مقدمات
مقدمة الطبعة الثانية
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"أ"
مقدمة الطبعة الثانية:
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. والصلاة والسلام على رسوله محمد بن عبد الله الذي اختاره من بين عباده ليحمل رسالة العلم والتعليم والإيمان للبشرية في كل عصر وعلى كل أرض، وأهله لذلك برعاية سماوية وتربية إلهية، فما نطق عن هوى، ولا تردد إلى معلم، ولا انتحل من فكر، وإنما جاءته الآيات من لدن حكيم خبير، فبلغها في أمانة لم تعرف الإنسانية لها نظيرا، وسلك بها طريقا تنحني له جباه الفلاسفة والعلماء والمفكرين عصرا بعد عصر، وتهتدي على دروبه قوافل الحياة عهدا بعد عهد، ويقف التاريخ على مشارفها عاجزا عن أن ينال منها، أو أن يلج فيها بالتغيير أو التبديل، أو المحاصرة والتقييد. وظل انطلاقها على الرغم من تهاوي القائمين عليها حقبا طويلة من الزمان، وعلى الرغم من بروز قوى من الشر عاتية حاولت ولا زالت القضاء عليها بكل أساليب المكر والدهاء. ودار الزمن دورته ليشعر الناس من جديد أن التهافت والتهاوي لم يكن في الإسلام وإنما كان في المسلمين، ولتشعر تلك القوى التي تصارعت وتضاربت وأكل بعضها بعضا وانصهرت عظام البشرية بين أنيابها في حربين عالميتين وما تبعهما من مآسي للإنسان، أن الخلاص من أوهامها وعذابها لن يكون إلا بالعودة إلى أحكام الإسلام ومبادئه التي لا مصلحة لصانعها في تغليب طبقة على طبقة ولا فرد على فرد ولا أمة على أمة،
стр. 2
لأن هؤلاء وأولئك جميعا عباد الله، وهم سواء من حيث منشئهم ومن حيث مآلهم الأخير. لقد كان فشل كل النظريات التربوية الاقتصادية والسياسية على كثرتها في بناء إنسان يتقارب مجتمعه تقاربا يقضي على نوازع الشر فيه، ويحوله إلى مصدر إسعاد له وللآخرين، بدلا من التصارع والأنانية والشراهة والأحقاد.
كان ذلك داعيا لظهور جماعات لا حصر لها في كل جوانب الأرض، رافضة لكل المباديء والقوانين بل والعادات والتقاليد التي يسير عليها الآخرون.
وكثرت الانقلابات العسكرية وشبه العسكرية في كثير من الأمم، وتبعها محاولات دائبة لتغيير المناهج والأفكار والسلوك، ولكنها فشلت واعتراها الضعف والهزال ثم تهاوت واضمحلت ليأتي من جديد غيرها ليسلك نفس الدرب وليخوض من أوهام جديدة نفس الطريق. وتتشابك القضايا وتهتز النفوس وتضطرب الجماعات، وتشتعل الحروب، ولا خلاص؛ لأن الصانع إنسان، وهو مهما أوتي لن يكون إلا واحدا من بين ملايين الآحاد، لا يمكن أن ينطبق نظامه وفكره على الجميع لصالح الجميع.
أما الإسلام ونظمه الاقتصادية والسياسية والتربوية فهي من وحي السماء، جاءت إلى الأرض جامعة وشاملة لكل جوانب الحياة فيها، لا يخرج عن دائرتها إنسان أو حيوان أو جماد، بل هي للجميع لصالح الجميع، لا فرق بين حاكم ومحكوم، غني أو فقير، قوي أو ضعيف، شريف أو وضيع، كلهم أمام التشريع الإلهي سواء.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ١.
ولن تحصل البشرية على أمنها وسلامها، بل ورقيها الاجتماعي والأخلاقي والنفسي إلا بالأخذ بجوانب هذا النظام الإلهي تربويا واقتصاديا وسياسيا.
стр. 3
وترك هذه الأفانين التي ابتدعها الإنسان، إما لغايته الشخصية، أو من أجل جماعة ينسب إليها، أو وطن يستظل به أو جهل بأسس التشريع الإسلامي، أو فقر في الإيمان واختلال في العقيدة، وليس فيما أنادي به خروج على العلم وأهله، وإنما هو دعوة لهم على كل أرض ومن كل جنس ليتجهوا بما وهبهم الله من عقل وفكر إلى التحليل والموازنة والمقارنة بين النظم الإلهية الإسلامية، وبين ما هم فيه من تضاد واضطراب واختلاف في الرأي الواحد والنظرية الواحدة، ولست أشك أنهم سيجدون في رحاب الإسلام حلولا لكل القضايا التي ضاقت بها النفس الإنسانية منذ طغت عليها مادية الحياة، وابتعدت خطوات كثيرة عن روحانية الإيمان.
وأول ما أدعوهم إليه، تعمق نظم التربية الإسلامية، تلك التربية التي تعنى بالإنسان "جسدا، وعقلا، وروحا" فلا تكبت رغبات الجسد فيه، ولا تحد من قدرات العقل عنده، ولا تحصره في دائرة المادة الفانية، وإنما تجعل لروحه مددا متصلا بالقوة الخفية في هذا الكون تستلهم منه النور الذي لا تراه الحواس ولا يدركه العقل
ومن ينابيع تلك التربية سوف يهتدون إلى أسس العدالة والحق الذي اهتدى إليها المسلمون الأول، وأنشئوا بها مجتمعات الإخاء والتضحية والإيثار والوفاء والمحبة، والتي أصبح العالم اليوم في حاجة إليها أكثر من حاجته إلى الغذاء والكساء والمأوى؛ لأن هذه وتلك لا توفر للإنسان الأمان والاستقرار النفسي كما توفره تربية متصلة بالله تطلق الإنسان من عقاله وتدخله دائرة السلام مع نفسه وأهله وولده وجماعته.
وإني لأتساءل هل في كل مواثيق حقوق الإنسان وقوانينه ومبادئه وتشاريعه ما يعدل هذا القول الإسلامي عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله :
стр. 4
"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيتها لكم ثم أوفيكم بها. فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" ١ وقول الله تعالى:
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ .
وقول الرسول ﷺ : "إنما أفسد من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها" وثبت أن عمر بن الخطاب جلد أحد أبنائه حين شرب الخمر، لم يمنعه عن ذلك أنه ابن أمير المؤمنين ولم يشفع له حسبه ونسبه. تلك هي مبادئ الإسلام وأحكامه التي ملكت قلوب الناس فجعلتهم ينشدون العدل والحق والسلام لكل الناس وعلى كل أرض. والتي تحرص تعاليمها التربوية على أن يكون الفرد جزءا من الجماعة والجماعة شريحة من الأمة والأمة بعض من الأمم، والكل في اتساق واحد من صنع الخالق، وإليه يرجع.
стр. 5
ولو استطعنا من الوجهة السيكلوجية أن نستوعب هذا النظام، وأن نجعله قاعدة لتربية الإنسان لأمكننا -كما حدث في التاريخ مرة في زمن الرسول والخلفاء الراشدين وغيرهم- أن نعيد عمليات التطبيق المتكامل لأحكام الشريعة، وأن نجعلها موضع إجلال واحترام من كل بني الإنسان؛ لأنها في حقيقتها العدالة المطلقة، لا تظلم فردا من أجل فرد، ولا تحابي إنسانا على حساب آخر، الحاكم فيها كالمحكوم، والغني فيها كالفقير والعظيم فيها كالحقير لا يفترقان إلا بالتقوى والعمل الصالح من أجل الإنسان وفي سبيل الله.
وقد حاولت جهدي أن أعرض في ثنايا هذا العمل المتواضع بعضا من جوانب التربية الإسلامية، وأن أبين كيفية إيصالها إلى الأجيال المتعاقبة بأيسر طريق، وخاصة لتلاميذ المرحلة الابتدائية، وكنت حريصا على أن أعرض بعض الأمثلة التربوية من عصر صدر الإسلام في الطبعة الأولى، ولكن ظروفا خارجة عن إرادتي لم تسعفني لتحقيق هذه الغاية، وقد تمكنت بعون الله من تحقيق ذلك في الطبعة الثانية, وإني لأرجو من الله أن يكون عملي خالصا لوجهه، وأن يقبله عنده، إنه وحده الموفق والمعين ...
دكتور
عبد الرشيد عبد العزيز سالم
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى:
منذ فجر الإسلام والناس يتداولون أفكاره وآراءه، بين منصف وجاحد، مؤمن وكافر، معتدل ومتشدد. مجرد عن الأهواء ومتصنع لأجلها. وسيظل هذا الأمر قائما ما بقيت الحياة والأحياء.
