مقدمات
إهداء المترجم
دواعي نشر كتاب المبادئ
...
إهداء المترجم:
تقديم بقلم مترجم الكتاب إلى العربية:
١- دواعي نشر كتاب المبادئ:
كتاب "مبادئ الفلسفة" الذي يسعدني اليوم أن أقدمه إلى قراء العربية أحد المؤلفات الفلسفية التي ما تزال ذات مكانة ممتازة، لا في تاريخ الفلسفة الديكارتية فحسب، بل في تاريخ الفلسفة على العموم. ألفه صاحبه على أثر الحملة العنيفة التي شنها عليه التقليديون من أنصار الفلسفة المدرسية, تلك الحملة التي لم تقتصر على اختيار ميدانها في وطنه فرنسا, بل تجاوزتها إلى هولندا. ولقد أشار الفيلسوف إلى هذه المعركة التي لا هوادة فيها حين كتب إلى صديق له يقول: لقد صممت على أن أكتب مبادئ فلسفتي قبل أن أبرح هذا البلد، وربما نشرتها قبل انقضاء عام. وقصدي أن أكتب عرضا مرتبا لدروس من فلسفتي في صورة دعاوى أقتصر فيها على ذكر جميع النتائج التي انتهيت إليها، والدواعي الحقيقية لها. وهذا أمر أظنني أستطيع أداءه في كلمات قلائل, وأود أن أطبع في الكتاب نفسه دروسا في الفلسفة التقليدية كفلسفة الأخ "أوستاش" مع تعقيباتي على كل مسألة.... وربما وازنت في النهاية بين الفلسفتين المتعارضتين، ولكني أسألك ألا تذكر لأحد شيئا عن قصدي هذا حتى يتم لي نشر ميتافيزيقاي.
بعد ذلك بقليل نشر ديكارت ميتافيزيقاه التي أشار إليها في العبارة السابقة, وهي كتابه "التأملات في الفلسفة الأولى" وحدث أن ألف الأب "بوردان"
стр. 2
كتابا سخر فيه من التأملات الديكارتية، عاقدا العزم -كما يقول- "على أن يضيع ما لمؤلفها من شهرة في روما وفي كل جهة أخرى"، وتساءل اليسوعيون عن موقف ديكارت من تحدي "بوردان" وعهدوا إلى ألب "مرسن" أن يكشف لهم عن نية ديكارت. فكتب ديكارت ردا عليه يقول: "لقد عدلت عما كنت نويته من نقض تلك الفلسفة -أي: المدرسية- لأني أرى أن مجرد نهوض فلسفتي يقوض الفلسفة المدرسية تقويضا لا تحتاج بعده إلى تفنيد آخر"١.
وإذن فقد قنع ديكات بتقويض الفلسفة المدرسية بنشر كتابه "مبادئ الفلسفة" متوخيا فيه أن يبسط مذهبه "على ترتيب خاص يجعل تعلمه ميسورًا" ومؤملا أن "يتحقق الناس بالتجربة أن آراءه ليس فيها شيء مما قد يخشاه رجال التعليم، بل سيجدوا فيها نفعا وإصلاحا كبيرا".
وظهر الكتاب الموعود بأمستردام في ٢٠ يوليو سنة ١٦٤٤ بعنوان هذا نصه: "مبادئ فلسفة رينيه ديكارت".
Renati Decartes principia Philosophiae.
كتبه ديكارت باللغة اللاتينية، وقام الأب "بيكو" فوضع للكتاب فرنسية راجعها ديكارت ونشرت بباريس سنة ١٩٤٧ بالعنوان التالي:
Principes de la philosohie; ecrits en latin par Rene Descartes et traduits en francais par un de ses amis.
وبعث ديكارت إلى مترجم الكتاب رسالة هامة جعلها بمثابة المقدمة للترجمة الفرنسية، أوضح فيها الخلاف بين الفلسفة القديمة والفلسفة الجديدة،
стр. 3
والمميزات التي توجد في فلسفته، وفضلها في تقدم المعارف البشرية تقدما مضطردا غير محدود.
وأهدى ديكارت كتاب المبادئ إلى الأميرة "إليزابث" وهي كبرى بنات الناخب البالاتيني "فردريك الخامس" الذي ملك على بوهيميا مدة قصيرة، وأمها هي "إليزابث على ستيوارت" ابنة جاك الأول ملك إنجلترا، ولقد كانت الأميرة إليزابث على جمال نادر وأخلاق رصينة وذكاء متوقد لا يخلو من القلق، وحظ من الثقافة المتينة المنوعة، هذا إلى دراية وحذق للعلوم الرياضية والفلكية والطبيعية، واتصلت الأميرة بالفيلسوف عن طريق المراسلات، فكانت تستشيره لا في الصعوبات التي كانت تلقاها في المسائل العلمية فحسب, بل في شئونها الخاصة, وكان ديكارت يقدر الأميرة تقديرا عاليا لما امتازت به من صفات نادرة. ونعتقد أن الفلسفة كسبت كسبا عظيما من تلك الصلة وما استتبعته من مراسلات ذات قيمة. فإذا كانت كتب الفيلسوف توقفنا على ديكارت الميتافيزيقي والعالم, فإن رسائله إلى الأميرة تكشف لنا عن جوانح الرجل ودخيلته. وهذا ما يجعل لها أهمية فريدة، فإن كل مذهب لا يساوي في الحقيقة إلا ما يساوي صاحبه, وما وضع فيه من نفسه.
وكان في نية ديكارت أن يجعل كتاب المبادئ في ستة أجزاء:
"مبادئ المعرفة, مبادئ الأشياء المادية, السماء, الأرض, النبات والحيوان, الإنسان".
ولكنه لم يستطع إتمام الجزأين الأخيرين لقلة ما لديه من التجارب، فقنع بالأجزاء الأربعة الأولى التي يشمل أولها الميتافيزيقا، ويشمل ثانيها وثالثها ورابعها الفيزيقا المؤسسة على تلك الميتافيزيقا.
стр. 4
فكتاب المبادئ ينقسم إذن أربعة أجزاء: الأول وعنوانه: "مبادئ المعرفة البشرية"، يحوي على التقريب ما يحويه كتاب التأملات لولا أنه بأسلوب آخر، ولولا أن ما وضع في الواحد مطولا وضع في الآخر مختصرا وبالعكس. والجزء الأول هذا، إذا قِيس بالثلاثة الأخرى، وجد عبارة عن نحو عشر الكتاب كله، وهو أقل قدر من الميتافيزيقا لازم لكل فيزيقا في ذلك الوقت.
والجزء الثاني وعنوانه: "مبادئ الأشياء المادية" بيّن ديكارت فيه لِمَ يعتبر الأجسام إلا مادة ممتدة طولا وعرضا وعمقا, ولم يعتبر في تغيراتها المتعاقبة إلا حركات خاضعة لبعض قوانين بسيطة جدا؟
وعنوان الجزء الثالث: "في عالم الشهادة" Du Monda Visible. وهو بحث في الميكانيكا السماوية، يصف ديكارت فيه حركة الأرض والكواكب الأخرى حول الشمس.
وعنوان الجزء الرابع: "في الأرض" ويفسر فيه ديكارت الثقل وظاهرة المد والجزر وخواص المغناطيس ... إلخ، ويبقى الجذبة بين الأجسام؛ لأن فكرة الجذبة فكرة مبهمة.
стр. 5
٢- ماهية الفلسفة ومقصدها عند ديكارت:
يرى ديكارت أن الفلسفة هي دراسة الحكمة، والحكمة علم واحد كلي، هي تفسير جامع للكون أو هي نظام شامل للمعرفة البشرية. وليست الفلسفة مجرد مجموعة معارف جزئية خاصة, وإنما هي علم المبادئ العامة، يعني: أنها علم للأصول التي هي أسمى ما في العلوم. وإذن, فالفلسفة عند ديكارت يدخل فيها علم الله وعلم الطبيعة وعلم الإنسان, لكن دعامة الفلسفة عنده إنما هي في الفكر المدرك لذاته, والذي هو في ذاته مدرك الموجود الكامل أي: الله منبع كل وجود, والضامن لكل حقيقة.
стр. 6
والفلسفة عند فيلسوفنا نظر وعمل، لكن النظر هو بمثابة الأساس الذي يقوم عليه العمل. ولقد بين ديكارت نفسه ماهية الفلسفة وموضوعها في مقدمة كتاب المبادئ, قال: "لفظ الفلسفة هذا معناه: دراسة الحكمة وليس معنى الحكمة قاصرا على الحيطة والتبصر في الأمور، بل تفيد أيضا معرفة كاملة لجميع الأشياء التي يستطيع الإنسان معرفتها إما لهداية حياته, أو للمحافظة على صحته, أو لاختراع جميع الفنون"١.
وإذن, فليست غاية العلم عند ديكارت مقتصرة على المعركة, بل إن من غاياته أن يكفل للإنسان الراحة والهناء. ولعل فكر ديكارت في هذا الموضوع أقل سموا من فكر أرسطو الذي جعل من براءة النظرة وخلوها من المنفعة طابع الفلسفة. على أننا ينبغي ألا نسرع في الحكم على ديكارت فهو نفسه يضيف إلى ما تقدم قوله: "ينبغي على البشر الذين جزؤهم الرئيسي هو الذهن أن يوجهوا أكبر قسط من عنايتهم إلى طلب الحكمة التي هي غذاؤه الصحيح ... وليس من النفوس نفس مهما بلغت من قلة النبل تظل متعلقة بأمور الحواس تعلقا كبيرا يحول دون انصرافها عنها أحيانا، مؤملة خيرا آخر أكبر، وإن كانت تجهل في الأغلب ماهية ذلك الخير ... وهذا الخير الأسمى إذا اعتبر بالنور الطبيعي دون نور الإيمان، لم يكن شيئا آخر غير معرفة الحقيقة بواسطة علتها الأولى، أعني: الحكمة"٢.
