ وشوارِدُ، يُقال: أَبَدَت تأبِدُ وتأبُدُ [أُبُودًا فهِيَ آبِدَةٌ] إذا توَحَّشَت.
وقوله: «لا، بلْ لأبَدِ أبَدٍ»، ويُروَى: «لأبدِ الأبَدِ» أي: آخِرِ الدَّهرِ، والأبَدُ الدَّهرُ.
٣ - (أ ب ر) وقوله: «لم يأْتَبِرْ» بتَقديمِ الهَمزةِ، كذا عند ابنِ السَّكَنِ؛ أي: لم يَدَّخِر، بمعنى: «يَبْتَئِر» [خ¦٦٤٨١] في سائر الرِّواياتِ، وسَنذكُرُه وما فيه من خِلافٍ في حَرفِ الباء [ب أ ر].
وقوله: «ويَأبرُونَ النَّخلَ» بضمِّ الباء وكَسرِها مخفَّفة، و «نَخلٌ قد أُبِّرَت» [خ¦٢٢٠٤]، و «أبَّرَ نَخلًا» [خ¦٢٢٠٦]، أي: يُلقِّحونها ويُذكِّرونَها، وقد جاء مفسَّرًا بذلك في الحديثِ، يقال منه: أَبَرْتُها بتَخفيفِ الباء وقَصرِ الهمزةِ، وأَبَّرْتُها بالتَّشديدِ، ووقَع في رِواية الطَّبريِّ: «يُؤَبِّرونَ» بتَشديدِ الباء، وله وجهٌ على ما تقدَّم في الماضي.
стр. 19
وقوله: «أبارِيقُه عدَدَ نُجومِ السَّماءِ» [خ¦٦٥٨٠] الإِبريقُ بكَسرِ الهمزة الكُوزُ إذا كان له خُرطومٌ، فإنْ لم يكن له خُرطُومٌ فهو كُوبٌ، وقيل: الإبريقُ ذوَاتُ الآذانِ والعُرى، والكوبُ ما لا أُذُنَ له ولا عُروَة.
٤ - (أ ب ز) قولُ أنسٍ ﵁: «كانَ لي أبْزَنُ أَتَقَحَّمُ فيهِ» [خ¦٣٠/ ٢٥ - ٣٠٢٠] يريد وهو صائمٌ، ضبَطناه بفَتحِ الألفِ وكَسرِها في «صحيح البُخاري»، وبالفَتحِ قُيِّدَ عن القَابسيِّ، وضبَطْناهُ في كتاب ثابتٍ بكَسرِ الهَمزةِ، وذكَر لي فيه شيخُنا أبو الحُسينِ الوَجهَينِ معًا، وهو بسُكون الباءِ بواحدةٍ بعدَها زاي مَفتُوحة ونون.
وهي كلِمَة فارِسيَّة، وهو شِبهُ الحوضِ الصَّغيرِ، أو كالقَصْرِيَّةِ الكَبيرةِ، من فخَّارٍ ونَحوِه، وقيل: هو كالفَسْقِيَّة، وقال ثابتٌ: هو حجرٌ منقُورٌ كالحَوض، وقال أبو ذَرٍّ: هو كالقِدرِ يُسخَّنُ فيه الماءُ، وليس هذا بشَيءٍ، وإنَّما أراد أنسٌ أنَّه شيءٌ يتَبرَّدُ فيه وهو صائمٌ يَستَعِين بذلك على صَومِه من الحَرِّ والعَطشِ، ولم يرَ بذلك بأسًا، وهو قولُ كافَّة العُلماءِ، وكرِهَه بعضُهم، حتَّى كرِهَ إبراهيمُ للصَّائمِ أن يبُلَّ عليه ثيابَه يريدُ من الحَرِّ.
٥ - (أ ب ل) قوله: «إِبِلًا مُؤَبّلَةً» أي: قِطَعًا قِطَعًا مجموعةً، أو تكونُ «مُؤبَّلةً» أي: مَرعِيَّة مُسرَّحةً للرَّعي، والآبِلُ الرَّاعي للْإبلِ، وأبَلَها يأبلُها أُبولًا سرَّحها في الكلأِ، وأَبَلَتْ هي أَبْلًا رعَتْه، قاله ثعلَبٌ، وقال الهرَوِيُّ: تَأَبَّلَت الإِبِلُ اجتَزَأَت بالرَّطْبِ عن الماءِ.
٦ - (أ ب ن) قوله: «ما كنَّا نَأبُنُه برُقيَةٍ» [خ¦٥٠٠٧] بضمِّ الباء؛ أي: نتَّهِمُه ونذكُرُه ونصِفُه بذلك، كما جاء في الرِّوايةِ الأُخْرى: «نظُنُّه» وأكثَرُ ما يُستَعمل في الشَّرِّ، وقال بعضُهم: لا يُقال إلَّا في الشَّرِّ، وقيل: يقال في الخيرِ والشَّرِّ، وهذا الحديثُ يدُلُّ عليه، وفي
стр. 20
الحديثِ الآخرِ: «أَبَنُوا أَهلِي» [خ¦٤٧٥٧]، و «أَبَنُوهُم» [خ¦٤٧٥٧] كِلاهُما بتَخفيفِ الباء والنُّونِ، وهو ممَّا تقدَّمَ؛ أي: اتَّهمُوهم وذكَرُوهم بالسُّوءِ، ووقَع في كت ابي عن الأَصيليِّ: «أَبَّنوهم» مُشدَّدَ الباء، وكِلاهُما صَوابٌ، قال ثابتٌ: «أَبَنوا أهلِي» التَّأبينُ ذكْرُ الشَّيءِ وتتبُّعُه، قال الشَّاعر:
فرفَّعَ أصْحابي المَطِيَّ وأَبَّنُوا … هُنَيدَةَ ............
قال ابنُ السِّكِّيت: أي: ذكَرُوها، والتَّخفيفُ بمعناهُ، وروَاها بعضُهم: «أَنَّبوا» بتَقديمِ النُّونِ، وكذا قيَّده عُبْدُوسُ بنُ محمَّدٍ، ثمَّ كتَب عنه أصحابُنا «أَبنَوا» وهو أصحُّ، ووجَدتُه في كتابي عن الأصيليِّ بالنَّقطِ فوقَ الباءِ وتحتَها في هذا الحرفِ مُشدَّدًا، وعليه بخَطِّي علامةُ الأصيليِّ، وبالنُّونِ ذكَرَه بعضُهم عنه، وتقديمُ النُّون تصحيفٌ لا وجهَ له هنا، والتَّأنيبُ اللَّومُ والتَّوبيخُ وليس هذا مَوضِعَه.
٧ - (أ ب هـ) قوله: «الأبْهَرُ» [خ¦٤٤٢٨] عِرقٌ يكتَنِف الصُّلبَ، وهما أبْهرَان، وكأنَّ أصلَه من البُهرَة، وهي وسَط كلِّ شيءٍ، أو من البُهر وهي الغَلبَة، ورجلٌ شديدُ الأبْهَر؛ أي: الظَّهر، فسُمِّيا بذلك لشدِّهما للظَّهر وغَلبَتِهما عليه، وإنما ذكَرنا الأَبْهَرَ هاهنا للُزُوم الهمزَةِ له بكُلِّ حال وإن كانت مَزيدَة في أوَّله.
٨ - (أ ب و) وقولها: «وكانَت بِنتَ أبِيها» معناه شبِيهَتُه في حِدَّة الخُلُقِ والعجَلَةِ في الأمور.
وقوله: «حتَّى يأتِيَ أبُو مَنزِلِنا» أي: ربُّهُ وصاحبُهُ.
٩ - (أ ب ي) قوله: «إذا أَرادُوا فِتنةً أَبَيْنا» [خ¦٢٨٣٧] أي: توَقَّرْنا وتَثبَّتْنا وأبَيْنا الفِرارَ،
стр. 21
كما قال العجَّاجُ:
.......................... … ثَبْتٌ إذا ما صِيحَ بالقومِ وقَرْ
وسَنَذكُره بعدُ والخِلافَ فيه
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ في هذا الحَرفِ
قوله في حَديثِ أمِّ عَطيَّة ﵂: «فقالَت: بِأَبِي، وكانَت إِذا ذكرَتْ رسولَ الله ﷺ قالَت: بِأَبي» [خ¦٣٢٤]، اختلَفَت الرِّواياتُ في «الصَّحيحين» في هذا الحَرفِ، فوَجَدتُه بخطِّ الأَصيليِّ «بِأَبَى» بكَسرِ الباء الأولى وفَتحِ الثَّانية وفتح الهمزةِ بينهما، وكذا للقَابسيِّ، ورواه غيرُهما: «بِيَبِي» بكَسرِ الباءين بينهما ياءٌ مَفتُوحةٌ مَكانَ الهَمزةِ المُسَهَّلةِ، وضبَطَه الأَصيليُّ كذا مرَّةً، وفي كتابِ أبي ذرٍّ: «بِأَبي» في كتاب العِيدَين [خ¦٩٨٠]، ومِثلُه عندَه في كتاب الحيضِ [خ¦٣٢٤]، وعنه أيضًا: «بِيَبَى» بكَسرِ الأولى وفَتحِ ما بعدها، وكذا ضبَطَه الأَصيليُّ وعُبدُوس في كتاب الحجِّ، وفي كتابِ عُبدُوس في مَوضعٍ: «بابا» لكِنَّه مُهمَل الضَّبطِ، وضبَطَه بعضُ الرُّوَاة عن الأَصيليِّ: «بَاْبَا» بفَتحِ الباءَين وسُكونِ الألف بينهما، وجاء عند القابسيِّ في (باب خرُوج الحُيَّضِ إلى المصلَّى): «أمرَنا نبيُّنا ﷺ » [خ¦٩٧٤] وكلُّ هذه الرِّوايات صحيحةٌ في اللُّغة مثل «بِأَبِي».
قال ابنُ الأَنباريِّ: ومَعناهَا بِأَبي هو، فحُذِف لكَثرةِ الاسْتِعمال، قال: وهي ثلاثُ لُغاتٍ: بِأَبِي على الأصلِ، وبِيَبي على تَسهيلِ الهَمزةِ، وبِيَبَى، كأنَّه جعَله اسمًا واحدًا
وجعَل آخِرَه مِثل غَضْبَى وسَكْرَى، وأنشَدُوا:
أَلَا بِيَبَى مَن لستُ أعرِفُ مثلَها … ..................