"ولكن الشيء الذي لم يختلف فيه الناس -أو على الأقل لم تصل حدة الخلاف فيه كغيره من تعاليم الإسلام- هو تربية الإسلام للإنسان تربية تفوق في قيمها وأهدافها كل النظريات والتعاليم التربوية التي عرفها الإنسان قبل الإسلام وبعده". وكما أن لكل حقيقة دليل عليها، فإن الدليل على هذه الحقيقة، هؤلاء النفر من صحابة رسول الله ﷺ ، الذي رباهم الإسلام وعلمهم الرسول فكانوا أعظم قادة، وأعلا مثلا، وأرقى خلقا، وأنضج عقولا، وأبلغ لسانا، وأسلم حجة من كل من وضع في مثل موضعهم من قادة وزعماء الأمم. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن جوهر العقيدة الإسلامية هو منبع هذا البناء الرجولي والأخلاقي والعلمي، الذي بدونها ما كانت الجزيرة
стр. 7
العربية إلا قفرا يشرب دماء الرجال، ويرعد بأصوات الحقد والعصبية، ويمتلئ بالرذيلة والدمار.
والإسلام يتميز في تربيته، أنه يأخذ الكائن البشري على طبيعته، ثم يعمد إلى تهذيب هذه الطبيعة والارتقاء بها إلى أقصى درجات السمو الإنساني، دون أن يكبت شيئا من النوازع الفطرية، أو يمزق الفرد بين الضغط الواقع عليه من هذه النوازع، وبين المثل العليا التي يرسمها له.
وهو في تعاليمه ومبادئه يقترب من الإنسان في حذر. فلا يراه ملاكا مجردا من الشهوات والرغبات. ولا شيطانا ليس فيه إلا الشهوات والرغبات.
وإنما هو بين بين. وفي مقدوره إن أراد أن يسمو بروحه إلى مستوى الملائكة من الطهر والنقاء، كما في مقدوره أيضا أن يصل إلى مستوى الشيطان من الفجور والشر ولكنه في حالته الطبيعية بين هذا وذاك -إنسان- مشتمل على الخير كما هو مشتمل على الشر. وذلك شيء من طبيعته وليس مفروضا عليه من خارج نفسه، لذلك تعمل التعاليم الإسلامية على إبراز جوانب الخير فيه، وجعلها في درجة أقوى من جوانب الشر لينتصر بذلك على ترابية الأرض، التي منها تنطلق كل ألوان الصراع البشري، وتأتي الأطماع والأحقاد والفتن، وتشب الحروب وتضرم النيران، وتموت الحقيقة، وتختفي بسمة الحياة تحت سياط الظالمين والجبابرة العتاة.
وبين الخير والشر، والاقتراب منهما في التربية الإسلامية، نجد حرصا كاملا على إيجاد التوازن في نفس الإنسان، ليمتد ذلك منه إلى التوازن في المجتمع، وفي ربوع الدنيا بعد ذلك بقدر الطاقة، حتى لا يطغى أحدهما على الآخر، أو ينفصلا، فلا يكون في الدنيا إلا ملاك أو شيطان.
стр. 8
والتربية الإسلامية لا تنشد ذلك أبدا، ولو كان التحول كله جهة "الملاك".
وإنما تسعى إلى التوفيق الدائم بين أهداف الحياة وضرورات المجتمع ونوازع الفرد، من غير أن يطغى هدف على هدف، ولا مصلحة على مصلحة، وإنما يسير الكل في توافق واتساق، يحقق -حين يتم- أقصى ما يمكن من السعادة لبني الإنسان، ويجعل الطريق بين الخالق والمخلوق ممهدا بالفكر والتصور والعمل.
وقد حرصت أن أعرض في هذا الكتاب ألوانا من السلوك والأفعال التي تحقق هذا التوازن عند الإنسان. وبدأت بالطفولة لأنها مصدر الأمم، ومنبع الأجيال وحاولت أن أقترب -فيما عرضت من المبادئ والتعاليم الإسلامية- من آثارها في الطفولة وفي تلاميذ المدارس الابتدائية بالذات. ليكون ذلك هاديا لمعلمي التربية الإسلامية في هذه المدارس.
وكان تناولي لطرق تدريس القرآن الكريم والعبادات يقوم على أساس من الدراسة النفسية والاجتماعية والأخلاقية والعلمية لهذه الفرائض ومصدرها الأول كتاب الله المحكم. وبينت أن تدريس هذه الأشياء يستند أول ما يستند إلى المعلم المؤمن بأهداف الذين ثم إلى المدرسة كمؤسسة اجتماعية تأخذ من المجتمع وتصب فيه، وضربت أمثلة على طريقة التدريس المرجوة في كل.
وعلى الرغم من أن منهج معاهد التربية لم يتطرق إلى العقيدة والحديث، إلا أنني اكتمالا للفائدة ألقيت نظرة على العقائد، وخاصة العقيدة الإسلامية، وربطت بينها وبين العبادة، مبينا أثرها في فهم العبادات من الوجهة النظرية والتطبيقية وذكرت أهداف تدريس الحديث الشريف، وسقت أمثلة على كيفية تدريسه بالمرحلة الابتدائية وتناولت طرق تدريس التهذيب وما تهدف إليه، وأسلم الطرق لتحقيق سلوك أفضل عند الأبناء.
стр. 9
وكما تحرص التربية الحديثة على استخدام الوسائل المعينة في التدريس، ذكرت أهم هذه الوسائل في تدريس الدين، وأثرها في الفهم والتطبيق، جاعلا للإسماع ووسائله درجة أكبر من الاهتمام والعناية. وفي النهاية أشرت إلى القيم والاتجاهات وأهمية تركيز المعلم عليهما.
ولا أتصور أنني قد بلغت ما أريد في كل ما قلت، ولكني أشعر بالرضا حيث إن هذا الكتاب يكاد يكون الأول من نوعه في المكتبة العربية والإسلامية؛ لأن كل من تعرضوا لبعض هذه الموضوعات، تعرضوا لها من زوايا أخرى، أو في ثنايا حديث لا يعرف بها ولا يدل عليها. ومن الله وحده أرجو الجزاء والأجر. وأن ينفع بهذا الجهد المتواضع كل طالب علم إنه سميع مجيب.
المؤلف
دكتور
عبد الرشيد عبد العزيز سالم
стр. 10
الفصل الأول: مراحل الطفولة - وتعاليم إسلامية
تطور الشعور الديني عند الطفل:
يمر الوليد بمرحلتين من مراحل حياته لهما أكبر الأثر في تكوينه الانفعالي والعقائدي والسلوكي، وعليهما تقوم شخصية هذا الوليد، وتتحدد اتجاهاته وقيمه الأخلاقية والاجتماعية، هما مرحلتا: الطفولة، والمراهقة.
ومرحلة الطفولة تنقسم إلى قسمين كما ذكر علم نفس الطفل: الطفولة المبكرة وتبدأ من المهد حتى السادسة من العمر. والطفولة المتأخرة وتبدأ من السادسة حتى فترة المراهقة "أو حتى الثانية عشر من عمره".
والذي يعنينا هنا هو مرحلة الطفولة بقسميها, حيث إنها المرحلة التي يقضي فيها الطفل جزءا كبيرا بالمدرسة الابتدائية التي هي مجال بحثنا.
فإذا ما نظرنا إلى الطفولة المبكرة، وجدنا الطفل فيها يتكون من مجموعة من الميول والرغبات والعواطف، ومزودا بقدر محدود من السلوك الفطري المتصل بالأفعال الحيوية الأساسية، كما هو مزود أيضا بقدر كبير من من قابلية التعليم والقدرة على التعليم. ولكنه يكاد يكون مجردا عن التفكير المنطقي والتعليل والموازنة. لهذا فهو متروك للبيئة بأشكالها المختلفة تستغل فيه هذه الجوانب
стр. 11
وتمكنه من اكتساب ما يعينه لا على مجرد الحياة فقط وإنما على تحسين طرائق الحياة ووسائلها والتقدم بها إلى ما هو أفضل.
وفي سنوات حياته الأولى على الرغم من قابليته للتعلم، إلا أنه ينظر إلى الأشياء بمنظاره الشخصي ويقيسها بما يتفق وعواطفه، لا بما تدل عليه من مقدمات ونتائج. وكثيرا ما يعلل المواقف والأفعال بما يتفق وإرادته، ويختار من المحيطات المتعددة والمتنوعة التي ولد فيها ما يرضي عواطفه وينطلق برغباته إلى الغاية التي تصل بين الدافع والفعل، فتمنحه الهدوء والسكينة والرضا.