وكيف الوصول إلى تلك المعرفة ذات القيمة الكبرى؟
يرى عامة الناس، بل أغلب الفلاسفة، أن المعرفة على أربعة ضروب:
"الضرب الأول لا يحوي إلا معاني بلغت من الوضوح بذاتها أن كان تحصيلها ممكننا من غير تأمل" أو لعل ديكارت قد خطر بباله هنا المعاني
стр. 7
الرياضية، "والثاني يشمل كل ما توقفنا عليه تجربة الحس. والثالث ما تفيدنا إياه المحادثة مع غيرنا من الناس, والرابع مطالعة الكتب"١.
ويلاحظ أن ديكارت لم يضمن في إحصاء عملية الاستدلال. على أن من الصعب علينا أن نقبل ذلك التقييم الذي يضع محادثة الناس ومطالعة الكتب في مستوى واحد مع حدس المعاني الرياضية والتجربة, ولكن تلك الأضرب ليست إلا لصور الدنيا للمعرفة. فلكي تكون المعرفة كاملة ينبغي أن تكون مستنبطة من العلل الأولى. ومهمة الفيلسوف هي البحث عن تلك العلل أو المبادئ: "لقد وجد في كل زمان رجال عظماء حاولوا أن يجدوا مرتبة خامسة لبلوغ الحكمة، هي أسمى وأوثق ولا يعدلها شيء من المراتب الأربع الأخرى, وهي طلب العلل الأولى للمبادئ الحقة التي بها يكون بمقدور الإنسان أن يستنبط أسباب كل ما يستطيع أن يعرف. وأولئك الذين جدوا في هذا المطلب هم الذين سماهم الناس فلاسفة".
وما شرائط تلك المبادئ الأولى؟
ينبغي أن يتوافر في تلك المبادئ شرطان: الأول: أن تكون من الوضوح والبداهة بحيث لا يشك الذهن في حقيقتها إذا جد في النظر فيها. والثاني: أن تعتمد عليها معرفة الأشياء الأخرى, فلا تتم تلك المعرفة بدونها، في حين أن المبادئ يمكن معرفتها بدون تلك الأشياء: "ينبغي أن نستنبط من تلك المبادئ الأولى معرفة الأشياء التي تعتمد عليها بحيث لا يكون من سلسلة الاستنباطات التي تقوم بها شيء إلا وهو شديد الجلاء"٢.
وعلى ذلك يكون منهج الفلسفة هو المنهج الاستنباطي, ومعيارها الوضوح والتميز وربط المعاني.
стр. 8
ب- والفلسفة عند ديكارت واحدة، ولكنها لسهولة التعليم تنقسم عدة أجزاء:
"الجزء الأول هو الميتافيزيقا التي تشمل مبادئ المعرفة, التي بينها تفسير أهم صفات الله، ولامادية نفوسنا، وجميع المعاني الواضحة البسيطة التي هي فينا، والثاني الفيزيقا التي ينظر فيها على العموم بعد إيجاد المبادئ الصحيحة للأشياء المادية؛ كيف نشأ الكون كله؟ ثم علي الخصوص ما طبيعة هذه الأرض وجميع الأجسام التي توجد عليها كالهواء والماء والنار والمغناطيس؟ وبعد ذلك نحتاج إلى أن نفحص أيضا على الخصوص عن طبيعة النبات وطبيعة الحيوان, وبالأخص عن طبيعة الإنسان لكي نستطيع بعد ذلك أن نجد العلوم الأخرى التي فيها منفعة له؛ ولذلك كانت الفلسفة كلها كشجرة جذورها الميتافيزيقا, وجذعها الفيزيقا، والفروع التي تخرج من هذا الجذع هي جميع العلوم الأخرى التي ترجع إلى ثلاثة علوم كبرى, هي: الطب والميكانيكا والأخلاق, وأقصد الأخلاق الأرفع والأكمل التي تفيد معرفة تامة بالعلوم الأخرى؛ ولذلك كانت هي أقصى مرتبة من مراتب الحكمة"١.
فلنلاحظ أن ديكارت قلب النظام المعهود في المعرفة البشرية, وجعل من الميتافيزيقا مدخلا إلى الميكانيكا وإلى الطب وإلى الأخلاق. فالميتافيزيقا عند ديكارت إنما تمدنا بالمبادئ الأولى للأشياء, ويشتق من الفيزيقا علمان عمليان, أو فنان هما: الميكانيكا والطب، وأخيرا يشتق من الفلسفة كلها علم الأخلاق الصحيح الذي هو آخر مراتب الحكمة, والذي هو عبارة عن الحياة على وفاق مع نظام العالم وإخضاع إرادتنا لنظام الأشياء.
جـ- ارتاع ديكارت لما شاهد من عقم الفلسفة المدرسية وبعدها عن الحياة العامة، وأيقن أن الفلسفة يجب أن يكون لها غرض عملي، يجب أن يفيد منها
стр. 9
الإنسان في إصلاح معاشه. وقد تبدو لأول وهلة على فلسفة ديكارت صبغة نظرية بحتة، لكن الحقيقة أن ديكارت لم تفارقه المشاغل العملية أبدا؛ فقد أراد أن يقيم علما طبيا مؤسسا على العقل، وكان دائم العناية بالأخلاق. كتب إلى شانو: "إن أمثل السبل لكي نعرف كيف ينبغي أن نحيا هو أن نعرف أولا من نحن؟ وما العالم الذي نعيش فيه؟ ومن هو خالق هذا الكون الذي فيه مقامنا؟ ".
ولقد أصر ديكارت في القسم السادس من كتاب "المقال في المنهج" على ذلك الاتجاه العملي الذي يجب أن توجه إليه الفلسفة, وبين هذه الأفكار وأفكار "بيكون" مشابهة عجيبة: "بدلا من تلك الفلسفة النظرية التي تعلم في المدارس، يمكن أن نجد فلسفة عملية نستطيع بها إذا عرفنا قوة الهواء وفعله، وفعل النجوم والسموات وجميع الأجسام الأخرى التي تحيط بنا، وكذلك الحال في جميع المهن التي يمارسها صناعنا، نستطيع أن نستعملها على ذلك النحو في جميع الاستعمالات التي اختصت بها، فنجعل بها أنفسنا سادة لها مسيطرين عليها"١.
وفضل التفلسف عند ديكارت ليس مقصورا على سمو النظر وشرف المرتبة، بل إن فيه أيضا منفعة عملية، والفلسفة ضرورية لإصلاح أخلاقنا ولهداية حياتنا، إذ ترشدنا إلى ماهية الخير الأسمى. وديكارت يميز هنا -كما فعل الرواقيون- نوعين من الخيرات: خيرات ليس أمرها بأيدينا، وخيراتهي في مقدورنا، والخيرات من النوع الأول ليست هي الخير الحق, وقد قال ديكارت: "الخير الأسمى لكل واحد عبارة عن التصميم على فعل الخير, وما يحدثه ذلك من رضى في النفس, ولا أرى غيره خيرا يعدله في جلال قدرة, ويكون بمقدور كل واحد, فإن خيرات البدن والحظ واليسار ليست على الإطلاق في مقدورنا"، ولا
стр. 10
يرى ديكارت فرقا بين الخير الأسمى وبين معرفة الحق. قال في المقال: "إرادتنا لا تتجه إلى الإقبال على شيء, أو الانصراف عنه إلا بقدر ما يمثله لنا ذهننا حسنا أو قبيحا. ويلزم عند ذلك أنه يكفي أن نحكم على الأشياء حكما حسنا ليكون فعلنا حسنا" وإذن فليس هنالك حقيقة علمية وحقيقة أخلاقية. فالإرادة توجهها الأفكار، وهي تحسن حين تدبرها أفكار واضحة متميزة، وتسيء حين تتجه بأفكار غامضة مبهمة. وإذن, فالعلم والفضيلة شيء واحد، والخطأ والرذيلة أمران متماثلان. إنما قاعدة إرادتنا هو أن نريد نظام العالم" "ولا شيء هو في تمام استطاعتنا إلا أفكارنا". فإذا صح ذلك وجب أن نسعى لتغيير رغباتنا بدلا من محاولة تغيير نظام العالم. ويترتب على ذلك أن الفضيلة واحدة, وأن من كان له فضيلة فله جميع الفضائل.
ونحن نتبين في نظرات ديكارت هذه مشابهة للنظرات الأخلاقية التي عرفناها عند سقراط والرواقيين.
والواقع أن النظرة الديكارتية إلى الفلسفة إنما هي في صميمها نظرة قدماء الفلاسفة وأغلب فلاسفة القرون الوسطى، وديكارت في هذا كله ما زال يمت إلى الماضي بسبب وثيق. وكل ما هنالك من فرق عميق بين القديم والحديث إنما نجده في المنهج الفلسفي الجديد؛ ومن ثم في النتائج التي نتجت عنه. وفلسفة ديكارت قد اتخذت أيضا صورة استدلالية استنباطية, فسنرى أنه من المبدأ الأول للأشياء تستخرج الأشياء بحركة متصلة من حركات الفكر، لكن ديكارت إنما وضع نصب عينيه أن لا يستخدم إلا مبادئ هي من البداهة والوضوح, بحيث لا يستطيع العقل أن يشك في صحتها. وهذه البداهة والوضوح سيذيعان بالضرورة في سلسلة الأشياء التي تستخلص من تلك المبادئ.
стр. 11
٢- الجزء الأول من "مبادئ الفلسفة ":
إن المكان الذي يخص به ديكارت الميتافيزيقا كثير الدلالة على منحى الفيلسوف. كانت الكتب المستعملة في المدارس والمعاهد تضع الميتافيزيقا بعد الفيزيقا، أعني: كانت تضعها آخر الدروس. فمثلا كتاب "الأخ أوستاش دوسان بول" Fr. Eustache de St. Paul المسمى "Summa philosophiae, quadripartita. De rebus Dialecticis, Moralibus, physreis & metaphyaieis.
