"عندئذ ينشب في الطفل صراع بين نوازعه الداخلية والمطالب الخارجية التي هي مقاصد وتوقعات الكبار، الذين هم بدورهم يعانون من حالة عدم طمأنينة وحالة قلق في سلوكهم مما ينتج عنه القلق والبلبلة والحيرة التي تسبب له تحويل طاقاته من مجراها الطبيعي الهادف لتحقيق وصيانة وتعلية الذات إلى مجرى شاذ غير طبيعي, قوامه الخنوع والخضوع أو العدوان أو العزلة، والنأي بجانبه والترفع على الآخرين والاستعلاء. وفي تلك البدايات الصغيرة وبوساطة تلك الضغوط والكظوم الملحة تنشأ النفس النيروزية بما تحويه من شعور بالنقص، أو نبذ الذات والنفور منها. أو الطموح الخيالي، أو شعور الانتقام والتربص بالآخرين مع جموح وجنوح بأن تكون كلمته دائما هي العليا، وكلمة غيره هي السفلى، ولكن ما هو أخطر من ذلك ... هو تسلط نازع أو باعث أو دافع جزافي لا يملك حياله دفعا لإشباع حاجاته.. وكثير من الأباء والمربين يسوغون سلوكهم على أساس أنه في صالح الطفل، بينما هو في الحقيقة يمثل اتجاههم الطبيعي في السلوك في مجالات إدراكهم التي تتحكم فيها قيم، قد لقنوها وتقبلوها جزئيا". ومن هذه الأفكار نستطيع أن نتصور دور البيت في تربية الطفل وإعداده إعدادا يتفق وحاجاته الدينية والاجتماعية والنفسية.
стр. 37
ب- في المدرسة:
ترى التربية الحديثة أن المدرسة ما وجدت إلا لتكون بيئة يمارس فيها المتعلم نشاطه، ويرتقي عن طريقها بميوله ورغباته. وتتحدد قدراته وإمكاناته. وبهذا تعد المدرسة بيئة أخرى ذات أهمية إلى جانب البيت تنظم فيها الفاعليات وترتب فيها الأعمال حتى تستثير الطفل للنشاط، وتحفزه إلى العمل، وتدفعه.
стр. 38
إلى اختيار ما يتفق ومواهبه. والمعلم في هذا كله يقوم بدور المهيئ للمحيط، المنظم للخبرة، المساعد للطفل على تحديد أهدافه وغاياته، واستغلال مواهبه وقدراته، والإفادة من إمكانيات المدرسة في تعليم نفسه وتثقيف ذاته وتدريب يده وعقله. وهو غير مطالب -في نظر التربية الحديثة- بالتدخل في نشاط الطفل إلا حين لا يجد مقرا من ذلك, وإذا تدخل فإنما ليدل ويرشد ويوجه لا ليلقن ويعلم. وهكذا يكون عمل المعلم قد اتخذ شكل الإعانة على التعلم لا شكل التعليم والتلقين, وتكون المدرسة مكانا يتعلم فيه الطفل ولا يعلم.
والذي يهدي المعلم في المدرسة الحديثة هو الحياة، حياة الطفل الحاضرة وطفولته أولا، وخصائص هذه الطفولة وحياته الخاصة ثانيا. وصفات هذه الحياة الخاصة وقدراته وميوله ثالثا. وما تتميز به هذه القدرات والميول من فردية رابعا. وأخيرا الحياة المقبلة للطفل وحاجاته فيها ومكانه الخاص منها، على أن تكون هذه الحياة المستقبلية تبعا للحياة الحاضرة ونتاجا من نتائجها١, وهكذا نجد أن المعلم يعد القدوة الذي تتمثل في سلوكه الصورة الحية للتعاليم التي يدعو إلى اتباعهم. ومعلم الدين بالذات لا يمكنه أن يمثل القدوة إلا إذا جعل الأطفال يحسون ويدركون أنه أول مطبق لتعاليم الدين. ولا يخفى علينا أن الطفل يرى في معلمه المثل الأعلى ويقوم بتقليده في العادات والحركات والأساليب. فإذا وجد تناقضا بين أعمال أستاذه وأقواله ضعفت قناعته بهذه الأقوال، واهتزت في نظره قيمة هذه التعاليم، والمربي الناجح يدرك أبعاد مكونات الطفل، فيحرص على أن يبدو أمامه بالصورة اللائقة علما وثقافة وخلقا، ويدرك أن الطفل لا يكتفي منه بالعلم والثقافة، وإنما يستكشف جوانبه العملية، ويعرف إن كان يعمل بتعاليم الدين ويشعر بمسئولية أمام الله
стр. 39
من كونه يلقي الأوامر والتعاليم من غير تمثل لها. وعندئذ يسقط المعلم وتسقط تعاليمه بعيدا عن وجدان التلاميذ، ولا تكون المدرسة إلا وسيلة لإدراك بعض المعارف النظرية التي لا وجود لها في التطبيق، ولا يخرج منها مجتمع متماثل قوامه العقيدة والأخلاق والمثل. وهذا ما نشاهده الآن في مدارسنا وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
وإذا كنا نشدد على القدوة الصالحة في شخصية المعلم، فإننا أكثر تشددا في الحرص على الثقافة الإسلامية، ومداومة الاطلاع على تفاسير القرآن وكتب الحديث والسيرة النبوية، والتعرف على أصول العبادات والأحكام الإسلامية. حتى يستطيع المعلم أن ينقل الصورة السليمة عن هذه المعارف إلى تلاميذه، وأن يتضح الفرق بينه وبين أطفاله في فهم أبعاد المواقف والقضايا الإسلامية. وقد لا أكون مغاليا إذا قلت إن كثيرا من معلمي التربية الإسلامية لا يقرأ القرآن قراءة صحيحة؛ وذلك لأنهم غالبا ما يكتفون بما تعلموه في معاهد التربية للمعلمين والمعلمات، ولا يتجهون بعد التخرج إلى المعرفة ينهلون منها وهي فيض لا ينتهي وخاصة في علوم القرآن وقراءاته وأساليبه.