ولا شك أن ما يحيط بالطفل في تنوعه العقائدي، والأخلاقي والطبيعي والاجتماعي والاقتصادي والصحي وغير ذلك له تأثير كبير في عواطفه وانفعالاته ورغباته التي أشرت إليها. ومن خلالها ينتقل تصوره للأشياء الأبعد مدى في الرؤية والفهم. فإذا ما تقدم به العمرخطوات محسوبة داخل إطار اجتماعي معين أخذ يتغير ويتشكل تبعا للمحيط الذي يدور فيه. ولكن عواطفه تظل صاحبة السيادة على ميوله ورغباته وإن كانت ترتقي بعض الشيء. فبدلا من نسبة الأمور لإرادته ورغبته، ينسبها إلى الأجمل والأكمل، أو إلى والديه وهما في نظره الأجمل والأكمل. فإذا ما سئل عن الضوء أو البحر أو الشجر قال إن وجودها هكذا أجمل، وليس لقوله هذا مقدمات رتبه عليها، وإنما هو تعبير غير مباشر يتفق مع رغباته التي تريد أن يكون كل شيء في حقيقته هو الأجمل والأفضل. وغالبا ما يكون الأب بالنسبة للطفل في هذه الفترة من العمر هو البطل والعالم والقدوة الذي لا يتطرق إليه شك, ولا يخفى عليه أمر من الأمور. فإذا ما تعددت خبرة الطفل وتلونت بألوان مختلفة تتفق وما يدور في محيطه الأسري، وتعدى هو السنة الرابعة من عمره
стр. 12
بدأت تعتريه الشكوك فيما كان يراه من أشياء، وفي قدرة الأبوين على معرفة كل شيء، وهنا يبدأ بحثه عن نفسه محاولا الاعتماد عليها، وتتكون لديه نوازع المعرفة والتحليل للأشياء ومناقشتها.
وفي هذه الفترة غالبا ما تكون الأسرة حريصة على أن تعلم الطفل لغتها, وأن تنقل إليه طرائقها في مواجهة الحياة ووسائلها في الحفاظ على البقاء، وعلى مفاهيمها عن المجتمع والدين والمثل العليا وغير ذلك من ميادين الحياة, وبذلك تضع الطفل في قوالب حيوية وفكرية واجتماعية لا يستطيع الطفل مهما حاول أن يخرج عنها؛ لأنها تصبح بالنسبة له جزءا من تكوينه يشابه بناءه العضوي والعضلي، وقد يعمل البعض على تغيير هذه القوالب أو تطويرها، ولكنه يمكث زمنا طويلا في مقاومة ما استقر في وجدانه حتى يستطيع تعديله أو تطويره. وحين ينطلق الطفل خارجا عن دائرة الأسرة ليدخل في دوائر أخرى أوسع وأشمل كالشارع والمدرسة والنادي وغير ذلك من المنظمات الاجتماعية، يجد نفسه وسط مفاهيم ومثل وعادات وتقاليد أخرى يتأثر بها وينطبع بطابعها. فإذا ما اتسعت الدائرة أكثر وانتقل إلى مدينة أخرى أو إلى وطن غير وطنه ووجه بعادات وتقاليد جديدة تأثر بها أيضا، وهكذا يظل في حركته وانطلاقه يأخذ من الحياة ومن الأحياء، حتى إننا في عصرنا الحالي عصر "التلفاز" والصور المرئية من وراء الأرض "القمر" وغيره من الكواكب التي يقوم علماء الفضاء باكتشافها ودراستها. نكاد نقول إن الطفل يتأثر بما يجري في الحياة كلها من عادات ومفاهيم ومثل؛ لأنه يشاهد ذلك أو يسمعه من خلال الأجهزة العلمية الحديثة التي أصبحت الآن منتشرة في كل مكان.
والتي ما إن يستطيع التمييز بين الأشياء والمقارنة بينها حتى يجدها أمامه بكل ما فيها من حسنات أو سيئات, لذلك فإن المجتمع الإسلامي والبيت المسلم في
стр. 13
حاجة إلى قواعد ونظم ومناهج في حياتهم الخاصة والعامة، تساعد أطفالهم على تمثل السلوك الإسلامي، وتوضح لهم من خلال التطبيق مبادئه الإنسانية العليا، ومثله في الحق والعدل والمساواة، ومبادئه في الاقتصاد والسياسة، ومفاهيمه في العقيدة والعلم والعمل، وتقدميته الدائمة التي تنشد المحبة والسعادة والتعاون والإخاء والتقارب بين كل بني البشر. يحتاج الطفل في هذه المرحلة مرحلة ما قبل المدرسة، إلى تلك الصورة الإنسانية المسلمة، حتى إذا ما انتقل إلى المدرسة ودخل في دائرة الرؤية الجديدة من العلم والعمل، كانت للمعارف ومدلولاتها جذور في أعماق نفسه تساعده على التقبل في يسر، وكان القول الإسلامي الذي سيساق إليه من القرآن والحديث والسيرة والتهذيب، ليس قولا من العدم يتراقص كلمات على صفحات الكتب. بل فعلا وتطبيقا وواقعا عاشه الطفل وشاهده بنفسه في دائرة أسرته ومجتمعه ووطنه، ومن خلال مشاهداته وما يقرع سمعه كل يوم.
وحكمة الإسلام واضحة في أنه لم يكلف الطفل في هذه المرحلة أي أمر من أمور الدين؛ وذلك لأنه في دور البناء والتكوين, وعلى عاتق الأسرة والمجتمع يقع العبء الأكبر في غرس الفضائل والمبادئ والأحكام الإسلامية في نفس هذه الطفولة البريئة, وأن يجعلوا من هذه الفطرة مصدرا حيا لاستقبال تعاليم الله إلى الأرض. ويتمثلوا قول رسول الله ﷺ : $"كل طفل يولد على الفطرة وأبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" أي: على فطرة الإسلام.
﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ، وقد حدد الفقهاء وعي الطفل ومقدرته على التفريق بين الدابة والحصان أي: بين الجنس والنوع في الأمور التي يشاهدها في بيئته. واهتمام علم النفس بهذه المرحلة، وكذلك اهتمام الإسلام بها؛ لأنها شديدة التأثير فيما بعدها. بل وتعتمد عليها اعتمادا جوهريا. حيث من اليقين أن ثقافة الطفل، وعاداته وتقاليده، ومادته
стр. 14
اللغوية والفكرية، وتصوراته عن العقاب والثواب، والرحمة وغيرها. كلها تتكون في نفس الطفل نتيجة لخبراته وعواطفه الناشئة عن معاملة أبوية له، وكذلك بيئته الأسرية والخارجية التي سمحت له الظروف أن يتعامل معها في هذه الفترة من العمر، وكل كائن حي هو مثل الطفل في تفاعل دائم مع البيئة وبوساطة هذا التفاعل يمكننا تغيير أطفالنا تغييرا كليا أو جزئيا, إذا وضح الهدف لدينا واستطعنا نحن المعلمين أن نكون المجال الحيوي الإسلامي لهذا الطفل؛ ليكتسب منه سلوك وعادات الفرد المسلم الذي ننشده ونعمل على تعريفه به في مناهج التربية الإسلامية، أما إذا كان مجال الطفل الذي يعيش فيه في البيت والمدرسة غير ما نعلمه إياه فإن تعديل سلوكه واتجاهاته نحو المثل الإسلامية سوف يصطدم بحواجز, من الصعب أن يتخطاها معلم مهما بلغ من الذكاء والعبقرية؛ لأن كل معلم إنما يبدأ عمله التربوي مع الطفل من الثقافة الأسرية التي حصل عليها. من محبته لوالديه، إلى التفكير في من خلقهما ورزقهما. من فكرة العقوبة على فعل ارتكبه فأغضب والديه، إلى تصور العقوبة الإلهية لمن يخالف أوامره. ومن تمثل رحمة الأبوين، لإدراك رحمة الله يحمل الطفل هذه المعاني بين مدركاته في الطفولة, وإن كان لا يستطيع التعبير عنها. فإذا ما تلقاه المعلم بما يغذي هذه الجوانب فيه، وجد أساسا يدفعه للاستجابة؛ لأنه عقيدته في الأشياء عاطفية، وقد سيطرت عليه في مرحلة ما قبل التعلم عواطف الإعجاب والمحبة والخوف من الكبار، وتحويل هذه العواطف نحو الله يلقى الاستجابة والتأثر؛ لأن فكرة الخالق عند الطفل تفوق في جانبها العاطفي كل ما عرفه من أنواع العظمة والتقدير والمحبة والخوف. لذلك فإن غرس التعاليم الإسلامية في نفوس الأطفال ودعوتهم إلى العمل بها عملية يشترك فيها البيت والمدرسة بقدر متساو من الهمة والإخلاص.