ظاهر في ترتيبه أن الجزء الأول يشمل المنطق والثاني الأخلاق والثالث الفيزيقا والرابع الميتافيزيقا. فالميتافيزيقا تقع في النهاية في هذا الكتاب وكذلك شأن الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا ... لكن ديكارت قد خالف ذلك مخالفة ظاهرة فبدأ بالميتافيزيقا. وهذا القلب للترتيب التقليدي كان بمثابة ثورة في عهد الفيلسوف, فلم تعد الفلسفة عبارة عن الارتفاع عن الأشياء المشهودة إلى غير المشهودة، ومن العالم إلى الله، باعتبار أن الميتافيزيقا مرتبة عالية لا نجد فوقها إلا العلم الأعلى أو اللاهوت، وإنما الفلسفة تفسير للعالم بواسطة المبادئ التي تكفلها لنا الميتافيزيقا، وليس من الضروري أن تنصرف الفلسفة عن اللاهوت. ولكن تلك المعرفة العالية ليست مع ذلك هي قصد الفلسفة عن اللاهوت, إنما تنزع الفلسفة إلى علم الطبيعة ومقصدها الأكبر أن تعطي لعلم الطبيعة المبادئ التي هو بحاجة إليها.
نجد إذن في الجزء الأول من المبادئ ما كان موضوع كتاب التأملات١. وديكارت يعنون هذا الجزء قصدا "مبادئ المعرفة"، على أن ترتيب الموضوعات لم يتغير إلا في نقطة واحدة؛ فدليل وجود الله من ماهيته لم يعد هنا الدليل الثالث بل الأول، باعتباره أقرب الأدلة إلى الحدس. والدليلان الآخران لا يأتيان
стр. 12
إلا بعد ذلك: دليل وجود الله من فكرته في ذهننا، ودليل وجود الله من وجود ذهننا مع فكرة كهذه "المواد ١٤، ١٥، ١٦ الدليل الأول، والمواد ١٧، ١٨، ١٩ الدليل الثاني، والمواد ٢٠، ٢١، الدليل الثالث".
أما التشبيه المأخوذ من فكرة آلة صناعية, وهي الفكرة التي تحتاج إلى علة تفسرها فلم يكن موجودا إلا في الردود على الاعتراضات لا في التأملات، وأدخله ديكارت في المبادئ "مادة ١٧"، وفي بقية ذلك اتبع ديكارت في كتاب المبادئ الترتيب الذي اتبعه في كتاب التأملات. وإن بين الكتابين تجاوبا, وعلى الخصوص بين الخاتمة؛ ففي الناحيتين تعالج مسألة الخطأ لا على العموم "فإن نظرية الخطأ في مكانها خلال المناقشة" بل الأخطاء الحقيقية التي نقع فيها أثناء البحث عن الحقيقة، مع إحصائها في البداية وفي النهاية ذكر عللها وعواقبها, وهي إفساد الفلسفة, وآية ذلك التعاليم المدرسية. ومع ذلك, فديكارت يبين هنا بأوضح مما قد بينه في التأملات نصيب الكسب وحرية الاختيار, يفسر الخطأ بضعف الإرادة التي تتراخى، والشك الذي هو كتحرر الذهن هو فعل من أفعال النشاط تمسك به الإرادة زمام نفسها "المواد: ٣١-٤٤".
ويصر فيلسوفنا أكثر مما فعل على فكرة "اللامتناهي" في حين أنه في التأملات قد مال إلى اعتبار الله الموجود الكامل, ومع ذلك فبين الكتابين فرق عظيم، ولو تتبعناه إلى النهاية لأدى إلى توجيه الميتافيزيقا وجهة الأخلاق أكثر من توجيهها وجهة العلم. لكن ديكارت لا يقدر وقوع أمر كهذا, وإنما تقوده فكرة اللامتناهي إلى تفسيرين, كلاهما أدخل في باب العلم: اللامتناهي في العظم
فضاء يضاف إلى فضاء بلا وقوف عند حد, واللامتناهي في الصغر, ومادة تنقسم بلا تناهٍ "المواد ٢٦، ٢٧" فمن الجهتين ينفتح مجال واسع أمام الذهن لمعرفة الكون. ولكن ديكات قد استعمل الحيطة فاستعاض عن "اللامتناهي"
стр. 13
"ذلك اللفظ الخطر" بلفظ "اللامحدود" indefini وهو في هذا لم يفعل أكثر من اتباع ذهنه في ميله الطبيعي, لقد كان يشعر بأن ذهنه متناهٍ. فكل تأكيد سواء كانت الأشياء لامتناهية أو لم تكن، يجعل الذهن متساويا للانهائية الله، وذلك ادعاء باطل. على أن ذلك الموقف المتحوط الحذر كان يلائم أخلاق ديكارت, فهو يتجنب الفصل في ذلك الموضوع الخطر، موضوع لاتناهي العالم، ولا يرد بشأنه على رجال الدين, بل إنه يتفادى كل سؤال مقحم محرج من جانبهم، وبهذا يستبعد الصعوبات العملية التي قد تنجم عن اعتبار العلل الغائبة "مادة ٢٠، ٤٠, ٤١". إن ذهننا لا يستطيع في تبجح سخيف أن يدعي المقدرة على النفاذ إلى مقاصد الله، وهو يستبعد أيضا كل صعوبة لاهوتية تنتج من سبق التدبير الإلهي، ذلك السابق المتناهي، فيما يظهر، مع الحرية الإنسانية. ولقد نبهه جاسندي إلى ذلك الأمر، ولقد عاد ديكارت إليه في كتاب المبادئ وإن كان قد تعرض لبيان وجهة نظره فيه من قبل.
وربما جاز لنا أيضا أن نعزو إلى حيطة ديكارت منحه التعاليم المدرسية قسطا كبيرا من العناية في الجزء الأول من المبادئ. فهو يعالج مشكلة "الليات" ويعيد الكلام في "التقسيمات الحقيقية والصورية والعرضية"١ التي كان قد تعرض لها من قبل في نهاية رده على كاتيروس٢. وكان ديكارت قد أراد أن يبسط فلسفة تعطي الجواب الشافي عن كل مسألة, من أجل ذلك لا نراه يرفض المسائل التي كانت لها منزلة الشرف عند المدرسيين، بل يعالجها على طريقة ما, مبينا أن فلسفته تستطيع أيضا أن تحملها, إذ إن فلسفة جديدة لا تحل محل الفلسفة التي تريد تقويضها إلا إذا استخدمت أنقاضها كمولد وأدوات لمبانيها الخاصة.
стр. 14
لم يكن تاريخ الفلسفة في القرن السابع عشر علما وكانت فكرة الناس عن مذاهب القدماء من أبسط الفكرات، إلا أنها صحيحة مضبوطة. ويقسم ديكارت قدماء الفلاسفة شيعتين: الذين يشكون وليسوا بأقل الناس حكمة، والذين يدعون من غير حق أنهم على يقين؛ وعلى هذا النحو يقسم "بسكال" الناس إلى شكاك وقطعيين١.
لم يقتصر ديكارت على أن جعل من الطائفة الأولى الأكاديميين, بل يجعل منهم أيضا أسلاف الأكاديميين حتى أفلاطون وسقراط نفسه. وهو يمتدحهم؛ لأنهم أقروا بسذاجة أنهم ما عرفوا حقا, بل شبيها بالحق، ولا ننسى النصيب الذي جعله ديكارت لهذا المذهب في فلسفته, إذ هو يفتتحها بالشك. وديكارت يؤيد أولا قضية الشك في ظاهر الأمر, ولكنه سرعان ما يرجع ويفارقهم فرقة نهائية لكن الفلاسفة الآخرين أقل صراحة من الشكاك في نظر ديكارت. هم يعلنون أنهم مالكون للحق، ويرون حقا مبادئ ليست كذلك ولعل ديكارت يقصد هنا أرسطو مع أنصاره المحدثين وديمقريطس. وديكارت منصف لتلك الفلسفة الثانية، فإن المبادئ التي يتخذها هو كالامتداد والشكل والحركة توجد من قبل عند ديمقريطس وعند أرسطو نفسه، ولكنها مخلوطة بفروض أخرى تفسد حقيقتها، ويستخلصها ديكارت من تلك اللوثة المنكودة ويجلي ما لتلك المبادئ من بداهة.
وعلى هذا النحو يستعمل فيلسوفنا من المذاهب القديمة القسم القطعي والقسم الارتيابي, ويدخلهما في مذهبه فيعطيهما بطابع جديد. ذلك أننا نجد ديكارت يأخذ أسباب الشك فيبررها هذه المرة ويحملها إلى القمة، ولكن ينتهي الأمر بأن تتعارض تلك الأسباب من نفسها. ومن جهة أخرى نجد أسباب القسمين تكتسب قوة لم تكن لها قط من قبل. من أجل هذا, تجيب فلسفة ديكات عن التعريف
стр. 15
الذي كان أطلقه عليها أولا, والذي وضح شرطين كافيين: الموضوع الكامل وبداهة المبادئ ثم إمكان استخلاص جميع المعلومات التي توجد في الطبيعة, وبعبارة أخرى: هي مزج موفق بين الفيزيقا والرياضة.
وههنا نجد الإصلاح الكبير بل الثورة التي قام بها فيلسوفنا؛ فهو لم يكف عن التصريح بذلك في كتاب المبادئ في خاتمة الأجزاء الأربعة, وفي كل لحظة في صلب الكتاب. وهنالك شخص على الأقل قد فهم ذلك, وبين بوضوح مدى ذلك العمل وهو الأب "بيكو"١, وهو يذكر بحق أن الفيزيقا كانت إلى عهده هي علم الطبيعة كله, وأن الرياضة لم تكن إلا جزءًا منها بين أجزاء أخرى كبيرة, ولكن ديكارت قد قلب ذلك النظام, فالرياضة أصبحت على يديه كل شيء ولن تكون الفيزيقا إلا جزءًا.