стр. 40
الجو المدرسي وأثره في التربية الدينية:
إن المدرسة التي لا تهيئ لأبنائها جوا دينيا ينصهر فيه المعلمون والمتعلمون معا، لا يمكن أن تحقق شيئا من تعاليم الإسلام، عن طريق التلقين والموعظة والامتحانات والتقويم وغير ذلك مما يقوم به البعض عادة بحكم الوظيفة والمهنة. والدين كما يجب أن يعرف سلوك وتطبيق. لا أقوال ورموز، لذلك يجب أن يكون في كل مدرسة ابتدائية مصلى وأن يذهب الأطفال والمعلمون إلى هذا المصلى في أوقات الصلاة، وأن تقام الندوات والمناظرات
стр. 41
الدينية بصورة دائمة بحيث تتفق وعقول التلاميذ وتتلاءم مع حاجاتهم وأفكارهم وتصوراتهم عن الله والرسل والكون والعالم الآخر, وغير ذلك مما تعبر عنه أسئلتهم في الدروس وخارجها. ويجب أيضا أن يوجه التلاميذ إلى نشاط ديني يمارسونه بصورة جادة وهادفة، كما يمارسون الألعاب والتربية البدنية. وذلك كأن يسند إليهم تنظيم المسجد ومكتبته والمساهمة في رعايته وتنظيفه والإشراف عليه، وأن نحفزهم على إعداد كلمات في المناسبة الدينية ونوليهم الاهتمام بقراءتها وتقديرهم عليها، ومساعدتهم على إبراز هذه الكلمات في مجلات للحائط, وأن تكون المكتبة الإسلامية المبسطة رفيقة لهم في كل صف ومع كل مرحلة. وإن كانت الكتب الدينية التي تليق بمستوى تلاميذ المرحلة الابتدائية قليلة، فإن الأمل كبير أن يتجه بعض الكتاب الإسلاميين إلى وضع مثل هذه الكتب. وأن يعتمدوا في منهجهم على أحداث السيرة النبوية ومواقف الصحابة، وقصص القرآن، وسير عظماء الإسلام والقادة والدعاة. واهتمام المدرسة بإعداد تمثيليات دينية يقوم فيها التلاميذ بتمثيل أدوار البطولة في الإسلام، له أثر كبير في خلق روح العظمة عند الأطفال، وتوجيههم إلى حب الرسول ﷺ وصحابته عن طريق التقليد والمحاكاة. لأن هذا طبع الأطفال، يحبون البطولة ويميلون إلى تقليدها, وبدلا من أن نتركهم يقلدون ما يرونه على شاشة السينما والتلفزيون ويتصورون أن هذه الأشياء هي غاية ما يمكن أن يتمثلوا به في حياتهم. نبين لهم أن هذه بطولات مصطنعة. أما البطولة الحقيقية فقد كانت عند رسول الله ﷺ وصحابته، وعند القادة والزعماء والدعاة الإسلاميين في مختلف العصور.
والطرق التربوية الحديثة تتفق وأهداف التربية الإسلامية. فإذا أردنا تطبيق أحد هذه الطرق في التربية الإسلامية وجدنا لها مجالا خصبا في تعاليم الإسلام.
стр. 42
فمثلا:
١- طريقة حل المشكلات:
يعرض فيها المعلم مشكلات يطلب من التلاميذ التوصل إلى حلها، ويساعدهم في التوصل إلى الحل الصحيح، ولا يخفى علينا أن تعاليم الإسلام وتشريعاته كلها جاءت حلا لمشكلات الحياة حاضرها ومستقبلها، وكان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ بالإجابة على مشكلة تعترض المسلمين، أو موقف في الحياة يحتاج إلى تفسير وتحليل. وعلى المعلم أن يصل إلى ما يريده من التعاليم والأحكام من خلال هذه المشكلات، وأن يربط المشكلة بالحكم الإسلامي الذي يريد بيانه للتلاميذ.
٢- طريقة المشروع:
أ- وهي طريقة تقوم على انتقاء مشروع ما أو عدة مشاريع وإعدادها من قبل المعلم، ثم يعرضها على التلاميذ ليختاروا منها ما يتلاءم معهم.
ب- تنظيم خطة المشروع، وتوزيع الأدوار والعمل.
ج- تنفيذ الخطة.
د- تقويم المشروع والنظر في النتائج التي تنجم عنه، وفيما توصل التلاميذ إليه من أهداف ونتائج.
ويجب أن تسير هذه الخطوات في جو من التعاون والتآلف بين التلاميذ والمعلم, ويمكن تطبيق ذلك بنجاح في دروس السيرة النبوية، فنأخذ مثلا هجرة رسول الله، أو غزوة بدر, أو فتح مكة, أو صلح الحديبية أو غير ذلك من أحداث السيرة. ونضع مسرحيات يحفظها التلاميذ ويتمرن جميع التلاميذ على إلقائها ثم نختار أحسنهم للتمثيل. ويهتم الآخرون بالأعمال المتصلة بالمسرحية. كإعداد المسرح. وتجهيز الملابس. والإشراف على الأنوار والمقاعد وغير ذلك
стр. 43
مما يشيع روح التعاون والمحبة بين الجميع.
٣- طريقة الوحدات:
وهذه الطريقة تهتم بالربط بين معلومات المنهج في مواد مختلفة وتجميعها حول هدف نظري واحد وقد تطبق خطوات المشروع في طريقة الوحدات. وقد تعين في المنهاج فلا يبقى إلا رسم الخطة وتنفيذها. فمثلا: يمكن أن يكون التعرف على المسجد ووظيفته وما يقام فيه من عبادات وما يلقى فيه من خطب وتعاليم وحدة معينة في المنهج، أو أعدت على طريقة المشروع. ودراسة هذه الوحدة سوف تجعلنا نتطرق إلى دروس الحديث والسيرة والتهذيب والصلاة بأنواعها, وأثر العقيدة في هذه العبادات وما يتصل بهذه الأشياء من القرآن الكريم والأدلة عليها. وكذلك دراسة تاريخ المساجد والصحابة, وفيها يقوم التلاميذ بزيارة المساجد ومقابلة الخطباء وبعض المصلين والتعرف بأنفسهم على كل ما يتصل بها.
стр. 44
الدين وعملية الضبط الاجتماعي:
يفرض الدين على كل فرد طائفة من الواجبات يؤديها لمجتمعه فيوفر له أسباب الحياة السعيدة ويسهم في بنائه على أسس قوية سليمة. ومن هذه الواجبات ألا يخرج عن الجماعة، وألا يشق عصا الطاعة وأن يتعاون مع أبناء جنسه. وأن يكون عنصرا إيجابيا في وحدتهم وقوتهم وألا يضن بفضل ماله على المحتاج منهم، وأن يرعى حق الجوار، وأن يكف يده ولسانه عن أذى الناس، وأن يطيع ولاة الأمر فيما ليس فيه معصية للخالق.
والدين يدعو إلى تهذيب النفوس وحسن المعاشرة ومعاملة الناس معاملة
стр. 45
تتفق ومبادئ الدين وسماحته. يحترم والديه وأقاربه ويبرهم، يواسي إخوانه ويساعدهم، يقوم بحقوق أهله وزوجه وعشيرته. يحسن تربية أبنائه ورعايتهم، يثقف عقولهم ويهذب نفوسهم، لا يؤذي جاره في نفسه أو عرضه أو ماله، لا يغتاب أحدا ولا يكون نماما واشيا، لا يكذب إذا حدث، ولا يخلف إذا وعد، لا يخون إذا اؤتمن، صادقا وفيا أمينا، لا يغش إذا باع أو اشترى. لا يطفف كيلا ولا ميزانا, لا يماطل أحدا في دينه ولا يبخسه حقه. إذا عهد إليه في عمله أتقنه وأداه على أكمل وجه في غير تسويف ولا تأخير. إذا تولى أمر الناس أحسن رعايتهم ولم يغفل عن النظر في مصالحهم والعدل فيما بينهم، ولم يكن لغير الحق سلطان على نفسه، فلا يحابي العظماء والأقوياء ولا يضيع حقوق الضعفاء والفقراء.
فالدين يضع الضوابط الاجتماعية التي تكفل الأمن والسلام للناس. ويعمل بروحانيته على التأثير في نفوس البشر، فيهذبهم ويوجههم وجهة الخير ويسمو بوجدانهم. ويرتقي بميولهم، ويعلي غرائزهم، ويعدل طباعهم فيجعلها متفقة ومنهج الخير العام الذي يحقق مصلحة الناس وسعادتهم. والدين وحده هو الذي يؤلف بين القلوب، ويدعم الوحدة بين النفوس ويخلق من المجتمع قوة متماسكة، يخشى بأسها ويرهب جانبها؛ لأن هذه الرابطة الدينية إنما تستمد قوتها من امتزاج الأرواح والإخلاص لله وتطهير القلوب. وهي التي تجعل التعاون في سبيل غاية سامية، يهيم بها الوجدان، وتهفو إليها الأفئدة لا تشوبها الأكدار المادية، والأطماع الدنيوية، ولا تزلزلها الأحداث والمحن.