وقول الآخَر:
.......................... … أن قلتُ يا بِيَبَاهما
стр. 22
قال القاضي ﵀: وعلى هذا تُخرَّج رِوايةُ من روَاه «بَابَا» بفَتحهما، لمَّا جعَله اسمًا واحدًا نقَل فتحَة «الياء» على «الباء» قبلَها لاستِثقال الخرُوج من كَسرَتها إلى «الياء»، وسكَّن «الياء» لتَوالي الحَركاتِ فنَطَق بالكَلِمة مثل سَكْرَى.
ومعنَى قَولِهم: (بِأَبي كذا)، أي: بِأَبي أفْدِيه.
وقوله في حَديثِ بنتِ أبي سلمَةَ: «إنَّها ابنةُ أخي من الرَّضاعةِ أَرْضَعَتْنِي وأباهَا ثُوَيبَةُ» كذا رِوايتُنا عن جَميعِهم بالباء بوَاحدةٍ على الصَّوابِ، ورواه بعضُ أصحابِ أبي ذرٍّ من الأندَلُسيِّين «وإيَّاها» باثنتَين تحتها، وهو تصحيفٌ قبيحٌ، وقيل ما تقدَّمه لهذا التَّصحيف كبيرٌ من مُتقدِّمي العلماء يُنعَى عليه، وقوله أوَّلَ الحديثِ: «إنَّها ابنةُ أخي» يدلُّ على صِحَّة قولِ الكافَّةِ، وقد جاء أشدَّ بيانًا في البُخاريِّ من رِوايَة التِّنيسي وبشرِ بنِ عمرَ: «أَرْضَعَتْنِي وأَبا سَلَمَةَ ثُوَيبَةُ» [خ¦٥١٠٧]، وفي رِوايةِ قُتَيبةَ: «إنَّ أباها أخِي مِن الرَّضاعةِ» [خ¦٥١٢٣]، وفي كتابِ مُسلمٍ من رِوايةِ محمَّدِ بنِ رُمحٍ: فقال: «أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا أَبَا سَلَمَةَ ثُوَيبَةُ».
وقوله في حَديثِ أبي مُوسَى: «فَأُتِيَ بِإبِلٍ» [خ¦٦٧١٨] كذا في رِوايَة ابنِ السَّكنِ والجُرجانيِّ، وفي كتاب عُبدُوس: «بنَهْبِ إِبِلٍ» [خ¦٣١٣٣]، ولغَيرِهم: «فأُتِيَ بشائِلٍ»، والشَّائلُ الناقةُ الَّتي ارتفَع لبنُها، وقد يوصَفُ بذلك الجَماعةُ منها، والمَسموعُ شوائلُ في الجمع، والرِّوايةُ الأولى أوجَه كما قال في سائرِ الرِّواياتِ: «بثَلاثِ ذَوْدٍ» [خ¦٦٦٢٣]، و «بنَهْبِ إبِلٍ»، وإن كان قد يَنطلِق ذلك على الذَّكرِ والأُنثَى.
وقد جاء في كتابِ مُسلمٍ في هذا الحديثِ: «خُذ هَذَينِ القَرِينَينِ» [خ¦٤٤١٥] ويُروَى: «القَرِينَتَينِ»، وعلى التَّأنيثِ قد يصِحُّ أن تكونَ شوائلَ، والله أعلَم.
وفي حديثِ يأجُوجَ ومأجُوجَ: «فيَمرُّونَ
стр. 23
بإبلِهِم على بُحَيرَةِ طبريَّةَ» كذا في أصلِ شَيخِنا القاضي التَّميمي بخطِّ ابنِ العَسَّالِ، وروايتُه من طريقِ ابنِ الحذَّاءِ عن ابنِ ماهانَ، وهو تصحِيفٌ، وصَوابُه ما للكافَّة: «فيمُرُّ أوَّلُهم».
وفي حَديثِ طلاقِ ابنِ عمرَ ﵄ من رِوايَة ابنِ طاوسٍ عن أبيه، قال آخره: «ولم أسْمَعه يزيدُ على ذلك، لأَبِيه» كذا في نُسخِ مُسلمٍ كلِّها ورواياتِ شيُوخِنا، ورواه بعضُهم: «لابتَّة»، وهو تصحِيفٌ، وصَوابُه «لِأبِيه» كما تَقدَّم، ومَعنَاه: أنَّ ابنَ طاوسٍ قال: لم أسمَعه-يعني أباه- يزيدُ على ذلك، فبيَّنه ابنُ جُرَيجٍ الرَّاوي عنه، وفسَّر الضَّميرَ في «أسمَعه» على مَن يرجِع، فقال: «لأبيه»، لكنَّه زادَه إشكالًا بذلك حتَّى أوجَبَ تصحيفَه على مَن لم يَفهَمْه.
وفي حَديثِ الهِجرةِ من روايَةِ يحيى بنِ بِشْر وذكَرَ حديثَ ابنِ عمرَ وأبي بُردَةَ وقولَ ابنِ عُمرَ ﵄ فيه: «هَل تَدرِي ما قال أبي لأَبِيكَ؟ -وفيه: - فقال أبي: لا والله؛ قَدْ جاهَدنا بعدَ رسولِ الله ﷺ » [خ¦٣٩١٥] كذا لأكثَرِهم «أبي»؛ أي: والدي، وزيادة «لا»، وعند المُستَمليْ والقَابسِيِّ: «فقال: إي والله» بكَسرِ الهَمزةِ بعدَها ياءٌ باثنَتَين تحتَها بمعنى «نَعَم» المَوصُولة بالقَسمِ، قيل: وكلُّه تغيِيرٌ، وعند عُبدُوس: «فقال: إنِّي والله» وكتَب «عند غيري: فقال: لا والله» [خ¦٣٩١٥]، وقيل: صوابُه ما عند النَّسفيِّ: «فقال أبوك: لا والله» ويدلُّ عليه بقيَّةُ الحديثِ وقولُ ابنِ عمرَ بعده: «فقال أبِي، لكنِّي أنا والَّذي نفسُ عمرَ بيَدِه» الحديثَ جوابًا لأبي مُوسَى.
وفي الكَفالَة قوله في المُرتدِّين: «اسْتَتِبهُم وَكَفِّلْهُم عَشَائرَهم فَأَبَوْا فكَفَّلَهم» كذا عند الأَصِيليِّ والقابسيِّ وعُبدُوس من رُوَاة أصحابِ الفِرَبْرِيِّ، وهو وهمٌ مفسدٌ للمعنى، لا
стр. 24
معنى لأَبَوا هاهنا، وصَوابُه ما عند النَّسفيِّ وابنِ السَّكنِ والهَمَذَانيِّ والهَروِيِّ: «فَتَابُوا فكَفَّلَهم» [خ¦٢٢٩٠] كما جاء في أمره بذلك أوَّلَ الحديثِ.
وفي قتلِ أُبَيِّ بنِ خَلفٍ: «ثمَّ أبَوا حتَّى يَتبَعُونا» [خ¦٢٣٠١] كذا للأَصِيليِّ بباءٍ بوَاحدةٍ، ولغَيرِه: «أتَوا» بتاءٍ مُثنَّاة فَوقِية، وكِلاهُما له وجهٌ.
وقوله: «إنَّا إذا صِيحَ بنا أبَينَا» [خ¦٤١٩٦] كذا روَاه الأَصيليُّ والسِّجزيُّ بباءٍ بواحِدةٍ، وروَاه غيرُهما: «أتَيْنا» [خ¦٦١٤٨] بتاءٍ باثنتَين فوقها، وكِلاهُما صحيحُ المعنَى؛ أي: إذا صِيحَ بنا لفزَعٍ أو حادثٍ، أو أجلَبَ علينا عدوُّنا أبَينا الفِرارَ والانهِزامَ وثبَتْنا كما تقدَّمَ، قال العجَّاجُ:
ثبْتٌ إذا ما صِيحَ بالقَومِ وَقَرْ
وعلى الرِّواية الأخرى: أتَينا الدَّاعيَ وأجَبناهُ، أو أقدَمْنا على عدوِّنا ولم يرُعْنا صياحُه، كما قال في الحديث الآخَرِ: «إذا سَمِعَ هَيْعَةً طارَ إِلَيْها»، وهذا أوْجَه؛ لأنَّ في بَقيَّة الرَّجَز: «وإنْ أَرادُوا فتنةً أَبَيْنا» [خ¦٤١٠٦]، وتكرارُ الكَلمةِ عن قُربٍ في الرَّجَز والشِّعر عيبٌ معلومٌ عندهم.
وفي هذا الرَّجزِ أيضًا: «إنَّ الأُلَى قد أبَوا علينا» كذا لأكثَرِ الرُّواة بباءٍ بواحدةٍ في حَديثِ مُسلمٍ عن ابنِ مُثنَّى، وعند الطَّبريِّ والباجيِّ: «قد بَغَوا علَينا» وهو أصَحُّ، وكذا جاء في غير هذه الرِّوايةِ في «الصَّحيحين» [خ¦٢٨٣٧]، ومعنى «أبَوا»؛ أي: قبُول ما دعَوناهم إليه من الإسْلامِ والهُدى، أو أبَوا إلَّا عَداوَةً لنا وتحزُّبًا علَينا.
وفي حَديثِ عبدِ الله بن أُبَيِّ بنِ سَلولٍ: «وعَزَمَ قومُهُ على تَتْوِيجِهِ، فلمَّا أبَى الله ذلكَ بالحقِّ الَّذي جِئتَ به» [خ¦٤٥٦٦] كذا هو بباءٍ بوَاحِدةٍ لكافَّة الرُّواةِ، وعند الأَصيليِّ: «أتَى الله بالحقِّ» بتاءٍ باثنَتَين فَوْقها، وكِلاهُما له وجهٌ، ومَعنَى الأوَّل: أبى اللهُ من تَقديمِه وإمضاءِ ما أرادَه قومُهُ من تَمليكِه بما قضاه من إسْلامِهم وبَعثِ نبيِّه ﷺ ، وهو مَعنَى «أتى» في الرِّوايةِ الثَّانيةِ، ويعضُد توجيهَ الرِّوايةِ الأُولى قولُه في الحديثِ الآخرِ: «فلمَّا ردَّ الله ذلكَ بالحقِّ الَّذي أعطاكَ» [خ¦٦٢٠٧].
