← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10007

طرق تدريس التربية الإسلامية نماذج لإعداد دروسها

عبد الرشيد عبد العزيز سالم

Полный текст (328 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الإيمان عملية تصور كآراء الفلاسفة والعلماء والباحثين، وإنما هو عملية يقين تزيل كل الأوهام والشكوك وتحول الإنسان إلى طاقة فاعلة للخير. قادرة عليه؛ لأن الخير كله في الحق، ولا حق من غير إيمان صادق ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ولست أتصور كلمة الإيمان في غير هذا المعنى، فما يذكره بعض الناس من قولهم إيمان، بالرأسمالية أو الشيوعية أو الوجودية أو غير ذلك من المذاهب والمبادئ التي يضعها الناس، ويصورون أن فيها صلاحهم، وهي في الحقيقة ما خرجت عن فكر إنساني بشري له من الأهواء والأغراض والدوافع ما نزعه إلى هذا الفكر أو ذاك. إن هذا لا يسمى إيمانا وإنما هو رأي معرض للصواب والخطأ، والنظر فيه يجب أن يكون بحذر ودقة. أما الإيمان بالله. فهو ذلك الإيمان الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب. ويجب أن يكون قائما على تصديق القلب بالله ورسوله، تصديق المطمئن المستيقن الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، والذي ينبثق منه العمل الصالح والجهاد الدائب في سبيل الله، والقلب متى تذوق حلاوة الإيمان واطمأن إليه، اندفع لتحقيقه في دنيا الناس، محركا صاحبه إلى التضحية بالمال والنفس من أجل هذا الإيمان الذي لا يطيق الصبر على مفارقته في نفسه وفي نفوس الآخرين. لذلك رأينا المؤمنين في كل عصر يصنعون في مجتمعاتهم صنعة الكهرباء تنطلق من مركزها فتصنع الضوء والحرارة والعمل. وليس الإيمان الحق الناتج عن عقيدة صحيحة كالرأي الذي يراه الإنسان في لحظة من لحظات فكره، يمكن أن يتحول عنه أو أن يبدل فيه أو يغير تبعا لظروف الحياة ومقتضيات الأحوال، إنما هو جزء من كيان الإنسان، بل هو الإنسان كله، يموت في سبيله وهو راض، ويتحمل من أجله أقصى

стр. 72

ألوان التضحية وهو سعيد. يقول الدكتور أحمد أمين١: "فرق كبير بين أن ترى الرأي وأن تعتقده. إذا رأيت الرأي فقد أدخلته في دائرة معلوماتك، وإذا اعتقدته جرى في دمك وسرى في مخ عظامك، وتغلغل في أعماق قلبك. ذو الرأي فيلسوف يقول: إني أرى صوابا ما قد يكون في الواقع باطلا، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد تقوم الأدلة على عكسه غدا، وقد أكون مخطئا فيه وقد أكون مصيبا. أما ذو العقيدة فجازم بات لا شك عنده ولا ظن، عقيدته هي الحق لا محالة، هي الحق اليوم، وهي الحق غدا، خرجت عن أن تكون مجالا للدليل وسمت عن معترك الشكوك والظنون. ذوي الرأي سهل أن يتحول ويتحور. أما ذو العقيدة فخير مظهر له ما قاله رسول الله ﷺ : "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته". الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات ويصف الأماني، ويثير الشبهات، ويبعث على التردد، والعقيدة تقتحم الأخطار، وتزلزل الجبال، وتلفت وجه الدهر، وتغير سير التاريخ وتنسف الشك والتردد، وتبعث الحزم واليقين، ولا تسمح إلا لمراد الروح". وهكذا كانت عقيدة الإسلام، وكان الإيمان بها لدى المؤمنين مما غير وجه الأرض. وصنع في الفكر الإنساني صنعة قضت على الوثنية، وعبادة الأوثان، والخضوع للفرد واستعباد الشر، والتسليم لغير الله، وسيظل صنيعها قائما ما بقي المؤمنون بها؛ لأن فيها من القوة ما يدفع إلى الجهاد الدائم بالنفس والمال، واسترخاص العذاب والمحن في سبيل الله.

стр. 73

الدين والعلم: تطور العلم عبر عصور الحياة في مختلف فروعه، تطورا يتفق وحاجات الإنسان الملحة الدائمة، وبمقدار نضج البشرية كان تقدم العلم وتنوعه، وما زال أمام العلم الكثير -الكثير جدا- يبحث فيه وينقب ليكتشف الجديد مما هو مخبوء في هذا الكون، صنعته القدرة الإلهية ليكون في خدمة الإنسان أكرم مخلوقات الله، وليكون دليلا على أن هذه القدرة العالمة لا حدود لها، وإنها باقية دائمة لها السلطان والقوة، وإليها المستقر والمنتهى. وليس العلم ضد الدين، بل هو دليل يهدي إليه، ولو استعرضنا تاريخ العلم والعلماء بدون تحيز أو أحقاد، لوجدنا أن العلم منذ أقدم العصور كان وما يزال في خدمة الدين، وأن العلماء الراسخين المنصفين من مختلف الأجناس والملل، هداهم علمهم إلى الدين، وإلى الإيمان بأن وراء هذا الكون قوة عليا تديره وتنظمه، وترعى كل شيء فيه بميزان وحساب. وما ذلك إلا لأن العالم أقدر من غيره على استبانة ما في هذا الكون من ترابط وتناسق وأحكام، يتضح في كل جزء من أجزائه، وفي كل خلية من خلايا أحيائه، وذرة من ذرات جماداته، في نفس الإنسان وعقله في تعدد المخلوقات وتنوعها. في نظام خلق السموات والأرض. في اختلاف الليل والنهار. في الجبال والبحار والأنهار. فيما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها. فيما بث الله في الأرض من الدواب والأحياء في تصريف الرياح والسحاب

стр. 74

المسخر بين السماء والأرض. وغير ذلك مما هو مدار البحث والفكر لدى كل علماء الدنيا منذ عرفت كلمة العلم والتعلم. فلا غرابة إذن أن يكون العلماء هم أساطين الدين وأعمدة الإيمان في مختلف العصور ومن كان منهم على غير ذلك، فهو إما واقع تحت تأثير مال أو سلطان أو قوة غاشمة تتسلط عليه، أو هو دعي وليس من أهل العلم حقيقة؛ لأن علمه لم يسعفه في كشف جوهر وجوده، فلا عجب أن يضل عن دنياه. وقد رأينا في عصرنا هذا، عصر الذرة والفضاء، أن العلم لم يستطع أن يحل المشكلات التي يعاني منها الإنسان في هذه الدنيا، وأنه لا بد من الدين يلقى الإنسان في رحابه الأمن والراحة والسلام؛ لأن هناك حوادث مفاجئة ومآسي تقع على الأرض دون أن تكون لها أسباب مفهومة، والمؤمنون يسندونها إلى القدر وإرادة الله، فلو لم يكن الدين والإيمان به ما استطعنا أن نتعزى عنها أو نحتملها. وكم من مثال على ذلك. طبيعة غاضبة بعد صفاء, كارثة طيران أو سفن بعد سعادة، أعاصير وزلازل وبراكين. متاعب نفسية وعقلية وقلبية وجسدية عجز الإنسان عن إيجاد وسيلة للبرء منها، مئات المشوهين وآلاف المصابين وملايين العجزة. كل هذه الأشياء على كوكبنا، والإنسان بكل ما له من براعة وعلم يعجز عن التخلص منها. والمؤمنون وحدهم هم الذين يرون أن هناك في هذه الدنيا أشياء وتصرفات لا يمكن أن نعيها بما أوتينا من علوم ومقاييس، ولا وسيلة لنا أمامها إلا أن نسلم بوجودها، ونسلم في الوقت نفسه بقصورنا عن إدراك كنهها، ونتجه إلى الله القوي القادر أن ينقذنا مما عجزنا عنه وعجز علمنا المحدود عن إدراكه ومقاومته أو معالجته.