وإذا نظرنا إلى أسرة مترابطة متآلفة على أسس من الدين، وجدنا بناءها يقوم على المحبة في الله، والإخلاص من أجله. والتعاون في سبيله فلا تستطيع أحداث الدهر أن تحطمها أو تفرق بينها. أما الذين يعيشون على المنفعة والغايات
стр. 46
الدنيوية، فإنك تراهم عند أول هزة اجتماعية، تمزقوا وصاروا أعداء. الولد مع أبيه والزوج مع زوجته والأخ مع أخيه، فإذا أردنا أن نقيم بناء أسريا سليما واجتماعيا ثابتا، فلا بد أن تكون الرابطة هي رابطة الدين، وأن يكون الحب فيها لله وحده، حتى يظل أثر ذلك ممتدا عبر الأجيال، وحتى لا تنهار الوحدة الأسرية والاجتماعية.
стр. 47
الدين من أبرز عناصر الثقافة:
الناظر في تعاليم الإسلام يجد أنها تحوي بين عناصرها كل الأسس الفكرية والنفسية والأخلاقية. وليس هذا رأينا فحسب، وإنما هو رأي معظم فلاسفة البشر المعتدلين, منذ جاءت الرسالة المحمدية إلى الأرض حتى الآن.
والعناصر الثقافية للمواد الإنسانية مجتمعة إنما هي تلك العناصر التي تعمل على تكوين الإنسان تكوينا فكريا وروحيا وأخلاقيا واجتماعيا, كما أنها تساعده على مواجهة الحياة مواجهة قائمة على التطبيق والتجربة. والإسلام بمضمونه العام جاء شاملا لكل هذه الأشياء، فهو يعطينا أصدق المثل على فهم الأرض والسماء معا. يصور لنا الحقائق ويعطي عليها التطبيق يضرب المثل ويسوق الرموز الدالة عليه، قوانينه شملت كل جوانب الحياة، حتى إن أي قانون بشري جاء بعد الإسلام كان عالة عليه ومقتبسا منه، ونحن نشاهد ذلك كثيرا في القوانين المعمول بها في معظم بلاد العالم.
والثقافة الإسلامية تقوم أساسا على ثلاثة أمور:
١- القرآن الكريم كعنصر أساسي ودائم لا ينتهي.
٢- الحديث الشريف كتحليل عملي وتطبيقي لحياة المسلم الحق.
٣- الأدب العربي في عصوره المختلفة.
стр. 48
لذلك فلو نظرنا إلى الثقافة الإسلامية نظرة موضوعية لوجدنا أن الدين أبرز عناصر هذه الثقافة ووجدنا تعاليم الإسلام تتصل بحياتنا اليومية، حتى إن المرء المسلم لو أراد أن يقوم بعملية إحصائية لإعماله وأقواله لوجدها على الرغم منه تقوم على عناصر الثقافة الإسلامية السابقة الذكر، وهذا شأن العقائد منذ عرف الإنسان الأول كلمة العقيدة.
стр. 49
الدين والشخصية المتوازنة:
يحتاج الأمر منا أولا قبل أن ندخل إلى صلة الدين بالشخصية المتوازنة أن نفسر ما معنى التوازن.
التوازن بالنسبة للإنسان هو أن يستطيع أن يأخذ من مادية الحياة ما يقوم بأمره، كما يأخذ من الروحانية ما يربطه بربه، فالوجود كما نعلم خاضع لقوة إلهية عليا، تلك القوة خلقت الكون متوازنا، فجعلت الليل والنهار، الدفء والبرودة، المطر والجفاف، النجوم والأفلاك. كل هذه المخلوقات مع عظمتها وجبروتها متوازنة لو اختل شيء منها فسدت الحياة وربما ضاع هذا الكون كله.
والإنسان وحده دون هذه المخلوقات كلها، هو صاحب الإرادة الحرة، وله الكثير من الاختيار، لذلك نراه في مواضع متعددة غير متوازن. فهذا عبد للمادة، وذاك أسير لشهواته، وغيرهما منعزل عن الحياة، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن كلا من هؤلاء لم يعرف حقيقة الدين.
فالدين -أي: دين- في جوهره يدعو إلى أن يكون المرء متوازنا، يتصل بالحياة كما يتصل بالله، يعمل لدنياه كما يعد لأخراه والدين الإسلامي بالذات
стр. 50
من أكثر الأديان تحديدا لمعنى التوازن. فهو في تعاليمه يبين أن الحياة جهاد وعمل يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدعو الإنسان إلى العمل الدائب في الحياة، على أن يكون العمل خالصا لوجه الله والحق.
ولو نظرنا إلى قول الله ﵎: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ لو نظرنا إلى هذه الآيات لوجدنا أنها ترسم صورة كاملة للإنسان المتوازن في الإسلام، الذي لا يغيب عن ربه، يصون مجتمعه، ويحفظ عرضه، وينأى بنفسه عن الظلم ويترفع عن الرذائل، وبالجملة فهو إنسان متوازن نفسيا واجتماعيا وأخلاقيا.
стр. 51
الدين والقيم:
حدد الدين الإسلامي قيما أساسية، وترك المرء الاجتهاد في قيم أخرى فرعية، ومن قيمه الأساسية، أنه أحل البيع وحرم الربا وطلب من المتداينين أن يكتبوا الدين بينهم حتى لا يقعوا في غبن أو خداع، أحل الطيبات وحرم الخبائث، دعا إلى العدل ونهى عن الظلم والجور, وطلب القصاص وحدد الإنصاف، جعل الناس سواسية لا يتفاضل أحدهما عن الآخر إلا بالتقوى، أعطى الإنسان القدرة وحاسبه في أي شيء بذلها، منحه المال وسأله في أي وجه أنفقه، طلب منه الإنفاق في وجوه الخير، ومنعه من التبذير في أوجه الشر، وأنزل الفرائض
стр. 52
لتكون مقياسا على تمسك الإنسان بما أمره الله به, ولكي تكون حكما بين نفسه وهواه.
ومن الحقائق المعروفة أن الرغبة الدائمة والملحة على الإنسان هي رغبة الوجود، وكل مغامرات الإنسان الطويلة ليست -في أقصى غاياتها- إلا طريقا لتحقيق وجوده، ومن ثم لإدراك معنى الوجود. وقد أخذت هذه المغامرات أشكالا مختلفة، فهي تتمثل مرة في البحث عما نسميه الحقيقة، وأخرى في البحث عن الله وثالثه في محاولة تفهم ما النفس، وإذا نحن ترجمنا هذه المحاولات في إطار أعم أمكننا أن نتمثلها في علاقة الإنسان بالكون، وعلاقته بالله، وعلاقته بالإنسان نفسه.