والموضوعات التي تدرسها الرياضة تشمل عددا لامتناهيا من الممكنات. والعالم الحقيقي الواقع إنما هو أحد هذه الممكنات وهو خاضع لنفس القواعد ولنفس القوانين التي تخضع لها جميع العوالم الأخرى. وإذن فلكي نفهم العالم الواقع جيدا ينبغي أولا أن نعرف قوانينه، وهكذا تستعاد حقوق الرياضة وامتيازاتها، وبفضل الرياضة تستطيع الفيزيقا -إذ ترضى بأن تصبح تابعة لها- أن تدعي لنفسها شرف العلم الصحيح. وقبل ذلك قال غاليليو بأن الرياضة تعطينا المفتاح, أو هو مكتوب بحروف جفرية والرياضة تعطينا الجفرة؛ ولكن أهي الجفرة الصحيحة الحقيقية الواقعية؟ ما علينا بعد هذا إذا كنا بها نستطيع أن نترجم عن الأشياء أو أن نفسرها. أجل, إن الآثار التي نشاهدها في هذا العالم يمكن أن تتحقق بوسائل غير ما نظن، ولكن هذه معقولة لنا، وتلائم حاجاتنا. وإذن فهي لنا كالوسائل الصحيحة, وتحل عندنا محل الوسائل الحقيقية
стр. 16
التي لا نعرفها. بل إذا استطعنا يوما أن نعرف الوسائل الحقيقية لو صح أنها موجودة وليست خرافة, فلسنا نكسب من ذلك شيئا لا للنظر -ما دمنا قد كسبنا بدونها من قبل معرفة للأشياء صحيحة واضحة متميزة- ولا للعمل ما دامت تلك المعرفة تمكننا من أن نؤثر على الطبيعة١. فالواقع هو كله عندنا في الفكرة الواضحة المتميزة، وهي ماهية الحقيقة وجوهرها. والكلمة الأخيرة في تلك الفيزيقا -كما كان الحال في الميتافيزيقا عند ديكارت- هي "المثالية الجوانية". وفيلسوفنا يريد اليقين المطلق التام, فهو يستدل تبعا لذلك, وهو أخيرا يلتجئ إلى الموجود الكامل كما لو كانت قضيته خاسرة, قال: "إن الشك في عقلنا, أو في فكرنا بمثابة العيب في حق الله"٢.
هذا, وقد راعيت في الترجمة على العموم أن تكون مطابقة لأصلها اللاتيني الذي كتبه ديكارت، وإن كنت قد رجحت في بعض المواضع صياغة الترجمة الفرنسية التي راجعها الفيلسوف قبل نشرها.
ولا يفوتني ههنا أن أنوّه بطبعتين للمبادئ بالفرنسية, انتفعت بهما في تعليقاتي على الكتاب: الأولى طبعة "لوي ليار" والثانية طبعة "دور إندان".
القاهرة إبريل ١٩٥٩
عثمان أمين
стр. 17
إهداء المؤلف
مدخل
...
إهداء المؤلف:
إهداء إلى حضرة صاحبة الشوكة ١ الأميرة إليزابث كبرى بنات فردريك، ملك بوهيميا، وكونت بالاتينا والأمير الناخب للإمبراطورية:
سيدتي:
إن أعظم نفع ظفرت به من المؤلفات التي نشرتها من قبل هو أنني قد نلت بسببها شرف الالتفات إليّ من سموك، وحظيت حينا بالتحدث إلى جنابك, فتيسر لي بهذا أن أتبين في شخصك خصالا قيمة نادرة جعلتني أعتقد أنني أسدي خدمة للجمهور إذا أنا قدمتها إلى الخلف قدوة تحتذى. لا يليق بي أن أتملق أو أن أكتب أشياء ليس لي بها معرفة يقينية، وعلى الخصوص في الصفحات الأولى لهذا الكتاب، الذي قصدت فيه إلى أن أضع مبادئ جميع الحقائق التي يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفها. وإن التواضع الكريم الذي نراه متألقا في جميع أفعال سموك يجعلني على ثقة من أن الكلام البسيط الصريح الذي ينطق به رجل, لا يكتب إلا ما يعتقد، سيلقي لديك من ارتياح أكثر مما تلقي خطب الثناء المنمقة بعبارات التفخيم، التي يعمد إليها من درسوا فن المديح. ولهذا لن أضع في هذه الرسالة شيئا ما لم تكن التجربة والعقل قد جعلاني مستيقنا منه. وسوف أكتب في الديباجة كما في بقية الكتاب على النحو الذي يلائم الفيلسوف.
стр. 18
إن هناك فرقا بين الفضائل الحقيقية والفضائل التي ليست إلا ظاهرية، كما أن هنالك فرقا كبيرا بين الفضائل التي تصدر عن معرفة الحقيقة معرفة صحيحة والفضائل التي تكون مصحوبة بالجهل أو بالخطأ، والفضائل التي أسميها ظاهرية ليست في حقيقة الأمر إلا رذائل.
ولكن من حيث إنها ليست من الشيوع بقدر الرذائل الأخرى التي هي أضداد لها، ومن حيث إنها أبعد عنها من الفضائل التي تشغل منزلة وسطى, فقد جرت عادة الناس أن يقدروها أكثر مما يقدرون من الفضائل؛ ولذلك لما كان عدد من يخافون المخاطر خوفا شديدا جدا أكثر من عدد من يخافونها قليلا جدا، غلب على الناس أن يقابلوا بين التهور والاستحياء كما يقابلون بين فضيلة ورذيلة، وزاد تقديرهم للتهور على تقديرهم للشجاعة الحقيقية. ولذلك أيضا وجدنا المبذرين يمدحون عادة أكثر مما يمدح أهل السخاء، ووجدنا الأخيار المخلصين حقا لا ينالون من الاشتهار بالبر والتقوى قدر ما ينال المخرفون والمنافقون.
وكثير من الفضائل الحقيقية لا تصدر عن معرفة حقيقية, بل إن منها ما يصدر أيضا عن نقص أو خطأ, فغالبا ما تكون البساطة علة لرقة القلب، والخوف علة للتقوى، واليأس علة للشجاعة. والفضائل المصحوبة بنقص يختلف بعضها عن بعض ويسميها الناس أيضا بأسماء مختلفة. أما الفضائل الخالصة الكاملة التي لا تصدر إلا عن معرفة الخير, فهي كلها من طبيعة واحدة، ويمكن أن يشتمل عليها اسم الحكمة؛ لأن كل من صدقت عزيمته وثبتت إرادته على أن يستعمل عقله دوما أحسن ما وسعه من استعمال، وان يتوخى في جميع أفعاله ما يراه أحسن الأشياء، وهو حكيم حقا بقدر ما تهيئه له طبيعته. وبهذا وحده يكون عادلا ومعتدلا، ويكون مالكا لكل الفضائل الأخرى، وتكون كلها مجتمعة فيه بقسطاس مستقيم, فلا تطغى إحداها على الأخرى. وهذا هو السبب في أن هذه
стр. 19
الفضائل مع كونها أكمل جدا من الفضائل التي تلمع وتبرز بسبب امتزاجها ببعض النقص، غير أنه لما كانت العامة أقل التفاتا إليها، لم تجر العادة بأن تنظم لها عقود الثناء١.
يضاف إلى هذا أن من بين الأمرين المطلوبين للحكمة على نحو ما وصفنا -أعني: إدراك الذهن لما هو خير، واستعداد الإرادة لأن تتبعه على الدوام- أن هنالك أمرا هو مناط الإرادة وحده يمكن أن يملكه الناس جميعا على السواء؛ نظرا إلى أن قرائح بعض الناس أقل جودة من قرائح غيرهم٢. ولكن مع أن من لم يرزقوا جودة القريحة يستطيعون أن يبلغوا من الحكمة ما تؤهلهم له
стр. 20
طبائعهم، وأن ينالوا رضى الله بفضائلهم، ما داموا مستمسكين بعرا العزيمة الصادقة مصممين على أن يعملوا كل ما يرونه خيرا، وأن لا يدخروا جهدا في تعلم الواجبات التي يجهلونها. بيد أن من يقصدون إلى فعل الخير بعزم صادق، ويبذلون في تثقيف أنفسهم عناية خاصة، ويملكون أيضا قريحة نفاذة, لا جرم يصلون إلى مرتبة من الحكمة أرفع من مرتبة غيرهم. وإني لأرى أن هذه الأمور الثلاثة قد اجتمعت في سموك بغاية الكمال, فعنايتك بتثقيف نفسك تتجلى في أنه لا شيء من ملهيات البلاط ولا الأسلوب المألوف في تربية الأميرات, ذلك الأسلوب الذي يصرفهن عادة عن الدرس والتحصيل، قد استطاع أن يحول بينك وبين أن تدرسي بمزيد من العناية أحسن ما في العلوم، ونفاذ قريحتك الذي لا نظير له يتبين من أنك نفذت إلى أسرار العلوم وأحطت بها إحاطة دقيقة في زمن وجيز جدا. ولكن عندي دليل يخصني أنا، وهو أنني لم ألق قط شخصا قد استطاع أن يفهم، بمثل ما بلغت من إحاطة وإتقان، كل ما تشتمل عليه مؤلفاتي؛ فإن هنالك كثيرين، حتى من بين ذوي الأذهان الفذة والعلم الغزير، يجدونها غامضة جدا. وقد لاحظت عند جمهرة المتبحرين في الرياضيات أنهم غير مستعدين إطلاقا لهم مباحث الميتافيزيقا، ولاحظت من جهة أخرى أن من يستسهلون هذه لا قدرة لهم على أن يفهموا تلك؛ ولهذا أستطيع أن أقول محقا: إنني لم ألق قط إلا ذهن سموك وحده الذي يستسهل هذه وتلك على السواء، ولهذا يحق لي أن أصفه بأنه ذهن لا نظير له. ولكن الشيء الذي يزيد من إعجابي هو أن هذه الإحاطة بجميع العلوم على هذا النحو من التنوع والكمال, لم أجدها عند عالم من الشيوخ أنفق سنوات عديدة في الدرس والتحصيل، بل عند أميرة ما زالت شابة محياها أقرب إلى أن يمثل محيا إحدى
стр. 21
ربات الجمال١ اللواتي يتحدث عنهن الشعراء، من أن يمثل محيا إحدى ربات الشعر٢ أو محيا العالمة "مينرفا"٣.