стр. 75

وليس معنى هذا أننا نكر العلم ومجالاته، ولكن معناه أننا نؤمن بأن العلم يبحث وينقب وقد يوفق أو لا يوفق، فإن وفق فنحن مؤمنون بما اكتشفه وإلا فالأمر لله وحده خالق العلم والعلماء. وقد جاء الإسلام ومعه منذ اللحظة الأولى الأمر بالقراءة والكتابة والتعلم، وكان أول أمر من السماء إلى الأرض، نزل به جبريل الأمين على محمد بن عبد الله ﷺ . ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . ولا يوجد في الدنيا كتاب دين كالقرآن، يقدر العلم، ويحترم أهله وينادي بانطلاق الفكر في كل جوانب الحياة، ينظر ويتأمل، في النفس والروح والحياة، في السموات والأرض. في تاريخ الأمم وعبر الزمان وسير الرجال. في المعلوم والمجهول. في دقائق خلق الإنسان والحيوان، والنبات، في خالق الكون وصفاته وأفعاله. في حكمة الخلق وعظمة الخالق. وغير ذلك مما يدعو المسلمين إلى البحث والدرس والتأمل في مختلف العلوم. يقول في فضل العلماء ومكانتهم عنده في "سورة الزمر": ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وفي سورة المجادلة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

стр. 76

وفي سورة البقرة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وفي سورة سبأ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ وفي سورة العنكبوت: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ والله سبحانه هو وحده واهب العقل للإنسان، وهو الذي كرمه وجعله أسمى المخلوقات وحباه بصفة العلم، بل وعلمه ما لم يكن يعلم. يقول تعالى في سورة العلق: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وفي سورة الرحمن: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ وفي سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وفي سورة البقرة أيضا: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

стр. 77

وعن نفس الإنسان وخباياها أورد القرآن آيات كثيرة ففي سورة الشمس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وفي سورة يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ وفي القرآن الكريم آيات متعددة في غير موضع تتحدث عن النفس المطمئنة والراضية والمرضية واللوامة والإمارة بالسوء, إلى غير ذلك مما يتعلق بنفس الإنسان وصفاتها. وعن الروح والحياة والموت والبعث يحدثنا القرآن بما لا يدع مجالا للشك يقول تعالى في شأن الروح في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ وفي الحياة يقول سبحانه في سورة الإنعام. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وفي الموت والبعث يقول في سورة مريم: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ وفي سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾

стр. 78

وعن دعوة القرآن إلى النظر في خلق السموات والأرض يقول تعالى في سورة "ق": ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ وفي سورة يونس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وفي تاريخ الأمم وعبر الزمان وسير الرجال قص القرآن قصص نوح وإبراهيم وإسماعيل وهود وصالح وعاد وثمود ولوط ويوسف وموسى وعيسى، وضرب الأمثال بأقوام هؤلاء الرسل والأنبياء وما حدث لهم. كل ذلك في سور كاملة في القرآن الكريم. تدعو إلى البحث والتأمل، وتحث على النظر والتفكر. وكان حديثه عن بعض هذه الأمم في أكثر من موضع. من القرآن دلالة على موقفها في الدنيا، وعظم مسئوليتها على ما فعلت خيرا أو شرا. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن القرآن يثير في نفوس المؤمنين حب العلم والتأمل وإطالة الفكر في تاريخ الحياة ليدركوا أبعاد مسئوليتهم العلمية والدينية والتي جعلتهم "أمة وسطا" وجعلتهم شهداء على الناس. وفي المجهول والمعلوم يقول تعالى في سورة النمل آية ٨٨: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ وفي سورة "يس": ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

стр. 79

فتلك دعوة إلى البحث في هذه الأشياء والعديد من مثلها مما هو وارد في القرآن للتعرف على حقيقتها وكشف بعض أسرارها. وعن المجهول طال الحديث في القرآن عن القيامة والساعة وأحوالها وكيفيتها. يقول سبحانه في سورة الحاقة آية ١٣: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ وفي سورة الواقعة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ، خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ، إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ وفي دقائق خلق الإنسان والحيوان والنبات يقول في سورة "المؤمنون": ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ وقد أثبت الطب في عصرنا الحديث أن هذا الترتيب الذي جاء في القرآن هو ترتيب تكوين الجنين في الرحم، وأن هذه الصفات والأشكال التي أوردها القرآن هي هي التي اكتشفها الطب الحديث بعد مئات السنين من نزول القرآن، حتى التسمية بالنطفة والعلقة والمضغة إلى آخره لم يستطع الطب أن يغيرها وهي المصطلحات المستعملة اليوم وستظل إلى ما شاء الله. وإن كان

стр. 80

العلم قد اكتشف دورة التكوين هذه. فهو عاجز عن معرفة الروح. وما هي ومن أين تأتي. وكيف تخرج وما زال التحدي الإلهي قائما على ذلك. يقول تعالى في سورة الطارق: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ وفي سورة الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وعن الحيوان وعظيم خلقته وانتفاع الإنسان منه يحركنا الخالق سبحانه للنظر والتأمل فيقول في سورة النحل: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِين﴾ والنبات عالم بكامله، فيه الغرائب والعجائب، نموه، مذاقه. تنوعه. حياته, مماته. أليس ذلك جديرا بالبحث والتأمل يقول تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وفي سورة عبس: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾

стр. 81

لم تقتصر دعوة القرآن إلى العلم والبحث والتفكر على ما ذكرت من مظاهر الحياة والأحياء في السموات والأرض، بل امتدت إلى أساس العقيدة الإسلامية نفسه، فلا إيمان إلا بالاقتناع والحجة، ولا يقين إلا بالبحث والتأمل. والله الواحد الأحد يقيم الدليل تلو الدليل على وحدانيته، داعيا عباده أن يناقشوا هذه الأدلة بالمنطق والعقل، وأن يؤسسوا إيمانهم على الحجة والاقتناع، وهو لذلك يضرب الأمثلة من واقع حياة الناس ومعاشهم. يقول سبحانه في سورة الأنبياء: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وفي سورة "المؤمنون". ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون﴾ وينتقل القرآن من دليل إلى دليل ليثبت وحدانية الله، وإنه لا شريك له ولا ولد، وأن من يتخذون من دون الله أربابا إنما يعبدون باطلا. والمنطق والعقل يرفضان أن يكون لله شريك، تعالى الله عما يفترون. ومن هذا يقول المولى جل وعز في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ وفي سورة فاطر: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾

стр. 82

أعظم دقة هذه التساؤلات الإلهية إثباتا لوجوده، من سورة الواقعة: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ تساؤلات إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الإسلام، ما جاء إلا ليخاطب العقل والمنطق، ويحرك الفكر والوجدان، ويبعث في الإنسان الثقة بالخالق، والثقة بنفسه، والثقة في طريقه الذي يسلكه إلى عالم الإيمان والحق. ولم يكن موقف السنة من العلم والعلماء، إلا صورة مما جاء في القرآن الكريم، فالرسول ﷺ ، حامل الرسالة، ومبلغ الأمانة يحرص في كل موقف من المواقف أن يجعل العلم نهج المسلمين ويقدر الرأي وأهله، وينادي في الناس. "العلماء ورثة الأنبياء". "فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" "لغدوة في طلب العلم أحب إلى الله من مائة غدوة في طلب غيره من الخير. ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكل به يبشره بالجنة". "إن الملائكة لتضع أجنحتها تواضعا لطالب العلم". "من طلب العلم لله, فهو كالصائم نهاره, القائم ليله, وإن بابا من العلم يتعلمه الرجل, خير من أن يكون أبو قبيس ذهبا له, فأنفقه في سبيل الله". "طلب العلم فريضة على كل مسلم". "اطلبوا العلم ولو بالصين".

стр. 83

"من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة". ومن لطائف ما روى ياقوت في معجم الأدباء. "إن الفقيه علي بن عيسى الولوالجي قال: دخلت على أبي الريحان١ وهو يجود بنفسه، قد حشرج نفسه. وضاق به صدره. فقال لي وهو على هذه الحال: كيف قلت لي يوما حساب الجدات الفاسدة "يعني ميراث الجدات لأم" فقلت له إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا، أودع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أخليها وأنا جاهل بها. فأعدت عليه تلك المسألة حتى حفظها. وما إن خرجت من عنده حتى سمعت الصراخ". وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن أبناء الأمة الإسلامية في عصورهم المتقدمة، كانوا يدركون أن طلب العلم من المهد إلى اللحد، وأنهم اتبعوا سنة رسول الله حيث يقول: "اطلبوا العلم ولو في الصين" "لا بارك الله في يوم لا ازداد فيه علما". ولقد وصف الرسول ﷺ أهل العلم بصفات كثيرة تتفق وجلال العلم في نظر الإسلام. وفي بعض أحاديثه أوصلهم بالقرب من درجة النبوة يقول: "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل، واما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل". وقد عرف المسلمون هذه القيمة العليا للعلماء والمتعلمين فحددوا لهم آدابا وقيما لا بد وأن يتمسكوا بها، وإلا خرجوا من دائرة العلماء أو ابعدوا من صفوف المتعلمين. ومن هذه الآداب والقيم. أن يكون علم العالم من أجل الله والحق. لا من أجل الدنيا والمغانم والجاه والسلطان، وأن يخلص في تعليمه للغير متحرين

стр. 84

الدقة والصواب، متجنبا التحريف والخلط. وأن يعمل على تهذيب المتعلم، وحثه على الفضائل، وزجره عن الرذائل، وأن يتقبل النقد ومخالفة الرأي، وأن يكون صبورا ذا حلم وعدل. وأما المتعلم فهو مطالب، بحسن الخلق، وطهارة النفس ومقاومة الهوى، والتغلب على الشهوات، وأن يخلص في طلب العلم، ويصبر على البحث في مشكلاته، ويجد في تحصيله واثقا أن العلم لا ينتهي، وأن طلبه دائم ومتصل من المهد إلى اللحد. ومجمل القول أن الدين الإسلامي، دين علم وثقافة وتقدم وأنه نقل الإنسانية من الظلمات إلى النور، وحضها على التزود الدائم من المعارف الدينية والدنيوية، وقد ترك العلماء المسلمون للبشرية تراثا ما زالت الأمم تغترف منه وتقتبس ولم تعرف أمة قبل الإسلام أو بعده أنتجت ما أنتجته الأمة الإسلامية في مختلف فروع العلوم والآداب، ومن يرد إحاطة ببعض ما خلفته هذه الأمة. فليقرأ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر، والذخيرة في محاسن الجزيرة, وجزيرة الأندلس لابن بسام، والإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب، ونفح الطيب للمقري وابن خلكان، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر، والضوء اللامع في رجاء القرن التاسع للسخاوي، وغير ذلك من كتب تاريخ البلدان وتراجم الأعيان التي لا يتسع المجال لحصرها هنا. ويكفي أن نعلم أن كتب العرب وحضارتهم ظلت مصدر العلم والمعرفة في جامعات أوروبا إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي.

стр. 85

الدين وأسلوب المعاملة: حاولت المجتمعات الإنسانية منذ ميلادها، أن تضع لها أسلوبا للمعاملة يكفل لها الأمن والتضامن والمحبة، وحرص أهل الرأي والفكر فيها أن يبينوا الحدود التي يقف عندها الفرد, ليكون مقبولا من الآخرين ووضعوا الموازين والقيم التي يجب أن تسود في المجتمع ليتعاطف معه الفرد، ويشعر بالولاء له التفاني في خدمته. ولهذا تنوعت القيم الأخلاقية والسلوكية بتنوع الأمم وتعددها. حتى جاءت الأديان السماوية فخرجت هذه القيم من صناعة الإنسان ورغباته، إلى أوامر الإله وتشريعاته. وكانت بعض الأمم متفهمة للأوامر الإلهية متبعة لها فحصلت على حياة فاضلة ومجتمعات سعيدة راقية. والبعض الآخر ما لبث أن غير وبدل فيما جاءت به الرسل والأنبياء فضلت مجتمعاتهم وتاهت في دروب من الظلم والقسوة والاستعباد. وقد جاء الإسلام إلى الأرض وأهلها يعيشون على هذه الصورة الأخيرة من ذل واستعباد وقهر وجبروت. فساوى بين الناس، الغني والفقير, المرأة والرجل، الصغير والكبير, الحاكم والمحكوم. جميعهم في الإسلام متساوون. لا عصبية ولا حسب ولا جاه ولا سلطان. الكل أبناء آدم وحواء وإن اختلفوا في الموطن والبيئة والشكل. فلا تفاخر بالأنساب ولا تباهي بالألقاب. إنما الجميع أمام الله سواسية لا يتفاضلون إلا بالتقوى وفعل الخيرات يقول تعالى في سورة الحجرات:

стр. 86

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . وتحديد الإسلام للمساواة بين الناس يحقق أقصى درجات العدالة الاجتماعية. فهو يرى أن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات. وإن دماءهم وأعراضهم وأموالهم مصانة الحق بدرجة واحدة, بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية وحسبهم ونسبهم. ساوى بينهم في عملية القصاص ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ على عكس ما كان سائدا قبل الإسلام من التغالي في الدماء والجور في الأحكام. يقول تعالى في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . والمتتبع لتاريخ الأمم القديمة، كالإغريق والرومان والفرس واليهود، يجد أنها جميعا كانت تعترف بالعبودية وتؤمن بتفاضل الدماء، فلما جاء الإسلام وألغى العبودية وحرص على الحرية وحرم العصبية القبلية وجعلها من علامات الجاهلية المنفرة يقول ﷺ : "من دعا إلى عصبية فليس منا". واتبع المسلمون ذلك النهج في حياتهم الخاصة ومع الأمم التي عاشت معهم. ومن العجيب أننا بعد هذا التاريخ الطويل نرى بعض الإمم ما زالت تعتبر أفرادها من جنس مفضل على الأجناس الأخرى. وأن أصلها يرتقي على أصول الآخرين. وقصة التفرقة العنصرية السائدة في بعض بلاد العالم الآن من أمثال زنوج أمريكا وجنوب إفريقيا وروديسيا وغيرها تمثل تلك الردة الجاهلية التي قضى عليها الإسلام ومجها منذ أربعة عشر قرنا.

