← Акыда

Акыда · id 10006

تاريخ الفكر الديني الجاهلي

محمد إبراهيم الفيومي

Полный текст (634 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويصف م. رستوفثزف قوة دولة تدمر فيقول١: وكانت الحال في المشرق أسوأ منها في المغرب فقد غزا الفرس سورية وهددوا آسية الصغرى فسار فاليران لصدهم، وبالقرب من أديسا "الرها" هزمه هزيمة نكراء ووقع في أيدي أعدائه "٢٦٠م"، ونجت آسية الصغرى وسورية من قبضة فارس، وأنقذ الأولى "آسية الصغرى" كاليسنوس -أحد قواد الرومان- الذي طرد الفرس وأنقذ الأخرى: "سورية" أوديناثوس شيخ تدمر الذي أنزل الهزيمة بالغزاة عندما حاولوا عبور الفرات في عودتهم إلى فارس. لذلك اعترف جالينوس بأوديناثوس الذي استمر يحكم سورية وجزاء من آسية الصغرى، وبقي يحمل لقب الإمبراطور حتى قتل ٢٢٦-٢٦٧م، فخلفه على العرش ابنه فابالاثوس وقد قامت أمه زنوبيا بأعباء الحكم نيابة عنه وكانت إمبراطورية تدمر في الشرق أكثر رخاء وأشد تماسكا تحت حكم زنوبيا وابنها ابلاثوس وقد لاحت بالتدرج لزنوبيا فكرة إنشاء إمبراطورية رومانية شرقية مستقلة يحكمها أغسطس مستقل. ولكن أوريليانوس -الذي تولى زمام الأمور بعد كلوديوس- الذي لقي حتفه ضحية طاعون عصف مرة ثانية بصفوف الرومان سنة ٢٧٠م- وبعد أن هزم القوط سار إلى الملكة زنوبيا واستطاع بعد حملة اكتنفتها الصعاب من كل جانب أن يعيد سيادة رومة على الشرق وأن يفتح مصر مرة ثانية وأن يستولي على مدينة تدمر ويأسر حكام الإمبراطورية التدمرية على الرغم من المدد الذي جاءهم من الفرس.

стр. 142

٣- دولة الغساسنة: ودولة الغساسنة: "الحارث بن جبلة بن الأبهم" التي قامت في خلال القرن الرابع الميلاد إلى أن جاء الإسلام. منح الحارث من قبل "بوستنيان" لقب "فيلارك" أي رئيس قبيلة، واستطاع أن يهزم المناذرة في معركة قنسرين التي تعرف بـ "يوم حليمة". وقام الحارث في عام ٥٦٣ بزيارة بلاط يوستنيان حيث ترك تأثيرا عميقا على أفراد حاشيته كشيخ بدوي مهيب.

стр. 143

ويقول المؤرخون: وكان موظفو البلاط بعد سنوات من هذا الحادث حين يريدون أن يهدئوا الأمير المعتوه "يوستين" وهو ابن أخ يوستنيان ووريثه يتفوهون بالقول: اسكت: وإلا استدعينا الحارث. وحصل الحارث أثناء وجود بالقسطنطينية على تعيين يعقوب البرادعي١ أسقفًا على الكنيسة فكان يعقوب من أتباع نسطور ومذهبه القائل بالطبيعة الواحدة للمسيح. وأصبحت بصرى -التي بنيت كاتدرائيتها في عام ٥١٢- العاصمة الدينية في المنطقة، ووصلت المملكة حينذاك ذروة اتساعها؛ إذ كانت تمتد من قرب البتراء إلى الرصافة شمالي تدمر وتشتمل على البقاع، والصفا، وحران.

стр. 144

٤- دويلة المناذرة: وقامت في بداية القرن الثلاث الميلادي في البادية المحاذية للفرات في منطقة الكوفة دويلة عربية مهمة هي مملكة الحيرة، وأصل أهلها وملوكها من عرب اليمن، عرفوا بالمناذرة واللخميين، وتقع الحيرة، عاصمتها على بعد نحو ٣ أميال جنوب الكوفة، وكان أهلها نصارى على المذهب النسطوري وكان ملوكها موالين أو محالفين لملوك الدولة الساسانية، ومن ملوكها الأوائل امرؤ القيس الأول "القرن الرابع الميلادي"، والنعمان الأول ابن امرئ القيس، والمنذر الأول "٤١٨-٤٦٢" ابن النعمان، وقد عظم في زمنه شأن الحيرة، والمنذر الثاني "٥٠٥-٥٥٤" وهو الذي سماه العرب "ابن ماء السماء"، وأعقبه ابنه المسمى: عمرو بن هند "٥٥٤-٥٦٩" الذي خلده شعراء العرب من الجاهلية مثل: طرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، وانتهى حكم السلالة في حكم النعمان الثالث الذي يكنى "أبو قابوس" "٥٨٠-٦٠٢"، صاحب النابغة الذبياني، حيث صار الملوك الساسانيون

стр. 145

يتدخلون في شئونها وأخيرا انحاز عرب الحيرة إلى خالد بن الوليد في فتحه العراق "٦٣٣"١. وقد بذلت داخل الصحراء نفسها محاولات للتنظيم السياسي كدولة كندة التي وحدت تحت حكمها عدة قبائل من وسط الجزيرة. ولكن ظل البدو في جملتهم أحرارا من مثل هذه التنظيمات السياسية فلم يطلبوا وحدة فوق قرابة الدم التي وحدت بينهم في قبائل، وإنما كانوا يجوبون بلادهم الرملية الشاسعة مستقلين بعضهم عن بعض، وقد حكت لنا الرواية الإسلامية ذكريات تنافسهم وتصارعهم، "فأيام العرب" مملوءة بحروب وثارات نشأت في الأصل عن نزاع على الماشية أو المراعي، أو عيون الماء، وهنا تبرز شخصية البدوي حية نابضة بصفات الشجاعة والكبرياء والإصرار والحيلة وهي صفات كان لها دور لا يستهان به في النظام العظيم الذي انبثقت عنه أحداث الجزيرة العربية فيما بعد، وقد قامت مدن في واحات الحجاز خاصة، وكان طريق القوافل المتجه إلى الشمال يسيطر عليه مركزان يغلب عليهما طابع التجارة هما: يثرب التي سميت المدينة فيما بعد، ومكة إلى الجنوب منها، وكانت تحكم مكة حكومة قلة قواما التجار. وكانت تفد عليها في أيام الأسواق والمواسم الدينية أفواج العرب من جميع أنحاء الجزيرة، فلم يكن في وسط الجزيرة رقعة تضارع مكة مركزًا لاجتماع القبائل واختلافها بعضها ببعض٢. من هنا يتبين لنا أن المنطقة العربية تعرضت لتيارات؛ من الرومان تارة، والفرس أخرى، وبيزنطة الثالثة الأخيرة، وفي هذا ما ينفي القول القائل: إن العرب كانوا في عزلة عن التاريخ، ويثبت لنا: أن المنطقة شهدت حضارات تعاقبت عليها، وشاركت في أحداثها السياسية، والاقتصادية ومظاهرها الاجتماعية، أيضا؛ غير أن هذه التأثيرات بتياراتها لم تستطع أن تلغي شخصيتها العربية، إنما كانت طلاء ظاهرا لم يلبث أن انجلى عنها؛ أما لماذا انجلى عنها؟ فسوف نعرض له.

стр. 146

وبعدما كانوا يرون أن العرب حجزهم التاريخ عن حضارته، أصبحوا يرون من خلال ما استجد أمامهم من وثائق تاريخية وصلوا إليها عن طريق الحفائر والآثار أن المنطقة تعرضت للتيارات المختلفة: من غزو يوناني، إلى روماني، إلى فارسي، إلى بيزنطي، وبالتالي "أصبحت قادرة على العطاء، وأصبح الإسلام -في نظرهم- هو ثمرة هذا العطاء"، وتلك قصة سنعرض لها فيما بعد. وأصبح الإسلام يتكون -في نظره- من عدة تراثات: - التراث الهلنيسني: أي التراث الشرقي الغربي الذي ألفت بينه مدرسة الإسكندرية حاضرة البحر المتوسط. - التراث الديني: العبري: اليهودي والمسيحي. نبدأ بالتراث الهليني وموقف الشرق منه. مراكز الثقافة الهللينسية: لقد عرضنا للأحداث السياسية التي تعرض لها المنطقة العربية والدويلات التي قامت بها على أزمان متعاقبة من التاريخ وكيف كانت تحتويها إحدى الدولتين العالميتين حينذاك؛ إما الفرس أو الروم. وكان الهدف الذي كانت ترمي إليه الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية هو العمل على الحيلولة دون قيام أي نظام سياسي قوي في الشرق يخشى أن يكون خطرا على إحدى الدولتين، وكلما زادت القلاقل والمتاعب في الشرق كان هذا أفضل لصالحها، وكلما تضاعف عدد الدول المستقلة كان هذا أجدى وأنفع لرومة، وكلما زادت الابتكارات وتعقدت الأمور في الشئون الداخلية لكل دولة من دول الشرق تضاعف أمل كل من الإمبراطوريتين في أن تصبح سيدة الموقف والقوة المتحكمة في مصير الشرق بأسره١. وإن أهم ما يقال عن هذه الدويلات من حيث مظهرها السياسي: أنها كانت دويلات تزدهر بازدهار مرفئها التجاري، وتندثر باندثاره، وكانت ترى تبعيتها لإحدى