وحين يصل الطفل إلى المرحلة الثانية من طفولته "السادسة من عمره"
стр. 15
وهي مرحلة قبوله بالتعليم الابتدائي، نرى أن هذا الطفل في حاجة إلى من يعينه على أن يحيا حياة إنسانية كريمة بمعناها المادي والروحي, الفردي والاجتماعي القومي والإنساني؛ لأنه خرج من دائرة البيت إلى عالم آخر يختلف في تكوينه ومدركاته عما ألفه من فترة طفولته الأولى، ومعاونته على التكيف معه، إذا بدأت من منطلق إسلامي استطعنا أن نعمل على تكييف الإنسانية، وتطورها من خلال هذا الفرد الإنساني، إن الإسلام دين الإنسانية، ومبادؤه وأحكامه إنسانية، والتكيف معها يخلق مجتمعات مهما تباعدت إنسانية المنهج والسلوك, والطفل في هذه المرحلة يقوم إدراكه على الملموسات ويعتريه الشك فيما لا يراه لذلك يجب على المعلم أن يكون متفهما لمكونات نفس الطفل، وأن يتدرج معه في الأمور الدينية من الملموس إلى الغيبي، وأن يحاول الوصول إلى إقناعه بما يعرضه عليه متخذا لذلك الوسائل التي تربط بين عواطفه السابقة والأفكار الجديدة التي تعرض عليه؛ لأن النفس الإنسانية كل لا تتجزأ والتربية عملية شاملة تتناول الإنسان جسده ونفسه، عقله وعاطفته، سلوكه وشخصيته، مواقفه ومفاهيمه، مثله وطريقة حياته وطرائق تفكيره.
والدين يشمل كل هذه الجوانب فإذا ربطناها بالطفل وربطناه بها استطعنا أن نجعل مفهوم الدين لديه ليس عملا تقليديا عن الأباء والأجداد، وليس عملا غيبيا يتوهمه الإنسان ولا يجد أثره أو يعيش فيه. وهذه أول واجبات معلم التربية الإسلامية منذ اللحظة الأولى التي يلتقي فيها مع تلاميذه لأول مرة. وبهذه الطريقة سنجد أن عقيدة الطفل الدينية تزداد قوة وتطورا نحو المعقولية كما هي طبيعة هذه المرحلة من حياته. ويجب على المعلم أيضا أن يعرف أن الطريقة التي يتعلم بها الطفل قيمه تترسب في ذاته، وتؤثر تأثيرا عميقا في تقبله لهذه القيم أو رفضها. فطريقة المعلم وأسلوبه ورفقه بالأطفال وقربه منهم في دروس الدين خاصة، قد يدفع بنمو الذات لديهم إلى مستويات
стр. 16
أعلى في الأداء الديني فهما وسلوكان وقد يؤدي بالعكس إلى الجحود والتمرد على هذه القيم فهما وسلوكا أيضا، لذلك اهتمت معاهد التربية بدراسات علم النفس وأصول التربية لطلابها حتى يتمكنوا من فهم مراحل نمو الطفل وعواطفه وانفعالاته، ليتجنبوا مثل هذا الموقف الذي يعطي مردودا معاكسا لما تهدف إليه التربية، والشعور الديني عند الطفل يتطور بتطور خبرته ومفاهيمه عن الحياة والأحياء فإذا كان الطفل قبل السابعة لا يجد التعليل المنطقي لعملية "الموت" فإنه في هذه السن يدرك أن الموت شيء يقع على الرغم من الإنسان وعلى الرغم من كل ما حوله من أهل وأطباء ومال وصحبة، ومن هذا الإدراك يلتقط الدليل الذي ينقض الأساس الذي كان يبني عليه تصوراته للأمور بالعاطفة والرغبة. ويبدأ في معرفة أنه ليس مطلق الذات والرغبات، وأن هناك قوى خفية تفوق سلطانه وقدرة من يعرف من البشر. وعلى المربي أن يتدرج مع الطفل في بيان فكرة الموت وما يسبقه من مقدمات المرض والضعف وكبر السن، وأن يسوق له الأمثلة التي توضح ذلك من تكوين الثمار ثم نضجها وفي النهاية قطفها أو سقوطها. ويبين حكمة الله من ذلك في تداول الحياة والأحياء، كما يجب عليه أن يساعده في فهم الظواهر الكونية ودور القدرة الإلهية فيها خلقا وتنظيما وتصريفا، كالسحاب المسخر بين السماء والأرض وسقوط المطر منه، وسير الرياح، وتناوب فصول السنة وحركة النجوم والأفلاك وأثرها في الأرض، ونحن نعلم أن الطفل يتلقى بعض المعلومات عن هذه الظواهر ويتدرج فيها بتدرج عمره وسنوات دراسته. فإذا بين له معلم الدين أن هذه الظواهر ترجع إلى إرادة حكيمة مديرة تصرفها كيف تشاء، ساعده بذلك على تفهم جوانب من القدرة الإلهية، وأعانه على الربط بين التقارير العلمية والأحكام الدينية؛ لأن الطفل إذا تعلم أن الشمس هي التي تبخر الماء، والرياح هي التي تسوق البخار، ونزول درجة الحرارة
стр. 17
هو الذي يكثف ذرات الماء فتهطل مطرا تصور سيطرة الطبيعة على نفسها، فإذا ما استطاع المعلم أن يبين له أن الشمس وحدها لا تعمل وأن الماء أصلا له خالق، وأن حركة الرياح لها سلطان يصرفها, ومن هذا كله يأتي المطر بأمر وحكمة، قضى على الازدواجية بين العلم والدين وأرجع كل شيء إلى أصله ومصدره. ومن هنا كانت مهمة معلم الدين مهمة صعبة. وقدرته العلمية والدينية يجب أن تكون فوق مستوى ما نراه ونعرفه من معلمي هذا العصر الذي نحن فيه. وإذا كنا نريد نجاح التربية الإسلامية فعلا في مدارسنا ومجتمعاتنا، فعلينا أن نشمل معلمها برعاية خاصة وعناية فائقة في إعداده إعدادا إكاديميا يقوم على البحث والتقصي في كل جوانب الدين, فكرا وعقيدة وفلسفة ومنهجا وتطبيقا, واذا أراد هو أن يؤدي رسالته بصورة ترضي الله والناس فعليه أن يكون قادرا على إقناع تلاميذه في مثل هذه المواقف, وأن يتبع معهم وسائل القرآن في الإقناع. فيبدأ بالملموس ويتدرج منه إلى المتصور ليصل في النهاية إلى المعقول. ولا يترك تلاميذه عند نقطة عقائدية إلا بعد أن يقنعهم بهذه الطريقة حتى لا تكون مسائل العقيدة في نظرهم مجرد طلاسم لا فكر فيها ولا حل لها ...
стр. 18
الطفل وعملية الميلاد والخلق:
كل طفل ما إن يصل إلى مرحلة الإدراك حتى يبدأ في التساؤل. من أين ولدت؟ وفي أي مكان كنت؟ وكيف سرت وتكلمت وغير ذلك من الأسئلة التي يبدأها طفل في الثانية من عمره وتظل معه حتى السابعة أو الثامنة تقريبا، وكل ما يسمعه من إجابات عنها لا تقنعه, وإن كان يظهر رضاه عنها في وقتها؛ لأنه لا يملك تعليلا غير ذلك، وبعض الأطفال في سن الخامسة
стр. 19
يعتقد أن الله أوجده في بطن أمه من مجموع الغذاء الذي تتناوله، وبعضهم يتصور أنه وجد هكذا كما هو بشكله وحجمه. وأن أمه ولدت أباه كما ولدته فإذا ما وصل إلى السابعة من عمره راح يفكر إلى ما هو أبعد من ذاته وذات أبيه، فيسأل عن الإنسان الأول كيف ولد وكيف وهو فرد واحد امتلأت الدنيا هكذا؟ وهنا يبدأ تلمس الطريق نحو معرفة الخالق والبحث عنه. لذلك كانت المرحلة الابتدائية هامة في تكوين العقيدة على أسس صحيحة. وفي الإجابة على كل التساؤلات التي أرقت هذا الطفل منذ أدرك حتى جاء إلى المدرسة فإذا كان معلم التربية الإسلامية على درجة من العلم والكفاءة استطاع أن يجيب على كل هذه التساؤلات، وإن يربطها بالجوانب الفكرية والمنطقية في العقيدة الإسلامية. التي توضح أن الكون كله خلق من فيض الله. وأن ذات الله تعالى هي التي أوجدت هذا الكون كما يشهد على ذلك كل شيء في الوجود. بدءا من الحشرة الصغيرة إلى الجبل الكبير. إلى السماء والأفلاك والهواء والفضاء. كل شيء بمقدار. وكل حركة بحساب ولا يكون ذلك إلا من صنع خالق حكيم قادر. وكل هذه الدلائل تقودنا إلى التسليم لهذا الخالق، تسليما فرضته علينا قوى الطبيعة القاهرة وقبله العقل والمنطق؛ لأنه يتفق مع الحقائق التي نشاهدها وتمر بنا أحداثها في كل يوم.