وختاما، ألاحظ في سموك كل ما هو مطلوب من جانب الذهن للحكمة الكاملة الفائقة، وليس هذا فحسب, بل كل ما يمكن أن يكون مطلوبا من جانب الإرادة أو الأخلاق، وفيها نرى علو الهمة والرقة، ملتئمتين مع الجلالة التئاما جعل صروف الدهر -مع أنها وجهت إليك ضرباتها المتواليات، ومع أنها بدت وكأنها قد بذلت كل ما في وسعها لتحويلك عن طبعك الرضي- لم تستطع قط أن توغر صدرك أو تكسر قلبك. وقد تضطرني هذه الحكمة الكاملة إلى إكبارك إكبارا يجعلني لا أقتصر على الاعتقاد أنك صاحبة الفضل في هذا الكتاب، إذ يبحث في الفلسفة التي هي دراسة الحكمة, بل يجعلني أشعر بأن حرصي على التفلسف، أي: السعي إلى تحصيل الحكمة، ليس أشد من حرصي على أن أكون يا سيدتي، لسموك,
الخادم المتواضع جدا،
والمطيع المتواضع جدا,
ديكارت
стр. 22
رسالة من المؤلف إلى مترجم الكتاب:
وهي بمثابة تقديم له:
سيدي:
إن ترجمة "مبادئ" التي بذلت جهدك في إخراجها قد بلغت من الوضوح والإتقان ما يجعلني أتوقع أن يكون قراء الكتاب في الفرنسية أكثر من قرائه في اللاتينية، ويجعلني آمل أن يكونوا له أحسن فهما. والذي أخشاه هو أن يصدّ العنوان كثيرين ممن لم ينشئوا على الدراسات, أو ممن ساء ظنهم بالفلسفة؛ لأن الفلسفة التي تلقنوها لم تفز برضاهم. وذلك يجعلني أرى أن من الخير أن أضيف إليها تقديما يبين لهم ما هو موضوع الكتاب؟ وما القصد الذي توخيته حين كتبته؟ وما المنفعة التي يمكن أن تنال منه؟
لكن مع أنه قد يكون من شأني أنا أن أكتب تقديما من هذا القبيل، إذ المفروض أني أعرف تلك الأمور خيرا من أي شخص آخر، إلا أني لا أستطيع أن أظفر من نفسي بشيء أكثر من أن أضع هنا موجزا للنقط الرئيسية التي يبدو لي أن من الواجب بحثها في ذلك التقديم، وأترك لحسن تصرفك أن تنشر منها على الجمهور ما تراه ملائما المقام.
كنت أبغي أولا أن أشرح فيه معنى الفلسفة، مبتدئا بأقرب الأشياء إلى فهم الكافة، مثل أن لفظ "الفلسفة" معناه دراسة الحكمة، وأنه لا يقصد بالحكمة التحوط في تدبير الأمور فحسب، بل يقصد منها معرفة كاملة لكل ما يستطيع الإنسان أن يعرفه، إما لتدبير حياته، أو لحفظ صحته, أو لاستكشاف الفنون
стр. 23
جميعا؛ وأن المعرفة التي يتوسل بها إلى هاتيك الغايات لا بد أن تكون مستنبطة من العلل الأولى بحيث يكون من الضروري لاكتسابها "وهو ما يسمى على التحقيق تفلسفا" أن نبدأ بالفحص عن هاتيك العلل الأولى، أي: بالفحص عن "المبادئ"؛ وأن هاتيك المبادئ لا بد أن يتوافر فيها شرطان: أحدهما: أن يكون من الوضوح والبداهة بحيث لا يستطيع الذهن الإنساني أن يرتاب في حقيقتها متى أمعن النظر فيها, والثاني: أن تعتمد عليها معرفة الأشياء الأخرى، بحيث إنها يمكن أن تعرف بدون هذه الأشياء ولا تعرف هذه الأشياء الأخرى، بحيث إنها يمكن أن تعرف بدون هذه الأشياء ولا تعرف هذه الأشياء بدونها، ويلزم بعد هذا أن نسعى إلى أن نعرف بدون هذه الأشياء ولا تعرف هذه الأشياء بدونها، ويلزم بعد هذا أن نسعى إلى أن نستنبط من تلك المبادئ معرفة الأشياء المعتمدة عليها بحيث لا يكون في سلسلة الاستنباطات شيء إلا وهو بين كل البيان، والله وحده هو حقا الموجود الذي هو حكيم إطلاقا، أي: المحيط علنه بحقائق الأشياء جميعا. لكنا نستطيع أن نقول: إن مراتب الناس من الحكمة متفاوتة بمقدار تفاوتهم في معرفة أهم الحقائق، وأنا واثق أنه لا شيء مما قد قلته الآن إلا ويقره جميع العلماء.
وكنت أبغي بعد ذلك أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة, وأن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين والهمجيين، وأن حضارة الأمة وثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها؛ ولذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. وكنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها وأن يشغل
стр. 24
بها؛ كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته واستمتاعه عن هذا الطريق بجمال اللون والضوء, أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين وليس له من مرشد إلا نفسه. ولأن يحيا المرء دون تفلسف هو حقا كمن يظل مغمضا عينيه لا يحاول أن يفتحهما؛ والتلذذ برؤية كل ما يستكشفه البصر لا يمكن أن يقارن بالرضى الذي ينال من معرفة الأشياء التي تتكشف لنا بالفلسفة.
وأود أن أقول أخيرا: إن هذه الدراسة ألزم لإصلاح أخلاقنا وهداية سلوكنا في الحياة من استعمال عيوننا لهداية خطواتنا. والبهائم العجماوات التي لا هم لها إلا حفظ جسومها، لا تكل عن الدأب والسعي في طلب أقواتها. أما الناس الذين أهم جزء فيهم هو الذهن, فيجب عليهم أن يجعلوا طلب الحكمة همهم الأكبر؛ لأن الحكمة هي القوت الصحيح للعقول. وأستطيع أيضا أن أقنع نفسي أن هنالك كثيرين ما كان يفوتهم هذا الطلب لو أنهم أملوا شيئا من النجاح فيه, وعرفوا مبلغ مقدرتهم عليه. وليس من النفوس نفس مهما تكن من قلة النبل، تظل متعلقة بالحواس تعلقا شديدا فلا تتحول عنها حينا من الدهر، متشوقة إلى خير آخر أعظم وإن تكن في الغالب تجهل ماهية ذلك الخير. والذين آتاهم الله حظا عظيما، فأنعم عليهم بالعافية والمناصب والأموال ليسوا أقل من غيرهم رغبة في ذلك الخير، بل إني لأحسبهم أشد لهفة واشتياقا إلى خير آخر أكمل, وأسمى من كل ما يملكون من خيرات.
وهذا "الخير الأسمى" إذا نظر إليه بالنور الفطري دون نور الإيمان، لم يكن شيئا سوى معرفة الحقيقة عن طريق عللها الأولى، أعني: الحكمة التي تدرسها الفلسفة١. ولما كانت هذه الأمور كلها حقا لا مراء فيها، لم يصعب إقناع الناس بها, متى أحسنا عرضها والتدليل عليها.
стр. 25
لكن من حيث إنه قد حِيل بيننا وبين أن نعتقد هذه الأمور، بسبب التجربة التي تدلنا على أن محترفي الفلسفة هم غالبا أقل حكمة وأقل اعتصاما بالعقل من غيرهم ممن لم يشتغلوا بتلك الدراسة قط، فيلزمني ههنا أن أشرح بإيجاز: مم تتألف كل المعرفة التي نملكها الآن؟ وإلى أي درجات الحكمة وصلنا؟ الأولى لا تشتمل إلا على تصورات بلغ من وضوحها بذاتها أن أصبح اكتسابها ميسورا دون تأمل، والثانية تشتمل على كل ما تدلنا عليه تجربة الحواس، والثالثة ما نتعلمه من أحاديثنا مع غيرنا من الناس، ويصح أن نضيف إلى ما سبق درجة رابعة، وهي مطالعة الكتب لا أقول جميعا، بل على الخصوص تلك التي كتبها أشخاص قادرون على تزويدنا بإرشادات حسنة؛ لأن مطالعة الكتب ضرب من التحدث مع مؤلفيها. ويبدو لي أن كل الحكمة التي يقع امتلاكها في مألوفنا مكتسبة بهذه الطرق الأربعة فقط؛ لأني لا أضع الوحي الإلهي من بينها؛ إذ إن هدايته ليست على درجات، وإنما يرفعنا دفعة واحدة إلى إيمان لا يتزعزع.
