اللغة-الأسماء:
إن لغة اليمن أو عرب الجنوب تعرف بلغة حمير، هي تختلف كثيرا عن لغة عرب الحجاز أو الشمال، وإن كانتا من أصل واحد، ولكن الفرق بينهما يدل على تباعد أصحابها في العادات والأخلاق فهما يختلفان في الإعراب، وفي الضمائر، وفي كثير من أحوال الاشتقاق والتصريف١.
لكل من الطائفتين أسماء خاصة لا تشاركها فيها الطائفة الأخرى ولا يخفى ما للأسماء من الدلالات الاجتماعية؛ وأسماء اليمنيين في الدولتين: المعينية، والسبئية تشبه الدولة الحمورابية أو البابلية: كقولهم "أب يدع"، والينع، ويثع إيل، ومعدي كرب، وأبو بكر، وعلهان، وكرب إيل" ونحو ذلك مما لا شبيه له عند عرب الشمال في الطور الثاني.
ويختص هؤلاء باسماء لا تجدها عند اليمنيين؛ لأنها من مقتضيات البداوة، ولذلك رأيت بينها كثيرا من أسماء الحيوانات؛ لكثرة وقوع أبصارهم عليها فألفوها، وأصبح لكل منها رمز عن خلق أو خصلة فسموا أبناءهم بها، وليس ذلك من بقايا الطوطيمة كما توهم بعضهم٢ فمن أسمائهم من هذا القبيل "أسد، ونمر، وثعلبة،
стр. 107
وكلب، وثعبان" ونحوها، وبعض أسمائهم تنسب إلى آلهتهم. كعبد اللات، وعبد العزى وعبد مناة، وبعضها مقتبس من الأمم المجاورة لهم كاليونان والسريان، وقد حرفوها، فامرؤ القيس مثلا نظنه تحريف "ماركوس" "مرقس" وربما تعمدوا تحريفه؛ ليكون له صبغة عربية، كما حرفوا: "سامرا" فجعلوها "سر من رأى" وكما جعلوا "وسارس" المعبود اليوناني "ذو الشرى" يؤيد ذلك: أن هذا الاسم "امرؤ القيس" لم يكن معروفا عند العرب قبل النصرانية، أو قبل مجاروتهم اليونان، وقد يتسمون بأسماء اليونان بعد ترجمتها "فالحارث" يجوز أن يكون ترجمة "حيور جيوس" اليونانية ومعناها العامل في الأرض، وصخر ترجمة "بطرس" ونحو ذلك.
وبعض أسماء أولئك البدو مأخوذ من الأوصاف أو المناقب مثل "سعيد، عامر، حسان، محمد" ونحوها، ولا عبرة بما أدخله العرب منها بين أسماء ملوك حمير مثل الحارث وعمرو فإنه قليل ولم نجد له ذكرا في الآثار المنقوشة.
٤- الأديان: يشترك هذان الشعبان في كثير من ضروب العبادة وفي عبادة بعض الأصنام، ولكنهما يختلفان في الإجمال؛ فآلهة اليمن أقرب إلى معبودات البابليين، وعندهم "عشتار، وإيل، وبعل" وغيرها، وأما الشماليون فيشتركون في عبادات تختلف عن تلك: "كاللات والعزى، ومناة، وهبل" وغيرها.
والعداء بين قحطان وعدنان قديم، تمتد جذوره إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام، وقد استمر هذا العداء بعد ظهور الإسلام وتمثل في العداء بن الأنصار من سكان المدينة، والقرشيين من سكان مكة، وقد كان لهذا العداء أثره البين على سير الحوادث في الإمبراطورية الإسلامية، وامتد حتى وصل الأندلس.
стр. 108
دول العرب قبل الإسلام
مدخل
...
دول العرب قبل الإسلام:
لقد قام قبل ظهور الإسلام قيام ثلاث دول عربية، وسقوطها على حدة وهي:
دولة الأنباط في الجنوب.
دولة تدمر في الشمال.
دولة الغساسنة بينهما.
وقد اشتركت هذه الدول ببعض أوصاف عامة في تاريخها المتعاقب، ويرجع أصلها إلى تحضير القبائل البدوية أو المتنقلة كما يرجع ازدهارها إلى المرور التجاري، وتحالفت كل منها لبعض الوقت باعتبارها دولة حاجزة مع الدولتين العالميتين؛ وهما: "روما وفارس" وتلقت المساعدات منها.
وقد قضت روما على الدولتين "النبطية والتدمرية"، وقضت بيزنطة وفارس على دولة الغساسنة، ثم قامت المناذرة والكنديون، وهم من القبائل الدبوية التي تحضرت.
يختلف الرواة ومؤرخو العرب في نسبة مؤسس الدول التي ظهرت قبيل ظهور الإسلام في شمال جزيرة العرب؛ فبعضهم ينسبهم إلى بني قحطان من حمير وكهلان أو معد أو العمالقة؛ وأهمها: دول الغساسنة في الشام، والمناذرة في العراق، وكندة في نجد..
وعلى أي حال فإن دليل قحطانية هذه الأمم يرجع إلى أقوال النسابين لكن هناك دليل يشير إلى عدنانية هذه الدول، وأنهم من عرب الشمال، وهو: معبوداتهم؛ فمعبوداتهم ترجع إلى عرب الشمال، ولو كانوا من عرب اليمن لوجدنا بين معبوداتهم اسم "عشتار أو إيل" أو نحوهما.
وكذلك يقال في: أسمائهم؛ فليس فيها رائحة الأعلام السبئية أو المعينية بل هي مثل أسماء سائر عرب الشمال قبلهم: كالأنباط ونحوهم، ومنها: "الحارث وثعلبة وجبلة والنعمان وغيرهم" ولا يعترض بما ذكره العرب بين أسماء ملوك حمير من أمثال هذه فإن أكثرها مبدل بأسماء شمالية وعدم تنافي ما ذكرناه على الأسماء التي وقفوا عليها في الآثار المنقوشة. أما الدليل على قحطانية هذه الأمم:
فقول النسابين وهو أضعف من أن يعول عليه، وما أغنى القحطانيين عن الرحلة إلى بادية الشام والعراق والرجوع إلى البداوة، وهي شاقة على من تعود الحضارة والرخاء.
стр. 109
كذلك يزعم نسابو العرب أن الغساسنة لم يرحلوا من اليمن إلى الشام رأسا؛ بل أقاموا حينا في تهامة بين "بلاد الأشعر وبين عكٍّ على ماء يقال له: غسان فنسبوا إليه"، ذكرها "بطليموس" في أواسط القرن الثاني للميلاد، قال: إنهم يقيمون على شواطئ جزيرة العرب الغربية نحو ما هو الآن: "تهامة"، لكن يرى جورجي زيدان: أنهم كانوا بالحقيقة من عرب تهامة العدنانيين؛ وأنشأوا لأنفسهم دولة تحت رعاية الروم في ما هو الآن: "البلقاء وحوران عرفت بدولة الغساسنة، أو بني غسان بصري في حوران"، وتعرف أنقاضها الآن "بابكي شام شام، وفيما كان دير "بحيرة الراهب"١.
وانتشر أهل البادية في بادية الشام والعراق والجزيرة، والحجاز والبحرين، ونجد قبائل كثيرة من البدو أهل الرحلة أكثرهم من: عدنان "عك" يتولاهم، أمراؤهم أو مشائخهم بلا دولة أو جند ولا حصون أو قلاع إلا نادرًا؛ وإنما قلاعهم: شجاعتهم وبداوتهم، كانت الدول المتحضرة تستعين بهم في حروبهم؛ فتسابق المناذرة والغساسنة إلى إدخالهم في رعايتهم، وكل منهما تنتمي إلى دولة كبرى: الغساسنة للروم، والمناذرة للفرس، ونشأت في أثناء ذلك دولة "كندة" وهي تنتمي إلى "حمير"، وكانت تنازعهما تلك السيادة، فأصبح عرب الشمال يتنازع السيادة عليهم ثلاث دول عربية تتناوب الفوز في ذلك على مقتضى الأحوال.
وكانت قبائل البدو من الجهة الأخرى ترغب في الدخول تحت حماية إحدى تلك الدول لما فطر عليه أهل البادية من التنازع والتخاصم؛ فكانت كل قبيلة تسعى في الانضمام إلى دولة تستنجدها أو تلجأ إلى جندها عند الحاجة؛ وقد يتسابق بعضهم إلى التقرب منها للتفاخر بخدمتها كما كان بنو يربوع يتفاخرون بردافة ملوك الحيرة؛ ومرت برهة من الدهر كان فيها الانتماء إلى إحدى تلك الدول كالفرض الواجب فمن لا ينتمي إلى إحداها سموه "الأحمس" والجمع "حمس"، وأشهر الحمس في الجاهلية: "حمس قريش" فكانوا لقاحًا لا يدينون للملوك٢؛ ويزداد العرب قربًا وبعدًا من إحدى الإمارتين تبعًا لسطوة الفرس أو الرومان وكانت الغلبة لهما.