وإذا كانت العملية التعليمية تعنى أول ما تعنى بخلق الملكات، والعمل على اتساعها وتنميتها، فإن الطفل معرض بناء على ذلك، إلى تصعيد أفكاره وتساؤلاته. لنراه في وقت من الأوقات يطلب لكل معلول علة، ويحاول تطبيق ذلك بالنسبة للذات الإلهية، والإجابة عن هذه الأشياء بالنسبة للأطفال يعد أمرا حيويا يتصل بالتوافق بين الدين والحياة، وبين الأوامر الإلهية والفكر الإنساني الذي يطرق على التلميذ بابه في كل لحظة، ولكي تكون الإجابة
стр. 20
سليمة ومقنعة يجب أن تنال الطفل من ناحيتيه النفسية والعقلية، وفي الناحية النفسية سنجد الأمر سهلا، إذ بيان عجز الطفل عن خلق حشرة أو زرع عضو أو إعادة الحياة لميت، وربط ذلك بأمثلة تبين عجز من هم أعظم منه وأكبر، كوالديه ورؤساء الدول وقادة الجيوش والعلماء والحكماء. عجزهم عن رد الموت عنهم، أو مقاومة المرض، ومنع العواصف والزلازل وغير ذلك مما هو مدار عجز الإنسان، كل هذا سوف يريح الطفل نفسيا. وهنا ننقله إلى الجانب العقلي الذي به يتضح له الكمال الإلهي في قدرته وعظمته وحكمته. تلك القدرة والعظمة والحكمة التي تقتضي ألا يكون هناك رب سواه. والتي تدعونا إلى التفكر في مخلوقاته الهائلة حتى لا نناقض أنفسنا ونتساءل عمن أوجد الله. إذ لو احتاج الله إلى من يوجده لكان ضعيفا مثلنا، ولكان هذا الكون فاسدا على غير نظام، يعتريه المرض ويحكمه الضعف، وتتداخل أشكاله وألوانه، فلا يكون على ما هو عليه من تناسق بديعة ومعجز.
وبسكون النفس واطمئنان العقل يتبين الطفل أن مثل هذا التساؤل مناف للإيمان بالله وبكماله وقدرته التي نلمسها في كل شيء. ومعلم التربية الإسلامية يستطيع أن يلمس هذا الجانب في كل درس من دروس الدين. وأن يجيب عن هذه الأسئلة قبل أن تصبح مركز ثقل عن نفسية التلميذ ومدركاته. وكلما كان المعلم دقيقا وواضحا، كان تقبل التلاميذ لهذه النتائج سهلا وميسورا. ولا أكون مغاليا إذا قلت أن رسوخ العقيدة أو اضطرابها إنما يتكون في هذه الفترة من المرحلة الابتدائية. وأن دور المعلم فيها أكبر من دور الأسرة والمجتمع وأنه بسلوكه ومنطقه واعتداله يظل يلاحق تلاميذه حتى بعد فترة المراهقة. وليس معنى هذا، إلغاء دور الأسرة والمجتمع. وإنما هو بيان لمراكز التأثير في ترتيبها وأولويتها.
فالمدرسة ومعلم التربية الإسلامية أولا.
стр. 21
ثم يأتي دور الأسرة مساعدا وموضحا.
وتكتمل الحلقة بالمجتمع وما فيه من مؤثرات وعبر.
стр. 22
الطفولة والخير والشر:
يظل الطفل -في مرحلة الطفولة الأولى- يتصور أن الخير هو ما حقق له رغباته وأن الشر هو ما يقاومها أو يقف في طريقها. حتى إذا ما انتقل إلى مرحلة الطفولة المتأخرة -أي: دخل في السابعة من عمره- بدأ يسأل عن الحسن والقبيح ويتعرف من خلال تجاربه على لون كل منهما. فهذا حسن لأنه يرضي والديه وأخوته وأصدقائه، وهذا قبيح لأنه يغضبهم. ويظل هذا الانطباع لديه، حتى يتعرف على مسائل الدين والخلق، فينتقل بفكره إلى إدراك أن الخير هو ما يتفق وأوامر الله، وأن الشر ما يخالف ذلك. حتى إذا ما وصل إلى التاسعة من عمره، وتقدم به التعليم بعض الشيء، واتسعت خبرته بالواقع، وتعقدت صلاته الاجتماعية، ارتقى حسه ونمى إدراكه وفكره فأصبح يرى الخير في أمور كثيرة لا يفعلها الناس، والشر في أمور أكثر يرتكبها الناس. وبذلك يحس بدافعية تسوقه إلى الله، وإلى حبه والاهتمام بتعاليمه؛ لأنه سبحانه هو وحده الذي يمكن أن يحقق له العدل والإنصاف. ويقاوم الظلم، ويدفع الشر عنه. وفي هذه الفترة تبدو أهمية معلم التربية الإسلامية، إذ يستطيع أن يستغل هذا التطور الطبيعي في الطفل، فيعمل على تقوية عقيدته بالله، تلك العقيدة التي سيرى فيها الطفل خير عون له على تقبل ما يتعرض له من آلام الواقع وصراعات الحياة. والتي سوف تمسح عنه الكثير من صنوف الحرمان والوهم والخوف، وتعمل على تقوية شخصيته واستعدادها للتضحية والفداء ومعاونة الآخرين.
стр. 23
وهكذا يصبح فعل الخير له مدلول عند الطفل، وامتناعه عن الشر يصبح أشبه بالقربان يقربه إلى الله لينال عفوه ورضاه ومحبته. وصلاة الطفل في هذا العمر لها أثر عميق في نفسه؛ لأنها منه تخرج خاشعة لا يدخل فيها رياء أو نفاق أو غفلة، ويكون ارتباطه فيها بربه أقوى مما كان عليه في أي وقت مضى؛ لأنه أدرك معنى التوسل إلى الله، واتضح له صوت الحق في عظمته وسلطانه، ودعاه خوفه منه إلى التوسل إليه أن يعينه على نوازع الشر في نفسه، وأن يهديه إلى طريق الخير والإيمان، ولهذا كان أمر الرسول ﷺ أن نأمر أولادنا بالصلاة لسبع وأن نضربهم عليها لعشر "أي: إذا لم يصلوا حتى العاشرة". ومتابعة الأطفال في الصلاة وخاصة بالمدرسة أمر يجعل من التربية الإسلامية حقيقة واقعة؛ لأن الطفل حساس إذا وجد القول يخالف الفعل اهتزت لديه كثير من القيم. فإذا علمناه الصلاة وفضائلها، وتركنا نحن الصلاة، أو تركناه بلا دافع يدفعه إليها، فكأننا بذلك، نقول له تعلم النفاق والكذب. وكل تعاليم الإسلام كذلك. تحتاج منا إلى متابعة وتهيئة الجو الذي يشعر فيه التلاميذ بحقيقة هذه التعاليم وفضلها على غيرها.
стр. 24
الطفولة المتأخرة والروحانية:
يتحول الطفل في العاشرة من عمرة إلى طاقة روحانية مستعدة لتقبل الأوامر الإلهية والامتثال لها أكثر من أي فترة أخرى في حياته الماضية والمستقبلة. ويتجه بفكره إلى الله مدركا جوانب التنزيه والوحدانية والقدرة لديه. ومتقبلا لهذه الصفات تقبلا نفسيا يشعر معه بالراحة والرضا والاطمئنان. ويرجع ذلك إلى رقي فكره، وتنوع خبرته، واتساع مدركاته، واحتكاكه مع مظاهر
стр. 25
الطبيعة الدالة على خالقها ومبدعها. وقدرته في هذه المرحلة على التأمل والتخيل، مما يساعده على تصور عظمة الذات الإليهة وعدم القدرة على رؤيتها أو تشبيهها بشيء، وهو في تمثله لهذه الأشياء يتفق مع فطرته، ومع طبيعة المخلوقات التي هي مساقة دائما إلى الامتثال والخضوع للقوة العليا, المسيطرة على هذا الكون, والطفل في هذا العمر أرقى المخلوقات وأنقاها روحيا وجسديا، حيث هو بعيد عن الأدناس لم تدخله بعد عوامل الحقد والحسد والطمع.
ولم تسيطر عليه الشهوات والأهواء، لذلك نراه إذا ما وجه الوجهة السليمة نحو الإيمان والخير اندفع إليهما في تعلق وشوق. ودور التربية الدينية في هذه الفترة يقوم على تعليل الأشياء له تعليلا مقبولا، وربط الأمور الغيبية بالواقع المشاهد في حياته التعليمية والعملية.
وكلما كان معلم التربية الإسلامية واعيا لأهدافها, متمثلا لمواقف الحق والجمال فيها. كانت قدرته على تثبيت تلك الأهداف وتمثله لتلك المواقف في نفوس التلاميذ أدق وأنفع. فالمعلم الذي يبين أن الله شديد العقاب، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وينسى أن الله غفور رحيم، ويقبل التوبة من عباده، ويجب التائبين ويتقرب إليهم، هو معلم آلي. ما إن تخرج المعلومات منه حتى تصطدم بجدران الصف الذي يقف فيه، لا تتعداه إلى فكر التلاميذ وسلوكهم واتجاهاتهم. لذلك أدعو إلى أن يكون معلم الدين متخصصا ومختارا بطريقة دقيقة وواعية، وأن يجري تدريبه دائما على تحسين مواقفه والارتقاء بها في دروس الدين، والعمل على إيجاد المجالات له ليتصل بتلاميذه وبيئاتهم ومجتمعاتهم الأسرية.