стр. 25
وفي الاسْتِخلافِ: «لقد همَمتُ أَن أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ أَو آتيَه فأَعهَدَ» كذا لأبي ذَرٍّ، وفي نُسخةٍ عنه: «وآتيَه» بغَيرِ ألفٍ، وعند الأَصيليِّ والقابِسيِّ والنَّسفيِّ: «إلى أبي بكرٍ وابنِه» [خ¦٧٢١٧]، قيل: هو وَهمٌ، والأوَّل الصَّوابُ، وعندي أنَّ الصَّوابَ الرِّوايةُ الثَّانيةُ بدَليلِ رواية مُسلمٍ: «أن أدعُوَ أبَاكِ وأَخاكِ حتَّى أكتُبَ كِتَابًا»، وتكونُ فائدةُ التَّوجيهِ في ابنِ أبي بَكرٍ ليكتُبَ الكتابَ، أو ليكُونا شهيدَينِ عليه، وأيضًا أنَّه قاله ﷺ في مَرضِه، وإتيانُهُ إذْ ذاكَ لغَيرِه مُتعذِّرٌ.
وفي تماري ابن عبَّاسٍ والحُرِّ بنِ قَيسٍ في حديث الخَضِر وسُؤالِهما أُبَيَّ بنَ كَعبٍ: «فقال أُبَيٌّ» [خ¦٧٨] كذا للسِّجزيِّ بضمِّ الهَمزةِ وفَتحِ الباء اسمُ المَذكُورِ أوَّلًا، ولغَيرِه من رُوَاة مُسلمٍ: «فقال: إنِّي» بكَسرِ الهَمزةِ والنُّونِ، وكِلاهُما صَحيحٌ في المعنَى؛ إذ يكون القائلُ: (إنِّي) أُبَيًّا المَسؤولَ، والحديثُ عنه محفوظٌ، وجاء في البُخاريِّ مُفسَّرًا: «فقال أُبيٌّ: نَعَم» [خ¦٧٨]، وفي رِوايةِ القابِسيِّ: «فقال أُبيُّ بنُ كعبٍ»، وعند الأَصيليِّ: «فقال لي: نَعَم».
ومِثلُه في اللُّقَطة والضَّالَّة من رِوايَةٍ: «أُبَيٍّ قال: وجَدتُ صُرَّةً» [خ¦٢٤٣٧] كذا لهم بالباء وضَمِّ الهَمزةِ، وعند السِّجزيِّ: «فقال: إنِّي» بكَسرِ الهَمزةِ والنُّونِ، وكِلاهُما صَحيحٌ؛ وأُبَيٌّ قائلُ ذلك.
وفي حَديثِ عائشَةَ ﵂: «ألَا نُعَجِّبُكَ أبا فُلانٍ؟! جاءَ فجلَسَ إلى حُجْرَتي» [خ¦٣٥٦٨] كذا عِندَهم بالباء منادًى بكُنيَته، قال القابِسيُّ: كذا في كتابي، والَّذي أعرِف «أتَى فُلانٌ»، يريدُ أنَّه فِعل ماضٍ من الإتيان، وهو الصَّوابُ لولا قولُه: «جاء» بعده، وهو الأظهَر في المَقصِد، وضبَطناه في مُسلمٍ: «ألا يُعْجِبُكَ أبو هُرَيرَةَ؟! جَاءَ» بالياء وله وَجهٌ.
وفي العَقيقةِ قولُ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ: «سَمِعْتُ أبِي يَسْتَحِبُّ العَقِيقَةَ ولو بعُصْفُورٍ» كذا رَواه يحيى بنُ يحيى الأندلسيُّ من رُواةِ «المُوطَّأ»، قالوا: وهو وَهمٌ، وغيرُه من رُواةِ «المُوطَّأ» يقولون: «سَمِعتُ أنَّهُ يُسْتَحَبُّ»، وكذا ردَّهُ ابنُ وضَّاحٍ.
وفي طَواف القَارِن عن عُروَةَ: «حجَجتُ مع أَبِي الزُّبيرِ» كذا لسائر رُواةِ مُسلمٍ والبُخاريِّ [خ¦١٦١٥]، وكذا سَمِعتُه على شيخِنا أبي بَحرٍ عن أبي الفَتحِ السَّمرقَنديِّ في مُسلمٍ، وكذا قرَأتُه على شَيخِنا أبي محمَّدٍ الخُشنِيِّ، وكذا عند شَيخِنا القاضي التَّميميِّ، ورواهُ العذريُّ
стр. 26
في مُسلمٍ: «حجَجتُ مع ابنِ الزُّبيرِ»، وكذا رَواه أبو الهَيثَمِ في البُخاريِّ، وهو تصحيفٌ، والأوَّل الصَّوابُ، إنَّما أخبَر عروَةُ أنَّه حجَّ مع أبيه الزُّبيرِ.
وفي حَديثِ فَضلِ أبي بَكرٍ ﵁: «أرَأَيتَ إنْ لم أجِدْكَ؟ قال أبِي: كأنَّها تَعنِي الموتَ» [خ¦٧٣٦٠] كذا للجُلُوديِّ من رِواية الفارسِيِّ والسِّجزيِّ بباءٍ بواحِدَة مَكسُورةٍ، ولغَيرِه: «أَيْ» بياءٍ باثنتَين تحتَها ساكِنَة، حرفُ عِبارة عن الشَّيءِ، والوجهُ الرِّوايةُ الأولى؛ لأنَّ محمَّدَ بنَ جُبيرٍ راوي الحديثَ عن أبيه يقولُه عنه.
وفي خَبرِ عمرِو بنِ لُحَيِّ بنِ قَمَعةَ بنِ خِندِف: «أَبَا بنِي كَعبٍ» كذا للطَّبريِّ وابنِ ماهانَ، وعند غيرِهِما: «أخَا بَنِي كَعبٍ» وهو خطَأ، والصَّوابُ الأوَّل؛ لأنَّ كعبًا أحدُ بُطُون خُزاعةَ، وهم بنو عَمرٍو هذا، وعلى الصَّوابِ ذكَرَه ابنُ أبي شيبَةَ ومُصعبٌ الزُّبيريُّ وغيرُهما.
وفي حَديثِ «ما الدُّنيا في الآخِرَةِ»: «وأَشَارَ إسماعيلُ بالإبهام» كذا للجَميعِ، وعند السَّمرقَنديِّ: «بالبِهامِ»، وهو تصحِيفٌ، والمرادُ هنا الإبهام الَّذي هو أوَّلُ أصابعِ اليد، وأمَّا البِهامُ فجمْعُ بَهْمَةٍ، وهو واحِدةُ الضَّأنِ.
وفي فَضلِ عُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ: «قال: بأبيكَ أنتَ! سمِعتَ أبا هُرَيرةَ يحدِّثُ عن رسولِ اللهِ ﷺ » كذا قيَّدنا هذه الكلمة عن كافَّة شيُوخِنا للعذريِّ والسِّجزيِّ، وكذا في كتاب ابنِ أبي جَعفرٍ، وعند السَّمرقنديِّ: «أي»، وفي بَعضِ الرِّواياتِ عنهُم: «فأُنبِئُكَ؟! أنِّي سَمِعتُ»، وكذا لابنِ ماهانَ.
زاد في هامش (م) وفي (غ): (فصَوابه أبا بني كعبٍ من الأبُوَّة، وانتصَب برأيتُ التي في أوَّلِ الكَلامِ)، وكذا في (المطالع).
فصلٌ منه
جاء ذِكرُ (زينب بنت أبي سلَمةَ) ولبعَضِهم: (بنت أمِّ سلَمةَ) وكِلاهُما صَحيحٌ، هي بنتُ أمِّ سلمَةَ وأبوها أبو سلَمَةَ.
من ذلك في (بابِ مَن خاصَم في باطلٍ): (أنَّ زينبَ بنتَ أمِّ سلَمةَ) [خ¦٢٤٥٨] كذا لجَميعِهم، وللجُرجانيِّ: (بنتَ أَبِي سلَمةَ)، ومن ذلك في (بابِ ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد
стр. 27
اقتَربَ): (بنتُ أبِي سلَمَةَ) للكافَّة، و (بنتِ أمِّ سلَمَةَ) [خ¦٧٠٥٩] للسَّمرقَنديِّ.
في حَديثِ أمِّ هانئٍ ﵂: «زعَمَ ابنُ أَبِي» كذا للحَمُّوييِّ، وللكافَّة: «ابنُ أُمِّي» [خ¦٣٥٧] وكِلاهُما صحيحٌ؛ لأنَّها شَقِيقتُه، و «ابنُ أُمِّي» هنا أشهَرُ في الحديِث، وأظهَرُ في المعنى؛ للتَّنبيهِ على حُرمةِ البَطنِ، قال الله تعالى: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤].
وفي (بابِ صَلاةِ الضُّحى): (عن أبي مُرَّةَ مولى أمِّ هانِئٍ عن أبي الدَّردَاءِ) كذا لابنِ سفيانَ، وعند ابنِ ماهانَ: (عن أُمِّ الدَّردَاءِ) وهو وهمٌ، والصَّوابُ الأوَّل.
وفي (بابِ كَراهِيَة أن تُعرَى المَدينَة): (وقال ابنُ زُرَيعٍ عن رَوحِ بنِ القاسمِ عن زيدِ بنِ أسلَمَ عن أبِيه عن حفصَةَ) كذا في أصلِ الأصِيليِّ، ثمَّ غَيَّرَهُ وكتَب: (عن أُمِّه [خ¦١٨٩٠] لأبي زيدٍ)، وكذا عند النَّسفيِّ وأبي ذرٍّ، وقولُ البُخاريِّ بعد هذا: (وقال هشامٌ: عن زيدٍ عن أبيه) [خ¦١٨٩٠] يدلُّ أنَّ رواية رَوحٍ: (عن أُمِّه) كما رَوَتْه الجماعةُ.
وفي (بابِ لُحومِ الحمُرِ): (حدَّثنا إسرائيلُ عن مَجزَأةَ بنِ زاهرٍ الأسلَمِيِّ عن أبيه وكان ممَّنْ شهِدَ الشَّجرَةَ) [خ¦٤١٧٣] كذا لهم، وعند القابسِيِّ: (عن أنسٍ) مكانَ (أبيه) وهو وهمٌ، قال القابسيُّ: كذا وقَع في كتابي: (عن أنسٍ)، والصَّحيحُ (عن أبيه).