стр. 110
أولا: الأنباط، عاصمتها بتراء:
فريق من الساميين أسسوا لهم دولة كانت تمتد من الجزء الجنوبي الشرقي في فلسطين إلى رأس خليج العقبة، وهو ما يسمى اليوم بشرق الأردن، وقد أطلق مؤرخو اليونان على بلادهم "أديبيا بترا" أي بلاد العرب الصخرية.
يقول حامد عبد القادر:
والمرجح أن الأنباط يرجعون إلى أصلين:
الأول: أرامي، وهو الفريق المحتل أو الدخيل.
الثاني: عربي، وهم سكان البلاد الأصليون الذين اختلط بهم الآراميون الفاتحون.
وعلى مر الزمن أخذ العرب الأصليون يتغلبون على الآراميين حتى قضوا عليهم، ولكن العنصر الآرامي في اللغة النبطية ظل متغلبًا على العنصر العربي، وقد انتشرت اللغة النبطية في تلك البلاد إلى أن طغت عليها الآرامية بعد أن أصبحت اللغة الرسمية في العالم الشرقي كله.
وقد اندمج هؤلاء السكان فيما بعد بالاتحاد النبطي ومعهم قبائل ثمود ولحيان في شمال الحجاز، وكان النباط لا يزالون رحَّلًا في القرن الرابع ق. م. يعيشون في خيام، ويتكلمون العربية، ويكرهون الخمر، ولا يهتمون بالزراعة؛ وفي القرن التالي تركوا حياة الرعي، واتبعوا حياة الاستقرار، وعملوا في الزراعة والتجارة.
وفي أواخر القرن الثاني كانا قد تحولوا إلى مجتمع منظم جدًّا متقدم في الحضارة، ومتصف بالتطور والترقي١.
إن كلمة "بتراء" وهي: اللفظ اليوناني لكلمة "صخر"، وفي العربية الفصحى:
"الرقيم"٢ هي ترجمة كلمة "سلع" العبرية ووادي موسى هو: الاسم الحديث للموقع بكامله؛ وكانت "البتراء" المدينة الوحيدة بين الأردن والحجاز التي توجد فيها
стр. 111
مياه غزيرة ونقية، وزيادة على ذلك كانت المدينة حصينة من جهاتها الثلاث: من الشرق والغرب والجنوب "وأصبحت البتراء" منذ أواخر القرن الرابع المدينة الرئيسية على طريق القوافل تربط بين جنوب الجزيرة العربية الذي ينتج التوابل واللبان، وبين مراكز الاستهلاك والبيع في الشمال، وكانت تسيطر على الطرق المؤدية إلى "مرفأ غزة" في الغرب؛ وإلى "بصرى ودمشق" في الشمال، وإلى "غيلة" على البحر الأحمر، وإلى "الخليج الفارسي عبر الصحراء"، وكانت تستبدل فيها جمال القوافل بجمال أخرى نشطة، وكانت تلك العاصمة محفورة في قلب "صخر رملي" يظهر جميع ألوان "قوس قزح"؛ ولذلك كانت تشكل مزيجا فريدا من الفن والطبيعية١، وإن موقعها كحلقة اتصال بين فلسطين وبلاد العرب وبين اليمن والآراميين مكنها من نشر الأبجدية الآرامية في بلاد اليمن وهي الأبجدية التي نشأ منها "الخط المسند" وهو الخط الذي أخذ منه "الخط العربي" بعد تعديله، وإضافة ستة أحرف، التي تسمى الأحرف الروادف التي يجمعها قولنا: "ثخذ ضظغ" وفي القرن الثالث اعتنقت "البتراء" المسيحية.
ملوك الأنباط:
كان الحارث "حوالي ١٦٩ ق. م" على رأس قائمة هؤلاء الملوك، ويدعى "آرتياس Aretas" وقد تسمى بهذا الاسم كثير من ملوك الأنباط كما تسمى به ملوك الغساسنة، وكان الحارث معاصرًا لمؤسس الأسرة "المكابية" ويعتبر الحارث الثالث المؤسس الحقيقي حوالي ٥٧-٦٢ لسلطة الأنباط، وهو الذي فتح الباب على مصراعيه للتأثيرات اليونانية والرومانية، وأدخل مملكته ضمن المحور التام للحضارة "الهيلينية"، وكسب ثوب مجد "الهلينية" وكان أول من سك نقودا نبطية، اقتبس لها النموذج المعروف عند "البطالمة"، وعلى يد الحارث الثالث بدأت "البتراء" تتخذ مظاهر "مدينة، هلينستية نموذجية"، فكان فيها شارع رئيس جميل وعدة أبنية دينية وعامة؛ ومن هذا العهد أخذت دولة الأنباط تقوم بدور موالٍ حليف لرومة؛ وبلغت المملكة ذروتها في عهد الحارث الرابع "٩ قبل الميلاد- ٤٠م" الذي كان حكمه طويلا
стр. 112
مزدهرا، وقد تابع عملية نشر الحضارة الرومانية، وكان من ولاته ذاك الذي حاول القبض على بولس في دمشق١.
وقد تزوج الحاكم "هيرودس" بن "هيرودس الكبير" ابنة الحارث هذا وطلقها؛ ليتزوج راقصة كانت السبب الرئيسي في مقتل "يوحنا المعمدان"٢، وكانت المملكة تضم في أقصى اتساعها جنوب فلسطين، وشرق الأردن، وسورية الجنوبية وشمال الجزيرة العربية.
ويمكن أن يرجع تاريخ الأماكن المرتفعة التي لا تزال قائمة في "البتراء" والقبور الجميلة التي تمثلها "قبور الحجر-مدائن صالح" في الحجاز إلى زمن حكمه وكانت "الحجر" مركزًا لقبيلة ثمود٣.
ومن الحقائق المستخرجة من الكتابات الأثرية المحلية والنقود ومنذ حكم "عبيدة الثالث حوالي ٢٨-٩ ق. م" أخذت تظهر صورة الملكة مع الملك، واستمرت التماثيل النصفية المزدوجة للزوجين الملكيين حتى نهاية الملكية، وهناك كتابات أثرية على تمثال "لعبيدة الثالث تدعوه الإلهي"، ذلك مما يدل على أن الأنباط كانوا يؤلهون ملوكهم بعد الموت، وبموت "مالكو" ينتهي عصر الأنباط الذهبي الذي بدأ في عام "٥٠ ق. م." ثم أصبحت بلاد الأنباط جزءًا من الولاية العربية الرومانية التي كانت "بصرى" فيها المدينة الرئيسية وكانت ملتقى هامًّا لطرق القوافل الذاهبة إلى دمشق والبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج الفارسي، وبذلك أصبحت "البتراء" في ذمة التاريخ من حيث أتت وظهرت تدمر".
стр. 113
مملكة تدمر
مدخل
...
مملكة تدمر:
وبينما كانت شمس "البتراء" آخذة بالغروب كانت تشرق "شمس تذمر"، وهي: مدينة أخرى للقوافل، وكان الذين استقروا فيها بضع قبائل عربية بفضل نبع غزير يقوم في قلب الصحراء، وتصلح مياهه للشرب وكانت مملكة في واحة في صحراء الشام في الشمال الشرقي من دمشق، وتنسب هذه المملكة إلى عاصمتها "تدمر"
стр. 114
وكانت مدينة عامرة ذات شهرة واسعة في العصور القديمة بنيت لها الهياكل والمعابد الضخمة، وشقت الطرق الفسيحة وأقيمت الأسواق الواسعة وتظهر بهذا الاسم لأول مرة "حوالي ١٨٠٠ ق. م." وتعود في الظهور إلى وثيقة أشورية لاصقة تقول: "إن: تيجلات فلاسر" حوالي ١١٠٠ ق، م. طارد أعداءه البدو حتى هذا الملجأ الصحراوي، ولا يزال الاسم السامي القديم يظهر في كلمة تدمر العربية.
والمؤرخ العبراني: "أخبار الأيام الثاني ٨: ٤" يروى: أن سليمان بني "تدمر"، والاسم باليوناني يعني مدينة النخيل؛ وهي: المدينة التي ذكرها القرآن، واستعمل سليمان الجن في بنائها؛ وكانت "تدمر" تقوم بين هاتين الإمبراطوريتين العالميتين، وساعد موقعها المنعزل في قلب الصحراء على عدم تمكن الرومانية من سهولها؛ للاستيلاء عليها١.