وقد عرف المربون المسلمون قديما أن لدى الطفل ميلا طبيعيا لحب الثناء والظهور، فمدحوه على ما يبدو منه من قول حسن أو فعل جميل، وشجعوه
стр. 26
بكل الوسائل على الاستمرار في المحافظة على مكانته لديهم، وعلى الاجتهاد الدائم في إصلاح نفسه، ولم يكثروا من لومه وتوبيخه حين يظهر حبه لنفسه أو رغبته في شيء؛ لأن الإكثار من التأنيب يميت قلب الطفل، وكلمة صغيرة من المدح والثناء تصلحه وتهذبه، وتقوم خلقه؛ لأنه يميل لذلك بفطرته ويكوه اللوم والتجريح وإساءة الظن به. ومعلم التربية الإسلامية يجب أن يلاحظ ذلك. وأن يتخذ من دروس الدين وسيلة لتحقيق ما يريده من العادات الحسنة لدى الأطفال، وتهذيب أخلاقهم، وتعويدهم فعل الخير واجتناب الشر. وأن يعمل جاهدا على أن يكون المثل والقدوة.
стр. 27
الدين وإشباع الحاجات:
للطفل في مراحل نموه المختلفة حاجات نفسية متعددة، ومن أهم وظائف التربية العمل على تلبية هذه الحاجات، بالطرق والوسائل التي تحقق له الأمن والاستقرار، وتساعده على تقبل مجتمعه الذي يعيش فيه، وتيسر له ما يراه من مظاهر الطبيعة التي تحيط به.
وطفل السادسة القادم إلى المدرسة الابتدائية، طاقاته واستعداداته منطلقة لتقبل كل جديد، إنه في عمر توسعي مستعد لعمل أي شيء، شهيته للخبرات الجديدة عظيمة. ولكنها تقوده إلى الرغبة في كل شيء. وتجعل من الصعب عليه أن يختار بين بديلين؛ لأنه يريد الاثنين معا، كما أنه لا يتقبل النقد أو اللوم أو العقاب، إنه يريد أن يكون على صواب دائما. وهو بحاجة إلى المديح والربح والغلبة. وهو من الصلابة وعدم القدرة على التكيف في علاقاته مع الأخرين بنفس المقدار الذي كان عليه حين كان عمره سنتين ونصف. ويرى أن الأشياء يجب أن تؤدى على طريقته، وعلى الآخرين أن يخضعوا له. إذا ما ربح فكل شيء طيب. أما إذا ربح الأخرون فإنه يبكي ويتهم الآخرين بالغش. يصبح عطوفا وحماسيا إذا سارت الأمور على ما يتمنى وينفجر ويبكي ويثور إذا سارت على غير ذلك١. إن الطفل في هذا السن
стр. 28
يمر بوقت عصيب في داخل نفسه وفي علاقاته مع الآخرين. لذلك علينا أن نلجأ في تعديل هذا السلوك إلى الدين. وأن نشبع حاجة الطفل عن طريق القيم الروحية التي لها في نفسيته أكبر الأثر، وأن نعتمد في ذلك على الوسائل والطرق التي توضح للطفل أن الإسلام ما جاء إلا تلبية لحاجات الإنسان وتنظيم حياته النفسية والاجتماعية. وأن هناك قوة عليا تساعده في كل ما يقول ويعمل. وأن هذه القوة هي التي تحقق له الأمن والاستقرار. ولا يرضيها تصرف قبيح أو فعل شائن. ونبين له أن علاقة المحبة بين الناس، تنقل الإنسان إلى علاقة من المحبة بينه وبين الله.
إذا استطعنا أن نبين للطفل هذه الأشياء بطريقة محببة إليه، وبأسلوب سهل مشوق أمكننا من خلال ذلك أن نعدل سلوكه، وأن نشبع حاجاته.
والإنسان بطبيعته ككائن حي يعمل جاهدا ليحقق الأمن لنفسه، بالمسكن والغذاء والكساء. ولكنه على الرغم من توصله لتحقيق ذلك في حالات كثيرة يظل يشعر بالخوف والرهبة أمام حوادث الطبيعة ومشكلاتها الكبرى، من عواصف وزلازل وبراكين ومخلوقات غريبة, يعمل العلم جاهدا على مقاوماتها، كحشرات الأمراض وميكروباتها. وآفات الزراعة وأنواعها المتعددة. والطفل أمام هذه الأشياء تنفذ إلى ذهنه أسئلة ملحة تبين حاجته إلى معرفة هذه الأشياء والتعرف على مصادرها ليشعر بالاستقرار والأمن. فهذه الغيوم من أين تأتي وإلى أين تسير، ومن صنعها, وهل تحرق من يخترقها أو يمر فيها. والجبال كيف بنيت ومن أوجدها ولماذا. والعواصف والأمطار والأنهار والبحار والنجوم وغير ذلك. كلها موضع تساؤل لدى الطفل. والإسلام يجيب عن كل هذه الأسئلة إجابة عامة تريح الطفل وتنقله من عالم التساؤل إلى عالم التدبر. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
стр. 29
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ،﴾ . ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ،﴾ . وبعد هذه الإجابات العامة يترك الإسلام التفاصيل لمواقف محددة وسن معين، ينطلق فيه الإنسان ليحقق ويجرب ويقارن. وبهذا يطمئن الطفل على نفسه إزاء هذه الظواهر والكائنات. ويجد لديه الشجاعة ليخوض الحياة بلا خوف ولا عقد.
وفي الوقت نفسه يدرك أن خالق هذه الكائنات هو خالقنا. وأنه خلقها ليستخدم الإنسان معظمها، ويتلقى شر بعضها امتحانا وابتلاء، ليكون ذلك حافزا له على التفكر والحذر والجد. واستخدام العلم بكل أبعاده ومكوناته ليدفع عن نفسه خطرها. وليكون سيدها كما أراد الله له ذلك ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ .
وكما أن الطفل في حاجة إلى الأمن والاستقرار. فهو في حاجة إلى المحبة والرضا.
كل طفل في جميع مراحل نموه يشعر بالحاجة إلى الحب والارتواء منه، ونراه في مراحل طفولته الأولى "قبل التعلم" شديد التعلق بأبيه وأمه. كما نجد أن ثدي أمه يمثل في نظره قمة الحب والتعاطف. فيلجأ إليه كلما غضب أو اعتراه ضيق أو خوف. وعندما يدخل مرحلة الطفولة المتأخرة "مرحلة التعلم" ويبتعد عن الثدي وربما عن أحضان أمه تشتد حاجته إلى الحب، ويصبح في حاجة إلى أن يحب ويحب. والدين برحمته وتعاطفه وفطرته
стр. 30
وتعاليمه. هو أكبر الأشياء لإرواء هذه الرغبة عند الطفل؛ لأن التربية الدينية تشعره بأنه أخ وصديق لكل هؤلاء الذين يشاركونه في العقيدة. وأن الله تعالى يرفعه ويجزل له العطاء ويحبه ويقربه كلما أوغل في هذه الأخوة وتعمق فيها. ويدعوه الدين إلى أن يعاشر الناس والزملاء والأصدقاء معاشرة قوامها الإخلاص والتعاون والمحبة. فهو في ظل الدين يجد الطمأنينة كلما قرأ كلام الله أو قام بالعبادات، كما يشعر بالحب الإلهي الذي لا يعدله حب أو رضا. وتشتد الرابطة الأخوية بين المؤمنين كلما اتجهوا إلى الله فيزداد الحب الخالص بينهم ويذهب عن النفوس حقدها وحسدها فتحب وتحب من الله ولله.
الطفل والمكافأة والتقدير:
يحاول كل طفل أن يسترعي انتباه الآخرين، وأن يجذب الأنظار والقلوب نحوه، وغايته من ذلك الحصول على تقديرهم ومكافأتهم. فإذا لم يجد استجابة تمرد، وربما أدى ذلك إلى الشذوذ وارتكاب بعض الأشياء التي تضره أو تضر الآخرين.
والتربية الدينية خير وسيلة لإرواء هذه الحاجة. ودفعها إلى الاتجاه الصحيح الذي يحقق الخير للطفل ولمجتمعه الذي يعيش فيه. والإسلام يهتم بالطفل اهتماما كبيرا. ويحث الأباء والمعلمين على معاملته معاملة راقية تتصل بأبعاده النفسية والجسدية والخلقية والاجتماعية. وأن يقوم إرشاده على عوامل من المحبة والصداقة والتعاون. وفي تعليم الأطفال للصلاة وحثهم عليها بين السابعة والعاشرة، نداء لهم ليتعرفوا على الله تعالى ويتقربوا إليه بصالح الأعمال كالكبار تماما. وهم في الصلاة يقفون مع الكبار ويفعلون فعلهم، وفي ذلك تعظيم لهم وتقدير لقيمتهم. ويروى أن الرسول ﷺ قبل الهجرة، كلف طفلا يؤم المسلمين من أهل المدينة في الصلاة؛ وذلك لأنه كان
стр. 31
أقرأهم لكتاب الله. فاشترى له المسلمون ثوبا يصلي فيه. قال: "فما فرحت بشيء، فرحي بذلك الثوب". فإن كان ذلك فعل الرسول ﷺ ، فإننا نحن المعلمين يجب أن ندرك أبعاد هذا الموقف، وأن نتعلم كيف نشعر الطفل بمكانته ومنزلته عند الله تعالى، حين يطيعه ويؤدي الفرائض، ويتقرب إليه بالسلوك الحسن، والقول الطيب. وبهذا نصعد حاجته إلى التقدير، ونجعلها تروى باستمرار من معين لا ينضب. والطفل لا يحتاج في ذلك إلا إلى التذكير في جو من الإيمان والخشوع, وأن يلمس في روح معلمه الحماس والثقة بالنفس والإخلاص والمحبة, وبهذا نتمكن من إشباع حاجة التقدير إليه، ونجعله يزداد إيمانا وإقبالا على الله سبحانه.