стр. 147

الدولتين ولاء سياسيًّا واجبًا، وكان هذا الولاء يتغير من حين لآخر، وعامل التغير الأساسي في ذلك: هو الظروف الدولية للدولتين الكبيرتين، وأما هذه الدويلات فعليها أن تشكل ظروفها تبعا لهذا التغير دون إعلان رغبتها في شكل التبعية. وترتب على ذلك -من وجهة نظرنا- أن أصبحت ميول هذه الدويلات العربية مرتبطة يميول الإمبراطور الشرقي، أو الروماني، وبدلا من أن يكون الولاء للوطن أصبح الولاء للإمبراطور، وفي هذا ما جعل الأسر الحاكمة لهذه الدويلات تسعى -نفاقًا سياسيا منها- إلى التشبث بمظاهر حضارية ذات غشاء رقيق، لم يلبث أن تكشف عن بداوة وسعي إلى حياة الترف بشتى أشكاله وألوانه وصنوفه. وفي هذا ما صرفها عن دراسة مكوناتها الحضارية، وعن إبراز عوامل شخصيتها الإنسانية، وعن الدعوة إلى توظيف لغتها، ورفع أدبها، ومناقشة قضايا وطنها والبحث عن حرياتها الإنسانية، وحريتها في العلاقات السياسية. لذلك كنا نراها دويلات متعاقبة في سلسلة التاريخ الإنساني، تظهر "دولة البتراء" ثم تغيب مع غياب الأسرة التي حكمت، فإذا ما أخطأت سبيل ترضية الإمبراطور، كان عليه أن يغطي عليها، دون أن يغيب نجم الإمبراطور السياسي، ولأول مرة رأينا دويلات تنتحر انتحارا سياسيا نتيجة القلق السياسي الذي انتابها. ثم تظهر دولة "تدمر"؛ لتعيد التاريخ نفسه والأسلوب نفسه ويقضَى عليها بالوسيلة السابقة نفسها. إلى أن جاء الإسلام فاحتوى الدولتين العالميتين: سياسيا، وفكريا، ودينيا، وشفى ما بهما من علل القلق السياسي، وكان الإسلام بما أحدثه من تغيرات، على المستوى العالمي قد أظهر بمبادئه الرفيعة حقيقة الإنسان عندما ضل عن فهمها من خلال ما حوله من أفكار دينية ماجت بها منطقته، فنلاحظ أنه كان في المنطقة تغييرات سياسية، ولكن غير محددة من الوجهة السياسية. فتارة إلى الشرق وتارة أخرى إلى الغرب، فإذا نادت دولة الشرق الكبرى فارس بثقلها على هذه الدويلات تغير

стр. 148

مجرى علاقاتها إلى الرومان وهكذا، فهناك حقيقة تغييرات سياسية طرأت على المنطقة غير ثابتة الهدف السياسي، والوجهة الحضارية، ويضاعف ذلك عدم وعي الأسرات التي حكمت فيها بهدفيها السياسي، والحضاري، وذلك مما عجل بانتحارها السياسي. وحال العرب اليوم مثله بالأمس، دويلات ظهرت في المنطقة العربية وازدهرت لعامل اقتصادي لا دخل للعبقرية العربية فيه، وسيطرت عليه، إحدى الدولتين العالميتين، فظهرت المنطقة بمظهر حضاري غربي، ورجع العربي من غير أن يدري إلى بداوته، فكره العمل، وبات على ذلك منعم البال بثرائه المادي، فشلَّ بذلك من عبقريته، ومن تفهمه لمستوى حضارته، وكذلك أسرات حاكمة يرى فيها أنها مسئولة عن توجيهه لما تحب وترضى، فمفهوم التعاون العربي نراه لا يخرج عن معناه القبلي: وهو الأسرة لا الوطن وهو الأحق بالرعاية والتقديس. وفي ذلك ما يشير إلى مستقبلها إن ظلت على هذا الحال كلقمة طيبة المذاق يعفها الذوق عندما يتغير مذاقها أو يتغير مذاقه على حد سواء، لذلك كان على العربي أن يبحث عن شخصيته وأصالته، وأن يرصد أموال البترول لصالح رعاية السلوك الحضاري النابع حقيقة من الإسلام، وعليه يتحدد مظهرنا الحضاري اللائق بعبقريتنا ومنهجنا الإسلامي. وإن وضعنا -عربا ومسلمين- في حضارتنا الحديثة لمؤسف؛ إذ ما زلنا بعيدين عن المشاركة في بناء الحضارة، وإن ما يبدو علينا من مظاهر هو مظهر استهلاكي لا بنائي، وفي ذلك تدهور وتدلٍّ، والعربي -تاريخيا- محسود حينما حباه الله برسالة الإسلام -وحْيًا مقدسًا- لا مظهر لعبقرية العربية في تأليفه، وهو العامل الجوهري للحضارة الإنسانية، وحينما منحته أرضه -وستمنحه- بترولها وهو عامل جوهري في قوة الحضارة المادية -لم يكن فيه مظهر للعبقرية العربية إنما هو منحة إلهية أيضا. وفي كلتا الحالتين: استحق العربي دوره التاريخي والحضاري لكن هل قام بعبء هذا الدور، إنه ما زال يتسول التكنولوجيا من الغرب!!

стр. 149

ولنرجع إلى حديثنا عن المدارس الهلينستية التي انتشرت في المنطقة فنقول: ما عرضناه كان مقصورًا على الجانب السياسي فقط، ترى هل يكون ثمة تغيير من الناحية الثقافية؟ أو بمعنى آخر: هل اطردت الحياة الثقافية غير متأثرة بالتغيير السياسي؟ ولكي نجيب عن هذا السؤال: نقدم بين يديه شيئا عن المراكز الثقافة الهلينية في المنطقة العربية، ولون الثقافة التي غزت هذه المنطقة، ونلاحظ من مقتضى الأحداث السياسية أن الشرق أصبح -والمنطقة العربية فيه- خاضعًا إلى حد كبير للنفوذ الثقافي الإغريقيين، وكما نشأت عواصم سياسية نشأت أيضا بجانبها عواصم ثقافية. يقول م. رستوفتزف: ويمكن أن نصف المظهر الذي كان عليه العالم القديم قبل نشوب الحروب الأهلية في رومة وإيطالية على الوجه الآتي: ففي أثناء المدة التي يطلق عليها اسم العصر الهلينستي أخذ مركز الحضارة في التحول تدريجيًّا من الغرب إلى الشرق، فحلت الإسكندرية في وادي النيل وأنطاكية على نهر العاصي وفرغانة على نهر كيكوس Caicus محل أثينا في الصدارة والأسبقية في المدنية"١، وكان من أولى العواصم الثقافية مدرسة الشرق الكبرى. مدرسة الإسكندرية -حاضرة البحر- نظام فلسفي جديد: وكما هو واضح من اسمها، أنها تحمل اسم ذلك الفتى الإغريقي بانيها ومؤسسها، الذي خضعت لنفوذ الدنيا، وهو لما يزل في عقده الثالث ذلك هو: الإسكندر الأكبر، الذي أسسها سنة ٣٢٣ق. م وقد ظل اسمه عليها إلى الآن. وقد أنشأ خلفاؤه من بعده -فيها: أكاديمية يونانية تناظر بزهوها العلمي المدارس الأثينية، بل وتتفوق عليها؛ لما احتوت عليه من تراث يوناني،

стр. 150

وأصبحت موئلا للعلماء والمفكرين الذين وقع عليهم الاضطهاد، ولا سيما بعد ما أغلقت أثينا فانتقلت إلى الإسكندرية بتراثها وفلاسفتها، مع اهتمام حكماء مصر بها أيضًا، فانتقلوا من معابدهم إليها لما لقيته من حفاوة وتقدير، استطاعت بهما أن تكون وريثة عين شمس ووريثة أثينا الحضاري بين الحضارتين: الإغريقية والسامية الذي بدأه الإسكندر المقدوني بفتوحاته، عن نشوء حضارة جديدة تعرف بالحضارة الهلينستية تقابلها الحضارة الهلينية والإغريقية الخالصة، وأصبحت الهلينستية الحضارة التي تميزت بها بلدان الشرق الأدنى في القرون الثلاثة التي سبقت المسيحية وبعدها، ومن هنا جمعت بين خصائص الثقافة الشرقية، وخصائص الثقافة الإغريقية، وأصبح من الصعب أن يحتفظ الفكر اليوناني بخصائصه، أو أصالته، كذلك أصبح الفكر الشرقي يميل إلى الاندماج في الطابع الهليني، والهليني في الشرقي، وبذلك أصبح فكرها عالميًّا، ومع ذلك فالمحيط اليوناني في الإسكندري فقد الأصالة التي كان يتميز بها الفكر الأثيني، واتخذ طابعًا عالميًّا وظهر فيه ميل ظاهر نحو الفكر الشرقي، وعلى الرغم مما كانت تدعيه الثقافة اليونانية القديمة من الأصالة لم تكن خالية تمامًا من المؤثرات الشرقية، ويمكن أن نرجع الكثير من مظاهر الحياة والفكر اليونانيين إلى أصول مصرية وبابلية، هذا وينبغي أن نلاحظ أنه: على الرغم من أن الإسكندرية كانت ذات أثر بارز جدًّا في تحول الفكر اليوناني في العصر المتأخر، لم يكن مثل هذا التحول وقفا عليها، ولم يكن محليا، بل لم يكن قوميًّا أيضًا، وإنما كان تحولًا عالميًّا. وقال أوليري: إن الحياة اليونانية العالمية الجديدة التي ازدهرت بعد عهد الإسكندر كانت جوانب متعددة أنتجت نوعًا من الأدب خاصًّا بها، وأخرجت نقدا أدبيا، وسارت قدما بالفلسفة منتهجة في أكثر الأحيان سبلا جديدة، كما أنتجت بحوثا جديدة في الطب، والفلك، والرياضيات والفروع الأخرى من العلم، فكل هذه متداخل بعضها في بعض؛ لأنها كلها ذات منزع متماثل، وكلها تتحول تحولًا طبيعيًّا من ثقافة اليونان القديمة. وفي النهاية يكفي القول: أنها ألفت بين التراثين، وأصبح ما يعرف في تاريخ الفكر الفلسفي: بالهلينستية يرجع إلى نشاطها العلمي تاريخا واصطلاحا.