واستفاد تجارها من وضعها الفريد كمحطة رئيسية لنزول القوافل عند نقطة التقاء الطرق التي تعبر الصحراء من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وحصل الزعماء التدمريون من شيوخ القبائل في الصحراء على إذن بمرور قوافلهم بسلام، وكان الأدلاء يقودون هذه القوافل عبر المنطقة الجرداء كما كان يحميها ركب الرماة من غارات البدو، واستعيض بالتدريج عن أكواخها الطينية ببيوت من "الحجر الكلس" وأنشئت شوارع عريضة، وكان الشارع الرئيسي يؤدي إلى معبد "بعل" وقد أقيمت الأعمدة في الشوارع واتخذت المدينة مظهر مدينة رومانية يونانية مزدهرة، لم يكن سهلا لمدينة الصحراء أن تحافظ على سيادتها التامة في وجه النفوذ المتزايد للإمبراطورية الواقعة في غربها، وفي أوائل العصور المسيحية كانت قد اعترفت بسيادة "روما" وبدأ "تدمر" والدول التي تدور في فلكها عهدًا جديدًا من الازدهار الذي دام أكثر من قرن ونصف بعد أن أصبحت تابعة "لدومة"، وأخذ المواطنون البارزون في "تدمر" يضيفون أسماء "رومانية" إلى أسمائهم؛ كان التدمريون آراميين وإن كان بعض حكامهم يرجعون إلى أصل عربي، وقد تأثروا بالحضارة
стр. 115
اليونانية ودخل لغتهم كثير من الكلمات اليونانية، ومن ثم كانت اللغة التدمرية لهجة آرامية لم يدخلها من العربية إلا بعض أسماء أعلام، ويرجع الفضل إلى الآراميين في تعديل الأبجدية الفينيقية ونشرها١.
стр. 116
من ملوك تدمر:
ارتقت أسرة "أذينة" التي كان يتصدر اسمها "سبتموس" إلى مركز الزعامة في "تدمر" في منتصف القرن الثالث؛ والتمثال الذي شيد في عام "٢٥١ على شرف عميد الأسرة سبتيموس حيرن بن أذينة يدعوه زعيم رأس تدمر" ويبدو أنه كان أول "تدمري" أضاف لقب "راس" إلى رتبته الرومانية كعضو في مجلس الشيوخ.
ويرجح أن: حيران هذا والد أذينة" المشهور باليونانية "أوديناتوس" ويستدل من أسماء الأعلام بأن: الأسرة كانت من أصل عربي، ويدعو المؤرخون اليونان "أذينة" هذا "حاكم العرب" وفي زمن "حيران" كان الجيش الفارسي أوقع هزيمة مخجلة بالجيوش الرومانية قرب "أديسا" حتى أن إمبراطورها "فاليران" وقع أسيرًا وتوفي في الأسر، في هذه الأثناء قد خرج "أذينة" في هذه المعركة على رأس جيش كبير من السوريين وقبائل البدو لإنقاذ "فاليران" فهزم الفرس، غير أنه لم يتمكن من فك أسر "فاليران"، وكوفئ أذينة في ٢٦٢ على ولائه للإمبراطور الجديد "فالينوس" فمنح لقب زعيم، الذي منه ما يشبه نائب الإمبراطور على الجناح الشرقي من الإمبراطورية. في ذروة نجاح "أذينة" اغتيل وريثه في أحوال غامضة في "٢٦٦-٢٦٧" وكانت من تدبير "رومة" ومهما يكن فإنه يتضاءل كشخصية تاريخية أمام أرملته التي حكمت بعده باسم ولدها القاصر "وهب اللات"، وكانت "زنوبيا" التي تذكرها الكتابات الأثرية التدمرية باسم "تبت راباي" ابنة "العطية" وهي "الزباء" وقد ادعت القربى بزميلتها السابقة "كليوباترا" في مصر، ورعت الثقافة اليونانية وكانت هي نفسها تتكلم الآرامية اليونانية وبعض اللاتينية، وبلغ منها أنها جمعت تاريخ الشرق وكانت زينة المفكرين، بين رجال بلاطها الفيلسوف "لونجينوس"، وهكذا استطاعت "ملكة البادية أن تشكل لنفسها ولابنها" إمبراطورية انتزعتها من الرومان١.
стр. 117
وتعتبر آثار "تدمر" من أكثر المناظر جلالا في الصحراء، وقد تحول معبد "بعل" الذي يقوم على سطح مرتفع إلى ما يشبه المتحف، ووجدت فيه أشكال نساء محجبات وهن يساهمن في احتفال ديني؛ وكانت الحضارة "التدمرية" حضارة غريبة فهي مزيج من عناصر سورية ويونانية وفارسية، ولا شك أن السكان الأصليين كانوا قبائل عربية وقد تبنوا في كلامهم وكتابتهم اللغة الآرامية السائدة، وبقيت أكثرية السكان عربية رغم امتزاجها بالآراميين، ولا شك أن الطبقة المثقفة كانت تتكلم اليونانية زيادة على الآرامية، ويظن أن رجال الأعمال كانوا يفهمون اللغة العربية كما كان يستعملها بعض "التدمريين" كلغة دارجة١.
стр. 118
فيلسوف "تدمر" لونجينوس:
لم ينبغ في "تدمر" أحد من رجالها ورجال الفكر المتميزين سوى: "دبونيسيسوس كاشيوس لونجينوس" ويرجح أنه من مواطني حمص، وقد درس أولا في الإسكندرية ثم في أثينا حيث كان من تلامذة "فيرفريوس"، وكانت أمه سورية وعرفت اللغة السوريانية؛ وكان من معاصريه "أميليوس الأنامي"، ويعتبر هذا الفيلسوف التدمري فريدًا في عصر كثر فيه الثرثارون الخياليون، وبلغ من سعة معلوماته أن وصفه أحد معاصريه بأنه مكتبة حية ومتحف متنقل. "ولونجنيوس" هو الذي علم "زنوبيا" الأدب اليوناني، وأصبح مستشارها بعد ذلك، ولسوء الحظ لم يبق من مؤلفاته سوى بعض الفقرات والمقتطفات، وترينا هذه بأنه قد بقي وثنيا رغم أنه لم يكن مناوئا لليهودية والمسيحية وتحمل القتل على يدي الرومان برباطة جأش وبشاشة وجه حريتين بجعله كسقراط.
стр. 119
دولة الغساسنة، عاصمتها بصرى:
تؤكد الروايات أنه حوالي نفس الوقت الذي كانت فيه الدولة "التدمرية" آخذة بالزوال كانت إحدى القبائل العربية تشق طريقها إلى "حوران" وهؤلاء هم "بنو غسان" الذين ينسب سبب رحيلهم عن اليمن إلى تصدع قديم في "سد مأرب" وتنصر "الغساسنة" خلال القرن الرابع.
وكان مؤسس سلالتهم شخص يسمى: "جفنة بن عمرو مزيقياء" الذي لا يعرف تاريخه بوجه التأكيد، وفي التواريخ العربية يختلف عدد الملوك بين أحد عشر، واثنين وثلاثين. ويسمى الغساسنة أيضا بآل "جفنة" أو "بأولاد جفنة" وذلك لأن: أول ملوكهم هو: "جفنة بن عمرو مزيقيا بن عامر"، ويفسر الإخباريون سبب تسمية "عمرو بن عامر" بـ: "مزيقياء" بتفاسير عدة: منها "قول حمزة الأصفهاني": وتزعم الأزد أن عمرا إنما سمي "مزيقياء"؛ لأنه: كان "يمزق كل يوم من سني ملكه نميرة فسمي هو مزيقيا" وسمي ولده "المزاقية" وقيل: إنما سمى "مزيقيا"؛ لأن الأزد تمزقت على عهد كل ممزق، عندما تهدم سيل العرم.
ويعتقد نولدكه: أن هذا هو التفسير الصحيح، وهو يرى أنه مأخوذ من الآية الكريمة من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سورة سبأ: ١٨] .
وهناك من يسمي الغساسنة بآل ثعلبة؛ نسبة إلى جد آخر يسمى ثعلبة١.
ملوك الغساسنة والنصرانية:
كان "الحارث بن جبلة -حوالي ٥٢٦-٥٦٩" أول هؤلاء الملوك، وأعظمهم الذي يظهر لأول مرة عام ٥٢٨، وهو يحارب "المنذر" الثالث اللخمي ملك الحيرة. واللخميون أصلهم أيضا من جنوب الجزيرة العربية كانوا يسكنون على طول الحدود الغربية للإمبراطورية الفارسية، واستخدموا كدولة حاجزة بنفس الطريق التي استخدم البيزينطيون بها الغساسنمة، واعترافا بخدمات "الحارث" فقد عينه الإمبراطور "يونستنيان" في العام التالي سيدا على كل القبائل العربية في سورية، ومنحه لقب "فيلارك" رئيس قبيلة وبطريق.