وفي (بابِ الخِطْبة على خِطْبة أخيه): (عن العَلاءِ وسُهَيلٍ عن أبِيهما) كذا روَيناهُ بكَسرِ الباء، قال بعضُهم: وهو وهم، وليسَا بأخَوَينِ، وصَوابُه: (عن أبَوَيهِما) إلَّا أن يُضبَطَ: (أبَيهِما) بفَتحِ الباء على لُغَة مَنْ بَنَى «أَبَا» على ذلك فيخرَّجُ.
وأمَّا الخلافُ بين أبي فُلانٍ وابنِ فُلانٍ فيأتي في الأسْماءِ بعدُ.
الهَمزةُ مع التَّاء
١٠ - (أ ت ر) قوله: «ثَوبٌ إِتْرِبِيٌّ» بكَسرِ الهَمزةِ وسُكونِ التَّاء وكَسرِ الرَّاء بعدها باءٌ بواحدَةٍ مَكسُورةٍ منسوبٌ إلى قَريةٍ بمِصرَ.
قوله: «قطَعَ في أُتْرُجَّةٍ»، و «مَثلُ المُؤْمِنِ … مَثلُ الأُترُجَّةِ» [خ¦٥٠٢٠] بضمِّ الهَمزةِ وتَشديدِ الجيم، ويقال أيضًا: أُترُنجة بزيادةِ نُونٍ، وفيها لغَةٌ ثالثة: تُرُنْجة بغير همزة، حكاها أبو زَيدٍ، وقد روِيَ بالوَجهَين الأوَّلَين في «المُوطَّأ» وغَيرِه، وهما لُغَتان مَعرُوفتان، والأُولَى أفصَحُ.
واختُلِف في التي حُكِم في سِرْقتها بالقَطع، فقال مالكٌ: هي هذه الَّتي تُؤكَلُ ولم تكن ذهَبًا، ولو كانت ذهبًا لم تُقوَّم، وفي الحديثِ
стр. 28
ذِكرُ قيمتِها، وقالَه أكثرُهم، وقال ابنُ كنانةَ: كانت من ذهَبٍ قَدْرَ الحِمَّصةِ يُجعَل فيها الطِّيبُ.
قال القاضي ﵀: ولا يبعُد قولُ مالكٍ ﵀، فقد تُباعُ في كثيرٍ من البِلاد بثَلاثةِ دراهِمَ، فكيف بالمدينَةِ وحين فاض المالُ وكثُرَت الدَّراهمُ؟!.
وقولُ البخاريِّ في تَفسيرِ الْمُتَّكَأ: «ليسَ في كلامِ العرَبِ الأُتْرُجُّ» [خ¦٦٥/ ١٢ - ٦٨٠٥] مَعناهُ: أنَّه لا يُعرَف في تفسير المتَّكأ، لا أنَّه أنكَرَ اللَّفْظةَ.
١١ - (أ ت ن) وقوله: «أتي تُ على أَتانٍ … فأرْسَلْتُ الأَتانَ تَرْتَعُ» [خ¦٧٦] هي الأُنثى من الحُمُر، مَفتُوحةُ الهَمزةِ، وجاء في بَعضِ رِواياتِ البُخاريِّ: «على حمارٍ أَتَانٍ» [خ¦٧٦] كذا ضبَطها الأَصيليُّ بتَنوينِ الحرفَينِ، ووَجهُه أن يكونَ أحدُهما بدلًا من الآخرِ، أو وصفًا له؛ لأنَّه قد جاء في حديثٍ «أَتَانٍ» مفْرَدًا، وجاء في آخر «حمارٍ» مُفرَدًا، فالأَوْلى الجمعُ بينهما.
قال لي شيخُنا أبو الحُسينِ سراجُ بنُ عبدِ الملك: يكون «أتان» وصفًا لحمارٍ، ومعناه: صُلبٌ قوِيٌّ، مأخوذٌ من الأتان، وهي الحِجارةُ الصُّلبةُ، قال لي: وقد يكون على بدلِ الغلَطِ.
قال القاضي ﵀: وقد يكونُ عندي على بدَلِ البعض من الكُلِّ؛ إذ قد يُطلَقُ حمارٌ على الجنس، فيشمَلُ الذَّكرَ والأنثى، كما قالوا: بعيرٌ للذَّكر والأُنثَى.
قال لي أبو الحُسين: وقد يكون: «على حمارِ أتانٍ» غيرَ منوَّنٍ على الإضافةِ؛ أي: حمارٍ أنثَى، وفَحلِ أُتُنٍ وفَحلةٍ. قال القاضي: وكذا وجدتُه مَضبُوطًا في بَعضِ الأصُولِ المَسمُوعةِ على أبي ذرٍّ.
١٢ - (أ ت ي) جاء في هذه الأصُول: «أَتى»، و «آتى»، و «آتي»، و «أَتَيت»، و «آتيت»، و «أُتُوا»، و «أُوتوا»، و «أتَوا»، و «آتوا»، مَقصُور وممدُود، فحيثما جاء من الإتيان بمعنَى المَجيء فهو مَقصُور الهَمزةِ، وإذا كان بِمعنَى الإعطاء فمَمدودُ الهَمزةِ.
وقوله في حَديثِ الهِجْرةِ: «أُتِينَا يا رسولَ الله» [خ¦٣٦١٥] مقصورُ الهمزةِ مَضمُومُها من الإِتيان؛ أي: أُدرِكنا ووُصِلَ إلينا.
وقولُه في النَّذر: «فهو يُؤتِي عليه ما لم يكُن يُؤتِ مِن قبلُ» [خ¦٦٦٩٤] بضمِّ الياء؛ أي: يُعطِي.
وممَّا يُشكِل من ذلك
في (بابِ كِسْوة المَرأةِ بالمَعرُوف) قول عليٍّ ﵁: «آتى إليَّ النبيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَراءَ» [خ¦٥٣٦٦] هذا بمدِّ الهَمزة؛ لأنَّه بمعنَى: أعطَى، و «إليَّ» مُشدَّدٌ، وبقيَّةُ الحديثِ يدُلُّ عليه، وفي روايةِ النَّسفيِّ: «بعَث» بمَعناهُ، وقد ضبَطه بعضُهم: «بُعِث إليَّ» على ما لم يسَمَّ فاعِلُه، وهو وهمٌ، وفي كتاب عُبدُوس: «أهدَى إليَّ
стр. 29
النَّبيُّ ﷺ »، وجاء في مَواضِعَ منها اختلافٌ نذكُرُه بعدُ.
وقوله: «وطَرِيقٌ مِئْتَاءٌ» [خ¦٤٦/ ٢٩ - ٣٨٧٦] بكَسرِ الميمِ ممدود وهمزةٍ ساكنةٍ وقد تسَهَّل؛ أي: محَجَّةٌ، ومَعناه كثيرُ السُّلوك عليها، مِفْعالٌ من الإتيان، يريدُ الموتَ؛ أي: إنَّ النَّاس كلَّهم يسلُكونها، قال أبو عُبيدَ: وبعضُهم يقول فيه: طريق مأتِيٌّ؛ أي: يأتي عليه النَّاسُ، وكِلاهما بمعنًى.
قوله في (بابِ أكلِ الثُّومِ): «وكان رسولُ الله ﷺ يُؤتَى» وتمَّ الحديثُ عند أكثرِهم، زاد في رِوايةٍ: «بالوَحْي»، وفي أُخرَى: «يَعنِي يأتيه جِبريلُ»، وهو معناه هنا.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ فيه
ذكَر البُخاريُّ في التَّفسيرِ في قوله: «﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَعْطِيا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أعْطَيْنا» [خ¦٦٥/ ٤١ - ٧٠٥٨].
قال القاضي: وليس أتى هنا بمعنَى أعطى، وإنَّما هو من الإتيانِ والمَجيءِ والانفعالِ المَوجُود، بدَليلِ الآية نَفسِها، وبهذا فسَّر المفسِّرون، أنَّ مَعناه: جِيئَا بما خلَقتُ فيكما وأظهِراه، ومثلُه مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وقد رُوِيَ عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ نحو ما ذكَره البُخاريُّ، لكنَّه يُخرَّج على تقريب المعنى: أنَّهما لمَّا أُمِرَتا بإخراج ما بثَّ فيهما من شَمسٍ ونُجومٍ وقَمرٍ وأنهارٍ ونَباتٍ وثَمرٍ كان كالإعطاء، فعبَّر بالإعْطاء عن المَجيء بما أُودِعتاه، والله أعلم.
وقوله في صِفَة نزُول الوَحي: «فلمَّا أُتْلِيَ عنه» بضَمِّ الهمزةِ وتاءٍ باثنتَين فوقَها ساكنةٍ ولامٍ مَكسُورة مثل أُعْطِيَ، كذا قيَّده شيخُنا القاضي أبو عبد الله بنُ عيسى عن الجَيَّانيِّ، وعند الفارِسيِّ مِثلُه إلَّا أنَّه بثاءٍ مُثلَّثةٍ، وعند العُذريِّ من طريقِ شَيخِنا الأسديِّ: «أُثِلَ» بكَسرِ الثَّاء المُثلَّثة مثل ضُرِبَ، وكان عند شَيخِنا القاضي الحافظِ أبي عليٍّ: «أُجْلِيَ» بالجيمِ مثل أُعْطِيَ أيضًا، وعند ابنِ ماهانَ: «انجَلى» بالنُّون، وكذا رواه البُخاريُّ [خ¦١٢٥].
وهاتان الرِّوايَتان لهما وجهٌ؛ أي: انكَشَف عنه وذهب وفُرِّجَ عنه، يقال: انجلى عنه الغمُّ وأجليتُه عنه؛ أي: فرَجتُه فتَفرَّجَ، وأَجْلَوا عن قَتِيلٍ؛ أي: انفرَجُوا عنه وترَكُوه.
стр. 30
وقال بعضُهم لعلَّه: «أوتُلِيَ» أي: قُصِّرَ عنه وأُمسِكَ، من قَولِهم: لم يَأْلُ يَفعَلُ كذا؛ أي: لم يُقصِّر.