стр. 151

الأفلاطونية المحدثة: وفي القرن الثالث الميلادي انتقل المركز الفكري العالمي من أثينا وروما إلى الشرق، كما انتزع زعامة الفكر الفلسفي جماعة من أصحاب الثقافة الهلينية في الأناضول وسوريا ومصر وغيرها من بلدان الشرق الأدنى، وهكذا شهد القرن الثالث انحلال الأنظمة الفلسفية القديمة وتقهرها بمثابة تمهيد السبيل؛ لبروز أنظمة جديدة توفق بين الفلسفة الإغريقية والفكر الشرقي كما مهدت السبيل أيضا أمام انتصار المسيحية الحاسم. كانت الأفلاطونية المحدثة نظامًا من هذا النوع، وكانت محاولة للتوفيق بين نظريات أفلاطون، وأرسطو من جهة، وبين بعض الآراء الدينية الشرقية، وفي ذلك الجو الفكري الذي كان شائعا في منطقة الشرق الأدنى استطاعت الأفلاطونية المحدثة أن تكون من ثنائية أفلاطون التي تنطوي على "المثال" "والمادة" الفكرة القائلة بأن الله والطبيعة شيء واحد، وأن الإنسان والكون المادي ليسا يسوى مظهر من مظاهر الذات الإلهية، وهو المذهب المعروف بمذهب "وحدة الوجود" .وكان من أنصار الأفلاطونية المحدثة: أربعة من سكان الشرق الأدنى: ١- ساكاس "أمونيوس". يقول عن نفسه: إنه من أهل الإسكندرية، ونشأ مسيحيا، وتفقه في الدين على يد والديه، ولكنه عندما بدأ يدرس الفلسفة تحول عن دينه وصار وثنيًّا. ٢- أفلوطين: وأفلوطين من أسيوط، ولد حوالي ٢٠٠-٢٧٠م، ولأفلوطين عدة مؤلفات كتبها على حقب: الحقبة الأولى: كتب واحدا وعشرين كتابا من تاسوعاته. الحقبة الثانية في روما: كتب في أثنائها أربعة وعشرين كتابا. الحقبة الثالثة والأخيرة: كتب تسعة من الكتب. وانتهت أعمال أفلوطين المصري بتلمذة "فورفوريس" الصوري له.

стр. 152

٣- فرفوريوس: توفي ٣٠٥، وهو الذي شرح نظريات أفلوطين وأشاعها، فيكون بذلك المؤسس الأول لنظام فلسفي ظل قرونا يستأثر بالفكر الأوروبي الفلسفي. ٤- يمبلنجوس توفي: سنة ٣٣٣، تلميذ بارز لفرفريوس سوري المولد، ولم يسر "يمبلنجوس" على خطى الفلاسفة من قبله الذين كانوا يشدون الرحال سعيا وراء العلم، بل بقي يعلِّم في موطنه أتباعه الفلسفة الفيثاغوريسية، أخذ "يمبلنجوس" يعزو إلى الأعداد معنى أسمى من المعنى الذي لها في علم الرياضيات، كما أنه عدَّل كثيرا في آراء معلمه بالنسبة للصوفية، هذه الأفكار والأراء المجموعة بعضها مهلهل لقيت في مدينة الإسكندرية من يأخذ بها وينظمها كي تصبح نظاما فلسفيا تبعا لميول هذه المدرسة في جعل الفكر الإغريقي على أنواعه فكرا شرقيا، لقد اصطحبت هذه المدرسة في هذه الفلسفة كثيرا من الآراء التي تعزى إلى "فيثاغورس" وإلى أتباعه، وأضفت عليها تفسيرا صوفيا، وإلى "فيثاغورس" يعزى مذهب التقمص، والمذهب القائل بأن الحياة الأرضية ليست سوى وسيلة لتطهير النفس.

стр. 153

" فيلو الإسكندري" ونشأة الفلسفة الدينية والأصول العرفانية: إن تفاعل الهودية مع الفلسفة الإغريقية يجسدها "فيلو" اليهودي الإسكندراني حوالي ٢٠ ق. م إلى ٤٠ بعد الميلاد، الذي كان من أوائل وأعظم الفلاسفة اللاهوتية اليهود، كان يضع نصب عينيه الدفاع أمام فلاسفة الإغريق عن الوحي الإلهي، وأن كتب التوراة الخمسة كتب موحى بها من الله؛ وكان هذا المبدأ مجهولا لدى فلاسفة الإغريق، كذلك كان "فيلو" يقول بثنائية الإنسان أي "أنه مادة وروح" التي نادى بها أفلاطون؛ وأن الجسد هو سجن الروح، التي تتوق أبدا إلى الخلاص منه والرجوع إلى الله؛ والله في نظر "فيلو": لا يحده عقل، وهو أسمى من كل معرفة؛ أما المادة فلها حدود ولها نهاية؛ ولذا وجب أن يكون هناك وسيط بين المحدود واللامتناهي، وهذا الوسيط بين الله وبين العالم هو: "الكلمة" التي وصفها بأنها أول مولود لله: إنها الإله الثاني، لقد كان "لفيلو" أثر عميق في "اللاهوت" المسيحي والفكر المسيحي. وعلى منهج "فيلو" الإسكندري هيأت مدرسة الإسكندرية الذهن البشري لتقبل النظام الفلسفي الجديد وانصرافه عن نظام الفلسفة الإغريقية

стр. 154

القديم، الذي كان يعتمد على العقل وحده، وكان سببا من أسباب خذلانه؛ وعلمت المدرسة الإنسان بأنه: لا يستطيع أن يعيش بالعقل وحده، ومن هنا أقبل الإنسان على النظام الفلسفي الجديد الذي كان يعتمد على احتضان الديانات الشرقية التي تكتنفها الأسرار والروحانيات؛ ومن أهم هذه الديانات الشرقية: - عبادة سبيل؛ وهي أصلا: الإلهة الأم لفريجيا. - وعبادة إيزيس في مصر. - ومترا في فارس. مثل هذه الديانات تنطوي على أسرار لا يمكن تفسيرها ولا تعليلها، فقد اقتضى الأمر أن يكون أتباع هذه الديانات من الخلص الذين كرسوا أنفسهم لدخول حظيرة الأسرار؛ والمبدأ الأساسي الذي ترتكز عليه الديانات الروحية هي: أن التوصل إلى معرفة الله لا يتم عن طريق العقل ولا عن طريق الحواس العادية بل عن طريق الإيحاء والتأمل والإحساس؛ والغاية القصوى التي تسعى إليها هذه الديانات هي: الاتحاد بالله المخلص. وتعد جميع الأديان الروحية الغيبية أتباعها بنيل السعادة على الأرض، كما تضمن لهم دخول الجنة في الحياة الأخرى. وتختلف المسيحية عن الأديان الروحانية في أن تلك الديانات كانت وقفا على فئة خاصة مؤهلة للاطلاع على أسرارها؛ لكنها غير مأذونة بالبوح بأسرارها، وكان دخول التابع إلى حظيرة الأسرار يقتضي إعداده إعدادا دينيا خاصا؛ لأن الممارسة الدينية كانت سرًّا، فمن العسير أن تعرف شيئا عن الطقوس والشعائر التي كانوا يتبعونها عندما يدخلون عضوا جديدا إلى حظيرة الأسرار، فقد كان الكهنة يحتفظون بتلك الأسرار ويغالون في الحفاظ عليها. ونذكر على سبيل المثال: كان الدخول في ديانة "مترا" يتم على سبع مراحل: فكان على طالب الدخول إلى دين الجماعة: أن يمر في دور تطهير، إما بالماء أو الدم، وهذا له ما يقابله بالمسيحية وهو: العمادة، ثم يتلو هذا الاتحاد بالإله في إشراك المريد في حفلة طعام دينية، يتبع ذلك

стр. 155

تزويد المريد ببعض أسرار المعرفة، التي كانت تقوده إلى الرؤيا؛ كانت "إيزيس" تظهر للعباد وتتكلم معهم، وكان الإغريق يقومون بطقوس العربدة التي كانوا يمارسونها على شرف الإلهة الأم "سبيل" وعشيقها. كما أخذوا عن الفينيقيين أعباءهم الصافية التي كانوا بها؛ تكريما "لعشتروت" وعشيقها "أدونيس"، ثم أصبحت هذه الإلهات وعشاقها إلهات إغريقية رومانية؛ فحنان الأمومة الذي كان يتجسد في "إيزيس" جعل من هذه الإلهة إلهة محببة إلى نفوس الناس رجالا ونساء على السواء. وقد انتشرت عبادة "إيزيس" و"أوزيريس" في العهد الروماني، وراقت للناس أكثر مما انتشرت في العصر الهليني ففي أثناء القرنين الأولين للميلاد كان للإلهة "إيزيس" مزارات وهياكل منتشرة في صقلية وسردينيا وإيطاليا؛ ومنذ القرن الثاني للميلاد وما بعده كانت ملة "إيزيس وأوزيريس" من ألد خصام المسيحية، وفي الفترة القصيرة التي انتعشت فيها الوثنية في روما ٣٩٤، كانت "إيزيس" أم الآلهة، و"ميترا" يحتلان المرتبة الأولى. يقول حتى: وفي النهاية أصبحت "إيزيس" بمثابة "مريم العذراء" كما صار "هورس" قرين "المسيح"، فكانت عملية دمج أكثر منها عملية تنحية وإزاحة، وفي القرن الثالث كان الناس يتأرجحون في إيمانهم بين الإلهة "ميترا" والسيد "المسيح". ولكن المسيحية ما فتئت أن انتصرت في القرن الرابع انتصارا حاسما على دين "ميترا"، ونجمل فيما يلي خصائص الفكر الإسكندري ما دام هو الذي كان يغذي المراكز الثقافية، وهو فيما يلي: أولا: تتميز هذه الخصائص بالاتساع الفكري، واتساعها الفكري وإن كان ميزة أبعدت عنها تهمة التعصب لثقافة دون أخرى جعلها لا تتعمق في القضايا بقدر ما حملت عبء التوفيق بين القضايا المتنازعة. ثانيا: ركزت على المنهج التوفيقي أو التلفيقي: فربط أولا: بين المدارس الفلسفية القديمة، ثم ثانيا: بين أفكار الفلفسة القديمة وفكرها الحديث، هذا من جانب موقفها الفلسفي، ثم من ناحية موقفها من الدين حاول بعضهم -مثل فيلون الإسكندري- أن يوفق بين توحيده الديني، واتجاه الفلسفة، ثم غالى في اتجاهه عندما