وفي عام ٥٤٤ أسر "المنذر" أحد أبناء "الحارث" وقدمه ضحية للآلهة "العزى" التي تقابل "أفروديت"، وانتقم "الحارث" لنفسه بعد عشر سنوات في معركة حاسمة جرت قرب "قنسرين" حين قتل غريمه اللخمي وقام "الحارث" في
стр. 120
عام٥٦٣ بزيارة لبلاط "بوستنيان"، حيث ترك تأثيرا عميقا على أفراد الحاشية كشيخ بدوي مهيب، وحصل أثناء وجوده في القسطنطينية على تعيين "يعقوب البرادعي" أسقاف على الكنيسة المونوفيزية السورية؛ وقد انتشرت العقيدة الجديدة في سورية كلها أثناء حكمه وحكم ابنه، ويقال: إن يعقوب البرادعي رسم مائة ألف كاهن، ونصب تسعة وثمانين أسقفا في تلك البلاد، ووصلت المملكة حينذاك ذروة اتساعها؛ وإذا كانت تمتد قرب "البتراء" إلى "الرصافة" شمال "تدمر"، وتشتمل على "البلقاء" والصفا وحران، ولكن حماسته للمذهب الذي تعتبره بيزنطة غير متَّفق مع الديانة الرسمية باعدت بينه وبين "بوستين" الذي بلغ منه أن ارتاب في ولائه السياسي، وبذلك توطد هذا المذهب في سورية، ويرى بعض المؤرخين أن مدة حكمهم نحو ستمائة سنة، وعدد ملوكهم ٣٢ ملكًا؛ أي من أوائل القرن الميلادي إلى ظهور الإسلام.
стр. 121
دولة المناذرة- الحيرة والأنبار-اللخميون في العراق:
كان اللخميون عمال الفرس على أطراف العراق، كما كان الغساسنة عمال الروم على مشارف الشام.
وتسمى هذه الدولة: دولة آل نصر، وآل لخم، وآل عمرو بن عدي، أو ملوك الحيرة، أو المناذرة على السواء.
وتاريخ هذه الدولة أوضح من تاريخ آل غسان؛ لأنه كان مدونا في كتب الحيرة ومثبتا في كنائسهم.
وكانت الحيرة على ثلاثة أميال من مكان الكوفة في موضع يقال له: النجف على ضفة الفرات الغربية، في حدود البادية بينها وبين العراق، وتقع الآن في الجنوب الشرقي من مشهد علي. وبعض المؤرخين يذهب إلى أن لفظها سرياني، والبعض الآخر يذهب إلى أنه عربي.
أهل الحيرة عرب يقسمهم الإخباريون إلى طبقات ثلاث:
стр. 122
"تنوخ، العباد، الأحلاف".
تنوخ:
وهؤلاء في نظرهم من قبائل متعددة فيها القحطانيون والعدنانيون، والتنوخيون وغيرهم. قبائل سكنت بيوت "الشعر والوبر" غرب الفرات بين الحيرة والأنبار"، وهي قبائل عرب من الجنوب، التي تركت اليمن على أثر تصدع "سد مأرب".
وأما العباد: فهم الذين سكنوا رقعة الحيرة فابتنوا بها، فهم إذن حضر مستقرون، ويقول أغلب الإخباريين عنهم: إنهم كانوا من النصارى، وأصل كلمة العبادة على ما يقولون: مختلف فيها فبعضهم يرى: أنهم سُموا بالعباد؛ لأن وفدا منهم وفد على كسرى، ولما سألهم عن أسمائهم وجد أنها كلها تبتدئ لكلمة "عبد" فقال لهم: أنتم عباد كلكم، فسموا بالعباد.
ويقول آخرون: إنهم إنما سموا بهذا الاسم؛ لأنهم: كانوا يعبدون الله١.
ويقول جواد علي: إن هذا الاسم لم يكن يعني قبيلة أو بطنا، وإنما يعني جماعة من القبائل شتى جمعت بينها وحدة الدين ووحدة الوطن، لذلك لا يطلق إلى على النصارى من أهل الحيرة؛ أما غيرهم من نصارى العرب فلم يشملهم اسم العباديين، ويمكن أن نقول استنادا إلى روايات الإخباريين في تحديد مدلول الكلمة، واقتصارها على نصارى الحيرة دون غيرهم من نصارى العرب: "إن هذه الكلمة أطلقت في الأصل على من تنصر من أهل الحيرة؛ لتميزهم عن غيرهم من سكان المدينة "أي مدينة الحيرة" من الوثنيين، ولم يكن أولئك النصارى في بادئ أمرهم بالطبع إلا فئة قليلة، ثم توسعت من بعد، فلما انتشرت النصرانية في الحيرة لازمت هذه التسمية جميع نصاراها كائنا من كانوا، وصارت علما لهم لم تميزهم عن الوثنين فحسب؛ وإنما ميزتهم أيضا عن بقية النصارى العرب من غير أهل الحيرة٢.
وأما الأحلاف: فهم بقية سكان الحيرة ومن نزل فيها من العرب ولم يكن في الأصل لا تنوخيًّا ولا من العباد، وكان بين سكان الحيرة جماعات من: "النبط، والفرس، واليهود"
стр. 123
أما الأنبار: فقد زعم الإخباريون أنها بنيت أيام "بختنصر"، وقد لعبت دورا هاما في المعارك التي جرت بين "فارس، وبيزنطة" زمن الإمبراطور "جوليان" سنة ٣٦٣.
من ملوك المناذرة والنصرانية:
يكاد ينعقد إجماع المؤرخين العرب على أن أول من حكم من بني تنوخ كان: "مالك بن فهم" وهو في نظرهم من الأزديين، ثم انتقل الحكم إلى: "جذيمة الأبرش" المعروف "بجذمة الوضاح"، وتولى "عمرو بن عدي" الإمارة على العرب؛ عرب الحيرة والأنبار بعد "جذيمة". وقد اتبع سياسة خاله "جذيمة" في التحالف مع الفرس فساعده هذا على تقوية نفوذه على القبائل النازلة في العراق.
ولم يزل "عمرو بن عدي" ملكا على الحيرة حتى مات؛ وتولى الملك بعد وفاة "عمرو" ابنه "امرؤ القيس" وكان عاملا للفرس على "فرج العرب" أي موضع المخالفة من العدو المجاور من ربيعة ومضر، وبادية العراق والحجاز، والجزيرة.
وفي نهاية القرن الرابع ومطلع القرن الخامس يطلع علينا اسم ملك لخمي هو: "النعمان الأول بن امرئ القيس ٣٩٠-٤١٨". وهناك روايات تنسب تنصره، منها: أنه تنصر بتأثير القديس "سمعان العمودي" الذي كان يقوم بالتبشير للمسيحية بين أهل الحيرة؛ وإن "سمعان" هذا شفاه من مرض كان به فتنصر١.
وفي أيام "المنذر بن امرئ القيس" المعروف "بماء السماء" وقع الاحتلال الحبشي لليمن فاتسع بذلك نفوذ الروم في بلاد العرب؛ وذلك لما يربط الأحباش بالبيزنطيين من روابط، وأساسها تدينهما بدين واحد.
وكما يذهب المؤرخون: أن ملوك الحيرة تولوا الملك ٣٦٤ سنة وكلهم من نسل "عمرو بن عدي" من آل "نصر" أو "لخم" إلا ستة من الدخلاء وهم: "أوس بن قلان، والحارث بن عمرو بن حجر الكندي، وعلقمة بن يعفر، وإياس بن قبيصة، وفيشهرت، وزادية الفارسي" وقصبة ملكهم جميعا: الحيرة".