وأحب أن أوضح هنا أن الإسلام بآرائه وتعاليمه لا يعمل على إقناع الفكر وإثارة الانفعالات الوجدانية فحسب، وإنما يعمد إلى التطبيق الذي يبرز العقيدة، ويبين الترابط بين جانبي الإيمان النظري والعملي، لذلك فإن دور معلم التربية الإسلامية يعد دقيقا من هذه الناحية، ومن ناحية شخصيته وأقواله وأفعاله. حتى لا يجد الأطفال أنفسهم أمام تضاد، يجعلهم يؤمنون بعقيدة نظرية ليس فيها المكانة الاجتماعية والواقعية. وبذلك تضعف هممهم وتهن عزائمهم ويشعرون بالخيبة. بل ويتعلمون النفاق والكذب؛ لأنهم يعتنقون عقيدة ذات جانب عملي كبير، ويتعلمون أصولها وأبعادها في النفس والروح والخلق. ولكنهم يرون من يعلمونهم إياها لا يطبقون من تعاليمها شيئا. وهم إن غفروا للبيت والشارع تقصيره في أمور الدين، فإنهم لم ولن يغفروا للمعلم أو للمدرسة هذا التقصير. وبناء عليه فإن منهج التربية الإسلامية في المدارس الابتدائية بالذات. يجب أن يكون تطبيقا أكثر منه نظريا. وأن يقوم بتدريسه جماعة يمتازون بالعلم والعمل وحسن الخلق.
стр. 32
الطفل بين البيت والمدرسة
في البيت
...
الطفل بين البيت والمدرسة:
أ- في البيت:
تعد الأسرة عبر عصور التاريخ القديمة والحديثة مؤسسة تربوية، تتعهد الطفل جسدا ونفسا، علما وعملا. فهي ترعاه وتسهر عليه جسديا، وتحميه وتصونه نفسيا وتعلمه طرائقها في الحياة، وتنقل إليه خبرتها ومعارفها ومهارتها.
وقديما كان الطفل يرث مهنة الأب، وتكفي الأسرة ذاتها بذاتها، ويعرف كل فرد فيها مهمة منوطة به في نظام اجتماعي دقيق، ينحدر من شيخ القبيلة حتى يصل إلى الأب والبيت الذي يسيطر سيطرة تامة على الطفل، ولا ينازعه منازع في ذلك إلا العشيرة أو القبيلة فيما بعد. وتتولى هذه الجماعة الأسرية أيضا الناحية الروحية الدينية. ومن هنا كانت أهمية الأسرة من الوجهة التربوية بالغة حيث لا ينازعها منازع ولا يتحكم في أمور الطفل سواها إلا بعض التقاليد القبلية السائدة. وحين استقر الإنسان وزرع الأرض وبنى القرى والمدن، وتطورت المجتمعات المدنية إلى ما هي عليه اليوم، تغير الحال، وتغيرت تبعا لذلك وظائف الأسرة التربوية. فتخلت عن الكثير من وظائفها وأعمالها وواجباتها لمؤسسات أخرى كالمدرسة والمسجد والنادي والمسرح والسينما ومنظمات الشباب وغير ذلك من المؤسسات، حتى لقد تساءل علماء التربية عما إذا كانت أهمية الأسرة قد تضاءلت من وجهة تربوية أم إنه بقي لها من الأهمية الشيء الكثير؟
ونحن نرى أن وظائف الأسرة التربوية ما زالت قائمة، وإن كانت قد تخلت عن الكثير من الوظائف بسبب انشغال الأب والأم بأمور الحياة التي أصبحت تفرضها عليهما مسئوليات العصر الحديث, ولاعتمادها أيضا على
стр. 33
دور الحضانة ورياض الأطفال، التي دعت ظروف عمل الأب والأم ترك أولادهم فيها أكبر فترة من فترات الطفولة المبكرة. ولكننا مع هذا نلاحظ اهتمام الأسر بأطفالهم أكثر مما كانوا يفعلون في الماضي. وأن الطفل لم يعد كما كان مهملا لا يشعر الأبوان به إلا عندما يريدان توفير الطعام والشراب والكساء له. وإنما أصبح عنصرا هاما من عناصر الأسرة، وصارت الأمهات والأباء يعنون عناية شديدة بتعليم الأولاد وتربيتهم. وفي البلاد المتقدمة أصبحت الأبوة والأمومة علماء وفنا يتعلمهما الأباء والأمهات في المدرسة وفي المؤسسات المختصة. وازداد التعاون نتيجة لذلك بين البيت والمدرسة. وصارت المدرسة في الدول المتقدمة تدار من قبل أولياء أمور الطلاب. وبلغ التعاون بين الأهل والمعلمين مبلغا أصبح معه الأهل كلمة مسموعة في وضع المناهج واختيار البرامج وتنظيم خطط الدراسة وتنسيق الفاعليات المدرسية بين العلم والعمل. وهكذا أصبح دور الأسرة في تربية الأبناء أكثر اتساعا وأبعد عمقا مما كان سائدا في المجتمعات البدائية والمتأخرة.
ولذلك اهتم علم النفس بدراسة الطفل ومشاكله وحاجاته الأسرية، وبين أن الطفل دائما في حاجة إلى أن يحب ويحب، في حاجة إلى العطف والرعاية، وإن كثيرا من الاضطرابات العقلية والنفسية التي يصاب بها الطفل إنما ترجع إلى افتقاده للمحبة والعطف. فليس يكفي أن تطعم العائلة وليدها وأن تكسوه وأن توفر له حاجياته المادية، وإنما لا بد لها أولا وقبل كل شيء أن توفر له الحنان والعطف اللذين لا يستطيع أن يحيا بدونهما، والطفل في حاجته للمحبة شديد الحساسية، شعوره بالعدل مرهف، وشعوره بأقل المظالم يتصف بالمرارة، لا فرق في هذا أن يكون حرمانه من العطف على حساب أخيه الأصغر أو الأكبر، على حساب شقيقه أو شقيقته بل وحتى
стр. 34
على حساب أحد والديه. ولقد دلنا علم النفس التحليلي على أن الطفل يغار من أمه وأبيه. من أخته وأخيه ومن الطفل الضيف فهو يطالب بحقه من المحبة والعناية والرعاية, ويحرص على أن ينالها كاملة غير منقوصة. ولقد ثبت أن الكثير من تصرفات الطفل المرضية التي تبدو وكأنها مردودة إلى أسباب جسدية، إنما أصلها في الواقع نفسي ويعود بالذات إلى غيرة الطفل. إلى شعوره بالإهمال, إلى افتقاده للمحبة. وميل بعضهم إلى العناد، والبكاء، والغضب والتخريب يرجع إلى حاجتهم للمحبة وشعورهم بافتقادها. ولا شك أن الجو العائلي وما يكتنفه من نوعية العلاقات كاضطراب الجوالبيتي. أو اضطراب علاقات الأب بالأم أو العكس، أو اضطراب علاقات الأخوة، أو اضطراب علاقات الأسرة بغيرها من الأسر. له علاقة كبيرة بجنوح الأطفال وتمردهم، كما أن افتقاد الطفل للمحبة يدفعه إلى الخروج على مجتمعه وميله إلى الانتقام منه. وليس هناك شيء يجعل الطفل مستقيم الطبع معتدلا في انفعالاته ورغباته، كانتظام الأسرة ورعايته بالمحبة والعطف١.