وقد حدد الإسلام هذه العلاقات في إطار عام من القيم الاجتماعية والروحية والأخلاقية، وكانت أنواع العبادات مظهرا مجسما لهذه القيم, ومحددا لها في سلوك دائم لا ينقطع عنه الإنسان، ولا ينفك منه إلا إذا خرج على عقيدته وتحلل من قدسية الدين. ومن خلال هذه العلاقات الدائمة بين العبد وربه تبدو المواقف الثانوية من النظر في الحياة والموت في الحب والكره، في الخلود والفناء، في الشجاعة والخوف، في النجاح والإخفاق، في العدل والظلم، في الفرح والحزن وكل هذه المعاني مستقرة في الضمير الإنساني، وقد استقرت فيه منذ وقت مبكر، منذ أن تبلورت التجربة الإنسانية في العقيدة الدينية، وجاء الإسلام منظما لكل هذه العلاقات مرتقيا بها إلى أقصى غايات السمو النفسي والعقلي والروحي، وعلى الرغم من أنها استقرت في ذاكرة ذاك الإنسان التي تكونت عبر التاريخ وانطبعت آثارها في عاداته المجتمعية، إلا أن الإسلام وضع لها سبل الكمال، وجعلها محببة إلى نفوس المؤمنين، كما يسرها عليهم. ففي الكلمة الطيبة صدقة، وفي إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وفي النية الخالصة أجر،
стр. 53
وفي قول الصدق ثواب، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمال، ولا شك أن كل هذه القيم جاءت مرتبطة بالدين وبالعقيدة، محددة لشخصية المسلم وفارقة بينه وبين غيره من ذوي العقائد الأخرى.
стр. 54
الإسلام والإنسان:
الدين الإسلامي يسمو بالإنسان ويرفعه فوق كل الكائنات, فالطبيعة مسخرة له ولمنفعته، يستخدم في معرفة قوانينها عقله ويعمل فيها فكره, وبذلك فك القيود عن روح الإنسان وعقله جميعا، وأطلق طاقاته تبدع في الحياة ما أمكنتها القوة والقدرة، وقد دلت الآيات الكريمة في مواضع كثيرة من القرآن على سمو الإنسان، وأنه يفضل سائر المخلوقات فقد خلق في ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ومنحه الله من القدرات الذهنية والجسدية ما جعل كل عنصر في الطبيعة في خدمته يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ .
وفي مواضع كثيرة يبين القرآن أن الإنسان وحده من دون المخلوقات هو خليفة الله في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ فالإنسان خليفة الله على الأرض، أحسن خلقه، وأبدع صنعه، وجعل كل ما في الوجود مسخرا له. وحمله من الأمانات ما لم تستطع حمله السموات والأرض والجبال ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ .
فالإسلام يعتد بحرية الإنسان وكرامته وحقوقه، وقد جاء والاسترقاق منتشر ومتأصل في جميع الأمم، فدعا إلى تحرير العبيد وتخليصهم من ذل
стр. 55
الرق، وحرض المؤمنين القادرين على إعتاق الرقاب وفك أسارها، وجعل الكفارة في أكثر من موضع "عتق رقبة" وبالجملة فقد قضى على تلك العادة المذمومة التي كانت منتشرة بين الناس، ووسع في حقوق الإنسان واحترمها حتى في الدين نفسه قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فللإنسان كامل الحرية فيما يختار من الأديان والعقائد، وهو وحده المسئول عن عقيدته وعمله، وإن كان المسلمون قد قاتلوا فإنما دفاعا عن دين الله لا للعدوان أو إكراه الغير للدخول في الإسلام قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ويقول : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ . وقد أمر الرسول ﷺ المسلمين في حروبهم ألا يقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة، وأن يصونوا لأهل الذمة كنائسهم ومعابدهم، وأن تترك لهم الحرية في ممارسة عباداتهم، وجاء الخلفاء الراشدون من بعده فحافظوا على عهده ومبادئه، وليس هناك من ينكر موقف عمر بن الخطاب من أهل بيت المقدس، فقد "أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم, لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ولا من صليبهم ولا من شيء من أمولهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم"١ وقد تكرر مثل ذلك العهد مع كثير من أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون داخل بلاد الشام أو الذين فتحت بلادهم بعد أن أغاروا على المسلمين أو هددوا حدودهم ودينهم.
وبنظرة شاملة إلى تلك القيمة الإنسانية في الإسلام يتبين لنا أن الإسلام دين السلام والعدل والمحبة، وأن القوة فيه لا تستخدم إلا في موضعها،
стр. 56
وأنه الدين الوحيد الذي قام وسيظل قائما على المبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ . ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
ويرى المنصفون من أهل العلم أن الحياة المتفقة مع التعاليم الإسلامية حياة أخلاقية لا غبار عليها؛ ذلك لأنها تتطلب الرحمة نحو جميع مخلوقات الله والوفاء بالعهود وكف غرائز الإنسانية.
وكما يحرص الإسلام على الآخرة لا يهمل الدنيا ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ . والإنسان مأمور في الإسلام بالطاعة والأعمال الصالحة ولكن بلا تشدد ولا قسوة. فالاستقامة في الدين كما يقول القابسي "مداومة المقام فيه لا ينكب عنه يمينا ولا شمالا ولا يلتزم منه ما لا يطيقه" وفي حديث الرسول: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون" فالإسلام يرفض المغالاة وينادي بالتوسط "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه". وإذا عاش الإنسان معيشة صالحة في هذه الدنيا فإنه يبلغ درجة رفيعة في الآخرة، ولهذا اشتمل القرآن الكريم على كثير من المسائل الدنيوية المنوعة.
الإسلام والمجتمع:
جاء الإسلام في زمن تفشت فيه العصبية واتسم بالجبروت والطغيان، وتكالب الناس فيه على الباطل تسوقهم إليه عقائد فاسدة وعادات دنيئة فقضى على العصبية وحل محلها مبدأ التسامح والمحبة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وأزال روح القبلية من بنيه لتوجد فكرة الأمة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
стр. 57
الإسلام والمجتمع:
جاء الإسلام في زمن تفشت فيه العصبية واتسم بالجبروت والطغيان، وتكالب الناس فيه على الباطل تسوقهم إليه عقائد فاسدة وعادات دنيئة فقضى على العصبية وحل محلها مبدأ التسامح والمحبة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وأزال روح القبلية من بنيه لتوجد فكرة الأمة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
стр. 58
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ . أمة أخوة الإيمان فيها فوق أخوة النسب، فترابط الناس وأصبحوا أسرة واحدة تمتد أعماقها في كل جنبات المجتمع الإسلامي، يتألم المسلم لألم أخيه، كما يفرح لفرحه يتعاونون على الخير آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، يسودهم البر والتعاطف "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" يتكافأ الناس فيه في الحقوق والواجبات فلا ميزة لحسب أو نسب، ولا لجاه أو سلطان الكل سواء في العبادات والمعاملات لا يتمايز أحدهم عن الآخر إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