стр. 124
حضارة الحيرة:
كانت الحيرة في عهد "المناذرة اللخميين" من المراكز الحضارية الهامة في مختلف الميادين، فقد كان لموقعها بين العراق والشام وبلاد العرب أثر كبير في احتكاك أهلها بغيرهم من الشعوب؛ فتأثروا بالثقافات العالمية آنذاك كالفارسية واليونانية والسريانية، وكان لمعرفة أهلها باللغة الفارسية أثر كبير في نقل آداب الفرس إليهم؛ وساهم بعض أسرى الروم الذين وقعوا في قبضتهم في نقل علوم اليونان وآدابهم إليهم؛ وكان ملوك الحيرة يشجعون الشعراء ويغدقون الهبات والعطايا عليهم، وغدا بلاطهم مقصد مشاهير شعراء الجاهلية "كالمرقش الأصغر والمتلمس وطرفة بن العبد والمرقش الأكبر وحسان بن ثابت وعمرو بن كلثوم وغيرهم" وكانت الحيرة تزخر بمعاهد العلم ومدارسه؛ فقد تلقى "إيليا" الحيرى مؤسس "دير مار إيليا" في الموصل دراسته الدينية في مدرسة بالحيرة، كما تلقى "مار عبد الكبير" دراسته في إحدى المدارس فيها.
ويذكر ياقوت أن الصبيان في الحيرة كانوا يتعلمون القراءة والكتابة في كنيسة قرية من قراها اسمها "النقيرة"١.
وأما الأديرة والكنائس: فقد كانت كثيرة أيضا في الحيرة والمنطقة المجاورة لها، وكان لتنصر المناذرة أثر كبير في دفعهم لبناء العديد منها. وتحفظ لنا كتب الديارات وتقاويم البلدان أسماء عدد كبير منها، ويعتبر دير "هند الكبرى" من أشهر الأبنية التابعة لهذه الزمرة، وقد بنت هذا الدير "هد أم عمرو بن هند" وهناك دير "هند الصغرى" الذي بنته "هند ابنة النعمان بن المنذر" وأقامت فيه حتى ماتت ودفنت فيه. وعدد كبير آخر غيرها. وقد وصفت الحيرة عند الإخباريين بالبياض فقالوا عنها: الحيرة البيضاء تعبيرا عن حسن عمارتها وطغيان هذا اللون على سائر أبنيتها، وكان أهل الحيرة مللا ونحلا دينية كثيرا فقد كان بينهم الوثنيون الذين يعبدون الأصنام، والصابئة الذين يعبدون الكواكب، والمجوس الذين يعبدون النار، وهذا فضلا عن أتباع النصرانية واليهودية، وكان معظم ناصارى الحيرة نساطرة، ومنهم قلة
стр. 125
من اليعاقبة، وكان بدء التبشير بالمسيحية فيها ببطء أو الأمر، ولكنها ما لبثت أن وجدت الكثير من الأنصار.
ويدعي الطبري: أن امرأ القيس كان أول من تنصر من ملوك الحيرة، وقد يكون هذا الخبر غير مؤكد، وكل ما يمكننا الجزم به: "أن المنذر بن ماء السماء" كان نصرانيًّا وتزوج "بهند" وهي نصرانية؛ أيضًا، وقد بنت الدير المعروف، باسم "دير هند الكبرى" وقد حدث صراع بين النساطرة واليعاقبة حول اجتذاب الحيريين إلى مذهبيهما، وقد تفوق النساطة في هذا الصراع واجتذبوا عدد كبيرا من نصارى الحيرة إلى مذهبم١.
ديانة مناذرة الحيرة:
واختلفوا في ديانة ملوك الحيرة فمن قائل: إنهم تنصروا على عهد "امرئ القيس" الأول ابن عمرو في أوائل القرن الرابع. وقائل: إن أول من تنصر "النعمان بن المنذر" في آخر القرن السادس. وبينهما أقوال كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها؛ لاختلاف القائلين فيها مثل اختلافهم في عدد ملوكهم وفي تعاقبهم وسني حكمهم٢.
ويبدو أن ملوك الحيرة لم يتنصروا عقيدة؛ إنما تنصروا سياسة أي تبعا لولائهم السياسي للرومان لما غلب الرومان على الفرس ودارت الحيرة في فلكهم فترى في سجل الكنيسة الشرقية أن الحيرة كان عليها أسقف لسنة ٤١٠م، وأن ملكها حمى النصرانية سنة ٤٢٠، وترى في الجهة الأخرى: أن النساطرة واليعاقبة اشتد جدالهم في أوائل القرن السادس للميلاد، وتنافسوا في الرئاسة ففاز النساطرة، وملوك الحيرة كانوا إلى أواسط القرن الاد على الوثنية؛ وإن المنذر امرئ القيس بن ماء السماء" كان يقدم ذبائح من البشر إلى العزى، وكان بين نسائه امرأة من غسان اسمها "هند الكبرى" أم عمرو بن هند" كانت مسيحية فبثت مبادئ النصرانية في ابنها فنشأ نصرانيا، يؤيد ذلك ما نقشته على ديرها. ولما ماتت رجع خليفته "قابوس أو المنذر بن
стр. 126
المنذر" إلى الوثنية، ونشأ ابنه النعمان فيها يذبح للأصنام حتى تنصر أطلاجاثليق" على يد "حبر يشوع" وفي التاريخ العربي أنه: "تنصرعلى يد عدى بن زيد".
وقد اتفق القولان: بأن يكون عدي رغبه في النصرانية والجاثليق عمده.
стр. 127
مملكة كندة:
كندة في عرف النسابين العرب: قبيلة عربيةجنوبية تنسب إلى "ثور بن عفير بن عدي بن الحارث" وبنتهي النسب إلى يعرب بن قحطان١.
وعلى قول العرب بطن من كهلان، عرب الشمال. وأصلهم فيما رواه الثقاة: من البحرين والمشقر وأنهم أجلوا عنها إلى حضرموت: وأقاموا في بلد يعرف باسمهم "كندة" مرتفع من الأرض يشرف على حضرموت، وتصب أوديته فيه ثم إلى مهده وقصبته الكبرى "أدمون". وأقام الكنديون هناك دهرا وهم على وفاق مع الحميريين بين حكام تلك البلاد.
وهناك خلاف بين الإخباريين حول أسباب نزوح كندة إلى الشمال، فاليعقوبي: يشير إلى حرب قامت بين "كندة وحضرموت" طال أمدها وأدت إلى جلاء "كندة عن حضرموت".
يقول اليعقوبي: وكان بين "كندة وحضرموت" حروب أفنت عامتهم، وطالت الحرب بينهم، وأفنت رجالهم ودامت حتى ضرستهم وكثر القتل في كندة وصارت كندة إلى أرض "معد" فجاروتهم.
وهناك فريق آخر من الإخباريين: يرجعون نزوج كندة من حضر موت إلى نجد إلى وجود قرابة بين "حجر بن عمرو" سيد كندة و"تبع" صاحب السلطان آنذاك على نجد والحجاز وغيرها من بلاد العرب؛ فولي "تبع حجرا" على قبال "معد" كلها؛ لأنه قريبه من جهة ومن أتباعه المخلصين من جهة أخرى٢.
ويذهب فيليب حتى: إلى القول بأنه كما كان الغساسنة عمالا للبيزنطيين واللخميون عمالا للفرس؛ فقد كان كذلك ملوك كندة في أواسط الجزيرة العربية
стр. 128
عمالا لتبايعة اليمن المتأخرين؛ ويحدد حتى تاريخ تولي "حجر على معد" بسنة ٤٨٠م؛ وهو أول زعيم من زعماء كندة تمكن من توحيد صفوفها وفرض سيطرتها على القبائل الأخرى، وتوسيع رقعة أرضها حتى بلغت حدود مملكة اللخميين١.
وكان "الحارث" أقوى ملوك كندة وأشهر رجل نعرفه من أسرة آكل المرار؛ وقد تولي الإمارة على بكر" وكما مد نفوذه على بكر فقد نجح "الحار" في مد نفوذه على الحيرة في الفترة ما بين ٥٢٤-٥٨. ويرجع نجاحه في بسط نفوذ "كندة" "على الحيرة" وانتزاع السيادة عليها من المناذرة إلى سببين؛ كما يذكر حمزة الأصفهاني: وإلى هذين السببين أن الملك الفارسي "قباذ" أهمل شئون مملكته، وتغاى عن سياسة رعيته ورعاية أمورهم.
كما أنه أخذ بزندقة "مزدك" وقد أدى كل هذا إلى صدام بين "قباذ" و"المنذر بن ماء السماء" الذي رفض الدخول في: المزدكية ولم يرضخ لضغط "قباذ" وهرب "المنذر" من دار مملكته بالحيرة، ومضى حتى نزل إلى الجرساء الكلبي وأقام عنده٢.
ولما ملك فارس "كسرى أنو شروان" وأعاد المنذر بن ماء السماء" إلى ملك الحيرة. كان "الحارث بن عمرو" يومئذ في "الأنبار" فلما بلغته عودة المنذر إلى عرش الحيرة" خرج هاربا في أصحابه وماله وولده؛ فتبعه المذر بالخيل من "تغلب وإياد وبهرا"، فلحق بأرض كلب ناجيا بنفسه؛ ولكن "بني تغلب" انتهبوا ماله، وهجائنه وأسروا ثمانية وأربعين شخصا من أفراد أسرته وقدموا بهم على المنذر فضرب رقابهم.