وقال بعضُهم لعلَّه: «أُعْلِيَ عنه» تصحَّف منه «انجَلَى» أو «أُجْلِيَ»، وكذا رواه ابنُ أبي خَيثَمةَ؛ أي: نُحِّيَ عنه، كما قال أبو جَهلٍ: «اعْلُ عنِّي» أي: تنَحَّ.
وفي البُخاريِّ في سُورةِ سُبحانَ: «فلمَّا نَزَلَ الوَحْيُ» [خ¦٤٧٢١]، وكذا في مُسلمٍ في حَديثِ سُؤالِ اليَهوديِّ، وهذا وهمٌ بَيِّنٌ؛ لأنَّه إنَّما جاء هذا الفصلُ عند انكشافِ الوَحيِ، وفي البُخاريِّ في كتابِ الاعْتِصام: «فلمَّا صَعِدَ الوَحْيُ» [خ¦٧٢٩٧]، وهذا صحيحٌ من نحو ما تقدَّم أوَّلًا.
في (بابِ الدَّليلِ على أنَّ الخُمُسَ لنوائبِ المُسلمِين) في حديثِ عبد الله بنِ عبدِ الوَهَّاب: «كنَّا عندَ أبِي موسَى فأَتَى ذِكْرَ دَجَاجةٍ» [خ¦٣١٣٣] كذا لأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ وبَعضِهم بفَتحِ الهَمزةِ وكَسرِ الذَّال، وعند الأَصيليِّ: «فأُتِيَ-ذَكَرَ- دَجَاجةً» بضمِّ الهمزة على ما لم يسَمَّ فاعلُه و «ذكَر» فِعل ماضٍ، وهذا أشبَه، كما قال في غيرِ هذا البابِ: «فأُتِيَ بلَحمِ دجاجٍ» [خ¦٥٥١٨]، وبدليلِ قَولِه في هذا الحديثِ: «فدَعَاهُ للطَّعامِ» [خ¦٣١٣٣] كأنَّه شكَّ الرَّاوي بما أُتِيَ به، لكنَّه ذكَر أنَّ فيه دجاجَةً.
وقوله في حَديثِ امْرَأةِ أبي أُسَيدٍ في خَبرِ النَّبيذِ: «فلمَّا فرَغَ من الطَّعامِ أتَتْهُ فسَقَتْه» كذا لابنِ الحذَّاء، وللبَاقِين: «أماثَتْه فسَقَتْه» [خ¦٥١٨٢] أي: عَرَكَتْه؛ يعني التَّمرَ المَنقوعَ، وهو الصَّوابُ.
وفي (بابِ الجُلوسِ في أفنِيَة الدُّورِ): «فإذا أتَيتُم إلى المَجالِسِ فأَعطُوا الطَّريقَ حقَّها» كذا عندهم عن البُخاريِّ [خ¦٢٤٦٥] لكافَّة رُواة الفِرَبرِيِّ والنَّسفي بالتَّاء هنا من الإتيان، و «إلى» حرفُ الخفضِ والغَايةِ، وهو وهمٌ، والصَّوابُ ما جاء في كتاب الاستئذان وغَيرِ هذا المَوضعِ: «فإن أَبَيْتُمْ إلَّا» [خ¦٦٢٢٩] بالباء بواحدَةٍ و «إلَّا» حرف استثناء.
قوله: «كنَّا نَمُرُّ على هِشامِ بنِ عامرٍ فنَأْتي عِمْرانَ بنَ الحُصَينِ، فقَال لنا ذاتَ يَومٍ» كذا لهم، وعند السَّمرقَنديِّ: «فأتى عِمرانُ» وهو وهمٌ، والأوَّلُ الصَّوابُ بدَليلِ قوله بعدُ: «إنَّكم لتجاوِزُونني إلى رجالٍ … » الحديثَ، وقائل هذا هو هشامٌ للَّذِين كانوا يَمُرُّون عليه
стр. 31
ويجاوِزونه إلى عِمرانَ.
وفي حديث «يَتعاقَبونَ فيكم ملائكةٌ باللَّيلِ والنَّهارِ» قوله: «أتَيناهُم وهُم يُصَلُّون» [خ¦٥٥٥] كذا للجُمهور، وهو الصَّوابُ، وللأَصيليِّ في «موطَّأ يحيى»: «أتَيتُهم» على الإفرادِ، وهو وهمٌ.
قوله في عُمرَةِ الحُديبِيَة: «فإنْ يأتُونا كانوا قد قطَع الله
عَيْنًا مِن المُشرِكينَ» [خ¦٤١٧٩] كذا للجُرجانيِّ والمَروَزيِّ والهَرويِّ والنَّسفيِّ وكافَّة الرُّواةِ من الإتيان، وعند ابن السَّكنِ: «بَاتُّونا» بباءٍ بواحدَةٍ وتَشديدِ التَّاء من البَتَاتِ بمعنَى قاطَعونا بإظهار المُحارَبة، والأوَّلُ أظهرُ هنا.
الهَمزةُ مع الثَّاء
١٣ - (أ ث ر) قوله للأنصَارِ: «سَتَلقَونَ بعدِي أُثْرَةً» [خ¦٣٧٩٢] بضمِّ الهمزة وسُكون الثَّاء، ويُروَى: «أَثَرةً» بفَتحِهما، وبالوَجهَين قيَّده أبو عليٍّ الحافظُ الجَيَّانيُّ، وبالفَتحِ قيَّده الأَصيليُّ، وهو ضبطُ الصَّدفيِّ والطَّبريِّ والهَوزَنيِّ من الرُّواةِ، وقيَّدناه عن الأَسديِّ وآخرين بالضَّمِّ، والوَجهَان صَحِيحان، ويقال أيضًا: «إِثْرَةً» بالكَسرِ وسُكون الثَّاء.
قال الأزْهَريُّ: وهو الاسْتِئثار؛ أي: يُستأثَر عليكم بأمُور الدُّنيا، ويُفضِّل عليكم غيرُكم نَفسَه، ولا يُجعَلُ لكم في الأمرِ نصيبٌ، وحكى لي شَيخِي أبو عبدِ الله محمَّدُ بنُ سُليمانَ النَّحويُّ عن أبي عليٍّ القالي: أنَّ الأثرَةَ الشِّدَّةُ، وبه كان يتأوَّلُ الحديثَ، والتَّفسيرُ الأوَّل أظهَرُ، وعليه الأكثرُ، وسِياقُ الحديثِ وسَببُه يَشهَدُ له، وهو إيثارُهم المُهاجِرينَ على أنفُسِهم، فأجابَهم ﷺ بهذا.
وفي الحَديثِ الآخَرِ: «فآثَرَ الأنصَارُ المهاجِرِينَ» [خ¦٢٤/ ١٨ - ٢٢٤٥] أي: فضَّلُوهم، وفي البَيعةِ: «وأَثَرَةٍ عليكَ» [خ¦٧٠٥٦] كلُّه بمَعنًى.
وفي حَديثِ بنتِ محمَّدِ بنِ مَسلمَةَ: «فآثَرَ الشَّابَّة علَيها» أي: فضَّلها، وفيه: «فأَصبِرُ على الأُثْرَة» رَوَيناه في «المُوطَّأ» بالضَّمِّ، وعن الجَيَّانيِّ فيها بالفَتح أيضًا، وهو بمعنَى ما تقدَّم.
وفي حَديثِ عائشةَ ووَفاةِ عمرَ ﵄: «وكان إذا أرْسَلَ إليها أحَدٌ من الصَّحابَةِ أنْ يُدفَنَ مع أبي بكرٍ قالَتْ: والله لا أُوثِرُهم بأحدٍ أبَدًا» [خ¦٧٣٢٨] تعني غيرَ نَفسِها لتُدفَنَ معهما، كذا في جميع النُّسخِ، ومعناه عندي-إنْ صحَّت هذه الرِّوايةُ- على القَلبِ؛ أي: لا أوثِرُ أحدًا بهم؛
стр. 32
أي: لا أكرِمُه بدَفنِه معهم، تعني النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ.
ولعلَّه: لا أُثِيرُهم بأحدٍ؛ أي: لا أنبُشُ التُّرابَ وأُثِيرُه حولهم لدَفن أحدٍ، وتكُون «الباء» هنا مَكانِ «اللَّام»، يقال: أَثَرتُ الأرضَ؛ إذا: أخرَجتَ تُرابَها، قال الله تعالى: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩].
وفي حَديثِ عمرَ ﵁: «ذاكِرًا ولا آثِرًا» [خ¦٦٦٤٧] أي: حاكيًا عن غَيرِي.
وفي حَديث أبي سُفيانَ: «لولا … أنْ يأثروا عليَّ كذِبًا» [خ¦٧] بضمِّ الثَّاء مُثلَّثةً؛ أي: يحكوه عنِّي ويتَّحدَّثوا به، أَثَرْتُ الحديثَ مقصورُ الهمزةِ، آثُرُهُ بالمدِّ وضمِّ الثَّاء، أَثْرًا ساكنةَ الثَّاء، حدَّثتُ به.
وقوله: «فيَظلُّ أثَرُها كأَثرِ المَجْلِ» [خ¦٧٠٨٦] بفَتحِهما رَوَيناهُ، ويصِحُّ فيه الضَّمُّ، أثْرُ الجرحِ بضمِّ الهَمزةِ وفَتحِها وسُكون الثَّاء، وأَثَره بفَتحِهما، وكذا أَثَرُ الإِنسانِ وغَيرِه، وبَقِيةُ كلِّ شيءٍ أَثَرُهُ، والأَثَر أيضًا الأجَلُ، ومنه: «مَن أحَبَّ أن يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِه» [خ¦٥٩٨٦] أي: يؤخَّرَ في أجَلِه.
وفي حَديثِ ابنِ الزُّبيرِ وابنِ عبَّاسٍ ﵃: «فَآثَرَ التُّوَيتَاتِ وكذا وكذا» [خ¦٤٦٦٥] أي: فضَّلَهم، ومِثلُه: «على أَثَرهِ» [خ¦٥٠٤] بفَتحِهما أيضًا، ويقال: بكَسرِ الهَمزةِ وسُكون الثَّاء [خ¦٦٣٢]؛ أي متَّبِعًا له بعدَه.