стр. 156

أخذ يؤكد اتجاه الفلسفة اللاهوتي وحملها على تأكيد قضايا الدين الذي كان يعتنقه وهو الدين اليهودي١. ثالثا: أبرزت ثنائية الوجود إبرازا منطقيا، وجهتها إليه الروحية الشرقية من جانب، والمادية الهلينية من جانب آخر، فعندما كانت تحاول المزاوجة بين تراث يتميز بالروحية، وتراث يتميز بالمادية صادفتها هذه الثنائية فأبرزتها. رابعا: التأكيد على الحقيقة المطلقة التي وافقت ميلها إلى الطابع اللاهوتي، فحولت الفكر إلى تلك الغاية. خامسا: الملاءمة بين اليهودية والفلسفة التي حمل عبئها فيلون. سادسا: الملاءمة بين المسيحية والفلسفة وقد حمل عبئها أفلوطين ورجال الكنيسة، وكانت تلك المحاولة بدء الانشقاقات الحقيقية في المسيحية. هذه الخصائص -وإن كانت تبين المسئولية الجديدة التي حملتها مدرسة الإسكندرية- كانت تتسم بسعة الأفق، غير أن منهجها هذا -وهو المنهج التوفيقي- شغلها بقضايا عسيرة الحل، وحقيقة الأمر: أنها شاركت وأعطت الكثير من الحلول التي تتسم بالطرافة والمتعة العقلية، غير أنها لم تكن على درجة عقلية مقبولة، لا من جهة الدين ولا من جهة الفلسفة. وعلى الرغم من هذه المهمات نراها بدت عاجزة مقعدة عن نواحٍ أخرى: وذلك عندما صرفتها تلك القضايا عن مشاكل واقعها، وعن تحمل مسئولية وطنها، وقضايا تاريخها، وأصبحت مع هذا الازدهار التاريخي: توصم بالعزلة وهي حاضرة الفكر والثقافة. وما انتهت مدرسة الإسكندرية إلا بعد أن خطت منهج خلط الدين بالفلسفة، أي المقدس بغيره، وكانت المسيحية باستسلامها لهذه الخطة نموذج هذا الخلط، وتقبلها الرومان على أنها أقرب الصور لوجهة نظر "أنطيوخوس" عندما أراد أن يحكم الشرق بسياسة واحدة، ودين واحد، ودين واحد؛ حيث تبنت مدرسة الإسكندرية وجهة نظره هذه

стр. 157

وراحت تنسج بخيوطها تلك الصورة، بيد أن صورة المحاولة باتت على شاكلة "أبي الهول": صورة إنسان على جسم حيوان رابض، إنها تصورات مدرسة عين شمس عن الوجود نفسه، وعن دين "إخناتون" أصبحت المسيحية تحمل اسم الدين من غير جوهره، وتحمل اسم الفلسفة من غير منهجها، وكان ذلك من أخطر نتائج مدرسة الإسكندرية ومن أشيع مناهجها. يقول جيبون: لقد أهمل الأفلاطونيون المحدثون المعرفةَ التي تتناسب مع وضعها وقدرتها، كما أهملوا حقل علم الأخلاق، والطبيعة، والرياضة، وذلك في الوقت الذي أجهدوا فيه قوتهم في المناقشات اللفظية في الميتافيزيقا، وحاولوا: أن يكشفوا عن أسرار عالم الغيب، ودرسوا أرسطو، وأفلاطون؛ ليوفقوا بين آرائهما في موضوعات لم يكن أحد هذين الفيلسوفين أقل جهلا بها من بقية بني آدم. هذه هي الصورة العامة لنوع الثقافة التي تسلمتها المراكز الثقافية العربية، فما الصفة العامة لمراكز الثقافة التي انتشرت في المنطقة العربية.

стр. 158

مدرسة إنطاكية مدخل ... مدرسة إنطاكية: كانت إنطاكية بمثابة حلقة الاتصال بين العالم القديم والعالم الحديث، لذلك كانت مركز التقاء الحضارتين؛ الإغريقية، والشرقية، وكانت تزخر بالإغريق والمستشرقين، والشرقيين المتأغرقين من جميع الطبقات، وعلى مختلف درجات التعليم، فقد أصبحت تشتمل ليس على مجرد المذاهب الدينية الإغريقية القديمة الراسخة لعبادة "زيوس"، "أبولو" وباقي جمهرة هذه الآلهة، بل كانت تشتمل كذلك على المذاهب السورية لعبادة "بعل" Baal والإله الأم، فضلا عن الديانات ذوات الأسرار بعقائدها عن الخلاص وعن الموت والبعث وعودها لما بعد الحياة. كذلك شهدت التغييرات التي عرفت بها الحقبة الأخيرة من العصر الهلينستي حينما كانت المذاهب الدينية والفلسفية القديمة آخذة في التحول إلى معتقدات فردية تبعًا لانصراف الناس إلى التماس العزاء الديني عن مشاكلهم ومطامعهم

стр. 159

الشخصية وأصبح مثلها مثل المراكز الأخرى التي كانت قد ازدهرت فيها الديانة والفلسفة الهلينستيتان وكان من دعاتها الأُوَل القديسان: نيقولاوس، وبرنابا.

стр. 160

نيقولاس وظهور الهرطقة في أنطاكية ... نيقولاوس وظهور الهرطقة في أنطاكية: وطبقا لعبض المصادر كان نيقولاوس الأنطاكي وهو الذي كان من أوائل المهتدين وأحد الشمامسة السبعة في القدس "أعمال الرسل ٦: ٥" ابتدع هرطقة باكرة عرفت باسمه. والظاهر أن هذه الحركة المنسوبة إلى نيقولاوس كانت ترمي إلى إيجاد حل وسط بين المسيحية والعادات الاجتماعية السائدة، وذلك بالتوفيق بين ممارسة عادات وثنية معينة والانخراط في سلك الطائفة المسيحية. والهرطقة المنسوبة إلى نيقولاوس كانت -من بعض الوجوه- الطليعة لمذهب الغنوسطية الذي كان يفوقها إلى حد بالغ من حيث بعد الأثر وخطورة الشأن وهو مذهب القائلين: بأن الخلاص يتم بالمعرةف دون الإيمان. ازدهر هذا المذهب في جو ديني وفكري في أنطاكية، حيث كان الاختلاط بين جماعات أفريقية وشرقية متباينة الجنس والدين يهيئ مجالا واسعًا لدراسة ونشر مذاهب جديدة دينية، وفلسفية ولما كان مذهب الغنوسطية مذهبا يتوسط بين الفلسفة الوثنية والدين، وكانت أصول إغريقية، إلا أنه اقتبس بعض الآراء المسيحية، وبعض الآراء اليهودية، وكان ذلك المذهب في وضع يهيئ له منافسة العقيدة المسيحية، فقد كان يَعِدُ بمعرفة التدبير الإلهي للكون وبالخلاص، بما في ذلك الأمان من قوى الشر على الأرض وضمان حياة سعيدة في العالم الآخر. وقد بدأ ظهور هذا المذهب في الشرق، ثم انتشر في جميع أنحاء الإمبراطورية وتعددت صوره المتباينة إلى ما لا سبيل إلى حصره، وتفاوتت تعاليم كل قطب من أقطابه، ما بين أنظمة غير مسيحية قطعا، وأنظمة كيِّفت على نحو بدت معه على هيئة هرطقات مسيحية.

стр. 161

ومذهب الغنوسطية الذي وصل إلى أنطاكية كان سليل تعاليم "سيمون بمبلخوس" من سماريا، وهو الذي كان في عهد الحواريين يدعو بين الناس بأن ثمة ربًّا أعلى يوزع القوى ذو الفيوض التي كان سيمون نفسه من بينها. وقد ادعى سيمون أنه صِنو المسيح وعرض على الأنظار ضروبا من السحر جذبت إليه كثيرا من الأتباع١.

стр. 162

برنابا في أنطاكية: أرسل شيوخ القدس: برنابا إلى أنطاكية -وكان من القبارصة مثل بعض أوائل المبشرين في أنطاكية؛ لكي يتفقد ما كان جاريا فيها وينهي إليهم مدى نجاحه وما ينتظر له مستقبلا، وكان خليقا ببرنابا بوصفه من القبارصة أن يشعر وهو في أنطاكية بأنه في موطنه تمامًا، كما أن أهل المدينة كانوا خليقين بأن يروا فيه فردا من أبناء طائفة مجاورة تربطهم بها روابط الألفة، ولقد تم على يديه المزيد من حالات الهداية، ولما رأى أن النجاح كان حليف الدعوة ذهب إلى طرسوس حيث كان بولص يقيم إذ ذاك، ودعاه إلى المجيء إلى أنطاكية؛ للمعاونة في بث الدعوة. وقد مكث برنابا وبولص في أنطاكية لمدة سنة وهما يقومان بالوعظ فآمن عدد كبير من الناس وذلك حوالي سنة ٤٠م. وكانت النتيجة التي أسفر عنها هذا العمل هي ظهور طائفة تختلف عن الزمرة الأصلية من أتباع السيد المسيح في القدس، وقد تمثل التغيير في ظهور التعبير الجديد، تعبير "المسيحيين" الذي ظهر في مستقل الأربعينيات من القرن الأول للميلاد. وليست لدينا أية بينة عن حجم الطائفة المسيحية في أنطاكية عندئذ، وأما عن نظامها فإنه يروى لنا أنه كان ثمة "رسل" "ومعلمون" ذكرت أسماؤهم على وجه التحديد بأنهم كانوا: برنابا وسيمون نيجر، "ولوكيوس القوريني" و"ماناين" و"بولس"

стр. 163

ولقد كان هؤلاء الرجال ورفاقهم في رابطة الإخاء بأنطاكية هم الذين وضعوا الخطة لحملات التبشير المنظمة التي قام بها بولس وزملاؤه وتولَّت الطائفة تدبير الوسائل التي بدأت بفضلها رحلات التبشير١.