حضارة الكنديين:
لم يكن الكنديون أصحاب حضارة رقاقية تشبه حضارة المناذرة أو الغساسنة، فقد حافظوا على النظم والحياة البدوية؛ ولم يقيموا في حضارة ثابتة، بل كانوا يتنقلون بين الجنوب والشمال، واستعملوا الخيام كمساكن، ولم يعرف عنهم بناء المدن والقصور٣.
стр. 129
أما ديانتهم: فكانت وثنية ومن أصنامهم المشهورة "ذو الخلصة" الذي انتقلت عبادته إلى عرب الحجاز فيما بعد. وقد تسربت الديانة اليهودية إليهم فاعتنقها بعضهم، ويبدو أنها جاءتهم بسبب مجاورة اليهود "لبني كنانة" في يثرب وخيبر؛ وبسبب اتصال الكنديين "بالتباعة الحميريين" في عنودهم الأخيرة وتبعيتهم لهم.
أما المسيحية: فكانت أكثر انتشارا في: نجد من اليهودية واعتنقها: "بنو تغلب، وجماعة من بني أسد" وقد انتقلت إليهم عن طريق الغساسنة وعباد، الحيرة وأحباش اليمن، ولعل أهم ما يجب أن نذكره عن الكنديين أنهم كانوا زعماء اتحاد قبل يم قبائل مختلفة تعترف بزعامتهم وتدين بالولاء لهم١.
стр. 130
مراجع هذا الباب:
١- القرآن الكريم.
٢- كتب السنة.
٣- الكتاب المقدس.
٤- معجم البلدان: ياقوت الحموي.
٥- البدء والتاريخ: طاهر المقدسي.
٦- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: جواد علي.
٧- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب: الألوسي
٨- نهاية الأرب: النويري.
٩- تفسير الخازن.
١٠- تفسير الزمخشري: جار الله الزمخشري.
١١- فجر الإسلام: أحمد أمين.
١٢- تاريخ العرب قبل الإسلام: د. نبيه عاقل.
١٣- العرب قبل الإسلام: جورجي زيدان.
١٤- الأمم السامية: الأستاذ حامد عبد القادر
١٥- تاريخ سورية: فيليب حتى.
стр. 131
الباب الثالث: العرب وروافد الفكر الديني
العلاقات التجارية والدبلوماسية:
لم يكن العرب قبل الإسلام في عزلة عما حولهم: فكريًّا او اجتماعيًّا، أو اقتصاديًّا، وليس ثمة داعٍ لها، فلم يؤثر تاريخي، أنه ضرب عليهم سور يعوق من حركات الدخول في الجزيرة العربية أو الخروج منها، وليست الجزيرة العربية بالأرض الخصبة، التي تكفل لقاطنيها وفرة في العيش، وخصوبة في الرزق حتى يكره العربي في حبها السعي عن تحصيل ضرورات عيشه، وإنما كانت طبيعتها قاسية جافة، وأرضها جرداء مقفرة، ترغم أهلها أن يضربوا بإبلهم في أفناء الأرض شهورًا؛ ليصيبوا منها أقواتهم، وضرورات عيشهم، ونرى في القرآن الكريم تسجيلًا لهذه الرحلات في سورة كاملة -سورة قريش- قال تعالى:
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ .
هذا من ناحية حركات الخروج منها.
أما من ناحية حركات دخول الناس فيها -أي الجزيرة العربية- فله من الدواعي العدد الكثير:
ففيها الكعبة: وهي من البيوت السبعة القديمة مما يجذب إليها الرائي أو السائح للتعرف عليها، وهناك روايات تاريخية تذكر أن الفرس قصدوها كثيرا١.
كما دخلها جيش أبرهة الحبشي٢، ورحل إليها قديمًا نبي الله إبراهيم، وأقام ابنه إسماعيل فيها وجددا معا بناء الكعبة وأسسا حولها دين التوحيد.
стр. 132
يذكر القرآن ذلك فيقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ، وهي وإن كانت من حيث طبيعة جوها لا يطمع فيها طامع، تعد بمعزل عن أطماع السياسيين، وأصبحت بذلك كأنها منطقة حيادية، ولهذا السبب -وهو عزلتها- رغب فيها اللاجئون السياسيون الذين وقعوا فريسة للاضطهاد السياسي، أو الديني، فكانوا يفزعون إليها؛ لأنهم يجدون فيها الملجأ الآمن المطمئن، وكذلك جاليات اليهود، والنفر من النصارى، الذين ما دخلوا تلك البلاد إلا فرارا من حملات الاضطهاد الروماني التي وقعت عليهم.
لذلك لم يكن بعيدا علينا أن نجد فيها -كما ذكر القرآن- بعضا من اليهود والنصارى، والمجوس، والصابئين، والذين أشركوا، ونجد فيها: الأصنام، والأوثان، ومصطلحات دينية غير عربية مثل: الجبت، والطاغوت.
ومعلوم أن اليهودية لم تنشأ فيها، ولا النصرانية، ولا المجوسية، ولا الصابئة، ولكنها وفدت إليها تحت قسوة الاضطهاد السياسي أو الديني.
وسنعرض بالتفصيل لتلك الأديان والمذاهب فيما بعد.
كل هذا وغيره يعطينا أن العربي لم يكن في عزلة عما حوله، سواء من ناحيته؛ لأنه خرج منها متاجرا، أو من غيره فلم يكن في عزلة عنها؛ إذ وجدنا من يمم وجهه شطرها.
ومن العوامل الأساسية في التوسع ودعم النفوذ الروماني وتوطيده في الشرق أمور كان قوامها:
- الدبلوماسية.
- والتجارة.
ولكنها كانت مؤيدة بقوات حربية عظيمة، ونشاط حربي مضنٍ، وفي مصر وفي بلاد العرب وشمال إفريقية اتبعت هذه السياسة بعينها.
فالبلاد العربية جرى فيها حركات حربية وتجارية ودبلوماسية.
стр. 133
ويرى م -رستوفتزف: أن الدبلوماسية والتجارة هما من أسس التوسع الروماني في بلاد العرب. وهذا معناه -في نظرنا- أن العربي كان له اعتباره الفكري منذ القدم.
ويقول: ولم تكلل حملة إبليوس جالوس على بلاد العرب بالنجاح التام، ولكنها على أي حال ضمنت للتجار الرومان الحصول على مرافئ آمنة وهم في رحلتهم من مصر إلى موانئ الهند.
ويقول: وكان التجار من الأعراب يقومون بدور الوسيط بين التجار المصريين وزملائهم في الهند، وكانت هذه التجارة إلى حد كبير تقوم على الكماليات١.
وليس الأمر بحثا في دوافع الخروج، أو الدخول فيها فحسب، بل يرى علماء التاريخ: أن شبه الجزيرة العربية هي أصل الهجرات السامية لتلك المنطقة٢.
وحجتهم في ذلك أنها بلاد صحراوية، يحيط بها البحر من ثلاث جهات، لذلك كان السكان عندما يزيد عددهم عن قدرة الأرض المأهولة الضيقة عن إعالتهم يميلون إلى البحث عن مجال حيوي، فيجدونه فقط في الأراضي الشمالية الخصبة التي تجاورهم.
ويؤدي ذلك إلى الحجة الاقتصادية التي تقول: إن أهل الجزيرة الرحل كانوا دوما يعيشون على ما يقرب من الجوع، وإن الهلال الخصيب كان أقرب مكان يزودهم بما يحتاجون إليه.
يقول سبتينومو سكاني٣:
"فالساميون يظهرون في أقدم المصادر على أنهم بدو صحراء العرب يدفعون بأنفسهم دائما إلى الخارج، ويتغلغلون في المناطق المحيطة، ويوطدون أقدامهم فيها فهناك:
- الأكاديون الذين نراهم في أرض الرافدين في الألف الثالثة قبل الميلاد.
стр. 134
- ثم الأموريون الذين أسسوا في بداية الألف الثانية سلسلة من الدول في فلسطين وسورية وأرض الرافدين.
- ثم العبريون والآراميون الذين جاءوا بعد ذلك بقرون قليلة؛ ليسدوا الفراغ التاريخي الذي خلفه انسحاب "شعوب البحر" في فلسطين وسورية.
ثم العرب الذين خرجوا من صحرائهم بعد ذلك بعدة قرون في حركة فتح عظيمة نقلتهم إلى أقصى البقاع، وهؤلاء جميعًا ليسوا سوى أسماء مختارة برزت في الحركة المستمرة التي كانت في كثير من الأحيان خفية مجهولة الأبطال، والتي وجهت ودفعت سير الأحداث في الشرق الأدنى.