وهكذا أوجد الإسلام أمة لا يعيش أفرادها لأنفسهم وإنما يعيشون لأمتهم يفدونها بالروح والمال، والزكاة في الإسلام أكبر مظهر من مظاهر التضامن الاجتماعي، الذي يعمل على توحد القلوب وإزالة الأحقاد، وقد أوجب الدين فيه على كل شخص أن يقدم من ماله سنويا قرضا مكتوبا عليه للفقراء ولبناء المرافق العامة في الدولة، هذا فضلا عن الصدقات التي حث عليها القرآن وآثاب فاعليها ثوابا مضاعفا في الدنيا والآخرة ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وهكذا جعل الإسلام للفقراء حقا معلوما في أموال الأغنياء، ورغب القادرين في التعامل مع الله بالعناية بالضعفاء ومنحهم من أموالهم ما يعينهم على الحياة ويدفع عنهم الحاجة والعوز, وقد تسابق المؤمنون في هذا الميدان حتى رأينا منهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وشاعت في المجتمع الإسلامي روح المحبة، الكل يتسابق لإغاثة الملهوف، وتفريج كربة المكروب، وتأمين الخائف، وإشباع الجائع، والمساهمة
стр. 59
الدائمة في إقامة المصالح العامة, وقد حرص الإسلام على تنظيم العلاقات بين الناس حفاظا على الكيان الاجتماعي وصيانة له من التمزق والاضطراب، كالميراث والتجارة والزراعة والصناعة، وثبت على مدى التاريخ الإسلامي سلامة الأسس والمبادئ التي جاء عليها نظام الميراث في الإسلام، وكانت الأوامر الإلهية واضحة في العمليات التجارية، فلا غش ولا خداع ولا استغلال ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وقد أوجب للعامل أجرا يتقاضاه جزاء عمله، كما حثه على الإخلاص في العمل والتفاني في إجادته ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وهكذا تناولت التعاليم الإسلامية كل جوانب المجتمع بما يكفل له الأمن والاستقرار, ولكي تكتمل الصورة الاجتماعية في إطارها الصحيح نظم الإسلام علاقة الرجل بالمرأة، وقد كانت المرأة في الجاهلية مهضومة الحقوق محبوسة الإرادة، ففك الإسلام أسارها، وجعل لها ما للرجل من الحقوق وعليها ما عليه من الواجبات ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ . وجعل كرامة المرأة وصيانتها شيئا أساسيا لبناء المجتمع، فحرم البغاء وشدد في عقاب الزنا إلى حد القتل. ورغب في الزواج وجعله فريضة محببة إلى الله، ونظم تلك العلاقة الزوجية بما يجعلها وحدة متماسكة روحا وجسدا ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ وفي حجة الوداع وجه الرسول ﷺ هذا النداء إلى الناس جميعا "أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم عليهن حق، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم, وإن لا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة مبيتة، فإن
стр. 60
فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف, وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله. فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا" ووضح الإسلام نظام العلاقة إذا ما انفصلت الحياة الزوجية فللمرأة حقوق لا تنتقص من نفقة وأجرة إرضاع وصداق ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ، وهكذا نجد أن الإسلام قد نظم المجتمع تنظيما دقيقا يكفل له السعادة والأمن، مما يجعله مجتمعا متآلفا ومتعاونا في طريق الخير والسلام والمحبة.
стр. 61
الدين ومشكلات الفكر والاعتقاد والحياة:
مشكلات الفكر متعددة الجوانب: فهناك الفكر المادي، والفكر الروحي. والفكر الذي يجمع بين الأمرين معا. وقد عاشت الأمم قبل الرسالات السماوية في إطار الفكر المادي وحده، تتنازعها الأهواء والرغبات المتعلقة بحياتها المعيشية. وحتى عصرنا هذا توجد أمم تحيا على هذا الفكر؛ ولأنه فكر يتعلق بجانب واحد من جوانب الوجود، أرسل الله الرسل بتعاليم ومبادئ تنتشل الإنسان من هذه الهوة المادية التي تجعله عبدا لترابية الأرض لا سيدا لها، فعرف الفكر الروحي، وسلك الناس فيه مسالك تنوعت واختلفت باختلاف العصور والأفراد. فوجد المغالون والمعتدلون، حتى جاء الإسلام منظما للفكر الإنساني تنظيما يجعله متوازنا بين الروحية والمادية.
والدين في حقيقته نزعة فطرية في الإنسان من يوم خلق الله الدنيا وهو أنجح الوسائل لتهذيب الفكر، وجعله فكرا ينشد الغايات الإنسانية العليا بعيدا عن الاضطراب والفوضى، فهو الذي يستغل الميل الفطري في الإنسان في غرس الخلق الكريم في نفسه، وتوجيه سلوكه وجهة الخير، وقد أخذت الأمم الناضجة منذ أقدم الأزمنة أديانا لها تعتمد على تعاليمها في حياتها الخلقية والاجتماعية؛ لأن الدين يدعو إلى صيانة الأمم. وجاء الإسلام خاتما للأديان كلها، فكان أعلاها في كل شيء. فلا عصبية في الإسلام، ولكن رابطة أخوية تجمع بين بني الإنسان، وتوجههم إلى وجهة واحدة، هو الإيمان بخالق
стр. 62
السموات والأرض والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، وهذا ولا شك يؤدي إلى تماثل في المجتمع، وتوحد في عقيدته, واستقامة في حياته، وقد كانت الأمم الأولى التي شقت طريقها نحو العقائد الدينية الصحيحة من أنضج الأمم وأحسنها مسلكا في حياتها، وأنظمها في العلاقات الاجتماعية بين أبنائها، كما أكسبها الدين قوة مادية ومعنوية جعلتها مرهوبة الجانب مخشية البأس، على العكس من الأمم الوثنية، فقد كانت تعمها الفوضى، وتعتريها الفتن، وتتغير عقائدها بتغير الأفراد والقائمين بأمرها. وفي الدين الإسلامي ما يشيع الخشوع في النفوس لله، والرغبة في ثوابه، والخوف من عقابه فتسلك طريق الهدى والرشاد راضية مختارة، وتنأى عن الغواية والضلال عن يقين وحجة. والدين الإسلامي فوق إنه عقيدة عامة لبني الإنسان هو دين معرفة وسلوك ونظام اجتماعي. ومن هنا كانت "التربية الإسلامية" ليست مادة كباقي المواد الدراسية، المقصود منها هو كسب المعلومات وتنميتها، وإنما المقصود هو إثراء الروح والتأثر بتعاليم الإسلام والسير على هداها. ونحن لا نعتبر مدرس الدين ناجحا بمقدار ما يحصله تلاميذه من آيات وأحاديث وأفكار إسلامية، وإنما يقاس نجاحه بمدى ما انطبع في نفوس تلاميذه من العقائد الصحيحة والأهداف الإسلامية، والمثل والغايات التي جاء بها، وأن يتعلق التلاميذ بهذه الأشياء حتى تصبح منهجهم في الحياة والعمل والسلوك. والمعارف الدينية تفقد قيمتها إذا لم تنعكس آثارها على حياة الطفل وتصرفاته، وإذا لم تصبح له سلوكا عمليا ودائما، يتجلى في يقظة ضميره وسمو وجدانه وتشبثه بالفضائل وتساميه عن الرذائل.
والعقيدة في الإسلام قائمة على الإيمان بإله منزه عن الشرك، منزه عن النقائص لا صاحبة له ولا ولد، منزه عن التشبيه الذي تسرب من بقايا الوثنية إلى الأديان الكتابية "من يهودية ومسيحية". ودعمت تلك العقيدة
стр. 63
بالأدلة العقلية التي تجعلها فوق الشبهات. وقد فتح القرآن الكريم المجال لتلك الأدلة بقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . فالله الذي يؤمن به المسلمون إله واحد، خلق الكون وأبدع صنعه لا شريك له ولا شبيه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهو رب العالمين خلق الناس جميعا ليتعارفوا ويتفاضلوا بالتقوى، فلا فضل بينهم لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وهو حكم عدل لا يأخذا إنسانا بذنب إنسان ولا يحاسب أمة خلقت بجريرة أمة سلفت ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فالإسلام دين الرحمة والعدل وتعاليمه توجه بني البشر إلى حياة فاضلة خالية من الأوهام والمخاوف، بعيدة عن الشك وزيفه، وبقدر ما يصنع المرء يسأل ويحاسب ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم﴾ فالإسلام جاء يصحح العقائد البشرية كلها ويتمم ما سبقه من ديانات الأمم الأخرى وحضاراتها ومذاهب فلاسفتها، وقد رسم للحياة الإنسانية طرق النجاة، وجعل لمن يريد السير بتعاليمه صادقا بابا مفتوحا دائما يمحو ما قبله من الخطايا ويزيل ما على الأقدام من غبار.