نعم, لقد وجد في كل العصور من فطاحل المفكرين من حاولوا في سعيهم إلى بلوغ الحكمة أن يجدوا طريقا خامسا أرفع وأوثق بمراحل من الطرق الأربعة الأخرى؛ ذلك هو البحث عن العلل الأولى والمبادئ الحقة التي يستطيع المرء أن يستنبط منها أسباب كل ما في مقدورنا أن نعرفه، وعلى هؤلاء الذين اشتغلوا بهذا البحث على الخصوص أطلق الناس اسم الفلاسفة١. وأول وأكبر من
стр. 26
وصلت إلينا مؤلفاتهم هما أفلاطون وأرسطو, ولم يكن بينهما من فرق سوى أن أفلاطون قد سار على آثار أستاذه سقراط, فاعترف في خلوص نية بأنه لم يهتد بعد إلى شيء يقيني، وأنه قد اكتفى بتحرير ما بدا له شيئا محتمل الصدق, وتخيل لهذا الغرض بعض مبادئ حاول بواسطتها أن يفسر الأشياء الأخرى. أما أرسطو فكان أقل صراحة، ومع أنه تتلمذ على أفلاطون عشرين سنة ولم يكن لديه مبادئ غير مبادئ أستاذه, فقد غير طريقة عرضها تغييرا تاما، وقدمها على أنها صحيحة ومؤكدة، ولو أن الأرجح أنها لم تكن قط في تقديره كذلك١.
ولقد أصاب هذان الرجلان من الألمعية والحكمة التي تكتسب بالوسائل الأربع السابقة ما أضفى عليهما سلطانا كبيرا جعل من جاءوا بعدهما يقفون عند متابعة آرائهما أكثر مما يسعون إلى شيء أفضل. والنزاع الكبير الذي نشب بين تلاميذهما إنما كان مداره أن يتبينوا: هل ينبغي أن توضع الأشياء كلها موضع الشك أم أن هناك أشياء يقينية؟ وهو خلاف أفضى بالفريقين إلى ضلال بعيد؛ لأن فريقا ممن ذهبوا إلى الشك قد وسعوا نطاقه وجعلوه يمتد إلى أفعل الحياة،
стр. 27
بحيث إنهم أهملوا استعمال الحيطة والتبصر في سلوكهم، أما من ناصروا مذهب اليقين فقد افترضوا أنه يعتمد على الحواس، فاطمأنوا إليها كل الاطمئنان، حتى إنه يقال: إن "أبيقور" بلغت به الجرأة في أقواله أن صرح، خلافا لجميع استدلالات علماء الفلك، بأن الشمس ليست أكبر حجما مما تبدو لنا.
وهناك عيب يمكن أن يلاحظ في جميع المنازعات، وهو أنه لما كانت الحقيقة وسطا بين الرأيين المتقابلين، فإن كل طرف يبعد عنها بمقدار ما يكون ميله إلى معارضة الطرف الآخر.
لكن خطأ من مالوا كل الميل إلى جانب الشك لم يجد من تابعه زمنا طويلا. أما خطأ الفريق الآخر فقد تيسر تصحيحه شيئا ما، حين تبين أن الحواس تخدعنا في كثير من الأشياء.
غير أني لا أحسب أن ذلك الخطأ قد زال زوالا تاما؛ لأن أحدا لم يبين أن اليقين ليس في الحواس بل في الذهن وحده حين يكون لديه مدركات بديهية، وأنه حين لا يكون لدينا إلا معارف اكتسبناها عن طريق درجات الحكمة الأربع الأولى، حينذاك لا ينبغي أن نشك في الأشياء التي تبدو لنا حقيقة إذا كانت متصلة بسلوكنا في الحياة، ولكن لا ينبغي كذلك أن نعدها يقينية يقينا يمتنع معه أن نغير رأينا فيها, إذا اضطرتنا إلى ذلك بداهة من بداهات العقل١.
стр. 28
وقد نشأ عن الجهل بهذه الحقيقة, أو عن عدم استعمالها ممن عرفوها أن معظم من أرادوا في هذه القرون الأخيرة أن يكونوا فلاسفة قد تابعوا أرسطو متابعة عمياء، حتى إنهم كثيرا ما أفسدوا معنى كتاباته، ناسبين إليه آراء مختلفة ما كان ليقر نسبتها إليه لو أنه عاد إلى هذه الدنيا. أما من لم يتابعوه -ومنهم كثيرون من ذوي العقول الراجحة١- فلم يبرءوا من التشبع بآرائه في شبابهم؛ لأنه لا يعلم في المدارس سواها، وقد شغلهم ذلك شغلا حال دون وصولهم إلى معرفة المبادئ الحقة. ومع أني أقدرهم جميعا ولا أريد أن أعرض نفسي للخزي بتوجيه اللوم إليهم، فإني أستطيع أن أقدم على قولي دليلا لا أظن أن منهم من ينكره، وهو أنهم قالوا بشيء لم يكونوا على معرفة كاملة به وافترضوه مبدأ. فأنا مثلا لا أعرف منهم من يفترض الثقل في الأجسام الأرضية، ولكن مع أن التجربة تدلنا بوضوح على أن الأجسام التي تسمى ثقيلة تهبط نحو مركز الأرض, فإننا لا نعلم مع ذلك ما هي طبيعة ما يسمى ثقلا، أي: طبيعة العلة أو المبدأ الذي يجعلها تهبط على هذا النحو، وعلينا أن نستقي معرفتنا بذلك من مصدر آخر. ويمكن أن يقال مثل هذا عن الخلاء والذرات، وعن الحار والبارد، وعن الجاف والرطب، وعن الملح والكبريت والزئبق وما شابه ذلك مما افترضه بعضهم مبادئ٢.
لكن جميع النتائج التي تستنبط من مبدأ ليس ببديهي, لا يمكن أن تكون بديهية مهما يكن الاستنباط من حيث صورته صحيحا. ويترتب على هذا أن
стр. 29
جميع الاستدلالات التي أقاموها على مثل تلك المبادئ لم تستطع أن تؤديهم إلى المعرفة اليقينية لشيء واحد، ولم تستطع بالتالي أن تجعلهم يقدمون خطوة واحدة في البحث عن الحكمة. وإذا كانوا قد وجدوا أية حقيقة, فمرجع ذلك إلى بعض الطرق الأربعة المشار إليها فيما تقدم. وعلى الرغم من هذا لا أريد أن أنتقص شيئا مما قد يدعيه كل واحد منهم لنفسه من فضل، لكني مضطر إلى أن أقول تهدئة لخواطر من لم ينصرفوا إلى الدرس: إن مثلنا كمثل المسافر، إذا أدار ظهره إلى المكان الذي يبتغي الذهاب إليه نأى عنه بقدر مضيه في الاتجاه الجديد زمانا أطول وبسرعة أشد، بحيث إنه لو عاد بعد ذلك إلى الطريق السوي لم يستطع أن يدرك المكان المقصود في نفس الوقت الذي كان يدركه فيه لو أنه لم يشرع في السير إطلاقا. وكذلك شأن الفلسفة، إذا اصطنعنا فيها مبادئ فاسدة كان ابتعادنا عن معرفة الحقيقة ومعرفة الحكمة بمقدار ما نبذل من عناية في تعهدهما, وما ننفق من جهد في استخلاص مختلف النتائج منهما، ونحن نظن أننا نحسن التفلسف، مع أننا نكون قد أمعنا في الابتعاد عن الحق. ويتعين أن نستخلص من هذا أن أولئك الذين تعلموا أقل قدر من كل ما خصّ حتى الآن باسم الفلسفة, هم أقدر الناس على إدراك الفلسفة الحقة.
وأود, بعد إيضاح هذه الأمور، أن أورد هنا الأدلة اللازمة لإثبات أن المبادئ التي تعيننا على الوصول إلى مراتب الحكمة هذه -وهو قوام الخير الأسمى في الحياة الإنسانية- هي المبادئ التي وضعتها في هذا الكتاب.
وحسبنا لإثبات ذلك دليلان اثنان: الأول: أن هذه المبادئ واضحة جدا. والثاني: أن باستطاعتنا أن نستنبط منها جميع الحقائق الأخرى؛ لأن هذين الشرطين وحدهما هما المطلوبان في المبادئ. ومن الميسور لي أن أثبت أنها
стр. 30
واضحة جدا: أولا، بالاستناد إلى النحو الذي وجدتها عليه، أعني: باطّراح جميع القضايا التي عرض لي فيها وجه من وجوه الشك، إذ من المستيقن أن القضايا التي أمعنا النظر فيها، ووضعناها موضع الاختبار فلم نستطع اطراحها بعد ذلك، هي أجلى وأوضح ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرف.
ونظرا إلى أني رأيت أن من يريد أن يشك في كل شذى لا يستطيع مع ذلك أن يشك في وجوده حين يشك، وأن ما سبيله في الاستدلال هذا النحو من عدم استطاعته أن يشك في ذاته ولو كان يشك في كل ما سواه, ليس هو ما نقول عنه: إنه بدننا, بل ما نسميه روحنا أو فكرنا. بهذا الاعتبار أخذت كينونة هذا الفكر أو وجوده على أنه المبدأ الأول، ومن هذا المبدأ استنبطت بكل وضوح المبادئ التالية، أعني: وجود إله هو صانع ما هو موجود في هذا العالم. ولما كان الله تعالى منبع كل حقيقة، فإنه لم يخلق الذهن الإنساني على فطرة تجعله يخطئ في الحكم الذي يطلقه على الأشياء التي يتصورها تصورا واضحا جدا ومتميزا جدا، تلك هي المبادئ التي استعملتها فيما يتصل بالأشياء اللامادية أو الميتافيزيقية. ومن هذه المبادئ استنبطت استنباطا واضحا كل الوضوح، مبادئ الأشياء الجسمانية أو الفيزيقية، أعني: وجود أجسام ممتدة طولا وعرضا وعمقا، وذات أشكال مختلفة ومتحركة على أنحاء مختلفة. هذا بإيجاز جميع المبادئ التي استنبطت منها حقيقة الأشياء الأخرى١. والدليل الثاني على وضوح هذه المبادئ هو أن الناس عرفوها في كل زمان وتلقوها جميعا على أنها مبادئ صحيحة ولا سبيل إلى الشك فيها، ولا يستثنى منها إلا وجود الله، إذ وضعه بعضهم موضع الشك، بسبب إسرافهم في الاعتداد بمدركات الحواس، وأنهم لا يستطيعون أن يروا الله بأبصارهم, ولا أن يلمسوه بأيديهم.