ثم يقول: ولم يكن بد من أن يتنقل البدو ومعهم آثار أحوالهم الأولى، ومن هنا كان بحثنا في النظام الاجتماعي القديم لصحراء العرب عن الخطوط التقريبية.
وحاولنا أن نقوِّم على وجه التقريب أيضًا الصور السياسية للشعوب المختلفة في معتقداتها وطقوسها وفي قوانينها بل في فنها أيضًا، وليس التراث البدوي لتلك الشعوب كافيا وحده لتغيير ذلك الطور وهو العنصر الذي وصفناه بأنه سام.
ويضيف نتنج قوله١:
"المحاولات الناضجة في القرن التاسع عشر في فك رموز الكتابات التي تعود إلى العصر السابق على ظهور المسيحية كشفت عن تشابه بين لغات البابليين والأشوريين والآراميين والكلدانيين والفينيقيين والعموريين والعبرانيين والعرب والأحباش، وهو تشابه لافت للنظر بحيث يوحي بأن هؤلاء الناس جميعا لا بد أنهم ينبثقون من الأصول نفسها".
ومن هذا ثبت أن أسلافهم المشتركين كانوا العرب الأصليين -أو الساميين من قبيلة سام- إذ إن اسم "عربي" هو التعبير السامي عن ساكن الصحراء- وأن
стр. 135
أول استيطان للعرب على نطاق شامل إنما كان في اليمن على عهد مملكة مأرب وهي الجيل الخامس من نسل سام.
وقد تأيدت الفروض بشواهد تاريخية منها:
- القرابة اللغوية بين الشعوب التي تتكلم اللغات السامية.
- عقائدهم الدينية.
- مؤسساتهم الاجتماعية.
هذا فضلًا عن خصائص أخرى نضرب صفحًا عنها.
وهذا التشابه جعل من السهل استنتاج: أن الأسلاف الذين تكلموا البابلية والأشورية والأمورية، والكنعانية، والعبرية، والآرامية، والعربية والحبشية، كانوا غالبا يشكلون جماعة واحدة في الأصل. لعوامل: سياسية واقتصاديةن ومع التاريخ، حصل بينهم خلافات، وكان من آخر الهجرات القديمة حوالي ٥٠٠ق. م. هجرة الأنباط إلى شمال شرقي جزيرة سيناء؛ حيث كانت عاصمتهم البتراء. هذا عدا هجرات الفتح الإسلامي، وهذه الهجرات الأخيرة هي الحجة التاريخية التي يؤيد بها أصحابها نظريتهم التي تجعل من شبه جزيرة العرب المواطن الأصلي للساميين، ويضيفون إلى ذلك حجة لغوية مؤداها: أن اللغة العربية قد احتفظت في نواحٍ كثيرة بأشد تشابه باللغة السامية الأم التي كانت جميع اللغات السامية من لهجاتها.
وكذلك لديهم حجة سيكولوجية: ترى أن سكان شبه جزيرة العرب وبخاصة سكان البادية قد احتفظوا بأنقى الصفات السامية.
ومما نحب أن نشير إليه أن عقائدهم الدينية كانت تقوم على عبادة الطبيعة في شكلها البدائي، وكانت هذه العبادة شائعة بين الرحل من بادية الشام وبلاد العرب، وكان يوجد بجانب إله القبيلة إله أعظم يطلق عليه: هبل أو بعل أو اللات.
وكانت اللات أو هبل الآلهة الرئيسية في الجزيرة العربية.
فدعوى أن العرب حجزهم عن العالم القديم وثقافته عُزْلتهم عنه -غير واردة، ولا تثبت أمام التاريخ الحديث الذي أصبح يتكلم عن العرب ودورهم في التاريخ القديم، من خلال علوم الحفائر والنقوش التاريخية القديمة، ومما ينبغي أن يقال: إن
стр. 136
ما يستكشفونه من حفائر تاريخية في تلك المنطقة، يعطي ما أشار إليه القرآن الكريم، وهو عدم عزلتهم، وما تعاقب في المنطقة العربية على حقب متتالية في التاريخ من مراكز حضارية عربية يشهد بذلك فضلا عن المركز الديني الثابت وتلك المراكز هي:
- مكة: عاصمة دينية قديمة، تقع في وسط الحجاز.
- البتراء عاصمة دولة تجارية عربية، ورئيسها عربي، وكانت في الجنوب.
- تدمر عاصمة تجارية عربية، ورئيسها عربي في الشمال.
- بصرى: عاصمة دولة الغساسنة، وهي عاصمة تجارية عربية ورئيسها عربي، وتقع بين "البتراء" و"تدمر".
ويجمع بين هذه الدول الثلاث بعض المظاهر العامة وفق تاريخها المتعاقب من حيث:
- أصلها: الذي يرجع إلى تحضير القبائل البدوية أو المتنقلة.
- وازدهارها: الذي يرجع إلى تجارة المرور.
- وقد تحالفت كل منها مع إحدى الدولتين العظيمتين لبعض الوقت باعتبارها دولة حاجزة بين تينك الدولتين العالميتين وهما: فارس والروم، وتلقت المساعدات منهما.
- ونهاية كل منها كانت على يد إحدى الدولتين.
فرومة قضت على الدولتين: الدولة النبطية، والدولة التدمرية "الزباء"، وقضت فارس وبيزنطة على دولة الغساسنة.
وأنها جميعا كانت وسائل جيدة للتزاوج بين حضارات الغرب: رومة، واليونان، وبين حضارات الشرق: فارس والهند وبيزنطة، فنقلت من الهند إلى الغرب ونقلت من الهلينية، وكانت مع مرفئها التجاري عاملا مهما في ظهور التراث الهلينستي، وظهرت مدارس اشتغلت بالفكر الشرقي والهليني في ربوع تلك الدول منها:
- مدرسة أنطاكية.
- مدرسة نصيبين.
- مدرسة الرها.
- المدائن.
стр. 137
- جنديسابور.
فتلك المدارس: كانت روافد صالحة لنشر الهيلنستية في الشرق والغرب، ونشر تراث الشرق والغرب أيضا في المغرب الروماني، وسنعرض لتلك المدارس ووظائفها:
стр. 138
البتراء:
١- فالبتراء: من الدويلات المهمة التي قامت في العصر السلوقي وأهلها من الأنباط "من العرب المتكلمين باللغة الآرامية"، وازدهرت طوال ثلاثة قرون من القرن الثاني ق. م. إلى القرن الثاني الميلادي، وفي القرن نفسه ضمها الامبراطور الروماني تراجان١ إلى الامبراطورية، وظلت إلى أواخر القرن الرابع وهي المدينة الرئيسية على طريق القوافل تربط بين جنوب الجزيرة الذي ينتج التوابل ومراكز البيع في الشمال.
وكانت تسيطر على الطرق المؤدية إلى مرفأ غزة في الغرب وإلى بصرى ودمشق في الشمال وإلى آيلة "إيلات" على البحر الأحمر وإلى الخليج الفارسي عبر الصحراء.
وكانت تستبدل فيها الجمال النشطة بجمال القوافل.
واستطاع الحارث الثالث العربي النبطي٢: أن يدخل مملكته ضمن المحور التام للحضارة الهلينستية: وكسب بذلك لقب محب الهلينية.
وبدأت البتراء -وهي جزء من الولاية الغربية الرومانية- تتخذ مظاهر هلينستية نموذجية. يقول فيليب حتى: كانت حضارة الأنباط عربية في لغتها، آرامية في كتابتها، سامية في ديانتها، يونانية ورومانية في فنها وهندستها المعمارية، وهي لذلك
стр. 139
حضارة مركبة: سطحية في مظهرها الهليني ولكنها عربية في أساسها وبقيت كذلك.
стр. 140
٢- تدمر:
وأما تدمر "زنوبيا" فيرجع بناؤها إلى نبي الله سليمان، وكانت تقوم بين هاتين الإمبراطوريتين العالميتين، وساعدها موقعها هذا على عدة ميزات؛ منها:
- عدم تمكن الفرق الرومانية والفرق الفارسية من سهولة الاستيلاء عليها.
- استفاد تجارها من وضعها الفريد كمحطة رئيسية لنزول القوافل عند نقطة التقاء الطرق التي تعبر الصحراء من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.
- استغل رجال السياسة بذكاء موقعها الاستراتيجي من حيث إنها بين دولتين كبيرتين متنافستين، فكانوا يقفون مرة بجانب رومة، ومرة بجانب الفرس، مما جعلهم يحافظون على ميزان القوة ويستفيدون من الحياد.