стр. 87

وقد حرص الإسلام على توجيه الناس دائما إلى أوجه الخير، فدعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعل ذلك واجبا على كل مسلم ومسلمة ليوجد بذلك المحبة بين الناس ويزيل أسباب العداوة والبغضاء من قلوبهم؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم في المجتمع مقام الوقاية من الأمراض في جسم الإنسان، وقد تحقق ذلك في صدر الإسلام، فعلى الرغم مما كان عليه المجتمع العربي قبل الإسلام، من انحلال أخلاقي، وتفكك اجتماعي، نراه بعد الإسلام تحول تحولا جذريا، فبعد أن كان قبائل متنافرة، أصبح أمة تحررت عقولها من الأوهام ونفوسها من الشهوات. ومن البغي والعدوان والظلم، واستطاعت أن تفرض وجودها على العالم، وكانت عند الله خير أمة قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . لم يكتف الإسلام بدعوة الناس إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل شرح لهم أساليب المعاملة التي تحقق هذه الغاية فقال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وفي سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ وفي سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ وتحقيقا لأقصى درجات المحبة في المجتمع الإسلامي، نادى القرآن باتباع أساليب معينة في التعرف على الحقائق، واجتناب الظلم وقول الزور والتجسس والسعي بالغيبة والنميمة بين الناس. يقول تعالى في سورة الحجرات:

стр. 88

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ, يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وليس هناك ما يفرق بين الناس، ويوقع العداوة في قلوبهم أكثر من سوء التعامل المادي، سواء أكان عن طريق البيع والشراء، أم عن طريق الإجارة والقرض. وليحمي الإسلام مجتمعاته من ذلك، وجه المسلمين إلى قواعد العدل في المعاملة فقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ وفي سورة الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ . وفي سورة الرحمن: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ وفي سورة يونس: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ، ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون﴾ . والتعاون في الإسلام هو من أوفى أساليب التعاون التي تعمل الدول الآن -على مختلف عقائدها واتجاهاتها- على تحقيقه، وتقيم لذلك المنشآت والجمعيات والمؤسسات الضخمة، وتحرص على أن تضع لها الأسس والمبادئ التي تكفل

стр. 89

لها النجاح في تآلف المجتمع والمحافظة عليه من الغش والخداع والمضاربة. ودعوة الإسلام تعتبر أقدم دعوة تعاونية في تاريخ البشر؛ لأن المجتمعات الأوروبية لم تعرف النظام التعاوني إلا في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر. أي: بعد مضي ثلاثة عشر قرنا على دعوة الإسلام للتعاون. والتعاون معناه وجود مجموعات متآلفة متحابة تعمل في الزراعة أو الصناعة أو التجارة أو المعمار أو غير ذلك من أوجه الحياة. وقد وضح ذلك القرآن الكريم في أرقى صوره يقول تعالى في سورة المائدة آية "٢": ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . وفي سورة آل عمران: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ . وفي سورة البقرة: ﴿ويسئلونك عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ . والرسول ﷺ ، يوضح أسس المجتمع المتعاون القائم على الرحمة والمودة والحب فيقول في وصية لمعاذ بن جبل: "أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء العهد وأداء الأمانة، وترك الخيانةن وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السلام، وخفض الجناح"، وينادي بالصفاء والمودة قائلا: "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه". "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا".

стр. 90

ويحث على العفو والتواضع، وعدم ظلم الناس واحتقارهم فيقول: "ما نقصت صدقة من مال. وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة". ودعوته إلى الحب والإخاء في المجتمع بلغت حد تحريم الهجر بين المتشاحنين فوق ثلاث ليال. يقول ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ السلام". وحرم إيذاء الجار ودعا إلى التعاون معه حتى لكأن الجار شريك جاره في رزقه وماله يقول: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه": "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". تلك نبذة عن أساليب المعاملة في الإسلام، وهي الأساليب التي غيرت كل شيء في جزيرة العرب، وفي البلاد الإسلامية التي دخلها نور الله، ومستها يد الهدي الإسلامي وبها تطهرت النفوس من العدوات والأحقاد، ومن الشرك الظاهر والخفي ومن النقائص التي كانت فاشية في كل ربوع الدنيا. وصار المسلمون أمة واحدة متراحمة. بعد أن كانوا قبائل وشعوب متعادية. وأصبح التراحم بينهم صفة غالبة في أقوالهم وأفعالهم، فرفع الله

стр. 91

ذكرهم، وأعلا شأنهم، وعلت كلمتهم ومكانتهم بين الأمم. وصدق قول الله في سورة التوبة: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .

стр. 92

الدين والمؤسسات الاقتصادية والسياسة الدين والمؤسسات الاقتصادية ... الدين والمؤسسات الاقتصادية والسياسية: أ- الدين والمؤسسات الاقتصادية: المؤسسات الاقتصادية في أبسط صورها البدائية، وأعقد صورها العصرية، لا تخرج عن أعمدة الحياة الثلاث: التجارة، والزراعة، والصناعة, والوسائل المستخدمة لتطوير وتقدم هذه الأعمدة، تدخل ضمن هذه المؤسسات. سواء كانت شركات، أو معامل، أو معاهد، أو بنوك. ولو أردنا تتبع نظرة الدين -في إيجاز- إلى هذه المؤسسات فإننا نرى أن الإسلام يدعم وجودها، ويدفع المرء إلى العمل فيها، ويوضح أسس العدالة التي يجب أن تسود في كل منها، حيث إنها عماد الحياة ومدار التكاليف الشرعية التي يقوم عليها، فمن أحسن فيها حسن دينه ومن أساء فسد دينه "إنما الدين المعاملة". وكلما كانت معاملة الإنسان قائمة على الصدق والوفاء والاجتهاد والصبر والتضحية كلما كان الإيمان الحق أقرب وألصق. وكلما كان على غير ذلك، كلما بعد عن الإيمان وأفسده شيطانه، فلا يجني إلا الخسران والضياع، وتركبه الهموم والأثام، ولا يجد لذة في دنياه وإن كان له مثل مال قارون سعة وعظمة. والإسلام لم يمنع معاملة بين الناس تنفعهم وتخلو من الضرر بهم والغبن بغيرهم. وإنما منع إجحاف الناس حقوقهم والضرر بهم، لذلك رأيناه يحل