стр. 64
الدين والتربية الأخلاقية:
حرص الفكر الإنساني منذ أقدم العصور على البحث عن العوامل التي ترفع من قيمة الإنسان. وتجعله سويا أمام نفسه ومجتمعه الذي يعيش فيه ومن خلال هذا الفكر ظهر علم النفس وعلم الاجتماع، ولكل منهما وجهة يحاول أن يحقق من خلالها تلك الغاية التي أشرت إليها، فعلماء النفس يرون أن الشعور الفردي ذو أثر هام في حياة الإنسان، وأن المرء محدود بمزاجه وطبيعته، فلا يستطيع أن يفعل ما يفعل إلا وفق ما يقدر له استعداده وغرائزه، ونادوا بمراعاة الفروق الفردية والعناية في تربية الشواذ بدراسة غرائزهم وعواطفهم في تربية الممتازين على استخراج مواهبهم وتغذيتها عن طريق التسابق والدفع والإغراء والمكافأة والتقدير.
وقال علماء الاجتماع إن المجتمع هو كل شيء، والفرد لا تظهر قيمته ولا تتحدد أخلاقه إلا مع الجماعة؛ لأن الإنسان لا يتصف بأنه ذو أخلاق أو بأنه مجرد منها إلا إذا انغمس مع جماعة من الجماعات. وإن المواهب الفردية، طبيعية أو مكتسبة، لا تظهر آثارها إلا في الجماعة.
ومن خلال هذه الدراسات النفسية والاجتماعية ظهر "علم النفس الاجتماعي" محاولا أن يوفق بين النظريتين: الفردية والاجتماعية. فهو
стр. 65
يهم بالخصائص الفردية من الذكاء والمواهب إلى جانب الخصائص الاجتماعية التي تستمر في عمل دائب محاولة جذب الأفراد الذين يتمتعون بالقيم الفردية من التفوق والنبوغ ليعملوا مع الجماعة ولخيرها. سواء أكان تفوق الفرد من الوراثة الفردية أو الاجتماعية. ويرى علماء النفس الاجتماعي أن الفرد الممتاز إنما هو نتاج الجماعة. ومحصلة قيمها الأخلاقية والفكرية والاجتماعية.
وليست هذه النظريات التي أشرت إليها في إيجاز شديد وليدة إبداع فكر الغرب كما يدعون، وإنما ترجع في أصولها إلى القرآن الكريم ومبادئه الأخلاقية التي جاء يخاطب بها "الإنسان" في مواضع كثيرة ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ كما يخاطب بها الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَه﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ وبعد أن يحرك الشعور الفردي والجماعي بمخاطبة الفرد والجماعة يخص المؤمنين بالنداء تلو النداء الذي يدل على أهمية هؤلاء وامتيازهم وسط المجتمع الإنسان كله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم﴾ ، والقرآن حين يخاطب "الإنسان" لا يريد إنسانا من جماعة معينة، وإنما يريد كل إنسان على الأرض يحمل صفات الإنسانية وسماتها، فدعوته حتى وهي في مظهرها فردية، في حقيقتها جماعية؛ لأنها إنما تخاطب الإنسان أيا كان شكله أو لونه أو منهجه، فهو يدمج الفرد في الجماعة ويدمج الجماعة في الفرد بحيث يشعر الفرد أنه جزء من كل، ويشعر الكل أنه مؤلف من أجزاء متماسكة "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" فالإسلام يربي المؤمنين على التماسك، ويدعوهم إلى الرحمة والمودة ويوجد
стр. 66
بينهم الرباط النفسي والمادي الذي يجعلهم كمجموعة من الأعصاب تتأثر ببعضها وتختل باختلال إحداها. ومع رعايته للجماعة وتقريره الدائم لأثرهما الفعال لا يهمل الفروق الفردية، التي يعتمد عليها "علم النفس الاجتماعي" فمن مبادئه "خير الناس أنفعهم للناس" "لأن يهدي الله بك قوما أحب إليك من حمر النعم" ومن مبادئه أن المواهب القوية عليها أمانات تؤديها للناس عملا صالحا تبقي آثاره ويدوم نفعه، فالمؤمن الحق من كان خيره للناس علما وعملا. ونحن نستطيع أن نقول بغير تردد ولا خوف أن النظريات الأخلاقية التي تطورت في عصرنا الحديث هي أثر من آثار ما جاء في القرآن الكريم من المبادئ والأخلاق، وأن العلوم الإنسانية الحديثة أخذت الكثير من القرآن ولم تضف إليه شيئا. وحين يربي القرآن الفرد أخلاقيا، نراه يضع الإنسان أمام نفسه، مبينا ما فيها من خير وشر، محللا للدوافع التي تكمن بينهما وتحث عليهما، ففي الإنسان من دوافع الخير ما يدعوه إلى الطاعة وعمل الصالحات، وفيه من دوافع الشر، ما يسوقه إلى العصيان والتمرد وارتكاب السيئات وله من الإرادة والحرية والعقل ما يحميه من الوقوع في مهاو تنقله من عالم الإنسان إلى عالم الحيوان, وبه من الشهوات والنزوات ما ينحدر به إلى هذا العالم, وقد منحه الله ميزة العقل وكرمه على كل مخلوقاته، ليكون هذا العقل هو الحكم بين الخير ونزعات الشر ووساوس الشياطين ويتضح ذلك في قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ . فحرية الفرد في الإسلام واضحة كل الوضوح، حيث إن الغرائز فيه، يقابلها العقل وهو بينهما قادر على تمييز الصالح من الفاسد وله أن يختار. وعلى هذا الاختيار يحاسب وتكون مكانته الإنسانية والاجتماعية, ومن المعلوم أنه لا تكليف من غير اختيار ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ .
стр. 67
والطفل في نظر التربية الإسلامية عنده من الاستعدادات الطبيعية ما يهيؤه لتقبل الصفات الأخلاقية والأنماط الاجتماعية، وإن على الأباء والمعلمين إلزامه بهذه الأشياء في سن السابعة، فإذا قام بها فإنه يكون قد سلك طريقه في الحياة على مبادئ صحيحه، وإلا ضرب على تركها ضربا غير مبرح وهو في العاشرة. وقد أمر الرسول الكريم بذلك فهو يقول "مروهم بالصلاة لسبع, واضربوهم عليها لعشر" وعلى المربي أن يستعين بما في الطفل من ميول وعواطف يثيرها لتحرك هذه الأخلاق الإلزامية إلى غايتها الصحيحة, وتعاليم الإسلام ليست منافيه لتكوين الطفل، فالإسلام دين الفطرة ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ لذلك كان تقبله لتلك التعاليم سهلا ميسرا, والأمر في ذلك متروك إلى الأسرة أولا ثم المعلم ثانيا ثم المجتمع ثالثا فكل طفل يولد وهو صفحة بيضاء خالية من كل رجس. وآباؤهم هم الذين يحولونوهم إلى هذه الصورة التي نرى عليها المجتمع من اختلاف في الطبائع والسلوك والفكر. والرسول ﷺ يقول: "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء -أي: كاملة- هل تحسون فيها من جدعاء" أي: مقطوع بعض أجزائها.