стр. 164

من أهم جهود برنابا: جدت مشكلة "تطبيق ما تقضي به طقوس الشريعة اليهودية على المهتدين غير اليهود، وذلك أنه في الأصل عندما كان كل المهتدين من اليهود لم يكن ثمة مجال للبحث في مراعاتهم لمقتضيات تلك الشريعة؛ إذ لم يكن هناك مشكلة إلا بعد ما بدأت العقيدة الجديدة "المسيحية" تتخذ وضعا واضحًا متميزًا؛ حيث ظهر نزاع من اليهود المتأغريقين مؤداه: أنه ليس من الضروري المحافظة على تلك الشريعة اليهودية. وعندما بدأ غير اليهود في الإقبال على اعتناق المسيحية، دخلت المشكلة مرحلة دقيقة بصدد الختان والأحكام الخاصة بالأطعمة والمشاركة في الواجبات بين المسيحيين من اليهود وغير اليهود. كان بولص يرى أنه لم يكن أمرًا عمليًّا تطبيق الشريعة على غير اليهود، وأن من يعتنقون المسيحية منهم يجب إعفاؤهم من طقوس الختان، فقد كان من شأنها أن تعني في نظر المهتدين منهم أن يصبح أحد أفراد الأمة اليهودي مسيحيا، وأنه نزل عن تراثه الإغريقي الروماني، وقد توصل برنابا وبولص إلى الاتفاق مع أقطاب القدس -جيمس وبطرس ويوحنا- على أن تكون الدعوة إلى الهداية الموجهة إلى غير اليهود طالقة غير مقيدة بأحكام الشريعة اليهودية١. أنطاكية تحت حكم تدمر: بعدما هزم الفرسان الرومان ٢٦٠ ووقع فالريانوس نفسه أسيرا في يد الفرس، وفي صيف ذلك العام بعينه اجتاحت سورية قوات الملك سابور من جديد واستولت على أنطاكية مرة أخرى. وقد هبطت سطوة الرومان ومكانتهم إلى الحضيض، واغتنم

стр. 165

حكام تدمر هذه الفرصة؛ لتحرير مملكتهم من سيطرة الرومان وسرعان ما وجدت أنطاكية نفسها في داخل نطاق نفوذ تدمر الآخذ في الاتساع. في ذلك الحين كانت أبرز شخصية في أنطاكية هي شخصية أسقفها بولص من سميساط، وكان بولص ينتمي إلى الشطر السامي من أهل سورية ويمثل مصالح العنصر السامي أكثر من مصالح العنصر الإغريقي الروماني من السكان، وقد أسند إليه الاضطلاع بمهام دينية ومهام معاشية، وكان يتمتع بتأييد "تدمر" ويؤدي مهام المندوب المفوض عنها في حكم أنطاكية، وأصبح بولص السميساطي شخصية لها أهميتها أيضا من الناحية اللاهوتية؛ فإن تعاليمه التي كانت تدعو بإصرار إلى أن الله واحد والمسيح بشر مهدت هذه الأفكار السبيل للمذهب الأريوسي وأنشأت فيما بعد عرفا تقليديًّا في مذهب المدرسة اللاهوتية بأنطاكية. يرى جلانفيل أن هذه التعاليم المبسطة قد أعدت إرضاء لزنوبيا ملكة تدمر التي كان يظن أن لها ميولا يهودية، ومن المحتمل أن تكون وجهة نظر بولص فيما بعد تتعلق بوحدانية الله وقدرته تأثرت باعتقاد اليهود اعتقادًا جازمًا في التوحيد وأما إنكار ألوهية المسيح أو متبوعيتها فإن ذلك كان فكرة نبتت في عهد مبكر جدًّا حالما أصبحت طبيعة المسيح موضوعًا للدراسة والمناقشة المفصلة، وكانت إنطاكية -عندما حل عهد بولص- مكانًا خليقًا بأن تلقى فيه مثل هذه الفكرة تأييدًا ولا سيما بعدما أصبحت معقلا من معاقل المذهب الأريوسي الذي كان في جوهره يشايع هذا التفسير، وارتبط تاريخ الطائفة المسيحية في أنطاكية بمجرى النزاع الأريوسي حول طبيعة ألوهية المسيح، وهو ذلك النزاع الذي أحدث انشقاق الكنيسة إلى معسكرين في الجزء الشرقي من الإمبراطورية، وظل هذا الانشقاق إلى سنة ٣٢٥م موعد مجلس نيقية، وفيه تمت الموافقة على حل أدمج بموجبه في العقيدة النص على وحدة الأب والابن مادة وجورها وتسوية وضع جماعة المنشقين. ولا نرى في أنفسنا ميلًا نحو تحليل "جلانفيل"؛ لدعوة بولص إلى التوحيد بأنها كانت ترضية لملكة تدمر، وفي نظرنا أن الأمر ليس كذلك؛ لأن التوحيد ظاهرة تغلب على الديانات السامية ولنذكر خاصة "ال" وهو إله سامي مشترك:

стр. 166

ال: لدى الأكاديين. وال: لدى الكنعانيين. والوهيم: عند العبريين. والله: عند العرب. وقد عرف اليمنيون أيضا هذا الاسم واستعملوه في الغالب اسما عاما بمعنى إله وهو مدلوله الأصلي حقا، ولكنهم استعملوه أحيانا علما على إله خاص ويكثر وردوده في أعلام الأشخاص. وفي هذا الجو الفكري ذي الطابع المسيحي أنشأ بسطاثيوس Bustathius أسقف أنطاكية مدرسة بها، على نمط مدرسة الإسكندرية ولم يسر تاريخها على وتيرة واحدة، ففي أوائل عهدها نُفي بوسطاثيوس سنة ٣٣١م، وترك المدرسة في رعاية فلافيان Flavain وقد أشرك معه الناسك ديودروس Diodorus. وهؤلاء الثلاثة جميعا وهم: الأسقف بوسطاثيوس، وفلافيان وديودوروس كانوا من زعماء الخصومة١ من أتباع أريوس، وهذه الزعامة: هي السبب فيما تعرضت له مدرسة أنطاكية من عنت، فقد كان لأتباع أريوس في هذا الوقت قوة سياسية كبيرة، وزادت قوتهم بعد موت قسطنطين سنة ٣٣٧م ومع ذلك استمرت المدرسة إلى سنة ٣٧٩ عندما صار دودوروس أسقفا لطرسوس. وقد كان في سنة ٣٨١م أحد الأساقفة الذين رسموا فلافيان على كرسي أنطاكية، ولما ارتقى ديودوروس غلى كرسي الأسقفية: شتت المدرسة. وكان بين أنطاكية ومدرسة الإسكندرية تنافس لم يكن كله وديا وذلك عندما اتهمت مدرسة الإسكندرية الأسقفين: ديودوروس أسقف طرسوس، وثيودور أسقف مصيصة، بأنهما بذرا -دون قصد منهما: بذور المذهب النسطوري.

стр. 167

مدرسة نصيبين، مدرس الرها، المدائن-المانوية٢١٦ ... مدرسة نصيبين، مدرسة الرها، المدائن-المانوية٢١٦: تقع نصيبين: في الرقعة التي تخلت عنها فارس لروما سنة ٢٩٨م، ولما كانت حينذاك مدينة من مدن الحدود تشرف على الطريق الرئيسي بين شمال ما بين النهرين وبين دمشق، فإن الرومان حصنوها أحسن تحصين، ولعله كان فيها بعض مسيحيي ما بين النهرين. وفي حوالي سنة ٣٠٠-٣٠١ عدت نصيبين كرسي أسقفي وكان أول أسقف لها هو بابوا ثم خلفه الأسقف يعقوب الذي أنشأ بها مدرسة على غرار مدرسة أنطاكية وكان فيها قبل أن تقع في أيدي الرومان، مدرسة يهودية، أنشأها الحبر يهوذا ابن بنثيا، هو راوية، وقد ورد باسمه سبعة عشر فصلا في "المشنه"، والمرجح أن استيلاء الرومان على المدينة قضى على مدرستهم فيها، وعلى أية حال فلا ذكر للمدرسة بعد هذا التاريخ، وبعد يعقوب أقيم شيخ اسمه إبراهيم على رأس هذه المدرسة. عندما وقعت نصيبين مرة ثانية في يد الفرس ٣٤٣م فر إبراهيم رئيس مدرسة نصيبين فهرب إلى الرها، ولا شك أنه كان هناك لاجئون كثيرون مثله، فالتفوا حوله. وهكذا أنشئت مدرسة مسيحية في الرها، ويمكن أن تعد مدرسة الرها بعثا لمدرسة نصيبين، وكما هو واضح كانت مدرسة الرها في أول أمرها جماعة ليس لها صفة رسمية، وكذلك ليس لها سند قانوني أو رسمي مثل: مدرسة نصيبين وأنطاكية. كان ماني يعلم في مدينة كتسيفون "المدائن" دينا يجمع بين "الزرادشتية" و"المسيحية" كما أعلن نفسه رسول السيد المسيح، وكان يفسر الأناجيل بحسب عقيدة العرفان التي كانت تنطوي على تحرير الأعضاء الذين اعتنقوا مذهبه من تسلط المادة بواسطة المعرفة؛ ونظرا لتطرفه وخروجه على عقيدة "زرادشت" حكم عليه الكهنة المؤدبون بالموت؛ إلا أن أتباعه وتلامذته حملوا الرسالة، وانتشرت انتشارا واسعا

стр. 168

حتى بلغت شمال إفريقيا واعتنق القديس "أوغسطين" قبل تنصره المانوية مدة تسع سنوات.