стр. 93

البيع ويحرم الربا. ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . وحل البيع مقرونا بما يجب على المتابعين من صدق في المعاملة، ووضوح في الشيء المباع حتى لا يقع غش ومخادعة بين طرفي البيع والشراء. والرسول ﵊ قال: "من غشنا فليس منا" وآيات القرآن الكريم واضحة في ذلك ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [سورة الأعراف: ٨٥] وتحريم الربا في الإسلام جاء من منطلق العدالة، التي تحرم على الغني أن يستأثر بماله وأن يحرم الفقير من العون والمساعدة على مواجهة مشاكل حياته، أو أن يغل يده عن المساهمة في إقامة المصالح العامة، فلا يقدم ماله للفقير أو للدولة إلا نظير زيادة على رأس ماله الذي أقرضه إياهم. وهذا الفعل إنما يؤدي إلى أن يزداد الفقير فقرا، والغني غنا، وأن تكون المجتمعات مليئة بالأحقاد والفتن والاضطرابات، والإسلام يبني المجتمع على أسس من العدالة والمحبة كما سبق وأن أشرنا إلى ذلك في موضوع "الدين وأسلوب المعاملة". لذلك حرم الربا تحريما قاطعا. والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ﴾ [سورة البقرة الآية: ٢٧٥] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُون﴾ [سورة البقرة الآيتان: ٢٧٨، ٢٧٩] ولا شك أن تحريم الإسلام للربا، قضى على كثير من منابع الشر التي

стр. 94

كانت منتشرة في مجتمعات ما قبل الإسلام. تلك المجتمعات التي كان يأكل فيها قويهم ضعيفهم، ويستغل غنيهم فقيرهم ولا فضل للغني إلا أنه ذو مال، ولا ذنب للفقير سوى أن ظروف حياته لم تساعده على كسب المال وتوفره. وحل الجشع مكان الرحمة، فتقاضى الأغنياء ممن يداينونهم زيادة على رءوس أموالهم نظير تأجيل قضاء ديونهم. ومن هنا نشأت جماعات الثروة الفاحشة. وتكونت الرأسمالية الباغية، التي كان من نتيجتها الاستعباد والاسترقاق والإذلال بمختلف صنوفه وأخذت كل طائفة تتربص بالأخرى، فالغني يتربص بالمحتاج ليسلبه حريته ووجوده، والمحتاج يتربص بالغني ليسرقه أو يقتله أو يفسد عليه حياته، وأصبح المجتمع أشبه بغابة ليس فيها إلا الناب والظفر والتربص والغدر. وكان لا بد من القضاء على ذلك، ليحل محله التعاون والتراحم، فحرم الإسلام الربا بكل أشكاله وألوانه كما حرم كل كسب -فيه شبهة- يحصل عليه الإنسان, وبذلك نقل المجتمع إلى صورة العدالة والمحبة والإخاء تلك الصورة التي تتضح كاملة في قول الله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ . [سورة الروم الآيتان: ٣٨، ٣٩] وأحب أن أشير إلى أن الربا محرم أيضا في اليهودية والمسيحية، وقد جاء ما يدل على ذلك في الكتب المنسوبة إلى موسى ﵇, ففي الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التثنية. "لا تقرض أخاك ربا. ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا".

стр. 95

وظل هذا التحريم عاما لليهود وغير اليهود حتى عصر "نحميا" الذي قال في الإصحاح الخامس من كتابه. "إن بكت العظماء والولاة وقلت لهم إنكم تأخذون الربا كل واحد من أخيه" وكأنه يريد أن يقول إن اليهودي لا يتعامل بالربا مع اليهودي, ولكنه يتعامل بالربا مع غير اليهودي. وكذلك نسب اليهود إلى موسى ﵇ في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التثنية قوله: "للأجنبي تقرض بالربا ولكن لأخيك لا تقرض بالربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك". وهذا من صنع اليهود الذين يبيحون لأنفسهم ما يحرمون على غيرهم. ويرون أنهم شعب الله المختار، فلهم أن يفعلوا ما لا يجوز لغيرهم أن يفعله. ومن هنا نجد تفسيرا واضحا لسيطرة اليهود على البنوك ورءوس الأموال في العالم، وتكالبهم على التعامل بالربا، والسعي الدائب لجعله نظاما للمؤسسات الاقتصادية في معظم بلاد الدنيا. والإسلام يرفض كل هذه النظم التي تدخلها شائبة الربا، ويدعو إلى أن يكون التعامل مع البنوك والمؤسسات الاقتصادية قائما على نظام الربح والخسارة. بمعنى المشاركة والمساهمة لتقوم تلك البنوك أو الشركات أو غيرها بالاتجار لحسابها وحساب الآخرين, والعائد مهما عظم أو قل يكون من نصيب المساهمين. وبهذا ينتفي الربا وتتحقق العدالة. وفي المسيحية أيضا ظل الربا محرما منذ عهد المسيح ﵇ حتى جاء "مارتن لوثر" فشدد في تحريمه وبين الكثير من الوجوه التي يحرم فيها في رسالته عن "التجارة والربا" وهو يقول: "إن هناك أناسا لا تبالي ضمائرهم أن يبيعوا

стр. 96

بضائعهم بالنسيئة في مقابل أثمان غالية تزيد على أثمانها التي تباع بها نقدا، بل هناك أناس لا يحبون أن يبيعوا شيئا بالنقد ويؤثرون أن يبيعوا سلعهم جميعا على النسيئة ... وإن هذا التصرف مخالف لأوامر الله مخالفته للعقل والصواب". وجاء الإسلام ليمنع كل كسب ينطوي على استغلال الآخرين, وكان تحريمه للربا؛ لأن فيه استغلال الضعف الإنساني من جانب, وانعدام المجهود البشري في تحصيل الماء من جانب آخر. والربا مع أنه استغلال لضعف ذي الحاجة، فإنه يحيل الإنسان إلى مستهلك فقط بدل أن يكون منتجا في الأصل ومستهلكا تبعا لذلك. وهذا مما يشيع البطالة ويقلل الإنتاج البشري ويؤدي في النهاية إلى انقراض المجتمع وفنائه. والإسلام أصلا يرى أن المال مال الله, وأن الناس مستخلفون عليه، فعليهم أن يبتعدوا عن كل شائبة في تحصيل المال وإنمائه. وأن ينظروا إلى "امتلاك المال" على أنه وظيفة اجتماعية يسخر فيها المال لخدمة الجماعة.؛ لأن مرد المال في النهاية إلى مالكه الأصيل خالق الفرد والجماعة معا. والله تعالى يوضح ذلك في مواضع كثيرة من القرآن ففي سورة البقرة آية ٢٩ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . وفي الأنعام آية ١٦٥: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ . وفي الأعراف آية ١٠: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ .

стр. 97

بضائعهم بالنسيئة في مقابل أثمان غالية تزيد على أثمانها التي تباع بها نقدا، بل هناك أناس لا يحبون أن يبيعوا شيئا بالنقد ويؤثرون أن يبيعوا سلعهم جميعا على النسيئة ... وإن هذا التصرف مخالف لأوامر الله مخالفته للعقل والصواب". وجاء الإسلام ليمنع كل كسب ينطوي على استغلال الآخرين, وكان تحريمه للربا؛ لأن فيه استغلال الضعف الإنساني من جانب, وانعدام المجهود البشري في تحصيل الماء من جانب آخر. والربا مع أنه استغلال لضعف ذي الحاجة، فإنه يحيل الإنسان إلى مستهلك فقط بدل أن يكون منتجا في الأصل ومستهلكا تبعا لذلك. وهذا مما يشيع البطالة ويقلل الإنتاج البشري ويؤدي في النهاية إلى انقراض المجتمع وفنائه. والإسلام أصلا يرى أن المال مال الله, وأن الناس مستخلفون عليه، فعليهم أن يبتعدوا عن كل شائبة في تحصيل المال وإنمائه. وأن ينظروا إلى "امتلاك المال" على أنه وظيفة اجتماعية يسخر فيها المال لخدمة الجماعة.؛ لأن مرد المال في النهاية إلى مالكه الأصيل خالق الفرد والجماعة معا. والله تعالى يوضح ذلك في مواضع كثيرة من القرآن ففي سورة البقرة آية ٢٩ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ . وفي الأنعام آية ١٦٥: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ . وفي الأعراف آية ١٠: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ .

стр. 98

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ وهو يدعو الإنسان أن يكون منفقا لماله في وجوه الخير عن رضا واختيار، لا عن جبر وقهر، ويعتبر الإنفاق عن طريق الإلزام كأن لم يكن، يقول تعالى في سورة التوبة آية ٥٤. ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ وقد أطلت الحديث حول موضوع الربا؛ لأنه من القضايا الهامة في الإسلام التي تتعلق بالمال وطرق استعماله في وجهه الصحيح، وأحب أن أعرض هنا رأيا للأستاذ العقاد ﵀ يتعلق بهذا الموضوع يقول١: "ونحن لا نريد أن نقارن هنا بين الإسلام والديانات الكتابية في قضية الربا بأنواعه، ولكننا نريد أن نقارن بينه وبين المذاهب الاقتصادية التي يظن أصحابها أنهم يحيطون بحكمة التشريع العامة في جميع العصور؛ لأنهم حسبوا أن فترة من فترات الزمن تستوعب هذه الحكمة وتفرغ منها على نحو لا يقبل المراجعة والتعديل. فإذا خيل إليهم في وقت من الأوقات أن الحضارة مرهونة بنظام معلوم في المصارف والشركات خطر لهم أن يفرضوا هذا النظام بعجره وبجره على الماضي والحاضر والمستقبل في المشرق والمغرب وبين جميع الملل والأقوام، وطلبوا إلى أصحاب العقائد أن ينسخوها وإلى أصحاب الشرائع أن ينقضوها، وإلى أصحاب المبادئ الخلقية والفكرية أن يقتلعوها من جذورها، واجترءوا على من يناقضهم وينظر إلى مما فوق أنوفهم فاتهموه بالجمود والنكسة, وألقوا عليه تبعة الفساد والرجعة بالعقول إلى الوراء. وها هي ذي قواعد الحضارة التي يتعللون بها تتطلب اليوم من نظم الاقتصاد ما لم تكن تتطلبه قبل خمسين سنة، وسوف تتطلب بعد خمسين سنة

стр. 99

ما لم تتطلبه اليوم، فما هو الميزان العادل الذي تصح فيه الموازنة بين هذه المذاهب وبين الدين؟ هل نبيح لهذه المذاهب المتقلبة أن تفرض سلطانها على الذي لا مزية له إن لم تركن من ضمائر الأمم إلى قرار مكين ثابت على تقلب الزعازع والأحوال؟ هل ننتظر من الدين أن يعرقل هذه المذاهب ويأخذ الصواب منها بذنب الخطأ فيحرم الصواب والخطأ على السواء. لا هذا ولا ذاك: بل يمضي كل مذهب إلى مداه المقدور، ويتسع الدين لأحداث الزمن فلا يتصدى لها في مجراها ولا يمنعها أن تذهب إلى مداها، وأن تضطرب اضطرابها لمستقر لها تمحصه الأيام". ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ سورة الرعد. وفي حديث الإسلام عن "الزراعة" حث للإنسان على النظر والتأمل وإدراك أن كل ما ينبت من الأرض، إنما هو من صنع الله الخالق المبدع، وأنه على الرغم من مجهود الإنسان وتفننه في الأعمال الزراعية، فإنه هو وحده الذي ينزل الماء ويسوقه عيونا وأنهارا فيشفق الأرض ويخرج النبت. ويبعث فيه الحياة. وعلى الإنسان أن يعمل ونظره على مبدع الكون ومصرفه. فلا يبخل، ولا يستأثر بما منح الله وأعطى, وأن يكون أمينا على ما رزقه الله، فيخرج زكاته، ويطهره بالصدقة ويصونه بالإنفاق في وجوه الخير. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ سورة البقرة.

стр. 100

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [سورة عبس الآيات: ٢٤-٣٢] . وفي كتب الفقه الإسلامي تفصيل أوفى عن نظم الإيجار والمشاركة والعمل والعمال في الزراعة. فمن أراد التعمق فليرجع إليها. أما عن الصناعة وهي من أقوى الأسس في بناء الأمم وتقدمها، فقد أشار القرآن الكريم إلى موادها الأساسية، مبينا أهميتها للناس والحياة، فهو يقول عن الحديد عصب الصناعة ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ١ وعن الملابس وما يرتديه الإنسان قال: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا﴾ ٢. وفي البناء والمعمار ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِير﴾ ٣. وهي وإن كانت إشارات عابرة في القرآن الكريم، إلا أنها تدل على احتواء القرآن للأعمدة الثلاثة للحياة من تجارة، وزراعة، وصناعة. ومسلك المسلمين في تطبيقها إنما يقوم على الأخلاق الإسلامية التي وضحتها في مسلك الفرد والجماعة في غير موضع من هذا الكتاب. وللفكر الإنساني في نظمها وأوجه العمل فيها كامل الحرية كما هو شأن الإسلام في كل أمور الدنيا، بشرط أن يظل منطق الحق والعدالة هو الحكم في سلوك المرء فيه، وأن يكون القصد منها تنمية المصالح العامة وعمارة الكون، لا الاستئثار واكتناز الأموال واستغلال الآخرين.

стр. 101

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ من سورة البقرة. وقد بينا ذلك في موضوع الدين وأسلوب المعاملة.

стр. 102

ب- الدين والمؤسسات السياسية: تتألف الدولة كما يرى الفقه السياسي الحديث من عناصر ثلاثة: أرض وشعب وحكومة, وهي في نظر الإسلام تتكون من هذه العناصر الثلاثة مشمولة بكيان روحي يرفع من قيمة الإنسان فيها؛ لأن الإنسان مركب من مادة وروح، والدول والأمم مجموعات من الناس فإذا لم تقم في بنائها على العنصرين معا -المادي والروحي- كانت غير متوازنة في أمورها؛ لأن الإنسان لا يستقيم أمره إلا إذا توازن هذان الجانبان فيه: جانب الغرائز الفطرية التي غرسها الله فيه لعمارة الأرض، وجانب الضوابط الروحية التي تحول دون انقلاب هذه الغرائز إلى معاول مدمرة للإنسان والمجتمع١. وهذا ما تغرسه العقيدة الإسلامية في وجدان كل مسلم، وهو ما تقوم عليه الدول الإسلامية بناء وتطبيقا، وتتبعه في تكوين مؤسساتها السياسية والاجتماعية, فالإسلام يأمر بأن تقوم في كل مجتمع هيئة تتولى زمام تنظيمه السياسي ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ و"المعروف" الذي يجب أن تدعو له جماعة من جماعات المسلمين هو ذلك المنهج الإسلامي الذي يتصل بالأصول الكلية التي فرضها الإسلام لصالح المجتمع الإسلامي, وكل ما يترتب عليها من أحكام ومواقف و"المنكر" هو كل ما نهت عنه هذه الأصول الكلية، وكل ما يقاس عليها في إلحاق الأذى بالمجتمع. وفي الغالب تكون هذه الهيئة هي المسئولة عن نظام الحكم وما يتصل به من شئون السياسة والاقتصاد،