стр. 31
ولكن على الرغم من أن جميع الحقائق التي أضعها بين مبادئ قد عرفها الناس جميعا في جميع الأزمان, غير أني لا أعلم أن أحدا حتى الآن قد تبين أنها مبادئ الفلسفة, أي: إن من شأنها أن تستخلص منها المعرفة بجميع الأشياء التي في العالم؛ ولذلك يبقى على ما منا أن أثبت أن هذا هو شأنها. ويبدو لي أن أفضل سبيل أستطيع به أن أثبت ذلك هو أن أبينه بالتجربة، أي: أن أدعو القراء إلى قراءة هذا الكتاب١؛ لأني وإن لم أكن قد تناولت فيه جميع الأشياء لاستحالة هذا الأمر، فإني أحسب أني قد خسرت جميع الأشياء التي عرضت لها في مواضعها، بحيث إن من يقرءونه بشيء من الانتباه سيكون لديهم ما يدعوهم إلى الاعتقاد بأنه لا حاجة إلى التماس مبادئ أخرى غير ما قررت للوصول إلى أرفع معرفة أتيح للذهن الإنساني أن يبلغها. فإذا قرءوا مؤلفاتي أولا وحرصوا على ملاحظة تفسيرها للمسائل المختلفة، وإذا تصفحوا أيضا مؤلفات غيري، لرأوا قلة ما أدلوا فيها من الأدلة المقبولة لتفسير تلك المسائل نفسها بمبادئ مخالفة لمبادئي. وأود أن أقول لهم، كيما يتيسر لهم القيام بما أدعوهم إليه: إن أولئك الذين ألفوا آرائي يلقون في فهم مؤلفات غيري وفي معرفة قيمتها الحقيقية عناء أقل بكثير مما يلقاه من لم يألفوا تلك الآراء، وهذا عكس ما قلت منذ قليل عمن بدءوا بدراسة الفلسفة القديمة، من أنهم كلما زاد اشتغالهم بها قل في الغالب استعدادهم لتعلم الفلسفة الحقة.
وأود أن أضيف كلمة عن رأيي في الطريقة التي أنصح بها في قراءة هذا الكتاب، وهي أني أود للقارئ أن يتصفحه كله أولا كما يتصفح رواية دون أن
стр. 32
يحل انتباهه من أمر عسرا, ودون أن يقف عند الصعوبات التي قد تعترض سبيله فيه حتى يلم إلماما عاما الموضوعات التي تناولتها. فإذا وجد بعد ذلك أنها جديرة بأن تبحث، ورغب في استطلاع أسبابها استطاع أن يقرأ الكتاب مرة أخرى لكي يلتفت إلى ارتباط أفكاري واتصالها. ولكن لا ينبغي أن يطرح الكتاب إذا لم يتبين ذلك الارتباط في كل المواضع أو لم يفهم أفكاري كلها، بل ينبغي أن يضع بالقلم علامة بإزاء المواضع التي يجد فيها صعوبة، وأن يمضي في القراءة دون توقف حتى النهاية. واعتقادي أنه إذا قرأ الكتاب مرة ثالثة فسيجد فيه حلا لأغلب الصعوبات التي وضع العلامات بإزائها من قبل, فإذا بقيت بعد ذلك بعض الصعوبات وجد لها الحل أخيرًا متى أعاد القراءة.
لقد استرعى نظري عند دراسة طبائع المفكرين على اختلافها أنه لا يكاد يوجد منهم من قد بلغ من الغلظة والتخلف ما يجعله عاجزا عن أن يثوب إلى الرأي السديد، بل أن يحصل أرفع العلوم متى وجه التوجيه السليم، وهذا يمكن إثباته كذلك بدليل العقل؛ لأنه ما دامت المبادئ واضحة، وما دام لا ينبغي أن يستخلص منها شيء إلا باستدلالات بديهية جدا، فكل امرئ لديه دائما من قوة الذهن ما يعينه على فهم الأشياء التي يعتمد عليها. لكن فضلا عن العقبات الناشئة من الأوهام الشائعة التي لا يخلو منها أحد خلوا تاما، وإن تكن أشد إضرارا بمن أحالوا دراسة العلوم الفاسدة، فيكاد يحدث دائما أن أصحاب الأذهان المعتدلة يهملون الدراسة؛ لأنهم لا يظنون أنهم قادرون عليها، وأن غيرهم ممن هم أشد منهم حماسة يتعجلون فيشتطون، وكثيرا ما يؤدي تعجلهم إلى أن يتلقوا مبادئ ليست بديهية يستخلصون منها نتائج غير يقينية١؛ ولذلك أود أن أؤكد لمن يبالغون في عدم الاطمئنان إلى قوة أذهانهم بأنه لا شيء في
стр. 33
مؤلفاتي إلا ويستطيعون أن يفهموه إذا بذلوا جهدهم في بحثه، ومع ذلك فأود كذلك أن أحذر الآخرين بأن أصحاب الأذهان الممتازة أنفسهم محتاجون إلى كثير من الوقت, والانتباه لكي يلحظوا جميع الأشياء التي قصدت تضمينها في كتابي.
ثم لكي أعين القارئ على جودة التصور لقصدي من نشر "المبادئ" أود هنا أن أشرح الترتيب الذي يبدو لي أن من الواجب اتباعه للاستزادة من المعرفة. فأقول أولا: إن الإنسان الذي لا يملك بعد إلا المعرفة العامية الناقصة التي يمكن تحصيلها بالوسائل الأربع التي شرحتها فيما تقدم، يجب قبل كل شيء أن يسعى إلى أن يؤلف لنفسه مذهبا أخلاقيا يكفي لتنظيم أعماله في الحياة؛ لأن هذا الامر لا يحتمل إرجاء، ولأننا ينبغي على الخصوص أن نسعى إلى الحياة الصحيحة١ وبعد ذلك ينبغي أيضا أن يدرس المنطق ولا أقصد منطق المدرسيين؛ لأنه على التدقيق ليس إلا جدلا يعلم الوسائل لإفهام غيرنا الأشياء التي نعلمها، أو للإدلاء دون حكم بأقوال كثيرة من الأشياء التي لا نعرفها، فهو بذلك يفسد الحكم السليم دون أن ينميه، بل أقصد المنطق الذي يعلم المرء توجيه عقله لاكتشاف الحقائق التي يجهلها. ولما كان كثير الاعتماد على الاستعمال، فيجمل أن يتدرب المرء زمانا طويلا على ممارسة قواعده المتصلة بالمسائل السهلة
стр. 34
البسيطة كمسائل الرياضيات١. ثم إذا اكتسب عادة الاهتداء إلى الحقيقة في هذه المسائل، وجب أن يبدأ في جد بالإقبال على الفلسفة الحقة٢، التي جزؤها الأول هو الميتافيزيقا التي تحتوي على مبادئ المعرفة, ومن بينها تفسير أهم صفات الله, ولامادية النفوس، وجميع المعاني الواضحة البسيطة المودعة فينا٣.
والثاني هو الفيزيقا، ويبحث فيها على العموم، بعد أن يكون المرء قد وجد المبادئ الحقة للأشياء المادية، عن ماهية الكون كله، وعلى الخصوص عن طبيعة هذه الأرض وطبيعة جميع الأجسام التي توجد حولها، مثل: الهواء والماء والنار والمغناطيس والمعادن الأخرى, وبعد ذلك يحتاج أيضا إلى أن يفحص على الخصوص عن طبيعة النبات وطبيعة الحيوان وخصوصا طبيعة الإنسان؛ لكي يستطيع المرء بعد ذلك أن يجد العلوم الأخرى التي فيها منفعة له٤. فالفلسفة بأسرها أشبه بشجرة جذورها الميتافيزيقا، وجذعها الفيزيقا, والفروع التي تخرج من هذا الجذع هي كل العلوم الأخرى التي تنتهي إلى ثلاثة علوم رئيسية, هي: الطب والميكانيكا والأخلاق، وأعني الأرفع والأكمل التي لما كانت تفترض معرفة تامة بالعلوم الأخرى، فقد بلغت المرتبة الأخيرة من مراتب الحكمة٥.
стр. 35
ومن حيث إن المرء لا يجني الثمرات من جذور الأشجار, ولا من جذوعها بل من أطراف فروعها، فكذلك أكبر منفعة للفلسفة تعتمد على أجزائها التي لا يستطاع تعلمها إلا آخر الأمر١. ولكن مع أني أكاد أجهلها كلها، فإن دأبي على خدمة الجمهور جعلني أنشر، منذ سنوات عشر أو اثنتي عشرة سنة، بضع محاولات في أمور كان يبدو لي أني قد تعلمتها. والجزء الأول من هذه المحاولات مقال في المنهج لحسن توجيه العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم، وفيه لخصت القواعد الرئيسية للمنطق ولمذهب في الأخلاق ناقص يستطيع المرء اتباعه مؤقتا ريثما يجد خيرا منه. والأجزاء الأخرى رسائل ثلاث: إحداها عن "البصريات"، والأخرى عن "الآثار العلوية", والثالثة عن الهندسة٢, وقد قصدت "بالبصريات" أن أبين أن في إمكان المرء أن يمضي في سبيل الفلسفة شوطا بعيدا لكي يصل عن طريقها إلى معرفة الفنون النافعة للحياة، نظرا إلى أن اختراع النظارات المقربة الذي شرحته فيها هو من أشق ما حاوله الإنسان من اختراعات. وأردت "بالآثار العلوية" أن يتبين للناس الفرق بين الفلسفة التي أتعهدها وتلك التي يعلمونها في المدارس؛ حيث جرت عادة القوم بأن يتناولوا هذه الموضوعات عينها. وأخيرا, حسبت أني بالهندسة أثبتّ أني اهتديت إلى
стр. 36
أشياء كثيرة كانت مجهولة من قبل؛ وبذلك وطأت سبيلا للاعتقاد بأن من الممكن اكتشاف أشياء أخرى غيرها. وقصدي من ذلك أن أستحث بهذا جميع الناس على البحث عن الحقيقة١. ومنذ ذلك الحين، وقد تنبأت بما قد يجده كثيرون من صعوبة في تصور أسس الميتافيزيقا، حاولت أن أشرح أهم مباحثها في كتاب تأملات٢ ليس في الأصل كبيرا، ولكن زاد حجمه واتضحت مادته كثيرا بما أضيف إليه من اعتراضات أرسلها إلي بصدده أشخاص كثيرون من المتجرين جدا في العالم، ومن ردود قيدتها على تلك الاعتراضات. وأخيرا لما بدا لي أن تلك الرسائل السابقة قد مهدت أذهان القراء لتلقي مبادئ الفلسفة رأيت أيضا أن أنشر هذه المبادئ.