وحصل الزعماء التدمريون من شيوخ القبائل في الصحراء على إذن بمرور قوافلهم بسلامة، وكانت النتيجة أن أصبحت "تدمر" من أكثر المدن ثروة في الشرق القديم.
وأصبح رئيسها "أذينة زوج زنوبيا" يحوز لقب "زعيم الشرق" ونائبا للإمبراطور غالينوس الروماني؛ غالينوس في الشرق، وذلك بعد أن خاض معركة ضد الغرب؛ ليخلص "فاليران" الإمبراطور الروماني، الأسير لدى الفرس، فهزم الفرس، ولم يستطع تخليص الإمبراطور الأسير، ثم اغتيل في ظروف غامضة.
تولت زنوبيا أو الزباء من بعده، وكانت طَموحة، فوسعت من دولتها حتى أصبحت تشمل سورية، وجزءًا من أسيا الصغرى، وشمال الجزيرة العربية، ويقول المؤرخون: كادت تكون إمبراطورية، ورعت الثقافة اليونانية وجمعت تاريخا للشرق.
يقول فيليب حتى: وكانت حضارة تدمر: حضارة غريبة؛ فهي مزيج من عناصر سورية ويونانية وفارسية، ولا شك أن السكان الأصليين كانوا قبائل عربية وبقيت أكثرية اللسان عربية.
стр. 141
ويصف م. رستوفثزف قوة دولة تدمر فيقول١:
وكانت الحال في المشرق أسوأ منها في المغرب فقد غزا الفرس سورية وهددوا آسية الصغرى فسار فاليران لصدهم، وبالقرب من أديسا "الرها" هزمه هزيمة نكراء ووقع في أيدي أعدائه "٢٦٠م"، ونجت آسية الصغرى وسورية من قبضة فارس، وأنقذ الأولى "آسية الصغرى" كاليسنوس -أحد قواد الرومان- الذي طرد الفرس وأنقذ الأخرى: "سورية" أوديناثوس شيخ تدمر الذي أنزل الهزيمة بالغزاة عندما حاولوا عبور الفرات في عودتهم إلى فارس.
لذلك اعترف جالينوس بأوديناثوس الذي استمر يحكم سورية وجزاء من آسية الصغرى، وبقي يحمل لقب الإمبراطور حتى قتل ٢٢٦-٢٦٧م، فخلفه على العرش ابنه فابالاثوس وقد قامت أمه زنوبيا بأعباء الحكم نيابة عنه وكانت إمبراطورية تدمر في الشرق أكثر رخاء وأشد تماسكا تحت حكم زنوبيا وابنها ابلاثوس وقد لاحت بالتدرج لزنوبيا فكرة إنشاء إمبراطورية رومانية شرقية مستقلة يحكمها أغسطس مستقل.
ولكن أوريليانوس -الذي تولى زمام الأمور بعد كلوديوس- الذي لقي حتفه ضحية طاعون عصف مرة ثانية بصفوف الرومان سنة ٢٧٠م- وبعد أن هزم القوط سار إلى الملكة زنوبيا واستطاع بعد حملة اكتنفتها الصعاب من كل جانب أن يعيد سيادة رومة على الشرق وأن يفتح مصر مرة ثانية وأن يستولي على مدينة تدمر ويأسر حكام الإمبراطورية التدمرية على الرغم من المدد الذي جاءهم من الفرس.
стр. 142
٣- دولة الغساسنة:
ودولة الغساسنة: "الحارث بن جبلة بن الأبهم" التي قامت في خلال القرن الرابع الميلاد إلى أن جاء الإسلام.
منح الحارث من قبل "بوستنيان" لقب "فيلارك" أي رئيس قبيلة، واستطاع أن يهزم المناذرة في معركة قنسرين التي تعرف بـ "يوم حليمة".
وقام الحارث في عام ٥٦٣ بزيارة بلاط يوستنيان حيث ترك تأثيرا عميقا على أفراد حاشيته كشيخ بدوي مهيب.
стр. 143
ويقول المؤرخون: وكان موظفو البلاط بعد سنوات من هذا الحادث حين يريدون أن يهدئوا الأمير المعتوه "يوستين" وهو ابن أخ يوستنيان ووريثه يتفوهون بالقول:
اسكت: وإلا استدعينا الحارث.
وحصل الحارث أثناء وجود بالقسطنطينية على تعيين يعقوب البرادعي١ أسقفًا على الكنيسة فكان يعقوب من أتباع نسطور ومذهبه القائل بالطبيعة الواحدة للمسيح.
وأصبحت بصرى -التي بنيت كاتدرائيتها في عام ٥١٢- العاصمة الدينية في المنطقة، ووصلت المملكة حينذاك ذروة اتساعها؛ إذ كانت تمتد من قرب البتراء إلى الرصافة شمالي تدمر وتشتمل على البقاع، والصفا، وحران.
стр. 144
٤- دويلة المناذرة:
وقامت في بداية القرن الثلاث الميلادي في البادية المحاذية للفرات في منطقة الكوفة دويلة عربية مهمة هي مملكة الحيرة، وأصل أهلها وملوكها من عرب اليمن، عرفوا بالمناذرة واللخميين، وتقع الحيرة، عاصمتها على بعد نحو ٣ أميال جنوب الكوفة، وكان أهلها نصارى على المذهب النسطوري وكان ملوكها موالين أو محالفين لملوك الدولة الساسانية، ومن ملوكها الأوائل امرؤ القيس الأول "القرن الرابع الميلادي"، والنعمان الأول ابن امرئ القيس، والمنذر الأول "٤١٨-٤٦٢" ابن النعمان، وقد عظم في زمنه شأن الحيرة، والمنذر الثاني "٥٠٥-٥٥٤" وهو الذي سماه العرب "ابن ماء السماء"، وأعقبه ابنه المسمى: عمرو بن هند "٥٥٤-٥٦٩" الذي خلده شعراء العرب من الجاهلية مثل: طرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، وانتهى حكم السلالة في حكم النعمان الثالث الذي يكنى "أبو قابوس" "٥٨٠-٦٠٢"، صاحب النابغة الذبياني، حيث صار الملوك الساسانيون
стр. 145
يتدخلون في شئونها وأخيرا انحاز عرب الحيرة إلى خالد بن الوليد في فتحه العراق "٦٣٣"١.
وقد بذلت داخل الصحراء نفسها محاولات للتنظيم السياسي كدولة كندة التي وحدت تحت حكمها عدة قبائل من وسط الجزيرة.
ولكن ظل البدو في جملتهم أحرارا من مثل هذه التنظيمات السياسية فلم يطلبوا وحدة فوق قرابة الدم التي وحدت بينهم في قبائل، وإنما كانوا يجوبون بلادهم الرملية الشاسعة مستقلين بعضهم عن بعض، وقد حكت لنا الرواية الإسلامية ذكريات تنافسهم وتصارعهم، "فأيام العرب" مملوءة بحروب وثارات نشأت في الأصل عن نزاع على الماشية أو المراعي، أو عيون الماء، وهنا تبرز شخصية البدوي حية نابضة بصفات الشجاعة والكبرياء والإصرار والحيلة وهي صفات كان لها دور لا يستهان به في النظام العظيم الذي انبثقت عنه أحداث الجزيرة العربية فيما بعد، وقد قامت مدن في واحات الحجاز خاصة، وكان طريق القوافل المتجه إلى الشمال يسيطر عليه مركزان يغلب عليهما طابع التجارة هما: يثرب التي سميت المدينة فيما بعد، ومكة إلى الجنوب منها، وكانت تحكم مكة حكومة قلة قواما التجار.
وكانت تفد عليها في أيام الأسواق والمواسم الدينية أفواج العرب من جميع أنحاء الجزيرة، فلم يكن في وسط الجزيرة رقعة تضارع مكة مركزًا لاجتماع القبائل واختلافها بعضها ببعض٢.
من هنا يتبين لنا أن المنطقة العربية تعرضت لتيارات؛ من الرومان تارة، والفرس أخرى، وبيزنطة الثالثة الأخيرة، وفي هذا ما ينفي القول القائل: إن العرب كانوا في عزلة عن التاريخ، ويثبت لنا: أن المنطقة شهدت حضارات تعاقبت عليها، وشاركت في أحداثها السياسية، والاقتصادية ومظاهرها الاجتماعية، أيضا؛ غير أن هذه التأثيرات بتياراتها لم تستطع أن تلغي شخصيتها العربية، إنما كانت طلاء ظاهرا لم يلبث أن انجلى عنها؛ أما لماذا انجلى عنها؟ فسوف نعرض له.