стр. 103

وتكوينها في الإسلام يقوم على الشورى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ فالمجتمع الإسلامي يجب أن يستشار في تكوين هذه الهيئة. في كل ما يتصل ببنيانها ونظامها ووظائفها وأهدافها، وفي كل ما يتفرع عن الأصول الكلية التي أتى بها الإسلام وليس لهذه الهيئة سيادة على المجتمع بالمعنى المعروف في الفقه الغربي بل السيادة لله وحده. والناس جميعا سواسية، لا سيد ولا مسود فالأمة وحدها مصدر السلطات، والحاكم ملتزم بما تراه الأمة في شئون الحكم؛ لأن الشورى أثرها إلزامي في كل ما يقام من نظم حكومية، والأمة وحدها صاحبة السيادة في ذلك. وإذعان أفرادها لما يصدر عن الهيئة الحاكمة إنما هو إذعان لأمر المجتمع، الذي هو في حقيقته النائب وحده عن الله، وهو في إذعانه هذا يذعن بطريق غير مباشر لأمر الله. فالسيادة في الإسلام كما يقول الدكتور محمد عبد الله العربي١ "لله وحده لا لملك أو رئيس من البشر على عكس ما زعمه بعض الغربيين من ثيوقراطية الدولة الإسلامية. وليس أدل على ذلك من أن النبي نفسه وهو الذي يلتقى الوحي, ولا ينطق عن الهوى أمره الله بالاستشارة في شئون الدنيا التي يحرص على إسعاد البشر فيها؛ لأنها مزرعة الآخرة إنفاذا لفلسفة الإسلام الشاملة في التوفيق بين المادية والروحية في الإنسان. فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ٢ ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٢. وقد اتبع المسلمون هذه المبادئ في إقامة الدولة الإسلامية, فرأينا العالم ينصح الجاهل والكبير يرشد الصغير، والمرءوس يوجه الرئيس، والحاكم يعلم

стр. 104

المحكوم، والقوي يلين للضعيف. كل ذلك بقلوب مطمئنة، ونفوس راضية تحقيقا لدعوة الحق "بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وساروا في كل أمورهم على الشورى، فلم تعرف دولة الإسلام في أول أمرها حكما صدر من مركز السيادة والقيادة، بل كان الرسول نفسه وهو الملتقي الوحي عن الله لا يبرم أمرا من أمور الدنيا إلا إذا جمع أكبر عدد من الصحابة وقلب الأمر بينهم، فإذا ما أجمعوا على شيء نفذ رأيهم ولو كان مخالفا لما يراه هو، وكثيرا ما جاء القرآن الكريم مؤيدا لآراء الصحابة فيما رأوه متصلا بأمور دنياهم، وكان ذلك تأكيدا من الله لنبيه وللناس من بعده، أن جماعية الرأي بعد التشاور والبحث والتقصي تعصم الأمم من الزلل وتحميها من الوقوع تحت رغبات ماجن أو عابث أو مجنون أو مضلل، وقد صان هذا المبدأ الدولة الإسلامية في عصر النبي وعصور الخلفاء الراشدين من بعده. واستطاعت في فترة قليلة من الزمن أن يمتد سلطانها الروحي والفكري في ربوع المشرق والمغرب. وكان الناس في الأمم الأخرى يدخلون إلى الإسلام عن اقتناع ويقين، أن هذا هو الدين الحق، وأن مبادئه هي التي تكفل لهم الأمن والاستقرار، وترفع عن كاهلهم تسلط السادة واستبداد الحكام. ولم تستطع أمة النيل من المسلمين إلا بعد أن تركوا هذه المبادئ وتفشت فيهم رذائل شهوات الحكم، وتغلب عليهم الهوى الشخصي, ووجد الحكام المستبدون، وضعفت روابط الإيمان في قلوبهم فقل شعورهم بالمسئولية، ونظر بعضهم إلى بعض كوحدات مبعثرة لا يربطها رابط، وابتعد أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن ميادين الحياة، إما خوفا وإما يأسا من اتباع ما يقولون وحق على الجميع قول الله ﵎: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ

стр. 105

إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود الآية: ١١٦] وقد حذر الرسول ﷺ المسلمين من هذا اليوم فقص عليهم قصة بني إسرائيل قائلا: لما وقع بنو إسرائيل في المعاصي ودخل النقص عليهم في دينهم نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم ولم يمنعهم العصيان عن مخالطتهم، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ففرق كلمتهم وأذلهم وشتت شملهم. ثم قرأ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة الآيتان: ٧٨, ٧٩] ولكن المسلمين بعد عصر الخلفاء ما لبسوا أن تناسوا هذه التحذيرات والأوامر الإلهية, وتكالبوا على الحكم والسلطان, واتخذوا من شهواتهم وأهوائهم مادة بها يتفاخرون ويتكاثرون, وترك أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمتهم وانصرفوا إلى مادية الحياة ينغمسون فيها كغيرهم، فضعفت دولة الإسلام، وتداعت الأمم عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها, ورأينا في عصرنا كل دول الإسلام محتلة من الأجنبي. تنتهبها أفكار غريبة على الإسلام وأهله، وتحركها مبادئ وقوانين تتنافى مع مبادئ الشرع وقوانيه، وسقطت هيبة المسلمين بسقوط حكامهم وعلمائهم وفقهائهم في متاهات الشهوات والرغبات. ولن تعود هيبة المسلمين ويقوى سلطانهم إلا بعودتهم مرة أخرى إلى نظام الحكم الإسلامي القائم على العدل والشورى والمساواة. ذلك النظام الذي يعاتب فيه النبي، ويحاسب ذو الجاه ويخشى الحاكم المحكوم، ويمتثل الظالم لأمر المظلوم. وكم هي واضحة الدلالة تلك الحادثة التي وقعت مع رسول الله حين اتبع رأيه

стр. 106

ورأي أبي بكر بشأن أسرى بدر، وخالف رأي عمر ومن وافقه من جمهور الصحابة، فنزلت آيات من الله تعاتب النبي, وتقسو عليه في أنه لم يأخذ برأي الآخرين, وهو كما علم الله أوفق بحالة المسلمين في ذلك العصر قال تعالى في سورة الأنفال١: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . وقد اتبع أبو بكر الخليفة الأول نهج الرسول فكان يستشير الصحابة فيما يعرض له من شئون الأمة، وكان يأخذ برأي الجماعة. وأحيانا برأي غيره حين تبدو آيات الحق في جانبه، وكان عمر يجمع كبار الصحابة بالمدينة ويمنعهم من الخروج منها ليتمكن من استشارتهم في أمور الدين والدنيا. وكم هو عظيم ذلك الحاكم الذي يقف ليخطب الناس في الجمعة فترده امرأة فيقول على الملأ: أصابت امرأة وأخطا عمر. والحادثة أشهر من أن تروى. وقد كانت ولاية هؤلاء الخلفاء بعد رسول الله بالبيعة العامة، ولا يمكن لأحد أن يدعي حقا في ولاية المسلمين بغير البيعة، التي هي في مصطلح العصر الحديث "الانتخابات الحرة". ولا يستطيع الحاكم الاستمرار في حكمه إلا إذا امتثل لرأي أصحاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يمثلهم في عصرنا الحديث ممثلو الشعب في مجالس "الأمة والنواب والشعب" وغيرها من هذه المسميات وهما معا "الحاكم، والنواب" لا يمكنهم الاستمرار في إدارة أمور الدولة إلا إذا كانت الغالبية العظمى من أفراد الأمة تؤيدهم وتؤازرهم؛ لأنه لا مصدر للسلطة العامة