وقولهم: «وعَفَا الأَثَرُ» [خ¦١٥٦٤] أي: درَس أثَرُ الحُجَّاج في الأرضِ، وقيل: أَثَر الدَّبَر من ظُهور الإِبل من المحامِلِ والأَقتابِ، وقيل: أَثَرُ الشَّعَثِ عن الحاجِّ ونَصَبُ سَفرِهم.
١٤ - (أ ث ل) قوله: «مِنْ أَثْلِ الغابَةِ» [خ¦٣٧٧] بفَتحِ الهَمزةِ وسُكون الثَّاء، هو شَجر يُشبِه الطَّرْفاءَ أعظمُ منه، وقيل: هو الطَّرفاءُ نفسُها.
стр. 33
وقوله: «إنَّه لأوَّلُ مالٍ تَأَثَّلتُه في الإِسلام» [خ¦٢١٠٠] أي: اتَّخذتُه أصلًا، وأُثْلةُ الشَّيء بضمِّ الهَمزةِ وسُكون الثَّاء أصلُه، ومِثلُه قولُه: «غَيرَ مُتَأثِّلٍ مالًا» [خ¦٢٣١٣].
١٥ - (أ ث م) قوله: «فأَخبَرَ بها مُعاذٌ عند مَوتِه تَأَثُّمًا» [خ¦١٢٨] أي: تحرُّجًا وخَوفًا من الإثم، ومِثلُه قولُه: «فلمَّا كانَ الإسلامُ تأَثَّمُوا منه» [خ¦٢٠٥٠] أي: خافُوا الإثمَ.
وقوله في الَّذي يحلِف بالطَّلاق: «ثُمَّ أَثِمَ» أي: حنِثَ.
وقوله: «آثَمُ عِندَ الله» [خ¦٦٦٢٥] ممدود الهمزة؛ أي: أعظمُ إثمًا.
وقولُه في (بابِ الصَّلاة في الرِّحال): «كرِهتُ أنْ أُؤَثِّمَكم» [خ¦٦٦٨] أي: أُدخِلَ عليكم إثمًا بسَببِ ما يدخُلُ عليكم من المَشقَّة والحرَجِ، فربما كان مع ذلك السَّخَطُ وكراهةُ الطَّاعة، كما جاء في الحديثِ الآخَرِ: «أُحْرِجَكُمْ» [خ¦٦٦٨].
وذكر «الإِثْمِد» [خ¦٧٦/ ١٨ - ٨٤٩٩] بكَسرِ الهَمزةِ، وهو حَجرٌ يُصنَع منه الكُحلُ مَعلُومٌ.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ فيه
في صَدرِ مُسلمٍ عند ذِكْر الأخبارِ الضَّعيفَةِ قوله: «ورَدَّ مَقالَته بقَدرِ ما يَلِيقُ بها مِن الرَّدِّ أحْرى على الآثَامِ» كذا عند العُذريِّ بالحاء والرَّاء في الكَلِمة الأولى، وبالثَّاء المُثلَّثة في الثَّانِية، وعندَ ابنِ ماهانَ: «الأيَّامِ» بالياء أُختِ الواو، وكِلاهُما وهمٌ لا معنى له يصِحُّ هنا، وصَوابُه ما عند الفارسيِّ: «أَجْدَى على الأَنامِ» بالجيمِ والدَّالِ في الأُولى وبالنُّون في الثَّانية؛ أي: أنفَعُ لهم، بدَليلِ قولِه بعدُ: «وأحمَدُ لِلْعاقِبَةِ».
في الحجِّ: «اغسِلْ أثَرَ الخَلُوقِ وأَثَرَ الصُّفرَةِ» كذا لابنِ السَّكَن، ولغَيرِه: «وأَنْقِ الصُّفرَةَ» [خ¦١٧٨٩] بالنُّون والقافِ، وهما بمعنًى، لكنَّ الأَوْجَهَ الآخِرُ، والله أعلم.
قوله في حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ: «فآثَرَ التُّوَيتاتِ وكذا وكذا» [خ¦٤٦٦٥] كذا عند
стр. 34
الكافَّةِ، وهو الصَّوابُ، وعند الفارسيِّ: «فأينَ؟»، وكذا في كتاب عُبدُوس، وهو وهمٌ قبيحٌ، والصَّوابُ الأوَّلُ؛ أي: فضَّلهم عليَّ، كما قدَّمْنا، والتُّوَيتاتُ ومَن ذُكِرَ معهُم بطونٌ مِن بني أسدٍ فسَّرهم في الكتابِ، سنذكُرُهم في حَرفِ التَّاء في فَصلِ الأسْماءِ.
وقولُه في الضِّيافَةِ: «ولا يَحِلُّ له أنْ يقِيمَ عِندَه حتَّى يُؤْثِمَه» كذا لجُمهُورِهم حيثُ وقَع، ومعناه: أن يُدخِلَ عليه إثمًا من الضَّجَر به، كما قال في الرِّواية الأُخرَى: «حتَّى يُحرِجَهُ» [خ¦٦١٣٥] فيكون حَرَجُهُ بسَببِ كلامٍ يقولُه أو فعلٍ يفعَلُه يَأثَمُ فيه، وعند بَعضِ رُواةِ مُسلمٍ: «حتَّى يؤْلِمَه» باللَّام، ومَعناه قريبٌ لو صحَّت الرِّوايةُ ولكنَّ الأوَّلَ المَعرُوفُ في التَّفسيرِ.
قوله: «﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩]: لا تُؤثِّمْني» كذا لابنِ السَّكنِ، وعند الجُرجانيِّ والمُستَملي: «تُوهِّنِّي» بالهاء المشدَّدةِ والنُّونِ، وللمَروَزيِّ والحَمُّوييِّ وأبي الهَيثمِ: «تُوَبِّخْني» [خ¦٦٥/ ٩ - ٦٧٣٩]، والصَّوابُ الأوَّلُ مع دَليل سَببِ نزُول الآيةِ الَّتي قال المنافقُ فيها ما قال.
وقوله في التَّفسير: «﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمَّد: ٤]: آثَامَها» كذا في النُّسَخ للبُخاري [خ¦٦٥/ ٤٧ - ٧٠٩٢]، قال القابسيُّ: لا أدري ما هذا، وأيُّ آثامٍ للحَربِ تُوضَعُ؟!، قال القاضي ﵀: ما قاله البخاريُّ صحيحٌ، لكنَّ المرادُ آثامُ أهلِها المُجاهِدين، وقيل: حتَّى تضَعَ أهلَ الآثام فلا يبقى مشرِكٌ، قال الفرَّاءُ: الهاءُ في أوْزارِها عائدٌ على أهلِ الحَربِ؛ أي: آثامَهُم، ويحتَمِل أن يعودَ على الحَربِ، و «أوْزارُها» سِلاحُها.
الهَمزةُ مع الجيمِ
١٦ - (أ ج ج) قوله: «نَارٌ تَأَجَّجُ»
بفَتحِ التَّاء؛ أي: تشتعِل، أجَّت النَّارُ أجيجًا.
١٧ - (أ ج ر) وقوله: «اللهمَّ آجِرني في مُصيبَتي» رَوَيناه بالمدِّ للهمزة وكَسرِ الجيم، وبالقَصرِ وتَسهيلِ الهَمزةِ، أو تسكينِها وضمِّ الجيم.
وقوله: «آجَرَهُ الله» بالوَجهَين أيضًا بمدِّ الهمزة وقَصرِها، يقال: أجرَه الله بالقصر، يأْجُرُه بالضَّمِّ، وآجَرَهُ لُغَتان، وأنكَر الأصمعيُّ المدَّ، وكذلك من الإجارةِ للأجير أيضًا، فأمَّا قولُه: «أَجَرْنَا مَن أَجَرْتِ يا أمَّ هانِئٍ» [خ¦٣٥٧]، و «أَجَرْنَا أبا بَكْرٍ» [خ¦٣٩٠٥] فلَيس
стр. 35
مِن هذا، هو الجِوارُ مِن أجَارَ يُجِيرُ.
١٨ - (أ ج ل) قوله: «أنْ تَقتُلَ وَلدَكَ أَجْلَ أنْ يأكُلَ معَكَ» بفَتحِ الهَمزةِ وسُكونِ الجيمِ، كذا ذكَرَه البُخاريُّ في الحدود [خ¦٦٨١١]، وفي النَّهي عن المُناجَاة: «أَجْلَ أن يُحزِنَه» [خ¦٦٢٩٠] مِثلُه، كلُّه بمعنَى من أجْل؛ أي: من سبَبٍ، وقد قيل في هذا: إِجْلَ، ومن إِجْلِ بكَسرِ الهَمزةِ أيضًا، وهما صحيحان.
وجاء في غير حديث: «أَجَلْ» [خ¦٥٢٢٨] بفَتحِ الجيمِ والهَمزةِ وسُكونِ اللَّامِ، بمعنى نَعَمْ، وكذلك الأَجَلُ الَّذي هو مُنتَهى المُدةِ وغايةُ الشَّيء.
وقوله في رُوحِ المُؤمنِ والكَافرِ: «انطَلِقُوا به إلى آخِرِ الأَجَلِ» مَعناه-والله أعلم-: إلى مُنتهَى مُستقرِّ أرواحِها، لهذا سِدرةُ المُنتهَى، ولهذا سِجِّينٌ، جعَل المُنتهَى لعلُوِّ هذا ونُزولِ الآخَرِ كغايةِ الأجَلِ لما أُجِّلَ.
١٩ - (أ ج م) قوله: «أُجُمِ حسَّانَ»، و «أُجُمِ بني ساعِدةَ» [خ¦٥٦٣٧] بضمِّ الهَمزةِ والجيمِ، الأُجُمُ الحِصْنُ، وجمعه آجامٌ بالمَدِّ، وإِجامٌ بالكسرِ والقَصرِ.
٢٠ - (أ ج ن) قولُه في تَفسيرِ قَولِه: «وكانَ بُطْحانُ يجرِي نَجْلًا يعني ماءً آجِنًا» [خ¦١٨٨٩] أي: مُتغيِّرَ الرِّيحِ بمدِّ الهَمزةِ، يقال منه: أَجَنَ الماءُ وأَجِنَ بالفتح والكسر معًا، كذا جاء في البُخاريِّ في تَفسيرِه في الحديثِ، وهو غيرُ صَحيحٍ، والنَّجْلُ النَّابِعُ الجاري قليلًا، وسَنذكُرُه في مَوضعِه [ن ج ل].