وهكذا اعتبر الإسلام الطفل بريئا طاهرا بالفطرة، غير شرير ولا وارث للخطيئة بل هو خير بطبيعته مستهدف لكل فضيلة، واعتبر المساؤئ التي تأتي من الإنسان في مراحله المختلفة إنما مرجعها إلى أصل التربية، سواء أكانت تربية منزلية أو مدرسية أو غير ذلك.
ويرى علماء التربية أن سن العاشرة فيها تمييز بين النافع والضار والحسن والقبيح. فإهمال الطفل في هذه السن إهمال لإرادته المميزة، لذلك حثنا الرسول ﷺ على ضربهم في العاشرة إذا لم يصلوا، وبالتالي إذا لم يمتثلوا للمبادئ الأخلاقية والمثل الاجتماعية.
стр. 68
الدين والإيمان:
الدين كلمة عامة تشمل كل الأديان التي أمر الله بها عباده على مدى الأزمان, منذ هبط آدم إلى الأرض حتى جاء محمد بن عبد الله بالدين الخاتم الذي شمل كل هذه الأديان، بعد أن نضجت البشرية وأصبحت صالحة لتلقي آخر رسالات الله إلى الأرض. وقد جاء الإسلام ناسخا لبعض الأحكام في الأديان الأخرى, التي كانت تصلح لزمن دون زمن ولجماعة دون جماعة لتكون أحكامه صالحة لكل زمان، ولكل بني البشر وارتضاه الله دينا عاما لعباده، لموافقته الأصول الاعتقادية في الاعتراف بوجود الله خالق الأكوان، وتوحيده ووصفه بصفات الكمال, وتنزيهه عن صفات النقص. ولما اشتمل عليه من الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ . ووصفه الله بأنه الدين الحق ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ . وأنه ناسخ لما جاء قبله من شرائع قديمة، وأديان سماوية، طرأ عليها التحريف وأدخل عليها ما ليس منها، ومذاهب وضعية اصطنعها الإنسان لتلائم هواه ورغباته ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . ووعد أنه سيحفظ هذا الدين ويحفظ كتابه "القرآن الكريم" من التحريف والتغيير والزوال مهما تألبت عليه قوى الشر. وعانده المعاندون ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ وفي الدين الإسلامي ما يحتاج إليه البشر. كل البشر؛ لأنه يشمل
стр. 69
كان الأديان السابقة، وحكى أخبار الرسل مع الأمم السالفة، ودعا إلى الاعتراف بوجود الله، وتوحيده ووصفه بصفة الكمال، من القدرة والإرادة والعلم، وغيرها من الصفات التي تليق بجلال الله، كما دعا إلى الاعتقاد بالبعث والحياة الآخرة، وما يلقى الناس فيها من حساب وجزاء، نظير ما قدمت أيديهم في الدنيا. وألزم المؤمنين الاعتراف بالأنبياء السابقين والرسل وما أنزل عليهم من الكتب. كنوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وهود وصالح ويوسف وموسى وعيسى وغيرهم صلوات الله عليهم.
وبين أن لله ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأن هناك مخلوقات أخرى غيبية لا تدرك بالحواس "كالجن" وأن الإنسان كرم بين كل هذه المخلوقات ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ , ورفع الله قدر العقل الإنساني في الدين الإسلامي، فمنحه الحرية والاختيار فيما يعتقد، وبين أن الإيمان الصحيح ما كانت نتيجة للتأمل والنظر، والبحث والإقناع، ولم يجعل للإيمان التقليدي بما كان عليه الأباء والأسلاف أي أثر. ونتيجة لهذا كانت أوامر التكليف، وكان الثواب والعقاب.
ومن نظرة الإسلام إلى الأمور الغيبية، كاليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار، والوحي والملائكة والجن، نجده يربط ذلك بصحة العقيدة، فإذا صحت العقيدة، رأى صاحبها أن هذه الاشياء ليست مستحيلة، بل هي ضرورية، لضبط السلوك الإنساني وتوجيهه إلى الخير، والاطمئنان إلى عدل الله، وهي ليست أغرب من القوى الخفية الموجودة على الأرض والتي يكتشفها العلماء كل حين، كالجاذبية، والكهرباء، والذرة، والنتروجين.
стр. 70
وغير ذلك مما هو أسرار هذا الكون، وما زال العقل البشري يجد من أجل معرفته وكشفه.
والدين الإسلامي في بساطة ووضوح، هو الدين الذي جاء مطابقا للرسالات الإلهية السابقة عليه. وإن خالفها في بعض الأحكام نتيجة عبث الأمم السابقة بتعاليم السماء، وخلطها بعناصر ليست منها، ونتيجة للظروف التي اقتضتها أحوال الأمم والبيئات في تطورها خلال القرون المتطاولة. وهو يتلخص في كلمتين هما قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. يقولهما العبد معترفا بوحدانية الله، مصدقا بما جاء به رسوله محمد ﷺ ، عاملا بمضمونهما فكرا وقولا وفعلا.
والإيمان في جوهره ليس عمل اللسان والبدن والذهن، وإنما هو عمل نفسي يبلغ أغوار النفس، ويحيط بجوانبها كلها من إدراك وإرادة ووجدان، يبلغ هذا الإدراك حد الجزم واليقين الذي لا يزلزله شك ولا تعتريه شبهة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ . ومع تمام الإدراك لا بد وأن يصحبه إذعان قلبي، وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لأحكام الله الذي آمن به مع الرضاء والتسليم ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . والإدراك، ثم الإذعان لا يكتملان إلا إذا كان مستقران في وجدان الإنسان ليتصرف على هدي العقيدة, ويلتزم بمبادئها الخلقية والسلوكية، ويلتزم بأحكامها عن يقين قلبي، وشوق روحي؛ لأنه يرى الله بقلبه وينطلق إليه من ضميره ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ . فليس
стр. 71
الإيمان عملية تصور كآراء الفلاسفة والعلماء والباحثين، وإنما هو عملية يقين تزيل كل الأوهام والشكوك وتحول الإنسان إلى طاقة فاعلة للخير. قادرة عليه؛ لأن الخير كله في الحق، ولا حق من غير إيمان صادق ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ولست أتصور كلمة الإيمان في غير هذا المعنى، فما يذكره بعض الناس من قولهم إيمان، بالرأسمالية أو الشيوعية أو الوجودية أو غير ذلك من المذاهب والمبادئ التي يضعها الناس، ويصورون أن فيها صلاحهم، وهي في الحقيقة ما خرجت عن فكر إنساني بشري له من الأهواء والأغراض والدوافع ما نزعه إلى هذا الفكر أو ذاك. إن هذا لا يسمى إيمانا وإنما هو رأي معرض للصواب والخطأ، والنظر فيه يجب أن يكون بحذر ودقة. أما الإيمان بالله. فهو ذلك الإيمان الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب. ويجب أن يكون قائما على تصديق القلب بالله ورسوله، تصديق المطمئن المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، والذي ينبثق منه العمل الصالح والجهاد الدائب في سبيل الله، والقلب متى تذوق حلاوة الإيمان واطمأن إليه، اندفع لتحقيقه في دنيا الناس، محركا صاحبه إلى التضحية بالمال والنفس من أجل هذا الإيمان الذي لا يطيق الصبر على مفارقته في نفسه وفي نفوس الآخرين. لذلك رأينا المؤمنين في كل عصر يصنعون في مجتمعاتهم صنعة الكهرباء تنطلق من مركزها فتصنع الضوء والحرارة والعمل.