стр. 169

جنديسابور: كان دين الدولة الساسانية الرسمي طوال حكمها: الدين الزرداشتي إلا أن التركيز على سيادة "أهورا مزدا" إله النور والخير، كان أكثر من التركيز على النظام الثنائي، وحين أنشأ كسرى الأول في ٥٥٥ مدرسة جنديسابور في الطب والفلسفة، دعا أساتذة مسيحيين؛ ليتولو أمر التعليم فيها، وكانت لغة التدريس اللغة السريانية، وقاموا بترجمة المؤلفات اليونانية إلى لغتهم السريانية، وترجمت أساطير "بيدبا"، ثم وجدت طريقها إلى "أسبانيا" عبر ترجمة عربية قديمة من أسبانيا انتشرت في سائر الأقطار الأوروبية، كما قامت في أحيان كثيرة بالتوفيق بين الأديان وتوحيد العقيدة، وكانت تميل للنسطورية كمل كان "الساسانيون" يعطفون على "النسطوريين" ويتسامحون معهم، ولعل ذلك يرجع -من وجهة نظرنا- إلى اتجاه الأساتذة المسيحيين الذين انتدبوا للعمل في المدرسة ومعاداة الفرس للروم، ولما كانت النسطورية وقعت تحت الاضطهاد الروماني فقد تعاطف معها الساسانيون، ثم هم نظروا إليها من حيث دعوتها للتوحيد. هذه صورة عامة عن المدارس التي قيل عنها: إنها حملت تراث مدرسة الإسكندرية إلى المنطقة العربية على الرغم من أن تاريخها ما زال مجهولا نرى أن ما علم منه يفيدنا؛ إذ إن هدفها الأول هو: نشر أصول الدين الوثني بين المسيحيين الذين كانوا يتكلمون بالسريانية. يقول ديالاسي: "فقد كانت عقائدهم اللاهوتية ونظام كنائسهم، كما بين "أسترزيجوفسكي" غير مطابقين للأصول المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية". وكما نلاحظ أن رؤساءها أساقفة مسيحيون؛ أي رجال دين، لكنهم لم يكونوا رجال دين فقط، لكنهم رجال دين منشقون بعضهم على بعض فحملت هذه المدارس طابع هذا الانشقاق. فالمدارس كانت ذات طابع ديني، وكانت القضية

стр. 170

المسيطرة عليها: قضية طبيعة "المسيح"، والرأي، ومنهجه حول طبيعة "المسيح" لم يكن واحدا، إنما كان يتغير تبعا للولاء السياسي، كما كانت غالبية هذه المارس يرجع الفضل في إنشائها إلى: بعض المضطهدين من: السياسة، والكنيسة. وهذا مما أدى إلى: فشل الهلينية في المنطقة العربية، لأن هذه المدارس كان رؤساؤها: رجال الدين مضطهدين فحولوها إلى غايات دينية غير متفق عليها؛ وكثيرا ما كان يستعدي عليها رجل السياسة، فيشتت شملها ويبعثرها، أضف إلى ما سبق: أن بعدهم عن الإغريقية جعلهم ينعزلون داخل المادة السريانية المترجمة، فانقطاعها عن الهلينية صيرها إقليمية خالصة، وحامت فلسفتها حول الدين، واللاهوت، ولئن كانت قد نشرت بعض أفكار فلسفية عن المسيحية في بلد جديد فإن هذا الفكر لم يساعد على التحول، وأصبح حال هذه المراكز الثقافية ليس بأحسن من حال العواصم السياسية للمنطقة العربية، فما تكاد تظهر وتتماثل للازدهار حتى يطويها ليلها الطويل. يقول دلاسي أوليري: إن الثقافة اليونانية لم تنتقل إلى العرب عن طريق هذه الاتصالات الأولى، ولقد تحقق انتقال العلوم اليونانية إلى العرب عندما استقرت الخلافة العربية في مدينة بغداد التي كانت حديثة البناء بالقرب من "جنديسابور".

стр. 171

آراء فلسفية للمستشرقين حول الهلينستية والسامية ... آراء قلقة للمستشرقين حول الهلينستية والسامية: بعد عرضنا عن الهلينية في الشرق والمنطقة العربية فيه -رأينا أن نعرض بعض آراء استشراقية مغالية، ونلاحظ أن هذه الآراء مهما تنوعت أهدافها ووسائل مناهجها فإنها ترجع في نهايتها إلى موقفين: الأول: موقف من يصم العقلية السامية بعدم الفهم الطبعي للأمور. وهذا الموقف كان من نتائجه: أن ميز بين عقليتين: الأولى: علقية آرية، خصائصها: جمع وتحليل. الثانية: عقلية سامية، خصائصها: التجزيء. الثاني: موقف من يرى: أن الشرق لا يحب الثقافة ذات النزعة الإنسانية؛ وبين خلاف جوهري مؤداه:

стр. 172

أن الرأي الأول: يرد العجز العقلي إلى علة فطرية. والرأي الثاني: يرد العجز العقلي إلى عوامل كسبية أي تخلف حضاري، وهما معا -على اختلافهما في تفسير علة إخفاق الهلينية- يتفقان على أن عدم تجاوب الشرق مع الهلينية هو السبب في ذلك؛ إما: لعلة مرضية أو لعلة مزاجية. وغاب عن الفكر الاستعماري المعادي للسامية أن السببب الذي أدى إلى عدم تفاعل الهلينية مع التراث الشرقي ليس خاصا بالعقلية السامية، إنما يرجع إلى عوامل دولية تخص الصراع الثنائي بين الإمبراطوريتين؛ ذلك أن التيارات الثقافية التي غزت المنطقة بعضها هب من فارس، وهي دولة كانت عالمية، فترى في تراثها هذه الصفة العالمية نفسها، فكانت تكافح رومة سياسيا وثقافيا؛ لإحلال سياستها وثقافتها في كل بلد تدخله. ورومة أيضا كانت دولة عالمية، وتراثها كذلك أيضا؛ أي كانت ترى فيه هذه الصفة العالمية؛ فكانت تكافح الفرس سياسيا وثقافيا من أجل إحلال ثقافتها في كل رقعة يمتد نفوذها عليها، والمنطقة العربية التي كانت مرة في حوزة الفرس، ومرة في حوزة الروم، فكان من الصعب أن تستقر على تراث ثقافي ذي طابع واحد؛ ولا سيما أن الذين قاموا به -وهم من آباء الكنيسة- مضطهدون سياسيا ودينيا، فكان المواطن يعزف عن هذا اللون من الثقافة الحرجة، ولم تكن في المنطقة العربية دولة ذات طابع استقلالي تبنت الدعوة إلى هذا اللون من الثقافة، أضف إلى كل ذلك: أن المادة الهلينية التي ترجمت جاءت عن الإسكندرية بعدما أتخمتها بالمباحث اللاهوتية، فلو لاحظ المستشرقون هذه الاعتبارات، وأخذوا في اعتبارهم ضعف المادة الهلينية حين فسروا إخفاقها في الشرق لما انتهوا إلى هذه النتائج من جانب. أما موقف الذين يصمون العقلية السامية بالعجز؛ لعوامل وراثية دون النظر إلى العوامل التاريخية التي أحاطت بالتراث الثقافي وذلك من جانب آخر؛ فإن النظريات العلمية المعاصرة ذهبت به بددا. يقول ديلاسي أوليري: بتتبع التاريخ في تحول البنية الاجتماعية التي يوجد المجتمع اليوم فيها ثلاثة عوامل رئيسة تعمل في هذا التحول وهي:

стр. 173

- العنصر القومي. - اتجاه تيار الثقافة. - انتقال اللغة. وأول هذه العوامل فسيولوجي، وأهم عامل في تقدم البنية الاجتماعية هو: تناقل الثقافات، والثقافة ليست من الأمور الوراثية، ولكن تناقل الثقافة يعود إلى الاتصال؛ لأن الثقافة تعلّم وتستفاد بالتعليم والدراسة والبحث، ولكنها لا تورث. يقول أوليري: وليس في هذا ما يتصل بمسألة العنصر؛ فالثقافة لا تورث باعتبارها من الميراث "الفسيولوجي" الذي يرثه الطفل من أبيه، وإنما يجري تعلمها بالاتصال الناشئ عن الاختلاط بالتقليد، والتعليم، وما أشبه ذلك. وأما الموقف الثاني: الذي يرى أن: الشرق لا يحب الثقافة ذات النزعة الإنسانية فذلك ما نحب أن نعرض له، ونفسح له المجال من خلال كتاب: "الشرق وتراث اليونان" "هانزهينرش" ترجمة د. عبد الرحمن بدوي تحت عنوان: روح الحضارة العربية؛ وفيه يذهب المؤلف إلى آراء ينقض بعضها بعضًا، ويجعل نقطة بدايته غزو الإسكندر فيقول: كان غزو الإسكندر الأكبر وما تلاه من تكون إمبراطورية يونانية في غرب آسيا هو الحدث الفاصل في تاريخ تطور الروح الشرقية، والسبب المباشر في وقوع الشرق تحت تأثير الثقافة اليونانية التي ساعدته على أن تدب فيه حياة جديدة من الحضارات المختلفة؛ التي تتكو منها الحضارة الشرقية عامة، والتأم شملها في ودة جديدة تحمل طابع الروح اليونانية؛ وتلك الوحدة هي التي يطلق عليها اسم الهلينستية. ثم يرى المؤلف: أنه تحت تأثير الثقافة اليونانية دبت في الشرق حياة جديدة، وتحت التأثير نفسه ترقت الروح الشرقية؛ وأن الوحدة الحضارية التي ظهرت في الشرق تحمل طابع الروح اليونانية. ونتيجته التي استهدفها: أنه حصل في الشرق تغير، مصدره الحضارة اليونانية، ثم أخذ يشرح وجهة نظره، من بين رؤيتين للتاريخ يوضح بهما الأثر الزمني للسيطرة الهلينية؛ فيقول:

стр. 174

- هناك رؤية المؤرخ السياسي: وهي موقوتة بدءًا من الإسكندر، ونهاية بقيام ما يدعى بالإمبراطورية الرومانية، ثم يقول: "وللمؤرخ السياسي الحق، حينما يريد أن يفهم معنى الهلينية، وتلك الحقبة التي استمرت حتى قيام الإمبراطورية الرومانية من أسوس، حتى أكتيوم وحدها". - هناك رؤية للمؤرخ الفكري، أو الروحي، وهي تمتد حتى أعتاب العصر الحديث كل الحداثة فيقول: لكن الدارس للتاريخ الروحي للشرق القريب، لا يستطع الاقتصار على هذا التحديد؛ لأنه يجد أمامه هذه الواقعة؛ ألا وهي: أن ثمة أفكارًا يونانية هي التي أنشأت الحياة الروحية الشرقية، ووهبتها القوة الدافعة المولدة، لا في عصر خلفاء الإسكندر الاثني عشر وحدهم فحسب، بل وأيضا في العهدين الروماني، والبيزنطي، إلى العهد الإسلامي. والحضارة الروحية التي أسستها الهلينية قد امتدت حتى بلغت في الشرق أعتاب العصر الحديث كل الحداثة؛ أي إلى نفوذ المدنية الأوربية والعلم منذ الأجيال الثلاثة الأخيرة. والنتيجة كما يقول -وفق نظره: وعلى هذا: نرى أن نقطة ابتداء الحضارة الشرقية، التي بلغت كمالها في الإسلام، هي بعينها نقطة ابتداء الحضارة الغربية. ثم بعد ذلك طرح سؤالا جعله مقدمة لدراسة مقارنة، ممهدا له بقوله: لكن أقل مقارنة بين الخصائص الروحية للشرق الإسلامي الحديث، ولعالمنا الغربي، تدلنا على تباين في الموقف ينتظم كل شيء العام عنه والخاص، حتى أبسط الجزئيات، فنرى أنفسنا أمام سؤال يطرح على البحث قضية بشكل آخر، وهي المقارنة بين خصائص الشعوب وهو: كيف أدى قبول قوة روحية واحدة بعينها ونعني بها الثقافة اليونانية -إلى نتائج مختلفة كل الاختلاف هناك كما هي الحال ها هنا؟

стр. 175

من هنا أخذ المؤلف يمهد لإجابته على ما طرحه من سؤال: يتيح له بيان خصائص الشرق الفكرية؛ وهكذا كانت صياغته سؤالا وإجابة تلخيصا لوجهة الغرب في الشرق والإسلام منذ بدأ الغرب تاريخه الثقافي فيقول: في الحضارة الشرقية نشاهد الشعور بالسنة والتقاليد وشدة التمسك بهما قد بلغا أوجهما. بيد أن كليهما يبدو هناك في تركيبه متميزا بطريقة خاصة من فكرة التقاليد عند الغرب، فالتقاليد معناها في الشرق: المحافظة على ما هو أصلي وقديم. والتقدم الروحي لا يمكن أن يتم عنده إلا في التفسير والتكيف مع الأوضاع الجديدة، لا في التحويل والصياغة من جديد لما ورثوه ونقلوه. والعلة الرئيسية في هذا إنما هي: الرابطة الدينية، والتي في داخلها يتم تطور الروح في الشرق. والتقليد -أو السنة- لا يمكن نقضها؛ لأنه ينظر إليها على أنها من الوحي وما هو من الوحي ليس في مقدور المتأخرين ولا من شأنهم أن يمسوه؛ لأنه مما بلغ للإنسان من قبل على أنه الحقيقة. ثم رجع المؤلف متسائلا مرة ثانية عن عدم نجاح التراث الهليني في الشرق مرة ثانية: كيف أمكن إذن ألا يغير اقتحام الفكر اليوناني للشرق، منذ نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، هذا الموقف الروحي عند الشرقيين؟ وبالجملة، ولصياغة المسألة هنا في صيغة موجزة نتساءل: كيف أمكن ألا يكون الشرق حتى العصر الحديث قادرا على إيجاد نهضة أو نزعة إنسانية؟ يقول مجيبا: ولقد قدر للشرقيين حينما اتصلوا باليونان أن يجدوا أنفسهم مالكين لثقافة روحية دخلت دور التحجر؛ تبعا لموقفها المحافظ من السنة التقليدية الذي لم يتبدل تبديلا كافيا. فلم يكن ثم ما يتعلمونه من اليونان بل "على العكس من هذا" لم يكن لهم أن يتعلموا شيئا؛ لأن تقاليدهم قد قدسها الوحي، وفضلا عن هذا قد استغرقت الغاية بعدهم الروحي، فبينما أحس الرومان في اتصالهم باليونان أن المثل الأعلى للفضيلة

стр. 176

والمروءة، يمكن أن يسمى به إلى أعلى صورة، صورة الدراسات الإنسانية، ومن أجل هذا أقبلوا على اليونان برغبة في العلم غير محدودة تمتاز بالحرية الباطنية والتفتح، اتجه الشرقيون لا إلى الإنسانية وإنما إلى الظفر بالقداسة وبالنجاة. ولهذا نرى أن المثل الأعلى ذا الطابع الديني المرتبط بالعقائد الثابتة عند الشرقيين لم يسْمُ حينما انكشف له الفكر اليوناني إلى استهداف غايات جديدة، وإنما اشتد في حركته -هو- الخاصة. ولم يكن هذا فحسب: فإن الإمكان الحاسم، الجديد الذي تبدى آنذاك أمام الشرقيين: كان هو استغلال التراث اليوناني من أجل "توكيد" نوازعهم الخاصة. لذا لم يكن طبع الحضارة الشرقية بطابع الهلينية، حركة نهضة أو ميلادا جديدا، وبعثا لقديم، وإنما كان استمرارا في المحافظة عليه وتخليده. فاستفاد القوم في "الشرق" من القوى اليونانية، بإمكان تنظيم هذا الخليط العديم الصورة من المنقولات الأسطورية، والنبوية، والتشريعية، والمثلية، وترتيبه تحت وجهات نظر رئيسية موحدة يسيرة، ثم جعلها تتواتر في صورة أثبت، وقبل كل شيء: جعل فهم تقاليدهم الخاصة وقيمتها مفتوحا أمام غيرهم ممن هم خارج نطاق جماعتهم الحضارية. وفي رأيه أن العلة التي جعلت الأثر اليوناني عقيما في الشرق هي كما يقول: وهكذا نرى العلة الرئيسية أن التراث اليوناني في الشرق، قد كان ذا عقم بالغ حتى الأعماق، وإن لم يكن هذا التراث أقل نفوذا وتعبيرا منه عند الرومان، وهذا العمق لا يمكن أن ننعته إلا بأنه كان مؤلما فما تعلمه الشرقيون من اليونان: أفادهم في الاستغلال العربي له، لا في الظفر بتنشئة جديدة وترقٍّ في الثقافة. ومن ناحية أخرى يتبدى جليًّا الآن: لماذا كان السؤال -الموجه إلى الحضارة الروحية الشرقية- عن العلة في أنها لم تستطع إيجاد نزعة إنسانية تتجدد من جيل إلى جيل؟

стр. 177

يقول- أي المؤلف: لماذا كان هذا السؤال ليس سؤالا صادرا عن خارج أو عن وجهة نظر لا تقوم في طبائع الأشياء نفسها، بل هو سؤال له أساس في جوهر الأمور عينها؟ والنتيجة النهائية هي كما يقول: إن كل من يدخل مع اليونانيين في صلة حيوية يوضع أمام الاختيار بين إحدى خصلتين: - إما أن يتتلمذ لهم -أي لليونانيين- عن وعي وإرادة. - وإما أن لا يفعل. يشرح المؤلف ذلك فيقول: فإن تأثير يونان له من الصولة، وكذلك قوة عقلهم المفكر، المنظم لمجموع الواقع المطلق لنفسه، هو من الإقناع بالنسبة إلى كل إنسان يكون على علم به بحيث لا يوجد ثَم مندوحة عن هذه القوة وذلك التأثير، فمن يلق اليونانيين لا بد أن يتعلم منهم، والمسألة: هي فيما إذا كان سيحول هذه الضرورة إلى إرادة حرة ويعرف كيف يشكر اليونانيين من أجلها أم لا. نلاحظ أن المؤلف بدا يظهر بوضوح ألمه من عدم استفادة الشرق من التراث الهليني، وأخذ يوطئ لذلك بما قاله عن الشرق وهو: إن عدم نجاح رسالة التراث اليوناني في الشرق راجع بالدرجة الأولى إلى تمسك الشرق بتقاليده وتراثه، فما أحب الشرق أن يكون تلميذا، ولا أحب أن يفعل، وإذا كان اليونان أحب أن يكون معلما مسيطرا فإن الشرق قد نبذه. ثم يقول: والشرقيون اعتقدوا الثقة بتقاليدهم، واعتقدوا أنهم لا يستطيعون أن يأخذوا عن اليونانيين إلا ما ينتسب إلى الصناعة الفنية، وليس عليهم أن يتعلموا منهم توجيها روحيا جديدا، ولم يستطع الشرقيون أن يرتفعوا إلى مستوى الاعتراف الخليق بالنفس العالية الحرة؛ الاعتراف بالرسالة اليونانية، التي يشير بها "هوراس" للرومان في قوله: "يونان مقهورة تقهر المتبربر الظافر". وبعد أن انتهى الباحث إلى هذه النتيجة؛ وهي أن الثقافة اليونانية رفضها الشرق، وما أخذ منها كان بمثابة الاستفادة، أو ما أدخلوه على صناعتهم الفنية. فالشرق لم