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ فيه
في أيَّامِ الجاهِليَّة: «أنَّ رَجُلًا مِن بني هاشِمٍ استأجَرَ رَجُلًا مِن قُرَيشٍ» كذا لهم، وعند الأَصِيليِّ وحدَه: «استأجَرَهُ رجُلٌ» [خ¦٣٨٤٥]، وهو الصَّوابُ، وعليه يدُلُّ بقيَّةُ الحديثِ.
في حَديث الغارِ: «كلُّ ما تَرى مِن أَجرِكَ» [خ¦٢٢٧٢] كذا لهم، وعند المَرْوزيِّ: «مِن أَجلِكَ»، وكِلاهُما صحيحٌ؛ أي: مِن أَجْرِكَ
стр. 36
أَصْلُهُ ومنه نمَا وكَثُرَ، ومِن أجلِكَ أنمَيتُه، ولكَ أثمَرتُه.
وفي الإجارة: «استَأجَرَ أجِيرًا فبيَّنَ له الأَجْرَ» كذا للأَصيليِّ، ولغَيرِه: «الأجَلَ» [خ¦٣٧/ ٦ - ٣٥٣١]، وكِلاهُما صَحيحٌ، وباللَّام أوجَهُ وأصوَبُ لموافقَةِ الآيةِ الَّتي ذكَرَ في الباب في قِصَّة موسى وشعيبٍ.
وفي حديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «كان يَأجُرُ الأرضَ» ثلاثيٌّ، كذا لهم، وعند السَّمرقنديِّ: «يأخُذُ»، وهو تصحيفٌ، وقيل: صَوابُه «يؤاجِرُ» من الإجارَةِ، وقد تقدَّم صِحَّة اللُّغَتَينِ أجَرَ وآجَرَ ثُلاثيٌّ ورُباعيٌّ [أ ج ر].
الهَمزةُ مع الحاءِ
٢١ - (أ ح د) قوله: «شُدُّوا الرِّحَالَ … فإنَّه أحَدُ الجِهادَينِ» [خ¦١٥١٦] كذا روَيناهُ بالحاء والدَّال المهملتَينِ.
وقوله: «إلى مئةٍ لا يَبقَى على ظَهرِ الأَرضِ أَحَدٌ» [خ¦١١٦] يفسِّرُه الحديثُ الآخَرُ [خ¦٦٠١]؛ أي: ممَّنْ هو حيٌّ حينَئذٍ.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
في حديثِ المِقْدادِ ﵁: «إِحْدَى سَوْآتِكَ يا مِقدادُ» كذا لأكثَرِ شيُوخِنا، وعند ابنِ الحذَّاءِ والهَوزَنيِّ من طريقِ ابنِ ماهانَ: «أَخبِرْنِي» مكان «إِحْدَى»، وعند ابنِ الحذَّاءِ: «شرابك» مكانَ: «سَوآتِكَ»، والصَّوابُ الأوَّلُ؛ أي: إنَّ ضحِكَكَ وما صَنعتَ من أحَدِ أفعالِكَ السَّيِّئة، وجاء في بَعضِ النُّسخ: «ما شأنُكَ يا مِقدادُ؟!».
قوله في (بابِ عَلاماتِ النُّبوَّةِ): «لَيَأْتِيَنَّ على أحدِكُم زمانٌ لأَنْ يَرانِي أحَبُّ إليه مِن أنْ يكونَ له مِثلُ أهلِه ومالِه» [خ¦٣٥٨٩] كذا لكافَّتِهم، وعندَ المَروَزيِّ في عَرْضَة بغدادَ: «أحدِهم»، والأوَّلُ الصَّوابُ المَعرُوفُ، وكذا ذكَرَه مسلمٌ، وفيه في مُسلمٍ أيضًا إشكالٌ في حَرفٍ آخَرَ ذكَرْناه آخِرَ الكِتابِ.
وفي حَديثِ خيبرَ: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ شَيءٌ أَحَدٌ» كذا للمَرْوَزيِّ، ولغَيرِه: «واحِدٌ» [خ¦٣٥٠٢]، قيل: هما بمعنًى، وقيل: بينهما فَرقٌ؛ وأنَّ «الأحَدَ» المنفَرِدُ بشَيءٍ لا يُشارَكُ فيه، وقيل: «الأحَدُ» مختَصٌّ في صِفة الله تعالى، ولا يُقال: رجلٌ أحَدٌ، وقيل: «الواحدُ» المُنفرِدُ
стр. 37
بالذَّاتِ، و «الأحَدُ» المُنفرِدُ بالمعنَى، ومنه في أسماءِ الله تعالى: «الواحِدُ الأحَد»، وقيل: الفَرقُ بينَهما أنَّ «واحِدًا» اسمٌ لمفتاحِ العَددِ ومِن جِنسِه، و «أحَدٌ» لنَفْيِ ما يُذكَرُ معه من العَددِ، قالوا: وأصلُ أَحَدٍ وَحَدٌ.
الهَمزةُ مع الخاءِ
٢٢ - (إخ إخ) في حَديثِ أسماءَ ﵂: «فقال: إِخْ إِخْ لِيَحمِلَني خَلْفَه» [خ¦٢٥٢٣] بكَسرِ الهَمزةِ وسُكونِ الخاء، كلِمةٌ تُقالُ للجمَلِ لِيَبرُكَ.
٢٣ - (أ خ ذ) قوله: «تأخُذ أمَّتي بِإِخَذِ القُرُونِ قبلَها» [خ¦٧٣١٩] كذا ضبَطه بعضُهم بكَسرِ الهَمزةِ وفَتحِ الخاءِ وصحَّحَه، جَمعُ إِخذَةٍ، مِثلُ كِسرَةٍ وكِسَرٍ، وكذا ذكَرَهُ ثعلبٌ، قال: يُقالُ: ما أَخَذَ إِخْذَهُ بالكَسرِ؛ أي: ما قصَدَ قصْدَه، وإِخْذُ القومِ طريقُهم وسبيلُهم، وقال غيرُه: يقال: أَخَذَ بنو فُلانٍ ومَن أخَذ أَخذَهُمْ وإِخذَهُمْ وأُخذَهُم، وقيل: مَعناه: الطُّرُقُ والأخلاقُ، وضبَطَهُ أكثرهم: أَخْذَ بفَتحِ الهَمزةِ وسُكونِ الخاء؛ أي: يَسلُكون سبيلَهم، ويتخَلَّقون بخُلُقِهم، ويفعلون أفعالَهم، ويتناوَلون في أمور الدُّنيا ما تناوَلوه، كما قال: «لتَسْلُكُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قَبلَكُم» [خ¦٣٤٥٦].
وفي الحديثِ ال آخَرِ في أهلِ الجنَّة: «نزَلُوا منازِلَهم وأَخَذُوا أَخَذَاتِهم» [خ¦٧٣١٩] كذا ضبَطناه هنا بفَتحِ الهَمزةِ والخاء، مَعناه: سلَكوا طرُقَهم إلى درجاتِهم، وحَلُّوا
محالَّهم، كما قال فيما تقدَّم قبله، وقد يكون بمعنى أخذوا أَخَذاتِهم؛ أي: حصَّلوا كرامةَ ربِّهم، وحازُوا ما أُعطُوا منها.
وقوله: «يُؤخَّذُ عنِ امْرأتِه» [خ¦٧٦/ ٤٩ - ٨٥٨٣] مُشدَّدُ الخاء؛ أي: يُحبَسُ عنها حتَّى لا يصِلَ إلى جِماعِها، والأُخْذَةُ بضمِّ الهمزة رُقيَةُ السَّاحرِ.
٢٤ - (أ خ ر) وقولُه: «إِنَّ الأَخِرَ زَنَا» بقَصرِ الهَمزَةِ وكَسرِ الخاءِ هنا، كذا روَيناه عن كافَّةِ شيُوخِنا، وبعضُ المشايخ يمُدُّ الهمزةَ، وكذا رُوِي عن الأَصيليِّ في «المُوطَّأ»، وهو خطَأ، وكذلك فَتْحُ الخاءِ هنا خطَأٌ، ومعناه: الأبعَدُ على الذَّمِّ، وقيل: الأَرذَلُ.
ومِثلُه في الحديث الآخَرِ: «المسألَةُ أَخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ» مَقصُور أيضًا؛ أي: أرذَلُه وأدْناهُ، وإن كان الخَطَّابِيُّ قد روَاهُ بالمَدِّ وحمَلَه على ظاهرِه، وأنَّ معناهُ: إنَّ ما كنتُم تقدِرونَ على مَعيشةٍ من غيرِها فلا تسألوا،
стр. 38
والثَّاني على طَريقِ الخبَر أنَّ مَن سأل اعتاد ذلك فلم يشتَغِل بغيره.
وقيل: الأخير بالياء هو الأبعَدُ، والأَخِرُ بغيرِ ياءٍ الغائبُ، وفي «تَفسير ابنِ مُزَينٍ»: الأَخِرُ اللَّئيمُ، وقيل: هو البائسُ الشَّقيُّ، وأمَّا الآخِرُ ضدُّ الأوَّلِ فمَمدودٌ، وكذلك الأخيرُ بمعنى المُتأخِّرِ ضدُّ المُتقدِّمِ، وكذلك الآخَرُ بفَتحِ الخاءِ بمعنَى الثَّاني ممدود، ومنه في المُلاعَنَةِ: «وأمَرَ أُنَيسًا أن يأتِيَ امرَأَةَ الآخَرِ» [خ¦٦٦٣٣] بالمدِّ والفَتحِ، وروَاه هنا ابنُ وضَّاحٍ: «الأخير».
وفي الحَديثِ الآخَرِ: «أَخِّرْ عنِّي يا عُمَرُ» [خ¦١٣٦٦] أي: أخِّرْ عنِّي قولَكَ أو رأْيَك أو نفسَكَ، فاختَصَر إيجازًا وبلاغةً.