وعلينا أن نعلم أن الطفل يعتمد في كل شيء على مجتمعه، سواء كان مجتمع الأسرة أو المجال المحيط به، وأنه في حاجة إلى من يعينه على التمييز بين الخير والشر بين الصحيح والخطأ، بين الأخلاقي وغير الأخلاقي ويبين له ما يسمح به الدين والعادات والتقاليد وما تنهى عنه. إنه محتاج إلى تكوين شخصيته وتهذيب طباعه وبناء ذاته بناء يمكنه من أن يميز هو نفسه بين ما يجوز وما لا يجوز. وأن يقرر هو نفسه واجباته ويعرف حقوقه ويتصرف بوحي من ضميره. أي: يستطيع التحرر من معونة الآخرين. وهذا ما يمكن أن نسميه بالتربية الاستقلالية. التي تجعل من الطفل في مستقبل أيامه إنسانا قادرا
стр. 35
على الاعتماد على نفسه. وخوض الحياة بلا خوف ولا عقد، والتي تجعل منه إنسانا اجتماعيا قادرا على الإسهام في بناء مجتمعه والعمل على رقيه وتقدمه، ومهما يصنع الآباء لأولادهم من ثروة أو جاه أو سلطان، لا ينفعهم ذلك كما ينفعهم اعتمادهم على أنفسهم، وقدرتهم على تدبر الأمور الحياة وتخطي عقباتها.
والتربية الإسلامية تهتم بالطفل منذ ميلاده؛ لأنها ترى فيه الفطرة الإنسانية التي تنزع إلى الدين والإيمان، وأن أبواه هما اللذان يؤثران فيه عملا وقولا, وفي الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة, وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ . وقد خلق الله الإنسان متدينا لسليقته وفطرته، ولكن الأسرة هي التي تملي عليه إرادتها وفكرها فينطلق بهما إلى الحياة مؤمنا أو كافرا أو جاحدا أو زنديقا,
والدين عند الأطفال له جوانب خاصة بهم، حيث تجاربهم محدودة، ومعرفتهم قاصرة، وليس في استطاعتهم إدراك الأحكام العقلية، ولكن في استطاعتهم إدراك الأمور المحسوسة. فإذا كان جو الأسرة جوا دينيا تعلموا منه أمور الدين ومواقفه الإنسانية والاجتماعية، وإن كان غير ذلك نزعوا إلى أمور أخرى أبعدتهم عن فطرتهم. ومع ذلك يظل الطفل يفكر في الله بالطريقة التي تتفق مع فكره ومدركاته، ومن هنا كان دور المدرسة هاما ومؤثرا في تعليم الدين والتمسك به؛ لأنها تعوض النقص الذي قد يوجد في بعض البيوت، ويسبب للطفل صراعا بين فطرته وما يشاهده في بيئته التي يعيش فيها. ذلك الصراع الذي يصفه هوبكنز١ فيقول:
стр. 36
"عندئذ ينشب في الطفل صراع بين نوازعه الداخلية والمطالب الخارجية التي هي مقاصد وتوقعات الكبار، الذين هم بدورهم يعانون من حالة عدم طمأنينة وحالة قلق في سلوكهم مما ينتج عنه القلق والبلبلة والحيرة التي تسبب له تحويل طاقاته من مجراها الطبيعي الهادف لتحقيق وصيانة وتعلية الذات إلى مجرى شاذ غير طبيعي, قوامه الخنوع والخضوع أو العدوان أو العزلة، والنأي بجانبه والترفع على الآخرين والاستعلاء. وفي تلك البدايات الصغيرة وبوساطة تلك الضغوط والكظوم الملحة تنشأ النفس النيروزية بما تحويه من شعور بالنقص، أو نبذ الذات والنفور منها. أو الطموح الخيالي، أو شعور الانتقام والتربص بالآخرين مع جموح وجنوح بأن تكون كلمته دائما هي العليا، وكلمة غيره هي السفلى، ولكن ما هو أخطر من ذلك ... هو تسلط نازع أو باعث أو دافع جزافي لا يملك حياله دفعا لإشباع حاجاته.. وكثير من الأباء والمربين يسوغون سلوكهم على أساس أنه في صالح الطفل، بينما هو في الحقيقة يمثل اتجاههم الطبيعي في السلوك في مجالات إدراكهم التي تتحكم فيها قيم، قد لقنوها وتقبلوها جزئيا". ومن هذه الأفكار نستطيع أن نتصور دور البيت في تربية الطفل وإعداده إعدادا يتفق وحاجاته الدينية والاجتماعية والنفسية.
стр. 37
ب- في المدرسة:
ترى التربية الحديثة أن المدرسة ما وجدت إلا لتكون بيئة يمارس فيها المتعلم نشاطه، ويرتقي عن طريقها بميوله ورغباته. وتتحدد قدراته وإمكاناته. وبهذا تعد المدرسة بيئة أخرى ذات أهمية إلى جانب البيت تنظم فيها الفاعليات وترتب فيها الأعمال حتى تستثير الطفل للنشاط، وتحفزه إلى العمل، وتدفعه.
стр. 38
إلى اختيار ما يتفق ومواهبه. والمعلم في هذا كله يقوم بدور المهيئ للمحيط، المنظم للخبرة، المساعد للطفل على تحديد أهدافه وغاياته، واستغلال مواهبه وقدراته، والإفادة من إمكانيات المدرسة في تعليم نفسه وتثقيف ذاته وتدريب يده وعقله. وهو غير مطالب -في نظر التربية الحديثة- بالتدخل في نشاط الطفل إلا حين لا يجد مقرا من ذلك, وإذا تدخل فإنما ليدل ويرشد ويوجه لا ليلقن ويعلم. وهكذا يكون عمل المعلم قد اتخذ شكل الإعانة على التعلم لا شكل التعليم والتلقين, وتكون المدرسة مكانا يتعلم فيه الطفل ولا يعلم.
والذي يهدي المعلم في المدرسة الحديثة هو الحياة، حياة الطفل الحاضرة وطفولته أولا، وخصائص هذه الطفولة وحياته الخاصة ثانيا. وصفات هذه الحياة الخاصة وقدراته وميوله ثالثا. وما تتميز به هذه القدرات والميول من فردية رابعا. وأخيرا الحياة المقبلة للطفل وحاجاته فيها ومكانه الخاص منها، على أن تكون هذه الحياة المستقبلية تبعا للحياة الحاضرة ونتاجا من نتائجها١, وهكذا نجد أن المعلم يعد القدوة الذي تتمثل في سلوكه الصورة الحية للتعاليم التي يدعو إلى اتباعهم. ومعلم الدين بالذات لا يمكنه أن يمثل القدوة إلا إذا جعل الأطفال يحسون ويدركون أنه أول مطبق لتعاليم الدين. ولا يخفى علينا أن الطفل يرى في معلمه المثل الأعلى ويقوم بتقليده في العادات والحركات والأساليب. فإذا وجد تناقضا بين أعمال أستاذه وأقواله ضعفت قناعته بهذه الأقوال، واهتزت في نظره قيمة هذه التعاليم، والمربي الناجح يدرك أبعاد مكونات الطفل، فيحرص على أن يبدو أمامه بالصورة اللائقة علما وثقافة وخلقا، ويدرك أن الطفل لا يكتفي منه بالعلم والثقافة، وإنما يستكشف جوانبه العملية، ويعرف إن كان يعمل بتعاليم الدين ويشعر بمسئولية أمام الله
стр. 39
من كونه يلقي الأوامر والتعاليم من غير تمثل لها. وعندئذ يسقط المعلم وتسقط تعاليمه بعيدا عن وجدان التلاميذ، ولا تكون المدرسة إلا وسيلة لإدراك بعض المعارف النظرية التي لا وجود لها في التطبيق، ولا يخرج منها مجتمع متماثل قوامه العقيدة والأخلاق والمثل. وهذا ما نشاهده الآن في مدارسنا وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
وإذا كنا نشدد على القدوة الصالحة في شخصية المعلم، فإننا أكثر تشددا في الحرص على الثقافة الإسلامية، ومداومة الاطلاع على تفاسير القرآن وكتب الحديث والسيرة النبوية، والتعرف على أصول العبادات والأحكام الإسلامية. حتى يستطيع المعلم أن ينقل الصورة السليمة عن هذه المعارف إلى تلاميذه، وأن يتضح الفرق بينه وبين أطفاله في فهم أبعاد المواقف والقضايا الإسلامية. وقد لا أكون مغاليا إذا قلت إن كثيرا من معلمي التربية الإسلامية لا يقرأ القرآن قراءة صحيحة؛ وذلك لأنهم غالبا ما يكتفون بما تعلموه في معاهد التربية للمعلمين والمعلمات، ولا يتجهون بعد التخرج إلى المعرفة ينهلون منها وهي فيض لا ينتهي وخاصة في علوم القرآن وقراءاته وأساليبه.
стр. 40
الجو المدرسي وأثره في التربية الدينية:
إن المدرسة التي لا تهيئ لأبنائها جوا دينيا ينصهر فيه المعلمون والمتعلمون معا، لا يمكن أن تحقق شيئا من تعاليم الإسلام، عن طريق التلقين والموعظة والامتحانات والتقويم وغير ذلك مما يقوم به البعض عادة بحكم الوظيفة والمهنة. والدين كما يجب أن يعرف سلوك وتطبيق. لا أقوال ورموز، لذلك يجب أن يكون في كل مدرسة ابتدائية مصلى وأن يذهب الأطفال والمعلمون إلى هذا المصلى في أوقات الصلاة، وأن تقام الندوات والمناظرات