стр. 178

يتتلمذ على اليونان بوعي وإرادة، لذلك عجز التراث اليوناني أن يترك أثرا للنزعة الإنسانية في الشرق. ولقد كان من الملاحظ حقيقة، ونطمئن إليه، وهو ما أفزع الباحث واقلق عليه باله: هو أن حروب الإسكندر استطاعت أن تغلب الشرق سياسيا، غير أن ثقافته اليونانية لم تستطع أن تقهر الشرق، ولا أن تتغلب عليه، ثم بعد ذلك بدأ منه تجاهل -في حنق وفي عصبية- لا مسوغ له، وليس في طرحه سؤاله؛ إنما في الإجابة عليه، الذي أراد أن يقارن فيما بين ثقافتين: ثقافة روحية يصطبغ بها الشرق اصطباغا، وثقافة عقلية يصطبغ بها الغرب الإغريقي اصطباغا؛ لكن المؤلف يقلق من تلك النتيجة فهو يقول: ومن ثم تتضح الصعوبة غير العادية التي تكمن في مسألة ما إذا كان على المرء أن يرد مركز الثقل في الإنتاج الروحي -وخصوصًا منه الديني والفلسفي- الذي أبدعه الشرق إلى الهليني أو العنصر الشرقي؟ فالمؤلف يستكثر على الشرق أن يكون مبدعًا للروحية تلك التي جعلها منقصة ثقافية، ثم يتابع شرحه فيقول: وتلك مسألة تعرض نفسها بإلحاح خاص في كل درجة من درجات التحول الروحي للمسيحية، وبالنسبة إلى تلك الحركة التي اقتحمت نطاق اليهودية، التي انكفأت على نفسها وغلقت أبوابها باطراد متزايد منذ عهد المكابيين ضد العالم الهليني المحيط، ولكنها في أصولها لم تظهر بعد صورة روحية راسخة، بل ظفرت بها أول مرة بفضل التوغل في أرض هلينية حقًّا. إن هذه المسألة يجاب عنها بصورة جلية منذ القرن الثالث بعد الميلاد لما أن نما المذهب المسيحي في مدرسة الإسكندرية إلى نظام فلسفي استقصيت فيه الذرائع، وهذا الجواب هو أنه ما من أحد يماري في سيادة الفكر اليوناني في علم اللاهوت المسيحي من ناحيته التنظيمية المذهبية بيد أن الإجابة عن هذه المسألة تترجح وتتردد، حينما يتصل الأمر بنشأة تاريخ المسيحية، وأكثر من هذا حينما يتصل بالحركات ذوات الصلة الماسة بها؛ من حيث: التوجيه في النظرية الكونية وتسير موازية لها، وكذلك أيضا حينما يتصل الأمر بالنظرة الإسلامية في الحياة والوجود التي أتت بعد ذلك.

стр. 179

نقول: إن إجابة تتردد وفقا لكون المرء في أحكامه هنا: هل يبدأ من الأسس العقلية التنظيمية لهذه النظرات في الوجود والحياة؟ أو يبدأ -وهذا أقرب بكثير- إلى هذا المستشرق الذي آراؤه سبقت مقدماته من الموقف الذاتي. ونحن نلاحظ عليه تردده عندما أخذ يبين الأثر الهليني على المسيحية واليهودية والإسلام، رأيناه متحيزا كما يظهر تردده، حين أراد أن يقومه؛ حيث تساءل: هل يرده إلى العنصر اليوناني أو العنصر الشرقي؟ ثم بعد تردده نراه يقول: الإنتاج الروحي -وخصوصًا- الديني والفلسفي الذي أبدعه الشرق يرجع إلى الهلينية. أي أن في الشرق ثمرات إبداعية غير أنه أضافها إلى الهلينية، وإذا كان الأمر كذلك؛ أي أن التراث الهليني نجح؟ أليس في هذا ما ينقض نتيجته السابقة وهي أن التراث الهليني لم ينجح في الشرق، ويصبح ما أحصاه على الشرق من نقائص عاقت نموه الثقافي غير حقيقية؛ لأنها إن كانت فيه كامنة فلماذا استجاب لسنة التطور؟ لا شك أنه اعتراف قلق، ذلك الذي جعل المستشرق يعترف "أن في الشرق إبداعا" غير أن حيرته في تساؤله هل هو إبداع راجع إلى العنصر الهليني الذي أعلن أنه فشل في الشرق؟ أو راجع إلى الشرق الذي فيه نقائص تعوق نموه الثقافي؟ حية تنم عن تعصب وتعيننا على وصف نظراته بأنها تحتاج منه إلى مراجعة متأنية مُتَرَوِّيَةً. ثم راح المؤلِّف بعد ذلك يبين الأثر اليوناني في الشرق، واختار في سبيل إظهار ذلك قضية الكون والوجود. فقال: ولشق طريق علينا على الأقل خلال هذه المرحلة لا بد أن يتساءل المرء: أين مجال التاريخ الروحي الحقيقي؟ وإلى أي نقطة يجب أن يتجه انتباهه، حتى يتبين بوضوح: تطور النظرة الكونية، ويقدر على إيضاحها؟ ومن ذا الذي يمكن أن يشك، وهو يضع السؤال على هذا النحو في أن الأسس التصورية للنظرة الكونية وأطوارها هي بعينها التي يمكن تعرفها بيقين، وتعرف درجاتها في تاريخ طور الفكر والتحرر

стр. 180

الذاتي للعقل، بينما التدين الفردي حينما يكون عامرًا بالقوة، والمميزات الخاصة يكون بمعزل عن التحول، بل عن الارتباط الزمني إلى حد أن انتظام أصحابه في خط التحول يصطدم بعقبات لا تكاد تذلل. ولهذا: لا تكاد توجد إمكانيات أخرى للتأمل التاريخي الروحي عند الشرق غير ابتداء هذه الواقعة؛ ألا وهي: أن الكلم اليوناني، والفكر اليوناني -وهذا الأخير يكون ممثلا في صفوة محدودة- بحاجة إلى مزيد من الوصف، وقد أثر كلاهما في الشرق، وحَيَا هناك وما زال يحيا حتى العهد الحديث. وتاريخ الفكر اليوناني في الشرق يقدم لنا الخيط الأحمر، الذي يعين المرء على ضم كثرة من صور النظرة الكونية تحت لواء مركَّب تحولي واحد مليء بالمعاني، وفضلا عن هذا يسمح بربطه ومقارنته بالتاريخ الروحي للغرب. وهذه المصادرالذاتي للعقل، بينما التدين الفردي حينما يكون عامرًا بالقوة، والمميزات الخاصة يكون بمعزل عن التحول، بل عن الارتباط الزمني إلى حد أن انتظام أصحابه في خط التحول يصطدم بعقبات لا تكاد تذلل. ولهذا: لا تكاد توجد إمكانيات أخرى للتأمل التاريخي الروحي عند الشرق غير ابتداء هذه الواقعة؛ ألا وهي: أن الكلم اليوناني، والفكر اليوناني -وهذا الأخير يكون ممثلا في صفوة محدودة- بحاجة إلى مزيد من الوصف، وقد أثر كلاهما في الشرق، وحَيَا هناك وما زال يحيا حتى العهد الحديث. وتاريخ الفكر اليوناني في الشرق يقدم لنا الخيط الأحمر، الذي يعين المرء على ضم كثرة من صور النظرة الكونية تحت لواء مركَّب تحولي واحد مليء بالمعاني، وفضلا عن هذا يسمح بربطه ومقارنته بالتاريخ الروحي للغرب. وهذه المصادرة لا شيء أبلغ في تحقيق صحتها من مجرى التحول الحقيقي للفكر الشرقي تبعًا لكونه قد خضع بكل إذعان: لتأثير العقل اليوناني منذ اللحظة التي تعارفوا فيها، وليس في تاريخ النظرة الكونية في الشرق قوة عقلية واحدة، يمكن أن تقارن في أهميتها وجلال شأنها: بالقوة اليونانية، بل يستطيع المرء أن يذهب إلى أبعد من هذا، ويقول: إن اتجاهات النظرة الكونية -لدى الشرقيين منذ الهلينية- تبلغ في كل حالة، درجة من الوضوح العقلي، وقابلية التعليم والفاعلية، إلا حينما عملت فيها: نظم التطورات العقلية اليونانية، والاستثناء الوحيد في هذا الباب هو: الديانة التشريعية اليهودية. ثم يقرر المؤلف -وهو بصدد بيان الأثر الإغريقي على الشرق: إن نظرات الشرق في الوجود، أثر إغريقي؛ لأنها خضعت في أطوارها: للفكر والتحرر الذاتي للعقل، واستبعد المؤلف أن تكون هذه النظرات، وليدة التدين؛ لأن التدين -في نظره- حينما يكون عامرا بالتقوى، والمميزات الخاصة، يكون بمعزل عن كل طور، ة لا شيء أبلغ في تحقيق صحتها من مجرى التحول الحقيقي للفكر الشرقي تبعًا لكونه قد خضع بكل إذعان: لتأثير العقل اليوناني منذ اللحظة التي تعارفوا فيها، وليس في تاريخ النظرة الكونية في الشرق قوة عقلية واحدة، يمكن أن تقارن في أهميتها وجلال شأنها: بالقوة اليونانية، بل يستطيع المرء أن يذهب إلى أبعد من هذا، ويقول: إن اتجاهات النظرة الكونية -لدى الشرقيين منذ الهلينية- تبلغ في كل حالة، درجة من الوضوح العقلي، وقابلية التعليم والفاعلية، إلا حينما عملت فيها: نظم التطورات العقلية اليونانية، والاستثناء الوحيد في هذا الباب هو: الديانة التشريعية اليهودية. ثم يقرر المؤلف -وهو بصدد بيان الأثر الإغريقي على الشرق: إن نظرات الشرق في الوجود، أثر إغريقي؛ لأنها خضعت في أطوارها: للفكر والتحرر الذاتي للعقل، واستبعد المؤلف أن تكون هذه النظرات، وليدة التدين؛ لأن التدين -في نظره- حينما يكون عامرا بالتقوى، والمميزات الخاصة، يكون بمعزل عن كل طور،
следующие страницы →