وليس الإيمان الحق الناتج عن عقيدة صحيحة كالرأي الذي يراه الإنسان في لحظة من لحظات فكره، يمكن أن يتحول عنه أو أن يبدل فيه أو يغير تبعا لظروف الحياة ومقتضيات الأحوال، إنما هو جزء من كيان الإنسان، بل هو الإنسان كله، يموت في سبيله وهو راض، ويتحمل من أجله أقصى
стр. 72
ألوان التضحية وهو سعيد. يقول الدكتور أحمد أمين١: "فرق كبير بين أن ترى الرأي وأن تعتقده. إذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك، وإذا اعتقدته جرى في دمك وسرى في مخ عظامك، وتغلغل في أعماق قلبك.
ذو الرأي فيلسوف يقول: إني أرى صوابا ما قد يكون في الواقع باطلا، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد تقوم الأدلة على عكسه غدا، وقد أكون مخطئا فيه وقد أكون مصيبا. أما ذو العقيدة فجازم بات لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق لا محالة، هي الحق اليوم، وهي الحق غدا، خرجت عن أن تكون مجالا للدليل وسمت عن معترك الشكوك والظنون.
ذوي الرأي سهل أن يتحول ويتحور. أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله ﷺ : "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته".
الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات ويصف الأماني، ويثير الشبهات، ويبعث على التردد، والعقيدة تقتحم الأخطار، وتزلزل الجبال، وتلفت وجه الدهر، وتغير سير التاريخ وتنسف الشك والتردد، وتبعث الحزم واليقين، ولا تسمح إلا لمراد الروح".
وهكذا كانت عقيدة الإسلام، وكان الإيمان بها لدى المؤمنين مما غير وجه الأرض. وصنع في الفكر الإنساني صنعة قضت على الوثنية، وعبادة الأوثان، والخضوع للفرد واستعباد الشر، والتسليم لغير الله، وسيظل صنيعها قائما ما بقي المؤمنون بها؛ لأن فيها من القوة ما يدفع إلى الجهاد الدائم بالنفس والمال، واسترخاص العذاب والمحن في سبيل الله.
стр. 73
الدين والعلم:
تطور العلم عبر عصور الحياة في مختلف فروعه، تطورا يتفق وحاجات الإنسان الملحة الدائمة، وبمقدار نضج البشرية كان تقدم العلم وتنوعه، وما زال أمام العلم الكثير -الكثير جدا- يبحث فيه وينقب ليكتشف الجديد مما هو مخبوء في هذا الكون، صنعته القدرة الإلهية ليكون في خدمة الإنسان أكرم مخلوقات الله، وليكون دليلا على أن هذه القدرة العالمة لا حدود لها، وإنها باقية دائمة لها السلطان والقوة، وإليها المستقر والمنتهى.
وليس العلم ضد الدين، بل هو دليل يهدي إليه، ولو استعرضنا تاريخ العلم والعلماء بدون تحيز أو أحقاد، لوجدنا أن العلم منذ أقدم العصور كان وما يزال في خدمة الدين، وأن العلماء الراسخين المنصفين من مختلف الأجناس والملل، هداهم علمهم إلى الدين، وإلى الإيمان بأن وراء هذا الكون قوة عليا تديره وتنظمه، وترعى كل شيء فيه بميزان وحساب. وما ذلك إلا لأن العالم أقدر من غيره على استبانة ما في هذا الكون من ترابط وتناسق وأحكام، يتضح في كل جزء من أجزائه، وفي كل خلية من خلايا أحيائه، وذرة من ذرات جماداته، في نفس الإنسان وعقله في تعدد المخلوقات وتنوعها. في نظام خلق السموات والأرض. في اختلاف الليل والنهار. في الجبال والبحار والأنهار. فيما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها. فيما بث الله في الأرض من الدواب والأحياء في تصريف الرياح والسحاب
стр. 74
المسخر بين السماء والأرض. وغير ذلك مما هو مدار البحث والفكر لدى كل علماء الدنيا منذ عرفت كلمة العلم والتعلم.
فلا غرابة إذن أن يكون العلماء هم أساطين الدين وأعمدة الإيمان في مختلف العصور ومن كان منهم على غير ذلك، فهو إما واقع تحت تأثير مال أو سلطان أو قوة غاشمة تتسلط عليه، أو هو دعي وليس من أهل العلم حقيقة؛ لأن علمه لم يسعفه في كشف جوهر وجوده، فلا عجب أن يضل عن دنياه.
وقد رأينا في عصرنا هذا، عصر الذرة والفضاء، أن العلم لم يستطع أن يحل المشكلات التي يعاني منها الإنسان في هذه الدنيا، وأنه لا بد من الدين يلقى الإنسان في رحابه الأمن والراحة والسلام؛ لأن هناك حوادث مفاجئة ومآسي تقع على الأرض دون أن تكون لها أسباب مفهومة، والمؤمنون يسندونها إلى القدر وإرادة الله، فلو لم يكن الدين والإيمان به ما استطعنا أن نتعزى عنها أو نحتملها. وكم من مثال على ذلك. طبيعة غاضبة بعد صفاء, كارثة طيران أو سفن بعد سعادة، أعاصير وزلازل وبراكين. متاعب نفسية وعقلية وقلبية وجسدية عجز الإنسان عن إيجاد وسيلة للبرء منها، مئات المشوهين وآلاف المصابين وملايين العجزة. كل هذه الأشياء على كوكبنا، والإنسان بكل ما له من براعة وعلم يعجز عن التخلص منها. والمؤمنون وحدهم هم الذين يرون أن هناك في هذه الدنيا أشياء وتصرفات لا يمكن أن نعيها بما أوتينا من علوم ومقاييس، ولا وسيلة لنا أمامها إلا أن نسلم بوجودها، ونسلم في الوقت نفسه بقصورنا عن إدراك كنهها، ونتجه إلى الله القوي القادر أن ينقذنا مما عجزنا عنه وعجز علمنا المحدود عن إدراكه ومقاومته أو معالجته.
стр. 75
وليس معنى هذا أننا نكر العلم ومجالاته، ولكن معناه أننا نؤمن بأن العلم يبحث وينقب وقد يوفق أو لا يوفق، فإن وفق فنحن مؤمنون بما اكتشفه وإلا فالأمر لله وحده خالق العلم والعلماء.
وقد جاء الإسلام ومعه منذ اللحظة الأولى الأمر بالقراءة والكتابة والتعلم، وكان أول أمر من السماء إلى الأرض، نزل به جبريل الأمين على محمد بن عبد الله ﷺ .
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
ولا يوجد في الدنيا كتاب دين كالقرآن، يقدر العلم، ويحترم أهله وينادي بانطلاق الفكر في كل جوانب الحياة، ينظر ويتأمل، في النفس والروح والحياة، في السموات والأرض. في تاريخ الأمم وعبر الزمان وسير الرجال. في المعلوم والمجهول. في دقائق خلق الإنسان والحيوان، والنبات، في خالق الكون وصفاته وأفعاله. في حكمة الخلق وعظمة الخالق. وغير ذلك مما يدعو المسلمين إلى البحث والدرس والتأمل في مختلف العلوم.
يقول في فضل العلماء ومكانتهم عنده في "سورة الزمر":
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
وفي سورة فاطر:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
وفي سورة المجادلة:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