стр. 107

في الإسلام غير الأمة. ولا مرجع فيه للمسئولية العامة غير الأمة أيضا, وتنظيم هذه الهيئات الحاكمة قد ترك عاما في الإسلام، حيث عهد به إلى جهود العمل الإنساني يمضي فيه باجتهاده ليصطفي أكثر الأوضاع ملاءمة لاحتياجات الزمان والمكان، على ضوء المبادئ العامة التي يستخرجها عقل الإنسان نفسه من كتاب الله وسنة رسوله الكريم وأحوال الصالحين من السلف. وليس أولوا الأمر، الذين أمر المؤمنون بطاعتهم كما يقول الشيخ شلتوت١ "هم الرؤساء والحكام كيفما كان شأنهم، وما سلب المسلمين مبدأ الشورى سوى هذا التخريج الذي اتخذ في كثير من الفترات سبيلا لإخضاع الأمة للحاكم ولو كان غاشما ظالما، أو جاهلا مفسدا، وكذلك ليس "أولو الأمر" خصوصا المعروفين في الفقه الإسلامي باسم "الفقهاء أو المجتهدين" الذين يشترط فيهم أن يكونوا على درجة خاصة من علوم اللغة وعلوم الكتاب والسنة، فإن هؤلاء -مع عظيم احترامنا لهم- لا تعدو معرفتهم في الغالب هذا الجانب، ولم يألفوا البحث في تعرف كثير من الشئون العامة، كشئون السلم والحرب والزراعة والتجارة والصناعة والإدارة والسياسة، نعم، هم -كغيرهم- لهم جانب خاص يعرفونه حق المعرفة وهم أرباب الاختصاص وأولوا الأمر فيهم وهو ما يتصل من التشريعات العامة بأصول الحل والحرمة في دائرة ما رسم القرآن من قواعد تشريعية وتشريعات جزئية". والحقيقة أن الإسلام قد كرم العقل الإنساني، وأطلق حريته في الإبداع وتصور ما يتفق مع متطلبات الحياة في كل عصر ومكان واستطاع فقهاء الإسلام بناء على هذه القاعدة أن يستخلصوا من كتاب الله وسنة رسوله معايير عامة يهتدى بها في تفصيل جميع تعاليم الإسلام الكلية من خلقية واقتصادية وحكومية، واستطاعوا أن يضعوا الأسس الصالحة للمجتمع الإسلامي،

стр. 108

متفقين فيما رأوه مع العقل والمنطق، مستنيرين بما أمر الله به، وبما ثبت باليقين عن الرسول والصحابة من بعده، واتخذوا من القياس والاستحسان ما أعطى آراءهم المرونة والقدرة على مواجهة كل جديد في أحداث الحياة غير المحدودة وتطوراتها غير المتناهية، ولم يعد للمسلم في مجال العبادات غير الامتثال والتنفيذ وأما في المجالات الأخرى، فإجماع الأمة على شيء منها لا يخالف نصا من نصوص الشريعة يعد حكما صالحا قابلا للنفاذ والامتثال له. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ من سورة آل عمران.

стр. 109

الفصل الثاني: طرق تدريس القرآن الكريم والعبادات تدريس القرآن الكريم مدخل ... الفصل الثاني: طرق تدريس القرآن الكريم والعبادات تدريس القرآن الكريم: القرآن الكريم ذو بناء فريد وتركيب معجز، لا يضاهيه كتاب في الكون كله. تأتي الكلمات فيه وكأنها بناء محكم بحيث لا نستطيع حذف كلمة ووضع أخرى موضعها، كما أن أسلوبه فيه من البيان ما يضطر الإنسان للتسليم به. وإذا ما نظرنا إلى الشكل في القرآن وجدناه غاية في الأهمية بحيث لو تغير شكل ووضع آخر موضعه اختل المعنى كلية، فلو قرأنا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ بفتح لفظ الجلالة كما هو النص القرآني، كان المعنى أن العلماء هم الذين يخشون الله ويخافونه، ولو تغير الشكل بضم لفظ الجلالة بدل فتحه تغير المعنى وأصبح أن الله هو الذي يخاف العلماء ويخشاهم تعالى عن ذلك علوا كبيرا. ومن هنا كانت طريقة تدريس القرآن الكريم، لا بد فيها من العناية بمخارج الحروف حتى تدل على ما نزلت من أجله، وإيضاح الشكل حتى لا يختل المعنى، ووصل الكلمات حتى يكون المعنى مترابطا. ولتحقيق ذلك لا بد وأن يدرك المعلم هذه الأشياء. ١- مخارج الحروف: "حلقية، لسانية، شفهية".

стр. 110

٢- الربط بين الكلمات ربطا يتفق والمعنى المراد منها. ٣- فهم المعنى إجمالا. ٤- استخراج الحكم الشرعي، والهدف الاجتماعي والديني. ٥- القصد إلى تجويد الأسلوب لدى الأطفال، وتعلقهم بأساليب القرآن. ٦- القراءة الجيدة القائمة على الفهم واستخراج النتائج. ولا شك أن ذلك لا يمكن حدوثه إلا إذا استطعنا أن نفهم التلاميذ ما تنشده الآيات الكريمة من الحكم والأهداف والمثل والغايات، وعملية الإفهام في تدريس القرآن عملية ضرورية وقد شددت عليها المدرسة الحديثة، بخلاف المدرسة التقليدية القديمة التي كانت تعتمد على مجرد الحفظ ولا تعتني إطلاقا بعملية الإفهام. والحقيقة أن المفهوم من المقروء في القرآن الكريم لا يأتي إلا بجهد من المعلم، وذلك الجهد في أبسط صورة يقوم على أسس ثلاثة: ١- فهم المعنى فهما إجماليا. ٢- إجادة عملية الحوار حول هذا المفهوم مع التلاميذ، وضرب الأمثلة على ذلك من الأشياء التي تتعلق بخبرة التلاميذ. ٣- الاعتماد على تمثيل المواقف والأهداف القرآنية تمثيلا يتفق وقدرات التلاميذ العقلية. ومن الملاحظ أن التلاميذ في المرحلة الابتدائية يتعلقون بالأشياء التي تمثل أمامهم والتي تصور تصويرا مشاهدا وواقعيا. فإذا ما بدأ المعلم بعد ذلك في عرض النص وقراءته كانت أذهان التلاميذ قد أعدت لتلقي هذا النص القرآني بألفاظه ومفاهيمه وأهدافه.
следующие страницы →