وقد قسمت الكتاب أربعة أجزاء, يحتوي الأول منها على مبادئ المعرفة، وهو ما يمكن أن يسمى الفلسفة الأولى أو الميتافيزيقا. ولكي يفهم جيدا يجعل أولا أن يقرأ كتاب "التأملات" الذي كتبته في هذا الموضوع٣ والأقسام الثلاثة الأخرى أعم ما في الفيزيقا، أعني: تفسير القوانين الأولى أو مبادئ الطبيعة، وعلى أي نحو خلقت السموات والنجوم والثوابت والكواكب والشهب والكون كله على العموم, وعلى الخصوص طبيعة هذه الأرض وهذا الهواء والماء والنار والمغناطيس، وهي الأجسام التي يمكن أن نراها عموما محيطة بها، والطبيعة جميع الصفات التي نلحظها في الأجسام، كالنور والحرارة والثقل وما شابه ذلك. وبهذا أحسب أني بدأت أفسر الفلسفة كلها بترتيب، دون أن أغفل شيئا مما يجب تقديمه على الأشياء الأخيرة التي كتبت عنها.
стр. 37
ولكن لكي أنهض بهذا المشروع, وأمضي فيه حتى غايته ينبغي فيما يلي أن أفسر كذلك طبيعة كل واحد من الأجسام الأخرى الأخص والموجودة على الأرض، أعني: طبيعة المعادن والنبات والحيوان وخصوصا الإنسان، ثم يجب أن أبحث بحثا دقيقا في الطب والأخلاق والميكانيكا، هذا ما ينبغي أن أعمل لكي أعطي الناس بناء للفلسفة تاما. ولا يخامرني بعد شعور بأني بلغت من كبر السن، ولا من عدم الاطمئنان إلى قواي، ولا من البعد عن معرفة ما يتبقى، مبلغا يحول دون الإقدام على إتمام المشروع إذا توافرت لدي إمكانية القيام بجميع التجارب التي أحتاج إليها تأييدا لاستدلالاتي وتبريرا لها١، ولكن لما رأيت أن ذلك يقتضي نفقات لا قبل لفرد مثلي على تحللها ما لم يجد لدى الجمهور عونا له، ولما رأيت أنه لا ينبغي لي أن أنتظر هذا العون، فقد بدا لي أن الأولى أن أقنع بالدرس ابتغاء تثقيف نفسي، وأن خلفائي سيلتمسون لي العذر إذا ما تقاعدت عن العمل من أجلهم في المستقبل.
стр. 38
بيد أنه لكي يستطيع الجمهور أن يرى مبلغ ما قدمت له من قبل من خدمات، سأقول ههنا: ما هي الثمرات التي أظن أن في الإمكان استخلاصها من مبادئ؟ الأولى هي الرضا الذي يناله المرء حين يجد فيها حقائق كثيرة كانت مجهولة من قبل؛ فلئن تكن الحقيقة في أكثر الأحيان أقل إثارة لخيالنا من الأكاذيب والأوهام, بالنظر إلى أنها تبدو أقبل بهاء وأكثر بساطة، فإن الرضا الذي تعطيه أبقى وأمتن. والثمرة الثانية هي أن المرء بدراسته هذه المبادئ يتدرج على إجازة الحكم على جميع الأشياء التي تعرض له، فيكتسب بذلك عادات الحكماء، ومن هذا الوجه ستكون لمبادئي نتيجة مختلفة كل الاختلاف عن نتيجة الفلسفة الشائعة؛ لأن من الميسور أن نلاحظ فيمن يسميهم الناس متحذلقين بأنها تجعلهم أقل قدرة على التعقل بما لو كانوا يجهلونها. والثمرة الثالثة أن الحقائق التي تتضمنها لما كانت واضحة جدا, ويقينية جدا فإنها تبعد كل مثار للنزاع، فتهيئ النفوس للوداعة والوئام، وبخلاف ذلك مجادلات المدرسيين، فإنها إذ تجعل من حفظوها -دون شعور منهم- أشد لجاجة وعنادا، ربما كانت العلة الأولى فيما يشتجر الآن بين الناس من شقاق خصام. والثمرة الأخيرة الكبرى لهذه المبادئ أن في الإمكان لمن يرعاها أن يتكشف حقائق كثيرة لم أفسرها. فإذا انتقل المرء شيئا فشيئا من بعض هذه الحقائق إلى بعضها الآخر, استطاع أن يحصل مع الأيام معرفة كاملة بالفلسفة كلها، وأن يرقى إلى أعلى درجة من درجات الحكمة.
والأمر ههنا كما نرى في جميع الفنون: فإنها وإن تكن في البداية شاقة وناقصة، إلا أنها من حيث اشتمالها على شيء من الحق تؤيد التجربة نتيجته, فهي تكمل شيئا فشيئا بالاستعمال، كذلك حين يملك المرء مبادئ حقيقية في الفلسفة واتبعها لم يمكن أن يخلو من أن يجد في بعض الأحيان حقائق أخرى.
стр. 39
وما من دليل على فساد مبادئ أرسطو أقوى من أن نقول بأن الناس قد اتبعوها منذ قرون عديدة, دون أن يحرزوا أي تقدم عن طريقها١.
وأنا أعلم جيدا أن من الناس من يتعجلون تعجيلا شديدا في أحكامهم، ويقصرون عن اتخاذ أسباب الحيطة والتبصر في أعمالهم، فلا يستطيعون -وإن ملكوا أسسا متينة- أن يبنوا بناء قويما. ولما كان هؤلاء في العادة أسرع الناس إلى تأليف الكتب, فإنهم يستطيعون في وقت قصير أن يفسدوا كل ما صنعت، وأن يدخلوا الاضطراب والشك في طريقتي في التفلسف، مع أنني حرصت على أن أبعدها عنهما، إذا تلقى الناس مؤلفاتهم فحسبوها مؤلفاتي أو أنها مليئة بآرائي. ولقد رأيت منذ عهد قريب هذه التجربة في واحد ممن كان أكبر الظن فيه أنه حريص على أن يكون من أنصاري٢، بل إنه رجل قلت عنه في بعض ما كتبت: إنني مطمئن إلى فهمه اطمئنانا يجعلني أعتقد أنه لا يمكن أن يدلي برأي إلا ويحلو لي أن أتبناه, فقد نشر في العام الماضي كتابا عنوانه "أسس الفيزيقا" يبدو أنه لم يكتب فيه شيئا عن الفيزيقا والطب إلا وقد اقتبسه من مؤلفاتي! إما من المؤلفات التي نشرتها أو من مؤلفات آخر ناقص عن طبيعة الحيوان وقع بين يديه. بيد أنه حرف مواضع القول وغير ترتيب التفكير، وأنكر بعض حقائق الميتافيزيقا التي يلزم أن تستند إليها الفيزيقا كلها٣، ولذلك أراني مضطرا إلى أن أبرأ منه براءة تامة, وأن أرجو القراء ههنا أن لا ينسبوا إلي
стр. 40
قط رأيا ما لم يجدوه مصرحا به في كتبي، وأن لا يقبلوا شيئا على أنه حق، لا في مؤلفاتي ولا في غيرها، ما لم يروه -في وضوح- مستنتجا من المبادئ الحقة.
وأنا أعلم أيضا أنه قد تمضي قرون عديدة قبل أن يتاح للناس أن يستخلصوا من هذه المبادئ جميع الحقائق التي يستطاع استخلاصها منها١، إما لأن أغلب الحقائق التي لم يهتد إليها بعد تعتمد على بعض التجارب الخاصة التي لا تتحقق قط بطريق المصادفة, بل يلزم أن ينقطع لها رجال شديدو الذكاء يبذلون الجهد والمال في سبيل البحث عنها، وإما لأن من العسير أن يجتمع لأشخاص بعينهم أن يبرعوا في حسن استخدامها, وأن تكون لهم القدرة على إجرائها، وكذلك لأن أغلب أصحاب الأذهان الفائقة قد بلغ من سوء رأيهم في الفلسفة السائدة حتى اليوم من عيوب, أنهم لن يستطيعوا قط أن يقعدوا عزمهم على الاشتغال بالبحث عن فلسفة أفضل منها.
ولكن أقول في الختام: إنه إذا كان الاختلاف الذي سيرونه بين هذه المبادئ, وبين مبادئ أي مذهب آخر، والمركب الكبير من الحقائق التي يمكن أن تستخلص منها يجعلهم يعرفون أهمية الاستمرار في بحث هذه الحقائق, ومدى ما يستطيع أن يوصلنا إليه من درجات الحكمة وكمال الحياة وغبطتها، فإني مقتنع بأنه لن يوجد واحد لا يحاول أن يشغل نفسه بهذا البحث المفيد, أو على الأقل لا يؤيد ولا يعاون بكل قواه أولئك الذين يهبون أنفسهم للمضي في هذا السبيل موفقين.
إن أمنيتي أن يأتي يوم يشهد فيه خلفاؤنا هذه العقبى السعيدة ... إلخ٢.