قولُه في البيتِ المَعمورِ والمَلائكةِ: «إذا خرَجُوا منه لم يعُودُوا آخِرُ ما علَيهم» [خ¦٣٢٠٧] كذا رَوَيناه برَفعِ «آخِرُ» وفَتحِها، ومعناه: أنُّه آخِرُ دُخولِهم إيَّاه، كأنَّه قال: ذلكَ آخِرُ ما عليهم، يقال: لقِيتُه آخَرِيَّاً وبآخَرَةٍ بفَتحِهما، ولقِيتُه بأخَرَةٍ بالفَتح والكَسر معًا في الهَمزةِ والخاء مَفتُوحة، والضَّمُّ أوْجُه، وأمَّا الفتحُ فمعناه الظَّرف، ومعنى «ما عليهم» أي: مِن دُخُوله.
وذكر في الحَديثِ: «آخِرةُ الرَّحْلِ» [خ¦٥٩٦٧] ممدُود، عُودٌ في مُؤْخِرِه، وهو ضِدُّ قادِمَته، وفي بعضِ الأحاديثِ: «مُؤْخِرَةُ» [خ¦٥٠٧] بهَمزةٍ ساكنة وكسر الخاء، وذكَر أبو عُبيدٍ: أَخِرَة ومُؤخِرَة بكسر الخاء كما تقدَّم، وضبَطه الأَصيليُّ بخَطِّه مرَّة في البُخاريِّ بفَتحِ الميم وسُكونِ الواو وكَسرِ الخاء، ورواه بعضُهم «مُؤَخَّرَةُ» بضمِّ الميم وفَتحِ الهَمزةِ وتَشديدِ الخاء مَفتُوحةً، وأنكَر ابنُ قُتَيبة: مُؤخَّرَة، وقال ثابت: مُؤخِرةُ الرَّحلِ ومُقدِمته، ويجوز قادِمَته وآخِرَته، وقال ابنُ مَكِّي: لا يُقال مُقدِم ولا مُؤخِر بالكَسرِ إلَّا في العَين خاصَّة، وفي غَيرِها بالفَتحِ.
وقوله في رُوحِ المُؤمنِ والكافرِ: «انطلِقُوا بها إلى آخِرِ الأَجَلِ» يعني-والله أعلم-: مُنتهَى مُستقرِّ أرواحِ المُؤمنِين عند سِدْرة المُنتهى، وأرواح الكافرين في سِجِّين على ما جاء في الأخبار الأُخَر، ومَفهُوم كتاب الله تعالى.
стр. 39
وقوله: «أنتَ المقَدِّم وأنتَ المؤخِّرُ» [خ¦١١٢٠] قيل: معناه: المُنزِّل للأشياءِ منازلها، يقدِّم ما شاء من مخلُوقاتِه ويؤخِّر، ويقدِّم من شاء من عباده بتَوفيقِه، ويُؤخِّر من شاء بخذلانه.
٢٥ - (أ خ و) قوله: «شيَّبتني هُودٌ وأَخَواتُها» جاء مفسَّرًا في حديثٍ آخَر: «هُودٌ، والواقِعةُ والمُرسَلاتُ، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشَّمس كوِّرت» سُمِّيت أخواتٍ لها، قيل: لشبهِهنَّ لها بما فيها من الإنذار، وقيل: لأنهنَّ مكِّياتٌ، فهو كالميلادِ للإخوَةِ، وقيل: الَّذي شيَّبه منها ما فيها من ذلك، وقيل: قوله في هُودٍ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، والأوَّلُ أظهَر.
قوله: «يتَأَخَّى مُنَاخَ رَسولِ الله ﷺ » أي: يَتحرَّى ويقصد، ويقال بالواو * [خ¦١٥٣٥]، وهو الأصلُ.
فصلُ الاخْتلافِ والوَهمِ
في حديثِ عائشَةَ ﵂: «وأنَّه كانَ يدخُلُ عليها مَن أرضَعَه أخواتُها وبناتُ أُختِها» كذا رِوايةُ ابنِ وضَّاحٍ أو إصلاحُه بتاءٍ باثنتَين فوقَها في كتابِ شَيخِنا ابنِ عيسَى في حَديثِ عبدِ الرَّحمن بنِ القاسمِ، وعندَه اختلافٌ أيضًا في حَديثِ ابنِ شهابٍ، وعند غَيرِه من شيُوخِنا: «أَخِيها» باثنتَين من أسفَل بغَيرِ خِلافٍ، وهو صوابُ الكَلامِ وإن كان معنَى الرِّوايتَين في الفقه واحدًا، وممَّا لا يختَلِف فيه العُلماءُ، وإنَّما اختَلَفوا في لبَنِ الفَحلِ إذا أرضَعَت زَوجَتُه أو أَمَتُه لا ابنَتُه، كما قال في الحديثِ الآخرِ: «فكان يدخُلُ عليها مَنْ أرضَعَه أخواتُها وبناتُ أخِيها، ولا يدخُلُ عليها مَن أرضَعَه نساءُ إخوَتِها».
قوله: «يوشِكُ أنْ يُصَلِّيَ أحَدُكم الصُّبحَ أرْبَعًا-إلى قوله: - فلمَّا انصَرَفْنا أخَذْنا نقولُ: ما قالَ رسولُ الله ﷺ ؟» كذا لكافَّتهم؛ أي: جعَلنا وتنَاوَلنا مُذاكرة ما قال نبيُّنا، وعند بَعضِهم: «أَحَطْنا» بالحاء المُهمِلة والطَّاء، قيل: معناه: أحاط بعضُنا ببَعضٍ نَتذاكَر ذلك، وعندي أنَّ معناه: تجمَّعنا نَتذاكَر، قال صاحبُ «العين»: الحِمارُ يحُوطُ عانَته إذا جمَعها، ويقال: أحاط بالشَّيءِ وحاط به.
قوله في حَديثِ جابرٍ ﵁: «أَتُراني ماكَسْتُكَ لِآخُذَ جمَلَكَ؟! خُذْ جمَلَكَ ودَراهِمَكَ» [خ¦٢٠٩٧] كذا رَوَيناه عن القاضي أبي عليٍّ: «لِآخُذَ جمَلَكَ» بكَسرِ لَامِ العِلَّة وفتح الذَّالِ، وعند أبي بَحرٍ: «لا؛ خُذْ جمَلَكَ، خُذْ جمَلَكَ» بـ «لا» النَّافيةِ وضمِّ الخاء وسُكون الذَّال فيهما، والأوَّلُ أشبَه بالكَلامِ، وبما تقدَّمه.
стр. 40
وفي الفَضائلِ: «أخَذَ النَّبيُّ ﷺ سَيفًا، فقال … مَنْ يأخُذُه بحَقِّه؟» أي: يتناوَله، وعند العُذريِّ: «اتَّخَذ»، والصَّوابُ الأوَّلُ.
في (بابِ مَن دخَلَ ليَؤُمَّ النَّاسَ): «فجَاء الإمامُ فتَأخَّرَ الآخَرُ» كذا للأَصيليِّ بفَتحِ الخاء، وعند غَيرِه: «فتَأخَّرَ الأوَّلُ» [خ¦١٠/ ٤٨ - ١٠٨٧] أي: المُتقدِّم للصَّلاة أوَّلًا، وروايةُ الأصيليِّ أوجَه وإن كانا بمعنًى.
وفي فَضلِ أبي بَكرٍ ﵁: «ولكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلامِ» [خ¦٣٦٥٧] كذا للقَابِسيِّ والنَّسفيِّ والسَّمرقَنديِّ والسِّجزيِّ والهروِيِّ وعُبدُوس، كما جاء في سائرِ الأحاديثِ، قال نِفْطُويَه: إذا كانت من غير ولادةٍ فمَعناها المُشابَهة، وعند العُذريِّ والأَصيليِّ هنا: «ولكِنْ خُوَّةُ الإسلامِ»، وكذا جاء في (بابِ الخَوخَةِ في المَسجدِ) للجُرجانِيِّ والمَروزيِّ، وعند الهروِيِّ: «أُخُوَّةُ» [خ¦٤٦٦]، وعند النَّسفيِّ: «خُلَّةُ» [خ¦٤٦٧]، وكذا في (بابِ الهِجْرةِ) [خ¦٣٩٠٤].
قال شيخُنا أبو الحُسين بنُ الأخضَر النَّحويُّ: ووجهُه أنَّه نقل حرَكة الهَمزةِ إلى نُونِ «لكن» تَشبِيهًا بالْتِقاء السَّاكنَين، ثمَّ جاء منه الخرُوج من الكَسرةِ إلى الضَّمَّة فسَكَّنَ النُّون، ومِثلُه قوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] المعنى: لكن أنا، فنقل الهمزة ثمَّ سَكَّن وأدغم لاجتماع المِثلين، وقال أبو عُبيدٍ في الآية: إنَّه لما حُذِف الألف فالْتقَت نُونان، فجاء التَّشديدُ لذلك.
ومِثلُه في الحديثِ: «أجَنَّكَ مِن أصحابِ محمَّدٍ» أي: من أجل أنَّك. حُذِفت الألفُ واللَّامُ.
ومِثلُه قولُه:
«لَهِنَّكِ من عَبْسِيَّة لوَسِيمَة ..................... »
قال أبو عُبيدٍ: معناه: لله إنَّك، أسقَط إحدى اللَّامَين وحذَف الألفَ من «إنَّك»، وقال أبو مروان بنُ سراجٍ: أمَّا قوله: «لهنَّك» فإنَّما هو «لأنَّك» فأَبْدَلَ الهمزَةَ هاءً.
وعند مُسلمٍ في كتابِ الصِّيام: «في الجنَّةِ بابٌ يقالُ له الرَّيَّانُ، فإذا دخَلَ آخِرُهم أُغلِقَ» كذا للجَميعِ، وهو الصَّوابُ، وعند الفارِسيِّ: «فإذا دخَل أوَّلُهم»، وهو خطَأٌ بيِّنٌ.
وفي حَديثِ هِجْرة الحبَشةِ، قول عثمانَ لعُبيدِ الله بنِ عَديِّ بنِ الخِيارِ: «يا ابنَ أُختِي» كذا لجُمهُورِهم، وعند النَّسفيِّ وبَعضِهم: «يا ابنَ أخِي» [خ¦٣٨٧٢]، والأوَّلُ أوجَهُ؛ إذ في أوَّل الحديثِ: «كلِّمْ خالَكَ» وذلك أنَّ جدَّتَه من بني أُميَّة رَهْط عُثمانَ.
وفي حَديثِ عاصمٍ في الوِصال: «واصَلَ
следующие страницы →